|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#41
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 476 الى صـــ 495 الحلقة (40) وصنف عبد الجليل القصري (١) فيه أيضًا، وإسحاق بن إبراهيم القرطبي (٢) في «النصائح». وقال أبو حاتم ابن حبان (٣) -بكسر الحاء المهملة- في كتاب «وصف الإيمان وشعبه»: تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد عَلَى هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدها الشارع من الإيمان، فإذا هي تنقص -------------------- = إلى بغداد، ثم الكوفة، ومكة، وغيرها. صنَّف زُهاء ألف جزء لم يُسبق إليها، منها: «شعب الإيمان» و«السنن الكبرى»، و«السنن الصغرى»، و«دلائل النبوة»، وغيرها. توفي سنة ٤٥٨ هـ. انظر ترجمته في: «الأنساب» ٢/ ٣٨١ - ٣٨٣، «وفيات الأعيان» ١/ ٧٥، ٧٦ (٢٨)، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ١٦٣ - ١٧٠ (٨٦٠)، «البداية والنهاية» ١٢/ ٥٥٦، «معجم المؤلفين» ١/ ١٢٩ (٩٦٧)، «الأعلام» ١/ ١١٦. (١) هو العلامة الزاهد أبو محمد عبد الجليل بن عموسى الأنصاري الأندلسي القصري، له «تفسير القرآن»، و«شعب الإيمان». واختلف في سنة وفاته فقال الذهبي مرة سنة ٦٠٨ هـ، ومرة سنة ٦٠١ هـ انظر: «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٤٢٠ (٢١٥)، «معجم المؤلفين» ٢/ ٥٠. (٢) هو الإمام الزاهد العابد أحد أعلام قرطبة، وكان فقيهًا مهيبًا حافظًا للمسائل صاحب الديوان الشريف المسمى «النصائح». توفي سنة ٣٥٢ هـ، وقيل: سنة ٣٥٤ هـ. انظر: «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ١٠٧ - ١٠٨، «كشف الظنون» ٢/ ١٤٦٧، «شجرة النور الزكية» ص ٩٠ (١٩٩). (٣) هو الإمام الحافظ الفاضل المتقن المحقق الحافظ العلامة محمد بن حبَّان بن أحمد بن حبَّان أبو حاتم التميمي البُستي السجستاني، ونسبته التميمي نسبة إلى تميم جد القبيلة المشهورة، الذي يرتفع نسبهُ إلى عدنان، فهو عربي الأرومة، إلا أنه أفغاني المولد. توفي سنة ٣٥٤ هـ. انظر ترجمته في: «الأنساب» ٢/ ٢٠٩، «معجم البلدان» ١/ ٤١٥ - ٤١٩، «الكامل في التاريخ» ٨/ ٥٦٦، «اللباب» ١/ ١٥١، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٩٢ - ١٠٤ (٧٠)، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٣١٧، ٣١٨ (٧٦٨) «شذرات الذهب» ٣/ ١٦. عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى، وقرأته بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتابِ السنةَ وأسقطت المُعَاد، فإذا كل شيء عده الله ورسوله من الإيمان بضع وسبعون لا يزيد عليها ولا ينقص، فعلمت أن مراد النبي - ﷺ - أن هذا العدد في الكتاب والسنة. التاسع: الحديث ناصٌّ على إطلاق اسم الإيمان الشرعي عَلَى الأعمال وقد سلف بيان هذا. العاشر: قوله - ﷺ -: «وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ»، وفي رواية أخرى في «الصحيح»: «الحياء من الإيمان» (١)، وفي أخرى: «الحياء لا يأتى إلا بخير» (٢)، وفي أخرى: «الحياء خير كله» (٣). فالحياء: ممدود هو الاستحياء (٤). قَالَ الواحدي (٥) عن أهل اللغة: الاستحياء من الحياء، واستحيا ------------------------ (١) ستأتي برقم (٢٤) كتاب الإيمان، باب: الحياء من الإيمان. (٢) ستأتي برقم (٦١١٧) كتاب الأدب، باب: الحياء. (٣) رواه مسلم (٣٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان. (٤) قاله الجوهريُّ في «الصحاح» ٦/ ٢٣٢٤. (٥) هو الإمام العلامة أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن على الواحدي النسابوري، ولد بنيسابور، سمع التفسير من أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، وسمع النحو من أبي الحسن الضرير، وأخذ اللغة عن أبي الفضل أحمد بن محمد بن يوسف العروضي، ومن تلاميذه أحمد بن عمر الأرغياني، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وطائفة أخرى. له من المصنفات: في التفسير ثلاثة كتب: «الوجيز»، «الوسيط»، «البسيط» و«أسباب النزول»، وله كتاب «الدعوات»، «المحصول»، «المغازي» وغيرها الكثير، توفي بنيسابور سنة ٤٦٨ هـ. انظر: «الكامل في التاريخ» ١٠/ ١٠١، «وفيات الأعيان» ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤ (٤٣٨) و«سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤٢ (١٦٠)، «مرآة الجنان» ٢/ ٩٦ - ٩٧، = الرجل من قوة الحياء لشدة علمه بمواقع العيب. قَالَ: فالحياء من قوة الجبن ولطفه. وقال الجنيد: حيي حياء رؤية الآلاء أي: النعم ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء (١). وإنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قوة قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا؛ ولكونه باعثًا عَلَى أفعال الخير، ومانعًا من المعاصي، ورب حياء يمنع من الخير، ويجبن عن قول الحق وليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور، وتسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لشبهه الحقيقي، وإنما حقيقته خلق يبعث عَلَى اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحوه. فائدة: الحياء أيضًا بالمد والقصر: الفرج من إناث الخف والظلف والسباع، وخصَّ ابن الأعرابي الشاة والبقرة والظبية، وبالقصر: الخصب والمطر، وحكي المد فيها أيضًا (٢). ------------------------- = «شذرات الذهب» ٣/ ٣٣٠. (١) أورده ابن القيم في «مدارج السالكين» ٢/ ٢٥٩. (٢) قال الجوهري: والحياء أيضًا: رحم الناقة، وقال الليث: حَيَا الناقة يُقْصَرُ ويُمَدُّ لغتان. وقال الأزهري: حياء الناقة والشاة وغيرهما ممدود إلا أن يقصره شاعر ضرورة، وما جاء عن العرب إلا ممدودًا، وإنما سُمِّي حياءً باسم الحياء من الاستحياء، لأنه يُستر من الآدمي ويكنى عنه من الحيوان ويُستفحش التصريح بذكره واسمه الموضوع له، وُيستحى من ذلك ويُكنى عنه. وقال الليث: يجوز قَصْرُ الحياء ومدُّه. قيل: وهو غلط لا يجوز قصره لغير الشاعر؛ لأن أصله الحياء من الاستحياء، انظر: «الصحاح» ٦/ ٢٣٢٤، «تهذيب اللغة» ١/ ٩٥٦. ٤ - باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما -، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -هو ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -وهو ابن عمرو- عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. [٦٤٨٤ - مسلم ٤٠ - فتح ١/ ٥٣]. حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -هو ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -وهو ابن عمرو- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أنه يجوز في قوله: (باب: المسلم) التنوين والإضافة. وكذا نظائر هذا الباب مما هو كلام مستقل، وتكون الإضافة إلى الجملة. أحدها: التعريف برواته غير من سلف. أما عبد الله (ع) بن عمرو فهو: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نُصير -بضم النون- عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد -بضم السين وفتح العين- بن سهم بن عمرو بن هُصيص -بضم الهاء وبصادين مهملتين- بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي. أُمُّه: ريطة بنت منبه بن الحجاج، أسلم قبل أبيه وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان غزير العلم، مجتهدًا في العبادة، وكان أكثر حديثًا من أبي هريرة؛ لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب، كما سيأتي حيث ذكره البخاري (١)، ومع ذَلِكَ فالذي روي له قليل بالنسبة إلى ما رواه أبو هريرة، روي له سبعمائة حديث، اتفقا منها عَلَى سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين. مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة بعد الستين، سنة خمس أو ثلاث أو سبع. وقيل: سنة ثلاث وسبعين عن ثنتين وسبعين سنه (٢). فائدة: في الصحابة عبد الله بن عمرو جماعات أخر عدتهم ثمانية عشر نفسًا (٣). ----------------------- (١) سيأتي برقم (١١٣) كتاب العلم، باب: كتابة العلم. (٢) انظر: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٧٢٠ - ١٧٢٥ (١٦٩٩)، «الاستيعاب» ٣/ ٨٦ - ٨٨ (١٦٣٦)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٩ - ٣٥١ (٣٠٩٠)، «الإصابة» ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢ (٤٨٤٧). (٣) هكذا عدهم ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة في معرفة الصحابة» وهم: عبد الله بن عمرو الأحوص، عبد الله بن عمرو بن بحيرة، عبد الله بن عمرو الجمحي، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبد الله بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن عمرو بن طلحة، وعبد الله بن عمرو بن الألهاني، وعبد الله بن عمرو بن الطفيل، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو ابن عوف، وعبد الله بن عمرو بن قيس، وعبد الله بن عمرو بن الوعيد، وعبد الله بن = وأما الشعبي هو الإمام العلامة التابعي الجليل الثقة أبو عمرو عامر (ع) بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي. والشعبي -بفتح الشين- نسبة إلى شعب: بطن من همذان، أُمُّه من سبي جلولاء (١). ولد لست سنين مضت من خلافة عمر. روى عن خلق من الصحابة منهم: عمر وسعد وسعيد، وروينا عنه أنه قَالَ: أدركت خمسمائة صحابي (٢). قال أحمد بن عبد الله (٣): ومرسله صحيح (٤). روى عنه قتادة، وخلق من التابعين، ومناقبه جَمَّةٌ وَلِي قضاء الكوفة. مات بعد المائة، إما سنة أربع، أو ثلاث، أو خمس، أو ست، ابن نَيِّفٍ وثمانين سنة (٥). فائدة: إِذَا أطلق الشعبي فالمراد به هذا الإمام، وإن كان جماعة بما وراء النهر يطلق عليهم ذَلِكَ لكنهم متأخرون جدًّا، وقد أسلفنا أن هذِه النسبة إلى شعب بطن من همذان، وكذا قَالَ ابن قتيبة: الشعبي يقال: هو من ----------------------- = عمرو أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن هلال، وعبد الله بن عمرو بن وهب، وعبد الله بن عمرو بن وقدان، وعبد الله بن عمرو بن اليشكري. انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٥ - ٣٥٥. (١) جَلولاء: بالمد، ناحية من نواحي السواد في طريق خراسان. انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١٥٦. بتصرف. (٢) «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٤. (٣) هو العجلي صاحب «معرفة الثقات». (٤) «معرفة الثقات» ٢/ ١٢. (٥) انظر: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٤٦ - ٢٥٦، «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٥٠ (٢٩٦١)، «المعارف» لابن قتيبة ص ٤٤٩ - ٤٥١، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٢٨ (٣٠٤٢)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٩٤ - ٣١٩. حمير، وعداده في همدان، ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده، ودفن به. وقال الهمداني: الشعب الأصغر: بطن، منهم عامر بن شراحيل. قَالَ: والشعب الأصغر بن شراحيل بن حسان بن الشعب الأكبر بن عمرو بن شعبان. وقال الجوهري: شعب: جبل باليمن وهو عَلَى شعبين نزله حسان بن عمرو الحميري وولده فنسبوا إليه، وإن من نزل من أولاده بالكوفة يقال لهم: شعبيون منهم: عامر الشعبي، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شعبانيون، ومن كان منهم باليمن يقال: لهم آل ذي شعبين، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم: الأشعوب (١). وأما إسماعيل (ع) فهو: ابن أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير البجلي الأحمسي. مولاهم الكوفي، سمع خلقًا من الصحابة، منهم أنس بن مالك، وجماعة من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام. وكان عالمًا متقنًا صالحًا ثقة، وكان يسمى: الميزان، وكان طحانًا. قَالَ ابن المديني: له نحو ثلاثمائة حديث، مات سنة خمس وأربعين ومائة (٢). وأما عبد الله (ع) بن أبي السَّفَر -بفتح السين والفاء-، وحكي إسكانها، واسم أبي السفر: سعيد بن يُحمَد -بضم الياء وفتح الميم- --------------------- (١) «الصحاح» ١/ ١٥٦، مادة: (شعب). (٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٤٠، «طبقات خليفة» ص ١٦٧، «التاريخ الكبير» ١/ ٣٥١، ٣٥٢ (١١٠٨)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٨٥، «الكامل في التاريخ» ٥/ ٥٧٢، «تهذيب الكمال» ٣/ ٦٩ (٤٣٩)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٧٦ - ١٧٨ (٨٣). «شذرات الذهب» ١/ ٢١٦. كذا ضبطه النووي في «شرحه» (١)، وغيره ضبطه بخطه بكسرها، ويقال: أحمد الثوري الهمداني الكوفي. روى عنه شعبة وغيره، مات في خلافة مروان بن محمد. قَالَ أحمد ويحيى بن معين: ثقة، روى لَهُ الجماعة إلا الترمذي (٢). فائدة: السفر كله بإسكان الفاء في الاسم وبتحريكها في الكنية، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله السالف كما سلف. وأما شعبة (ع) فهو العلامة الحافظ أمير المؤمنين، أبو بسطام، شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم الواسطي البصري مولى عبدة بن الأغر، وعبدة مولى يزيد بن المهلب من تابعي التابعين، رأى الحسن وابن سيرين، سمع أنس بن سيرين وغيره من التابعين. قَالَ الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أحمد: كان أمةً وحده في هذا الشأن. وقال أبو بحر البكراوي (٣): ما رأيت أعبد لله تعالى منه، عَبدَ حتَّى جف لحمه عَلَى عظمه. -------------------- (١) قال النووي في «شرحه» على مسلم ١١/ ٦٠: بفتح الفاء على المشهور وقيل بإسكانها. (٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٨، «طبقات خليفة» ص ١٦٢، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٠٥ (٣٠٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٧١، ٧٢ (٣٣٧)، «الثقات» ٧/ ٢٥، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤١، ٤٢ (٣٣٠٨). (٣) هو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، أبو بحر البكراوي البصري. انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٧١. مات بالبصرة أول سنة ستين ومائة عن سبع وسبعين سنة، وهو أكبر من الثوري بعشر سنين، والثوري أكبر من ابن عيينة بذلك (١). فائدة: ليس في الكتب الستة شعبة بن الحجاج غيره. وفي النسائي: شعبة بن دينار الكوفي (٢): صدوق، وفي [أبي] (٣) داود: شعبة بن دينار عن مولاه ابن عباس ليس بالقوى (٤). وفي الضعفاء: شعبة بن عمرو يروي عن أنس، قَالَ البخاري: أحاديثه مناكير (٥). وفي الصحابة: شعبة بن التوأم (٦) وهو من الأفراد والظاهر أنه تابعي. وأما آدم (خ ت س ق) بن أبي إياس فهو أبو الحسن آدم بن عبد الرحمن، وقيل: ناهية بن محمد. أصله من خراسان، نشأ ببغداد، وكتب عن شيوخها، ثمَّ رحل إلى الكوفة وغيرها من الأمصار، واستوطن عسقلان. --------------------- (١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٨٠، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥ (٦٧٨)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٧٩ (٢٧٣٩)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٢٠٢ - ٢٢٨ (٨٠)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٤٧. (٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٤ (٢٦٧٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٦٨ (١٦٠٦)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٦٥ (٢٧٤٠)، «التقريب» (٢٧٩٢) وقال: لا بأس به. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٤) انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٤ (٢٦٧٣)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ٣٦٢ وقال: في أحاديثه مناكير كثيرة، روى عنه الخليل بن مرة، البلية في أخباره من الخليل بن مرة، وقد ذكرنا الخليل في كتاب «الضعفاء» بأسبابه وما يجب الوقوف على أنبائه. (٥) انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٩ (١٦١٣)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٧٠)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠١ (٢٩٤). (٦) انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٣ (٢٦٧٢)، «أسد الغابة» ٢/ ٥٢٥ (٢٤٤١). سمع شعبة وغيره من الأعلام، وروى عنه البخاري، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه. وكان ثقة مأمونًا متعبِّدًا. مات بعسقلان سنة عشرين ومائتين، وقيل: إحدى وعشرين عن ثمان وثمانين سنة، وقيل: عن نيف وتسعين سنة (١). ولما حضرته الوفاة ختم القرآن وهو مسجى، ثمَّ قَالَ: بحبك لي إلا ما رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك ثمَّ قَالَ: لا إله إلا الله. ثمَّ قضى (٢). قَالَ الخطيب: حدَّث عنه: بشر بن بكر التنيسي وإسحاق ابن إسماعيل الرملي، وبين وفاتيهما ثمانون، وقيل: ثلاثة وثمانون سنة (٣). ---------------------- (١) انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٩ (١٦١٣)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٧٠)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠١ (٢٩٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٣٥ - ٣٤١ (٨٢)، «شذرات الذهب» ٢/ ٤٧. (٢) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ٢٩. بلفظ: بحبِّي لك إلا رفقت بي هذا المصرع. (٣) «السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة راويين عن شيخ واحد» للخطيب البغدادي ص ١٦٠ (٣٦). والسابق واللاحق هو: أن يشترك في الرواية عن شيخ راويان أحدهما متقدم والأخر متأخر، بين وفاتيهما زمن طويل. من فوائده تقرير حلاوة علو الإسناد في القلوب، ومن أمثلته: ما ذكره المصنف هنا، وكذلك محمد بن إسحاق السراج، روى عنه البخاري في «تاريخه»، وروى عنه أبو الحسين الخفاف النيسابوري، وبين وفاتيهما مائة وسبع وثلاثون سنة أو أكثر، وذلك أن البخاري مات سنة ست وخمسين ومائتين، ومات الخفاف سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة. انظر: «علوم الحديث» ص ٣١٧ - ٣١٨، «المقنع» ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨، «تدريب الراوي» ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨. فائدة: ليس في هذِه الكتب آدم بن أبي إياس غير هذا، وفي مسلم، والترمذي، والنسائي: آدم بن سليمان الكوفي (١)، وفي البخاري، والنسائي آدم بن علي العجلي الكوفي أيضا (٢) فحسب. وفي الرواة آدم بن عيينة، أخو سفيان لا يحتج به (٣)، وآدم بن فائد عن عمرو بن شعيب مجهول (٤). وأما أبو معاوية (ع) فهو: محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير الكوفي التيمي السعدي مولى سعد بن زيد مناة بن تميم. يقال: عمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان. وروى عن الأعمش وغيره، وعنه: أحمد وإسحاق وهو ثبت في الأعمش، وكان مرجئًا. مات في صفر سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة (٥). ----------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٨ (١٦١٠)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٦٧)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠٧ (٢٩٥). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٧ (١٦٠٩)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٦ (٩٦٢)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠٨ (٢٩٦). (٣) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٧ (٩٦٤)، «المغني في الضعفاء» ١/ ٦٤ (٥٠٦)، «ميزان الاعتدال» ١/ ١٧٠ (٦٨٦)، «لسان الميزان» ١/ ٣٣٦. (٤) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٨٨)، «الضعفاء والمتروكين» للذهبي (٩٠)، «لسان الميزان» ١/ ٣٣٦. (٥) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٩٢، «التاريخ الكبير» ١/ ٧٤ (١٩١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٤٦ - ٢٤٨ (١٣٦٠)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٤٤١، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ١٢٣ - ١٣٣ (٥١٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٧٣ - ٧٨ (٢٠). فائدة: في الرواة أيضًا: أبو معاوية النخعي عمرو (١)، وأبو معاوية شيبان (٢). وأما داود بن أبي هند فهو: أحد الأعلام الثقات، بصري، واسم أبي هند دينار مولى امرأة من قشير، ويقال: مولى عبيد الله بن عامر ابن كريز، رأى أنسًا، وسمع: الشعبي وغيره من التابعين، وعنه: شعبة والقطان. لَهُ نحو مائتا حديث. وكان حافظا صوامًا دهره قانتًا لله، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة (٣). فائدة: داود هذا خرَّج له الستة -كما أعلمت له- والبخاري استشهد به هنا خاصة، وليس لَهُ في «صحيحه» ذكر إلا هنا. وأما عبد الأعلى (ع) فهو: ابن عبد الأعلى السامى القرشي البصري، من بني سامة بن لؤي بن غالب. روى عن: الجريري وغيره، وعنه: بندار وغيره. وهو ثقة قدري لكنه ----------------------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٤٩ (٢٥٩٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٤٣ (١٣٤٩)، «الثقات» ٧/ ٢١٥، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١١٥ - ١١٧ (٤٤٠٢)، «التقريب» (٥٠٦٧). (٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٧٧، «تاريخ الدارمي» (٥٦)، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٥٤ (٢٧٠٩)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٥٥، ٣٥٦ (١٥٦١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٩٢ - ٥٩٨ (٢٧٨٤)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٥٩. (٣) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٥، «تاريخ الدارمي» (٢٩٨، ٢١٣)، «التاريخ الكبير» ٣/ ٣١ (٧٨٠)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٤٩، «أسماء التابعين» (٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٤٦١ - ٤٦٦ (٧٩٠)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٧٦ - ٣٧٩ (١٥٦). غير داعية، كما نبه عليه ابن حبان في «ثقاته» (١)، وأطلقه صاحب «الكاشف» (٢). مات في شعبان سنة تسع وثمانين ومائة (٣). فائدة: في الصحيحين عبد الأعلى ثلاثة بهذا (٤)، وفي ابن ماجه: آخر واهٍ، وآخر كذلك (٥)، وآخر صدوق (٦)، وفيه وفي النسائي آخر ثقة (٧)، وفيه --------------------- (١) «الثقات» ٧/ ١٣٠ - ١٣١. (٢) «الكاشف» ١/ ٦١١. (٣) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٣ (١٧٤٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٨ (١٤٧)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٥٩ - ٣٦٣ (٣٦٨٧) «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٢٤٢: ٢٤٣ (٦٩)، «شذرات الذهب» ١/ ٣٢٤. (٤) أحدهما المذكور. والثاني: عبد الأعلى بن حماد بن نصر، انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٦/ ٧٤ (١٧٥٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٩ (١٥٤)، و«تهذيب الكمال» ٦/ ٧٤ (١٧٥٢)، و«سير أعلام النبلاء» ١١/ ٢٨ (١٢). والآخر: عبد الأعلى بن مسهر الغساني. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٣ (١٧٥١)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٩ (١٥٣)، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٩ (٣٦٩١)، و«سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٢٢٨ (٦٠). (٥) أحدهما: عبد الأعلى بن أبي المساور الزهري، انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٤ (١٧٥٣)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٦ (١٥٣)، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٦ (٣٦٩٠). والآخر: عبد الأعلى بن أعين الكوفي. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٨ (١٤٨)، و«المجروحين» لابن حبان ٢/ ١٥٦، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٤٧ (٣٦٨٢). (٦) هو عبد الأعلى بن القاسم الهمداني، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٠ (١٥٥)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٤٠٩، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٤ (٣٦٨٩). (٧) هو عبد الأعلى بن عدي البهراني. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٢ (١٧٤٧)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥ (١٣١)، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٣ (٣٦٨٨). وفي الترمذي آخر ثقة (١)، وفي الأربعة آخر لين (٢) ضعفه أحمد، فالجملة تسعة، وفي الضعفاء سبعة. فائدة أخرى: هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة إلا آدم فليس من شرط مسلم، وأبي داود. الوجه الثاني: قوله: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) هذا من تعليقات البخاري، وقد أسلفت لك أول الكتاب حكمها في الفصول (٣). وحديث أبي معاوية أخرجه ابن حبان في «صحيحه» فقال: أنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتُسْتَر (٤)، نا محمد بن العلاء بن غريب، حَدَّثَنَا أبو معاوية، نا داود بن أبي هند، عن الشعبي قَالَ: سمعت عبد الله بن عمرو -ورب هذِه البنية- يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المهاجر من هاجر السيئات، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٥). ---------------------- (١) هو عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٠ (١٥٧)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٤٠٩، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٧٩ (٣٦٩٢). (٢) هو عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧١ (١٧٤٣)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥ (١٣٤)، و«المجروحين» لابن حبان ٢/ ١٥٥، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٥٢ (٣٦٨٤). (٣) سبق في المقدمة. (٤) قال الحموي: أعظم مدينة بخوزستان، «معجم البلدان» ٢/ ٢٩. (٥) ١/ ٤٢٤ ابن حبان (١٩٦) كتاب الإيمان، باب: فرض الإيمان. الوجه الثالث في فقهه: بعد أن تعلم أن هذا الحديث انفرد البخاري عن مسلم بجملته فأخرجه هنا. وفي: الرقاق عن أبي نعيم، عن زكريا، عن عامر (١). وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أيُّ الإسلام خير؟ قَالَ: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف» (٢). وأخرج من حديثه أيضًا: أن رجلًا سألَ رسولَ اللهِ - ﷺ -: أيُّ المسملين خير؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المسْلِونَ مِنْ لِسَانهِ وَيده» (٣). ولم يخرِّج البخاريُ هذا اللفظ ولا الذي قبله، وانفردَ مسلم بإخراجهِ من حديثِ جابرٍ رفعه: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٤). فمعنى قوله - ﷺ -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» المسلم الكامل الجامع لخصال الإسلام، من لم يؤذِ مسلمًا بقوْلٍ ولا فعْلٍ، وكذلك المهاجر الكامل، فأَعْلَمَ المهاجرين أن يهجروا ما نهى الله عنه، ولا يتكلوا على هجرتهم. ويحتمل أنه قَالَ ذَلِكَ لما شق فوات الهجرة عَلَى بعضهم، فأعلمهم أن هذا هو المهاجر المطلوب الكامل. والهجر لغةً: ضد الوصل (٥). ومنه قيل للكلام القبيح: الهُجر -بضم --------------------- 0(١) سيأتي برقم (٦٤٨٤). (٢) مسلم (٣٩) كتاب الإيمان، باب: تفاضل الإسلام وأي أموره خير. (٣) مسلم (٤٠). (٤) مسلم (٤١). (٥) يقال: هَجَرَهُ يَهْجُر هَجْرًا، بالفتح، وهجْرَانًا بالكِسر: صَرَمَهُ وقَطَعَهُ، والهَجْرُ: ضدُّ الوَصْلِ. وهَجَرَ الشيء يَهْجُرهُ هَجْرًا: تركه وأغفله وأعرض عنه. انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٧١٧ مادة (هجر). الهاء-؛ لأنه ينبغي أن يهجر. والهاجرة: وقت يهجر فيه العمل، والمهاجر هو الذي فارق عشيرته ووطنه. وهذا الحديث من جوامع كلمه - ﷺ -، وفصيحه كما يقال: المال الإبل، والناس العرب، عَلَى التفضيل لا عَلَى الحصر. وقد أورد البخاري عقبه ما بين هذا التأويل وهو قول السائل: أيُّ الإسلام أفضل؟ قَالَ: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١) ثم أورد عقبه: أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام» (٢) إلى آخره، وخصَّ اليد بالذكر؛ لأن أكثر الأفعال بها، وكذا اللسان؛ لأنه يعبر به عن ما في النفس. وفي «جامع الترمذي» والنسائي من حديث أبي هريرة: «والمؤمن من أمنه الناس عَلَى دمائهم وأموالهم» (٣). وفيه: الحثُّ عَلَى ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وسِرُّ الأمر في ذَلِكَ حسن التخلق مع العالم، كما قَالَ الحسن -رحمه الله- في تفسير الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّر (٤)، ولا يرضون الشَّرَّ. وفيه رد عَلَى المرجئة، فإنه ليس عندهم إسلام ناقص (٥). ------------------- (١) سيأتي برقم (١١) باب: أي الإسلام أفضل. (٢) سيأتي برقم (١٢) باب: إطعام الطعام من الإسلام. (٣) الترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥، ورواه أحمد ٢/ ٣٧٩، وابن حبان (١٨٠)، والحاكم ١/ ١٠ وقال: لم يخرجا هذِه الزيادة وهي صحيحة على شرط مسلم. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٥٤٩). (٤) روى نحوه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٨٤٦ (٤٦٨١). (٥) آخر الجزء الرابع من تجزئة المصنف، وورد ج بهامش (ف) بلغ الشيخ الإمام برهان الدين الحلبي قراءة على مؤلفه وسمع الصفدي … بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] ٥ - باب أَىُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ ١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». [مسلم ٤٣ - فتح ١/ ٥٤] نَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ نا أَبِي نا أَبُو بُرْدةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من هذا الوجه. وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن أبي بردة، وفيه: أي المسلمين أفضل؟ ثانيها: في التعريف برواته: أما أبو موسى فهو عبد الله (ع) بن قيس بن سُليم -بضم السين- بن حضار- بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة، وقيل: بكسر الحاء وتخفيف الضاد- الأشعري الصحابي الكبير استعمله - ﷺ - عَلَى زبيد وعدن، وساحل اليمن، واستعمله عمر عَلَى الكوفة والبصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق عَلَى معاوية. لَهُ ثلاثمائة وستون حديثًا، اتفقا منها عَلَى خمسين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر. روى عنه أنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وخلق من التابعين، وبنوه: أبو بردة، وأبو بكر، وإبراهيم، وموسى. مات بمكة أو بالكوفة سنة خمسين أو إحدى أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين، وكان من علماء الصحابة ومفتيهم، قَالَ علي في حقه: صبغ في العلم صبغة ثمَّ أخرخ منه (١). فائدة: أبو موسى في الصحابة أربعة: هذا والأنصاري (٢) والغافقي مالك بن عبادة أو ابن عبد الله (٣) وأبو موسى الحكمي (٤). وفي الرواة أبو موسى جماعة منهم في «سنن أبي داود» اثنان (٥)، ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٤٩ - ١٧٥٤ (١٧٣٤)، «الاستيعاب» ٣/ ١٠٣، ١٠٤ (١٦٥٧)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٩ (٣١٣٥)، «الإصابة» ٢/ ٣٥٩، ٣٦٠ (٤٨٩٨). (٢) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٥٥ (١٧٣٦)، «الاستيعاب» ٣/ ١٠٥ (١٦٦٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٦٧، ٣٦٨ (٣١٣١)، «الإصابة» ٢/ ٣٦٥ (٤٩٠٠). (٣) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٦٥ (٢٦٠٤)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٠٨ (٢٢٩٩)، «أسد الغابة» ٦/ ٣٠ (٤٦٠٢)، «الإصابة» ٣/ ٣٤٧ (٧٦٤١). (٤) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٠١٥ (٣٤٣٤)، «الاستيعاب» ٤/ ٣٢٨ (٣٢٢٧)، «أسد الغابة» ٦/ ٣٠٨ (٦٢٩١)، «الإصابة» ٤/ ١٨٧ (١١٠٢). (٥) أحدهما: أبو موسى الهلالي، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٤٣٨ (٢١٩٧)، و«الثقات» لابن حبان ٧/ ٦٦٤، و«تهذيب الكمال» ٣٤/ ٣٣٤ (٧٦٥٩)، وقال ابن حجر في «التقريب» (٨٤٠٣): مقبول. والآخر: أبو موسى شيخ لمعاوية بن صالح، انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣٤/ ٣٣٥ (٧٦٦١)، وقال ابن حجر في «التقريب» (٨٤٠٣): مجهول. وآخر في «سنن النسائي» (١). وأما الراوي عنه فهو: أبو بردة عامر (ع)، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته ابن أبي موسى الكوفي التابعي الثقة الجليل، قاضي الكوفة بعد شريح، وبها مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، سمع أباه وعليًّا وغيرهما، وعنه خلق من التابعين وغيرهم، قيل: توفي هو والشعبي في جمعة واحدة (٢). فائدة: في الصحابة أبو بردة سبعة منهم: ابن نيار البلوي هانئ أو الحارث أو مالك (٣) وفي الرواة: أبو بردة الآتي بريد بن عبد الله. وأما الراوي عنه فهو أبو بردة (ع) بُريد -بضم أوله- بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الكوفي، يروي عن أبيه وجده والحسن وعطاء، وعنه: ابن المبارك وغيره من الأعلام، وثَّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالمتقن، يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال ---------------------- (١) هو أبو موسى الحذاء، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٤٣٨ (٢١٩٥)، و«الثقات» لابن حبان ٥/ ٥٨٤، و«تهذيب الكمال» ٣٤/ ٣٣٢ (٧٦٥٨)، وقال ابن حجر في «التقريب» (٨٤٠٠): مقبول. (٢) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٦٦ (٧٢٢٠). (٣) هانى بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذبيان بن هشيم بن كاهل بن ذهل بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة حليف للأنصار، أبو بردة بن نيار، غلبت عليه كنيته … شهد العقبة وبدرًا وسائر المشاهد. وهو خال البراء بن عازب. يقال: إنَّهُ مات سنة خمس وأربعين. وقيل: بل مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، لا عقب لهُ. روى عنه البراء بن عازب وجماعة من التابعين. انظر: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٧٤٦ - ٢٧٤٧ (٢٩٩٠)، «الاستيعاب» ٤/ ٩٦ (٢٦٩٩)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (٥٣٣٢)، «الإصابة» ٣/ ٥٩٦ (٨٩٢٦). أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة (١). وقال ابن عدي: روى عنه الأئمة، وأدخلوه في صحاحهم وهو صدوق، وأرجو أن لا يكون به بأس. وأنكر ما روي عنه ما رواه مرفوعًا عن جده. «إذا أراد الله بأمة خيرًا، قبضر نبيها قبلها» وهذا طريق حسن، رواته ثقات (٢). قُلْتُ: أخرجه مسلم في كتاب الفضائل معلقا (٣). فائدة: ليس في الكتب الستة بريد غير هذا. وفي الأربعة: بريد بن أبي مريم مالك (٤)، وفي «مسند علي» للنسائي: بريد بن أصرم (٥) وهو مجهول، كما قَالَ البخاري. وليس في الصحابة من اسمه بريد، ويشتبه بُرَيد بأربعة أشباه وهم: يزيد، وبَرِيد، وبرند، تزيد وقد أوضحتهم في «مشتبه النسبة». ------------------- (١) «معرفة الثقات» ١/ ٢٤٤. (٢) انظر: «الكامل في الضعفاء» ٢/ ٢٤٥. (٣) رواه مسلم (٢٢٨٨) كتاب الفضائل، باب: إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها. قال النووي في «شرح صحيح مسلم» ١٥/ ٥٢: قال المازري والقاضي: هذا الحديث من الاْحاديث المنقطعة في مسلم فإنَّهُ لم يُسم الذي حدَّثهُ عن أبي أسامة. قلت: وليس هذا حقيقة انقطاع وإنما رواية مجهول، وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة: قال الجلودي حدثنا محمد بن المسيب الأرغياني قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده. اهـ. (٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ١٤٠ (١٩٧٥)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٢٦ (١٦٩٣)، و«تهذيب الكمال» ٤/ ٥٢ (٦٦٠). (٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ١٤٠ (١٩٧٤)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦ (١٦٩٢)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٤٩ (٦٥٨). ![]()
__________________
|
|
#42
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 496 الى صـــ 515 الحلقة (41) وأما الراوي عنه فهو: أبو أيوب يحيى (ع) بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي الكوفي، سكن بغداد، سمع الأعمش وغيره من التابعين فمن بعدهم، وعنه: أحمد والأعلام. وهو ثقة، مات في شعبان سنة أربع وتسعين ومائة، وبلغ الثمانين، وقيل: ابن أربع وسبعين (١). فائدة: في الكتب الستة يحيى بن سعيد أربعة: أحدهم هذا، وثانيهم: التيمي الكوفي (٢)، وثالثهم: القطان (٣)، ورابعهم: الأنصاري قاضي المدينة (٤)، وفي مسلم: يحيى بن سعيد بن العاص الأموي تابعي (٥)، وذكر في الصحابة وهو فرد فيهم إن صحت (٦). وفي الرواة يحيى بن سعيد العطار ضعيف (٧)، ويحيى بن سعيد ----------------------- (١) انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٧٧ (٢٩٨٤)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٥٢٦، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣١٨ (٦٨٣١)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٣٩ (٤٧). (٢) ستأتي ترجمته في حديث رقم (٥٠). (٣) ستأتي ترجمته في حديث رقم (١٣). (٤) سبقت ترجمته في حديث رقم (١). (٥) سبقت ترجمته في حديث رقم (١). (٦) قال ابن الأثير: وهذا يحيى هو أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، الذي قتلهُ عبد الملك بن مروان وليس له صحبة ولا إدراك فإنَّ أباه سعيد بن العاص، كان مولده سنة إحدى من الهجرة، وهذا يحيى ليس أكبر أولاده، فمن كل وجه لا صحبة له أهـ وقال مغلطاي: ولا خفاء في عدم صحبته؛ فإنَّ أباه ولد سنة إحدى من الهجرة، وهذا بين واضح. وذكرهُ جماعة في التابعين البخاري فمن بعده. انظر: «أسد الغابة» ٥/ ٤٧١ - ٤٧٢ (٥٥٠٦)، و«الإنابة» ٢/ ٢٤٢ (١٠٩٤). (٧) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ١٥٢ (٦٢٨)، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١٦، وقال ابن حبان في «المجروحين» ٣/ ١٢٣: كان ممن يروي = الفارسي قاضي شيراز ضعيف أيضًا (١)، قَالَ ابن الجوزي في «ضعفائه» بعد ذكرهما؛ وجملة من يجيء في الحديث يحيى بن سعيد ستة عشر ما عرفنا طعنًا إلا في هذين (٢) قلت: ويحيى بن سعيد الراوي عن سالم القداح، صالح الحديث له مناكير، ويحيى بن سعيد السعدي. وقيل: ابن سعد. وهَّاه ابن حبان (٣). وأما الراوي عنه فهو أبو عثمان سعيد بن يحيى البغدادي، سمع أباه وغيره، وعنه الأعلام: أبو زرعة وغيره، وروى لَهُ الجماعة إلا ابن ماجه، مات في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين. وثقوه، وقال علي بن المديني: هو أثبت من أبيه، وقال صالح بن محمد: هو ثقة إلا أنه كان يغلط (٤). فائدة: في الرواة أيضًا سعيد بن يحيى الواسطي. روى له مسلم وابن --------------------- = الموضوعات عن الأثبات والمعضلات عن الثقات، ولايجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار لأهل الصنعة. (١) انظر ترجمته في: «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١٧ (٢٠٩٩)، وقال ابن حبان في «المجروحين» ٣/ ١١٨: شيخ يروي عن عمرو بن دينار المقلوبات لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد. (٢) «الضعفاء والمتروكين» ٣/ ١٩٥. (٣) انظر ترجمته في: «الضعفاء» للعقيلي ٤/ ٤٠٤ (٢٠٢٧)، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١٠٦ (٢١٤٢)، وقال ابن حبان في «المجروحين» ٣/ ١٢٩: شيخ يروي عن ابن جريح المقلوبات وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد أهـ. (٤) انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ٥٢١ (١٧٤٥)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٧٤ (٣١٤)، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٢٧٠، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٤ (٢٣٧٧). ماجه (١)، وسعيد بن يحيى الكوفي روى له البخاري، والنسائي، وابن ماجه (٢) وسعيد بن يحيى الحميري روى لَهُ البخاري والترمذي (٣). الوجه الثالث: معنى (أيُّ الإسلام أفضل؟): أيُّ خصاله، وجاء في هذا الحديث أنه: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» وفي الحديث الآتي: أيُّ الإسلام خير؟ قَالَ: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام» .. إلى آخره. والجمع بينهما أنه بحسب اختلاف حال السائل، فظهر من أحدهما قلة المراعاة لليد واللسان. ومن الآخر كبر وإمساك عن الإطعام، أو تخوف - ﷺ - عليهما ذَلِكَ، أو الحاجة في وقت سؤال كل واحد منهما أمس بما أجاب به. قَالَ الخطابي: فجعل أعلاها الإطعام الذي هو قوام الأبدان، ثمَّ جعل خير الأقوال في البر والإكرام إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص بمن عرفه حتَّى يكون خالصًا لله تعالى بريئًا من حظ النفس والتصنع؛ لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع (٤)، وقد روي في حديث: أن السلام في آخر الزمان يكون للمعرفة (٥) وإنما أجاب عليه ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٤/ ٧٥ (٣١٥)، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٢٧١، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٢ (٢٣٧٦). (٢) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٤٩ (١٢٥٠)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٦ (٢٣٧٨). (٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٥٢١ (١٧٤٤)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٨ - ١١١ (٢٣٧٩)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٣٢ (١٥٩). (٤) «أعلام الحديث» ١/ ١٤٨. (٥) كما جاء عن ابن مسعود «أن يسلم الرجل على الرجل للمعرفة» رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ١٥٥ (٥١٣٧). وأحمد ١/ ٤٠٦، والبزار كما في «كشف الأستار» = - ﷺ - بالذات، والسؤال عن المعنى وهو خصال الإسلام؛ لأن المقصود السؤال عن الذات التي تشرف بالمعنى. ---------------------- = (٣٤٠٧) والطبراني ٩/ ٢٩٦ - ٢٩٧. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٣٢٩: رواه كله أحمد والبزار ببعضه وزاد: «وأن يجتاز الرجل بالمسجد فلا يصلي فيه» ورجال أحمد والبزَّار رجال الصحيح. ٦ - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ ١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِىَّ - ﷺ - أَىُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». [٢٨، ٦٢٣٦ - مسلم ٣٩ - فتح ١/ ٥٥] نا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بن أبي حبيب، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَبِيَّ - ﷺ - أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِف». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن عمرو بن خالد، وبعده بأبواب في: الإيمان (١) أيضًا في باب: السلام من الإسلام عن قتيبة، وفي: الاستئذان (٢) في باب: السلام للصرفة وغير المعرفة عن ابن يوسف قالوا كلهم: نا الليث، عن يزيد به، وأخرجه مسلم هنا، عن قتيبة وابن رمح، عن يزيد به (٣). ثانيها: في التعريف برجاله. أما عبد الله بن عمرو والليث فتقدما. وأما أبو الخير (ع) فهو: مرثد بن عبد الله اليزني -بفتح المثناة تحت ثمَّ زاي ثمَّ نون- المصري التابعي، ويزن: بطن من حمير. روى عن جمع ---------------------- (١) سيأتي برقم (٢٨) باب: إفشاء السلام من الإسلام. (٢) سيأتي برقم (٦٢٣٦) باب: السلام للمعرفة وغير المعرفة. (٣) مسلم (٣٩) كتاب الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي موارده أفضل. من كبار الصحابة منهم: أبو أيوب، وعبد الله بن عمرو، وعنه خلق من التابعين منهم: يزيد بن أبي حبيب، وابن شُماسة، ضبطه النووي بخطه بضم الشين. قَالَ ابن يونس: كان مفتي أهل مصر، وكان عبد العزيز بن مروان يحضره، فيجلسه للفتيا. مات سنة سبعين (١). وأما الراوي عنه فهو: الإمام البارع المتقن أبو رجاء يزيد (ع) بن أبي حبيب. واسم أبي حبيب: سويد المصري التابعي، مولى شريك بن الطفيل من الأزد، وقيل: غيره، وكان نوبيا من أهل دمقلة، سمع عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبا الطفيل الصحابيين. وعنه الأعلام: سليمان التيمي وغيره. قَالَ ابن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وهو أول من أظهر العلم والفقه والكلام بالحلال والحرام، وكانوا قبل ذَلِكَ إنما يتحدثون في الفتن والملاحم، وكان يزيد أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز الفتوى بمصر. قَالَ الليث بن سعد: يزيد سيدنا وعالمنا، ولد سنة ثلاث وخمسين، ومات سنة ثمان وعشرين ومائة، وجلالته وإمامته وتوثيقه مجمع عليها (٢). وأما الراوي عنه فهو أبو الحسن (خ ق) عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ثابت بن عبد الله الحرَّاني. سكن مصر، -------------------- (١) انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٩٩ (١٣٨٠)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٥٧ (٥٨٥٠)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٨٤ (١٠٥)، «تذكرة الحفاظ» ١/ ٧٣. (٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٦٦ (٣٢٢٦)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٦٧ (١١٢٢)، «الثقات» ٥/ ٥٤٦، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٠٢ (٦٩٧٥)، و«السير» ٦/ ٣١ (١٠). روى عن الليث وغيره من الأعلام، وعنه البخاري وغيره من الأعلام، وروى ابن ماجه عن رجل عنه. قَالَ: أبو حاتم صدوق. وقال أحمد بن عبد الله: هو ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين (١). وفي الرواة أيضًا عمرو بن خالد القرشي، انفرد عنه بالإخراج ابن ماجه وهو كذاب (٢). الوجه الثالث: هذا الإسناد كله مصريون أعلام وهو من لطائف الإسناد. الرابع: في فقه الحديث، وقد سلف في الباب قبله. «وتطعم» بضم أوله؛ لأن ماضيه رباعي، وفيه: الحث على مكارم الأخلاق والجود، وخفض الجناح للمسلمين والتواضع، ورؤية حرمات المؤمنين، وإفشاء شعار هذِه الأمة وهو السلام، وأما الكافر فلا يبدأ بالسلام؛ للنهي عنه في «الصحيح»، كما ستعمله في موضعه، وقيل: ليس شيء أجلب للمحبة وأثبت للمودة وأسل للسخائم، وأتقى للجرائم من إطعام الطعام، وإفشاء السلام. -------------------- (١) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٧ (٢٥٤٢)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٤٨٥، «معرفة الثقات» ٢/ ١٧٥، و«تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠١ (٤٣٥٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٤٢٧ (١٣٠). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٨ (٢٥٤٣)، و«المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٦، وقال: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها من غير أن يدلس، كذبه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. وقال ابن حجر في «التقريب» (٥٠٢١): متروك، ورماه وكيع بالكذب. وأول ما قدم النبي - ﷺ -، وتكلم أن قَالَ: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». رواه عنه: عبد الله بن سلام، رواه الترمذي وصححه، وزاد ابن ماجه: «وصلوا الأرحام، وهذِه عادة العرب الكرام ينعقد به عليكم العهد والذمام» (١). فائدة: معنى «السلام عليكم» أي: لكم، أو اسم الله عليكم أو معكم. فائدة ثانية: قَالَ أبو حاتم: تقول: اقرأ عليه السلام، وأقرئه الكتاب، ولا تقول: أقرئه السلام إلا في لغة سوء، إلا أن يكون مكتوبًا، فتقول: أقرئه السلام أي: اجعله يقرؤه. وفي «الصحاح»: وفلان قرأ عليك السلام، وأقرأك السلام بمعنًى (٢). ---------------------- (١) الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، (٣٢٥١) وصححه الألباني في «الإرواء» (٧٧٧). (٢) «الصحاح» ١/ ٦٥. ٧ - باب مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». [مسلم ٤٥ - فتح ١/ ٥٦] نا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ نَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم عن ابن المثنى وابن بشار، عن غندر، عن شعبة (١). وعن زهير، عن يحيى القطان، عن حسين المعلم، كلاهما عن قتادة، عن أنس (٢) ولفظه: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتَّى يحبَّ لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه». وأخرجه النسائي في: الإيمان بلفظ: «حتَّى يحب لأخيه من الخير» (٣). والترمذي في الزهد، وقال: صحيح (٤)، وابن ماجه في السنة (٥) وليس في السماع. ----------------- (١) مسلم (٤٥/ ٧٠) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير. (٢) مسلم (٤٥/ ٧٢). (٣) النسائي ٨/ ١١٥. (٤) الترمذي (٢٥١٥). (٥) ابن ماجه (٦٦). وانظر: «تحفة الأشراف» (١٢٣٩). ثانيها: في التعريف برواته: أما أنس (ع) فهو السيد الجليل أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم -بفتح المعجمتين- بن زيد بن حرام -بالراء- بن حبيب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري البصري. خادم رسول الله - ﷺ -، خدمه عشر سنين، أُمُّه: أُمُّ سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام. روي له ألفا حديث، ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين. وهو أحد المكثرين، ومناقبه جَمَّة. وسيأتي في كتاب: المناقب -إن شاء الله تعالى وقدره- جملة منها، ودعاؤه لَهُ - ﷺ - بكثرة المال والولد وطول العمر والجنة مشهور (١). مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل خمس، وقد جاوز المائة. ودفن في قصره عَلَى نحو فرسخ ونصف من البصرة. وكني بأبي حمزة -بالحاء المهملة- لبقلة كان يجتنيها (٢). فائدة: أنس بن مالك في الصحابة اثنان لا ثالث لهما أحدهما هذا وهو الأشهر، والثاني: أبو أمية الكعبي (٣) لَة حديث: «إن الله وضع عن ----------------------- (١) سيأتي برقم (١٩٨٢)، (٦٣٣٤)، (٦٣٤٤). (٢) انظر ترجمته في:»معجم الصحابة«لابن قانع ١/ ١٤ - ١٥ (١٠)،»معرفة الصحابة«١/ ٢٣١ - ٢٣٨ (٨٩)،»الاستيعاب«١/ ١٩٨ - ٢٠٠ (٨٤)،»أسد الغابة«١/ ١٥١ - ١٥٣ (٢٥٨)،»الإصابة«١/ ٧١ - ٧٢ (٢٧٧). (٣) انظر ترجمته في»معرفة الصحابة«١/ ٢٤٠، ٢٤١ (٩٢)،»الاستيعاب«١/ ٢٠٠ (٨٥)،»أسد الغابة«١/ ١٥٠ (٢٥٧)،»الإصابة" ١/ ٧٢ (٢٧٨). المسافر الصوم وشطر الصلاة» (١). وفيهم: أنس بدون ابن مالك فوق العشرين. وفي الرواة غيرهم: أنس بن مالك ثلاثة ذكرتهم في «شرح العمدة» (٢). فائدة ثانية: أنس يشتبه بأتش -بالمثناة فوق بدل النون وشين معجمة-، وهو محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني المتروك (٣) وأخوه علي بن الحسن فاعلم ذَلِكَ. وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو الخطاب قتادة (ع) بن دعامة -بكسر الدال- بن قتادة بن عزيز -بعين مهملة مفتوحة وزاي مكررة الأولى مكسورة- بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل -بضم الذال المعجمة- بن ثعلبة بن عكابة -بالباء الموحدة- بن صعب بن بكر بن وائل، السدوسي البصري، التابعي الثقة الجليل، الحافظ البارع. وكان أكمه. روى عن أنس وأبي الطفيل وغيرهما من الصحابة، وخلائق من التابعين. ----------------------- (١) رواه أبوداود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي ٤/ ١٨٠ - ١٨١، وابن ماجه (١٦٦٧)، وأحمد ٤/ ٤٧. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٥٧٥) حسن صحيح. (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦. (٣) وثقه أبو حاتم، وابن حبان، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مرة: متروك، وتعقبه ابن حجر فقال: كلام النسائي فيه غير مقبول؛ لأن أحمد وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول. انظر ترجمته- في: «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٢٦، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٦ - ٥٧، و«تهذيب التهذيب» ٣/ ٥٤٠. قَالَ الترمذي: لا نعرف لقتادة سماعًا من أحد من الصحابة إلا من أنس وأبي الطفيل (١)، وروى عنه خلق من التابعين فمن بعدهم، وثناء الحفَّاظ عليه مشهور، وإن رمي بالتدليس والقدر. مات كهلًا سنة سبع عشرة ومائة، أو ثماني عشرة عن ستًّ أو سبع وخمسين سنة (٢). قَالَ معمر: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيتُ حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة، فخرجت أصغر مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة، فخرجت كما دخلت سواء. فقال لَهُ ابن سيرين: أما الأولى: فذاك الحسن يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثمَّ يصل فيه من مواعظه، وأما الثاني: فذاك محمد بن سيرين ينقص منه ويشك فيه، وأما الثالث: فقتادة وهو أحفظ الناس (٣). فائدة: ليس في الكتب الستة من اسمه قتادة بن دعامة سوى هذا. وأما حسين (ع) المعلم: فهو ابن ذكوان المكتب العوذي نسبة إلى بن سود بطن من الأزد، البصري. سمع قتادة وعطاء وغيرهما، ----------------------- (١) «سنن الترمذي» عقب حديث رقم (٢٩٤١). (٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٢٩، «طبقات خليفة» ص ٢١٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٨٥، ١٨٦ (٨٢٧)، «التاريخ الصغير» ١/ ٢٨٢، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٣٣ (٧٥٦) «الثقات» لابن شاهين (١١٤٥) «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٩٨ - ٥١٧ (٤٨٤٨)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٦٩، «شذرات الذهب» ١/ ١٥٣. (٣) رواه أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» ٢/ ٣١٥ (٢٣٩٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٣٤ ترجمة: قتادة بن دعامة، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ١٩٣ - ١٩٤ (٤٧٧٧). وعنه: شعبة ويحيى القطان وغيرهما، وهو ثقة كما قاله يحيى بن معين وغيره (١). قَالَ أبو داود: ولم يَرْوِ عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - شيئًا. إنما يروي عن عبد الله بن بريدة، عن غير أبيه، ولعله أراد أن غالب روايته كذلك. وإلا فقد روى في السير عن عبد الله، عن أبيه مرفوعًا: «من استعملناه عَلَى عمل فرزقناه رزقًا» (٢) .. الحديث. وأما شعبة فقد سلف. وأما يحيى: فهو الإمام الحافظ أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، أبو سعيد البصري الأحول، يقال: مولى بني تميم وليس لأحد عليه ولاء، سمع الثوري وغيره من الأعلام، وعنه: السفيانان وأحمد وخلق. والإجماع قائم عَلَى جلالته وإمامته وعظم علمه وإتقانه وبراعته. أقام عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة، ولم يَفُتْه الزوال في المسجد أربعين سنة. رئي في المنام وعلى قميصه مكتوب بين كتفيه: بسم الله الرحمن الرحيم براءة ليحيى بن سعيد من النار، وبُشِّر قبل موته بعشر سنين بأمان من الله يوم القيامة، ولد سنة عشرين ومائة، ومات سنة عشرين ومائتين (٣). ------------------------- (١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٧٠، «تهذيب الكمال» ٦/ ٣٧٢ (١٣٠٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٣٤٥ - ٣٤٦ (١٤٧). (٢) رواه أبوداود (٢٩٤٣) وابن خزيمة (٢٣٦٩) والحاكم ١/ ٤٠٦ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي ٦/ ٣٣٥ (١٣٠٢٠)، وصححه الألباني في «غاية المرام» (٤٦٠). (٣) تقدم في «المقدمة». قَالَ إسحاق بن إبراهيم الشهيدي (١): كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني وسليمان بن داود وأبو أيوب الشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام عَلَى أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبةَ لَهُ وإعظامًا. فائدة: يحيى بن سعيد جماعة تقدم بيانهم قريبًا في باب: أيُّ الإسلام أفضل. وأما مسدد: فهو أبو الحسن مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورد بن أسد بن شُرَيك -بضم الشين- بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، الأزدي الدوسي، البصري الحافظ الثقة. وفي نسبه اختلاف كبير، قَالَ ابن الجوزي: مسدد ومسرهد لقبان واسمهما عبد الملك بن عبد العزيز. روى عن جماعة من الأعلام منهم: حماد ويحيى، وعنه الأعلام: البخاري، وأبوداود، وأبو حاتم وغيرهم. وروى النسائي عن رجل عنه، وروى لَهُ الترمذي أيضًا، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين (٢). --------------------------- (١) هو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد الشهيدي، أبو يعقوب البصري. انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٦١. (٢) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٧، و«التاريخ الكبير» ٨/ ٧٢ (٢٢٠٩)، و«تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٤٣ (٥٨٩٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥٩١ - ٥٩٥ (٢٠٨)، «شذرات الذهب» ٢/ ٦٦. فائدة: ليس في الكتب الستة مسدد غيره. وكان أبو نعيم يقول عند سماع نسبه: هذِه رقية عقرب، وقيل: إنه كان يقول: لو كان في هذِه النسبة: بسم الله الرحمن الرحيم، كانت رقية عقرب (١). ومما يقاربه: جخدب بن جرعب أبو الصقعب كوفي يروي عن عطاء بن أبي رباح وعنه: سفيان الثوري (٢). الوجه الثالث: قوله: (وعن حسين المعلم) يعني: أن يحيى حدث به عن شعبة وعن حسين كلاهما عن قتادة. الوجه الرابع: معنى الحديث لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان حاصل وإن لم يكن بهذِه الصفة. والمراد: يحب لأخيه من الخير كما سلف في رواية النسائي، وهذا قَدْ يُعَدُّ من الصعب الممتنع. وليس كذلك كما نبه عليه ابن الصلاح. أو معناه: لا يكمل إيمان أحدكم حتَّى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه. والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذَلِكَ من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه. وذلك سهل عَلَى القلب السليم، وإنما يعسر عَلَى القلب الدغل. عافانا الله أجمعين (٣)، فيحب الخير لأخيه في الجملة دون زيادة الفضل. ----------------------- (١) أورده المزي في «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٤٧. (٢) انظر: «المنفردات والوحدان» ص ٢٤٣ (١٢٧٩)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٥١ (٢٢٨٧). (٣) «صيانة صحيح مسلم» ص ٢٠٣. وقال أبو الزناد والقاضي: ظاهره التسوية وحقيقته التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه كان هو من المفضولين (١). ألا ترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته، فإذا كمل إيمانه وكانت لأخيه عنده مظلمة، بادر إلى إنصافه من نفسه، وآثر الحق وإن كان عليه فيه بعض مشقة. وقد أشار إلى هذا المعنى الفضيل بن عياض بقوله لسفيان: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أديت لله الكريم النصيحة، فكيف وأنت تودُّ أنهم دونك (٢). وعن الأحنف بن قيس: أنه سُئِلَ ممن تعلمت العلم؟ فقال: من نفسي؟ قيل: وكيف ذلك؟ قَالَ: كنت إِذَا كرهتُ شيئًا من غيري، لم أفعل باحد مثله. -------------------- (١) «إكمال المعلم» ١/ ٢٨٢. (٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣٠٣ (٢٨٥٩). ٨ - باب: حُبُّ الرَّسُولِ - ﷺ - مِنَ الإِيمَانِ ١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ». [مسلم ٤٤ - فتح ١/ ٥٨] ١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - ح، وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». [مسلم ٤٤ - فتح ١/ ٥٨] نا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَنَا شُعَيْبٌ نا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ». نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثنَا ابن عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَثنَا آدَمُ ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». الكلام عليهما من وجوه: أحدها: حديث أبي هريرة الأول، هو من أفراد البخاري دون مسلم، وحديث أنس أخرجه مسلم عن ابن المثنى وابن بشار، عن غندر عن شعبة (١)، وعن زهير عن ابن علية، وعن شيبان بن فروخ، عن ------------------------- (١) مسلم (٤٤/ ٧٠) كتاب الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل. عبد الوارث كلاهما، عن عبد العزيز، عن أنس (١)، وفي لفظ له: «من أهله وماله». ثانيها: في التعريف برواته غير ما سلف. أما حديث أبي هريرة فسلفت ترجمته (٢)، وترجمة أبي اليمان (٣) وشعيب (٤). وأما الأعرج فهو أبو داود (ع) عبد الرحمن بن هرمز المدني القرشي التابعي الثقة. والأعرج لقب، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال: مولى محمد بن ربيعة. سمع أبا هريرة وغيره من الصحابة، وعنه الزهري وغيره من التابعين والأعلام. مات بالأسكندرية سنة سبع عشرة ومائة، ووهم مَن قَالَ: سنة عشر (٥). فائدة: ليس في الكتب الستة من اسمه عبد الرحمن بن هرمز سواه. ----------------------- (١) مسلم (٤٤/ ٦٩) كتاب الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل. (٢) في شرح حديث رقم (٩). (٣) في شرح حديث رقم (٧). (٤) في شرح حديث رقم (٧). (٥) انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٦٠ (١١٤٤)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٢٩٧ (١٤٠٨)، و«ثقات ابن حبان» ٥/ ١٠٧، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ٤٦٧ (٣٩٨٣)، و«سير أعلام النبلاء» ٥/ ٦٩ - ٧٠ (٢٥)، «شذرات الذهب» ١/ ١٥٣. فائدة: حيث يذكر مالكٌ ابنَ هرمز أو يحكي عنه فليس هذا إنما هو عبد الله بن يزيد بن هرمز الفقيه، قليل الرواية ترجم لَهُ ابن سعد. ومات سنة ثمان وأربعين ومائة (١). وأما الأعرج، فإنه روى عنه بواسطة، فاعلم ذَلِكَ، فإنه قَدْ التبس عَلَى بعض الفقهاء ذَلِكَ. فائدة: الأعرج لقب لجماعة: هذا أحدهم، وثانيهم: سلمة (ع) بن دينار (٢)، وثالثهم: ثابت (خ م ت ن) بن عياض، روى عن أبي هريرة (٣). وأما أبو الزناد فهو: الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن ذكوان (٤) وأبو الزناد لقب لَهُ اشتهر به، وكان يغضب منه، القرشي مولاهم المدني أمير المؤمنين في الحديث، التابعي. روى عن أنس وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وشهد معه جنازة، وغيرهم. وأرسل عن عبد الله بن عمرو، وعمر بن أبي سلمة، وعنه: هشام وجمع من التابعين وغيرهم. وجلالته وثقته مجمع عليها. قَالَ عبد ربه بن سعيد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي - ﷺ -، ومعه ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٥/ ٢٨٤، و«التاريخ الكبير» ٥/ ٢٢٤ (٧٣٣)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ١٩٩ (٩٢٤). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٧٨ (٢٠١٦)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ١٥٩ (٢٧٠١)، و«تهذيب الكمال» ١١/ ٢٧٢ (٢٤٥٠). (٣) انظر: «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٥٤ (١٨٣٣)، و«تهذيب الكمال» ٤/ ٣٦٧ (٨٢٥). (٤) ورد في هامش (ف): قيل: إن ذكوان كان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر. من الأتباع مثل ما مع السلطان فمن سائل عن فريضة، ومن سائل عن الحساب، ومن سائل عن الشعر، ومن سائل عن الحديث، ومن سائل عن معضلة (١). وقال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة طالب، من طالب فقه وعلم وشعر وصنوف، ثمَّ لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا عَلَى ربيعة (٢). وكان ربيعة يقول: شبر من حظوة خير من ذراع من علم (٣). وقال محمد بن سلام الجمحي: قيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: إنها وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها (٤). مات في رمضان فجأة في مغتسله سنة إحدى وثلاثين ومائة عن ست وستين سنة، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث (٥). فائدة: لا أعلم في الكتب الستة من اكتنى بهذِه الكنية سواه، ولا من اسمه عبد الله بن ذكوان غيره (٦). ---------------------- (١) انظر: «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٩ - ٥٠، و «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٠، و«سير أعلام النبلاء» ٥/ ٤٤٦. (٢) انظر: «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٠، و«سير أعلام النبلاء» ٥/ ٤٤٧. (٣) ذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٠، والذهبي في «السير» ٥/ ٤٤٧. (٤) ذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٢، والذهبي في «السير» ٥/ ٤٤٨. (٥) انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٨٣ (٢٢٨)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٩ (٢٧٧)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧٦ (٣٢٥٣)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٤٤٥ - ٤٥١ (١٩٩). (٦) ورد في هامش (ف): قُلْتُ: بلى، عبد الله بن أبي صالح، واسم أبي صالح: ذكوان، روى لَهُ مسلم، هذا المشهور في اسم أبي صالح هذا، ويقال أيضًا عباد. ![]()
__________________
|
|
#43
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 516 الى صـــ 535 الحلقة (42) فائدة ثانية: قَالَ البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وأما سند حديث أنس الأول فأنس سلف قريبًا (١) وأما عبد العزيز (ع) بن صهيب فهو بناني أعمى بصري. كان مولى لبنانة بن سعد بن غالب. قَالَ محمد بن سعد: كان يقال له: العبد. وقال ابن الأثير: نسبة إلى سكة بنانة بالبصرة وهو تابعي. سمع أنسًا، وعنه ابن علية وشعبة (٢) وقال (٣): هو عندي في أنس أحب إلي من قتادة. اتفقوا على توثيقه. مات سنة ثلاثين ومائة (٤). وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو بشر إسماعيل (ع) بن إبراهيم بن مقسم البصري. مولى عبد الرحمن بن قطبة الأسدي -أسد خزيمة- وأصله كوفي. وعُلَيَّة أُمُّه وهي بنت حسان، مولاة لبني شيبان، وكانت امرأة نبيلة عاقلة. وكان صالح المرِّي وغيره من وجوه أهل البصرة وقتها يدخلون عليها، فتَبْرُز لهم وتحدثهم وتسائلهم. وزعم علي بن حُجر أن علية جدته أُمُّ أبيه لا أُمُّه (٥). ----------------------- (١) سبق في شرح حديث رقم (١٣). (٢) «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ١٧٨، وفيه: روى عنه شعبة وعبد الوارث. (٣) أى: شعبة. (٤) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٤٥، «التاريخ الكبير» ٦/ ١٤ (١٥٣٤)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٣٨٤ (١٧٩٤)، و«الثقات» لابن حبان ٥/ ١٢٣، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ١٤٧ (٣٤٥٣)، و«التقريب» (٤١٠٢)، «شذرات الذهب» ١/ ٣٧. (٥) قال الخطيب في «تاريخه» ٦/ ٢٣١: قلت: وزعم علي بن حجر أن علية ليست أمَّه وإنما هي جدته أم أمه. وفي «تهذيب الكمال» ٣/ ٣١ عن الخطيب: إنما هي جدته أم أمِّه، وفي «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١١٥ عن الخطيب أيضًا: انما هي جدته لأمِّه. روى عن مالك بن أنس وغيره، وعنه أحمد وخلق. قَالَ شعبة: هو ريحانة الفقهاء، سيد المحدثين، وجلالته وثقته متفق عليهما. قَالَ أبو داود: ما أحد من المحدثين إلا قَدْ أخطا إلا إسماعيل ابن علية، وبشر بن المفضل. وقال عمرو بن زرارة: صحبته أربع عشرة سنة فما رأيته ضحك فيها، وصحبته سبع سنين فما رأيته تبسم فيها. ولي صدقات البصرة، والمظالم ببغداد في آخر خلافة هارون. ونزل هو وولده ببغداد، واشترى بها دارًا، وتوفي بها ودفن في مقابر عبد الله بن مالك، وصلى عليه ابنه إبراهيم. ولد سنة عشر ومائة، ومات سنة ثلاث وتسعين (١). وأما الراوي عنه فهو أبو يوسف (ع) يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح بن منصور بن مزاحم العبدي القيسي، مولى عبد القيس الدورقي البغدادي الحافظ، أخو أحمد بن إبراهيم. واختلف في نسبته فقيل: أصله من فارس، وقيل: نسب إلى لبس القلانس الدورقية. قَالَ الكلاباذي: دورق: قلانس كان يلبسها، فنسب إليها، وقيل: كان الإنسان إِذَا نسك في ذَلِكَ الزمن، قيل له: دورقي، وكان أبوه قد تنسَّك. رأى الليث بن سعد، وسمع ابن عيينة وغيره، وعنه أخوه أحمد وأبو زرعة الرازي وغيرهما. وآخر من روى عنه محمد بن مخلد الدوري، وكان ثقة حافظًا متقنًا، صنف «المسند»، ولد سنة ست وستين ومائة، ومات سنة اثنتين وخمسين ---------------------- (١) انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٣٤٢ (١٠٧٨)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٥٣ (٥١٣)، «الثقات» ٨/ ١٠٤، «تاريخ بغداد» ٦/ ٢٢٩ (٣٢٧٧)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٣ (٤١٧)، «لسان الميزان» ١/ ٦٠٢، «التقريب» (٤١٩). ومائتين (١)، قَالَ الخطيب: حدث عنه محمد بن سعد ومحمد بن مخلد الدوري وبين وفاتيهما مائة سنة وسنة واحدة (٢). فائدة: في الكتب الستة يعقوب بن إبراهيم اثنان: أحدهما: هذا، وثانيهما: الزهري (٣) (ع) الوَرع وسيأتي في العلم، وأما سند حديث أنس الثاني فسلف. ثالثها: في فوائده: الأولى: الحب: الوداد، وأحبه فهو محبوب عَلَى غير قياس، ومُحبٌّ على القياس، وكره بعضهم حببته (٤). وحكاها سيبويه مع أحببته. والمحبة أيضًا: اسم للحب، والحِبُّ: المحبوب، والأنثى: حِبَّةٌ، وامرأة مُحِبَّةٌ لزوجها ومُحِبٌّ عن الفراء. الثانية: جواز الحلف من غير استحلاف إِذَا كان لمهم. الثالثة: معنى الحديث: لا يكمل إيمان أحدكم حتَّى يكون بهذِه الصفة، فمن لم يكن هكذا فهو ناقص الإيمان. قَالَ الخطابي: معناه لا تصدق في [حبي حتى] (٥) تفني في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي عَلَى هواك وإن كان فيه هلاكك. ---------------------- (١) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٦٠، و«الجرح والتعديل» ٩/ ٢٠٢ (٨٤٤)، و«تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣١١ (٧٠٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ١٤١ - ١٤٤. (٢) «السابق واللاحق» ص (٣٧٥). (٣) انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٩٦ (٣٤٥٩)، و«الجرح والتعديل» ٩/ ٢٠٢ (٨٤٣)، و«تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٠٨ (٧٠٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٩١ - ٤٩٣ (١٨٤)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٢. (٤) حكاها الأزهري عن الفراء. «تهذيب اللغة» ١/ ٧١٧. (٥) توجد علامة سقط بالمخطوط وهو مطموس بالهامش والمثبت يقتضيه السياق. قَالَ أبو الزناد: وهذا الحديث من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه أفضل الصلاة والسلام؛ إِذ أقسام المحبة ثلاثة: محبة إجلال إعظام كمحبة الولد للوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الوالد لولده، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع - ﷺ - أصناف المحبة في محبته. وقال ابن بطال: معنى الحديث: أن من استكمل الإيمان علم أن حق الرسول آكد عليه من حق ولده ووالده والناس أجمعين؛ لأن به استُنْقِذْنا من النار وهُدِينا من الضلال، والمراد بالحديث: بذل النفس دونه. وقال الكسائي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: حسبك الله ناصرًا وكافيًا، وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك (١). قَالَ القاضي عياض: ومن محبته - ﷺ - نَصْرُ سنته، والذَّبُّ عن شريعته، وتمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه. قَالَ: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، ولا يصحُّ إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي - ﷺ - ومنزلته عَلَى كل والد وولد ومحسن ومفضل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد ما سواه فليس بمؤمن (٢). وقال القرطبي: لابد أن تكون محبة النبي - ﷺ - راجحة عَلَى كل أحد؛ لأنه - ﷺ - قَدْ كمَّله الله على جميع جنسه وفضَّله على سائر نوعه، بما جَبَلَهُ عليه من المحاسن الظاهرة والباطنة (٣). ------------------- (١) «شرح ابن بطال» ١/ ٦٥ - ٦٦. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٢٨٠ - ٢٨١. (٣) «المفهم» ١/ ٢٢٥. ثمَّ قَالَ بعد حكاية كلام القاضي: ظاهره أنه صرف محبة النبي - ﷺ - إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله، ولا شك في كفر من لم يعتقد ذَلِكَ. غير أن تنزيل هذا الحديث عَلَى ذَلِكَ المعنى غير صحيح؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس بالمحبة ولا الأحبية، ولا مستلزمًا لها؛ إذ قَدْ يجد الإنسان من نفسه إعظام شخص ولا يجد محبة؛ ولأن عمر - رضي الله عنه - لما سمع هذا الحديث قَالَ: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا نفسي. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا والذي نفسي بيده حتَّى أكون أحب إليك من نفسك» فقال لَهُ عمر: فإنه الآن، لأنت أحب إلي من نفسي. فقال - ﷺ -: «الآن يا عمر» رواه البخاري في الأيمان والنذور منفردًا به (١). فهذا كله تصريح بأن هذِه المحبة ليست باعتقاد تعظيم، بل ميل إلى المعتقد تعظيمه وتعلق القلب به. وعلى هذا معنى الحديث -والله أعلم- أن من لم يجد من نفسه ذَلِكَ الميل لم يكمل إيمانه، عَلَى أن كل من صدَّق به - ﷺ - وآمن به إيمانًا صحيحًا لم يخل عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة للنبي - ﷺ -، غير أنهم في ذَلِكَ متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك الأرجحية بالحظ الأوفر كقضية عمر السالفة. ومن المؤمنين من يكون مستغرقًا بالشهوات محجوبًا بالغفلات عن ذَلِكَ المعنى في أكثر أوقاته، لكنه إِذَا ذُكر النبي - ﷺ - أو شيء من فضائله اهتاج لذكره واشتاق لرؤيته بحيث يُؤْثِر رؤيته بل رؤية قبره ومواضع آثاره عَلَى أهله وماله وولده ووالده ونفسه والناس أجمعين، فيخطر له هذا ونحوه وجدانًا لا شك فيه، غير أنه سريع الزوال والذهاب؛ لغلبة ---------------------- (١) سيأتي برقم (٦٦٣٢) باب: كيف كانت يمين النبي - ﷺ -. الشهوات وتوالي الغفلات، ويخاف عَلَى من هذا حاله ذهاب أصل تلك المحبة (١). فرع حسن: قَالَ القاضي حسين من أصحابنا: يجب عَلَى المرء أن يكون جَزَعُهُ وحزنُه وقلقُه عَلَى فراق النبي - ﷺ - أكثر من حزنه عَلَى فراق أبويه، كما يجب عليه أن يكون عنده أحب إليه من نفسه وأهله وماله. تنبيه. قُدِّم في الحديث الوالد عَلَى الولد، ومحبة الإنسان لولده أعظم من والده غالبًا؛ لأن كثيرًا من الناس لا ولد له وكل أحد له والد، فلذلك قدم الأعم ثمَّ خصَّ. عَلَى أن في مسلم تقديم الولد عَلَى الوالد في حديث أنس، وسببه المعنى الآخر، فتنبَّهْ له. ---------------------- (١) «المفهم» ١/ ٢٢٥ - ٢٢٧. ٩ - باب حَلَاوَةِ الإِيمَانِ ١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». [٢١، ٦٠٤١، ٦٩٤١ - مسلم ٤٣ - فتح ١/ ٦٠] ثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثنَّى نا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ نا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري قريبًا عن سليمان بن حرب، عن شعبة، عن قتادة عن أنس (١). وأخرجه أيضًا في الإكراه عن محمد بن عبد الله بن حوشب، عن عبد الوهاب (٢). وأخرجه مسلم هنا عن إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، وبندار، عن عبد الوهاب (٣)، وتفرد به عبد الوهاب، عن أيوب. ------------------------- (١) سيأتي برقم (٢١)، باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار. (٢) سيأتي برقم (٦٩٤١)، باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر. (٣) رواه مسلم (٤٣/ ٦٧) باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان. كما قَالَه خلف في «الأطراف»، لكن ذكر الدارقطني أن وهيب بن خالد الباهلي رواه عن أيوب موقوفًا. ولفظ مسلم: «وجد بهن» بزيادة: «بهنَّ»، وفي لفظ له وللبخاري: «وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه» (١) إلى آخره، وفي رواية له: «من أن يرجع يهوديًّا أو نصرانيًّا» (٢). وأما أنس فسلف. وأما أبو قلابة -فبكسر القاف، والباء الموحدة- واسمه عبد الله (ع) بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر بن ناتل (٣) -بالمثناة فوق- ابن مالك الجرمي البصري التابعي الجليل المتفق عَلَى جلالته وثقته. سمع أنسًا وغيره من الصحابة، وعنه أيوب وغيره من التابعين، مات بالشام سنة أربع ومائة. وذكر للقضاء فهرب حتَّى أتى اليمامة، وقال: ما وجدت مثل القاضي العالم إلا مثل رجل وقع في بحر فما عسى أن يسبح حتَّى يغرق (٤). وأما أيوب: (ع) فهو الإمام المجمع على جلالته وإمامته وثقته وثبته، أبو بكر أيوب بن أبي تميمة -بفتح المثناة فوق- واسمه: كيسان السختياني -بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وكسر --------------------- (١) سيأتي برقم (٢١) كتاب: الإيمان، باب: من كره أن يعود في الكفر. ومسلم (٤٣/ ٦٧) كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان. (٢) رواه مسلم (٤٣/ ٦٨) الموضع السابق. (٣) ورد في هامش (ف): روجع بخط الدمياطي بالباء الموحدة. (٤) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ١٨٣، و«التاريخ الكبير» ٥/ ٩٢ (٢٥٥)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٥٧ (٢٦٨)، و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٤٢ (٣٢٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٦٨ - ٤٧٥ (١٧٨). التاء- البصري التابعي، مولى بني عنزة، ويقال: جهينة. ومواليه حلفاء بني الحريش. وقيل لَهُ: السختياني. لأنه كان يبيع الجلود بالبصرة، وقال السمعاني: هذِه النسبة إلى عمل السختيان وبيعه، وهو الجلود الضائنة ليست بأدم (١). وقال الصغاني في «عبابه»: السختيان: جلد الماعز المدبوغ، فارسي معرب. وفي «المطالع» بعد أن ضبطه بالفتح (٢) أن الجوهري قَالَ: سمي بذلك؛ لأنه يبيع الجلود. وقال: ومنهم من يضم السين. رأى أنسًا، وسمع عمرو بن سلِمة -بكسر اللام- الجرمي، وخلقًا من كبار التابعين. وعنه: ابن سيرين، وقتادة، وعمرو بن دينار، وهم من شيوخه، وغيرهم من التابعين، وغيرهم كمالك، والثوري، وشعبة. قَالَ ابن علية: كنا نقول: عنده ألفا حديث. وقال شعبة: ما رأيت مثله، كان سيد الفقهاء. وقال ابن عيينة: لقيت ستة وثمانين تابعيًّا ما لقيت منهم مثل أيوب. ولد سنة ست أو ثمان وستين، ومات سنة إحدى وثلاثين ومائة (٣). وأما عبد الوهّاب: (ع) فهو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الوهّاب بن ------------------------ (١) «الأنساب» ٧/ ٥٣. (٢) غير مقروءة في (ف). (٣) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٤٦ - ٢٥١، «التاريخ الكبير» ١/ ٤٠٩، ٤١٠ (١٣٠٧)، «الأنساب» ٧/ ٥٣، «تهذيب الكمال» ٣/ ٤٥٧ - ٤٦٤ (٦٠٧)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٥ - ٢٦ (٧)، «شذرات الذهب» ١/ ١٨١. عبد المجيد بن الصلت بن عبيد الله بن (الحكم بن بشر) (١) بن عبد الله بن دهمان بن (عبد الله بن همام) (٢) بن أبان بن يسار بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسي، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان الثقفي البصري. سمع جمعًا من الأعلام، منهم: يحيى الأنصاري، وأيوب، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند التابعيون. وعنه الأعلام: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، وثقه يحيى بن معين، وقال: إنه اختلط بآخره. وقال عقبة بن مكرم العمي: اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع. وقال غيره: إنه لم يحدث بعد الاختلاط، وحجب الناس عنه. ووثقه العجلي أيضًا. وقال ابن سعد: كان ثقة وفيه ضعف (٣). وقال عمرو بن علي: كانت غلة عبد الوهاب في كل سنة ما بين أربعين ألفًا إلى خمسين ألفًا، لا يحول الحول عَلَى شيء منها كان ينفقها عَلَى أصحاب الحديث. ولد سنة ثمان أو عشر ومائة، ومات سنة أربع وتسعين (٤). وأما محمد (ع) بن المثنئ: فهو أبو موسى محمد بن المثنى بن عبيد بن قيس بن دينار العنزي البصري الحافظ المعروف بالزمن، ---------------- (١) كذا في (ف)، وفي «التاريخ الكبير» ٦/ ٩٧، «التعديل والتجريح» ٢/ ٩١٩، «تاريخ بغداد» ١٨/ ١١: الحكم بن أبي العاص بن بشر. (٢) في (ف): عبد الله بن عبد همام، والمثبت من «التاريخ الكبير» ٦/ ٩٧، «التجريح والتعديل» ٢/ ٩١٩. (٣) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩. (٤) انظر: «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ١٥٥ (٦٥)، «التاريخ الكبير» ٦/ ٩٧ (١٨٢٢)، و«الثقات» للعجلي ٢/ ١٠٨ (١١٤٧)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٧١ (٣٦٩)، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٠٣ (٣٦٠٤)، و«سير أعلام النبلاء» ٩/ ٢٣٧ (٦٧). والعنزي -بفتح العين- نسبة إلى عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان حي من ربيعة، روى عن سفيان بن عيينة وخلق، وعنه: الجماعة وابن خزيمة وخلق. وهو ثقة ورع، ولد سنة سبع وستين ومائة، وهي السنة التي مات فيها حماد بن سلمة، وولد بندار ومات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين (١). فائدة: رجال هذا الحديث كلهم بصريون خَرّج لهم الشيخان وباقي الستة. الوجه الثالث في فوائده: وهو حديث عظيم أصل من أصول الإسلام، وأصله من كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ .. إلى قوله تعالى: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثمَّ هدد عَلَى ذَلِكَ وتوعد بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. وخص هذِه الثلاثة بالذكر؛ لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بنور الإيمان واليقين؛ فانكشف لَهُ الأحوال. الأولى: حلاوة الإيمان. استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الله تعالى ورسوله، وإيثار ذَلِكَ عَلَى أغراض الدنيا. وفي رواية أخرى في «الصحيح»: «ثلاث من كن فيه وجد طعم -------------------- (١) انظر:»الجرح والتعديل«٨/ ٩٥ (٤٠٩)، و»الثقات«لابن حبان ٩/ ١١١، و»تهذيب الكمال«٢٦/ ٣٥٩ (٥٥٧٩)، و»سير أعلام النبلاء«١٢/ ١٢٣ (٤٢)،»شذرات الذهب" ٢/ ١٢٦. الإيمان» (١). فذكره، وفي حديث آخر: «ذاق طعم الايمان من رضي بالله رَبًّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًّا» (٢)، وهو راجع إلى المعنى الذي ذكرناه. الثانية: محبة العبد لربه -سبحانه وتعالى- تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي التزام شريعته. قَالَ القاضي عِياض: ولا تصحُّ محبة الله تعالى ورسوله حقيقة، وحب المرء الأذى في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه، واطمأنت به نفسه، وانشرح لَهُ صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوة الإيمان، والحب في الله من ثمرات حب الله تعالى (٣). قَالَ بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه، فنحب ما أحب، ونكره ما يكره. ونظم هذا المعنى محمود الوراق (٤) فقال: تعصي الإله وأنت تظهر حُبَّه … هذا محال في القياس بديعُ لو كان حبُّك صادقًا لأطعته … إن المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ ------------------ (١) رواه مسلم (٤٣/ ٦٨) كتاب الإيمان، باب: بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان. (٢) رواه مسلم (٣٤) كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - رسولا فهو مؤمن وإن ارتكب المعاصي. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٢٧٨. (٤) هو: محمود الوراق بن الحسن البغدادي، شاعر، له نظم بليغ في المواعظ، روى عنه ابن ابى الدنيا، انظر: «تاريخ بغداد» ١٣/ ٨٧ (٨٠٧٢)، و«سير أعلام النبلاء» ١١/ ٤٦١ (١١٥). وبالجملة فأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحبوب، والله سبحانه منزه أن يميل أو يمال إليه (١). وأما محبة الرسول فيصح فيها الميل إذ يميل الإنسان إلى ما يوافقه، أما الاستحسان كالصورة الجميلة والصوت والمطاعم الشهية ونحوها، أو لما يستلذه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبة الصالحين والعلماء، أو لمن يحسن إليه ويدفع الضرر عنه، وهذِه المعاني كلها موجودة في رسول الله - ﷺ -؛ لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال أوصاف الجلال، وأنواع الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم] (٢) إياهم إلى صراط مستقيم ودوام النعيم. وأشار بعضهم إلى أن هذا يتصور في حق الله تعالى. وحب العبد لَهُ عَلَى قدر معرفته بجلاله وكمال صفاته، و(تنزيهه) (٣) عن النقائص، وفيض إحسانه، ولا استحالة في ذَلِكَ (٤). الثالثة: عبر - ﷺ - بقوله: «مما سواهما» دون من سواهما لعموم ما. --------------------- (١) مذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة المحبة دته تعالى كما أثبتها تعالى لنفسه وأثبتها له رسوله - ﷺ -. قال الطوفي: ذهب طوائف من المتكلمين والفقهاء إلى أن الله لا يُحِب ولا يُحَب، وإنما محبته محبة طاعته وعبادته وقالوا: هو أيضًا لا يُحِب عباده المؤمنين، وإنما محبته إرادته الأحسان إليهم. قال الطوفي: والذي دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وجميع مشايخ الطريق أن الله تعالى يُحِب ويُحَب لذاته، وأما حُبُّ ثوابه فدرجة نازلة. اهـ. انظر: «أقاويل الثقات» ص ٧٧. (٢) ينتهي هنا سقط طويل من (ج) أشرنا إلى بدايته. (٣) من (ج)، وفي (ف): (نقصه). (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩. بتصرف يسير. وما سواهما: هو جميع المخلوقات من ملك ونبي وغيرهما. الرابعة: فيه دلالة عَلَى أنه لا بأ بمثل هذِه النسبة، أعني قوله: «سواهما». وأما قوله - ﷺ - للذي خطب وقال: ومن يعصهما فقد غوى-: «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله». أخرجه مسلم (١) من حديث عدي بن حاتم. فجوابه من أوجه: أحسنها: أنه ليس من هذا النوع؛ لأن المراد في (الخطب) (٢) الإيضاح لا الرموز والإشارات، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ. ومما يدل عَلَى هذا حديث ابن مسعود في خطبة الحاجة: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن بعصهما فلا يضر إلا نفسه». أخرجه أبو داود وغيره بإسناد جيد، لأجل عمران بن داور -بالراء في آخره-، وإن خرج لَهُ البخاري متابعًا، وحكم النووي والقرطبي لإسناده بالصحة (٣). ------------------- (١) رواه مسلم (٨٧٠) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة. (٢) في (ف): الخطيب، والمثبت من (ج). (٣) أبوداود (٢١١٩)، والشاشي في «مسنده» ٢/ ٢٣٤ (٨٠٦)، والطبراني في «الكبير» ١٠/ ٢١١ (١٠٤٩٩) وفي «الأوسط» ٣/ ٧٤ (٢٥٣٠)، والبيهقي ٧/ ١٤٦. قال النووي في «شرح صحيح مسلم» ٦/ ١٦٠: إسناده صحيح. وقال الحافظ المنذري في «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٥٥: في إسناده عمران بن داور القطان، وفيه مقال. وقال ابن القيم في نفس الموضع في: «الحاشية»: وقد روى النسائي وغيرُه من حديث عدي بن حاتم قال: تشهَّد رجلان عند النبي - ﷺ -، فقال أحدهما: من يطعِ اللهَ ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما. فقال رسول الله - ﷺ -: «بئس الخطيب أنت»، فإن صح حديث عمران بن داور، فلعله رواه بعضهم بالمعنى فظن أن اللفظين سواء، ولم يبلغه حديث «بئس الخطيب أنت» وليس عمران بذاك الحافظ. وقال الألباني في «تمام المنة» ص ٣٣٥: فيه أبو عياض، وهو مجهول، وقد أعلهُ المنذري وابن القيم والشوكاني بغيره، والحق ما ذكرتهُ. ثانيها: إنه إنما أمر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قَالَ - ﷺ -: «لا يقولن أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن: ثمَّ ما شاء فلان» (١)؛ لما في ثمَّ من التراخي بخلاف الواو التي تقتضي التسوية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فيه اشتراك الضمير أيضًا، لكن قدره آخرون بأن الله يصلي وملائكته يصلون. ثالثها: أنه إنما أنكر عليه وقوفه عَلَى: ومن يعصهما. لكن قوله: «قل (٢): ومن يعص الله ورسوله» يرد ذَلِكَ. رابعها: أنه - ﷺ - لَهُ أن يجمع بخلاف غيره. خامسها: أن الجمع يوهم التسوية من قصده فلهذا منعه، قَالَه ابن عبد السلام. سادسها: أن كلامه - ﷺ - جملة واحدة، فيكره (لغة) (٣) إقامة المضمر مقام (الظاهر) (٤) بخلاف كلام الخطيب؛ فإنه جملتان. قاله ابن رزين، وبعضهم أجاب بأن المتكلم لا يتوجه تحت خطاب نفسه إِذَا وجهه لغيره. الخامسة: فيه الحث عَلَى المحبة في الله تعالى والإخلاص فيها. ----------------------- (١) رواه أبو داد (٤٩٨٠)، وأحمد ٥/ ٣٨٤ (٢٣٢٦٥)، والطيالسي ١/ ٣٤٤ (٤٣١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٣٤٠ (٢٦٦٨١)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢٤٥ (١٠٨٢١)، والبيهقي ٣/ ٢١٦ كلهم عن حذيفة، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٣٧). (٢) من (ف). (٣) في (ج): (لغيره). (٤) في (ج): (المظهر). وقد قَالَ مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. وفيه أحاديث كثيرة، منها: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» فقال: «ورجلان تحابا في الله» (١). ومنها قوله: «المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» (٢)، وهو دأب أولياء الله تعالى. وقد قَالَ يحيى بن معاذ الرازي: حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء، وأما المحبة المشوبة بالأغراض الدنيوية والحظوظ البشرية فغير مطلوبة؛ لأن من أحب لذلك انقطعت عند حصول غرضه أو إياسه منه، بخلاف المحبة (الخالصة) (٣)؛ فإنه تحصل الألفة الموجبة للتعاون عَلَى البر والتقوى. السادسة: معنى: «يعود في الكفر»: يصير، والعود والرجوع قَدْ استعملا بمعنى الصيرورة، قَالَ تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩] والمعنى أن هذِه الكراهة إنما توجد عند وجود سببها، وهو ما دخل قلبه من نور الإيمان، وكشف لَهُ عن المحاسن والطغيان، وقيل: المعنى أن من وجد حلاوة الإيمان علم أن الكافر في النار، يكره الكفر ككراهيته لدخول النار. ومعنى «يقذف في النار»: يصير فيها عافانا الله منها ومن كل البلاء. --------------------- (١) سيأتي برقم (٦٦٠) كتاب الآذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد. (٢) رواه مسلم (٢٥٦٦) كتاب البر والصلة، باب: فضل الحب في الله. (٣) في (ج): (الخاصة). ١٠ - باب عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ ١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ». [٣٧٨٤ - مسلم ٧٤ - فتح ١/ ٦٢] ثنَا أَبُو الوَليدِ ثنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري (رباعيًّا عاليًا هنا) (١)، وفي فضائل الأنصار: عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة (٢)، وأخرجه مسلم خماسيًّا عن ابن المثنى عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة به. ولفظه: «آية المؤمن» «وآية المنافق» (٣). وأخرجا من حديث البراء بن عازب في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» (٤). وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة: «لا يبغض الأنصار رجل مؤمن بالله واليوم الآخر» (٥). --------------------- (١) في (ج): رباعيا كما يأتي هنا. (٢) سيأتي برقم (٣٧٨٤) كتاب مناقب الأنصار، باب: حب الأنصار من الإيمان. (٣) مسلم (٧٤) كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي - رضي الله عنهم - من الإيمان. (٤) سيأتي برقم (٣٧٨٣) كتاب مناقب الأنصار، باب: حب الأنصار من الإيمان، ورواه مسلم (٧٥) كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي - رضي الله عنهم - من الإيمان. (٥) رواه مسلم (٧٦) الموضع السابق. وأخرجا من حديث أنس: «الأنصار كرشي وعيبتي، وإن الناس يكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» (١). الوجه الثاني: في التعريف برواته. أما أنس وشعبة فسلفا. وأما عبد الله (ع) بن عبد الله بن جبر بن عتيك فهو أنصاري مدني ثقة. أهل المدينة يقولون: جابر، والعراقيون يقولون: جبر. وقال ابن منجويه: لا يصحُّ، إنما هو جابر، وقيل: هما اثنان، سمع عمر وأنسًا، وعنه مالك ومسعر وشعبة (٢). وأما أبو الوليد فهو هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري مولى باهلة. سمع جمعًا من الأعلام: مالكًا والحمادين وغيرهما، وعنه: البخاري، وأبو داود، والباقون بواسطة، وثقته، وحفظه، وإتقانه، وجلالته، وإمامته مجمع عليها، وكانت الرحلة بعد أبي داود الطيالسي إليه. ولد سنة ست وثلاثين ومائة ومات سنة (سبع) (٣) وعشرين ومائتين (٤). --------------------- (١) سيأتي برقم (٣٨٠١) كتاب مناقب الأنصار، باب: قول النبي - ﷺ - «اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم»، ورواه مسلم ٤/ ١٩٤٩ (٢٥١٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضائل الأنصار. (٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٢٦ (٣٧٤)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٩٠ (٤١٥)، «الثقات» ٥/ ٢٩، «تهذيب الكمال» ١٥/ ١٧١ - ١٧٢ (٣٣٦٢)، «تقريب التهذيب» (٣٤١٣). (٣) في (ج): (تسع). (٤) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٥ (٢٦٧٩)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٣٥٥، «الجرح والتعديل» ٩/ ٦٥ (٢٥٣)، «الثقات» ٧/ ٥٧١، «الثقات» لابن شاهين (١٥٣٥)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٢٦ - ٢٣٢ (٦٥٨٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٤١، «شذرات الذهب» ٢/ ٦٢. وأبو داود الطيالسي سليمان بن داود الحافظ صاحب «المسند». مات سنة أربع ومائتين عن إحدى وتسعين سنة (١). فائدة: أبو الوليد جماعة: هذا والمجاشعي (٢)، والدمشقي (٣)، والمكي (٤) عن جابر وآخر عن ابن عمر (٥). -------------------- (١) هو سليمان بن داود بن الجارود، يكنى أبا داود ولد سنة ١٣٣ هـ، وقد رحل مبكرا في طلب العلم فرحل إلى بغداد وسمع من عبد الرحمن المسعودي، ورحل إلى الكوفة، وسمع من متقدمي الكوفة؛ كالثوري وإسرائيل، ورحل إلى المدينة، وسمع من فليح بن سليمان والإمام مالك بن أنس وغيره. ومن شيوخه: شعبة، وحماد بن سلمة، والوضاح بن عبد الله، وأبو عوانة، ومحمد ابن عبد الرحمن بن المغيرة، وورقاء بن عمر، ومن تلاميذه: يونس بن حبيب، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن بشار، توفي بالبصرة سنة ٢٠٣، أو ٢٠٤ هـ. انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٨، «تاريخ الدارمي» (١٠٧، ١١٠)، «التاريخ الكبير» ٤/ ١٠ (١٧٨٨)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٢٩٩، «الجرح والتعديل» ٤/ ١١١ - ١١٣ (٤٩١)، «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٠١ (٢٥٠٧)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٣٧٨. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٤٧ (٢٠٠٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٣٢ (١٧١٨)، «تهذيب الكمال» ٤/ ٤٧ (٦٥٦). (٣) نسبة لاثنين وهما: أ- عمير بن هانئ العنسي انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٣٥ (٣٢٣٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٧٨ (٢٠٩٧)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٨٨ (٤٥٢١). ب- هشام بن عمار بن نصير انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٩٩ (٢٧٠١)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٦٦ (٢٥٥)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٤٢ (٦٥٨٦). (٤) هو سعيد بن مينا انظر ترجمته: «التاريخ الكبير» ٣/ ٥١٢ (١٧٠١)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٦١ (٢٦٣)، «تهذيب الكمال» ١١/ ٨٤ (٢٣٦٥). (٥) هو عبد الله بن الحارث الأنصاري، انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٦٤ (١٥٨)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣١ (١٣٨)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٠٠ (٣٢١٧)، «تقريب التهذيب» (٣٢٦٦). الوجه الثالث: الأنصار لقب إسلامي، سموا بذلك لنصرتهم النبي - ﷺ - وهم (١) ولد الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة العنقاء -لطول عنقه- بن عمرو مزيقيا -الخارج من اليمن أيام سيل العرم- بن عامر بن ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس البطريق بن ثعلبة البهلول، بن مازن، وهو جماع غسان بن الأزد، واسمه ذراء عَلَى وزن فعال بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان أخي حمير بن يعرب بن يقطن، وهو قحطان وإلى قحطان جماع اليمن، وهو أبو اليمن كلها، ومنهم من ينسبه إلى إسماعيل فيقول: قحطان بن الهميسع بن تيمن بن نبت بن إسماعيل، هذا قول الكلبي. ومنهم من نسبه إلى غيره فيقول: قحطان بن فالخ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. فعلى الأول العرب كلها من ولد إسماعيل، وعلى الثاني من ولد إسماعيل وقحطان. وقال حسان بن ثابت الأنصاري: إمّا سألت فإنا معشر نجبٌ … الأزد نسبتنا والماء غسان وغسان ماء كان شربًا لولد مازن بن الأزد. وكذا أسلفنا هذِه النسبة أيضًا في الحديث الأول في الصحيح بزيادة البعض. الرابع في فوائده: «آية الإيمان» علامته ودلالته و«حب الأنصار» من حيث كانوا أنصار الدين ومُظهريه، وباذلي أنفسهم وأموالهم، وقتالهم الناس كافة دونه علامة ودلالة قاطعة عَلَى الإيمان، فمن عرف حق الأنصار ومبادرتهم ----------------------- (١) في (ج): وأنصار النبي - ﷺ -. ![]()
__________________
|
|
#44
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 536 الى صـــ 555 الحلقة (43) ونصرهم ومحبتهم لَهُ - ﷺ - أحبهم ضرورة بحكم صحة إيمانه، ومن كان منافقًا لم يسره ما جاء منهم فيبغضهم. وهذا جارٍ في أعيان الصحابة كالخلفاء، وبقية العشرة، والمهاجرين، بل في كل الصحابة إذ (كل واحد منهم له) (١) سابقة وسالفة، وغناء في الدين وأثر حسن فيه. فحبهم لذلك المعنى محض الإيمان، وبغضهم محض النفاق، ويدل عليه الحديث الوارد في فضل الصحابة كلهم: «من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم» (٢)، وأما من أبغض أحدًا منهم من غير تلك الجهة لأمر طارئ من حديث وقع لمخالفة غرض أو لضرر ونحوه لم يصر بذلك منافقًا ولا كافرًا، فقد وقع بينهم حروب ومخالفات، ومع ذَلِكَ لم يحكم بعضهم عَلَى بعض بالنفاق، وإنما كان حالهم في ذَلِكَ حال المجتهدين في الأحكام. فإما أن يقال: كلهم مصيب أو المصيب واحد، والمخطئ معذور مع أنه مخاطب بما يراه ويظنه، فمن وقع لَهُ بغض في واحد منهم -والعياذ بالله- لشيء من ذَلِكَ فهو عاص تجب عليه التوبة، ومجاهدة نفسه بذكر سوابقهم وفضائلهم، وما لهم (عَلَى كل) (٣) من بعدهم من الحقوق؛ إذ لم يصل أحد من بعدهم لشيء من الدين والدنيا إلا بهم، وبسببهم قَالَ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، نبه عَلَى ذَلِكَ ------------------------ (١) في (ج): لكل واحد منهم. (٢) رواه الترمذي (٣٨٦٢)، وأحمد ٤/ ٨٧، وابن أبي عاصم في «السنة» ٩٩٢ وابن حبان ١٦/ ٢٢٤ (٧٢٥٦) عن عبد الله بن مغفل قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وضعفه الألباني في «ظلال الجنة في تخريج السنة» (٩٩٢). (٣) في (ج): على ذلك. القرطبي (١) ففيه: الحث عَلَى حب الأنصار، وبيان فضلهم لما كان منهم من مناصحتهم لله تعالى ولرسوله وللمهاجرين وسائر المسلمين، وإعزازهم للدين، وإيثارهم به على أنفسهم وغير ذَلِكَ. ------------------------- (١) «تفسير القرطبي» ١٨/ ٣٢، والقرطبي هو الإمام العلامة أبو عبد الله الأنصاري. الخزرجي، القرطبي محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح إمام متفنن متبحر في العلم، لهُ تصانيف مفيدة تدلُّ على كثرة اطلاعه ووفور فضله. منها كتاب «الجامع لأحكام القرآن»، وكتاب «الأسنى في الأسماء الحُسنى»، وكتاب «التذكرة»، وأشياء تدل على إمامته وكثرة اطلاعه. توفي في أوائل سنة ٦٧١ هـ بمنية بني خصيب من الصعيد الأدنى بمصر. وقد سارت بتفسيره الرُكبان وهو كامل في معناه. انظر ترجمتهُ في: «تاريخ الأسلام» ٥٠/ ٧٤، ٧٥ (٢٦)، «معجم المؤلفين» ٣/ ٥٢، «شذرات الذهب» ٥/ ٣٣٥. ١١ - باب ١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ - رضي الله عنه - وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِى عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِى مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ به فِى الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. [٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤،٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٥، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨ - مسلم ١٧٠٩ - فتح ١/ ٦٤] نا أَبُو اليَمَانِ أنا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامت وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ، وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا باللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ [به] (١) فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إلى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ على ذَلِكَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هكذا وقع هذا الباب في البخاري غير مضاف، وهو صحيح، ----------------------- (١) من (ج). وأخرجه البخاري -أعني: هذا الحديث- في خمسة مواضع: هنا والمغازي (١) والأحكام عن أبي اليمان عن شعيب (٢)، وفي وُفود الأنصار، عن إسحاق بن منصور، عن يعقوب عن ابن أخي الزهري (٣)، وعن عليّ عن ابن عيينة. قَالَ البخاري عقبه: وتابعه عبد الرزاق عن معمر (٤)، وفي الحدود عن ابن يوسف، عن معمر (٥). وأخرجه مسلم في الحدود عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر والناقد وإسحاق وابن نمير عن ابن عيينة، وعن عبد الرزاق عن معمر، كلهم عن الزهري به (٦). الوجه الثاني: في التعريف برواته. فأما أبو اليمان وشعيب والزهري فسلف ذكرهم. وأما عبادة (ع) فهو: أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم -وهو: قوقل- بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، شهد العقبتين الأولى والثانية، وبدرًا وأحدًا، وبيعة الرضوان والمشاهد كلَّها. روي له مائة حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى ستة، وانفرد كل واحد بحديثين. روى عنه جمع من الصحابة منهم أنس ---------------------- (١) سيأتي برقم (٣٩٩٩) باب (١٢). (٢) سيأتي برقم (٧٢١٣) باب: بيعة النساء. (٣) سيأتي برقم (٣٨٩٢) كتاب: مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - .. (٤) سيأتي برقم (٤٨٩٤) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾. (٥) سيأتي برقم (٦٨٠١) باب: توبة السارق. (٦) مسلم (١٧٠٩/ ٤١ - ٤٢) باب: الحدود كفارات لأهلها. وغيرهم منهم: بنوه الوليد وعبيد الله وداود، وهو أول من ولي قضاء فلسطين -ولاه عمر- مات بالشام سنة أربع وثلاثين عن ثنتين وسبعين سنة، وقبره ببيت المقدس، وقيل: بالرملة (١). وكان معاوية قَدْ خالفه في شيء من مسائل الربا، أنكره عليه عبادة فأغلظ لَهُ معاوية في القول. فقال لَهُ عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدًا، ورحل إلى المدينة. فقال لَهُ عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضًا لست فيها ولا أمثالك. وكتب إلى معاوية لا أمر لك عليه (٢). فائدة: عبادة بن الصامت هذا فرد في الصحابة، وفيهم عبادة بدون ابن الصامت اثنتا عشرة نفسًا (٣). --------------------- (١) انظر: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ١٩١ - ١٩٢ (٦٨٩)، «معرفة الصحابة» ٤/ ١٩١٩ - ١٩٢٣ (١٩٧٣)، «الاستيعاب» ٢/ ٣٥٥، ٣٥٦ (١٣٨٠)، «أسد الغابة» ٣/ -١٦١ (٢٧٨٩)، «الإصابة» ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩ (٤٤٩٧). (٢) أوردها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٢/ ٧. (٣) وهم: ١ - عبادة بن الأشيب العنزي، بسكون النون. ٢ - عبادة بن أبي أوفي بن حنظلة بن عمرو بن رباح بن جعونة بن الحارث بن نمير بن عامر بن صعصعة أبو الوليد النُميري. ٣ - عبادة بن الخشخاش بمعجمات ابن عمرو بن عمارة بن مالك ابن عمرو الدلوي حليف الأنصار. ٤ - عبادة بن رافع الأنصاري. ٥ - عبادة بن سعد ابن عثمان الزُّرقي. ٦ - عبادة بن الشمَّاخ أو عوانة. ٧ - عبادة بن طارق الأنصاري. ٨ - عبادة بن عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي أخو عبد الله بن عبد الله. ٩ - عُبادة ابن عمرو بن محصن الأنصاري. ١٠ - عبادة بن قرط أو قرص بن عروة بن بجير بن مالك بن قيس بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الضبي. ١١ - عبادة بن قيس. ١٢ - عبادة بن مالك الأنصاري. ١٣ - عبادة الزرقي. انظر: «الإصابة» ٢/ ٢٦٧ - ٢٧٠. وأما الراوي عنه فهو أبو إدريس (ع) عائذ الله -بذال معجمة قبلها همزة- بن عبد الله بن عمرو الخولاني الدمشقي، سمع خلقًا من الصحابة منهم: عبادة وأبو ذر، وعنه جمع من التابعين منهم: الزهري ومكحول. وقال: ما أدركت مثله (١)، ولد يوم حنين ومات سنة ثمانين. تقضى بدمشق وكان من عبادهم وقرائهم، وهذا من رواية القضاة بعضهم عن بعض: أبو إدريس عن عبادة (٢). الوجه الثالث: ذكر البخاري هذا الحديث هنا؛ لأن الأنصار لهم من السبق إلى الإسلام بهذِه البيعة التي عقدت عَلَى الإسلام مع أن المهاجرين كانوا أسلموا ولم يبايعوا مثلها، فالأنصار هم المبتدئون بالبيعة عَلَى إعلام توحيد الله وشريعته حتَّى يموتوا، فحبهم علامة الإيمان -كما سلف في الحديث السالف- مجازاة لهم عَلَى حبهم من هاجر إليهم، ومواساتهم لهم في أموالهم، كما وصفهم الله تعالى، واتباعًا لحب الله تعالى لهم. قَالَ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وكان الأنصار ممن تبعه أولًا، فوجبت لهم محبة الله، ومن أحبه الله وجب عَلَى العباد حبه. الرابع: النقباء -واحدهم نقيب- وهو الناظر عَلَى القوم. ونقباء الأنصار هم الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي - ﷺ -. ------------------------ (١) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٦/ ١٦٢. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٨٣ (٣٧٥)، و«الجرح والتعديل» ٧/ ٣٧ (٢٠٠)، و«الثقات» لابن حبان ٥/ ٢٧٧، و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٨٨ (٣٠٦٨)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٧٢ - ٢٧٧ (٩٩)، «شذرات الذهب» ١/ ٨٨. الخامس: هذِه العقبة هي العقبة التي بمنًى التي تنسب إليها جمرة العقبة. وقد كان بهذِه العقبة بيعتان لرسول الله - ﷺ - بايع الأنصار فيهما عَلَى الإسلام، ويقال فيهما: العقبة الأولى والعقبة الثانية. وكانت الأولى أول بيعة عقدت عَلَى الإسلام، وكان المبايعون في الأولى اثني عشر رجلًا من الأنصار كما ذكره النووي- ويأتي (خلافه) (١) - ثمَّ كانت العقبة الثانية في السنة التي تليها، وكانوا في الثانية سبعين رجلًا من الأنصار أيضًا، كما ذكره (٢). وإيضاح ذَلِكَ أن النبي - ﷺ - كان يعرض نفسه عَلَى القبائل، فلقي رهطًا من الخزرج ستة عند العقبة في الموسم فقال: «ألا تجلسون أكلمكم؟». فعرض عليهم الإسلام، وكانت يهود أهل كتاب وعلم، وكانوا (هم) (٣) أهل شرك وأوثان، وكانوا قَدْ غزوهم في بلادهم، فكانوا إِذَا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا يبعث الآن قَدْ أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله - ﷺ - أولئك النفر قَالَ بعضهم لبعض: تعلموا والله إنه لَلنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبِقنَكم إليه. فأجابوه وصدقوه. وقالوا: إنا تركنا قومنا وبينهم حروب، فننصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه، فعسى الله أن يجمعهم بك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. فانصرفوا إلى المدينة، ودعوا إلى الإسلام حتَّى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله - ﷺ - (٤). ----------------------- (١) من (ج). (٢) «شرح مسلم» ١٧/ ٨٨. (٣) من (ج). (٤) انظر «سيرة ابن هشام» ٢/ ٣٨. والستة هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث-وهو ابن عفراء-، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، وعقبة بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، ومنهم من يسقط جابرًا ويجعل بدله عبادة بن الصامت. فلما كان العام المقبل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلًا منهم خمسة من الستة المذكورين فلم يكن فيهم جابر والسبعة الباقون: معاذ بن الحارث -وهو ابن عفراء أخو عوف-، وذكوان بن قيس -قتل يوم أحد- وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة بن فضلة. ومن الأوس: أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، فبايعهم رسول الله - ﷺ - عند العقبة عَلَى بيعة النساء، ولم يكن أمر بالقتال بعد، فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله - ﷺ - ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمانهم ويدعوانهم إلى الإسلام، فكان مصعب -يدعى القارئ- يؤمهم، وجمَّع بهم في حرة بني بياضة، وهم أربعون رجلًا، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام. وكان مصعب نزل عَلَى أسعد بن زرارة، وإنما كان يؤمهم؛ لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وذكر ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أسعد بن زرارة، ورواه عنه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه». وقال: صحيح على شرط مسلم (١)، فأسلم على يد مصعب خلق كثير، منهم: -------------------- (١) أبو داود (١٠٦٩)، ابن ماجه (١٠٨٢)، ابن حبان (٧٠١٣)، الحاكم ١/ ٢٨١. والحديث حسنه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٩٨٠)، «صحيح سنن ابن ماجه» (٨٨٦). سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير. ثم لقيه ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان في الموسم، وواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق. فلما فرغوا من الحج، وكانت الليلة، خرجوا من الميعاد فبايعوا النبي - ﷺ - عَلَى أن يمنعوه مما يمنعوا منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن (يرحل) (١) إليهم هو وأصحابه، وحضر العباس ذَلِكَ وهو عَلَى دين قومه، فتكلم العباس، فقالوا: تكلم يا رسول الله، خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم - ﷺ - وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ثمَّ قَالَ: «أبايعكم عَلَى أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» (٢). فأخذ البراء بن معرور بيده ثمَّ قَالَ: نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابرٍ. فقال النبي - ﷺ -: «أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا» وهم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، فهؤلاء من الخزرج. وثلاثة من الأوس: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ومن المشهور من السبعين: ابن الهيثم، ورفاعة بن منذر، وأبو بردة هانئ بن نيار، وعويم بن ساعدة، ومن الخزرج: أبو أيوب ------------------------- (١) في (ج): (يأتي). (٢) رواه أحمد ٣/ ٤٦٠ - ٤٦٢، وابن حبان (٧٠١١)، والطبراني ١٩/ ٨٧ - ٩٠ (١٧٤)، والحاكم ٣/ ٤٤١ عن كعب بن مالك. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٤٥: رجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرَّح بالسماع. الأنصاري، ومعوذ، ومعاذ، وعوف بنو الحارث وهم بنو عفراء، وأبو طلحة سهل بن زيد النجاري، وأبو مسعود الأنصاري، وبشر ابن البراء بن معرور، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد الله -وكان من أحدثهم سنًّا- والمنذر بن عمرو، وأم عمارة نسيبة، وأم منيع أسماء. كانت البيعة الثانية عَلَى حرب الأسود والأحمر، وجعل ثوابهم الجنة، وذلك حين أذن لَهُ في الحرب وفي الأولى لم يؤذن لَهُ كما سلف. ثمَّ بعد هاتين البيعتين بيعة ثالثة -وهي بيعة الرضوان- خرج - ﷺ - في ذي القعدة سنة ست معتمرًا (فصدته) (١) قريش، فبعث إليهم عثمان، فبلغه أنهم قتلوه، فقال: «لا نبرح حتَّى نناجز القوم» (٢). فدعا رسول الله - ﷺ - إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وخمسمائة، فروي أنه بايعهم عَلَى الموت، وأنكره جابر، وإنما بايع عَلَى أن لا نفر. قَالَ تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨] أي: أعطاهم من أجل تلك البيعه: ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يعنى خيبر، ووعدهم ﴿مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] أي: مستمرة إلى يوم القيامة، ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: ٢١]، أي: قتل فارس والروم، وقيل: فتح مكة. ---------------------- (١) في (ج): فصدتهم. (٢) «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٦٤، والطبري في «تفسيره» ١١/ ٣٤٨ (٣١٥١٦) وفي «تاريخه» ٢/ ١٢١ عن ابن إسحاق قال: فحدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله - ﷺ - قال حين بلغه أن عثمان قتل فذكره، وانظر: «التمهيد» ١٢/ ١٤٨. الوجه السادس: قَدْ ساق البخاري صفة هذِه المبايعة. وجاء في رواية أخرى: فتلا علينا آية النساء ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] .. الآية (١). وفي الأخرى: إني لمن النقباء الذين بايعوا رسول الله - ﷺ - وفيه: فبايعناه عَلَى أن لا نشرك بالله شيئًا. وزاد: ولا ننتهب (٢). وفي أخرى في مسلم: أخذ علينا رسول الله - ﷺ - كما أخذ عَلَى النساء، أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق، ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا يَعْضَه بَعْضُنا بَعْضًا (٣). ومعنى يعضه -بفتح الياء والضاد المعجمة- لا يسخر، وقيل: لا نأتي ببهتان يقال: عضه الرجل، وأعضه إِذَا أفك. وأخرجه النسائي وقال فيه: بايعت رسول الله ليلة العقبة في رهط، فقال: «أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تشربوا، ولا تقتلوا أولادكم» (٤) وذكر نحو باقيه، وسيأتي حديث عبادة أيضًا في: المبايعة بطوله في موضعه. وأوله: بايعنا رسول الله - ﷺ - عَلَى السمع والطاعة في العسر واليسر .. إلى آخره. وجاء أيضًا في البيعات العامة والخاصة أحاديث كثيرة متفرقة منها: حديث عوف بن مالك وابن عمر وجرير بن عبد الله وسلمة بن الأكوع. وذكر البخاري جملة منها في أواخر الكتاب عند قوله: كيف يبايع الإمام الناس. وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- ولم يرد - ﷺ - فيما ----------------------- (١) سيأتي برقم (٤٨٩٤) غير أن فيه: وقرأ آية النساء. ولم يذكر الآية. وعند مسلم (١٧٠٩/ ٤٢): فتلا علينا آية النساء ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ﴾. (٢) سيأتي برقم (٣٨٩٣) في مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - بمكة. (٣) مسلم (١٧٠٩/ ٤٣) كتاب الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها. (٤) «المجتبى» ٧/ ١٤٨. بايعهم عليه حصر المعاصي بل ذكر أنواعًا يكثر ارتكاب أهل ذَلِكَ الوقت لها. الوجه السابع: قوله: وحوله عصابة -هو بفتح اللام- يقال: حوله أو حواله وحوليه، وحواليه -بفتح اللام- في كلها كما سلف في حديث هرقل أي: يحيطون به، والعصابة: الجماعة. الثامن: البهتان: الكذب، يقال: بَهَتَهُ يَبْهَتُهُ بَهْتًا وبُهْتانًا إِذَا كذب عليه؛ لأنه يبهت من شدة فكره، ويبقى مَبْهُوتا منقطعًا. قَالَ الجوهري: بَهِتَ الرجل -بالكسر- إِذَا دَهِشَ وتحيَّرَ وبَهُتَ -بالضم- مثله، وأفصح منهما بُهِتَ؛ (لأنه) (١) يقال: رجل مَبْهُوت، ولا يقال: باهتٌ، ولا بَهِيتٌ، قاله الكسائي (٢). قُلْتُ: وقرئ بالأولين في الشواذ (٣). وقال القزاز وابن دريد في «الجمهرة»: رجل باهت وبهات (٤). وقال ابن سيده: عندي أن بهوتًا جمع باهت، لا جمع بهوت (٥). وقال الهروي: البهتان هنا الإتيان بولد ينسب إلى الزوج. ويقال: كانت المرأة تلقط الولد فيَتبناه. وقال الخطابى: معناه هنا قذف المحصنات وهو من الكبائر (٦). ------------------------ (١) من (ج) وهي توافق ما في «الصحاح» وفي (ف): (لا). (٢) «الصحاح» ١/ ٢٤٤، مادة: (بهت). (٣) قرأ ابن السَّمَيفَع: (فبَهَتَ الذي كفر) وكذا قرأ نعيم بن ميسرة. وقرأ أبو حيوة شريح ابن يزيد: (فَبَهُت). انظر «المحتسب» لابن جني ١/ ١٣٤. (٤) «جمهرة اللغة» ١/ ٢٥٧ مادة (بهت). (٥) «المحكم» ٤/ ٢٠١ مادة (بهت). (٦) «أعلام الحديث» ١/ ١٥١. التاسع: إنما أضيف البهتان إلى الأيدي والأرجل وليس لها صنع في البهت لوجهين: أحدهما: أن معظم الأفعال تقع بهما، ولهذا أضيفت الأفعال والأكساب إليهما. قَالَ تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وثانيهما: معناه: لا تبهتوا الناس بالعيب كفاح كما يقال: فعلت هذا بين يدي فلانٍ أي: بحضرته. العاشر: قوله: «ولا تعصوا في معروف» هو نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] أي: في طاعة الله؛ وقيل: في كل بِرٍّ وتقوى. قَالَ الزجاج: والمعنى: لا يعصينك في جميع ما (تأمرهن) (١) به؛ فإنك لا تأمر بغير المعروف. قَالَ النووي: ويحتمل في معنى الحديث: ولا تعصوني (ولا أحدًا ولي عليكم) (٢) من تباعي إِذَا أمرتم بمعروف، فيكون المعروف عائدًا إلى التباع. ولهذا قَالَ: «تعصوا» ولم يقل: تعصوني، ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، (وقيد) (٣) بالمعروف تطييبًا لنفوسهم؛ لأنه لا يأمر إلا بالمعروف. الحادي عشر: قوله: «فمن وفي منكم» أي ثبت عَلَى ما بايع به، يقال: بتخفيف الفاء وتشديدها، وَفَى بالعهد وأَوْفَى ووفَّي ثلاثي ورباعي. ووَفَى -------------------- 0(١) في (ج): تأمر. (٢) في (ج): والأول أولى عليكم. (٣) في (ج): وقيل. الشيءُ -ثلاثي- تَمَّ. ووَفَتْ ذمتك أيضًا، وأَوْفَى الشيءَ، ووَفَّى، وأَوْفَى الكيل، ووَفّاه. ولا يقال فيها: وَفِيَ ثلاثي. الثاني عشر: قوله: («ومن أصاب من ذَلِكَ شيئا فعوقب به») … إلى آخره المراد: غير الشرك. أما الشرك: فلا يسقط عنه عذابه بعقوبته عليه في الدنيا بالقتل وغيره، ولا يعفي عمَّن مات عليه بلا شك. قَالَ النووي: فعموم (الحديث) (١) مخصوص (٢)، قُلْتُ: أو يؤوَّل قوله: «ومن أصاب من ذَلِكَ شيئًا» أى: غير الشرك المذكور أولًا. الثالث عشر: في الحديث دلالة لمذهب أهل الحق أن من ارتكب كبيرة ومات ولم يتب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. وحاصله أن من مات صغيرًا أو كبيرًا ولا ذنب لَهُ، بأن مات عقب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل إحداث معصية فهو محكوم له بالجنة بفضل الله ورحمته، ولا يدخل النار ولكن يَرِدُها. كما قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] وفي الورود: الخلاف المشهور. وسيأتي إيضاحه في موضعه -إن شاء الله-. وإن مات مُصِرًّا عَلَى كبيرة فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه فدخل الجنة في أول مرة، وإن شاء عاقبه بالنار، ثمَّ أخرجه فأُدخل الجنة، ولا يخلد أحد في النار مات عَلَى التوحيد، وأخطأ من كَفَّر بالذنب وهم الخوارج، ومن --------------------- (١) من (ج). (٢) «شرح مسلم» للنووي ١١/ ٢٢٣. قَالَ: لا بد من عقاب الفاسق وهم المعتزلة. الرابع عشر: فيه دلالة لمذهب الأكثرين. كما نقله القاضي عياض (١) أن الحدود كفارة لأهلها ومنهم من (وقف) (٢) لحديث أبي هريرة أنه - ﷺ - قَالَ: «لا أدري الحدود كفارات» (٣) لكن حديث عبادة أصح إسنادًا، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة أولًا، قبل أن يعلم ثمَّ أُعلم، واحتج من وقف بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. والجواب عن ذَلِكَ من وجهين: أحدهما: أن الآية في الكفار على من قَالَ ذَلِكَ. الثاني: أن حديث عبادة مخصص لها، وحكي عن القاضي إسماعيل: أن قتل القاتل حد وردع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنه لم يصل إليه حق، وقيل: يبقى لَهُ حق التشفي. الخامس عشر: قَالَ ابن التين في شرح البخاري (٤): قوله: «فعوقب في الدنيا» يريد القطع في السرقة والحد في الزنا، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل النفس، فكنى بالأولاد عنه. --------------------- (١) «إكمال المعلم» ٥/ ٥٥٠. (٢) في (ج): توقف. (٣) رواه الحاكم ٢/ ١٤، والبيهقي ٨/ ٣٢٩. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٤) من (ف). ١٢ - باب مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ ١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ». [٣٣٠٠،٣٦٠٠، ٦٤٩٥، ٧٠٨٨ - فتح: ١/ ٦٩] نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ». (ولما كان الفرار صيانة للدين أطلق عليه البخاري (دينًا) (١» (٢). الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث انفرد به البخاري عن مسلم رواه هنا عن القعنبي، وفي الفتن عن (ابن) (٣) يوسف (٤)، وفي أثناء الكتاب عن إسماعيل (٥)، ثلاثتهم عن مالك به، وفي الرقاق (٦) وعلامات النبوة (٧) عن أبي نعيم، عن الماجشون، عن عبد الرحمن به، وهو من أحاديث مالك --------------------- (١) في (ج): الدين. (٢) في (ف) هذِه الجملة بعد قوله: الكلام عليه من وجوه. (٣) في (ج): أبي، وهو خطأ. (٤) سيأتي برقم (٧٠٨٨) باب: التعرب في الفتنة. (٥) سيأتي برقم (٣٣٠٠) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم .. (٦) سيأتي برقم (٦٤٩٥) باب: العزلة راحة من خلاط السوء. (٧) سيأتي برقم (٣٦٠٠) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام. في «الموطأ» (١). وزعم الإسماعيلي في «مستخرجه» أن إسحاق بن موسى الأنصاري رواه عن معن، عن مالك فجعله من قول (أبي سعيد) (٢) لم يجاوزه. قَالَ الإسماعيلي: قُلْتُ: أسنده ابن وهب والتنيسي وسويد وغيرهم، وأخرج مسلم معناه من حديث أبي سعيد أن رسول الله - ﷺ - سُئِلَ: أي الناس أفضل؟ قَالَ: «مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله»، قَالَ: ثمَّ من؟ قَالَ: «ثمَّ رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه، وياع الناس من شره» (٣). وفي حديث له: «من خير معاش الناس لهم». ثمَّ ذكر: «رجلًا في غنيمة في رأس شعفة من هذِه الشعف أو بطن وادٍ من هذِه الأودية يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه حتَّى يأتيه اليقين ليس من الناس إلا في خير» (٤). الوجه الثاني: ذكر الخطيب في كتابه: «رافع الارتياب» أن الصواب: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة (٥). ------------------------- (١) «الموطأ» برواية يحيى ص ٦٠١. (٢) بياض في (ف)، والمثبت من (ج). (٣) مسلم (١٨٨٨) كتاب الإمارة، باب: فضل الجهاد والرباط. (٤) مسلم (١٨٨٩) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد الرباط، من حديث أبي هريرة. (٥) قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٢٢٣: حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا بكر بن حماد، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى، عن مالك بن أنس، قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: «إذا أذنت فارفع صوتك، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن شيء إلا شهد له»، وقد وهم ابن عيينة في اسم هذا الشيخ، شيخ مالك، إذ روى عنه هذا الحديث. = قَالَ ابن المديني: ووهم ابن عيينة حيث قَالَ: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة. وقال الدارقطني: لم يختلف على مالك في اسمه، قُلْتُ: في «الثقات» لابن حبان: خالفهم مالك فقال: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة (١). وفي «طبقات ابن سعد»: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي صعصعة. واسمه: عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج (٢). الوجه الثالث: في التعريف برواته غير ما سلف. أما أبو سعيد: فهو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد -وقيل: عبد- بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر، وهو خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري، وزعم بعضهم أن خدرة هي أم الأبجر. استُصغر (٣) يوم أحد فَرُدَّ، وغزا بعد ذَلِكَ اثنتي عشرة غزوة مع ---------------------- = ثم روى الحديث من طريق آخر عن الشافعى، قال: حدثنا سفيان، قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن صعصعة، قال: سمعت أبي .. الحديث. وقال: ثم ذكر الشافعى حديث مالك هذا بإسناده سواء كما ذكرناه عن مالك، ثم قال الشافعى: مالك أصاب اسم الرجل فيما أرى، وقد أخطأ فيه ابن عيينة. (١) «الثقات» ٧/ ٦٤. وقال في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة من «مشاهير علماء الأمصار» (١٠١٢): هو الذي يخطئ ابن عيينة في اسمه ويقول: عبد الله بن عبد الرحمن، من متقني أهل المدينة. (٢) «الطبقات الكبرى» (القسم المتمم) (٣٨، ١٨٥). قال المزي في «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢١٦ (٣٨٧٠): عبد الرحمن بن عبد الله بن الرحمن، بن أبي صعصعة الأنصاري المازني المدني، ومنهم من يقول فيه: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة فينسب عبد الله إلى جده، ومنهم من يقول فيه: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، فيقلب اسمه، والجميع لرجل واحد. (٣) ورد بهامش (ف): وكان عمره ثلاث عشرة. رسول الله - ﷺ -، واستشهد أبوه يوم أحد. روي لَهُ ألف حديث ومائة وسبعون حديثا، اتفقا منها عَلَى ستة وأربعين (١)، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم باثنين وخمسين. روى عن جماعة من الصحابة منهم: الخلفاء الأربعة، ووالده مالك، وأخوه لأمه قتادة بن النعمان، وعنه: جماعة من الصحابة منهم: ابن عمر وابن عباس، وخلق من التابعين. وكان من الحفاظ المكثرين (العلماء) (٢) الفضلاء، العقلاء، أحد نجباء الأنصار وعلمائهم مع حداثة سنه، وكان يلبس الخز، ويحفي شاربه ولا يخضب، كانت لحيته بيضاء خُصَلًا. وبايع النبي - ﷺ - عَلَى أن لا يأخذه في الله لومة لائم مع جماعة، واستقال غيره. فأقيل (٣)، ويقال لَهُ: عفيف المسألة؛ لأنه عف فلم يسأل أحدًا، ولما مات والده لم يترك لَهُ مالًا، فأتى رسول الله - ﷺ -؛ ليسأله فقال حين رآه: «من يستغن أغناه الله، ومن يستعفف أعفه الله»، فقال: ما يريد غيري، فرجع (٤). وكذا والده أيضًا؛ لأنه طوى ثلاثًا فلم يسأل، فقال عليه السلام: «من أراد أن ينظر إلى ----------------------- (١) ورد بهامش (ف): قال ابن الجوزي: اتفقا على ثلاثة وأربعين حديثًا. (٢) من (ف). (٣) قال الحافظ في»الإصابة«٢/ ٣٥: روى الهيثم بن كليب في»مسنده«من طريق عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده قال: بايعت النبي - ﷺ - أنا وأبو ذر وعبيدة بن الصامت ومحمد بن مسلمة وأبو سعيد الخدري وسادس على أن لا تأخذنا في الله لومة لائم، فاستقال السادس فأقاله. (٤) رواه النسائي ٥/ ٩٨، وأحمد ٣/ ٩، ٤٧، والطيالسي ٣/ ٦١٨ (٢٢٧٥)، أبو يعلى ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨ (١١٢٩) و٣/ ٤٥٥ (١٢٦٧)، والبغوي في»معجم الصحابة" ٣/ ١٩ (٩٢٧)، وابن حبان ٨/ ١٩١ - ١٩٢ (٣٣٩٨) من طرق عن أبي سعيد الخدري. والحديث أصله في الصحيحين، وسيأتي برقم (١٤٦٩) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة، ورواه مسلم (١٠٥٣). (العفيف) (١) المسألة فلينظر إلى هذا» (٢). في وفاته ثلاثة أقوال: (أحدها: سنة أربع وسبعين. ثانيها: سنة أربع وستين. ثالثها: سنة خمس (٣» (٤). (ذكره العسكري (٥) بالمدينة يوم جمعة، ودفن والده أيضًا بالبقيع، وفي سنه -أعني: سن أبي سعيد- قولان: أحدهما: ابن أربع وسبعين، والثاني: ابن ثلاث وسبعين،) (٦) ووهم من قَالَ: سنه أربع وتسعين (٧). ------------------------- (١) في (ج): الضعيف. (٢) قال ابن الأثير في «أسد الغابة» في ترجمة مالك بن سنان ٥/ ٢٧ (٤٥٩٥): طوى مالك بن سنان ثلاثًا، ولم يسأل أحدًا شيئًا، فقال النبي - ﷺ -: «من أراد أن ينظر إلى العفيف المسألة، فلينظر إلى مالك بن سنان». اهـ. وقال الحافظ في «نزهة الألباب» (١٩٨٩): عفيف المسألة هو مالك بن سنان الخدري، والد أبي سعيد الخدري، الصحابي المشهور، قال الجهيمي: قيل له ذلك؛ لأنه طوى ثلاثًا لم يسأل. (٣) يعني وستين، كما في «الإصابة» ٢/ ٣٥. (٤) في (ج): أحدها: سنة أربع وسبعين. ثانيها: سنة أربع وتسعين. ثالثها: سنة ثلاث وسبعين. (٥) هو الإمام المحدث الأديب العلامة، أبو أحمد، الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، صاحب التصانيف. قال الحافظ أبو طاهر السلفي: كان أبو أحمد العسكري من الأئمة المذكورين بالتصرف في أنواع العلوم. والتبحر في فنون الفهوم، ومن المشهورين بجودة التأليف وحسن التصنيف، ألف كتاب «الحكم والأمثال»، «التصحيف» وعاش حتى علا به السن واشتهر في الآفاق، قيل: إنه توفي سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: «المنتظم» ٧/ ١٩١، «وفيات الأعيان» ٢/ ٨٣، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٤٢٣ (٣٠١)، «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٤٩، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٧٦، «شذرات الذهب» ٣/ ١٠٢. (٦) من (ف). (٧) انظر ترجمة أبي سعيد الخدري في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ١٨، «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ٢٥٨ (٢٩٧)، «معرفة الصحابة» ٣/ ١٢٦٠ (١١١٠)، = ![]()
__________________
|
|
#45
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 556 الى صـــ 575 الحلقة (44) تنبيهات: أحدها: (ما) (١) ذكرناه من اسم أبي سعيد هو المشهور. وقيل: اسمه سنان، وسنان (والد) (٢) مالك يقال له: الشهيد، والخزرج: هو (ابن حارثة) (٣) بن ثعلبة بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس ابن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وأسقط أبو عمر عبيدًا الأول (٤)، وهو الصواب، كما نبه عليه (الرشاطي) (٥) (٦)، وخالف ابن الكلبي (٧)، ------------------------- = «الاستيعاب» ٢/ ١٦٧ (٩٥٩) و٤/ ٢٣٥ (٣٠٢٧)، «أسد الغابة» ٢/ ٣٦٥ (٢٠٣٥) و٦/ ١٤٢ (٥٩٥٤)، «الإصابة» ٢/ ٣٥ (٣١٩٦). وانظر ترجمة أبيه مالك بن سنان في: «معجم الصحابة» للبغوي ٥/ ٢٤٢، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٥٥ (٢٥٩٣)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٠٧ (٢٢٩٧)، «أسد الغابة» ٥/ ٢٧ (٤٥٩٥)، «الإصابة» ٣/ ٣٤٥ (٧٦٣٥). وستأتي ترجمته. (١) من (ف). (٢) في (ج): والده. (٣) في (ج): بن خزيمة. (٤) ترجم أبو عمر لأبي سعيد الخدري في «الاستيعاب» مرتين، مرة في الأسماء ٢/ ١٦٧ (٩٥٩) وفيها أثبت عبيد الأول، ومرة في الكنى ٤/ ٢٣٥ (٣٠٢٧) وفيها أُسقط -كما ذكر المصنف-، وأثبتها أيضًا في ترجمة أبيه مالك بن سنان ٣/ ٤٠٧ (٢٢٩٧)، فأثبتها في موضعين، وأسقطها في موضع واحد. (٥) في (ج): الواسطي. (٦) هو الشيخ الإمام الحافظ المتقن النسابة، أبو محمد عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن أحمد اللخمي الأندلسي المَرِيِّي الرشاطي، من مصنفاته: «اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار» وكتاب «الإعلام بما في كتاب المختلف والمؤتلف للدارقطني من الأوهام» وغير ذلك، وكان ضابطًا محدثًا متقنًا إمامًا، ذاكرًا للرجال حافظًا للتاريخ والأنساب، فقيهًا بارعًا، أحد الجلة المشار إليهم، توفي في جمادي الآخرة سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة. انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٣/ ١٠٦، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٢٥٨ (١٧٥)، «تذكرة الحفاظ» ٤/ ١٣٠٧، «البداية والنهاية» ١٢/ ٧٣٠. (٧) سلفت ترجمته في المقدمة. وخليفة بن خياط (١)، فأثبتاه. الثاني: في الصحابة أيضًا سعد بن أبي وقاص مالك (٢)، وسعد بن مالك العذري قدم في وفد عذرة (٣). الثالث: لا خلاف في إهمال دال الخدري، وهو نسبة إلى خدرة كما أسلفناه، وقال ابن حبان في «ثقاته» في ترجمة أبي سعيد: إن خدرة من اليمن (٤)، ومراده أن الأنصار من اليمن فهم بطن من الأنصار، وهم نفر قليل بالمدينة. وقال أبو عمر: خدرة وخدارة بطنان من الأنصار، فأبو مسعود الأنصاري من خدارة، وأبو سعيد من خدرة، وهما ابنا عوف بن الحارث (٥)، كما سلف. قُلْتُ: وضبط أبو عمر خدارة -بضم الخاء المعجمة- (٦) وهو خلاف ما قاله الدارقطني من كونه بالجيم، أي: المكسورة (٧)، وصوبه ----------------- (١) «الطبقات» لخليفة بن خياط (٦٠٢). وخليفة ابن خياط هو ابن خليفة بن خياط، الإمام الحافظ العلامة الأخباري، أبو عمرو العصفري البصري، ويلقب بشباب، صاحب «التاريخ»، و«الطبقات» وغير ذلك، كان صدوقًا نسابة، عالمًا بالسير والأيام والرجال، وثقه بعضهم، وقال ابن عدي: هو صدوق من متيقظي الرواة. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٩١، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٧٨، «الكامل» لابن عدي ٣/ ٥١٧ (٦١٤)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٣١٤ (١٧١٩)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ٤٧٢ (١٢٢)، «شذرات الذهب» ٢/ ٩٤. (٢) ستأتي ترجمته مفصلة في حديث رقم (٢٧). (٣) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ١٦٧ (٩٦٠)، «أسد الغابة» ٢/ ٣٦٦ (٢٠٣٦)، «الإصابة» ٢/ ٣٣ (٣١٩٣). (٤) «الثقات» ٣/ ١٥٠. (٥) «الاستيعاب» ٤/ ٢٣٥. (٦) المصدر السابق. (٧) قال الدارقطني: باب: خِدْرَة، وخُدْرَة، وجَدَرَة، وجِذْرَة، وجُذْرَة، وحَدْرَة، وأما = الرشاطي (١)، وكذا نص عليه العسكري في «الصحابة» والحافظ أبو الحسن المقدسي، قُلْتُ: وفي (سلمى) (٢) خدرة بن كاهل، قاله ابن حبيب. الرابع: يشتبه (الخُدْري) (٣) بالخِدْري -بكسر الخاء وسكون الدال- نسبة إلى (خدرة) (٤) بطن من ذهل بن شيبان، وبالخَدَري -بفتحهما- وهو محمد بن الحسن، متأخر روى عن أبي حاتم (٥)، وبالجدري -بفتح الجيم والدال- وهو عمير بن سالم، وبكسر وسكون نسبة إلى جدرة بطن من كعب. الخامس: قَدْ ذكرنا أن خدرة تشتبه بأربعة أشياء: خِدْرة وخَدَرة وجَدَرة (وجِدْرة) (٦)، وتشتبه أيضًا بثلاثة أشياء أُخَرَ (ذكرتهم) (٧) في «مشتبه النسبة» فراجعْها منه. قَالَ ابن دريد: خدرة فعلة، إما من الخَدَر أو من الخُدْرة حكاه ------------------- = خِدرَة فذكر ابن حبيب، قال: في ربيعة بن نِزار: خِدْرَة، وهو عمرو بن ذُهْل بن شيبان بن ثعلبة. وأما خُدْرة، فهو قبيل من الأنصار، وهم بنو خُدْرَة بن عون بن الحارث بن الخزرج بن حارثة، منهم: أبو سعيد الخدري، سعد بن مالك. واسم خُدْرَة الأبجر. اهـ. «المؤتلف والمختلف» ٢/ ٨٩١. قلت: ذكر الدارقطني هنا خُدْرَة، بضم الخاء المعجمة، وهذا بخلاف ما ذكره المصنف عنه! (١) مظنه كتابه «الإعلام بما في كتاب المختلف والمؤتلف للدارقطني من الأوهام» وهو غير مطبوع. (٢) في (ج): سلمان. (٣) ساقطة من (ج). (٤) في (ج): خدارة. (٥) انظر: «المشتبه» للذهبي ١/ ٢٦٣. (٦) ساقطة من (ج). (٧) في (ج): ذكرهم. الرشاطي عنه (١). السادس: أبو سعيد هذا صحابي (ابن صحابي) (٢) أسلم والده، وقتل يوم أحد كما سلف، قتله عرار بن سفيان الكلابي (٣). ولم يرْوَ عنه شيء كما نص عليه العسكري فيما زعم، قَالَ: (وذكر) (٤) بعضهم (أن أبا شيبة أخاه) (٥) لا يعرف اسمه، وذكره أبو حاتم فيمن لا يعرف اسمه، مات في أيام يزيد بن معاوية غازيًا، ودفن في بلاد الروم. وروى أبو سعيد الأشج حديثًا قَالَ فيه: عن أبي سلمة الخدري، -ولست أعرفه- وأحسبه: عن أبي سلمة، عن الخدري فوهم (٦) -فهذِه مهمات في ترجمة أبي سعيد لا يُسأم منها؛ فانه يرحل إليها. وأما عبد الرحمن ووالده عبد الله فأنصاريَّان مازنيَّان مدنيَّان ثِقتَان، وقد (سقنا نسبهما) (٧) فيما مضى، وجدُّ عبد الرحمن الأعلى الحارث، شهد أحدًا، وقتل يوم اليمامة شهيدًا مع خالد بن الوليد (٨)، وكان عمرو --------------------- (١) للمزيد في هذا الباب ينظر «المؤتلف والمختلف» ٢/ ٨٩١ - ٨٩٣، «الإكمال» ٣/ ١٢٧ - ١٣٠، «الأنساب» ٥/ ٥٨ - ٥٩. «المشتبه» للذهبي ١/ ٢٦٣، «توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين ٣/ ٤٠٥ - ٤٠٩، «تبصير المنتبه بتحرير المشتبته» للحافظ ٢/ ٥٢٧. (٢) من (ف) (٣) كذا في (ف)، (ج)، وفي «معجم الصحابة» ٥/ ٢٤٢، «الاستيعاب» ٣/ ٤٨٠، «أسد الغابة» ٥/ ٢٧: عراب بن سفيان الكناني. (٤) في (ج): وزعم. (٥) في (ج): أن أباه. (٦) قال الحافظ في «الإصابة» ٤/ ١٠٠ (٦٠٣): أبو سلمة الخدري … ذكره بعضهم في الصحابة، وهو خطأ نشأ عن سقط، والصواب: عن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن، عن الخدري وهو أبو سعيد، فسقطت (عن) من السند -فالله أعلم-. (٧) في (ج): سبق نسبتهما. (٨) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٦٠ (٤٣٢)، «أسد الغابة» ١/ ٣٩٨ (٩٠٢). -أبو صعصعة، بفتح الصادين المهملتين- سيد بني مازن بن النجار، قتله برذع بن زيد بن عامر بن سواد بن ظَفَر من الأوس غيلةً بدل قيس بن الخطيم، وكان قتله قوم من بني النجار وبني سلمة، ثمَّ أسلم بردع وشهد أحدًا (١). قَالَ ابن سعد: أدرك مالك بن أنس أبا عبد الرحمن وروى عنه (…) (٢) وعن ابنيه عبد الرحمن ومحمد (٣) البخاري والنسائي وابن ماجه (٤)، وروى أبو داود لعبد الله، وابنه عبد الرحمن، ولم يرو (مسلم) (٥) عن أحد منهم شيئًا. قَالَ النسائي: عبد الله ثقة وكذا ولده. وذكره ابن حبان أيضًا في «ثقاته» (٦)، مات عبد الرحمن سنة تسع وثلاثين ومائة، وقال مالك: كان (لبني) (٧) أبي صعصعة حلقة في المسجد بين المنبر والقبر، وفيهم رجال أهل علم ورواية ومعرفة كلهم كان يفتي (٨). ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «الإكمال» ١/ ٢٤٣، «أسد الغابة» ١/ ٢٠٨ (٣٩٥)، «الإصابة» ١/ ١٤٥ (٦٢٦). (٢) بياض في (ف) وليس في (ج). (٣) «الطبقات الكبرى» (القسم المتمم) (٣٨) وفيه: أدركه مالك -أي: عبد الله- وروى عنه وعن ابنيه محمد وعبد الرحمن ابني عبد الله. (٤) هذا من كلام المصنف رحمه الله وكذا ما بعده أيضًا. (٥) ساقطة من (ج). (٦) «الثقات» ٥/ ١٣. (٧) في (ج): لابن. (٨) انظر ترجمة عبد الرحمن في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٠٣ (٩٩٠)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٥٠ (١١٩٦)، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢١٦ (٣٨٧٠). وانظر ترجمة أبيه عبد الله في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٠ (٣٨٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٩٤ (٤٣٠)، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٠٨ (٣٣٨١). وأما عبد الله: فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة بن (قعنب) (١) القعنبي الحارثي المدني، سكن البصرة، كان (مجاب) (٢) الدعوة، سمع مالكًا والليث وحماد بن سلمة، وخلائق لا يحصون من الأعلام، وسمع من شعبة حديثًا واحدًا، وله معه قصة، وهو: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِذَا لم تستحي فاصنع ما شئت» (٣). وإمامته وإتقانه (وثقته) (٤) وجلالته وحفظه وصلاحه وورعه وزهده مجمع عليه، قَالَ أبو زرعة: ما كتبت عن أحد أجل في عيني منه. وقال أبو حاتم: لم أر أخشع منه (٥) وقيل لمالك: إن عبد الله قدم، فقال: قوموا بنا إلى خير أهل الأرض، وقال عبد الله: اختلفت إلى ----------------- (١) في (ج): القعنب. (٢) ساقطة من (ج). (٣) قال الذهبي: قال الحافظ أبو عمرو أحمد بن محمد الحيري سمعت أبي يقول: قلت للقعنبي: مالك لا تروي عن شعبة غير هذا الحديث؟ قال: كان شعبة يستثقلني فلا يحدثني. يعني حديث: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». اهـ. «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٢٦١. وذكر ذلك أيضًا في «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٢٤٧. قلت: أظن أن هذِه هي القصة التي أشار إليها المصنف. والحديث من طريق القعنبي، عن شعبة رواه أبو داود (٤٧٩٧)، وعبد الله بن أحمد في «زياداته على المسند» ٥/ ٢٧٣ (٢٢٣٤٥)، وابن حبان (٦٠٧)، والطبراني ١٧/ ٦٥١، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١١٥٦)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٤٢ - ١٤٣، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٢٥٩. قال ابن حبان: ما سمع القعنبي من شعبة إلا هذا الحديث، وكذا قال المزي. والحديث سيأتي برقم (٨٤٨٣، ٦١٢٠) حدثنا أحمد بن يونس: حدثنا زهير، حدثنا منصور، عن ربعي به، وبرقم (٣٤٨٤) حدثنا آدم: حدثنا شعبة، عن منصور به. (٤) من (ف). (٥) «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨١ (٨٣٩). مالك ثلاثين سنة، ما من حديث في «الموطأ» إلا لو شئت قُلْتُ: سمعته مرارًا من مالك، ولكني (اقتصرت) (١) عَلَى قراءتي عليه؛ لأن مالكًا كان يذهب إلى أن القراءة عَلَى الشيخ أثبت من قراءة العالم (٢). ------------------ (١) في (ج): اختصرت. (٢) رواه الخطيب في «الكفاية» ص ٤٠١. والقراءة على الشيخ وقراءة العالم، هما قسمان من أقسام طرق نقل الحديث وتحمله، وهي ثمانية أقسام: أما القسم الأول: وهو قراءة العالم ويسمى أيضًا السماع من لفظ الشيخ، وصورته: أن يقرأ الشيخ، والطالب يسمع سواء قرأ الشيخ من حفظه أو من كتابه، وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير، وصيغ أداء هذا القسم أن يقول السامع أو الطالب: حدثنا أو حدثني أو سمعت. وأما القسم الثاني: وهو القراءة على الشيخ، وأكثر المحدثين يسمونها: عرضًا، وصورته: أن يجلس الشيخ ويقوم أحد الطلاب بالقراءة عليه، سواء قرأ هو أو غيره، وسواء تابعه الشيخ من حفظه أو من كتابه. وصيغ الأداء في هذا القسم أن يقول الطالب: أخبرنا، وهذِه كانت تستعمل في القسم الأول، قبل أن يشيع تخصيص هذِه الألفاظ، فصارت تستخدم فقط مع القراءة على الشيخ، ويجوز أن يقول الطالب أيضًا: قرأت على فلان كذا، أو قرئ على فلان كذا وأنا أسمع، ولا خلاف أنها راوية صحيحة إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد بخلافه. واختلفوا في أن هذا القسم مثل، السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه على ثلاث مراتب: الأولى: أنهما سواء وهذا مروي عن مالك، وقيل: إنه مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة، ومذهب البخاري وغيرهم. الثانية: أن هذا القسم دون السماع من لفظ الشيخ، وهو الصحيح، وقد قيل: إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق. الثالثة: أن هذا القسم فوق السماع من لفظ الشيخ، وهو مروي عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما، ورواية عن مالك. والأقسام الأخرى وهي الإجازة والمناولة والمكاتبة والإعلام والوصية والوجادة. = وقال أبو سبرة الحافظ: قُلْتُ للقعنبي: حدثتَ ولم تكن تحدث! قَالَ: رأيتُ كأن القيامة قَدْ قامت فصيح بأهل العلم فقاموا، فقمتُ معهم، فصيح بي: اجلس، فقلتُ: إلهي، ألم أكن معهم أطلب؟ قَالَ: بلى ولكنهم نشروا وأَخْفَيْتَه؛ فحدثتُ. روى عنه البخاري ومسلم فأكثرا، ومسلم عن عبد بن حميد عنه حديثًا واحدًا في الأطعمة (١)، والترمذي (والنسائي) (٢) عن رجل عنه. مات سنة إحدى وعشرين ومائتين (٣). فائدة: هذا الإسناد فيه لطيفة مستطرفة وهي أن رجاله كلهم مدنيون. الوجه الرابع: في ضبط ألفاظه ومعانيه: قوله: «يُوشِكُ» هو -بكسر الشين وبضم الياء- أي: يسرع ويقرب، ويقال في ماضيه: أوشك، ومن أنكر استعماله ماضيًا فغلط، فقد كثر استعماله. قَالَ الجوهري: أَوْشَكَ فلانٌ، يُوشِكُ إيشَاكًا أي: أسرع (٤). قَالَ جرير: ---------------------- = انظر: «الكفاية في علم الرواية» ص ٣٩٨ - ٤٠٣، «علوم الحديث» ص ١٣٢ - ١٨١، «المقنع» ١/ ٢٩٢ - ٣٣٦، «فتح المغيث» ٢/ ١٨ - ١٩٢، «تدريب الراوي» ٢/ ١٥ - ١٠٤. (١) مسلم (٢٠٤٠/ ١٤٣) كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره .... (٢) من (ف). (٣) انظر ترجمة القعنبي في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٢ (٦٨٠)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٨١ (٨٣٩)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٣٦ (٣٥٧١)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٢٥٧ (٦٨). (٤) في «الصحاح»: أسرع السير. إِذَا جَهِلَ الشَّقِيُّ ولم يُقَدِّرْ … ببعض الأمر أَوْشَكَ أن يُصَابا قَالَ: والعامة (تقول) (١): يُوشَكْ -بفتح الشين وهي لغة رديئة- قال أبو يوسف -يعني: ابن السكيت: وَاَشَك يُواشِكُ وِشَاكًا، مثل أَوْشَكَ، ويقال: إنه مُواشِكٌ، أي: مسارع (٢). ويوشك أحد أفعال المقاربة، يطلب اسمًا مرفوعًا وخبرًا (منصوب المحل) (٣) لا يكون إلا فعلًا مضارعًا مقرونًا بأن، وقد يسند إلى أن والفعل المضارع فيسد ذَلِكَ مسد اسمها وخبرها، كما جاء في هذا الحديث. ومثله قول الشاعر: يُوشك أن يبلغ منتهى الأجل … فالبر لازم برجاءٍ (ووجل) (٤) وقوله: (»خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غنَمٌ«) يجوز فيه وجهان: أحدهما: نصب»خير«وهو الأشهر في الرواية، وهو خبر يكون مقدمًا ولا يضر كون الاسم -وهو»غنم«- نكرة؛ لأنها وصفت بـ»يتبع (بها) (٥). وثانيهما: رفعه عَلَى أن (يكون في) (٦) «يكون» ضمير الشأن؛ لأنه كلام تضمن تحذيرًا وتعظيمًا لما يتوقع. ويكون: «خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ» مبتدأً وخبرًا، وقد روي: «غنمًا» (٧) بالنصب وهو ظاهر، وقوله: ----------------- (١) في (ب): يقولون. (٢) «الصحاح» ٤/ ١٦١٥، مادة: (وشك). (٣) في (ج): منصوبًا. (٤) في (ج): ورجل. (٥) من (ف). (٦) ساقطه من (ج). (٧) رواه أبوداود (٤٢٦٧)، ومالك في «الموطأ» ص ٦٠١، وأحمد ٣/ ٣٠، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٢٢١ - ٢٢٢. «يَتَّبع» (١) هو بتشديد التاء، وقوله: «شعف الجبال» هو بشين معجمة مفتوحة ثمَّ عين مهملة، وهي رءوس الجبال، وشَعَفُ كل شيء: أعلاه، والواحدة: شَعَفَة. وقوله: («يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ») أي: من (فساد ذاتِ البين) (٢) وغيرها، وخصت الغنم بذلك؛ لما فيها من السكينة والبركة -وقد رعاها الأنبياء والصالحون صلوات الله عليهم وسلامه- مع أنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة النفع. وقال أبو الزناد: إنما خص الغنم حضًّا عَلَى التواضع والخمول وترك الاستعلاء. وقد قَالَ -عليه السلام-: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ» (٣) وقال: «السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ» (٤). وقال غيره: إنما ذكر شعف الجبال لفراغها من الناس غالبًا، وشبهها مثلها، وقد ذكر في حديث مسلم بطن الوادي معه كما سلف (٥). الوجه الخامس: في فوائده: وهي كثيرة منها: فضل العزلة في أيام الفتن؛ لإحراز الدين؛ ولئلا تقع عقوبة فتعم، ---------------------- (١) في (ج): «يتبع بها». (٢) في (ج): قتال ذات الدين. (٣) سيأتي برقم (٢٢٦٢) في الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط. عن أبي هريرة. (٤) قطعة من حديث سيأتي برقم (٣٣٠١) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ورواه مسلم (٥٢/ ٨٥ - ٨٧، ٨٩) كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه. من حديث أبي هريرة. (٥) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). إلا أن يكون الإنسان ممن لَهُ قدرة عَلَى إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها، إما فرض عين، وإما فرض كفاية (١) بحسب (الحال) (٢) والإمكان. وأما في غير أيام الفتنة (فاختلف) (٣) العلماء أيها أفضل: العزلة أم الاختلاط؟ فذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة؛ لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود الشعائر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم ولو بعيادة (المرضى) (٤)، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون عَلَى البر والتقوى، وإعانة المحتاج، وحضور (جماعاتهم) (٥)، وغير ذَلِكَ مما يقدر عليه كل أحد. فإن كان صاحب (علم) (٦) أو سليك في الزهد ونحو ذَلِكَ تأكد فضل اختلاطه. وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة؛ لما فيها من السلامة المحققة لمن ----------------------- (١) فرض العين: هو الأفعال الواجبة على المسلمين المكلفين فردًا فردًا، فإذا قام بها فرد لا تسقط عن الباقين، فهي واجبة على الأعيان، كالصلاة المكتوبة وصوم رمضان والحج. أما فرض الكفاية: فهو ما يجب أن يقوم به من يكفي، فإذا قام به من يكفي سقط وجوبه عن الباقين، وان لم يقم به أحد أثموا جميعًا، وذلك كغسل الميت والصلاة عليه ودفنه. للاستزادة ينظر: «مجموع الفتاوى» ٢/ ٨٠، «شرح الكوكب المنير» ١/ ٣٧٤ - ٣٨٤، «إرشاد الفحول» ١/ ٧٣، «المسودة» ١/ ١٦٩ - ١٧١. (٢) في (ف): المآل. (٣) في (ج): فقد اختلف. (٤) في (ج): المريض. (٥) في (ج): جماعتهم. (٦) ساقطة من (ج). لا يغلب عَلَى ظنه الوقوع في المعاصي، ومنها الاحتراز من الفتن. وقد أخرج البخاري في الفتن: حديث سلمة بن الأكوع، أنه لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، فتزوج هناك امرأة وولدت لَهُ أولادًا، فلم يزل بها حتَّى كان قبل أن يموت بليالٍ؛ فنزل المدينة (١). وفي حديث آخر: أنه دخل عَلَى الحجاج فقال له: يَا ابن الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، وتَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، ولكن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَذِنَ لِي فِي البَدْوِ (٢). ----------------------- (١) سيأتي برقم (٧٠٨٧) باب: التعرب في الفتنة. (٢) هو الحديث السالف (٧٠٨٧) واعتبر المصنف -رحمه الله- هذا الحديث حديثين. ١٣ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ - ﷺ -: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ» وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعلُ القَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. هو بفتح الهمزة من (أن) أي باب كذا، وباب بيان أن المعرفة من فِعل القلب، (فلا يجوز قوله باب على غير الإضافة كما صرَّح به الكرماني، فقال: هذا الباب متعين أن يُقرأ مضافا إلى قول النَّبي - ﷺ - لا غير وأنا أعلمهم بالله و«أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ» مقول القول) (١). وأول واجب على المكلف المعرفة ثم القصد ليتوصل به إلى المعارف … كما تقرر في الأصول). ٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا». [فتح: ١/ ٧٠] نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامِ قَالَ: أَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ باللهِ أَنَا». -------------------- (١) ليست في (ج). وانظر: «شرح الكرماني» ١/ ١١١. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث (أخرجه البخاري هنا وأخرج ..) (١). الوجه الثاني: في التعريف (برواته) (٢): أما عائشة وعروة وهشام فسلف ذِكْرهُم في أول الكتاب. وأما عبدة: فهو أبو محمد عبدة (ع) -بسكون الباء- بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن (سُمير) (٣) بن (مليل) (٤) بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي. هكذا نسبه محمد بن سعد في «طبقاته» (٥). وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب. سمع جماعة من التابعين منهم: هشام والأعمش، وعنه: الأعلام: أحمد وغيره، قَالَ أحمد: ثقة (ثقة) (٦). وزيادة مع صلاح، وقال العجلي: ثقة رجل صالح صاحب قرآن (يقرئ) (٧) (٨). توفي بالكوفة في جمادى، وقيل: رجب، سنة ثمان وثمانين ومائة. قاله (الترمذي) (٩). وقال البخاري: سنة سبع (١٠). ---------------------- (١) هذِه الجملة ساقطة من (ج) ومثبتة من (ف) وفيها بعد كلمة (وأخرج) بياض بمقدار ثلاث كلمات. والحديث ليس له روايات أخرى في البخاري. (٢) في (ج): برجاله. (٣) في (خ): تيم. (٤) في (ج) مليكة، والمثبت من (ف) ومن «طبقات ابن سعد»، وهو الصواب. (٥) «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٩٠ - ٣٩١، وليس فيه: الكلابي الكوفي. (٦) من (ف). (٧) من (ف). (٨) «معرفة الثقات» ٢/ ١٠٨ (١١٤٨). (٩) في (ج): النسائي. (١٠) «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٥ (١٨٧٩). وانظر تمام ترجمته في: «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٣٠ - ٥٣٤ (٣٦١٣). وأما محمد (خ) بن سلام: فهو أبو عبد الله محمد بن سلام (بن الفرج) (١) السلمي، مولاهم البخاري البيكندي -بباء موحدة مكسورة ثمَّ مثناة تحت ساكنة ثمُّ كاف مفتوحة ثمَّ نون ساكنة- ويقال: الباكندي، ويقال: بالفاء، نسبة إلى بيكند: بلدة من بلاد بخارى عَلَى مرحلة منها خربت (٢). وينسب إليها ثلاثة أنفس، انفرد البخاري بهم عن مسلم هذا أحدهم، وثانيهم: محمد بن يوسف (٣)، وثالثهم: يحيى بن جعفر (٤). وسلام والد محمد -بالتخفيف- عَلَى الصواب، وبه قطع المحققون، منهم الخطيب وابن ماكولا (٥). وهو ما ذكره غنجار في «تاريخ بخارى» (وهو) (٦) أعلم ببلاده، وحكاه أيضًا عنه. فقال: قَالَ سهيل بن المتوكل: سمعت محمد بن سلام يقول: (أنا) (٧) محمد بن سلام -بالتخفيف- ولست بمحمد بن سلَّام، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن، وأما صاحب «المطالع» فادعى أن التشديد رواية الأكثرين، ولعله أراد أكثر شيوخه أو نحو ذَلِكَ. ------------------------- (١) في (خ): الفرجي. (٢) انظر: «معجم البلدان» ١/ ٥٣٣. (٣) هو: محمد بن يوسف البخاري أبو أحمد البيكندي انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٦٣ (٥٧١٨). (٤) هو: يحيى بن جعفر بن أعين الأزدي البارقي، أبو زكريا البخاري البيكندي. انظر ترجمته في: «ثقات ابن حبان» ٩/ ٢٦٨، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٢٥٤ (٦٨٠٢) «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ١٠٠ (٣٠). (٥) «الإكمال» ٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦، «تلخيص المتشابه» ١/ ١٢٧ (١٩٨). (٦) في (ج): من هو. (٧) في (خ): حدثنا. قَالَ (النووي) (١): لا نوافق عَلَى هذِه الدعوى فإنها مخالفة للمشهور (٢)، سمع محمدُ بنُ سلام ابنَ عيينة وابن المبارك وغيرهما (من الأعلام) (٣)، وعنه الأعلام الحفاظ البخاري، وانفرد به من بين سائر الكتب الستة، وآخرون. أنفق في العلم أربعين ألفًا ومثلها في نشره، ويقال: إن الجن كانت تحضر مجلسه، وقال: أدركت مالكًا ولم أسمع منه، وكان أحمد يعظمه، وعنه: أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب. وله رحلة ومصنفات في أبواب (من) (٤) العلم، وانكسر قلمه في مجلس (شيخ فأمر أن ينادى) (٥): قلم بدينار، فطارت إليه الأقلام، مات سنة خمس وعشرين ومائتين (٦). ---------------------- (١) في (خ): الثوري. (٢) المشهور أنه بالتخفيف، وإليه ذهب الخطيب وابن ماكولا وغنجار والذهبي والنووي وابن ناصر الدين والعراقي والحافظ ابن حجر. وذهب إلى التشديد ابن قرقول وابن أبي حاتم وأبو عليّ الجياني. انظر: «تلخيص المتشابه» ١/ ١٢٧، «علوم الحديث» ص ٢٤٥، «تقييد المهمل» ٢/ ٢٩٠ - ٢٩١، «التقريب» ٢/ ٤٢٩، «الإكمال» ٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦، «المشتبه» ١/ ٣٧٨، «توضيح المشتبه» ٥/ ٢١٧ - ٢٢١، «فتح الباري» ١/ ٧١. وللمعلمي اليماني في هذِه المسألة بحث نفيس رائع في تعليقه على «الإكمال» ٤/ ٤٠٥ - ٤١٠ فليراجع. (٣) في (ج): من الأعيان. (٤) من (ف). (٥) في (خ): شيخه فنادى فأمر أن ينادى. (٦) انظر ترجمة محمد بن سلام في: «التاريخ الكبير» ١/ ١١٠ (٣١٤)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٧٨ (١٥٠٨)، «الثقات» ٩/ ٧٥، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٤٠ (٥٢٧٨)، «تهذيب التهذيب» ٩/ ١٩٨. الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه وأحكامه. فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]: بما قصدتموه، وعزمت عليه قلوبكم، فكَسْبُ القلب عزمه ونيته، فسمي الاعتقاد فعلًا للقلب. وأخبر تعالى أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما اعتقدته قلوبهم، فثبت أن (العقد) (١) من صفات القلوب خلافًا للكرامية (٢)، ----------------------- (١) في (ج): العقل. (٢) قال فخر الدين الرازي: الكرامية هم أتباع أبي عبد الله محمد بن كرام، كان من زهاد سجستان واغتر جماعة بزهده، ثم أخرج هو وأصحابه من سجستان، فارين حتى انتهوا إلى غرجة، فدعوا أهلها إلى اعتقادهم فقبلوا قولهم، وبقي ذلك المذهب في تلك الناحية، وهم فرق كثيرة: الطرائقية، الإسحاقية، الحماقية، العابدية، اليونانية، السومرية، الهيصمية، وأقربهم الهيصمية، وفي الجملة فهم كلهم يعتقدون أن الله تعالى جسم وجوهر ومحل للحوداث، ويثبتون له جهة ومكانًا، إلا أن العابدية يزعمون أن البعد بينه وبين العرش متناه، ولهم في الفروع أقوال عجبية، ومدار أمرهم على المخرقة والتزوير وإظهار التزهد، ولأبي عبد الله بن كرام تصانيف كثيرة إلا أن كلامه في غاية الركة والسقوط. اهـ. «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين» ص ٦٧. وترجم الذهبي في «السير» ١١/ ٥٢٣ (١٤٦) لمحمد بن كرَّام فقال: السجستاني المبتدع، شيخ الكرَّامية، كان زاهدًا عابدًا ربانيًّا، بعيد الصيت، كثير الأصحاب، ولكنه يروي الواهيات كما قال ابن حبان، خذل حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها، ثم جالس الجويباري وابن تميم، ولعلهما قد وضعا مائة ألف حديث، وقد سجن، ثم نفي، كان ناشفًا عابدًا، قليل العلم، قال الحاكم: مكث في سجن نيسابور ثماني سنين، ومات بأرض بيت المقدس سنة خمس وخمسين ومائتين. اهـ. وترجمه أيضًا في «تاريخ الإسلام» ١٩/ ٣١٠ (٤٨٢) فقال: محمد بن كرام بن مراق بن حزابة بن البراء، الشيخ الضال المجسم، أبو عبد الله السجستاني، شيخ الكراميين، ثم ساق له ترجمة، قل أن يوجد مثلها. = وبعض المرجئة (١)؛ حيث قالوا: إن الإيمان قول باللسان دون عقده بالقلب، وفي الآية دلالة للمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن أفعال القلوب إِذَا استقرت (يؤاخذ بها) (٢) وأما قوله ------------------- =وقال الحافظ في «اللسان» ٥/ ٣٥٦: قال أبو بكر محمد بن عبد الله: سمعت جدي العباس بن حمزة وابن خزيمة والحسين بن الفضل البجلي يقولون: الكرامية كفار يستتابون، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. (١) الإرجاء على معنيين: أحدهما: بمعنى التأخير كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ [الأعراف: ١١١]. أي: أمهله وأخره. والثاني: إعطاء الرجاء. أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح؛ لأنهم كانوا يؤخرون العمل على النية والعقد. وأما بالمعنى الثاني فظاهر؛ فإنهم كانوا يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وقيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة، فلا يقضى عليه بحكم. «الفرق بين الفرق» ص ٢٥، «الملل والنحل» ص ١٣٩. وقد رويت عدة أحاديث في ذمهم، منها ما رواه الترمذي (٢١٤٩)، وابن ماجه (٦٢)، وابن عدي ٦/ ٣٣٢ عن ابن عباس مرفوعًا: «صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب المرجئة والقدرية». قال الترمذي: حديث حسن غريب، وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١٠). ومنها ما رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ١٢٣، وابن أبي عاصم في «السنة» (٩٤٩) عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «صنفان من أمتي لا يردان على الحوض القدرية والمرجئة». صححه الألباني في «الصحيحة» (٢٧٤٨). وفي الباب عن سهل بن سعد وابن عمر وأبي سعيد الخدري وجابر وأبي أمامة. ولكن أغلبها أحاديث ضعاف. (٢) في (ج): يؤخذ بها. عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ به أَوْ تتكَلَّمْ» (١) فمحمول عَلَى ما إِذَا لم يستقر، وذلك معفو عنه بلا شك؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها إن شاء الله تعالى. وقولها: (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ)، أي: يطيقون الدوام عليه. وقال لهم - ﷺ - ذلك؛ لئلا يتجاوزوا طاقتهم فيعجزوا، وخير العمل ما دام وإن قل (٢). وإذا حُمّلوا ما لا يطيقونه تركوه أو بعضه بعد ذَلِكَ، وصاروا في صورة ناقضي العهد، والراجعين عن (عادة جميلة) (٣)، واللائق بطالب الآخرة الترقي وإلا فالبقاء عَلَى حاله؛ ولأنه إِذَا اعتاد من الطاعة بما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واستلذاذ لها ونشاط، ولا (يلحقه) (٤) ملل ولا سآمة. والأحاديث بنحو هذا كثيرة في الصحيح مشهورة (٥). وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثمَّ فرط فيها بقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. ---------------------- (١) سيأتي برقم (٥٢٦٩) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره. من حديث أبي هريرة. (٢) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (٥٨٦١) كتاب: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه، ورواه مسلم (٧٨٢) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره. عن عائشة أن النبي - ﷺ - كان يحتجر حصيرًا بالليل فيصلي، وفي آخره قال - ﷺ -: «وإن أحب الأعمال إلى الله مادام وإن قل». (٣) في (ج): العادة الجميلة. (٤) في (ج): تلحقهم. (٥) منها الحديث السالف، وأيضًا أحاديث ستأتي في كتاب، الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (٦٤٦١ - ٦٤٦٧). وقولهم: (لسنا كهيئتك يا رسول الله)، قالوه رغبة في الزيادة في الأعمال؛ لما علموا من دأبه فيها مع كثرة ذنوبهم، وغفران ما تقدم لَهُ وما تأخر، (فعند ذَلِكَ) (١) غضب - ﷺ - إذ كان أولى منهم بالعمل؛ لعلمه بما عند الله، (وعظيم) (٢) خشيته له. (قَالَ) (٣) تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [فاطر: ٢٨] وقيل: قالوه لما علموا منه من طلب التيسير عليهم وظنهم أنه لا ينجيهم إلا بلوغ الغاية في العبادة. وفي الحديث جمل من الفوائد والقواعد: (إحداها) (٤): ما قررناه من القصد في العبادة وملازمة ما يمكن الدوام عليه والرفق بالأمة، فالدين يسر. ثانيها: أن الصالح ينبغي لَهُ أن لا يترك (جده) (٥) في العمل؛ (اعتمادًا) (٦) على صلاحه. ثالثها: لَهُ الإخبار بحاله إِذَا دعت إليه حاجة وينبغي أن يحرص عَلَى كتمانها؛ خوف زوالها من (إشاعتها) (٧). رابعها: الغضب عند ردِّ أمر الشرع ونفوذ الحكم في حال غضبه. خامسها: بيان ما كانت عليه الصحابة من الرغبة التامة في الطاعة والزيادة في الخيرات. --------------------- (١) في (ج): فحينذٍ. (٢) في (ج): وعظم. (٣) ساقطة من (ج). (٤) في (ج): أحدها. (٥) في (ب): الجد. (٦) في (ج): لاعتماده. (٧) في (ج): إضاعتها. ![]()
__________________
|
|
#46
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 576 الى صـــ 595 الحلقة (45) ١٤ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ. ٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لله، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ». [انظر: ١٦ - مسلم: ٤٣ - فتح ١/ ٧٢] نا سُليمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، كمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلقى فِي النَّار». هذا الحديث تقدم شرحه في باب: حلاوة الإيمان قريبًا (١) وكذا رجاله إلا سليمان، وهو أبو أيوب سليمان بن حرب بن بَجِيل -بموحدة مفتوحة، ثمَّ بجيم مكسورة، ثمَّ مثناة تحت، ثمَّ لام- الأزدي الواشِحِي -بكسر الشين المعجمة، ثمَّ حاء مهملة مكسورة- البصري. وواشح بطن من الأزد، سكن مكة وكان قاضيها، سمع: شعبة والحِمادين وغيرهما، وعنه أحمد والذهلي والحميدي والبخاري، وهؤلاء شيوخه، وقد شاركهم في الرواية عنه، وهذا أحد ضروب علو روايته. وروى عنه أبو داود أيضًا، وروى مسلم والترمذي وابن ما جه عن رجل عنه، وجلالته وإمامته وحفظه وورعه وصيانته وإتقانه وثقته مجمع عليها. ----------------------- (١) سلف برقم (١٦). قَالَ أبو حاتم: هو إمام من الأئمة، لا يدلّس، ويتكلم في الرجال والفقه، وظهر من حديثه نحو عشرة آلاف ما رأيت في يده كتابًا قط، وحُزِرَ مجلسه (أربعين) ألفا (١). ولد سنة أربعين ومائة، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سبع، والأول أصحُّ. قَالَ الخطيب: حدث عنه يحيى بن سعيد القطان، وأبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وبين وفاتيهما مائة وسبع (سنين) (٢). قَالَ أبو الشيخ الحافظ: توفي أبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة وتوفي القطان سنة ثمان وتسعين ومائة (٣). --------------- (١) «الجرح والتعديل» ٤/ ١٠٨ - ١٠٩ (٤٨١). (٢) في (ج): وستين. وانظر: «السابق واللاحق» ص ٢٠٩ (٨٠). (٣) انظر تمام ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٠، «التاريخ الكبير» ٤/ ٨ - ٩ (١٧٨٢)، «تاريخ بغداد» ٩/ ٣٣، «تهذيب الكمال» ١١/ ٣٨٤ (٢٥٠٢)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٣٠. ١٥ - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِى الأَعْمَالِ ٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه، - عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا -أَوِ الْحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟». قَالَ وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرٌو «الْحَيَاةِ». وَقَالَ: «خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ». [٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩ - مسلم: ١٨٣، ١٨٤ - فتح: ١/ ٧٢] ٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ». [٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩ - مسلم: ٢٣٩٠ - فتح: ١/ ٧٣] ذكر فيه حديثين من طريق أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وإسنادهما جميعًا كلهم مدنيون، وهو من الطرف اقتران إسنادين مدنيين من طريقة راوٍ واحدٍ. نا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا- أَوِ الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِب السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟». قَالَ وُهَيْبٌ: نَا عَمْرو «الحَيَاة». وَقَالَ: «خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ». هذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم أيضًا. وفيه بعد ذِكرِ مَرِّ المؤمنين عَلَى الصراط: «فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فيقول المُؤْمِنِونَ: يا رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا فيَقُولُونَ: مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، فيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أحدا، ثم يَقُولُ اللهُ: شَفَعَتْ المَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا» (١). وذكر الحديث وسيأتي -إن شاء الله- في كتاب: التوحيد حيث ساقه البخاري (٢)، وقد أخرجه هنا عن إسماعيل، عن مالك، وفي صفة الجنة والنار عن موسى عن وهيب بن خالد (٣)، ورواه مسلم في الإيمان أيضًا عن هارون عن ابن وهب، عن مالك، وعن أبي بكر، عن عفان، عن وهيب، وعن حجاج بن الشاعر، عن عمرو بن عوف، عن خالد (بن) (٤) عبد الله ثلاثتهم عن عمرو بن ------------------------ (١) مسلم (١٨٣) في الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. بأطول وأتم من هذا اللفظ. (٢) سيأتى برقم (٧٤٣٩) باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾. (٣) سيأتى برقم (٦٥٦٠) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار. (٤) في (ج): عن، وهو خطأ. يحيى به (١)، وعلا البخاري في هذا الحديث عَلَى مسلم برجلٍ كما ترى، (وسيأتي إن شاء الله في كتاب التوحيد حيث ساقه البخاري) (٢). الوجه الثاني: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بأبي سعيد ومالك. وأما يحيى فهو ابن (عمارة) (٣) بن أبي حسن الأنصاري (المازني) (٤) المدني، سمع أبا سعيد وعبد الله بن زيد، وعنه: ابنه والزهري وغيرهما، وثقه النسائي وابن خراش (٥). وأما ابنه: فهو عمرو بن يحيى بن (عمارة) (٦) -ووقع بخط النووي في «شرحه»: عثمان -وهو تحريف- ابن أبي حسن تميم بن عمرو، وقيل: يحيى بن عمرو -حكاه الذهبي في «الصحابة»- بن قيس بن محرث بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار الأنصاري المازني المدني. روى عن أبيه وغيره (من) (٧) التابعين، وعنه: يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره من التابعين وغيرهم، والأنصاري من أقرانه، وروى عن يحيى بن أبي كثير وهو من أقرانه أيضًا، وثقه أبو حاتم (٨) والنسائي. مات سنة أربعين ومائة (٩). -------------------- (١) مسلم (١٨٤) كتاب: الإيمان، باب: إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين … (٢) من (ف) وقد كررها المصنف مرة أخرى. (٣) في (ج): عمار. (٤) في (ج) المازرني. (٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٩٥ (٣٠٥٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٧٥ (٧٢٥)، «الثقات» ٥/ ٥٢٢، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٤٧٤ (٤٨٨٩)، «الكاشف» ٢/ ١٧٥ (٧٢٥). (٦) في (ج): عمار. (٧) في (ج): في. (٨) «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٦٩ (١٤٨٥). (٩) «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٨٢ (٢٧٠٥)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢١٥، «تهذيب الكمال» = فائدة: (عمارة) (١) صحابي بدري عقبي، ذكره أبو موسى (٢)، وأبو عمر (٣) نظر، نعم أبوه صحابي عقبي بدري. قَالَ ابن سعد: وشهد الخندق وما بعدها (٤). ------------------------- = ٢٢/ ٢٩٥ (٤٤٧٥). (١) في (ب): عمار. (٢) هو الإمام العلامة، الحافظ الكبير، الثقة، شيخ المحدثين أبو موسى، محمد بن أبي بكر عمر بن أبي عيسى أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي عيسى المديني الأصبهاني الشافعي، صاحب التصانيف، مولده في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، عمل لنفسه معجمًا، روى فيه عن أكثر من ثلاثمائة شيخ، صنف كتاب: «الطوالات» في مجلدين، وكتاب «ذيل معرفة الصحابة» جمع فأوعى، وألف كتاب «القنوت» في مجلد. وكان شيخ الإسلام يثني على حفظه ويقدمه على الحافظ ابن عساكر باعتبار تصانيفه ونفعها. توفي في تاسع جمادي الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٤/ ٢٨٦، «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ١٥٢ (٧٨)، «الوافي بالوفيات» ٤/ ٢٤٦، «شذرات الذهب» ٤/ ٣٧٣. (٣) «الاستيعاب» ٣/ ٢٣٣ (١٨٨٧). (٤) قلت: وافق أبا عمر على قوله: أن عمارة بن أبي حسن بدري عقبي، ابن حبان فقال في «الثقات» ٣/ ٢٩٤: عمارة بن أبي حسن الأنصاري، شهد بدرًا. اهـ. وكذا أبو أحمد في «تاريخه» فيما نقله عنه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٤/ ٧٠٨٢ (٢١٧٥)، وقال ابن الأثير في «أسد الغابة» ٤/ ١٣٨: وقال أبو أحمد في «تاريخه»: له صحبة عقبي بدري، قاله ابن منده، ونقل المزي في «تهذيب الكمال» ٢١/ ٢٣٧ - ٢٣٨ قول أبي عمر، ولم يتعقبه، فكأنما أقره على ما قال. والقول في صحبته وأنه بدري عقبي، فيه نظر -كما ذكر المصنف-، وهي ثابتة لأبيه بلا خلاف. روى ابن قانع في «معجم الصحابة» ٢/ ٢٤٨ في ترجمة عمارة (٧٦٠) قال: حدثنا محمد بن عبد الله مطين، نا عبد الله بن الحكم، نا زيد بن الحباب، عن حسين بن عبد الله الهاشمي، قال: حدثني عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حسن، عن أبيه، = فائدة أخرى: أم عمرو هي: أم النعمان بنت أبي حنة -بالنون- عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن (غنم) (١) بن مازن بن النجار (٢). ----------------------- = عن جده، وكان عقبيًا بدريًّا -أن رجلًا كان جالسًا مع رجل فنسي نعليه، فأخذها رجل فوضعها تحته، فجاء الرجل، فقال: أنا أخذتها ألعب معه، فقال النبي - ﷺ -: «كيف بروعة المسلم؟». فقول ابن قانع هنا يعود على جد أبي عمرو، لا على جده هو، فيعود على أبي حسن، وذكر ذلك أيضا الحافظ في «الإصابة» ٢/ ٥١٤. ويدل على ذلك أن هذا الحديث رواه الطبراني ٢٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ (٩٨٠) وفيه: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن جده أبي حسن وكان بدريًا عقبيًا، ثم ساق الحديث، وكذلك أورده المنذري في «الترغيب والترهيب» كما في «ضعيفه» (١٦٦٢) فقال: وروي عن أبي الحسن وكان عقبيًا بدريًا، ثم ساق الحديث. وقال أبو نعيم: في صحبته نظر، وقال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩: ذكر ابنُ منده عمارةَ في «معجم الصحابة» وروى عن أبي أحمد أنه قال: له صحبة، عقبي بدري، وذلك أنه جعل اسم أبي حسن عمارة، وكذا فعله أبو القاسم البغوي وابن حبان، وهو وهم، فأبو الحسن هو الذي شهد العقبة وغيرها، وابنه عمارة يحتمل أن يكون له رؤية. اهـ. وقال في «التقريب» (٤٨٤٢): عمارة بن أبي حسن الأنصاري، المدني، ثقة، يقال: له رؤية، ووهم من عده صحابيًا، فإن الصحبة لأبيه. انظر ترجمة عمارة في: «الاستيعاب» ٣/ ٢٣٢ (١٨٨٧)، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٠٨٢ (٢١٧٥)، «أسد الغابة» ٤/ ١٣٨ (٣٨٠٤)، «الإصابة» ٢/ ٥١٤ (٥٧١٣). وانظر ترجمة أبي حسن في: «الاستيعاب» ٤/ ١٩٧ (٢٩٤٥)، «معجم الصحابة» ٥/ ٢٨٦٣ (٣١٦٤)، «أسد الغابة» ٦/ ٧٣ (٥٨٠٦)، «الإصابة» ٤/ ٤٣ (٢٧٣). (١) في (ف)، (ج): غانم، والمثبت كما في مصادر التخريج. (٢) وقع في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٢٩٦ أن عمرو، ابن بنت عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، وهو خطأ. قال الحافظ في «التهذيب» ٣/ ٣١٣: قول المصنف -يعني: = فائدة: المازني -بالزاي والنون- نسبة إلى مازن قبائل وبطون (منها) (١) مازن الأنصار (٢). وأما إسماعيل فهو: (ابن عبد الله بن عبد الله بن أويس) (٣) بن أبي عامر الأصبحي المدني -عم مالك بن أنس أخي الربيع، وأنس وأبي سهيل نافع، أولاد مالك بن أبي عامر -وإسماعيل هذا ابن أخت الإمام مالك بن أنس (٤). ----------------------- =المزي -إنه ابن بنت عبد الله بن زيد، وهم تبع فيه صاحب «الكمال»، ثم قال: وأما عمرو بن يحيى فأمه فيما ذكر محمد بن سعد في «الطبقات» حميدة بنت محمد بن إياس بن البكير، وقال غيره: أم النعمان بنت أبي حية فالله أعلم. اهـ وقاله أيضًا هكذا في «الفتح» ١/ ٢٩٠. قلت: كلام الحافظ الأخير فيه خطأ، وذلك أن الذي ذكره ابن سعد في «الطبقات» (القسم المتمم) (١٨٤) قال: وأمه أم النعمان بنت أبي حنة بن غزية بن عمرو بن عطية، فولد عمرو بن يحيى: يحيى ومريم، وأمهما حميدة بنت محمد بن إياس بن أبي البكير. اهـ. فحميدة بنت محمد المذكورة هنا هي زوجة عمرو بن يحيى -كما هو واضح من كلام ابن سعد -لا أمه كما ذكر الحافظ. وانظر في ذلك: «المؤتلف والمختلف» ٢/ ٥٧٩ - ٥٩٠. «الإكمال» ٢/ ٣١٩ - ٣٣٠، «المشتبه» ١/ ٢١١ - ٢١٣، «توضيح المشتبه» ٣/ ٧٧ - ٨٨، «تبصير المنتبه» ١/ ٤٠١ - ٤٠٣. (١) في (ج): منه. (٢) انظر: «اللباب» ٣/ ١٤٥ - ١٤٦، «توضيح المشتبه» ٨/ ١٠ - ١٤، «تبصير المنتبه» ٤/ ١٣٣٧ - ١٣٣٨. (٣) في الأصول: ابن عبد الله بن أبي أويس بن عبد الله بن أبي أويس. وهو خطأ، والمثبت من مصادر التخريج. (٤) هو إسماعيل بن أبي أويس، وأبو أويس اسمه: عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر، فيكون اسمه إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس -وقال البعض: أبي أويس -بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني. = سمع خاله وأباه وأخاه عبد (الحميد) (١) وغيرهم. وعنه: الدارمى والبخاري ومسلم وغيرهم من الحفاظ. وروى مسلم أيضًا عن رجل عنه، وأخرج لَهُ أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولم يخرج لَهُ (النسائي) (٢)؛ لأنه ضعفه (٣). قَالَ أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلًا (٤)، وقال يحيى بن معين: هو ووالده ضعيفان، وعنه: يسرقان الحديث، وعنه: إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذاك يعني (أنه) (٥) لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأ (من) (٦) غير كتابه، (وعنه: مخلط) (٧) يكذب ليس بشيء، وعنه: يساوي فلسين، وعنه: لا بأس به. وكذا قَالَ أحمد. قَالَ أبو القاسم اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه، ولعله بان لَهُ ما لم يبن لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يئول إلى أنه ضعيف. -------------------- = وهذا هو المتفق عليه والمشهور من اسمه. وبذلك يكون قول المصنف: عم مالك بن أنس، يقصد به أويس بن مالك بن أبي عامر، فبذلك يكون أنس -أبو الإمام مالك- وأويس والربيع وأبو سهيل -نافع- جميعًا إخوة، أولاد مالك بن أبي عامر. (١) في (ج): المجيد. (٢) في (ج): أبو داود، وهو خطأ بين. (٣) «الضعفاء والمتروكين» للنسائي (٤٢). (٤) «الجرح والتعديل» ٢/ ١٨١. (٥) من (ف). (٦) في (ج): في. (٧) في (ج): ومختلط. وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. وقال ابن عدي: روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليها. وأثنى عليه ابن معين وأحمد، والبخاري (يحدث) (١) عنه بالكثير، وهو خير من أبيه (٢). وقال الحاكم: عيب عليه وعلى مسلم إخراجهما حديثه، وقد احتجا به معًا، (وغمزه) (٣) من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه، وهو النضر بن سلمة، أي: فإنه قَالَ: كذاب، هذا كلامه. وقد علمت أنه (قَدْ) (٤) غمزه من لا يحتاج إلى كفيل، ومن قوله حجة مقبول كما سلف، وقد أخرجه البخاري عن غيره كما سلف، فاللين الذي فيه يجبر إذن. مات سنة لست، ويقال: في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين (٥). --------------------- (١) في (ج): حدث. (٢) «الكامل في الضعفاء» ١/ ٥٢٧ (١٥١). (٣) في (ج): وغمز. (٤) من (ف). (٥) ترجم الحافظ لإسماعيل هذا في «هدي الساري» ص ٣٩١ في سياق أسماء من طُعن فيه من رجال «صحيح البخاري» وأجاب عن هذِه الاعتراضات فقال: احتج به الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين. وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري وروى له الباقون سوى النسائي، فإنه أطلق القول بضعفه، وروى عن سلمة بن شبيب ما يوجب طرح روايته. واختلف فيه قول ابن معين فقال مرة: لا بأس به، وقال مرة: ضعيف، وقال مرة: كان يسرق الحديث هو وأبوه، وقال أبو حاتم: محله الصدق وكان مغفلًا، وقال أحمد بن حنبل: لا بأس به. وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. قلت: وروينا في مناقب البخاري بسند = وأما وهيب: فهو ابن خالد بن عجلان الباهلي، مولاهم البصري أبو بكر صاحب الكرابيس، روى عن هشام وعمرو وغيرهما، وعنه القطان وابن مهدي وأبو داود الطيالسي، وخلق، ثقة بالاتفاق، قَالَ ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة، وكان يملي من حفظه، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة (١). وكان قَدْ سجن فذهب بصره، قَالَ البخاري: حَدَّثَنِي أحمد بن أيوب قَالَ: أخبرني غير واحد قالوا: مات وهيب بن خالد سنة خمس وستين ومائة (٢). الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه: الأول: المثقال: وزن مقدر، والله أعلم بقدره، وليس المراد المقدر، المعلوم، فقد جاء مبينًا، «وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة» (٣). ----------------------- = صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي منها وأن يعلم له على ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه، وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه؛ لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره، إلا إن شاركه فيه غيره فيعتبر فيه. اهـ. وانظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٣٦٤ (١١٥٢)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٨٠ (٦١٣)، «الضعفاء الكبير» ١/ ٨٧ (١٠٠)، «تهذيب الكمال» ٣/ ١٢٤ (٤٥٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٩١ (١٠٨)، «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٩١ (٦٨)، «ميزان الاعتدال» ١/ ٢٢٢ (٨٥٤)، «تهذيب التهذيب» ١/ ١٥٧، «شذرات الذهب» ٢/ ٥٨. (١) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٧. (٢) «التاريخ الكبير» ٨/ ١٧٧ (٢٦١٣)، وانظر تمام ترجمته في: «معرفة الثقات» ٢/ ٣٤٦ (١٩٥٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٤ (١٥٨)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٥٦٠، «تهذيب الكمال» ٣١/ ١٦٤ (٦٧٦٩)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٢٢٣ (٤٠). (٣) سيأتي برقم (٤٤) باب: زيادة الإيمان ونقصانه، عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: = الثاني: الحبة من الخردل هنا مثل؛ ليكون عيارًا في المعرفة، وليس بعيار في الوزن؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، ولكن ما يشكل من المعقول فإنه يرد إلى عيار المحسوس؛ ليفهم، قاله الخطابي (١). وقال غيره: يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عند الله ثمَّ يوزن، وفيه قوة لاسيما عَلَى من قال: إن المراد بالوزن الأعمال؛ لقوله: «من خير». وقال إمام الحرمين (٢): الوزن: الصحف المشتملة عَلَى الأعمال، والله تعالى يزنها عَلَى قدر أجور الأعمال، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها، وجاء به الشرع وليس في (العقل) (٣) ما يحيله. وقال غيره: للوزن معنيان: أحدهما: هذا. والثاني: تمثل الأعراض بجواهر فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات (سود) (٤) مظلمة. ---------------------- = «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةِ مِنْ خَيْر، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إله إلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ». ورواه مسلم (١٩٣/ ٣٢٥). (١) «أعلام الحديث» ١/ ١٥٥ - ١٥٦. (٢) هو الإمام الكبير، شيخ الشافعية، إمام الحرمين، أبو المعالي عبد الملك ابن الامام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني، ثم النيسابوري، ضياء الدين الشافعي، صاحب التصانيف، منها: «نهاية المطلب في المذهب» وكتاب «الإرشاد في أصول الدين»، «البرهان في أصول الفقه». انظر ترجمته في: «الأنساب» ٣/ ٣٨٦، «المنتظم» ٩/ ١٨، «وفيات الأعيان» ٣/ ١٦٧، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٤٦٨ (٢٤٠). (٣) ساقطة من (ج). (٤) ساقطة من (ج). وحكى الزجاج (١) وغيره من المفسرين من أهل السنة أنه إنما (يوزن خواتيم) (٢) العمل، فإن كانت خاتمة عمله حسنًا جوزي بخير، ومن كانت خاتمة عمله شرًّا جوزي بشر. الثالث: المراد بحبة الخردل: زيادة عَلَى أصل التوحيد، وقد جاء في الصحيح بيان ذَلِكَ. ففي رواية فيه: «(فأَخْرِجوا) (٣) من قالَ: لا إله إلا الله وعمل من الخير ما (يزن) (٤) كذا» ثمَّّ بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد (٥). قَالَ القاضي: هذا هو الصحيح أن معنى الخير هنا أمر زائد عَلَى الإيمان؛ لأن مجرده لا يتجزأ، إنما يتجزأ الأمر الزائد عليه، وهي الأعمال الصالحة من ذِكْرِ خفي، أو شفقة عَلَى مسكين، أو خوف من الله، ونية صادقة (في) (٦) عمل وشبهه. بدليل الرواية السالفة. وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله: «من إيمان ومن خير» وما جاء معه أي: من اليقين (٧). ---------------------- (١) هو الإمام النحوي إمام زمانه، أبو إسحاق، إبراهيم بن محمد بن السري الزجاج البغدادي، مصنف كتاب «معاني القرآن» ومن مصنفاته أيضًا: «الإنسان»، «الفرس»، «العروض»، وكان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٦/ ٨٩، «المنتظم» ٦/ ١٧٦، «وفيات الأعيان» ١/ ٤٩، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٣٦٠ (٢٠٩)، «الوافي بالوفيات» ٥/ ٣٤٧، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٥٩. (٢) ساقطة من (ج). (٣) في (ج): أخرجوا. (٤) في (ج): يوزن. (٥) سيأتي برقم (٤٤، ٧٤١٠)، ورواه مسلم (١٩٣). (٦) في (ج): من. (٧) «إكمال المعلم» ١/ ٥٦٦ - ٥٦٧ بتصرف. وذكره غيره إلا أنه قَالَ: المراد ثواب الإيمان الذي هو التصديق، وبه يقع التفاضل فإن (أتبعه بالعمل) (١) عظم ثوابه، وإن كان على خلاف ذَلِكَ نقص ثوابه فإن قُلْتَ: كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقدراه؟ قُلْتُ: لعله بعلامات كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد (بدارات السجود) (٢). الرابع: النهر بفتح الهاء، (وسكونها) (٣) لغتان. فالمشهور في القراءة: فتحها، وقرأ حميد بن قيس (٤) --------------------- (١) في (ج): أتبعه العمل. (٢) من (ف) ويشير المصنفرحمه الله- إلى حديث أبي هريرة الآتي (٨٠٦) كتاب: الأذان، باب: فضل السجود، وهو حديث طويل فيه: «حَتَّى إِذَا أرَادَ اللهُ رَحْمَة مَنْ أرَادَ مِنْ أهْلِ النَّارِ، أمَرَ اللهُ المَلَائِكَةَ أنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ ويعْرِفُونَهُمْ بِآثارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ». وكذا رواه مسلم (١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. (٣) في (ج): وإسكانها. (٤) هو حميد بن قيس الأعرج المكي، أبو صفوان القارئ الأسدي، وهو قارئ أهل مكة، قرأ على مجاهد ختمات وتصدر للإقراء، وحدث عن مجاهد وعطاء والزهري وغيرهم ولم يكن بمكة بعد ابن كثير أحد أقرأ منه، وحدث عنه مالك ومعمر وابن عيينة وطائفة، وثقه أبو داود وغيره، وهو قليل الحديث، وقال ابن عيينة: كان حميد بن قيس أفرض أهل مكة وأحسبهم، وكانوا لا يجتمعون إلا على قراءته. سئل عنه أحمد فقال: ثقة، وقال مرة: حميد قارى أهل مكة، ليس هو بالقوي في الحديث، ووثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس روى له الجماعة. منهم البخاري، فقد روى له حديثًا واحدًا، سيأتى في كتاب: المحصر، باب: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ برقم (١٨١٤). من حديث كعب بن عجرة. لكن المصنف لم يتعرض لترجمته مطلقًا، كما سيأتي، وهو من رواة «الصحيح» المطعون فيهم -كما تقدم- لذا ترجم له الحافظ في «هدي الساري» ص ٣٩٩ = بإسكانها (١)، وأصله: الاتساع والسيلان، ومنه أنهر الدم (٢)، وجمعه أنهار ونُهُر -بضمتين- وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، المراد به (الأنهار) (٣) فعبر بالواحد عن الجمع. الخامس: (الحيا): مقصور ومده الأصيلي، ولا وجه لَهُ كما نبه عليه القاضي (٤)، والمراد: كل ما يحيا به الناس، والحيا: (المطر، والحيا: الخصب) (٥)، فيحيون بعد غسلهم فيها فلا يموتون، وتخصب أجسامهم. السادس: صرح البخاري في روايته هنا بأن الشك من مالك، ولم يفصح به مسلم (٦). وقوله: (قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثنَا عَمْرٌو: «الْحَيَاة» معناه: قَالَ وهيب بن خالد -وهو في درجة مالك-: نا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد به. وقال فيه: نهر الحياة -بالهاء ولم يشك كما شك مالك، ويقرأ «الحياة» بالجر عَلَى الحكاية، وهذا التعليق من البخاري قد أسنده في باب: صفة الجنة والنار، لكنه قَالَ: «حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (٧) --------------------- = ٤٠٠، فذكر أقوال من عدله ومن جرحه، ثم قال: احتج به الجماعة، وقال في «التقريب» (١٥٥٦): ليس به بأس. وانظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٨٦، «ثقات ابن حبان» ٦/ ١٨٩، «الكامل في الضعفاء» ٣/ ٧١ (٤٣٥)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨٤ (١٥٣٥)، «تاريخ الإسلام» ٨/ ٤٠٢. (١) هي قراءة شاذة، انظر: «مختصر في شواذ القرآن» ص ٢٢. (٢) يقال: أنهرت الدم، أي أَسَلْتُهُ. (٣) في (ج): أنهر. (٤) «مشارق الأنوار» ١/ ٢١٩ - ٢٢٠. (٥) في (ج): المطر الخصيب. (٦) مسلم (١٨٤). (٧) سيأتي برقم (٦٥٦٠) كتاب: الرقاق. ولم يقل: «من خير» كما ساقها هنا عنه، وسقطت اللفظة بجملتها عند مسلم من طريق وهيب عن عمرو (١)، واتفقا عَلَى لفظة: «من إيمان»، عند مالك (٢). السابع: الحِبَّة -بكسر الحاء وتشديد الباء-، والكثير حِبَب -بكسر الحاء وفتح الباء المخففة- وهي: اسم لبذر العشب، هذا هو الصحيح من الأقوال. وعبارة بعضهم: أنه بذر البقول مما ليس بقوت، وعبارة «المحكم» أنها (بذور) (٣) البقول والرياحين. قَالَ: واحدها حب، قَالَ: وقيل: إِذَا كانت الحبوب مختلفة من كل شيء (شئٌ) (٤) (فهو) (٥) حِبَّة، ثمَّ حكى غير ذَلِكَ. ثمَّ قَالَ: وقال أبو حنيفة الدينوري (٦): الحبة -بالكسر- جمع بذور النبات، واحدتها حبة -بالفتح-، عن الكسائي (٧)، قُلْتُ: والحبة بالفتح القطعة من الشيء، وبالضم مع تخفيف الباء اسم للحب الداخل في بطن العنب. قَالَ الحربي: ما كان من الحب لَهُ حب فاسم ذَلِكَ الحب حبة. ------------------- (١) مسلم (١٨٤/ ٣٠٥). (٢) مسلم (١٨٤/ ٣٠٤). (٣) في (ج): بذر. (٤) من (ف). (٥) في (ج): فهي. (٦) وهو العلامة، ذو الفنون، أبو حنيفة، أحمد بن داود الدينوري النحوي، تلميذ ابن السكيت. صدوق، كبير الدائرة، طويل الباع، ألف في النحو واللغة والهندسة والهيئة والوقت، وأشياء. له كتاب «النبات»، وكتاب: «الأنواء» وغير ذلك، وقيل: كان من كبار الحنفية. مات في جمادى الأولى سنة اثنتين وثمانين ومائتين. انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٢٢ (٢٠٨)، «الوافي بالوفيات» ٦/ ٣٧٧، «البداية والنهاية» ١١/ ٨٥. (٧) هناك كسائيان نحويان: = فإن قُلْتَ: لم شبههم في الحديث بالحبة؟ قُلْتُ: (لأوجه) (١): بياضها، وسرعة نباتها لأنها تنبت في يوم وليلة، وهو أسرع النبات، ومن حيث ضعف النبات. الثامن: قوله: («فِي جَانِبِ السَّيْلِ»)، كذا هنا، وجاء: «حميل» بدل «جانب» (٢)، وفي رواية وهيب: «حمأة السيل» (٣)، (والحميل بمعنى: المحمول) (٤)، وهو ما جاء به من طين أو غئاء، والحمأة: ما تغير لونه من الطين، وكلُّه بمعنًى، فإذا اتفق فيه حبة عَلَى شط مجراه فإنها تنبت سريعًا، فأخبر بذلك عن سرعة نباتهم كما سلف. -------------------- = الأول: المقرئ المشهور، الإمام: شيخ القراءة والعريية، أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله بَهمَن بن فيروز الأسدي، مولاهم الكوفي، الملقب بالكسائي؛ لكساءٍ أحرم فيه، تلا على ابن أبي ليلى عرضًا، وعلى حمزة الزيات، وتلا أيضًا على عيسى بن عمر المقرئ، واختار قراءة اشتهرت وصارت إحدى السبع، وجالس في النحو الخليل، توفي سنة تسع وثمانين ومائة. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٤٠٣، «وفيات الأعيان» ٣/ ٢٩٥، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٣١ (٤٤)، «شذرات الذهب» ١/ ٣٢١. والثاني: هو الشيخ النحوي البارع، أبو بكر، محمد بن إبراهيم بن يحيى النيسابوري الكسائي، تخرج به جماعة في العربية، وروى «صحيح مسلم» عن ابن سفيان، رواه عنه أبو مسعود أحمد بن محمد البجلي، وذلك إسناد ضعيف. انظر ترجمته في: «الأنساب» ١٠/ ٤٢٢، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٤٦٥ (٣٣٩)، «شذرات الذهب» ٣/ ١١٧. (١) في (ج): وجه. (٢) سيأتي برقم (٦٥٦٠) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ورواه مسلم (١٨٥/ ٣٠٧). (٣) الذي في رواية وهيب (٦٥٦٠) هي: حميل السيل أو حمية السيل، كما ذكره المصنف، وعند مسلم (١٨٤/ ٣٠٥): حمئة أو حميلة السيل. (٤) في (ج): والحميم بمعنى: الحموم. التاسع: أتى البخاري بتعليق وهيب هنا؛ لفائدتين: الأولى: أن فيها الحياة من غير شك بخلاف رواية مالك. والثانية: (أنه) (١) أتى (بالتحديث) (٢) عن عمرو، ورواية مالك أتى فيها بـ (عن) تنبئ عن التدليس، وقد سلف الخلاف فيها في أول الكتاب، أنها هل تحمل عَلَى السماع؟ وفائدة ثالثة: أن فيها: «من خير» بدل «إيمان» لكن أسلفنا أنه أتى بها في: صفة الجنة مسندة بلفظ: «إيمان» (٣). العاشر: في الحديث أنواع من العلم منها ما ترجم له، وهو تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، فإنه المراد من: «خير» كما سلف. ومنها إثبات دخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وقد تظاهرت عليه النصوص، وأجمع عليه من يعتد به. ومنها إخراجهم من النار، ومنها أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وهو مذهب أهل السنة خلافًا للخوارج والمعتزلة (٤). وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على -------------------- (١) من (ف). (٢) في (ج): بالحديث، والمثبت من (ف) وهو الصواب. (٣) برقم (٦٥٦٠). (٤) الخوارج هي أول بدعة ظهرت في هذِه الأمة؛ لأن زعيمهم خرج على النبي - ﷺ - وهو ذو الخويصرة من -بني تميم- حين قسم النبي - ﷺ - ذهيبة جاءت فقسمها بين الناس، فقال له هذ الرجل: يا محمد اعدل … الحديث. فكان هذا أول خروج على الشريعة، ثم صارت بدعتهم في عهد الصحابة، وما زالوا يتوالون. وهم متفقون على أن العبد يصير كافرًا بالذنب، وهم يكفرون عثمان وعليًّا وطلحة والزبير وعائشة، ويعظمون أبا بكر وعمر. انظر: «اعتقادات المسملين والمشركين» ص ٤٦ - ٤٧، «شرح العقيدة الواسطية» ١/ ١٢. = ما ذكرناه عن أهل السنة، ومنها أن الأعمال من الإيمان لقوله - ﷺ -: «خردل من إيمان». والمراد: ما زاد عَلَى أصل التوحيد كما أسلفناه. الحديث الثاني: نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ». ---------------------- = أما المعتزلة، فهم أتباع واصل بن عطاء، وسموا بذلك الاسم لما طرده الحسن من مجلسه -لما قال واصل: الفاسق لا مؤمن ولا كافر، فانضم إليه عمرو بن عبيد، واعتزلا حلقة الحسن فسموا المعتزلة. وهم متفقون على نفي الصفات لله تعالى، وعلى أن القرآن محدث ومخلوق، وأن الله تعالى ليس خالقًا لأفعال العبد، وهم سبعة عشرة فرقة. انظر: «اعتقادات المسلمين والمشركين» ص ٣٨ - ٤٥. والمسألة التي أشار إليها المصنف -رحمه الله- هي أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفرًا ينقل عن الملة، لكان مرتدًا يقتل على كل حال. ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين، كما قالت المعتزلة، فإن قولهم باطل أيضًا. والمعتزلة موافقون للخوارج في حكم الآخرة، فإنهم وافقوهم على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، لكن قالت الخوارج: نسميه كافرًا، وقال المعتزلة: نسميه فاسقًا، فالخلاف بينهم لفظي فقط. انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» ٢/ ٤٤٢، ٤٤٤ ط. الرسالة. وللاستزادة ينظر: «شرح العقيدة الواسطية» ٢/ ٦٤٤ - ٦٥١. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن محمد، وفي التعبير عن يعقوب، عن صالح (١)، وفي فضل عمر، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل (٢)، وفي التيمم عن سعيد بن عفير، عن الليث عن ابن شهاب به (٣). ورواه مسلم في الفضائل عن منصور، عن إبراهيم، عن صالح، وعن زهير والحلواني، وعبد بن حميد، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح (٤). الثاني: في التعريف برواته. وقد سلف التعريف بأبي سعيد وابن شهاب وصالح (٥). --------------------- (١) سيأتي برقم (٧٠٠٨) باب: القميص في المنام. لكنه عن علي بن عبد الله، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثني أبي، عن صالح. (٢) سيأتي برقم (٣٦٩١) كلتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب. (٣) لم يخرج البخاري هذا الحديث في التيمم، وإنما أخرجه بالسند المذكور في التعبير أيضًا (٧٠٠٩)، باب: جر القميص، عن سعيد بن عفير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب. (٤) مسلم (٢٣٩٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر - رضي الله عنه -. (٥) ورد في هامش (ف): (قُلْتُ: لم يتقدم صالح، ولم يذكره ها هنا، وهو صالح بن كيسان أبو محمد، ويقال: أبو الحارث مولى بني غفار، ويقال: عامري، قَالَ مصعب: مولى الدوسيين، مؤدب عمر بن عبد العزيز. رأى ابن عمر وابن الزبير، ولم يصح لَهُ منهما سماع، وروى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، والزهري، ونافع، وروى عنه عمرو بن دينار، وموسى بن عقبة، ومحمد بن عجلان، ومالك، ومعمر، وابن عيينة، وعبد العزيز الماجشون، وسليمان بن بلال، وعبد العزيز = ![]()
__________________
|
|
#47
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 596 الى صـــ 615 الحلقة (46) وأما أبو أمامة فهو أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحارث بن مجدعة بن عمرو بن (حنش) (١) بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، أخي الخزرج (ابني حارثة) (٢) -وقد سلف باقي نسبهم في الأنصار- الأنصاري الأوسي المدني الصحابي (ابن الصحابي) (٣). أمه: حبيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زرارة النقيب. سمي باسمه، وكني بكنيته، فعل ذَلِكَ رسول الله - ﷺ -. فإن أبا أمامة أوصى ببناته إلى رسول الله - ﷺ -، فزوج حبيبة سهل بن حنيف فولدت لَهُ أسعد هذا، فسماه رسول الله - ﷺ -، وكناه بكنية جده لأمه واسمه وبرَّك عليه. روى لَهُ الجماعة عن الصحابة والنسائي وابن ماجه عن رسول الله - ﷺ -، مات سنة مائة عن نيف وتسعين سنة (٤). -------------------- = الدراوردي، وعبد الرحمن بن إسحاق المدني، وإبراهيم بن سعد الزهري، وأخرج لَهُ مسلم أيضًا، قَالَ الواقدي: مات بعد الأربعين ومائة رحمه الله تعالى). اهـ. وفيه نظر، فقد تقدمت ترجمة المصنف لصالح بن جيسان في حديث (٧). (١) هذِه الكلمة مكانها في (ج) بياض، وفي (ف): حنيس، والمثبت من «طبقات ابن سعد» ٥/ ٨٢ وهو الصواب. (٢) في (ج) ابن الحارث. (٣) من (ف). (٤) اختلف سماع أبي أمامة من النبي - ﷺ -، ومن عده في الصحابة عده لأنه أدرك النبي - ﷺ - ورآه. قال البغوي في «معجم الصحابة» ١/ ٩٣ (١٩): ولد على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يسمع منه، وقال ابن أبي حاتم في «المراسيل» (١٨): ليست له صحبة، ولأبيه صحبة. = وأما إبراهيم: فهو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (بن عبد عوف) (١) بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المدني، سكن بغداد، سمع أباه والزهري وغيرهما من التابعين وغيرهم، وعنه شعبة وابن مهدي، وابناه يعقوب ومحمد، وخلق. وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم وأبو زرعة، وكان كثير الحديث، وربما أخطأ في أحاديث، ولي بيت المال ببغداد، مات سنة ثلاث (وثمانين) (٢) ومائة عن خمس وسبعين سنة، وأبوه قاضي المدينة من جلة التابعين. ------------------------ = وقال أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ١/ ٢٨٣ (١٥٠): اختلف فيه فقيل: صحب النبي - ﷺ - وبايعه، وقيل: أدركه ولم يسمع منه، وهذا أصح. وقال أبو عمر في «الاستيعاب» ١/ ١٧٦ (٣٣): ولد على عهد رسول الله - ﷺ - قبل وفاته بعامين، وقال: لم يسمع من النبي - ﷺ - شيئًا ولا صحبه، وإنما ذكرناه لإدراكه النبي - ﷺ - بمولده، وقال الذهبي في «السير» ٣/ ٥١٧ - ٥١٨: ولد في حياة النبي - ﷺ - ورآه فيما قيل. وقال: قال أبو معشر السندي: رأيت أبا أمامة وقد رأى النبي - ﷺ -. وقال العلائي في «جامع التحصيل» (٣٠): ولد في حياة النبي - ﷺ - وليست له صحبة، وما روى عنه فهو مرسل، وذكره مغلطاي في «الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة» ١/ ٦٤ (٢٥) وقال: قال العسكري: له رؤية ويدخلونه في الصحابة، ولا تصح صحبته، وقال ابن أبي داود: له صحبة، ورد قوله جماعة من الأئمة، وذكره في جملة الصحابة جماعة منهم: أبو عمر، أبو نعيم، وابن منده. ورجح عدم صحة سماعه أيضًا الحافظ في «الفتح» ١/ ٧٣، وفي «التهذيب» ١/ ١٣٤ - ١٣٥. وانظر تمام ترجمته في المصادر المذكورة آنفًا، وكذا في: «أسد الغابة» ١/ ٨٧ (١٠٠)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٥٢٥ (٤٠٣)، «الإصابة» ١/ ٩٧ (٤١٤). (١) من (ف). (٢) في (ج): وثلاثين، وما أثبتناه من (ف) وهو الصواب. قال الخطيب: حدث عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد، والحسين بن سيار الحراني وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة (١). فائدة: في البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه إبراهيم بن سعد خال هذا (٢). وأما محمد: فهو أبو ثابت محمد بن عبيد الله بن محمد بن زيد بن أبي زيد القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان المدني، سمع جمعًا من الكبار، وعنه (البخاري) (٣)، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهما من الأعلام، قال أبو حاتم: صدوق (٤). الوجه الثالث: في ألفاظه ولغاته. قوله: («بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ»)، قال الجوهري: بَيْنَا: فَعْلَى، أشبعت ------------------------ (١) «السابق واللاحق» ص ٩٠ - ٩١ (١٢). وانظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٨٨ (٩٢٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٢٠١ (٢٤)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٠١ (٢٨٣)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٨٨ (١٧٤). (٢) هو إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري المدني. وهو خال سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، أي: أنه خال والد إبراهيم المترجم له؛ لأن قول المصنف يوهم أنه خال إبراهيم المترجم له. روى عن: أسامة بن زيد، وأبيه سعد بن أبي وقاص. وروى عنه: ابن أخته سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ١٦٩، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٨٨ (٩٢٧)، «الجرح والتعديل» ٢/ ١٠١ (٢٨٢)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٩٤ (١٧٥). (٣) في (ج): في البخاري. (٤) «الجرح والتعديل» ٨/ ٣ (١٠)، وانظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٤١، «التاريخ الكبير» ١/ ١٧٠ (٥٠٦)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٤٦ (٥٤٣٦). الفتحة فصارت ألفًا، وأصله: بين، وبينما بمعناه زيدت فيه ما، تقول: بينا نحن نرقبه أتانا (١)، أي: أتانا بين أوقات رقبتنا إياه. ثم حذف المضاف الذي هو أوقات، وولى الظرفُ -الذي هو بين- الجملةَ التي أقيمت مقام المضاف إليه. وكان الأصمعي يخفض ما بعد بَينَا إِذَا صلح في موضعه بَيْنَ. وغيره يرفع ما بعد بَيْنَا وبَيْنَمَا عَلَى الابتداء والخبر (٢). والقُمُص: جمع قميص (ويجمع) (٣) أيضًا عَلَى قُمْصَانٍ وأقمِصَةٍ. والثُّدي -بضم الثاء، ويجوز كسرها وكسر الدال وتشديد الياء- جمع ثدي -بفتح الثاء- وفيه لغتان التذكير والتأنيث، والتذكير (أفصح) (٤) وأشهر، ولم يذكر جماعة من أهل اللغة غيره، ويجمع أيضًا عَلَى (أثدٍ) (٥) ويطلق عَلَى الرجل والمرأة، ومنهم من منع إطلاقه في الرجل وليس بشيء، والأحاديث تردُّه (٦). --------------------- (١) هذا صدر بيت أنشده سيبويه، والبيت بتمامه: فَبَيْنَا نحن نَرْقُبُهَ أَتَانَا مُعَلَّقَ وَفْضَةٍ وزنادَ راعِ. (٢) انتهى كلام الجوهري، «الصحاح» ٥/ ٢٠٨٤ - ٢٠٨٥ بتصرف. (٣) من (ف). (٤) في (ج): أصح. (٥) في (ج): أثدى. (٦) قلت: من هذِه الأحاديث، حديث الباب، ومنها ما سيأتي برقم (١٤٠٧)، ورواه مسلم (٩٩٢) من حديث الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملأ من قريش ....، وفيه: ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج … الحديث. ومنها ما سيأتي برقم (٢٨٩٨)، ورواه مسلم (١١٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله - ﷺ - التقى هو والمشركون فاقتتلوا .. وفيه: فجرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه بالأرض، وذبابه بين ثدييه .. ومنها ما سيأتي برقم (٤٠٧٢) حديث قتل حمزة بن عبد المطلب، وفيه: فرميته = قَالَ ابن فارس (١): ويقال لذلك من الرجل: ثندوة. بفتح الثاء بلا همز، وبالضم والهمز والأول هو المشهور (٢). وقوله - ﷺ -: («وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ») أي: أقصر، فيكون فرق الثدي لم ينزل إليه، ولم يصله لقلته. قَالَ ابن بطال: معلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل (من عمل من) (٣) بلغ قميصه ثديه، وتأويله - ﷺ - ذَلِكَ بالدين يدل عَلَى أن الإيمان الواقع عَلَى العمل يسمى دينًا كالإيمان الواقع عَلَى القول (٤). وقال أهل التعبير: القميص في النوم: الدين، وجره يدل عَلَى بقاء آثاره الجميلة، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليُقتَدى به. قَالَ القاضي: (أخذوه) (٥) من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] يريد نفسك، وإصلاح عملك ودينك، عَلَى تأويل بعضهم؛ لأن العرب تعبِّر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر، وجَرُّه عبارة عما فَضُل عنه وانتفع الناس به، بخلاف جَرِّه في الدنيا للخُيلاء فإنه مذموم (٦). --------------------- = بحربتي، فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه .. الحديث، مطولًا. ومنها ما سيأتي برقم (٦٩٣٣) من حديث أبي سعيد قال: بينا النبي - ﷺ - يقسم -حديث ذي الخويصرة- وفيه: قد سبق الفرث والدم، آيَتُهُم رجل إحدى يديه، أو قال: ثدييه، مثل ثدي المرأة، أو قال: مثل البضعة تدردر .. الحديث. (١) وقال ثعلب: الثَّنْدَوَةُ، بفتح أولها غير مهموز، مثال الرَّقوة والعَرقوة على فَعلُوة فإذا ضممت همزت. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ١٥٧ بتصرف. (٣) في (ج): ممن. (٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٧٤. (٥) في (ج): أخذه. (٦) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٩٥. الوجه الرابع: في الإشارة إلى بعض فوائده: الأولى: أن الأعمال من الإيمان؛ فإن الإيمان والدين بمعنًى. الثانية: تفاضل أهل الإيمان. الثالثة: بيان عظم فضل عمر - رضي الله عنه -. الرابعة: تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها. الخامسة: إشاعة العالم الثناء عَلَى الفاضل من أصحابه إِذَا لم يخش فتنة بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه عَلَى فضله؛ لتعلم منزلته، ويعامل بمقتضاها، ويرغب في الاقتداء به، والتخلُّق بأخلاقه (١). ---------------------- (١) ورد بهامش (ف): بلغ الشيخ برهان الدين الحلبي قراءة على مؤلفه وسمعه ابن المصنف والصفدي … والبستاني والبيجوري والعاملي والبطائحي … الحموي والبرموي وعلي بن الباسطي .... ١٦ - باب الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِك بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الَحيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ». [٦١١٨ - مسلم: ٣٦ - فتح: ١/ ٧٤] نا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ أنا مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن عبد الله، عن مالك، وأخرجه أيضًا في موضع آخر عن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة (١). وأخرجه مسلم هنا أيضًا عن الناقد، وزهير، عن سفيان، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، ولم يقع لمسلم لفظة: «دعه» (٢). الوجه الثاني: في التعريف برواته: وقد سلف خلا سالمًا. وهو أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله سالم (ع) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني التابعي الجليل الفقيه الصالح الزاهد الورع المتفق عَلَى جلالته. وهو أحد الفقهاء السبعة -فقهاء المدينة- --------------------- (١) سيأتي برقم (٦١١٨) كتاب: الأدب، باب: الحياء. (٢) مسلم (٣٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان حَد شعب الإيمان. عَلَى أحد الأقوال (١) سمع أباه وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة وخلقًا من غيرهم، وعنه: جمع من التابعين منهم الزهري. قَالَ إسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن سالم، عن أبيه (٢)، وكان أشبه ولده به، وكان والده أشبه ولد عمر به. قَالَ مالك: ولم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد (والقصد) (٣) والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث عاليًا من الرجال. مات سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان (٤). فائدة: لسالم إخوة: عبد الله وعاصم وحمزة وبلال وواقد وزيد، ----------------------- (١) تقدم عدهم وتسميتهم. (٢) ما انتهى إليه التحقيق هو الإمساك عن الحكم لإسناد بأنه الأصح على الإطلاق، بل يقيد بالصحابي أو البلد. فأصح أسانيد عائشة مثلًا: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وأصح أسانيد عن أبي هريرة: الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. وخاض جماعة من أئمة الحديث في ذلك فاضطربت أقوالهم: فقال الفلاس: أصح الأسانيد: محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، وقال ابن معين: أصحها: الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، وقال إسحاق: أصحها: الزهري، عن سالم، عن أبيه -وهو ما ذكره المصنف- وروي نحوه عن الإمام أحمد، وقال البخاري: أصحها: مالك، عن نافع، عن ابن عمر. انظر: «علوم الحديث» ص ١٥ - ١٦، «المقنع» ١/ ٤٥ - ٥٣، «تدريب الراوي» ١/ ٩٣ - ١٠٧، «شرح ألفية السيوطي» للعلامة أحمد شاكر ص ٦ - ١٠. (٣) في (ج): الفضل. (٤) «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٩٥. وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ١١٥ (٢١٥٥)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٨٣ (٥٤١)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٨٤ (٧٩٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ١٤٥ (٢١٤٩). وأخوات، وكان عبد الله وصي أبيه منهم، روى عنه منهم أربعة: عبد الله وسالم وحمزة وبلال. الوجه الثالث: هذا الرجل لم أقف عَلَى اسمه، وكذا الأخ فليطلب (١). الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه: قوله: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) قَالَ أهل اللغة: مَرَّ عليه، ومَرَّ به يَمُّر مرًّا، أي: اجتاز. وقوله: (يعظ أخاه) قَالَ أهل اللغة: الوَعْظُ: النُصْحُ، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، قَالَ: والعِظَةُ: الاسم منه. قَالَ الخليل: وهو التذكير بالخير (فيما) (٢) يرق لَهُ قلبه (٣). -------------------- (١) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٧٤: لم أعرف اسم هذين الرجلين، الواعظ وأخيه. وقال الكرماني في «شرحه» ١/ ١٢٠: الظاهر أنه أراد الأخ في القرابة، فهو حقيقة، ويحتمل أن يراد الأخ في الإسلام، على ما هو عرف الشارع فهو مجاز لغوي أو حقيقة عرفية. وكذا قال العيني في «عمدة القاري» ١/ ٢٠١، فكأنما نقله عنه. وهذا يسمى في مصطلح الحديث: المبهم وهو: من لم يسم في المتن أو الإسناد، فهو قسمان: مبهم السند، وصورته أن يقول أحد رواة السند: عن رجل، وهذا القسم متعلق بالحكم على الحديث صحة وضعفًا؛ لأن الراوي المبهم قد يكون ثقة وقد يكون ضعيفًا. والقسم الثاني: مبهم المتن، وصورته أن يكون هناك اسم مبهم في المتن، فقد يكون رجلًا أو امرأة أو ابنًا أو بنتًا أو عمًّا أو خالًا، وغير ذلك. وهذا القسم لا تعلق له بصحة أو ضعف الحديث، وفائدة معرفته أن يكون المبهم له منقبة فنعرفها له، أو أن يكون متهمًا بشيء، فنعرفه حتى لا نتهم غيره. انظر: «علوم الحديث» ص ٣٧٥ - ٣٧٩، «المقنع» ٢/ ٦٣٢ - ٦٤٣، «تدريب الراوي» ٢/ ٤٩٢ - ٥٠١. (٢) ساقطة من (ج). (٣) «العين» ٢/ ٢٢٨، «مجمل اللغة» ٤/ ٩٣١. قَالَ الزبيدي (١) في «مختصر العين» (٢): الوَعْظُ والَمْوعِظَةُ والعِظَةُ سواء. تقول: وَعَظَهُ يَعِظُه وَعْظًا ومَوْعِظَةَ فاتَّعَظَ، أي: قبل المَوعِظَةُ. ومعنى: (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: ينهاه عنه، ويقبح له فعله، ويخوفه منه. فإنّ كثرته عجز، فزجره - ﷺ - عن وعظه، وقال: «دعه» أي: عَلَى فعل الحياء، وكُفّ عن نهيه؛ «فإن الحياء من الإيمان». وفي رواية أخرى في الصحيح: «الحياء خير كله» (٣). وفي رواية: «الحياء لا يأتي إلا بخير» (٤). وقد سلف تحقيق كونه من الإيمان، وبيان معناه في باب: أمور الإيمان واضحًا فراجعه منه (٥). وقال ابن قتيبة: معنى الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ركوب المعاصي كما يمنع منه الإيمان، فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وفي الحديث التنبيه عَلَى الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها، وكل ما يستحيا من فعله. --------------------- (١) هو إمام النحو، أبو بكر، محمد بن الحسن بن عبيد الله بن مذحج، الزبيدي الشامي الحمصي ثم الأندلسي الإشبيلي، صاحب التصانيف. طلب المستنصر صاحب الأندلس أبا بكر الزبيدي من أشبيليه إلى قرطبة للاستفادة منه، فأدب جماعة، واختصر كتاب «العين» وألف «الواضح» في العربية. توفي سنة تسع وسبعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: «الأنساب» ٦/ ٢٤٩، «وفيات الأعيان» ٤/ ٣٧٢، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٤١٧ (٣٠٥)، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٣٥١، «شذرات الذهب» ٣/ ٩٤. (٢) في (خ): في مختصره. (٣) رواه مسلم (٣٧/ ٦١) كتاب: الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان … (٤) سيأتي برقم (٦١١٧) كتاب: الأدب، باب: الحياء. (٥) راجع شرح حديث (٩). ١٧ - باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِىُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». [مسلم: ٢٢ - فتح: ١/ ٧٥] نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ المُسْنَدِيُّ، نا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ نا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من هذا الوجه، ولم يقل: «إلا بحق الإسلام» (١). وأخرجاه من حديث أبي هريرة أيضًا (٢)، وفيه: «ويؤمنوا بي وبما جئت به» (٣). وأخرجه البخاري من حديث أنس كما سيأتي في الصلاة (٤)، وأخرجه مسلم من حديث جابر (٥). -------------------------- (١) مسلم (٢٢) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس. (٢) سيأتي برقم (٢٩٤٦) كتاب: الجهاد، باب: دعاء النبي - ﷺ -، في مسلم (٢١) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس … (٣) مسلم (٢١/ ٣٤). (٤) سيأتي برقم (٣٩٢) كتاب: الصلاة، باب: فضل استقبال القبلة. (٥) برقم (٢١/ ٣٥) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس. ثمَّ الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بابن عمر، وشعبة، وعبد الله المسندي، بفتح النون. وأما محمد -والد واقد- فهو محمد (ع) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، سمع جده، وابن عباس، وابن الزبير، وعنه بنوه الخمسة: أبو بكر وعمر وعاصم وواقد وزيد. قَالَ أبو حاتم وأبو زرعة: ثقة (١). وأما واقد ابنه فهو -بالقاف-، وليس في «الصحيحين» وافد بالفاء. كما قدمته في الفصول أول هذا الشرح، وهو قرشي كلما ذكرته، مدني، وهو والد عثمان بن واقد أيضًا، روى عن والده ونافع وغيرهما، وعنه: شعبة وغيره، وثقه أحمد وغيره. روى لَهُ مع البخاري ومسلم، أبو داود والنسائي (٢). وأما أبو روح فهو حرمي -بفتح الحاء والراء- بن عمارة بن أبي حفصة نابت -بالنون وقيل: (بالثاء) (٣) وقيل: عبيدة العتكي مولاهم البصري، سمع شعبة وغيره، وعنه: القواريري وغيره، مات سنة إحدى ومائتين. ----------------------- (١) «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٥٦ (١٤٠٢)، وانظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٨٤ (٢٣٠)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٣٦٥، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٢٢٦ (٥٢٢٥). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٧٣ (٢٥٩٩)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٢ - ٣٣ (١٥٠)، «الثقات» ٧/ ٥٦٠، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤١٤ (٦٦٧٠). (٣) في (ف): بالمثلثة. قَالَ يحيى: صدوق، روى لَهُ الجماعة سوى (الترمذي) (١). فائدة: حرمي أيضًا اثنان: ابن حفص العتكي روى لَهُ البخاري وأبو داود والنسائي (٢). وابن يونس (المؤدب) (٣)، روى لَهُ النسائي واسمه إبراهيم (٤). ثانيها: في ألفاظه ومعانيه: معنى («تَابُوا»): خلعوا الأوثان، وأقبلوا عَلَى عبادة الله تعالى، ومنه قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ .. إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وهذِه الآية التي ذكرها البخاري حُكي عن أنس أنها آخر ما (نزل) (٥) من القرآن (٦)، ومعنى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المداومة عليها بحدودها. ---------------------- (١) في (ج): مسلم، ما أثبتناه من (ف) وهو الصواب، وانظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ٣٠٣، «التاريخ الكبير» ٣/ ١٢٢ (٤١٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٧ (١٣٦٨)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٥٥٦ (١١٦٩). (٢) في (ج): (د، ت)، والمثبت من (ف) وهو الصواب. (٣) ستأتي ترجمته مفصلة في حديث رقم (٣٦). (٤) هو إبراهيم بن يونس بن محمد البغدادي، يعرف بحرمي روى عن: الضحاك بن مخلد، ومالك بن إسماعيل النهدي، وأبيه يونس بن محمد المؤدب. وروى عنه: النسائي، ومحمد بن جميع الأسواني، قال النسائي: صدوق. وانظر ترجمته في: «الثقات» لابن حبان ٨/ ٨٢، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٥٦ (٢٧٣)، «إكمال تهذيب الكمال» ١/ ٣٢٨ (٣٢٣)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٩٦، تنبيه: وقع في «ثقات ابن حبان» ٨/ ٨٢: ابن يوسف، وهو خطأ أو تصحيف. (٥) في (ج): نزلت. (٦) رواه ابن ماجه (٧٠)، الضياء في «المختارة» ٦/ ١٢٦ - ١٢٧ (٢١٢٢ - ٢١٢٣) من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس قال البوصيري في «المصباح» ١/ ١٢: إسناده ضعيف، الربيع بن أنس ضعيف، وكذا ضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (١١٢). ومعنى: («عَصَمُوا»: منعوا) (١)، والعصم: المنع، والعصام: الخيط الذي يشد فم القربة، سمي به؛ لمنعه الماء من السيلان. ومعنى قوله: «إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ» أنه إن صدر منهم شيء يقتضي حكم الإسلام مؤاخذتهم به من قَصاص أو حَدٍّ أوغرامة متلف أو نحو ذَلِكَ استوفيناه، وإلا فهم معصومون. ومعنى «وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»: أن أمر سرائرهم إليه، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم. ثالثها: في فوائده: الأولى: وجوب قتال الكفار إِذَا طاقه المسلمون حتَّى يسلموا، أو يبذلوا الجزية إن كانوا ممن تُقبل منهم. الثانية: وجوب قتال تاركي الصلاة أو الزكاة، وفيه رد على قول المرجئة: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال (٢). ------------------------ (١) في (ج): (عصموا مني دماءهم): منعوا. (٢) قال شيخ الإسلام: والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب، وقول اللسان، والأعمال ليست منه. كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنًا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه. وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا فإنها لازمة لها، ولكن هؤلاء لهم حجج شرعية بسببها اشتبه الأمر عليهم، فإنهم رأوا أن الله قد فرق في كتابه بين الإيمان والعمل: فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: ١٠٧] ورأوا أن الله خاطب الإنسان بالإيمان قبل وجود الأعمال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل أن يجب عليه شيء من = الثالثة: قتل تارك الصلاة عمدًا مع اعتقاده وجوبها -وهو مذهب الجمهور-. والصحيح عندنا أنه يقتل بترك صلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة، وقال أحمد بن حنبل في رواية أكثر أصحابه عنه: تارك الصلاة عمدًا يكفر ويخرج من الملة (١)، وبه قَالَ ---------------------- = الأعمال مات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان. وقالوا: نحن نسلم أن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كان كلما أنزل الله آية وجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي كان قبله؛ لكن بعد كمال ما أنزل الله ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء؛ إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما. والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانًا مجازًا؛ لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه، ولأنها دليل عليه، ويقولون: قوله: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»: مجاز. والمرجئة ثلاثة أصناف: الذي يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، ثم من هؤلاء من يدخل فيه أعمال القلوب وهم أكثر فرق المرجئة كما قد ذكر أبو الحسن الأشعري أقوالهم في كتابه، وذكر فرقًا كثيرة يطول ذكرهم، لكن ذكرنا جمل أقوالهم. ومنهم من لا يدخلها في الإيمان كجهم ومن اتبعه كالصالحي، وهذا الذي نصره هو وأكثر أصحابه. والقول الثاني: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية. والثالث: تصديق القلب وقول اللسان، وهذا هو المشهور عن أهل الفقه والعبادة منهم، وهؤلاء غلطوا من وجوه: … ساقها مطولة، فليرجع إليها من أراد الاستزادة والتفصيل. «مجموع الفتاوى» ٧/ ١٩٤ - ٢١٠. وانظر: «الشريعة» ص ١٠٢ - ١١٤، «شرح العقيدة الطحاوية» ٢/ ٤٥٩ - ٤٦٦. (١) انظر: «الانتصار» ٢/ ٦٠٣، «المغني» ٣/ ٣٥٤، «الإنصاف» ٣/ ٣٥. بعض أصحابنا (١)، فعلى هذا لَهُ حكم المرتدين فلا يُورث، ولا يُغسل، ولا يُصلى عليه، وتبين منه امرأته، وقال أبو حنيفة والمزني: يحبس ولا يقتل (٢)، والصحيح ما سلف عن الجمهور. فرع: لو ترك صوم رمضان حبس، ومنع الطعام والشراب نهارًا؛ لأن الظاهر أنه ينويه؛ لأنه معتقد لوجوبه. فرع: لو منع الزكاة أخذت منه قهرًا، ويعزر على تركها. الرابعة: أن من أظهر الإسلام، وفعل الأركان كففنا عنه، ولا نتعرض إليه إلا لقرينة تظهر منه. الخامسة: قبول توبة الزنديق، وإن تكرر منه الارتداد والإسلام، وهذا هو الصحيح، وقول الجمهور، ولأصحابنا فيه خمسة أوجه، وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ويعلم ذَلِكَ (منه) (٣) إما باطلاع الشهود عَلَى كفرِ كان يخفيه، وإما بإقراره، أصحُّها ما ذكرناه، وهو ما نص عليه الشافعي، والأحاديث دالة عليه. ومنها حديث أسامة: «أفلا شَققت عن قلبه» (٤) ومنها حديث: «ما أمرت أن أشق عن قلوب الناس ولا عن بطونهم» (٥). --------------------------- (١) انظر: «حلية العلماء» ٢/ ١٢، «المجموع» ٣/ ١٧ - ١٩. (٢) انظر: «مجمع الأنهر» ١/ ١٤٦ - ١٤٧، «الفتاوى الهندية» ١/ ٥٠، ٥١، «الحاوي الكبير» ٢/ ٥٢٥، «حلية العلماء» ٢/ ١١، «المجموع» ٣/ ١٧. (٣) من (ج). (٤) رواه مسلم (٩٦) في الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله مطولًا. (٥) سيأتي برقم (٤٣٥١) كتاب: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب -عليه السلام-. من حدبث أبي سعيد الخدري. وثانيها: وبه قَالَ مالك: لا تقبل، نعم إن كان صادقًا في ذَلِكَ نفعه عند الله تعالى، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين. والثالث: إن كان من الدعاة (إلى الصلاة) (١) لم تقبل توبته، وتقبل توبة عوامهم. والرابع: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائبًا ابتداءً، وظهرت مخايل الصدق عليه قبلت، وحكاه ابن التين عن مالك أيضًا. وخامسها: أن (من) (٢) تاب مرة قبلت، وإن تكررت منه فلا (٣). ------------------------- (١) وكذا في (ف)، وساقطة من (ج)، والمعنى يستقيم بدونها. (٢) من (ج). (٣) قال شيخ الإسلام: ولهذا تنازع الفقهاء في استتابة الزنديق، فقيل: يستتاب. واستدل من قال ذلك بالمنافقين الذين كان النبي - ﷺ - يقبل علانيتهم، ويكل أمرهم إلى الله، فيقال له: هذا كان في أول الأمر وبعد هذا أنزل الله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١]، فعلموا أنهم إن أظهروه كما كانوا يظهرونه قتلوا. فكتموه. والزنديق: هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق، قالوا: ولا تعلم توبته؛ لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق؛ ولو قبلت توبة الزنادقه لم يكن سبيل إلى تقتيلهم. والقرآن قد توعدهم بالتقتيل. اهـ. «مجموع الفتاوى» ٧/ ٢١٥. وروى البيهقي بسنده عن علي قال: أما الزنادقة فيعرضون على الإسلام فإن أسلموا وإلا قتلوا. وروى عن ابن شهاب قال: الزنديق إن هو جحد وقامت عليه البينة فإنه يقتل، وإن جاء هو معترفًا تائبًا فإنه يترك من القتل. وروى عن ربيعة قال: الزنديق يقتل ولا يستتاب، وروى ذلك أيضًا عن مالك ثم قال البيهقي: قول من قال: يستتاب فإن تاب قبلت توبته. وحقق دمه، والله ولي ما غاب أولى، والله أعلم. «سنن البيهقي» ٨/ ٢٠١. وانظر هذِه المسألة في: «التمهيد» ١٠/ ١٥٥ - ١٥٧، «صحيح مسلم بشرح النووي» ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧، «المغني» ٦/ ٢٩٨. السادسة: اشتراط النطق بكلمتي الشهادة في الحكم بإسلام الكافر، وأنه لا يكَفُّ عن قتالهم إلا بالنطق بهما، قَالَ القاضي حسين: وإنما يندفع السيف بهما مع الإقرار بأحكامهما لا بمجردهما. وفيما قاله نظر كما تقدم. السابعة: هذا الحديث مبين ومقيد لما جاء (من) (١) الأحاديث المطلقة، ومنها مناظرة عمر للصديق في شأن (قتال) (٢) مانعي الزكاة، إذ فيه: فقال عمر لأبي بكر: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ - ﷺ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا اللهُ. فَمَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي دمه ومَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهمُ عَلَى اللهِ؟» فقال الصديق: والله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (٣). فانتقاله إلى القياس واعتراض الفاروق عليه أولًا دليل على أنه خفي عليهما وعلى من حضرهما حديث ابن عمر (٤) وأبي هريرة (٥)، كما خفي عليهم حديث جزية المجوس (٦)، وشأن الطاعون (٧)، وهذا وأمثاله مما يرجح به مأخذ ------------------------ (١) في (ج): في. (٢) من (ف). (٣) سيأتي هذا الحديث برقمي (١٣٩٩ - ١٤٠٠) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، ووراه مسلم (٢٠) كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا … من حديث أبي هريرة. (٤) هو حديث الباب (٢٥)، ورواه مسلم (٢٢). (٥) سيأتي برقم (١٣٩٩ - ١٤٠٠)، ورواه مسلم (٢٠). (٦) سيأتي برقم (٣١٥٦ - ٣١٥٧) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. (٧) سيأتي هذا الحديث برقم (٥٧٢٩) كتاب: الطب، باب: ما يذكر في الطب، ورواه مسلم (٢٢١٩) كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها. قال النووي: اجتمع في هذِه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر = الشافعي في أنه إِذَا صح الحديث لا يعدل عنه؛ لجواز خفائه عَلَى البعض (١). الثامنة: الحكم بالظاهر كما سلف. التاسعة: أن الاعتقاد الجازم كافٍ في النجاة، وأبعد من أوجب تعلم الأدلة وجعله شرطًا للإسلام، والأحاديث الصحيحة متظاهرة عَلَى ذَلِكَ، ويحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم كاف. العاشرة: عدم تكفير أهل البدع. --------------------- = بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يُخص بالقياس … «صحيح مسلم بشرح النووي» ١/ ٢٠٣. وسيأتي مزيد تفصيل في هذِه المسألة -إن شاء الله تعالى- في الحديث الآتي برقم (١٣٩٩ - ١٤٠٠). (١) دخول (ال) على (بعض) مما اعترض عليه كثير من النحاة واللُغويين. ١٨ - باب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]: عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾. ٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌ مَبْرُورٌ». [١٥١٩ - مسلم: ٨٣ - فتح: ١/ ٧٧] نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ نا ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا هنا (١). ويأتي في الحج إن شاء الله (٢). ثانيها: (في) (٣) التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا ابن المسيب، وأحمد بن يونس. ----------------------- (١) مسلم (٨٣) كتاب: الإيمان، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال. (٢) سيأتي برقم (١٥١٩) باب: فضل الحج المبرور. (٣) من (ج).
__________________
|
|
#48
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 616 الى صـــ 635 الحلقة (47) أما الأول: فهو أبو محمد سعيد (ع) بن المسيب بن حزن بن (أبي وهب) (١) بن (عمرو بن) (٢) عايذ -بالذال المعجمة- بن عمران بن مخزوم بن يقظة -بفتح الياء المثناة تحت، وبالقاف والظاء المعجمة- ابن مرة القرشي المخزومي المدني. إمام التابعين، وفقيه الفقهاء، ووالده وجده صحابيان أسلما يوم الفتح (٣). --------------------- (١) في (ف): وهب، والمثبت من مصادر الترجمة. (٢) من (ف). (٣) أما والده المسيب بن حزن، فهاجر مع أبيه حزن، وكان المسيب ممن بايع تحت الشجرة. رواه سفيان عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: شهدت بيعة الرضوان تحت الشجرة معهم، ثم أنسوها من العام المقبل. انظر: «الاستيعاب» ٣/ ٤٥٧ (٢٤٣٦). وانظر تمام ترجمته في: «معجم الصحابة» ٣/ ١٢٦ (١٠٩٩)، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٥٩٨ (٢٧٧٦)، «أسد الغابة» ٥/ ١٧٧ (١٤٩٢١)، «الإصابة» ٣/ ٤٢٠ (٧٩٩٦). وترجمنا للمسيب هنا؛ لأن المصنف رحمه الله لم يترجم له في أول حديث ذكر في سنده المسيب، وهو الحديث الآتي برقم (١٣٦٠) كتاب: الجنائز، باب: إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله. وأما جده حزن بن أبي وهب، فكان من المهاجرين، ومن أشراف قريش في الجاهلية، وهو الذي أخذ الحجر الأسود من الكعبة حين أرادت قريش أن تبني الكعبة، وقيل: الذي رفع الحجر، أبو وهب والد حزن. «أسد الغابة» ٢/ ٤ (١١٥٢)، وانظر تمام ترجمته في «معجم الصحابة» للبغوي (١١٥٢)، «معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ١٩٦ (٢٢٤)، «معرفة الصحابة» ٢/ ٨٦٩ (٧٣٦)، «الإصابة» ١/ ٣٢٥ (١٧٠١). أما قول المصنف: أسلما يوم الفتح. قاله مصعب الزبيري، وقد رده غير واحد ممن ترجم لهما، منهم الحافظ في «الإصابة». وقال النووي: المسيب وأبوه صحابيان هاجرا إلى المدينة، وكان المسيب ممن بايع تحت الشجرة في قول، وقال مصعب: لا يختلف أصحابنا أن المسيب وأباه من مسلمة الفتح، قال أبو أحمد العسكري: أحسب مصعبًا وهم؛ لأن المسيب حضر في بيعة الرضوان، وشهد اليرموك. اهـ. «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٩٥. والمسيِّب: بفتح الياء عَلَى (الصحيح) (١) المشهور، وقاله أهل المدينة بكسرها، وحُكي عنه كراهة الفتح (٢)، ولا خلاف في فتح الياء من المسيب بن رافع (٣). وولده العلاء بن المسيب (٤). ------------------------ (١) من (ج). (٢) قال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» ١/ ٣٩٩: سعيد بن المسيَّب كذا اشتهر اسمه بفتح الياء وذكر لنا شيخنا القاضي أبو علي، عن ابن المديني، ووجدته بخط مكي بن عبد الرحمن القرشي كاتب أبي الحسن القابسي، وهو لنا عنه رواية بسنده عن ابن المديني أن هذا قول أهل العراق وأما أهل المدينة فيقولون: المسيِّب بكسر الياء، قال القاضي أبو علي: وذكر لنا أنه يكره من يفتح اسم أبيه، وغيره بفتح الياء بغير خلاف. اهـ. وانظر: «تهذيب الأسماء واللغات» ٢/ ٩٥. (٣) قاله القاضي في «المشارق» ١/ ٣٩٩، وانظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ٧٧. والمسيب بن رافع هو الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، روى عن البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وسعد بن أبي وقاص. روى عنه الأعمش، وابنه العلاء، وأبو إسحاق السبيعي. قال يحيى بن معين: لم يسمع المسيب من أحد من أصحاب النبي - ﷺ - إلا من البراء ابن عازب، وأبي إياس عامر بن عبدة. قال الحافظ في «التقريب» (٦٦٧٥): ثقة. انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٩٣، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٤٣٧، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٥٨٦ (٥٩٧٠)، «سير أعلام النبلاء» ٢/ ١٠٢. (٤) روى العلاء، عن إبراهيم النخعي، وعكرمة مولى ابن عباس. وروى عنه: جرير بن عبد الحميد وحفص بن غياث وحمزة الزيات. قال ابن معين: ثقة مأمون. وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: ثقة يحتج بحديثه. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٤٨، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢٦٣، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥٤١ (٤٥٨٨)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٣٩. ولد لسنتين (مضتا) (١) من خلافة عمر، وقيل: لأربع. سمع عمر وعثمان وعليًّا وسعد بن أبي وقاص وأبا هريرة، وهو زوج ابنته، وأعلم الناس بحديثه، وخلقًا من الصحابة. وعنه خلائق من التابعين وغيرهم، واتفقوا عَلَى جلالته وإمامته وتقدمه على أهل عصره في العلم والفتوى. قَالَ ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وإذا قَالَ: (مضت السنة) فحسبك به، وهو عندي أجل التابعين، قَالَ أبو عبد الله بن خفيف (٢): أهل البصرة يقولون: أفضل التابعين أويس القرني (٣)، قُلْتُ: أي: في الزهد. ففي مسلم من حديث عمر مرفوعًا: «إن خير التابعين رجل يقال لَهُ: أويس، وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم» (٤). ----------------------- (١) في (ج): بقيتا. (٢) أبو عبد الله هذا هو: الشيخ الإمام العارف الفقيه القدوة، ذو الفنون، أبو عبد الله محمد بن خفيف بن إسكفشار الضبي الفارسي الشيرازي، شيخ الصوفية، قال أبو العباس الفسوي: صنف شيخنا ابن خفيف من الكتب ما لم يصنفه أحد، وانتفع به جماعة صاروا أئمة يقتدى بهم، وعمَّر حتى عم نفعه البلدان. انظر: تمام ترجمته في: «حلية الأولياء» ١٠/ ٣٨٥، «الأنساب» ٧/ ٤٥١، «المنتظم» ٧/ ١١٢، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٣٤٢ (٢٤٩)، «الوافي بالوفيات» ٣/ ٤٢، «شذرات الذهب» ٣/ ٧٦. (٣) خلاصة الأمر أن أفضل التابعين ثلاثة، أهل المدينة يقولون: سعيد بن المسيب، وأهل الكوفة يقولون: أويس القرني، وأهل البصرة يقولون: الحسن البصري، وقيل: إن أفضل التابعين على الإطلاق هو سعيد. وقال أبو بكر بن أبي داود: سيدتا التابعين من النساء: حفصة بنت سيرين، وعمرة بنت عبد الرحمن، وثالثتهما وليست مثلهما -أم الدرداء. انظر: «علوم الحديث» ص ٣٠٢ - ٣٠٧، «المقنع» ٢/ ٥٠٦ - ٥١٧، «تدريب الراوي» ٢/ ٣٣٥ - ٣٥٢. (٤) مسلم (٢٥٤٢) في فضائل الصحابة، باب: من فضائل أويس القرني. = أما سعيد فأفضل في العلم، وكان لا يأخذ العطاء، كانت لَهُ أربعمائة دينار يتجر فيها في الزيت، وقد سلف الكلام في الفصول أول الكتاب في مرسله، وأن بعضهم قَالَ: إن مرسله حجة مطلقًا؛ لأنها فتشت فوجدت مسندة، وليس كما قَالَ؛ فإنه وجد فيها ما ليس بمسند بحال، كما ذكره البيهقي والخطيب وغيرهما (١). مات سنة أربع، وقيل: ثلاث وتسعين، سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها منهم. وأراد - ﷺ - تغيير اسم جده فقال: «أنت سهل» فقال: لا أغير اسمي فما زالت الحزونة في ولده (٢)، ففيهم سوء خلق (٣). --------------------- = وأويس هو: ابن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليماني، أبو عمرو، الإمام القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، وأويس أدرك النبي - ﷺ - لكنه لم يره، قال أصبغ بن زيد: إنما منع أويسًا أن يقدم على النبي - ﷺ - بره بأمه، وحكي عنه أنه كان يتصدق بثيابه حتى يجلس عريانًا لا يجد ما يروح فيه إلى الجمعة. وروى هشام بن حسان، عن الحسن قال: يخرج من النار بشفاعة أويس أكثر من ربيعة ومضر. وانظر: «طبقات ابن سعد» ٦/ ١٦١، «حلية الأولياء» ٢/ ٧٩، «أسد الغابة» ١/ ١٧٩ (٣٣١)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ١٩ (٥)، «الإصابة» ١/ ١١٥ (٥٠٠). (١) قاله الخطيب في «الكفاية» ص ٥٧١ - ٥٧٢، وانظر: «معرفة السنن والآثار» للبيهقي ١/ ١٦٤، ١٦٧، «علوم الحديث» ص ٥١ - ٥٦، «المقنع» ١/ ١٢٩ - ١٤٠، «تدريب الراوي» ١/ ٢٤١ - ٢٥٩. (٢) سيأتي برقم (٦١٩٠) كتاب: الأدب، باب: أسم الحزن. (٣) انظر تمام ترجمة سعيد في: «طبقات ابن سعد» ٢/ ٣٧٩، ٥/ ١١٩، «حلية الأولياء» ٢/ ١٦١، «وفيات الأعيان» ٢/ ٣٧٥، «تهذيب الكمال» ١١/ ٦٦ (٢٣٥٨)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢١٧ (٨٨)، «تاريخ الإسلام» ٦/ ٣٧١ (٢٧٩)، «شذرات الذهب» ١/ ١٠٢. فائدة: عايذ جده -قَدْ سلف أنه بالمثناة تحت وبالذال المعجمة- بن عمران بن مخزوم، وفي بني مخزوم أيضًا عابد -بالموحدة وبالدال المهملة- بن عبد الله بن (عمر) (١) بن مخزوم (٢)، ومن ولد هذا السائب والمسيب ابنا أبي السائب صيفي بن (عابد) (٣) بن عبد الله، (وولده) (٤) عبد الله بن السائب (٥) شريك النبي - ﷺ - قَالَ - ﷺ - في حقه: «نعم الشريك» (٦). وقيل: الشريك والده (٧). -------------------- (١) في (ف)، (ج): عمرو، والصواب ما أثبتناه، كما سيأتي. (٢) روى الدراقطني في «المؤتلف والمختلف» ٣/ ١٥٤٠ عن الزبير بن بكار قال: كل من كان من ولد عمر بن مخزوم فهو عابد، ومن كان من ولد عمران بن مخزوم فهو عائذ. (٣) في (ج): عايذ. (٤) في (ف)، (ج): وولد، والصواب ما أثبتناه، كما في مصادر الترجمة، ونقله على الصواب العيني في «عمدة القاري» ١/ ٢١٣، وهو المناسب للسياق. (٥) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» ٢/ ١٣٠ (٥٩٥)، «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٧٤ (١٦٦٠)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٧ (١٥٦١)، «أسد الغابة» ٣/ ٢٥٤ (٢٩٦٤)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٥٣ (٣٢٨٧)، «الإصابة» ٢/ ٣١٤ (٤٦٩٨). (٦) رواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» ١/ ٩٤، والطبراني في «الأوسط» ١/ ٢٦٨ (٨٧١)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٧٥، والضياء في «المختارة» ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٧ (٣٦٨ - ٣٧١) من طريق الأعمش عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب قال: كنت شريكًا للنبي - ﷺ - فلما قدمت المدينة، قال: أتعرفني، قلت: كنت شريكًا لي فنعم الثريك كنت لا تماري ولا تداري. الحديث، وفيه: أن القائل هو عبد الله بن السائب. قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٤٠٩: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير منصور بن أبي الأسود وهو ثقة. اهـ. وقال الحافظ في «الإصابة» ٢/ ٣١٤: والمحفوظ أن هذا لأبيه السائب. اهـ. وسيأتي مزيد كلام على هذا الحديث في التخريج الآتي. (٧) رواه أبو داود (٤٨٣٦)، وابن ماجه (٢٢٨٧)، وأحمد ٣/ ٤٢٥، والطبراني ٧/ ١٤٠ (٦٦١٩ - ٦٦٢٠)، والبيهقي ٦/ ٧٨، والضياء في «المختارة» ٣/ ٣٢٨ = . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= (٢١٥٥)، من طريق سفيان عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد، عن قائد السائب، عن السائب بن أبي السائب قال: أتيت النبي - ﷺ - فجعلوا يثنون علي ويذكروني، فقال رسول الله - ﷺ -: «أنا أعلمكم» يعني به. قلت: صدقت بأبي أنت وأمي كنت شريكي فنعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري. والحديث صححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٨٥٣). ورواه كذلك أحمد ٣/ ٤٢٥، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٢٢ - ٢٣ (٦٩٢)، والطبري في «تفسيره» ١/ ٣٥٦ من طريق إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن السائب قال: جاء عثمان بن عفان وزهير بن أمية رضي الله عنهما فاستأذنا على رسول الله - ﷺ - فأثنيا عليّ عنده، فقال رسول الله - ﷺ - … الحديث. وفيه: أن القائل السائب. ورواه كذلك أحمد ٣/ ٤٢٥، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٨٦ (١٠١٤٤)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ٣٠١، والطبراني ٧/ ١٣٩ (٦٦١٨)، والحاكم ٢/ ٦١، والبيهقي ٦/ ٧٨ من طريق وهيب، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن السائب بن أبي السائب أنه كان شريك النبي - ﷺ - في أول الإسلام .. الحديث. وفيه: أن القائل النبي - ﷺ -. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ورواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» ١/ ١٩٦، والبغوي في «معجم الصحابة» ٥/ ٩، والطبراني في «الأوسط» ٢/ ١٤٤ - ١٤٥ (١٥٢٢)، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٤٨ من طريق إبراهيم بن ميسرة، عن مجاهد، عن قيس بن السائب قال: إن رسول الله - ﷺ - كان شريكي في الجاهلية … الحديث. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٦٤: رواه الطبراني ورجاله ثقات. ورواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» ١/ ١٩٧ من طريق الزبير بن بكار، حدثني أبو جمرة، عن أبي السائب عبد الله بن السائب قال: كان جدي يكنى أبا السائب، وبه اكتنيت، وكان خليطًا للنبي - ﷺ - في الجاهلية. فكان إذا ذكره قال: نعم الخليط، ومن قال: السائب بن أبي السائب فكأنه أراد والد عبد الله بن السائب. قلت: اختلف -كما ترى- فيمن كان شريكًا للنبي - ﷺ -، هل هو عبد الله بن السائب، أو أبوه السائب، أو قيس بن السائب؟ = (و) (١) عتيق بن (عابد) (٢) بن عبد الله كان عَلَى خديجة أم المؤمنين قبل رسول الله - ﷺ - (٣)، ومن الأول -وهو عائذ- غير سعيد بن المسيب فاطمة أم عبد الله والد رسول الله - ﷺ - بنت عمرو بن عائذ بن عمران (٤)، وهبيرة بن أبي وهيب بن عمرو بن عائذ بن عمران، وهبيرة ----------------------- = قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه أصحاب مجاهد عنه، قال: كان شريك للنبي - ﷺ - في الجاهلية، فحكى أن النبي - ﷺ - كان لا يماري، ولا يداري، فمن هذا الشريك؟ قال أبي: من قال: عن عبد الله بن السائب، فهو ابن السائب بن أبي السائب، ومن قال: عن قيس بن السائب، فكأنه يعني أخا عبد الله بن السائب ومن قال: السائب بن أبي السائب فكأنه أراد والد عبد الله بن السائب. وهؤلاء الثلاثة موالي مجاهد من فوق. قلت لأبي: فحديث الشركة ما الصحيح منها؟ قال أبي: عبد الله بن السائب ليس بالقديم وكان على عهد النبي - ﷺ - حدثا، والشركة بأبيه أشبه. والله أعلم. اهـ. «علل ابن أبي حاتم» ١/ ١٢٦ - ١٢٧ بتصرف. قال ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٢/ ١٤١: الحديث فيمن كان شريك رسول الله - ﷺ - مضطرب جدًّا، منهم من يجعل الشركة مع رسول الله - ﷺ - للسائب بن أبي السائب، ومنهم من يجعلها لأبي السائب ومنهم من يجعلها لقيس، وهذا اضطراب لا يثبت به شيء ولا تقوم به حجة. وانظر: «البدر المنير» ٦/ ٧٢٣ - ٧٢٥. وانظر ترجمة السائب في: «معجم الصحابة» ١/ ٣٠٠ (٣٦٦)، «معرفة الصحابة» ٣/ ١٣٦٩ (١٢٦٠)، «الاستيعاب» ٢/ ١٤٠ (٨٩٧)، «أسد الغابة» ٢/ ٣١٥ (١٩١١)، «الإصابة» ٢/ ١٠ (٣٠٦٥). (١) من (ف). (٢) من (ف). (٣) انظر: «طبقات ابن سعد» ٨/ ١٥، ٢١٦، «أنساب الأشراف» للبلاذري ص ٤٠٦ - ٤٠٧، «الإكمال» ٦/ ١، ١٠٩، «سير أعلام النبلاء» ٢/ ١١١، ووقع في جميعها: عتيق بن عابد -كما ذكرنا- وكذا وقع في «عمدة القاري» ١/ ٢١٣. (٤) انظر: «حذف من نسب قريش» ص ٥، ٤٠ - ٤١، قال مؤلفه: هذا كتاب حذف من النسب: والحذف القطع من الطرف، أراد أنه تكلم على نسب قريش من أطرافه ولم يستوعبه كله مفصلًا. «أنساب الأشراف» ص ٥٣٣، «جمهرة أنساب العرب» ص ١٤١، «التبيين في أنساب القرشيين» ص ٧٦. هذا هو زوج أم هانئ بنت أبي طالب (١) (فزَ عن) (٢) الإسلام (٣)، يوم فتح مكة، مات كافرًا بنجران (٤). وأما أحمد (ع) بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي التميمي أبو عبد الله الكوفي، يقال: إنه مولى الفضيل بن عياض، سمع مالكًا وخلقًا، وعنه أبو زرعة وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن يوسف بن موسى عنه، والترمذي (والنسائي) (٥) وابن ماجه عن رجل عنه، قال أحمد: هو شيخ الإسلام، قَالَ أبو حاتم: كان ثقة متقنًا، مات في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين (ومائتين) (٦) عن أربع وتسعين سنة (٧). الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه: معنى الإرث في الآية: صيرورتها لهم، وفيها وفي نظائرها وجهان: أحدهما: أنها مصدرية أي: بعملكم، وثانيهما: موصولة أي: ----------------------- (١) ستأتي ترجمة أم هانئ في أول حديث لها في الكتاب (٢٨٠). (٢) في (ج): من غير. (٣) في (ج) زيادة: مات. وهو خطأ. (٤) انظر: «حذف من نسب قريش» ص ٧٤ - ٧٥، «نسب قريش» ص ٣٤٤، «أنساب الأشراف» ص ١٥٦، «جمهرة أنساب العرب» ص ١٤١، «التبيين في أنساب القريشيين» ص ١١٤ - ١١٥. وانظر في باب: عابد وعائذ: «المؤتلف والمختلف» ٣/ ١٥٤٠ - ١٥٤١، «الإكمال» ٦/ ١ - ١٣، «توضيح المشتبه» ٦/ ٥٥ - ٦٤، «تبصير المنتبه» ٣/ ٨٨٦ - ٨٨٨. (٥) من (ف). (٦) من (ف). (٧) «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٧ (٧٩)، وانظر ترجمته في: «معرفة الثقات» ١/ ١٩٣ (٧)، «الثقات» ٨/ ٩، «تهذيب الكمال» ١/ ٣٧٥ (٦٤). بالذي كنتم تعملون، والوجهان أيضًا في قوله تعالى: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]، قَالَ النووي: والظاهر المختار أن معناه: لنسألنهم عن أعمالهم كلها. أي: الأعمال التي يتعلق بها التكليف، وقول هؤلاء الذين نقل عنهم البخاري (أن المراد) (١) عن قول: لا إله إلا الله، مجرد دعوى للتخصيص بذلك، فلا تقبل. نعم، هو داخل في عموم الأعمال، وقد روينا في «مسند أبي يعلى» من حديث أنس مرفوعًا ما يوافق ما نقله عنهم (٢) لكن في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف (٣). ----------------------- (١) في (ج): إن أراد. (٢) «مسند أبي يعلى»، ٧/ ١١١ - ١١٢ (٤٠٥٨) من طريق ليث بن أبي سليم، عن بشر، عن أنس بن مالك يرفعه إلى النبي - ﷺ - في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣،٩٢] قال عن: لا إله الا الله. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الترمذي (٣١٢٦)، والطبري ١٤/ ٦٧، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٤٩٣ - ١٤٩٤ (١٤٩١ - ١٤٩٢) ووقع في سند الطبري: (بشير) بدل (بشر)، وفي سند الطبراني الثاني قال: عن بشر أو بشير، هكذا على الشك، فهذا يوضح أن بشير في سند الطبري ليست تصحيفًا، إنما هو شك من الراوي وأن بشرًا وبشيرًا اثنان، ويدل لذلك مارواه الطبري أيضًا ١٤/ ٦٧ عن ليث، عن بشير بن نهيك، عن أنس مرفوعًا. ورواه الطبراني في «الدعاء» (١٤٩٣) من طريق ليث، عن أبوداود، عن أنس مرفوعًا. قال الترمذي: حديث غريب إنما نعرفه من حديث ليث بن أبي سليم، وقد روى عبد الله بن إدريس، عن ليث بن أبي سليم، عن بشر، عن أنس نحوه ولم يرفعه. اهـ. وقال الألباني في «ضعيف الترمذي» (٣١٢٦): ضعيف الإسناد. والحديث رواه الطبراني (١٤٩٤) من طريق حفص بن غياث، عن ليث، عن بشر، عن أنس موقوفًا. (٣) ليث بن أبي سليم، هو ابن زنيم القرشي، أبو بكر، ويقال: أبو بكر الكوفي، مولى عتبة بن أبي سفيان، ويقال: مولى معاوية بن أبي سفيان. قال أحمد: مضطرب = وقوله: (وقال: عدة) أي: كما عة، قَالَ أهل اللغة: العدة: الجماعة قلَّت أم كثرت (١)، والمبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل: المقبول، وقيل: فعل الجميل، وقيل: الخالص، والبر: الطاعة، يقال: بَرَّ حجُّك بفتح الباء وضمها لغتان حكاهما ابن سيده (٢)، واقتصر الحربي وثعلب (٣) على الضم وأقره القاضي (٤) ونسب ابن درستويه (٥) الفتح إلى العامة. ------------------- = الحديث، ولكن حدث الناس عنه، وقال ابن معين: ضعيف إلا أنه يكتب حديثه، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: ليث لا يشتغل به، هو مضطرب الحديث. استشهد به البخاري في «الصحيح»، فذكر له متابعة تأتي بعد حديث (١٨٣٨) لكن لم يتعرض المصنف لترجمته، وروى له في كتاب: «رفع اليدين في الصلاة»، وروى له مسلم مقرونًا بأبي إسحاق الشيباني، وروى له الباقون. قال الحافظ في «التقريب» (٥٦٨٥): صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك. انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٤٩، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٤٦ (١٠٥١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٧٧ (١٠١٤)، «الكامل في الضعفاء» ٧/ ٢٣٣ (١٦١٧)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٢٧٩ (٥٠١٧). (١) تقول: رأيت عِدَّة رجالٍ، وعِدَّة نساءٍ، وأَنْفَذتُ عِدَّةَ كُتب، أي: جماعة كتب. (٢) «المحكم» ١١/ ٢١٤. (٣) هو العلامة المحدث، إمام النحو، أبو العباس، أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني، مولاهم البغدادي، صاحب «الفصيح» والتصانيف، وكان يقول: ابتدأت بالنظر وأنا ابن ثماني عشرة سنة، ولما بلغت خمسًا وعشرين سنة، ما بقي علي مسألة للفراء، وسمعت من القواريري مائة ألف حديث، وقال الخطيب: ثقة حجة، دين صالح، مشهور بالحفظ، مات في جمادي الأولى، سنة إحدى وتسعين ومائتين. انظر: «تاريخ بغداد» ٥/ ٢٠٤، «المنتظم» ٦/ ٤٤، «وفيات الأعيان» ١/ ١٠٢، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٥ (١)، «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٦٦٦، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٠٧. (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٣٤٧. (٥) هو الامام العلامة، شيخ النحو، أبو محمد، عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان، الفارسي النحوي. قدم من مدينة فسا في صباه إلى بغداد، واستوطنها، = الوجه الرابع: في فوائده: الأولى: إن قُلْت: كيف يجمع بين الآية السالفة في السؤال. وقوله - ﷺ -: «لن يدخل أحد الجنة بعمله» (١)؟ فالجواب: أن دخول الجنة بسبب العمل، والعمل برحمة الله. الثانية: كيف نجمع بين الآية السالفة في السؤال والآية الأخرى وهي: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩]. فالجواب: أن في القيامة مواطن -أعاننا الله الكريم عَلَى أهوالها- ففي موطن يسألون، وفي الآخر لا يسألون، كما سيأتي في تفسير حم السجدة عن ابن عباس (٢)، وجواب آخر أنهم لا يسألون سؤال الاستخبار. الثالثة: بدأ في هذا الحديث بالإيمان ثمَّ الجهاد ثمَّ الحج. وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة لميقاتها ثمَّ بر الوالدين ثمَّ الحج (٣)، ------------------------ = وبرع في العربية، وصنف التصانيف ورزق الإسناد العالي، وكان ثقة، وله كتاب «الإرشاد» في النحو، و«شرح الفصيح»، و«غريب الحديث»، وثقه ابن منده وغيره. توفي في صفر سنة سبع وأربعين وثلاثمائة. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٩/ ٤٢٨، «المنتظم» ٧/ ٣٨٨، «وفيات الأعيان» ٣/ ٤٤، «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٥٣١ (٣٠٩)، «شذرات الذهب» ٢/ ٣٧٥. (١) سيأتي برقم (٥٦٧٣) كتاب: المرضى، باب: نهي تمني المريض الموت، ورواه مسلم (٢٨١٦/ ٧٥) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، من حديث أبي هريرة. (٢) يأتي قبل حديث (٤٨١٦) كتاب: التفسير. (٣) حديث ابن مسعود سيأتي برقم (٥٢٧) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال. وفيه بدأ بالصلاة لميقاتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد، لا الحج كما ذكر المصنف. وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج (١)، وفي حديث أبي موسى (السالف: أي الإسلام أفضل؟ قَالَ: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢) وفي حديث ابن عمرو) (٣) السالف: أي الإسلام خير؟ قَالَ: «(تطعم) (٤) الطعام» إلى آخره (٥). وقد جمع العلماء بينها وبين ما أشبهها بوجوه، ذكر الحليمي (٦) منها وجهين: أحدهما: أنه جرى عَلَى اختلاف الأحوال والأشخاص، كما روي أنه - ﷺ - قَالَ: «حجة لمن لم يحج أفضل من (أربعين) (٧) غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة» (٨). فاعلم أن كل قوم بما تدعو الحاجة إليه دون ما لم تدع -------------------- (١) سيأتي برقم (٢٥١٨) كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل، ورواه مسلم (٨٤). (٢) سلف برقم (١١) باب: أي السلام أفضل؟ ورواه مسلم (٤٢). (٣) ساقط من (ج). (٤) في (ج): إطعام. (٥) سلف برقم (١٢)، ورواه مسلم (٣٩). (٦) هو القاضي العلامة، رئيس المحدثين والمتكلمين بما رواء النهر، أبو عبد الله، الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعى، أحد الأذكياء الموصوفين، ومن أصحاب الوجوه في المذهب، وكان متفننًا، سيال الذهن مناظرًا، طويل الباع في الأدب والبيان، وله مصنفات نفيسة، توفي سنة ثلاث وأربعمائة. انظر ترجمته في: «الأنساب» ٤/ ١٩٨، «المنتظم» ٧/ ٢٦٤، «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٧، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٢٣١ (١٣٨)، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٥١. (٧) في (ج): (سبعين). (٨) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٦٥١) عن ابن عباس مرفوعًا: «حجة خير من أربعين غزوة، وغزوة خير من أربعين حجة». يقول: إذا حج الرجل حجة الإسلام، فغزوة خير له من أربعين حجة، وحجة الإسلام خير من أربعين غزوة. قال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢٧٩: رواه البزار ورجاله ثقات، وعنبسة بن هبيرة، وثقة ابن حبان، وجهله الذهبي. اهـ. وقال المنذري كما في «ضعيف الترغيب» ١/ ٤١٢: رواه البزار، ورواته ثقات معروفون، وعنبسة بن هبيرة وثقه ابن حبان، ولم أقف فيه على جرح، وضعفه = حاجتهم إليه، وذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس من دعائم الإسلام (ولم يبلغه) (١) علمه، وترك ما علموه. ولهذا أسقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في حديث الباب، وأثبت فيه الجهاد والحج. ولا شك أن الصلاة والزكاة والصوم مقدمات عَلَى الحج والجهاد، فقد يكون الجهاد في حق شخص أولى من غيره، وهو من تأهل لَهُ أو عند التعين، والعياذ بالله (٢). وكذا نقول في بر الوالدين، وقد قَالَ ----------------------- = الألباني كما في «ضعيف الترغيب» (٨٣٢)، وكذا في «ضعيف الجامع» (٢٦٩٠). وروى الطبراني في «مسند الشاميين» ٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨ (٣٤٥٧)، وعنه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ١٨٨ عن مكحول عن ابن عمر مرفوعًا: «حجة قبل غزوة أفضل من خمسين غزوة، وحجة بعد غزوة أفضل من خمسين حجة، ولموقف ساعة في سبيل الله أفضل من خمسين حجة». قال الألباني في «الضعيفة» (٣٤٨١): ضعيف جدًّا. وروى الطبراني في «الكبير»، و«الأوسط» ٣/ ٢٨٠ (٣١٤٤)، كما في «المجمع» ٥/ ٢٨١، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٣٣٥، وفي «شعب الإيمان» ٤/ ١١ - ١٢ (٤٢٢١)، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «حجة لمن لم يحج خير من عشر غزوات، وغزوة لمن قد حج خير من عشر حجج، وغزوة في البحر خير من عشر غزوات في البر ..» الحديث. قال الهيثمي: فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عبد الملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون. وضعفه غيره. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٨٣٣). وروى أبو داود في «المراسيل» (٣٠٤) من طريق إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغاز، عن مكحول قال: أكثر المستأذنون إلى الحج رسول الله - ﷺ - يوم غزوة تبوك، فقال رسول الله - ﷺ -: «غزوة لمن قد حج أفضل من أربعين حجة». وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٨٣١). (١) في (ف) ولا بلغه. (٢) قال القرطبي: إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله = - ﷺ -: «ففيهما فجاهد» (١). الجواب الثاني: أن لفظة «من»: مراده، والمراد: من أفضل الأعمال كما يقال: فلان أعقل الناس، والمراد: من أعقلهم، ومنه الحديث: «خيركلم خيركم لأهله» (٢) ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس، وكقولهم: أزهد الناس في العَالِم جيرانه (٣). --------------------- = بالعقر، فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا، شبابًا وشيوخًا، كل على قدر طاقته، من كان له أب بغير إذنه ومن لا أب له، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر. اهـ. «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٥١ وأما قول المصنف -رحمه الله- والعياذ بالله، يستعيذ بالله مما يتعين به الجهاد، ألا وهو هجوم عدو أو فرض عدو سيطرته على بلد من البلاد، وذلك أيضًا من باب حديث عبد الله بن أبي أوفي الآتي (٢٩٦٥ - ٢٩٦٦) والذي قال فيه - ﷺ -: «أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية …» الحديث. (١) سيأتي برقم (٣٠٠٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجهاد بإذن الأبوين، ورواه مسلم (٢٥٤٩) كتاب: البر، باب: بر الوالدين وأنهما أحق به. من حديث عبد الله ابن عمرو. (٢) رواه الترمذي (٣٨٩٥)، والدارمي ٣/ ١٤٥١ (٢٣٠٦)، وابن حبان ٩/ ٤٨٤ (٤١٧٧)، والقزويني في «التدوين» ٣/ ٤١٣ - ٤١٤ من حديث عائشة، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٨٥). وفي الباب من حديث ابن عباس وأبي كبشة الأنماري والزبير بن العوام وأبي هريرة ومعاوية وعبد الرحمن بن عوف. انظر: «مجمع الزوائد» ٤/ ٣٠٣، «السلسلة الصحيحة» (١١٧٤، ٢٦٧٨). (٣) حديث موضوع، رواه عن جابر ابن عدي في «الكامل» ٨/ ٩٤، ورواه عن أبي هريرة أبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٨٣ - ٨٤، ١٧١. وفي الباب عن أبي الدرداء، وهو موضوع من طرقه الثلاثة كذا قال الألباني في «الضعيفة» (٢٧٥٠) فانظره. ورواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٢٠٤ (٧٩٠٩) عن الحسن قال: أزهد الناس في عالم جيرانه، وشر الناس لميت أهله يبكون عليه ولا يقضون دينه. الرابعة: قدَّم الجهاد في (هذا الحديث عَلَى الحج) (١)، مع أن الحج أحد الأركان والجهاد فرض كفاية؛ (لأنه قد يتعين كما في سائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعين لا يقع إلا فرض كفاية) (٢)، وأما الحج فالواجب منه مرة فقط، فإن قابلت واجب الحج بمتعين الجهاد كان الجهاد أفضل لهذا الحديث؛ ولأنه شارك الحج في الفرضية، وزاد (فيه) (٣) بتعدي نفعه إلى سائر الأمة؛ ولكونه ذبًّا عن بيضة الإسلام، ولكونه بذلًا للنفس والمال وغير ذَلِكَ. وإن قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما ذكرناه؛ ولأنه يقع فرض كفاية، وهو أفضل من النفل بلا شك. بل قَالَ إمام الحرمين في كتابه «الغياثي» (٤): فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين، من حيث أنه يقع فعله مسقطًا للحرج عن الأمة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم، ولاشك في عظم موقع ما هذِه صفته (٥). كذا قرره النووي في «شرحه» وقيل: إنما قدم؛ لشدة الحاجة إليه أول الإسلام. الخامسة: الآية دالة عَلَى نيل الدرجات بالأعمال، (وأن الإيمان قول وعمل، ويشهد لَهُ الحديث المذكور، وهو مذهب أهل السنة كما سلف في أول الإيمان) (٦)، وهو مراد البخاري بالتبويب، وأراد به --------------------- (١) ساقط من (ج). (٢) ساقط من (ج). (٣) من (ج). (٤) صنفه إمام الحرمين للوزير غياث الدين نظام الملك، سلك فيه غالبًا مسلك «الأحكام السلطانية» للماوردي. انظر: «هداية العارفين» ص ٣٣٣، «كشف الظنون» ٢/ ١٢١٣. (٥) تقدم التعريف بفرضي الكفاية والعين، بما يغني عن الإعادة هنا. (٦) ساقط من (ج). الرد عَلَى المرجئة كما سلف، وغَلِطَ غلاتُهم فقالوا: إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقدها بقلبه، حكاه القاضي عنهم (١)، وما أوهاه وأظهر زيفه، ثمَّ إن في هذا الحديث: جعل الإيمان من العمل، وفَرّق في أحاديثَ أُخر بين الإيمان والأعمال، وأطلق اسم الإيمان مجردًا عَلَى التوحيد، وعمل القلب، والإسلام عَلَى النطق، وعمل الجوارح، وحقيقة الإيمان مجرد التصديق المطابق للقول والعقد، وتمامه بعمل الجوارح. فلهذا لا يكون ناجيًا مؤمنًا إلا بذلك، فإطلاق الإيمان إذًا عَلَى كلها وعلى بعضها صحيح، فالتصديق أفضل الأعمال (عَلَى هذا إذ هو شرط فيها. قَالَ القاضي عياض: ويحتمل أن يشير بأنه أفضل الأعمال) (٢) إلى الذكر الخفي، وتعظيم حق الله ورسوله، وفهم (كتابه) (٣) وغير ذَلِكَ من أعمال القلب ومحض الإيمان، كما جاء: «خير الذكر الخفي» (٤). ------------------------ (١) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ٢٥٣. (٢) ليست في (ج). (٣) في (ج): كلامه. (٤) «إكمال المعلم» ١/ ٣٤٦. والحديث وواه أحمد ١/ ١٧٢، ١٨٠، ١٨٧، وابن أبي شيبة ٦/ ٨٦، وأبو يعلى ٢/ ٨٢ - ٨٣ (٧٣١)، وابن حبان ٣/ ٩١ (٨٠٩)، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٠٦ (٥٥٢) عن سعد بن مالك مرفوعًا: «خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي». والحديث، ضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٨٨٧). جاء في (ف) بعد هذا الموضع: (آخر الجزء الخامس من تجزئة المصنف) ١٩ - باب إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا». فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا». ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ». وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ. [١٤٧٨ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ١/ ٧٩] نَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا». فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُم غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا». ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ الله فِي النَّارِ». وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْريِّ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة عن محمد بن غُرير، (ثنا) (١) يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، كلاهما عن الزهري، عن عامر (٢). قَالَ: ورواه يونس إلى آخر ما سلف، وزاد فيه هو ومسلم: فضرب رسول الله - ﷺ - بيده فجمع بين عنقي وكتفي، ثمَّ قَالَ: «أقبل أي سعد»، وفي مسلم: «أقتالًا؟ أي سعد». وأخرجه مسلم أيضًا هنا (٣)، وفي الزكاة (٤) عن ابن (أبي) (٥) عمر عن سفيان، عن الزهري، (وعن زهير عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح كلهم عن الزهري به (٦)، وفي الزكاة عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري (٧). وقد اعترض عَلَى مسلم في بعض طرق هذا الحديث في قوله: عن سفيان، عن الزهري) (٨). --------------------- (١) في (ف): نا. (٢) سيأتي برقم (١٤٧٨) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. (٣) «مسلم» (١٥٠) في الإيمان، باب: تألف قلب من يخاف على إيمانه؛ لضعفه .. (٤) انظر: «مسلم» (١٥٠/ ١٣١) في الزكاة، باب: إعطاء من يخاف على إيمانه. (٥) ساقطة من (ج). (٦) أدرج المصنف -رحمه الله- إسنادين لمسلم في بعضهما، فإسناد زهير هو عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، والثاني: عن الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن ابن شهاب. (٧) «صحيح مسلم» (١٥٠/ ١٣١) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من يخاف على إيمانه. (٨) ساقطة من (ج). ورواه الحميدي وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن الصباح (الَجْرجَرائي) (١) كلهم عن سفيان، عن معمر، عن الزهري به، وهذا هو المحفوظ عن سفيان (٢). ذكره الدارقطني في «استدراكاته» عَلَى مسلم (٣)، وأجاب النووي بأنه يحتمل أن سفيان سمعه من الزهري مرة، ومن معمر (مرة) (٤) عن الزهري فرواه عَلَى الوجهين (٥)، وفيما ذكره نظر حديثي (٦). ------------------------- (١) غير واضحة في (ف)، وفي (ج) الجرجاني، وهو خطأ. والجرجرائي: بالراء الساكنة بين الجيمين المفتوحتين، وفي آخرها ياء مثناة من تحت، هذِه النسبة إلى جَرْ جرايا بلدة قريبة من دجلة بين بغداد وواسط، ومحمد بن الصباح هو ابن سفيان، أبو جعفر مولى عمر بن عبد العزيز، روى عن الدراوردي وهشيم، وروى عنه أبو داود، وابن ماجه. انظر: «اللباب في تهذيب الأنساب» ١/ ٢٧٠، وانظر ترجمته في: «الثقات» ٩/ ١٠٣، «تاريخ بغداد» ٥/ ٣٦٧ - ٣٦٨، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٨٤ - ٣٨٨. (٢) حديث الحميدي رواه في «مسنده» ١/ ١٨٨ (٦٨). (٣) «الإلزامات والتتبع» ص ١٩٠ (٦٠). (٤) (ج). (٥) «مسلم بشرح النووي» ٢/ ١٨٢. (٦) قال الحافظ: رواه مسلم عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، ووقع في إسناده وهم منه أو من شيخه، لأن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد عن ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، بزيادة معمر بينهما، وكذا حدث به ابن أبي عمر شيخ مسلم في «مسنده» عن ابن عيينة، وزعم أبو مسعود في «الأطراف» أن الوهم من ابن أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لما حدث به مسلمًا، لكن لم يتعين الوهم في جهته، وحمله الشيخ محي الدين -يعني: النووي- على أن ابن عيينة حدث به مرة بإساقط معمر ومرة بإثباته، وفيه بعد؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات معمر ولم يوجد بإسقاطه إلا عند مسلم. اهـ. «فتح الباري» ١/ ٨١. وقال في «تغليق التعليق» ٢/ ٣٥: ما أظن الوهم فيه إلا من مسلم. ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بهم خلا ثلاثة: سعد بن أبي وقاص، (وولده وابن أخي الزهري. فأما سعد (ع) فهو أبو إسحاق بن أبي وقاص) (١)، مالك بن وهيب، ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى. أمَّه: (حمنة) (٢) بنت سفيان أخي حرب وإخوته، بني أمية بن عبد شمس، أسلم قديمًا وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أربعة، وقيل: بعد ستة. وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وكان مجاب الدعوة؛ لدعائه - ﷺ - لَهُ بذلك (٣)، وأول من رمى بسهم في سبيل الله (٤)، وكان يقال ------------------ (١) ساقطة من (ج). (٢) ورد بهامش (ج): بفتح الحاء والنون بينهما ميم ساكنة. (٣) روى ابن أبي عاصم في «السنة» (١٤٠٨)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٩٣، والحاكم ٣/ ٥٠٠ من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد قال: قال لي رسول الله - ﷺ - «اللهم سدد رميته، وأجب دعوته». ورواه الضياء في «المختارة» ٣/ ٢٠٦ (١٠٠٧) عن عامر بن سعد، عن أبيه. وروى الترمذي (٣٧٥١) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك». قال الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن إسماعيل، عن قيس أن النبي - ﷺ - قال: «اللهم استجب لسعد إذا دعاك»، وهذا أصح. وصححه الألباني. (٤) سيأتي برقم (٣٧٢٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب سعد بن أبي وقاص، وروى مسلم (٢٩٦٦) كتاب: الزهد والرقائق، عن سعد، قال: إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله .. الحديث. = ![]()
__________________
|
|
#49
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 636 الى صـــ 655 الحلقة (48) لَهُ: فارس الإسلام، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى المدينة قبل قدومه - ﷺ - إليها. روي لَهُ عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث، وسبعون حديثا، اتفقا منها عَلَى خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشرة، روى جابر بن عبد الله قَالَ: أقبل سعد ورسول الله - ﷺ - جالس فقال: «هذا خالي فليرني امرؤ خاله»، رواه ابن سعد (١)؛ وسببه أن أمه - ﷺ - آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وسعد هو ابن مالك بن وهيب أخي وهب ابني عبد مناف. روى عنه جمع من الصحابة منهم: ابن عمر وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين أولاده الخمسة: محمد وإبراهيم وعامر ومصعب وعائشة، وخلائق. وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر، وولاه عمر العراق، وفي الصحيحين عن علي قَالَ: ما سمعت رسول الله - ﷺ - جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يوم أحد يقول: «ارم فداك أبي وأمي» (٢)، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن، ومات بقصره ------------------------ = وسيأتي نحوه أيضًا برقم (٤٣٢٦ - ٤٣٢٧). (١) «الطبقات الكبرى» ٣/ ١٣٧. ورواه أيضًا الترمذي (٣٧٥٢)، وأحمد في «فضائل الصحابة» ٢/ ٩٤٠ (١٣١٢)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ١٦٨ - ١٦٩ (٢١١، ٢١٣)، وأبو يعلى ٤/ ٤٢ (٢٠٤٩)، ٤/ ٧٨ (٢١٠١)، والطبراني ١/ ١٤٤ - ١٤٥ (٣٢٣)، والحاكم ٣/ ٤٩٨، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٩٤). (٢) سيأتي برقم (٢٩٠٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: المجن ومن يترس بترس صاحبه، ورواه مسلم (٢٤١١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -. (بالعقيق) (١) عَلَى عشرة أميال من المدينة، وحمل عَلَى أعناق الرجال إليها، ودفن بالبقيع سنة خمس و(خمسين) (٢) أو إحدى أو ست أو سبع أو ثمان، عن ثلاث وسبعين سنة أو أربع أو عن نيف وثمانين. قيل: سنة اثنتين، وقيل: ثلاث، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذٍ والي المدينة، وصفته عَلَى ما قالت ابنته عائشة، أنه كان قصيرًا جدًا دَحْدَاحًا (٣) غليظًا ذا هامة شَثْن الأصابع (٤) أسمر يخضب بالسواد. وروى ابن سعد عن سفيان، عن حكيم بن الديلمي: أنه كان يسبح بالحصا (٥). فائدة: في الصحابة من اسمه سعد فوق المائة كما هو معروف في موضعه. وأما ولده عامر (بن سعد) (٦) فهو مدني قرشي زهري، سمع أباه وعثمان وجابر بن سمرة وجماعة من الصحابة، وعنه: سعيد بن المسيب وغيره من التابعين، وكان ثقة كثير الحديث، مات سنة أربع ومائة، وقيل: ثلاث (٧). ------------------------ (١) في (ف): بالعتيق، وهي ساقطة من (ج) والمثبت من مصادر التخريج. (٢) ساقط من (ج). (٣) الدَّحْدَاح: القصير، انظر: «الصحاح» ١/ ٣٦١ مادة [دحح]. (٤) أي: غليظ الأصابع، انظر: «الصحاح» ٥/ ٢١٤٢ مادة: [شثن]. (٥) انظر ترجمة سعد بن أبي وقاص في: «الطبقات الكبرى» ٣/ ١٣٧، «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٣، «الاستيعاب» ٢/ ١٧١ (٩٦٨)، «أسد الغابة» ٢/ ٣٦٦ (٢٠٣٧). (٦) ساقطة من (ج). (٧) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٦٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٤٩ (٢٩٥٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ١١ (٨٢٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٢١ (١٧٩٤)، «الثقات» ٥/ ١٨٦، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٢١ (٣٠٣٨). وأما ابن أخي الزهري: فهو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله ابن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري، روى عن عمه محمد (وأبيه) (١)، وعنه جماعات منهم: القعنبي، روى عنه البخاري في الصلاة، والأضاحي، ومسلم في الإيمان والصلاة والزكاة، قَالَ الحاكم في «مدخله»: عيب عَلَى البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، أخرج لَهُ البخاري في الأصول، ومسلم في الشواهد (٢). وقال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه (٣)، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أَرَ بحديثه بأسًا، ولا رأيت لَهُ حديثًا منكرًا (٤)، وقال عباس (٥)، عن يحيى (يعني) (٦): ابن معين: ابن أخي الزهري أمثل من أبي أويس، وقال مرة فيه: ليس بذاك القوي. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحًا. وقال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر المنصور، ومات أبو جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة، ثمَّ وثب غلمانه ------------------------ (١) في (ف): وابنيه، وما أثبتناه من (ج) وهو الصواب. (٢) «المدخل إلى الصحيح» ٤/ ١٦٠ - ١٦١. (٣) «الجرح والتعديل» ٧/ ٣٠٤ (١٦٥٣). (٤) «الكامل» ٧/ ٣٦٣ (١٦٥٢). (٥) هو عباس بن محمد بن حاتم بن واقد، الدوري، ثم البغدادي، الإمام الحافظ الثقة الناقد، أبو الفضل. لازم يحيى بن معين وتخرج به، وسأله عن الرجال، وهو في مجلد كبير، قال الأصم: لم أر في مشايخي أحسن حديثًا منه، توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١/ ١٤٤، «الأنساب» ٥/ ٤٠٠، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٢٤٥ (٣١٤١)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٥٢٢ (١٩٩). (٦) ساقطة من (ج). عَلَى ابنه بعد سنين فقتلوه (١)، وجزم النووي في «شرحه» بأن محمدًا هذا مات سنة اثنتين وخمسين ومائة (٢). ثالثها: في هذا الإسناد لطيفتان: الأولى: أنه جمع ثلاثة زهريين مدنيين. الثانية: أنه جمع ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض، صالح وابن شهاب وعامر، وصالح أكبر من الزهري؛ لأنه أدرك ابن عمر فهو (من) (٣) رواية الأكابر عن الأصاغر، وهذِه لطيفة ثالثة. رابعها: معنى قوله: (رواه يونس ..) إلى آخره، أن هؤلاء الأربعة تابعوا شعيبًا في رواية هذا الحديث عن الزهري فيزداد قوة بكثرة طرقه، وفي ---------------------- (١) «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٤٥٣ - ٤٥٤ (٣٨٥). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٣١ (٣٩٤)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣٠٤ (١٦٥٣)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٥٤ (٥٣٧٥). ولأن هذا الراوي من رواة البخاري المتكلم فيهم؛ أورده الحافظ في «هدي الساري» ص ٤٤٠ وقال: ذكره محمد بن يحيى الذهلي في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري مع محمد بن إسحاق وفليح وقال: إنه وجد له ثلائة أحاديث لا أصل لها. أحدها: حديثه عن عمه، عن سالم، عن أبي هريرة مرفوعًا: «كل أمتي معافًى إلا المجاهرين»، ثانيها: بهذا الإسناد كان إذا خطب قال: كل ما هو آت قريب، موقوف. ثالثها: عن امرأته أم الحجاج بنت الزهري عن أبيها أن النبي - ﷺ - كان يأكل بكفه كلها، مرسل. والذهلي أعرت بحديث الزهري، وقد بين ما أنكر عليه، فالظاهر أن تضعيف من ضعفه بسبب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها، ولم أجد له في البخاري سوى أحاديث قليلة. اهـ. بتصرف. وقال في «التقريب» (٦٠٤٩): صدودق له أوهام. (٣) من (ج). هذا وشبهه من قول الترمذي: وفي الباب عن فلان وفلان إلى آخره فوائد: هذِه إحداها. وثانيها: أن تعلم رواته؛ ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما. الثالثة: ليعرف أن هؤلاء المذكورين رووه، فقد يتوهم من لا خبرة لَهُ أنه لم يروه غير ذَلِكَ المذكور في الإسناد، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره فتوهمه غلطًا، وزعم أن الحديث إنما هو من جهة فلان. فإذا قيل في الباب: عن فلان، وفلان ونحو ذَلِكَ زال الوهم المذكور، فتنبه لذلك. خامسها: هذا الرجل لم أقف (عَلَى اسمه) (١) فليتتبع (٢). ----------------------- (١) في (ب): قوله على اسم. (٢) سماه الحافظ، فقال في «هدي الساري» ص ٢٤٩ فقال: قوله: فترك رجلًا هو أعجبهم إليَّ، هو جعيل بن سراقة الضمري، ذكره الواقدي. وذكر ذلك أيضًا في «الفتح» ١/ ٨٠، وزاد أن الواقدي سماه في «المغازي»، وبهذا سماه أيضًا العيني في «عمدة القاري» ١/ ٢٢١، وكذا السيوطي في «الديباج» ١/ ١٧١. ومما يشهد لذلك ما رواه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» ٤/ ١٤٣ - ١٤٤، ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦ (٥١٢)، وفي «الحلية» ١/ ٣٥٣، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٣٣٨ عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن قائلًا قال لرسول الله - ﷺ - من أصحابه-: يا رسول الله، أعطيت عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض، كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه». قال الحافظ في «الإصابة» ١/ ٢٣٩: مرسل حسن. سادسها: في ألفاظه ومعانيه: الأول: قوله: (أَعْطَى رَهْطًا)، أي جماعة، وأصله الجماعة دون العشرة، قَالَ ابن التياني (١): قَالَ أبو زيد: الرهْطُ ما دون العشرة من الرجال. وقال صاحب «العين»: الرَّهْطُ عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعض يقول: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وتخفيف الرَّهْطِ أحسن (٢)، تقول: هؤلاء رَهْطُكَ، وأَرْهَطُكَ، وهم رجال عشيرتك. وعن ثعلب: الرَّهْطُ: الأب الأدنى. وعن النضر (٣): جاءنا أَرْهُوُط منهم مثل أركوب، والجمع أَرَاهطٌ، وأرهيط. -------------------- (١) هو تمام بن غالب بن عمر، أبو غالب القرطبي، حامل لواء اللغة، ابن التياني، نزيل مرسية، قال الحميدي: كان إمامًا في اللغة، ثقة ورعًا خيرًا، له كتاب في اللغة لم يؤلف مثله اختصارًا وإكثارًا. وكان مقدمًا في علم اللسان أجمعه، مسلمًا له اللغة، توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. انظر تمام ترجمته في: «الإكمال» ١/ ٤٤٣، «وفيات الأعيان» ١/ ٣٠٠، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٨٤ (٣٩٠)، «تاريخ الإسلام» ٢٩/ ٤٢٤ (١٦٠)، «الوافي بالوفيات» ١٠/ ٣٩٨. (٢) «العين» ٤/ ١٩. (٣) هو النضر بن شميل بن خرشة، أبو الحسن المازني البصري النحوي اللغوي الحافظ، نزيل مرو حدث عن هشام بن عروة، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وبهز بن حكيم، وعنه يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه. وثقه يحيى بن معين وابن المديني، والنسائي، وأبو حاتم، مات في أول سنة أربع ومائتين. انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٧٣، «التاريخ الكبير» ٨/ ٩٠ (٢٢٩٦)، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٣٧٩ - ٣٨٤ (٦٤١٩)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٣٢٨ - ٣٣٢ (١٠٨)، وستأتي ترجمته مفصلة عند حديث (١٥٢). وفي «المحكم»: لا واحد لَهُ من لفظه، وقد يكون الرَّهْطُ من العشيرة (١)، وفي «الجامع» و«الجمهرة»: الرَّهْطُ من القوم: وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وربما (جاوزوا) (٢) ذَلِكَ قليلًا وَرْهطُ الرجل: بنو أبيه، ويجمع عَلَى أَرْهُطٍ، ويجمع الجمع عَلَى أَرَاهِطٍ (٣). وفي «الصحاح»، رَهْطُ الرجل: قومه وقبيلته. والرَّهْطُ: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، والجمع أَرْهُطٌ وأَرْهَاطٌ كأنه جمع أراهط (٤) وأراهيط (٥)، وفي «مجمع الغرائب»: الرَّهْطُ: جماعة غير كثيري العدد. الثاني: قوله: (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ). أي: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي. الثالث: قوله: (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي: (أيُّ سبب لِعُدُولك عن فلان) (٦)؟ قاله الجوهري عن ابن السراج (٧)، و(فلان) كناية عن اسم سمي به المحدث عنه، قَالَ: ويقال في غير الناس: الفلان والفلانة بالألف واللام. ---------------------- (١) «المحكم» ٤/ ١٧٦، ١٧٧. (٢) في (ج): جاوز. (٣) «جمهرة اللغة» لابن دريد ٢/ ٧٦١. (٤) كذا في (ج) و(ف) وفي «الصحاح»: أرهط. (٥) «الصحاح» ٣/ ١١٢٨ مادة: (رهط). (٦) في (ج) أي: لأى سبب تعدل عن فلان؟. (٧) هو محمد بن السري البغدادي النحوي، أبو بكر، ابن السراج، إمام النحو، انتهى إليه علم اللسان، له كتاب «أصول العربية» وما أحسنه، وكتاب: «شرح سيبويه». انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٥/ ٣١٩، «المنتظم» ٦/ ٢٢٠، «وفيات الأعيان» ٤/ ٣٣٩، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٤٨٣ (٢٦٨)، «تاريخ الإسلام» ٢٣/ ٥٢٣ (٢٧١). الرابع: قوله: (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُومِنًا)، هو بفتح الهمزة، قَالَ النووي: ولا يجوز ضمها عَلَى أن تجعل بمعنى أظنه لأنه قَالَ: ثمَّ غلبني ما أعلم منه؛ ولأنه راجع النبي - ﷺ - مرارًا، ولو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة (١). وأما أبو العباس القرطبي فقال: الرواية بضم الهمزة بمعنى: أظنه، وهو منه حلف عَلَى ما ظنه، ولم ينكر عليه، فهو دليل عَلَى جواز الحلف عَلَى الظن، وهو يمين اللغو، وهو قول مالك والجمهور (٢). قُلْتُ: (وهي) (٣) عند الشافعي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصدها: كلا والله، وبلى والله (٤). الخامس: قوله: («أَوْ مُسْلِمًا»)، هو بإسكان الواو، وهي (أو) التي للتقسيم والتنويع، أو للشك والتشريك، ومن فتحها أخطأ وأحال المعنى، ومعنى الإسكان: أن لفظة الإسلام أولى أن نقولها؛ لأنها معلومة بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله، وليس فيه إنكار كونه مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان. وقد غلط من توهم كونه حكم بأنه غير مؤمن، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه، وهو قوله: «أُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ»، وأغرب بعضهم فادعى أن قوله: «أو مسلمًا» أمره أن لا يقطع بإيمانه بل يقولهما؛ لأنه أحوط، وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس رفعه: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» ثمَّ يشير بيده إلى صدره، «التقوى ها هنا التقوى ها هنا» (٥). ------------------ (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ١٨١. (٢) «المفهم» ١/ ٣٦٧. (٣) ساقطة من (ج). (٤) «الأم» ٧/ ٥٧. (٥) «المصنف» ٦/ ١٥٩ (٣٠٣١٠)، «الإيمان» (٦) قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن = قَالَ ابن عدي: حديث غير محفوظ (١). السادس: قوله: (فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي)، قَالَ أهل اللغة: يقال: عاد لكذا، أي: رجع إليه بعد ما كان أعرض عنه، والمقالة والمقال والقول والقولة بمعنًى. السابع: قوله: («خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ»)، هو بفتح أول يَكُبّه وضم الكاف، يقال: أَكَبَ الرجل وكَبَّهُ غيره، وهذا بناء غريب، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همزة فُيعدى بها، وهنا عكسه، ومعنى كَبَّه: ألقاه، ويقال: كَبْكَبَهُ بمعنى: كبَّه. وذكر البخاري في كتاب: الزكاة عقب ذَلِكَ: قَالَ أبو عبد الله: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ (فكَبوا) (٢) ﴿مُكِبًّا﴾، أَكَبَّ الرجل إِذَا كان فعله غير واقع عَلَى أحد، فإذا وقع الفعل قُلْت: كَبَّه الله لوجهه وكببته أنا (٣). --------------------- = علي بن مسعدة، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، مرفوعًا به. ورواه عنه أبو يعلى ٥/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٢٩٢٣)، ومن طريقه ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ١١١، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٣٥٣. ورواه أحمد ٣/ ١٣٤ - ١٣٥، والبزار كما في «كشف الأستار» (٢٠)، والعقيلي في «الضعفاء» ٣/ ٢٥٠، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٢٧٦ من طرق عن علي بن مسعدة به. وقال البزار: تفرد به علي بن مسعدة. قال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٧٦: حديث غير محفوظ؛ تفرد به علي بن مسعدة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٢٨٠). وأما قوله: «التقوى ها هنا»، فهذِه القطعة شاهدها في «صحيح مسلم» (٢٥٦٤/ ٣٢) من حديث أبي هريرة. (١) «الكامل في الضعفاء» ٦/ ٣٥٤. (٢) كذا في (ف) و(ج) وهي رواية أبي ذر، وفي باقي النسخ: فقلبوا. (٣) سيأتي برقم (١٤٧٨) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. قَالَ أبو المعالي في «المنتهى»: أُكِبَّ الرجل، أي: قُلب لوجهه، وهو من النوادر، وأَكَب عليه إِذَا انحنى عليه. وقال ابن سيده: كَبَّ الشيء يَكُبُّه كَبًّا، وكَبْكَبَهُ: قلبه، وحكى ابن الأعرابي: أَكَبَّهُ (١). وفي «الجامع»: يتعدى إِذَا كان عَلَى فَعَل، ولا يتعدى إِذَا كان عَلَى أفعل. وقال القاضي: الرواية الصحيحة يكبه، بفتح أوله -أي كما أسلفناه- فحل ثلاثي من كَبَّ، ولم يأت في لسان العرب فعل ثلاثيه يتعدى، وفعل رباعيه لا يتعدى عَلَى نقيض المتعارف إلا كلمات قليلة، منها أَكَبَّ الرجل، وكببته أنا. قَالَ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]،، وقال: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ومثله أقْشَعَ الغيم، وقَشَعَتْهُ الريح، وأنْسَلَ ريش الطائر، ونَسَلْتُهُ أنا، وأنزفتِ البئر: قل ماؤها، ونزفتها أنا، وأَمْرَتِ الناقة درَّ لبنها، ومريتها أنا، وأَشنَق البعير: رفع رأسه، (وشنقته) (٢) أنا (٣). الثامن: الضمير في (يكبه) يعود إلى المعطى، أي: أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره ونحوه إِذَا لم يعط، والتقدير: أعطي من في إيمانه ضعف؛ لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض لَهُ اعتقاد (يكفر به فيكبه الله في النار. وأما من قوي إيمانه فهو أحب إليَّ فأَكِلهُ إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه ولا سوء اعتقاد) (٤) ولا ضرر عليه فيما لا يحصل لَهُ من الدنيا. ------------------------ (١) «المحكم» ٦/ ٤١٦. (٢) في (ج): وأشنقته. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٤٦٢. (٤) ساقطة من (ج). سابعها: في فقهه وفوائده: الأولى: الشفاعة إلى ولاة (الأمر) (١) وغيرهم فيما ليس بحرام. الثانية: مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مرارًا إِذَا لم يؤد إلى مفسدة. الثالثة: الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه. الرابعة: أن الإمام يصرف الأموال في المصالح الأهم فالأهم. الخامسة: أن المشفوع إليه لا (عتب) (٢) عليه إِذَا رد الشفاعة إِذَا كانت خلاف المصلحة، فإن كان ولي أمر المسلمين، أو ناظر يتيم ونحوه لم يجز لَهُ قبول شفاعة تخالف مصلحة ما هو ولي أمره. السادسة: أن المشفوع إليه إِذَا ردَّ الشفاعة، ينبغي أن يعتذر إلى الشافع ويبين لَهُ عذره في ردها. السابعة: أن المفضول ينبه الفاضل عَلَى ما يرَاه مصلحة لينظر فيه الفاضل. الثامنة: أن المشار عليه يتأمل ما يشار به عليه فإذا لم تظهر مصلحته لايعمل به. التاسعة: أنه لا يقطع لأحد عَلَى التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه نص كالعشرة من الصحابة وأشباههم، بل يرجي للطائع ويخاف عَلَى العاصي، ويقطع من حيث الجملة أن من مات عَلَى التوحيد دخل الجنة، وهذا كله إجماع أهل السنة. العاشرة: استدل به جماعة من العلماء عَلَى جواز قول المسلم: أنا ------------------------ (١) في (ج): الأمور. (٢) في (ف): عتب. مؤمن مطلقًا من غير تقييد بقوله: إن شاء الله، وهذِه المسألة فيها خلاف للصحابة فمن بعدهم، وقد سلف بيانها في أول كتاب الإيمان مبسوطة. الحادية عشرة: فيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إِذَا اقترن به اعتقاد بالقلب، خلافًا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا ظاهر الخطأ يردُّه إجماع الأمة والنصوص المتظاهرة في تكفير المنافقين وهذِه صفتهم. قَالَ الإمام أبو بكر بن الطيب المعروف بابن الباقلاني (١) وغيره من الأئمة -رحمهم الله-: هذِه الآية وهي قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] حجة لأهل الحق في الرد عَلَى الكرامية وغلاة المرجئة قالوا: وقد أبطل الله تعالى مذهبهم في مواضع من كتابه، منها قوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ولم يقل: في ألسنتهم، ومن أقوى ما يبطل به قولهم إجماع الأمة عَلَى تكفير المنافقين، وكانوا يظهرون الشهادتين. الثانية عشرة: الفرق بين الإيمان والإسلام، وقد سلف الكلام عليه في أول كتاب: الإيمان، وسيكون لنا عودة إليه -إن شاء الله تعالى- في --------------------- (١) هو الإمام العلامة، أوحد المتكلمين، مقدم الأصوليين، القاضي أبو بكر، محمد ابن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم، البصري، ثم البغدادي، ابن الباقلاني، صاحب التصانيف، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق، توفي سنة ثلاث وأربعمائة. انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٥/ ٣٧٩، «المنتظم» ٧/ ٢٦٥، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٩٠ (١١٠)، «تاريخ الإسلام» ٢٨/ ٨٨ (١١٤)، «الوافي بالوفيات» ٣/ ١٧٧. حديث جبريل (١). قَالَ المهلب: الإسلام عَلَى الحقيقة هو الإيمان الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله غيره، ألا ترى قوله تعالى لقوم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، أي: بألسنتهم دون تصديق قلوبهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وقال القاضي عياض: هذا الحديث أصح دليل عَلَى الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنًا إلا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدل عليه (٢). وكذا قَالَ الخطابي: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإيمان والإسلام، فيقال له: مسلم، أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهو معنى الحديث، قَالَ تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا. وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مؤمن وللمؤمن مسلم (٣). خاتمة: سبب نزول الآية السالفة ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ ما ذكره الواحدي: أن أعرابًا من أسد بن خزيمة قدموا عَلَى رسول الله - ﷺ - في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا ----------------------- (١) سيأتي برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٤٦١. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٠ - ١٦١. طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله - ﷺ -: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك حين قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزلها الله تعالى (١). ------------------------- (١) «أسباب النزول» ص ٤١٢ (٧٦٧) عن ابن عباس، وورد بهامش (ف): بلغ الشيخ الإمام برهان الدين الحلبي قراءة على مؤلفه وسمعه الصفدي … والعاملي وابن المصنف والشيخ علاء الدين … وكاتبه محمد بن … الحاجري والواسطي وآخرون .... ٢٠ - باب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. ٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». [انظر ١٢ - مسلم: ٣٩ - فتح: ١/ ٨٢] نا قُتَيْبَةُ نا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث تقدم الكلام عَلَى من خرجه قريبًا حيث ذكره، ونبَّهنا عليه هناك (١). ثانيها: تقدم أيضًا التعريف برواته إلا قتيبة، وهو أبو رجاء قتيبة بن سعيد ابن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي، مولاهم البغلاني، منسوب إلى بغلان -بفتح الموحدة وإسكان الغين المعجمة- قرية من قرى بلخ (٢). -------------------------- (١) سلف برقم (١٢). (٢) انظر: «الأنساب» ٢/ ٢٥٧. قيل: إن جده جميلًا كان مولًى للحجاج بن يوسف، وقال ابن عدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقب، وقال ابن منده: اسمه علي، سمع مالكًا وغيره من الأئمة، وعنه أحمد وغيره من الأعلام الحفاظ، وهو ثقة، صاحب سنة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وروى هو وابن ماجه عن رجل عنه، ولد سنة خمسين ومائة، ومات في (شعبان) (١) سنة أربعين ومائتين، وقال الحاكم في «تاريخ نيسابور»: مات في ثاني رمضان (٢). ثالثها: عمار: هو أبو اليقظان بن ياسر بن (عامر بن) (٣) مالك بن الحصين بن قيس بن ثعلبة بن عوف بن يام بن عنس -بالنون- بن زيد بن مالك بن أدد العنسي. وقال ابن سعد: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام الأكبر بن عنس -بالنون- وهو زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (٤).(١) في (ج): سبعين، وهو خطأ بين. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ١٩٥ (٨٧٠)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٤٠ (٧٨٤)، «فتح الباب» لابن منده (٢٧٤٨)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٥٢٣ (٤٨٥٢)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ١٣ (٨). (٣) من (ج). (٤) «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٦. أمه سمية أسلمت، وكذا ياسر مع عمار قديمًا، وقَتَل أبو جهل سميةَ وكانت أول شهيدة في الإسلام (١)، وكانت مع ياسر وعمار يعذبون بمكة في الله تعالى فيمر بهم النبي - ﷺ - وهم يعذبون فيقول: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» (٢)، وكانوا من المستضعفين (٣). قَالَ الواقدي: وهم قوم لا عشائر لهم بمكة، ولا منعة ولا قوة، كانت قريش تعذبهم في الرمضاء، فكان عمار يعذب حتَّى لا يدري -------------------------- (١) رواه ابن سعد ٣/ ٢٣٣، ٤/ ٢٦٨ - ٢٦٥، وابن أبي شيبة ٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨ (٣٦٥٧٥)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٤٢٠، كلهم عن مجاهد. (٢) رواه من حديث جابر الطبراني في «الأوسط» ٢/ ١٤١ (١٥٠٨)، والحاكم ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩ كتاب: معرفة الصحابة، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وابن سعد مرسلًا عن أبي الزبير في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٩، وذكره الهيثمي ٩/ ٢٩٣، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوّم، وهو ثقة. وصححه الألباني في «صحيح السيرة النبوية» ص ١٥٤ - ١٥٥ فقال بعد ذكره لتصحيح الحاكم والذهبي له، قال: هو كما قالا. ورواه من حديث يوسف المكي، ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٤/ ١٣٧، ورواه من حديث عثمان بن عفان الطبرانيُّ ٢٤/ ٣٠٣ (٧٦٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٤٠، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١١/ ٣٤٣، وذكره الدارقطني في «العلل» ٣/ ٣٩ (٢٧٢)، وقال: رواه إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن حسين بن محمد المروذي، عن سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان. والصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال الهيثمي ٩/ ٢٩٣: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وذكره الهيثمي من حديث عمار ٩/ ٢٩٣، وعزاه للطبراني، وقال: رجاله ثقات. (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٦، ٦/ ١٤، «الاستيعاب» ٣/ ٢٢٧ - ٢٣١ (١٨٨٣)، و«أسد الغابة» ٤/ ١٢٩ - ١٣٥ (٣٧٩٨)، و«تهذيب الكمال» ٢١/ ٢١٥ - ٢٢٧ (٤١٧٤)، و«سير أعلام النبلاء» ١/ ٤٠٦ - ٤٢٨ (٨٤)، و«الإصابة» ٢/ ٥١٢ - ٥١٣ (٥٧٠٤). ما يقول، وصهيب كذلك (١)، و[أبو] (٢) فكيهة كذلك وبلال (٣) وعامر بن فهيرة (٤)، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن ----------------------------- (١) هو صهيب بن سنان بن خالد بن عمرو، وقيل غير ذلك في نسبه. سبته الروم عندما أغارت على بلدته صغيرًا، فابتاعته كلب منهم، فقدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، فأعتقه، وأسلم، فلما أراد الهجرة قال له أهل مكة: أتيتنا ها هنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت ما بلغت ثم تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكون ذلك. فقال: أرأيتم إن تركت مالي تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله أجمع، فبلغ النبي - ﷺ -، فقال: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع». ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾. [البقرة: ٢٠٧] انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٢٦ - ٢٣٠، «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٧ (١٢٣١)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٦ - ٣٩ (٢٥٣٦)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٣٧ - ٢٤٠ (٢٩٠٤). (٢) ساقطة من (ف) و(ج)، والمثبت من «الطبقات» ٣/ ٢٤٨، «البداية والنهاية» ٣/ ١١٣، «الدر المنثور» ٤/ ٢٤٩. (٣) هو بلال بن رباح القرشي التيمي المؤذن، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الكريم، وقيل: غير ذلك، وهو مولى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن يعذب في الله -عز وجل- فيصبر على العذاب، وكان أبو جهل يبطحه على وجهه في الشمس ويضع الرحى عليه حتى تصهره الشمس، ويقول: اكفر برب محمد، فيقول: أحد أحد. انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٩، ٧/ ٣٨٥ - ٣٨٦، «الاستيعاب» لابن عبد البر ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩، «أسد الغابة» ١/ ٢٤٣. (٤) هو عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر الصديق، يكنى أبا عمرو، وكان مولَّدًا من مولدي الأزد، أسود اللون، مملوكًا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، أخي عائشة لأمها. وكان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل أن يدخل رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، أسلم وهو مملوك، وكان حسن الإسلام، وعذب في الله، فاشتراه أبو بكر، فأعتقه، شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة وهو ابن أربعين سنة. انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٠٥١ - ٢٠٥٣ (٢١٣١)، «أسد الغابة» ٣/ ١٣٦ - ١٣٧ (٢٧٢٢). بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ (١) [النحل: ١١٠]، ومن قرأ «فَتنوا» بالفتح وهو ابن عامر (٢)، فالمعنى: فتنوا أنفسهم. وعن عمرو بن ميمون قَالَ: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار فكان - ﷺ - يمر به، ويمر بيده عَلَى رأسه فيقول: «يا نارُ كوني بردًا وسلامًا عَلَى عمار كما كنت عَلَى إبراهيم، تقتُلك الفئةُ الباغية» (٣). وعن ابن ابنه قَالَ: أخذ المشركون عمارًا فلم يتركوه حتَّى نال من رسول الله وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى رسول الله - ﷺ - قَالَ: «ما وراءك؟» قَالَ: شر يا رسول الله، والله ما تُركِتُ حتَّى نِلْتُ منك، وذَكَرْتُ آلهتهم بخير، فقال: «فكيف تجد قلبك؟» قَالَ: مطمئنًا بالإيمان، قَالَ: «فإن عادوا فعد» (٤). ------------------------ (١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٣/ ٢٤٨ عن عمرو بن ميمون، وفيه: وفيهم نزلت هذِه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. [النحل: ٤١] وهو خطأ، وصواب الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]. وقد عزا السيوطي في «الدر» ٤/ ٢٤٩ آثار عمار وصهيب وبلال .. لابن سعد وذكر الآية كما عند المصنف. (٢) انظر: «الحجة للقراءات السبعة» ٥/ ٧٩، «حجة القراءات» ص ٣٩٥، «الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها» ٢/ ٤١. (٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٢٤٨، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٣/ ٣٧٢. والجزء الأخير من الحديث رواه مسلم من حديث أم سلمة (٢٩١٦). (٤) رواه ابن سعد ٣/ ٢٤٩، والطبري في «التفسير» ٧/ ٦٥١ (٢١٩٤٦) والحاكم ٢/ ٣٥٧. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٤٠، والبيهقي ٨/ ٢٠٨ - ٢٠٩، عند الحاكم والبيهقي: عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه … قال الألباني في «فقه السيرة» ص ١٢٢: في ثبوت هذا السياق نظر، وعلته الإرسال. شهد عمار بدرًا، والمشاهد كلها، وهاجر إلى أرض الحبشة ثمَّ المدينة، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ .. الآية. وكان إسلامه بعد بضعة وثلاثين رجلًا هو وصهيب. روى عن علي وغيره من الصحابة، ومناقبه جمة، روي لَهُ اثنان وستون حديثًا اتفقا منها عَلَى حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث، وآخى النبي - ﷺ - بينه وبين حذيفة، وكان رجلًا آدم، طوالا، أشهل العينين، بعيدما بين المنكبين، لا يغير شيبه، قتل بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين مع علي عن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين (سنة) (١)، ودفن هناك بصفين، وقتل وهو مجتمع العقل، وسأل عمر عمارًا فقال له: أساءك عزلنا إياك؟ قَالَ: لئن قُلْتُ ذَلِكَ لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني (٢). رابعها: هذا الحديث سلف شرحه في الباب السالف المشار إليه. خامسها: قول عمار - رضي الله عنه - رواه أبو القاسم اللالكائي عن علي بن أحمد بن جعفر، (نا) (٣) أبو العباس أحمد بن علي المرْهِبِي، (نا) (٤) أبو محمد الحسن بن علي بن جعفر الصيرفي، (نا) (٥) أبو نعيم، ----------------------- (١) من (ج). (٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٥٦. وانظر تمام ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٦، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٤٩ (٧٦٣)، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٠٧٠ (٢١٦٠)، «الاستيعاب» ٣/ ٢٢٧ (١٨٨٣)، «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيسراني ١/ ٣٩٩، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٢١٥ (٤١٧٤)، «تاريخ الإسلام» ٣/ ٥٦٩، «الإصابة» ٢/ ٥١٢ (٥٧٠٤). (٣) في (ج): ثنا. (٤) في (ج): حدثنا. (٥) في (ج): ثنا. ![]()
__________________
|
|
#50
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 666 الى صـــ 665 الحلقة (49) (نا) (١) فطر عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عنه (٢). ورواه رسته أيضًا عن سفيان، (نا) (٣) أبو إسحاق، فذكره، ورواه البغوي في «شرح السنة» عن عمار مرفوعًا (٤)، قَالَ جماعات منهم أبو الزناد: هذِه الثلاث عليها مدار الإسلام، وهي جامعة للخير كله؛ لأن من أنصف من نفسه فيما بينه وبين الله وبين الخلق، ولم يضيِّع شيئًا مما لله تعالى عليه، وللناس عليه، ولنفسه بلغ الغاية في الطاعة. وأما بذل السلام للعالم فمعناه: للناس كلهم، لقوله - ﷺ -: «وتقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف». وهذا من أعظم مكارم الأخلاق، ويتضمن التواضع وهو أن لا ترتفع عَلَى أحد، ولا تحتقر أحدًا، وإصلاح ما بينه وبين الناس بحيث لا يكون بينه وبين أحد شحناء، ولا أمر يمتنع من السلام عليه بسببه. كما يقع لكثير من الناس، ففيه الحث عَلَى إفشاء السلام وإشاعته، وأما الإنفاق من الإقتار فهو الغاية في الكرم، وقد مدح الله تعالى ------------------------ (١) في (ج): ثنا. (٢) «شرح أعتقاد أهل السنة والجماعة» (١٧١٣). (٣) في (ف): نا. (٤) «شرح السنة» ١٢/ ٢٦١ موقوفًا وليس مرفوعًا، ورواه مرفوعًا البزار كما في «كشف الأستار» (٣٠)، وقال: هذا رواه غير واحد موقوفًا على عمار. والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ٦٥ (٨٩٢)، واللالكائي (١٦٩٨). وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٥٦، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن شيخ البزار لم أر من ذكره، وهو الحسن بن عبد الله الكوفي. اهـ. وقال أيضًا ١/ ٥٧: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: القاسم أبو عبد الرحمن، وهو ضعيف. اهـ. قال الألباني في «الإيمان» لأبي عبيد ص ١٧: روي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح الوقف على أن في سنده من كان اختلط. (فاعله) (١) بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وهذا عام في نفقة الرجل عَلَى عياله وضيفه والسائل منه، وفي كل نفقة في الطاعات، وهو متضمن للوثوق بالئه تعالى، والزهادة في الدنيا، (وقصر الأمل) (٢) وهذا كله من مهمات طرق الآخرة. --------------------------- (١) في (خ): فاعليه. (٢) ساقطة من (ج). ٢١ - باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ (دُونَ) (١) كُفْرٍ فِيهِ: عَنْ أَبِي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٣٠٤] ٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ». قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». [٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ١/ ٨٣]. نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ». قِيلَ أَيَكْفُرْنَ باللهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: حديث أبي سعيد هذا أخرجه البخاري في الحيض مسندًا كما ستعلمه (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣) وحديث ابن عباس أخرجه في كتاب العلم، عن سليمان بن حرب، نا شعبة، عن أيوب، عن ابن عباس (٤). ------------------------ (١) كذا للأصيلي وأبي ذر وابن عساكر وأبي الوقت، وللباقين: بَعْد. وسوف يشير المصنف إلى ذلك بعد قليل. (٢) سيأتي برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم. (٣) مسلم (٩٠٧). (٤) سيأتي برقم (٩٨) باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن. وأخرجه مسلم في العيدين، عن أبي بكر، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن أيوب، وعن ابن أبي رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج كلاهما عن عطاء (١). وأخرجه البخاري في: بدء الخلق (٢)، والنكاح (٣) والكسوف (٤) مطولًا كما ستعلمه -إن شاء الله-. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٥)، وابن عمر أيضًا (٦)، وأخرجاه من حديث جابر أيضًا (٧). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا عطاء، وزيد بن أسلم. أما عطاء (ع) فهو أبو محمد عطاء بن يسار المدني الهلالي، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله. سمع خلقًا من كبار الصحابة، وعنه جمع من التابعين، وهو ثقة كثير الحديث، مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين (٨). -------------------------- (١) مسلم (٨٨٤) كتاب: صلاة العيدين. (٢) سيأتى برقم (٣٢٠٢) باب: صفه الشمس والقمر. (٣) سيأتى برقم (٥١٩٧) باب: كفران العشير. (٤) سيأتى برقم (١٠٥٢) باب: صلاه الكسوف جماعة. (٥) مسلم (٨٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات. (٦) مسلم (٧٩) كتاب الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات. (٧) سيأتى برقم (٩٦١) كتاب: العيدين، باب: المشى والركوب إلى العيد، ورواه مسلم (٨٨٥) كتاب: صلاة العيدين. (٨) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٧٣، «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦١ (٢٩٩٢)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٨ (١٢٤٥)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٣٨ (١٨٦٧)، «الثقات» ٥/ ١٩٩، «تهذيب الكمال» ١٢٥/ ٢٠ - ١٢٨ (٣٩٤٦). فائدة: قول مسلم في «صحيحه» في كتاب التيمم عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة، وذكر الحديث (١) كذا وقع فيه عبد الرحمن بن يسار، وهو خطأ وصوابه: عبد الله بن يسار، هكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي (٢) وغيرهم، فتنبه لذلك (٣). -------------------------- (١) مسلم (٣٦٩) كتاب: الحيض، باب: التيمم. (٢) البخاري (٣٣٧) كتاب: التيمم، باب: التيمم في الحضر، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائي ١/ ١٦٥. (٣) قال أبو علي الغساني الجياني: هكذا وقع في النسخ عن أبي أحمد الجلودي والكسائي وابن ماهان: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار وهو خطأ، والمحفوظ: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار، وكذلك رواه البخاري عن ابن بكير، عن الليث: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار. وهذا الحديث ذكره مسلم مقطوعًا، وقد حدثناه حكم بن محمد، قال … فرواه بسنده عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة … الحديث. ثم قال: فقد أورد مسلم في كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة، منها هذا الحديث. اهـ. «تقييد المهمل» ٣٥/ ٧٩٨ - ٧٩٩. قلت: قول الجياني: أحاديث مقطوعة، يقصد بها أنها منقطعة، وهي التي سقط من إسنادها راو أو أكثر والتي منها المعلق وهي التي سقط من مبدأ إسنادها راوٍ أو أكثر على التوالي، كحديث مسلم هذا، أما الأحاديث المقطوعة فقد شاع إطلاقها على ما أضيف أو أسند إلى التابعي من قول أو فعل. والله أعلم. وقال المازري: هكذا وقع عند الجلودي والكسائي وابن ماهان: عبد الرحمن بن يسار -وهو خطأ- والمحفوظ: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار. اهـ. «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ١٤٩ - ١٥٠. وأورد القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤ كلام المازري وقال: روايتنا فيه من طريق السمرقندي، عن الفارسي، عن الجلودي فيما حدثنا به أبو بحر = وأما زيد (ع) بن أسلم: فهو أبو أسامة القرشي العدوي المدني التابعي الجليل، مولى عمر بن الخطاب، روى عن جماعات من الصحابة والتابعين، وعنه جمع من التابعين منهم الزهري وغيرهم منهم مالك، وجلالته مجمع عليها. قَالَ ابن سعد: كانت لَهُ حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ -، وكان ثقة كثير الحديث، ومناقبه جمة، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو ست وثلاثين ومائة، وقيل: نحو ثلاث وأربعين (١). فائدة: هذا الإسناد كله مدنيون خلا ابن عباس لكنه أقام بالمدينة. ثالثها: أردف البخاري هذا الباب بالذي قبله؛ لينبه عَلَى أن المعاصي تنقص الإيمان، ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار؛ لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله. فأجابهم - ﷺ - أنه أراد كفرهن حق أزواجهن، وذلك لا محالة نقص من إيمانهن؛ لأنه يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البر. فظهر بهذا أن الأعمال من الإيمان، وأنه قول وعمل كما أسلفناه، فإخراجه لَهُ هنا أيضًا؛ لينبه عَلَى أن الكفر قد يطلق عَلَى كفر النعمة، وجحد الحق، وهو أصله في اللغة ككفران العشير والإحسان إذ لم يرد الكفر بالله، فيفسر به كل ما أطلق عليه الكفر من المعاصي فيما ------------------------ = عنه: عبد الله بن يسار على ما ذكره. اهـ. وانظر: «مسلم بشرح النووي» ٤/ ٦٣. (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» الجزء المتمم ص ٣١٤ - ٣١٦ (٢١٩)، و«التاريخ الكبير» ٣/ ٣٨٧ (١٢٨٧)، و«الجرح والتعديل» ٣/ ٥٥٥ (٢٥١١)، و«تهذيب الكمال» ١٠/ ١٢ (٢٠٨٨). علم من الأحاديث كقوله - ﷺ - «لا ترجعوا بعدي كفارا» (١) و«أيما عبد أبق من مواليه فقد كلفر حتَّى يرجع إليهم» (٢) و«أَمَّا مَنْ قَالَ مطرنا بِنَوْءِ كَذَا فَذَاكَ كَافِرٌ بِي، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (٣) و«بين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٤). رابعها: أصل الكفر: الستر والتغطية، يقال لليل كافر؛ لستره بالظلمة، وللابس الدرع وفوقها ثوب كافر للتغطية، وفلان كفر النعمة، أي: سترها فلم يشكرها، ويطلق عَلَى الكفر بالله تعالى، ويطلق عَلَى الحقوق والمال. ثمَّ الكفر بالله أنواع، حكاها الأزهري: إنكار، وجحود، وعناد، ونفاق، وهذِه الأربعة من لقي الله بواحدِ منها لم يغفر له. فالأول: أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يَعْرفُ ما يُذكر له من التوحيد، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] الآية أي: كفروا بالتوحيد، وأنكروا معرفته. والثاني: أن يعرف بقلبه ولا يقرُّ بلسانه، وهذا ككفر إبليس وبلعم وأمية بن أبي الصلت. والثالث: أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد، ككفر أبي طالب. والرابع: أن يقر بلسانه، ويكفر بقلبه، ككفر المنافقين. ----------------------- (١) سيأتي برقم (٤٤٠٣) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. (٢) رواه مسلم (٦٨) كتاب: الإيمان، باب: تسمية العبد الآبق كافرا، من حديث جرير بن عبد الله. (٣) سيأتي برقم (٨٤٦) كتاب: الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، ورواه مسلم (٧١) كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء. (٤) رواه مسلم (٨٢) باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، من حديث جابر رضي الله عنه. قَالَ الأزهري: ويكون الكفر بمعنى البراءة. كقوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: تبرأتُ. قَالَ: وأما الكفر الذي هو دون ما ذكرنا فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه، ويعتقد ذَلِكَ بقلبه، لكنه يرتكب الكبائر من القتل، والسعي في الأرض بالفساد، ومنازعة الأمر أهله، وشق عصا المسلمين ونحو ذَلِكَ (١). هذا كلامه، وقد أطلق الشرع الكفر عَلَى ما سوى الأنواع الأربعة، وهو كفران الحقوق والنعم، كهذا الحديث وغيره مما قدمته، وهذا مراد البخاري بقوله، وكفر دون كفر. وفي بعض الأصول: وكفر بعد كفر، وهي بمعنى الأول. وقوله: («يكفرن») التقدير: هن يكفرن، (فقيل: لما يا رسول الله؟ قال: «يكفرن») (٢) كما جاء في صلاة الكسوف. خامسها: («العشير»): المعاشر. قالوا: والمراد هنا: الزوج يسمى بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه، ولا يمتنع كما قَالَ النووي حمله عَلَى عمومه، والعشير أيضًا: الخليط والصاحب. سادسها: («قط») لتأكيد نفي الماضي، وفيها لغات: فتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المضمومة فيهما، وبضمها مع التخفيف، وكسرها مع التخفيف، وبفتحها مع تشديد الطاء المكسورة، وبالفتح مع الإسكان ومع الضم، ومع الكسر بالتخفيف، وقد سلف بعضها. -------------------------- (١) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣١٦٠ - ٣١٦١. (٢) من (ج). قَالَ الجوهري عن الكسائي: كان أصلها قَطَط، فسكن الأول وحرك الآخر؛ بإعرابه هذا إِذَا كانت معناها: الزمان، إما إِذَا كانت بمعنى: «حَسْب» وهو الإكتفاء، فهي مفتوحة ساكنة الطاء. تقول: رأيته مرة واحدة فقط (١)، قَالَ القاضي: وقد تكون هذِه للتقليل أيضًا. سابعها: في فوائده: الأولى: ما ترجم لَهُ، وهو أن الكفر قد يطلق عَلَى غير الكفر بالله تعالى ويؤخذ منه صحة تأويل الكفر في الأحاديث السالفة ونحوها عَلَى كفر النعمة والحقوق. الثانية: وعظ الإمام، وأصحاب الولايات، وكبار الناس رعاياهم وتباعهم وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم عَلَى الطاعات. كما جاء في رواية أخرى في «الصحيح»: «يا معشر النساء تصدقن» (٢). الثالثة: مراجعة المتعلِّمِ العالِمَ، والتابعِ المتبوعَ فيما قاله إِذَا لم يظهر لَهُ معناه. الرابعة: تحريم كفران الحقوق والنعم؛ إذ لا يدخل النار إلا بارتكاب حرام، قَالَ النووي: توعده عليهما بالنار يدل عَلَى أنهما من الكبائر. الخامسة: التعذيب عَلَى جحد الإحسان، والفضل، (وشكر النعم) (٣)، وشكر المنعم واجب. ----------------------- (١) «الصحاح» ٣/ ١١٥٣ مادة: (قطط). (٢) ستأتي برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم. (٣) ساقطة من (ج). باقي [كتاب الإيمان] ٢٢ - باب الْمَعَاصِى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلاَّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّى سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِىَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». [٢٥٤٥، ٦٠٥٠ - مسلم: ١٦٦١ - فتح: ١/ ٨٤] ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 18 ( الأعضاء 0 والزوار 18) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |