|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 52الى صـــ 61 (411) ولو قال : من بايع فلانا اليوم ببيع فهو علي فباعه غير واحد لم يلزم الكفيل شيء ; لأن المكفول له مجهول ، وجهالة المكفول له تمنع صحة الكفالة كجهالة المقر له فإنه لو قال واحد من الناس : علي شيء كان إقراره باطلا . ولو قال لقوم خاصة : ما بايعتموه أنتم وغيركم فهو علي ; كان عليه ما يبيع به أولئك القوم ، ولا يلزمه ما بايع غيرهم ; لأن في حقهم المكفول له معلوم فصحت الكفالة ، وفي حق غيرهم هو مجهول فلا تصح الكفالة ولكن ضم المجهول إلى المعلوم لا يمنع صحة الكفالة في حق المعلوم ; لأن ما يلتزمه لواحد بالكفالة منفصل عما يلتزمه للآخر . ولو أذن لعبده في التجارة وقال لرجل : ما بايعت به عبدي من شيء أبدا فهو علي أو لم يقل أبدا فهو سواء ولزمه كل بيع بايعه به ; لأن التزام المولى من عبده بحكم الكفالة صحيح ، كما يصح من الحر وقد بيناه فيما سبق ، وكذلك لو قال : كل ما بايعته أو الذي بايعته بخلاف ما لو قال : إذا بايعته أو إن بايعته ; فهذا على الأول خاصة وقد بينا الفرق بينهما في الحر فكذلك في العبد ولو قال ما بايعت فلانا من شيء فهو علي فأسلم إليه دراهم في طعام أو باعه شعيرا بزيت فذلك كله على الكفيل ; لأنه قد باعه فإن السلم نوع بيع ولهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - : إذا وكله بثوب يبيعه فأسلمه في طعام ; جاز على الموكل وعندهما لا يجوز ; لأن السلم غير البيع بل إن مطلق التوكل بالبيع ينصرف إلى البيع بالنقود . والله أعلم بالصواب . باب الحوالة ( قال - رحمه الله - ) ذكر عن شريح - رحمه الله - أنه قال في الحوالة : إذا أفلس فلا توى على مال امرئ مسلم يريد به أن مال الطالب يعود فدليلهما أن بمجرد الإفلاس تبطل الحوالة . قال : وقال أبو حنيفة - رحمه الله - : إذا كان لرجل على رجل ألف درهم فأحاله بها فقد برئ الأول منهما . وقد بينا اختلاف العلماء - رحمهم الله - فيه ووجه الفرق بين الكفالة والحوالة ( ففي الكتاب ) [ ص: 53 ] أشار إلى حروف فإنك لا تكتب : ذكر حق فلان بن فلان أن له على فلان ألف درهم وقد أحاله بها على فلان . فإن هذا لا يحسن في الكتاب ولا في الكلام ، وكيف يكون عليه وقد حولها عنه إلى غيره ويحسن في الضمان أن يقول : لفلان على فلان ألف درهم وقد ضمنها عنه فلان ( ثم وجوه التوى ) قد بيناها فيما سبق . ( والجواب ) بين الأجانب والأقارب في جميع أصناف الديون من التجارات والمهر والجنايات وغير ذلك جائز ; لأنه تحويل الحق من الذمة الأولى إلى الذمة الثانية فيستدعي وجوب الحق في الذمة الأولى ; ليصح التحويل . ولو أن المحتال عليه أحاله بالمال على غيره ; كان جائزا ; لأنه لما تحول المال إليه بالحوالة التحق بما كان واجبا عليه في الأصل وكما يصح التحويل من الذمة الأولى إلى ذمته ; يصح التحويل من ذمته إلى ذمة أخرى بالحوالة وليس للمحتال عليه أن يأخذ الأصيل بالمال قبل أن يؤديه ولكن يعامله بحسب ما يعامل به من الملازمة والحبس كما بيناه في فصل الكفيل ( وفي هذا نوع إشكال ) فإن في الكفالة مطالبة الطالب على الأصيل باقية ، فلا تتوجه عليه مطالبة الكفيل ما لم يؤد ، وبعد الحوالة لا تبقى مطالبة المال على الأصيل فينبغي أن تتوجه عليه مطالبة المحتال عليه كالوكيل بالشراء يطالب الموكل قبل أن يؤدي . ولكنا نقول : ما سقطت مطالبة الطالب عن المحيل على الثبات بل يؤخر ذلك على المحتال عليه مفلسا ، فكان من هذا الوجه بمعنى التأجيل . أو لما كانت المطالبة بغرض أن يتوجه عليه جعل كالمتوجه في الحال بمعنى الكفالة من هذا الوجه بخلاف الوكيل فإنه ليس للبائع على الموكل مطالبة بالثمن لا في الحال ولا في ثاني الحال بل مطالبته مقصورة على الوكيل فكان للوكيل أن يرجع على الموكل ولو قضى المحيل المحتال عليه المال قبل أن يؤديه فعمل به وربح ; كان ربحه له ; لأنه بنفس الحوالة قد استوجب المحتال عليه على المحيل ولكنه مؤجل لأدائه . ومن استعجل الدين المؤجل وتصرف فيه وربح ; كان الربح له ; لأنه استربح على ملك صحيح ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فأحاله بها على آخر فقضاها إياه المحتال عليه فلما أراد الرجوع على الأصيل قال الأصيل : كانت لي عليك ، وقال المحتال عليه : ما كان لك علي شيء فإنه يقضي للمحتال عليه على الأصيل بالمال ; لأن السبب الموجب للمال له على الأصيل ظاهر ، وهو قبوله الحوالة بأمره وأدائه ، والمحيل يدعي لنفسه دينا على المحتال عليه ليجعل ما عليه قصاصا بذلك الدين ولم يظهر سبب ما يدعيه والمحتال عليه لذلك منكر فالقول قوله وليس في قبول الحوالة عنه إقرار بوجوب المال للمحيل عليه [ ص: 54 ] فإن الحوالة قد تكون مقيدة بما للمحيل على المحتال عليه وقد تكون مطلقة . بل حقيقة الحوالة هي المطلقة ، فأما المقيدة من وجه : فتوكيل بالأداء والقبض ; عرفنا أنه لم يوجد منه دلالة الإقرار بوجوب المال للمحيل عليه ، وكان القول قوله في الإنكار . ولو كان لرجل على رجلين ألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فأحاله أحدهما على رجل بألف درهم على أن أبرأه ; فللطالب أن يأخذ المحتال عليه بالألف ; لأنه التزمه بالحوالة والمحيل كان أصيلا في النصف الأول كفيلا في النصف الثاني ، والحوالة بكل واحد منهما صحيحة ، وإن شاء أخذ الذي لم يحله بخمسمائة ; لأن المحيل في هذه الخمسمائة كان كفيلا وقد برئ بالحوالة من غير أداء . وقد بينا أن براءة الكفيل لا توجب براءة الأصيل . فإن أداها المحتال عليه رجع بها على المحيل دون صاحبه ; لأنه هو الذي أمره بقبول الحوالة ورجوعه بذلك . فإن أداها المحيل رجع بنصفها على صاحبه ; لأنه كان كفيلا عنه وأداء المحتال عليه بأمره كأدائه أداءه بنفسه وإلى المحتال عليه كأدائه إلى الطالب له ولو أدى إلى الطالب رجع بنفسها على صاحبه فكذلك هنا . ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فأحاله بها على رجلين فله أن يأخذ كل واحد منهما بنصفها ; لأنهما أضافا الحوالة في جميع ذلك المال إليهما إضافة على السواء فيقسم عليهما انقساما على السواء وقد بينا في الكفالة نظيره فإن اشترط أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه أخذ بالألف أيهما شاء ; لأن كل واحد منهما التزم بجميع المال هنا في النصف عن الأصيل وفي النصف الآخر عن صاحبه بالكفالة فإذا أداها رجع على صاحبه بالنصف ليستويا في الغرم الثابت بسبب هذه الحوالة كما استويا في أصل الالتزام . ولو كان لرجل على مكاتب مال فأحاله المكاتب به على رجل عليه مال فهو جائز ; لأن هذا أمر من المكاتب به على رجل له عليه مال فهو جائز ; لأن هذا أمر من المكاتب للطالب في أن يقبض ماله من غريمه له أولا ثم لنفسه . وأمر للغريم بأن يؤدي ما عليه إلى الطالب وذلك صحيح من المكاتب . وهذا التكلف غير محتاج إليه في هذا الفصل فإن المكاتب لو أحال الطالب حوالة مطلقة ; يجوز . فكذلك الحوالة من المكاتب المقيدة وإنما يحتاج إليه في الفصل الثاني وهو ما إذا كان المكاتب هو المحتال عليه ; لأن قبول الحوالة من المكاتب مطلقا لا يجوز بمنزلة الكفالة ولكن يجوز مقيدا بالمال الذي عليه ; لأنه لا فرق في حقه بين أن يؤدي ذلك المال إلى المحيل أو إلى المحتال . والعبد التاجر والصبي التاجر في هذا كالمكاتب وكذلك لو كان المال على رجلين كل واحد منهما كفيل عن صاحبه فأحالاه على [ ص: 55 ] واحد جازت الحوالة منهما كما تجوز من الواحد إذا كان مطلوبا بالمال وكذلك الوصي يحتال بدين اليتيم على رجل أملأ من غريمه الأول فاحتال بذلك فهو جائز ; لأن في هذا قربان ماله بالأحسن فإن حياة الدين بملاءة ذمة من عليه . وفي قبول الحوالة على من هو أملأ : إظهار للزيادة في حقه وتيسر الوصول إلى ماله وكان ذلك منهما نظرا من حقه . والله أعلم . اب الأمر بنقد المال ( قال - رحمه الله - ) : وإذا أمر رجل رجلا بأن ينقد عنه فلانا ألف درهم فنقدها ; رجع بها على الآمر ; لأن هذا من الآمر استقراض من المأمور وأنه لا يتحقق نقده عنه إلا بعد أن يكون المنقود ملكا له ولا يصير ملكا له بالاستقراض منه فكأنه استقرض منه الألف ووكل صاحب دينه بأن يقبض له ذلك أولا ثم لنفسه ; ولأنه أمره أن يملكه ما في ذمته بمال يؤديه من عنده فكان بمنزلة ما لو أمره أن يملكه عين الغير في يده بأن يشتريها له فيؤدي الثمن من عنده وهناك يثبت للمأمور حق الرجوع على الآمر بما يؤدي فكذلك هنا ، وكذلك لو قال : انقد فلانا ألف درهم له علي ، أو قال : اقضه عني كذا أو قال : اقضه ما له علي ، أو ادفع إليه الذي له علي ، أو ادفع عني كذا ، أو أعطه عني ألف درهم ، أو أوفه ماله علي ، فهذا كله باب واحد وكله إقرار من الآمر أن المال عليه لفلان إما لقوله : عني أو لقوله : اقضه عني . فإن القضاء لا يكون إلا بعد الوجوب أو لقوله : علي أو لقوله : أوفه عني فإن الإيفاء يكون بعد الوجوب ولو قال : انقده عني ألف درهم على أني ضامن لها أو على أني كفيل بها أو على أنها لك علي أو إلي أو قبلي فهو سواء وإذا نقدها إياه رجع بها على الآمر ; لأنه صرح بالتزام ضمان المنقود له أو أتى بلفظ يدل عليه ويستوي إن نقده الدراهم أو نقده بها مائة درهم أو باعه بها جارية أو غير ذلك ; لأن بالبيع يجب الثمن للبائع على المشتري ولم يصر قابضا الدراهم التي وجبت له عليه كما أمر به . فكان هذا وما لو دفع إليه دراهم في الحكم سواء . ( ألا ترى ) أن الطالب يصير مستوفيا حقه بهذه الطريق إذا حلف ليستوفين ماله عليك قبل أن يفارقك وإذا قال الرجل للرجل : ادفع إلى فلان ألف درهم قضاء ولم يقل : عني أو قال : اقض فلانا ألف درهم ولم يقل : على أنها لك علي فدفعها المأمور فإن كان خليطا للآمر رجع بها عليه ; لأن الخلطة القائمة بينهما دليل ظاهر على أن أمره بالقضاء عنه بمنزلة التصريح بهذا اللفظ وهذا لأن كل واحد من الخليطين ينوب عن [ ص: 56 ] صاحبه في قضاء ما عليه ، وإن أداه بناء على الخلطة السابقة . وتلك الخلطة تثبت له حق الرجوع بما يؤدي بأمره كما يثبت له حق الرجوع عليه بما يؤدي إليه ، وإن لم يكن خليطا له لم يرجع بها عليه . في قول أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف الأول - رحمه الله - وإنما رجوعه على المدفوع إليه . وقول أبي يوسف الآخر - رحمه الله - : يرجع على الآمر خليطا كان أو غير خليط لوجهين ( أحدهما ) أن أمره بالدفع إلى غيره بمنزلة أمره بالدفع إليه ولو قال : ادفعه إلي كان له أن يرجع عليه فكذلك إذا أمره بالدفع إلى غيره ولأن فعله في الدفع يترتب على أمره في الفصلين وإذا اعتمد في الأداء أمره فلو لم يرجع صار مغررا من جهته . والغرر مدفوع كما في الخليطين ( الثاني ) أنه قال : ادفعها إليه قضاء والقضاء ينبني على الوجوب ولم يكن على المأمور شيء واجب للمدفوع إليه ولا يعتبر أمر الآمر بذلك بل أمره إنما يعتبر في قضاء ما هو واجب على الآمر وكان إقرارا بوجوب المال عليه من هذا الوجه . وهذا وقوله : اقض عني سواء وأبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - قالا إن قوله : اقض أو ادفعه إليه قضاء كلام محتمل يجوز أن يكون المراد اقضه ماله عليك فيكون هذا منه أمرا بالمعروف ويجوز أن يكون المراد : اقضه ماله علي . والمحتمل لا يكون حجة فلا يثبت به المال على الآمر للمدفوع إليه وإذا لم يثبت المال عليه لا يكون هذا منه استقراضا ولا أمرا بأن يملكه ما في ذمته وطريق الرجوع عليه هنا بخلاف ما لو قال : قضاء عني إذا كان قضاء لما له علي ; لأن الاحتمال قد زال هناك بما صرح به من الإضافة إلى نفسه . ولا يجوز أن يعتبر أمره بالدفع إلى غيره بالدفع إلى نفسه ; لأن قوله ادفعه إلي لا يثبت له حق الرجوع عليه بهذا الأمر بل يقضه المال منه وهذا المعنى يوجب أن يكون رجوعه هنا إلى المدفوع إليه ; لأنه هو القابض للمال منه دون الآمر ولو كان أمر بذلك ولده أو أخاه وهو ليس في عياله فهذا وأمره للأجنبي بذلك سواء ، إلا أن يكون أمره بذلك بعض من في عياله فيكون ذلك بمنزلة ما لو أمر خليطا له بذلك استحسانا ; لأن الإنسان يقضي ما عليه بيد من في عياله . ويد هؤلاء بمنزلة يده ، ولو دفع بنفسه قضاء كان ذلك قضاء لما هو واجب فكذلك إذا أمر بعض من في عياله حتى أدى ، وكذلك الزوجة إذا أمرت بذلك زوجها فإن ما بينهما من الزوجية بمنزلة الخلطة أو أقوى منه ، وكذلك لو أمر به أجيرا له . وإنما أراد به التلميذ الخاص الذي استأجره مسانهة أو مشاهرة فإنه بمنزلة من في عياله ، وكذلك لو أمر به شريكا له ; لأن قيام الشركة بينهما بمنزلة الخلطة أو أقوى منها وهذا كله استحسان وحمل [ ص: 57 ] لمطلق الكلام على ما هو معتاد بين الناس . ولو قال لرجل ادفع إلى فلان ألف درهم فإن كان المأمور خليطا للآمر أو بعض من في عياله رجع المأمور على الآمر باعتبار الخلطة التي بينهما فإن ذلك بمنزلة الغرر من جهته لو لم يثبت له حق الرجوع عليه ; لم يرجع الآمر على القابض ، وإن لم يكن له عليه شيء يصير قصاصا به وأما إذا لم يكن المأمور خليطا للآمر فلا إشكال على قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - أنه لا يرجع على الآمر وإنما يرجع به على القابض وإنما اختلفوا على قول أبي يوسف الآخر - رحمه الله - فعلى قياس الطريقة الأولى يرجع على الآمر بمنزلة ما لو قال : ادفعه إلي . وعلى قياس الطريقة الثانية يكون رجوعه على القابض ; لأنه ليس في لفظه ما يدل على أن القابض يستوفي حقا واجبا له بخلاف ما إذا قال : ادفعها إلى فلان قضاء . ولو أمر خليطا له أن ينقد فلانا عنه ألف درهم نجية فنقد عنه ألف درهم غلة أو نبهرجة لم يرجع على الآمر إلا بمثل ما أعطى بخلاف الكفيل بالنجية إذا أدى بالغلة فإنه يرجع بالنجية فإن رجوع الكفيل بحكم الالتزام . ( ألا ترى ) أنه لو وهب المال منه رجع على الأصيل وإنما التزم في ذمته النجية فاستوجب مثلها في ذمة الأصيل ثم إن سامحه الطالب فتجوز بالغلة ; لا يجب أن يسامح الأصيل بشيء فأما المأمور فهو غير ملتزم في ذمته شيئا وإنما يثبت له حق الرجوع بالأداء . ( ألا ترى ) أنه لو وهب المال منه لم يصح فإن كان رجوعه بالأداء رجع المؤدي . ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فأحال بها عليه رجلا فلما استوفاها المحتال قال المحتال للمحيل : كان المال لي عليك فإنما استوفيت حق نفسي ، وقال المحيل : بل كنت وكيلي في قبض مالي ; لم يكن لك علي شيء فالقول قول المحيل ; لأن وجوب المال له على المحتال عليه كان ظاهرا كالمقبوض بذلك السبب فيكون ملكا له ثم القابض يدعي لنفسه دينا عليه حتى يحبس ماله بذلك . ولم يظهر ذلك الدين له عليه ، فإن إحالته عليه لا تكون دليلا على وجوب المال للمحتال على المحيل فيكون القول قول المنكر ويؤمر بدفع المال إليه إلا أن يثبت دين نفسه عليه . ولو أراد المحتال عليه أن يمنع المال من الذي أحال به عليه ورب المال غائب ; لم يكن له عليه ذلك بعد الحوالة ; لأنه قد التزم دفع المال إليه فعليه الوفاء بما التزم ، وكذلك لو قال رب المال : اضمن له هذا المال . فهو مثل الحوالة بخلاف ما لو قال : اضمن له هذا المال عني فإنه يكون إقرارا من رب المال بالمال لهذا ; لأنه أمره بأن يضمن عنه ولا يتحقق ذلك إلا بعد وجوب المال عليه ولأن قوله : اضمن عني له ، بمنزلة التصريح منه أن القابض عامل لنفسه وليس بوكيل من جهته وإنما يكون ذلك عند وجوب [ ص: 58 ] المال للطالب على الأصيل وكذلك الحوالة إذا قال : يحتال إليك بالألف التي لي عليك ; لم يكن هذا إقرارا بأن المال عليه . ولو قال : هو محتال عليك بألف درهم لتؤديها عني من المال الذي لي عليك فهذا إقرار منه بوجوب المال عليه للمحتال . وإذا قال : يحتال عليك بألف درهم لم يكن هذا إقرارا منه بالمال ولكن المحتال عليه لا يستطيع الامتناع من أداء المال إلى المحتال ; لأنه التزمها له ولأن كلامه محتمل . وبالمحتمل لا يكون له أن يمتنع من إيفاء ما التزم ، وإن أداها وكان خليطا للآمر رجع بها عليه ورجع بها الآمر على المضمون له بعد أن يحلف أنها ليست عليه . وقد بينا في الحوالة نظيره فكذلك في الضمان ولو لم يكن خليطا له لم يرجع بها عليه ; لأنه ليس في لفظه ما يدل على الأمر بالضمان فلا يثبت له حق الرجوع عليه ولكنها تسلم للمضمون له بخلاف ما سبق من قوله : ادفع ; لأنه ليس هناك من المأمور التزام شيء للمدفوع إليه . ( ألا ترى ) أن له أن يمتنع من الدفع إليه فكذلك بعد الدفع له أن يرجع بها عليه . وهنا بقبول الحوالة والضمان قد التزم المال للمضمون له حتى لا يكون له أن يمتنع من الدفع إليه في الابتداء فكذلك بعد الدفع إليه لا يكون له أن يرجع عليه بشيء مما أدى إليه . والله أعلم بالصواب . باب صلح الكفالة ( قال رحمه الله ) : وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم وبها كفيل عنه بأمره فصالح الكفيل الطالب على مائة درهم على إبراء الأصيل من الألف ; جاز كما لو صالحه الأصيل بنفسه وهذا ظاهر ; لأن الطالب استوفى عشر حقه وأبرأه من سوى ذلك ، وكل واحد من الأمرين صحيح في الكل ، فكذلك في البعض لم يرجع الكفيل على المكفول عنه بمائة درهم ; لأن رجوع الكفيل باعتبار ثبوت الملك له . وذلك مقصور على ما أدى دون ما أبرأه الأصيل عنه ; لأن الإبراء إسقاط فلا يتضمن التمليك من الكفيل ، ولا يتحول به أصل الدين إلى ذمة الكفيل بخلاف الإيفاء فإنه يتضمن تحول أصل الدين إلى ذمة الكفيل ; ليتملك بأدائه ما في ذمته فيستوجب الرجوع به على الأصيل . ولو صالحه على مائة درهم على أن يبرئ الكفيل خاصة من الباقي رجع الكفيل على الأصيل بمائة درهم ورجع الطالب على الأصيل بتسعمائة ; لأن إبراء الكفيل يكون فسخا للكفالة ولا يكون إسقاطا لأصل الدين فيبقى له في ذمة الأصيل [ ص: 59 ] ما أبرأه الكفيل منه وتسعمائة وهذا ; لأن الكفيل يلتزم المطالبة ، وإبراء الكفيل يكون تصرفا في تلك المطالبة دون أصل الدين . وبالإبراء لا يتحول الدين إلى ذمة الكفيل . ولو صالحه على مائة درهم على أن وهب التسعمائة للكفيل ; كان للكفيل أن يرجع بالألف كلها على المكفول عنه ; لأنه ملك جميع الأصل ، وهو الألف بعضها بالأداء وبعضها بالهبة منه . والبعض معتبر بالكل وهذا لأن الهبة تمليك في الأصل . فمن ضرورة تصحيحه : تحول الدين إلى ذمة الكفيل ، فلا يبقى للطالب في ذمة الأصيل شيء ويتحول الكل إلى ذمة الكفيل ثم يتملكها بالهبة والأداء فيرجع بها على الأصيل ولو صالح الكفيل الطالب على عشرة دنانير أو باعه إياه بعشرة دنانير كان للكفيل أن يرجع على الأصيل بجميع الألف ; لأنه بهذا الصلح والشراء يتملك جميع الألف . ومن ضرورة صحتها تحول الدين إلى ذمة الكفيل . فإن الصلح في غير جنس الحق يكون تمليكا كالبيع ، وكذلك كل ما صالحه عليه من مكيل أو موزون بعينه أو حيوان أو عرض أو متاع فالجواب في الكل سواء ولو كان معه كفيل آخر وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه ; كان له أن يرجع على صاحبه بنصف ذلك ; لأن هذا الصلح أو البيع بمنزلة الأداء في حق الرجوع على الأصيل فكذلك في حق الرجوع على الكفيل معه . ولو أدى جميع المال ; كان له أن يرجع بنصفه على شريكه في الكفالة فكذلك هنا . ولو كفل رجلان عن رجل بألف درهم وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه فأدى أحدهما ثم أخذ صاحبه في الكفالة معه بالنصف فصالحه من ذلك على مائة درهم على إن أبرأه خاصة مما بقي فهو جائز واستوجب الرجوع على صاحبه بنصف المؤدى وهو خمسمائة ليستوي معه في الغرم فإذا استوفى منه بعض ذلك وأبرأه عن الباقي ; جاز كما لو عامل الأصيل بمثل ذلك . ثم براءة الكفيل بالإبراء لا تكون براءة للأصيل وقد كان للمؤدي أن يرجع على الأصيل بجميع الألف فإنما وصل إليه من جهة صاحبه مائة فيبقى حقه في الرجوع على الأصيل بتسعمائة ويثبت للكفيل الآخر حق الرجوع على الأصيل بمائة فأيهما أخذ منه شيئا اقتسما المأخوذ اعتبارا على قدر شركتهما فيما في ذمته . لأحدهما تسعة أعشاره ، وللآخر عشر . ولو صالح المؤدي صاحبه من الخمسمائة على عشرة دنانير أو كر حنطة أو عرض ; جاز ذلك كما يجوز صلحه مع الطالب عن الخمسمائة على هذا المقدار . ويملك الكفيل الآخر خمسمائة بهذا الصلح بمنزلة ما لو أداها بعينها إلى المؤدي فيتبع كل واحد منهما الأصيل [ ص: 60 ] بخمسمائة وأيهما أخذ شيئا كان لصاحبه نصفه على حسب حقهما في ذمته . ولو كان الدين طعاما وبه كفيل فصالح الكفيل الطالب منه على عشرة دراهم ; رجع بالطعام كله على المكفول عنه ; لأن ما أداه الكفيل يصلح أن يكون عوضا عن جميع الطعام فيصير به متملكا بجميع الطعام . ( ألا ترى ) أنه لو باعه بالطعام ثوبا ; كان به متملكا جميع الطعام حتى يرجع به على الأصيل فهذا مثله . ولو كان الدين ألف درهم وبه كفيلان كل واحد منهما ضامن عن صاحبه فصالح أحد الكفيلين صاحبه على مائة درهم على أن يبرئه من حصته من الكفالة وقبضها منه ثم إن الكفيل الذي قبض المائة أدى المال كله إلى الطالب ; رجع على المكفول عنه بتسعمائة ولم يرجع على الكفيل معه بشيء ويرجع المؤدي للمائة على المكفول عنه بالمائة ; لأن كل واحد منهما كفيل عن الأصيل بجميع المال وعن صاحبه بنصف المال ، صلح الكفيل مع الأصيل قبل أدائه إلى الطالب صحيح كما يجوز صلحه مع الطالب فإذا صالح أحدهما صاحبه على مائة ; فقد صار مبرئا له عما زاد على المائة مما استوجب الرجوع عليه وهو كان كفيلا عن الأصيل وإبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل فإذا أدى القابض للمائة جميع الألف ; فإنما أدى عن الأصيل تسعمائة فيستوجب الرجوع بها عليه ويصير مؤديا عن الكفيل معه مقدار ما كفل عنه وذلك مائة درهم فيرجع المؤدي للمائة على الأصيل بتلك المائة ; لأن أداء كفيله عنه كأدائه بنفسه . ولو لم يكن هكذا ولكن الطالب أخذ الكفيل الذي أدى المائة واستوفى منه الألف كلها فله أن يرجع على شريكه بتسعمائة ; لأنه دفع إليه المائة على أن يؤديها عنه إلى الطالب فإذا لم يفعل حتى أداها بنفسه كان له أن يرجع عليه بتلك المائة ، وقد كان كفل عنه خمسمائة وأداها ; فله أن يرجع عليه بتلك الخمسمائة أيضا . ولو كان الكفيل صالح صاحبه على كر حنطة ودفعه إليه على أن أبرأه من حصته من الكفالة ; فهذا جائز فيما بينهما ; لأنه كفل بالخمسمائة وما أدى إليه يصلح أن يكون عوضا عن الخمسمائة ويكون هذا التصرف منهما غير جائز في حق الطالب ; فله أن يأخذ بجميع المال أيهما شاء . فإن أخذ الطالب الكفيل الذي أدى بالألف فأداها فإنه يرجع بها تامة على الكفيل الذي معه وبخمسمائة مع ذلك على الذي عليه الأصل إن شاء إلا أن يشاء الكفيل القابض للطعام أن يرد عليه الطعام ، ويرد عليه خمسمائة مع ذلك ; لأن المؤدي للألف استوجب الرجوع على شريكه في الكفالة بنصف ما أدى وهو خمسمائة ; لأنه تحمل ذلك عنه بأمره ، وبالنصف الآخر ; لأنه دفع إليه الطعام على أن يؤدي عنه ما يقابله وهو خمسمائة إلى الطالب فإذا [ ص: 61 ] لم يفعل حتى أدى بنفسه كان له أن يرجع عليه بتلك الخمسمائة أيضا إلا أن القابض للطعام قبضه بطريق الصلح على أن يبرئ المؤدي من رجوعه عليه لا على أن يرجع المؤدي عليه بخمسمائة . فإذا آل الأمر إلى ذلك خير ; لأن مبنى الصلح على التجوز بدون الحق فإن شاء نقض الصلح ورد عليه الطعام ، وإن شاء أمسك الطعام ورد عليه عوضه وهو خمسمائة ، وإن شاء المؤدي للألف رجع بخمسمائة على الأصيل ; لأنه أداها عنه بعد ما تحملها بأمره ، ورجع بخمسمائة على الكفيل الذي قبض الطعام إلا أن يشاء الكفيل أن يرد عليه الطعام لما بينا . ( وحاصل فقه هذه المسألة ) أن الخمسمائة التي هي عوض عن الطعام لا يستوجب المؤدي الرجوع بها على الأصيل ; لأنه صار مملكا إياها من المؤدي للطعام ، فيكون رجوعه بذلك على القابض للطعام خاصة إلا أن يشاء القابض للطعام أن يرد عليه الطعام ; لأنه قبضه منه على سبيل الحط والإغماض ولو صالح أحد الكفيلين صاحبه على عشرة دنانير ودفعها إليه على أن أبرأه من حصته من الكفالة ثم إن الطالب صالح الكفيل الذي قبض الدنانير على تلك الدنانير بأعيانها عن جميع المال وأداها إليه ; كان جائزا ; لأنه ملك الدنانير وتم ملكه فيما قبضه من صاحبه فالتحق تعيينها من دنانيره في جواز الصلح مع الطالب عليها من جميع المال ، ويكون هذا الصلح تمليكا منه لانعدام معنى الربا عند اختلاف الجنس ثم يكون للكفيل الذي صالح الطالب أن يرجع على الأصيل بخمسمائة درهم ، ويرجع الكفيل الآخر على الأصيل بخمسمائة أيضا ; لأن الذي صالح الطالب قد يملك جميع الألف بهذا الصلح ، بمنزلة ما لو أدى إليه جميع الألف وكان له أن يرجع على شريكه بخمسمائة لولا صلحه معه ، وقد صح صلحه معه عن الخمسمائة على الدنانير فيجعل ذلك الصلح بينهما كأنه كان بعد إذنه فيتقرر كل واحد منهما في الرجوع عن الأصيل بخمسمائة ; لأن أداء الكفيل المصالح الأول عنه كأدائه بنفسه . وأيهما أخذ شيئا من الأصيل شاركه فيه صاحبه ; لأن الدين الذي في ذمة الأصيل مشترك بينهما . وما يقبض أحد الشريكين من دين مشترك بينهما شاركه فيه صاحبه . ولو لم يكن هكذا ولكن أحد الكفيلين أدى المال كله إلى الطالب ثم صالح الكفيل معه على مائة درهم على أن أبرأه أو على عشرة دنانير على أن أبرأه وقبض ذلك ; فهو جائز ; لأنه بالأداء استوجب الرجوع على شريكه في الكفالة بخمسمائة . والصلح من الخمسمائة على مائة درهم أو على عشرة دنانير جائز . وهما يتبعان الأصيل بالألف تامة ; لأنهما صارا مؤديين عنه جميع الألف فإن كان الصلح بينهما على الدنانير ; فالألف بينهما [ ص: 62 ] نصفان ; لأن مؤدي الدنانير يصير متملكا للخمسمائة بما أدى فالصلح يصح بطريق التمليك إذا أمكن . ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 62الى صـــ 71 (412) والإمكان موجود عند اختلاف الجنس فيكون رجوع كل واحد منهما على الأصيل بخمسمائة بمنزلة ما لو أدى صاحبه خمسمائة ، وإن جرى الصلح بينهما على مائة درهم ; فالألف بينهما على عشرة أسهم ; لأن صحة الصلح عنهما هنا بطريق الإسقاط فإن مبادلة الخمسمائة بالمائة ربا فالمؤدي للمائة لا يأخذ إلا مقدارها . وإبراء مؤدي الألف صاحبه عما زاد على المائة لا يكون إبراء الأصيل فيكون له أن يرجع على الأصيل بتسعمائة وللآخر أن يرجع عليه بالمائة فإذا اقتضاه شيئا منها يكون المقبوض بينهما على مقدار حقهما اعتبارا . ولو صالحه على عرض أو حيوان كان مثل الصلح على الدنانير ; لأن تصحيحه بطريق التمليك ممكن . والصلح قبل الأداء وبعد الأداء جائز ; لأن الدين يجب للكفيل عن الأصيل بالكفالة كما يجب للطالب على الكفيل بعين في حق المطالبة . ( ألا ترى ) أن الكفيل يطالب الأصيل بحسب ما تعامله الطالب مع الكفيل ويجوز صلح الكفيل مع الأصيل قبل الأداء وبعده وإذا كان الدين طعاما قرضا أو غصبا فصالح أحد الكفيلين صاحبه على دراهم مسماة على أن أبرأه من خصومته ; فهو مثل الباب الأول ، لما بينا أن تصحيح هذا الصلح بينهما بطريق المبادلة ممكن فإن أدى الذي قبض الدراهم والطعام كله ; كان لهما أن يتبعا الأصيل بذلك نصفين ; لأن المؤدي للدراهم كان أصيلا في حق صاحبه . وأداء كفيله كأدائه بنفسه . وقد تم ملكه في حصته من الطعام بما أدى من الدراهم إلى صاحبه فيرجع على الأصيل بذلك والمؤدي للطعام كفيل عن الأصيل بالطعام وقد أدى فيرجع عليه بما لم يصل إليه عوضه من صاحبه وذلك نصف الطعام فلهذا رجعنا عليه بالطعام نصفين ، وإن أدى الطعام الذي دفع الدراهم اتبع صاحب الأصل بالجميع ; لأنه كان كفيلا عنه بجميع الطعام وقد أدى فيرجع على الكفيل الذي قبض الدراهم بنصف ما أدى الطعام ; لأنه دفع إليه الدراهم عوضا عن نصف الطعام الذي كان كفل به عنه ليؤديه إلى الطالب ولم يفعل فيرجع عليه بذلك إلا أن يشاء القابض للدراهم أن يرد الدراهم ; لأنه قبضها بطريق الصلح ومبنى الصلح على التجوز بدون الحق فإذا آل الأمر إلى أن يلزمه رد نصف الطعام ويكمله عليه ; كان له أن يلتزم هذا الضرر ويرد عليه المقبوض من الدراهم إن شاء ، وإن شاء الكفيل الذي أدى الطعام اتبع صاحبه في الكفالة بجميع الطعام ليؤديه عنه إلى الطالب فإذا لم يفعل حتى أدى بنفسه كان له أن يرجع عليه بذلك أيضا إلا أن يشاء القابض للطعام [ ص: 63 ] أن يرد عليه دراهمه مكان نصف الطعام فحينئذ يكون له ذلك فيدفع إليه دراهمه مع نصف الطعام فالمقبوض منه يكون مشتركا بينهما على قدر حقيهما . وإن كانا كفيلين عن رجل بمائة درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بها ثم إن أحد الكفيلين صالح الآخر على عشرة دراهم على أن أبرأه ثم صالح الطالب الذي قبض العشرة على خمسة دراهم وأداها إليه فإنه يرد تسعة ونصفا على الكفيل الذي معه ثم يرجعان جميعا على الأصيل بخمسة ; لأن المؤدي للعشرة إنما أداها إلى صاحبها على أن يؤدي عنه العشرة وهو ما أدى إلى الطالب مما كفل عنه إلا درهمين ونصفا ; لأنه أدى إليه خمسة - وهي شائعة في النصفين - نصف ذلك مما هو فيه متحمل عن صاحبه فعرفنا أنه أدى إلى الطالب مما تحمل عن صاحبه درهمين ونصفا . وصاحبه إنما برئ مما بقي بإبراء الطالب ; لأن عند اتحاد الجنس يتعدد تصحيح الصلح بطريق المبادلة فلهذا رجع المؤدي للعشرة على صاحبه بسبعة ونصف . ثم كل واحد منهما يؤدي عن الأصيل درهمين ونصفا حكما فيرجعان عليه بالخمسة كذلك . ولو لم يكن هكذا ، ولكن الذي عليه الأصل صالح أحد الكفيلين على عشرة دراهم ودفعها إليه ; فهو جائز بطريق الإسقاط لما وراء العشرة مما استوجب الرجوع به عليه عند الأداء . فإن أدى الكفيل الذي أخذ العشرة إلى الطالب المائة درهم لم يرجع على الأصيل ولا على صاحبه بشيء ، وقد صالح الأصيل على ما أخذ منه من العشرة وصار مبرئا له عما زاد على ذلك فلا يرجع عليه بشيء عند الأداء . والكفيل معه إنما استفاد البراءة ببراءة الأصيل لا بأدائه ; لأن براءة الأصيل على أي وجه تكون تتضمن براءة الكفيل . ولو أدى الكفيل الآخر المائة كان له أن يرجع على الكفيل الذي معه بخمسين درهما وعلى الأصيل بمثل ذلك ; لأنه صار مؤديا عن الكفيل الذي معه مقدار الخمسين . ولو لم يجر بين الكفيل الآخر وبين الأصيل صلح ; كان لهذا المؤدي أن يرجع على الكفيل الآخر بما أدى عنه بالكفالة وهو مقدار الخمسين فبعد صلحه أولى وقد كان كفيلا عن الأصيل بالخمسين الأخرى وأداها عنه ثم يرجع الأصيل على الكفيل الذي صالحه بخمسة دراهم ; لأنه كان صالحه على عشرة دراهم ونصف ذلك مما كان هو الذي كفل به عنه ونصفه مما كفل به صاحبه على أن يكون هو المؤدي عنه . فإذا لم يفعل كان له أن يرجع عليه بنصف تلك العشرة وهو خمسة وتسليم الخمسة الأخرى للمصالح ; لأن الكفيل الآخر لما رجع عليه بخمسين ; كان له أن يرجع بذلك على الأصيل لولا صلحه معه على هذه الخمسة وإبراؤه إياه [ ص: 64 ] عما زاد عليها إلى تمام الخمسين ولو صالح الأصيل الكفيلين جميعا على عشرة دراهم من جميع الكفالة فهو جائز . وأيهما أدى بالكفالة المائة إلى الطالب فإنه لا يرجع على الأصيل بشيء إلا بخمسة ; لأن كل واحد منهما بالصلح قد أبرأه عما زاد على الخمسة إلى تمام ما كفل عنه ، ولو أبرأه عن ذلك بعد الأداء سقط حقه في الرجوع عليه فكذلك قبل الأداء ، وإن شاء رجع على صاحبه بالخمسة التي قبضها من الأصيل ; لأنه إنما كان قبض تلك الخمسة ليؤدي إلى الطالب ما تحمل عن الأصيل ولم يؤد شيئا ، وإنما أداه الآخر فيكون هو أحق بتلك الخمسة ، يقبضها منه ولا يتبعان بشيء لما بينا أو المراد بقوله : لا يرجع المؤدي على الأصيل إلا بخمسة سوى الخمسة التي قبضها صاحبه في الكفالة ; لأن المؤدي أدى تلك الخمسة بحكم الكفالة عن الأصيل وهو ما أبرأه منها فيرجع بها على الأصيل إن شاء ثم يرجع بها الأصيل على القابض منه ، وإن شاء رجع بها على صاحبه لما بينا ، وإن لم يؤد واحد من الكفيلين المال ولكن أدى الأصيل ; رجع على الكفيلين بعشرة دراهم بعينها ; لأنهما استوفيا العشرة منه ليؤديا عنه ما تحملا من الدين ولم يوجد ذلك حين أدى هو المال بنفسه ; فكان له أن يرجع عليهما بتلك العشرة ولا يرجع بما زاد على ذلك ; لأن رجوعه عليهما بحكم استيفائهما منه لا بحكم إسقاطهما عنه . ولو صالحهما على ثوب ودفعه إليهما ثم إنه أدى المائة إلى الطالب ; رجع على كل واحد منهما بقبض نصف الثوب منه في حكم المستوفي الخمسين بطريق المبادلة وإنما استوفى على أن يؤدي عنه حق الطالب . فإذا لم يفعل ولكن أداها صاحبه وقد كان كفيلا عنه بها كان له أن يرجع بتلك الخمسين عليه وإن شاء رجع بها على الأصيل ; لأنه يتحمل تلك الخمسين عن الأصيل وقد أداها فإن رجع بها على الأصيل رجع بها الأصيل على الكفيل الذي لم يؤد شيئا إلا أن يشاء الكفيل أن يرد عليه نصف الثوب الذي صالحه عليه ; لأنه استوفاها عنه ليؤديها عنه فإذا لم يفعل حتى أدى هو بنفسه إلى الكفيل المؤدي عنه ; كان ذلك بمنزلة أدائه إلى الطالب فيرجع بها على الذي لم يؤد شيئا إذ الذي لم يؤد شيئا صار مستوفيا بطريق التجوز بدون الحق فيتخير لذلك . ولو لم يؤد مائة درهم ولكنه أدى عشرة دراهم فصالحه عليها الطالب ; فإنه لا يرجع على شريكه في الكفالة بخمسة دراهم ولكن الأصيل يرجع على الكفيل المؤدي للعشرة إلى الطالب بأربعين درهما وعلى الكفيل الآخر بخمسين ; لأن كل واحد منهما بقبض نصف الثوب منه صار قابضا للخمسين على أن يؤدي عنه ذلك إلى الطالب ولم يفعل ذلك الذي [ ص: 65 ] لم يؤد إلى الطالب شيئا وإنما برئ هو عن تلك الخمسين بإبراء الطالب إياه ، فكان للأصيل أن يرجع عليه بتلك الخمسين إلا أن يشاء هو رد نصف الثوب عليه . والمؤدي للعشرة كان في حكم القابض للخمسين منه أيضا على أن يؤدي ذلك عنه وإنما أدى إليه عشرة فما زاد على العشرة إنما برئ الأصيل عنه بإبراء الطالب فيكون له أن يرجع على المؤدي للعشرة بقدر الأربعين لذلك . ولا رجوع للمؤدي للعشرة على شريكه بنصف العشرة ; لأنه قد استوفى من الأصيل هذه العشرة وزيادة فكيف يرجع بشيء منها على شريكه ؟ ولو لم يؤد شيئا ولكن الأصيل صالح الطالب على عشرة دراهم فإنه يرجع على كل واحد من الكفيلين بخمسين درهما إلا أن يشاء رد الثوب عليه ; لأن كل واحد منهما في حكم المستوفي للخمسين منه ولكن بطريق التجوز بدون الحق . ولو كان الأصيل صالح الكفيلين على عشرة دراهم وكان أحد الكفيلين صالح الطالب على أربعة دراهم فإنه لا يرجع على صاحب الدرهمين اللذين أدى عنه لما بينا أنه قبض ذلك من الأصيل وزيادة ولكن يرد درهما على الأصيل ; لأنه قبض من الأصيل خمسة وما أدى عنه إلى الطالب إلا أربعة فإنما برئ عما زاد على الأربعة بإبراء الطالب ويرد صاحبه خمسة دراهم على الأصيل ; لأن صاحبه استوفى من الأصيل خمسة دراهم ، ولم يؤد عنه شيئا وإنما برئ هو من حصة صاحبه بإبراء الطالب ولو كان الأصيل صالحهما على ثوب ثم إن أحدهما صالح الطالب على دراهم على أن أبرأه من جميع المال ; لم يرجع على شريكه بشيء ; لأنه إنما أدى إلى الطالب درهما ، وقد صار مستوفيا من الأصيل مقدار الخمسين بالصلح على الثوب فلهذا لا يرجع على شريكه بشيء ولكن المصالح مع الطالب يرد على الأصيل تسعة وأربعين درهما ، وصاحبه يرد على الأصيل خمسين درهما ; لأن كل واحد منهما صار مستوفيا للخمسين درهما من الأصيل على أن يستفيد الأصيل البراءة من حق الطالب بأدائهما ولم يوجد ذلك ، فالذي صالح الطالب على الدراهم إنما أدى عنه الدراهم فقط فيرد عليه ما زاد على ذلك إلى تمام الخمسين والآخر لم يؤد عنه شيئا إلى الطالب فيرد عليه ما صار مستوفيا منه وذلك خمسون درهما . وإذا كفل رجل بمال مؤجل ثم فاوض رجلا ، ثم حل الأجل ; لم يلزم شريكه من ذلك شيء . أما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فلأن عقد المفاوضة لا يوجب المساواة بينهما في ضمان الكفالة أن لو كانت الكفالة بعد الشركة ، فإذا كانت قبلها أولى . وأما عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلأن كل واحد من المتفاوضين يكون كفيلا عن صاحبه فيما يجب على صاحبه بسبب يباشره بعد [ ص: 66 ] الشركة وهذا المال إنما لزمه بسبب باشره قبل الشركة ; لأن وجوب المال عليه بسبب الكفالة لا بحلول الأجل . والأجل الذي كان مانعا من المطالبة يرتفع بمضي المدة فيبقى المال عليه بسبب الكفالة وقد كان قبل الشركة فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم فاوض رجلا . ولو كفل بالمال مؤجلا وهو معاوضة ثم فارقه أو صار شريكه فإنه يلزم شريكه جميع الكفالة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن المال إنما لزمه بسبب باشره في حال قيام الشركة بينهما وإنما كان زوال المانع بعد انقطاع الشركة وكما وجب المال بمباشرة السبب على الذي باشره وجب على الآخر بحكم الكفالة عنه ; فيفسخ الشركة وانفساخها بالموت لا يسقط عنه ما كان لزمه كما لو اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم تفاسخا الشركة فإن أداها الشريك قبل الفرقة أو بعدها كان له أن يرجع على الذي أمر شريكه بالكفالة ; لأنه كما قام مقام الشريك في وجوب المال عليه والأداء إلى الطالب فكذلك في الرجوع على الأصيل ; وهذا لأن بالكفالة كما وجب المال للطالب على كل واحد من الشريكين وجب أيضا لكل واحد منهما على الأصيل الذي أمر أحدهما بالكفالة ; لأن أمره أحدهما كأمره إياهما فإنهما بعقد المفاوضة صارا كشخص واحد ، وكذلك لو أداه بعد موت الكفيل ; لأنه مطالب بالمال بعد موته كأن مات قبله فإن مات المفاوض الذي لم يكفل قبل حل الأجل ; فالمال يحل عليه في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ولا يحل على الحي منهما ; لأن الأجل كان ثابتا في حق كل واحد منهما إلا أن الميت استغنى عن الأصيل بموته والحي يحتاج إلى ذلك . والميت لا ينتفع ببقاء الأجل بل يتضرر بذلك ; لأن يد الوارث لا تنبسط في التركة والحي ينتفع بالأجل فيبقى الأجل في حق الحي منهما دون الميت . وحلول المال على الميت منهما بعد الموت لا يوجب حلوله على الآخر ; لأن الشركة قد انقطعت بموته . فأما في شركة العنان والمضاربة إذا كفل أحدهما بمال أو نفس لم يلزم شريكه منه شيء ; لأن الشركة بينهما تتضمن الوكالة في التجارة دون الكفالة فالدين الذي يجب على أحدهما بمباشرة سببه يكون الآخر كالأجنبي فيه فلا يطالب بشيء منه . وإذا كان لرجل على رجل حنطة سلم وبه كفيل فأداه الكفيل ثم صالح المكفول عنه على دراهم أو عرض أو مكيل أو موزون يدا بيد فهو جائز ; لأن ما يرجع به الكفيل على الأصيل ليس بسلم فإن السلم اسم لما يجب بعقد السلم وهذا إنما يجب للكفيل على الأصيل بعقد الكفالة وهو عقد آخر سوى السلم . ( ألا ترى ) أنه لو كفل ببدل الصرف أو برأس مال السلم وأداه في المجلس ثم فارق الأصيل قبل أن يرجع به عليه جاز ذلك ; لأن ما يرجع به [ ص: 67 ] الكفيل على الأصيل بمنزلة بدل القرض فإن الكفيل يصير مقرضا ذمته من الأصيل بالالتزام للمطالبة بالكفالة ثم يصير مقرضا ماله منه بالأداء عنه فما يرجع به عليه يكون بدل القرض . والاستبدال ببدل القرض صحيح . ولو كان شيء من ذلك نسيئة لم يجز إلا الطعام ; لأن ذلك يكون دينا بدين فأما إذا صالحه بكر من حنطة إلى أجل ; فهو جائز ; لأنه لا مبادلة هنا بل هو تأجيل في عين ما استوجب الرجوع به عليه . فإن قيل : فأين ذهب قولكم : إنه بمنزلة القرض والأجل في القرض لا يلزم . قلنا : هو في حكم القرض وأما في الحقيقة فليس بقرض بل هو واجب بعقد مآلا ، وهو الكفالة والأجل في القرض إنما لم يلزم بمنزلة الإعارة ، وهو غير موجود فيما وجب بعقد الكفالة فلهذا صح تأجيله فيه ولو صالحه على شيء قبل أن يؤدي كان جائزا ; لأنه بنفس الكفالة وجب الدين للكفيل على الأصيل كما وجب للطالب على الكفيل ولكنه مؤجل على أن يؤدي عنه . والصلح عن الدين المؤجل قبل حلول الأجل صحيح . فإن أدى الأصيل الطعام إلى الطالب رجع على الكفيل بطعام مثله في ذلك كله ( ما خلا خصلة واحدة ) وهي ما إذا كان صالحه على طعام أقل من ذلك فإنه لم يرجع إلا بمثل ما أعطاه ; لأن هذا كان منه إسقاطا لبعض حقه واستيفاء للبعض فلا يرجع عليه إلا بقدر ما أوفاه وفيما سواه كان الصلح بينهما مبادلة وكان الكفيل كالمستوفي منه جميع الطعام بما أخذه من عوضه وإنما استوفى ذلك ليقضي عنه ما عليه للطالب فإذا لم يفعل كان للأصيل أن يرجع عليه بما استوفى منه كما إذا أوفاه الطعام حقيقة . ولو أخذ الكفيل الطعام من الأصيل قبل أن يؤديه ثم أداه ; كان التأجيل صحيحا ; لأنه استوجب المال عليه بعقد الكفالة قبل الأداء . والتأجيل في الدين بعد وجوبه صحيح . ولو صالح الكفيل الأصيل على دراهم ثم افترقا قبل أن يقبضها فالصلح باطل ; لأنه استوجب عليه الطعام دينا ، فإذا صالحه على دراهم كان دينا بدين فلا يكون عفوا بعد المجلس . والدراهم لا تتعين بالتعيين ما لم تقبض ، وكذلك لو صالحه على شيء بغير عينه مما يكال أو يوزن ما خلا الطعام فإنه إن صالحه على نصف كر حنطة إلى أجل فهو جائز ; لأنه لا مبادلة بينهما في هذا الصلح ، وإنما حط عنه نصف كر وأجله في ذلك النصف وذلك مستقيم . والله أعلم . باب الكفالة والحوالة إلى أجل ( قال - رحمه الله - ) وإذا كان لرجل على رجل مائة درهم إلى أجل مسمى فضمنها رجل عنه إلى [ ص: 68 ] أجل دون ذلك أو أكثر منه أو مثله ; فهو جائز على ما سمي أما إذا لم يسم الكفيل شيئا ; فالمال عليه إلى ذلك الأجل ; لأنه بالكفالة إنما يلتزم المطالبة التي هي ثابتة على الأصيل . والمطالبة بهذا المال على الأصيل بعد حل الأجل ، فيثبت ذلك على ذلك الكفيل أيضا . وأما إذا كفل به إلى مثل ذلك فقد صرح بما هو مقتضى مطلق الكفالة ، والتصريح بمقتضى العقد لا يزيده إلا وكادة أما إذا كفل به إلى أجل دون ذلك فلأنه لو كفل به حالا لزمه المال في الحال ; لأن الأصيل لو أسقط الأجل لزمه المال في الحال فكذلك الكفيل وكفالته على أن يؤديه حالا بمنزلة إسقاط الأجل فإذا جاز في جميع الأجل ; جاز في بعضه ، وإن كفل به إلى أجل أكثر من ذلك فلأنه لو كان المال حالا على الأصيل فكفل به الكفيل إلى أجل مسمى ; صح ولم يطالب الكفيل إلا بعد حل الأجل فكذلك إذا كفل به إلى أجل أكثر من الأجل في حق الأصيل ، فإن كان أصل المال حالا فأخذ الطالب المطلوب حتى أقام له به كفيلا إلى سنة ; فهو جائز والتأخير عنهما جميعا ; لأنه أضاف التأجيل إلى أصل المال وأصل المال ثابت في ذمة المطلوب فيثبت الأجل فيه ثم يثبت في حق الكفيل بثبوته في حق الأصيل وهذا بخلاف ما إذا أجل الكفيل سنة ; لأن التأجيل هنا غير مضاف إلى أصل المال بل هو مضاف إلى المطالبة التي التزمها الكفيل بالكفالة فيبقى أصل المال حالا على الأصيل . ولو أن الكفيل أخر المطلوب بعد الحل إلى أجل مسمى كان التأخير عن المطلوب للكفيل دون الطالب ; لأنه أضاف التأخير إلى ما استوجبه على الأصيل بالكفالة وذلك في حكم دين آخر سوى دين الطالب ولأن التأخير تصرف من الكفيل بإسقاط حق المطالبة إلى مدة وذلك صحيح منه على نفسه دون الطالب . ( ألا ترى ) أنه لو صالحه على ثوب أو أبرأه عن بعضه جاز ذلك عليه دون الطالب ولم يرجع به على المكفول عنه حتى يمضي الأجل كما لو أجله بعد الأداء ، ولو أجل المال عليهما ثم أخر الطالب الأصيل سنة فهو تأخير عنهما ولو أخر الكفيل سنة كان له أن يأخذ الأصيل بها حالة اعتبارا للتأجيل بالإبراء فكما أن إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل . وإبراء الأصيل يوجب براءة الكفيل فكذلك التأخير وبعد ما أخر الأصيل إذا أدى الكفيل المال قبل الأجل ; لأن إسقاط الكفيل الأجل صحيح منه فيما بينه وبين الطالب ، ودعواه غير صحيحة منه في حق المطلوب ، وإن كان أخر الكفيل سنة ثم أداه الكفيل قبل الأجل ; كان له أن يرجع على الأصيل في الحال ; لأن المال حال على الأصيل . ( ألا ترى ) أن الطالب كان يطالبه به حالا فكذلك الكفيل يطالبه حالا بعد الأداء [ ص: 69 ] بخلاف ما سبق . والكفالة بالقرض إلى أجل مسمى جائزة ; لأن بدل القرض مضمون تجرى النيابة في أدائه فتصح الكفالة به وهو على الكفيل إلى أجل وعلى المكفول عنه حالا لما بينا أن الكفيل إنما التزم المطالبة بالعقد وذلك يقبل التأخير بالتأجيل . ولو كفل رجل مالا عن رجل ثم كفل به عن الكفيل كفيل آخر ، وأخر الطالب عن الأصيل سنة فهو تأخير عن الكفيلين ; لأن أصل المال في ذمة الأصيل فإذا صار ما في ذمته مؤجلا ثبت الأجل فيما هو بناء عليه . ( ألا ترى ) أنه لو أبرأ الأصيل منها ; برئ الكفيلان جميعا ، وإن أخر عن الكفيل الأول فهو تأخير عنه وعن الكفيل الآخر والمال على الأصيل حال اعتبار التأجيل بالإبراء وهذا لأن المطالبة التي التزمها الكفيل الثاني بناء على المطالبة التي هي على الكفيل الأول . فالتأجيل في حق الكفيل الأول يكون تأجيلا في حق الثاني دون الأصيل . ولو كفل رجل عن رجل بألف درهم إلى سنة ثم إن الكفيل باع الطالب بها عبدا قبل الأجل وسلمه إليه فاستحق العبد ; فالمال على الكفيل إلى أجله بمنزلة ما لو كانت هذه المعاملة للطالب مع الأصيل وهذا ; لأن الأجل إنما سقط حكما للعقد وقد انتقض العقد من الأصيل باستحقاق العبد فكان المال عليه إلى أجله ، وكذلك لو رده المشتري بعيب بقضاء قاض ; لأن الرد بالعيب بقضاء القاضي فسخ للعقد من الأصل ولو رد بغير قضاء قاض ولم يسم أجلا فالمال حال على الكفيل ; لأن هذا بمنزلة الإقالة بمنزلة العقد الجديد فإنها تعتمد التراضي إلا أنها جعلت فسخا فيما بين المتعاقدين فيما هو من أحكام العقد الذي جرى بينهما والأجل ليس من ذلك في شيء فكان في حكم الأجل هذا بمنزلة عقد مبتدإ ، فلا يثبت الأجل في بدله إلا بالشرط ولو كان قضاه الألف معجلة نبهرجة فوجدها ستوقة فردها عليه كان المال عليه إلى أجله ; لأنه تبين أنه ما صار قابضا لدينه . وسقوط الأجل من حكم قبضه فإذا لم يصر قابضا كان المال مؤجلا عليه ، وكذلك إن وجدها زيوفا فردها بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض ; لأن الرد بعيب الزيافة فسخ للقبض من الأصل . بدليل أن الراد ينفرد به وأن يرجع بموجب العقد ، والعقد لا يوجب التسليم مرتين . فلو لم ينتقض القبض من الأصل ; ما كان له أن يرجع بموجب العقد وهذا لأن الزيوف غير الجياد التي هي دين في الذمة فالمقبوض إنما يكون حقا له على أن يتجوز به . فإذا لم يتجوز به ورده عرف أن المقبوض لم يكن حقا له . وسقوط الأجل كان باعتبار أنه قبض حقه فإذا انعدم ذلك بقي الأجل كما كان ، وإن كان حين أعطاه المال أعلمه أنها زيوف فهو جائز ; لأنه تجوز [ ص: 70 ] بدون حقه فيصير الكفيل به قابضا دينه ولا يجعل هذا مبادلة للأجل بالصفة ; لأنه كان من غير شرط بينهما وإنما تتحقق المبادلة إذا كان شرط ، ثم يرجع الكفيل على الأصيل بالجياد ; لأنه بالكفالة استوجب ذلك عليه . ولو أن الكفيل أحاله بالمال على رجل إلى أجل أو حال ، فمات المحتال عليه مفلسا رجع المال على الكفيل إلى أجله ; لأن الحوالة تنفسخ بموت المحتال عليه مفلسا على ما بيناه ، فإنما يعود الحكم الذي كان قبل الحوالة ، وهو أن المال عليه إلى أجله . ولو كفل رجل عن رجل بألف درهم وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه على أن المال على أحدهما إلى سنة وعلى الآخر إلى سنتين فهو جائز ; لأن هذا هو الشرط لما جاء في الحديث { الشرط أملك } أي يجب الوفاء به إذا أمكن وهو ممكن هنا لما بينا أن ما يلتزمه كل واحد من الكفيلين ينفصل عما يلتزمه الآخر في حكم الأجل فإن حل الأجل على صاحب السنة بأدائه رجع به على الأصيل ; لأن المال عليه حال ، وقد كفل هذا الكفيل عنه بأمره وأداؤه لا يرجع به على الكفيل الآخر حتى تمضي سنة أخرى ; لأن المال عليه مؤجل إلى سنتين وهو كفيل عنه إلى سنة فكما أن الطالب لا يطالبه بذلك إلا بعد سنتين ، فكذلك المؤدي عنه بحكم الكفالة ، لا يطالبه بشيء منه حتى تمضي السنتان . ولو كان الأصيل باع الطالب عبدا بالمال وسلمه إليه ; برئ الكفيل من الكفالة لبراءة الأصيل فإن رد الطالب العبد عليه بعيب بغير قضاء قاض لم يرجع المال على الكفيل ; لأن هذا الرد بمنزلة عقد مبتدأ في حق الكفيل ، وإن رده بقضاء قاض أو استحق العبد من يده رجع المال على الكفيل ; لأن بهذا السبب ينفسخ العقد من الأصل في حق الكل ; فيعود ما كان قبل العقد وهو المال على الأصيل والكفيل جميعا . وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم حالة أو إلى سنة فأحاله بها على رجل إلى سنة ثم مات المحيل ; وهي على المحتال عليه إلى الأجل ; لأن بالحوالة تحول أصل المال إلى ذمة المحتال عليه وثبت الأجل حقا له وهو حي محتاج إلى الأجل فيبقى الأجل في حقه بعد موت المحيل ، وإن مات المحتال حل المال عليه ; لأنه استغنى عن الأجل بموته فإن لم يترك وفاء ; رجع المال إلى المحيل . فإن كان إلى أجل فهو عليه إلى ذلك الأجل وإن لم يكن له أجل فهو حال عليه ; لأن الحوالة تنفسخ بموت المحتال عليه مفلسا فعاد ما كان من الحكم قبل الحوالة . ولو كان لرجل على رجل ألف درهم قرض وللمطلوب على آخر ألف درهم قرض فأحال المطلوب الطالب بالألف التي للمطلوب على الآخر إلى سنة ; فهو جائز وهي له إلى سنة ; لأنها إنما تجب للطالب على المحتال عليه بعقد [ ص: 71 ] الحوالة والواجب بعقد الحوالة كالواجب بعقد الكفالة في صحة اشتراط الأجل فيه وليس للمحيل أن يأخذ المحتال عليه بالألف التي كانت له عليه ; لأنه إنما قبل الحوالة مقيدة بذلك المال فصارت مشغولة بحق الطالب ولا يبقى للمحيل سبيل على أخذها لو كانت عينا له في يد المحتال عليه فكذلك إذا كانت دينا في ذمته ، وإن أبرأه منها أو وهبها له لم يجز ; لأن حق الطالب تعلق بها وذلك يوجب الحجر على المحيل عن التصرف فيها ولو صح منه هذا التصرف بطل حق الطالب قبل المحتال عليه ; لأنه ما التزم الحوالة بالمال مطلقة ، وإنما التزمها مقيدة بذلك المال فإذا سقطت عنه بالإبراء أو الهبة ; لم يبق عليه مطالبة بشيء . ( ألا ترى ) أن الحوالة لو كانت مقيدة بوديعة في يد المحتال عليه فهلكت تلك الوديعة بطلت الحوالة فإن مات المحيل وعليه دين فما كان قبض المحتال في حياته فهو له ، وما لم يقبضه فهو بينه وبين الغرماء وعلى قول زفر - رحمه الله - الطالب أحق به من الغرماء ; لأنه بمنزلة المرهون وقد تقدم بيان هذه المسألة فيما أمليناه من شرح الزيادات ولو أحال رجل رجلا على رجل بألف درهم إلى سنة ثم إن المحتال عليه ترك الأجل وجعلها حالة ; كان ذلك جائزا ; لأن الأجل حقه فيسقط بإسقاطه كما لو أسقط الأصيل الأجل قبل الحوالة فإن أداها لم يرجع بها على الأصيل المحيل حتى يمضي الأجل ; لأن إسقاط الأجل صحيح في حقه لا في حق المحيل ولو كان دينا للمحيل على المحتال عليه ثم إن المحيل قضى المال من عنده كان له أن يرجع بها على المحتال عليه وليس هذا بتطوع عنه ; لأن أصل دينه بقي على المحتال عليه إلا أنه كان لا يطالبه به لاشتغاله بحق الطالب فإذا زال ذلك الشغل بأن قضاه المال من عند نفسه كان له أن يرجع بها على المحتال عليه وإنما لم يجعل هذا تطوعا منه ; لأنه قصد به تخليص ذمته عن حق الغرماء بخلاف ما إذا قضاه عنه غيره فإنه يكون متطوعا في ذلك ; لأنه ما قصد هذا المؤدي تخليص شيء لنفسه وهو نظير المعير للرهن إذا قضى الدين لم يكن متبرعا فيه بخلاف ما إذا قضاه غيره وإذا كان المؤدي متطوعا ; كان المال الذي عليه له ، لا سقوط دين الطالب عنه بإبراء المتطوع كسقوطه بأداء نفسه . ولو أحال رجل بمال لابنه الصغير على رجل إلى رجل لم يجز ، وكذلك الوصي ; لأن الحوالة إبراء الأصيل والأب والوصي لا يملكان الإبراء في دين الصغير وكذلك الوكيل إذا لم يفوض إليه الموكل ذلك ، والمراد الوكيل بالقبض ; لأنه ثابت في الاستيفاء . وقبول الحوالة إبراء للأصيل وليس باستيفاء . فأما الوكيل بالعقد إذا أحال رجل بمال إلى أجل ثم إن المحتال عليه أحاله على آخر إلى [ ص: 72 ] أجل مثل ذلك أو أكثر أو أقل لم يكن له أن يرجع على الطالب حتى يقبض الطالب ماله ; لأن بالحوالة لم يصر الطالب مستوفيا شيئا والمال بعرض العود على الأصيل فإنه تنفسخ الحوالتان بموت المحتال عليه عليهما مفلسين . ![]()
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 72الى صـــ 81 (413) ولو احتال رجل على رجل بمال إلى أجل ثم مات المحتال عليه وترك وفاء وعليه دين فكان في طلب الغرماء وقسمته تأخير بعد الأجل ; لم يكن للطالب أن يرجع على الأصيل حتى ينظر إلى ما يصير أمره ; لأن الحوالة باقية بعد موت المحتال عليه مليا فإن تركته خلف فيما هو المقصود وهو قضاء الدين منه ومع بقاء الحوالة لا سبيل للطالب على المحيل في المطالبة بشيء . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب . باب الأمر بالضمان ( قال - رحمه الله - ) : وإذا أمر رجل رجلا أن يضمن لرجل ألف درهم وليس بخليط له فضمنها له ; فهي لازمة للكفيل يأخذه بها الطالب ; لأنه التزمها وهو من أهله . والمضمون ما يكون لازما في ذمته ويكون هو مجبرا على أدائه فإذا أداها لم يرجع بها على الآمر ; لأنه لم يأمره أن يضمن عنه ولم يشترط الكفيل لنفسه ضمانها عليه ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وهو قول أبي يوسف الأول - رحمه الله - ثم رجع فقال : يرجع بها على الذي أمره ; لأن أمره إياه بالضمان بمنزلة الاعتراف منه أن المال عليه وأنه يلتزم المطالبة عليه من المال ويسقط المطالبة عنه بالأداء وقد بينا هذه المسألة فأعادها في الفروع ولم يذكرها فيما سبق وقال : إن قال الكفيل : إني لم أضمن لك دينا كان لك على أحد ، وإنما ضمنت لك مالا لم يكن علي ، ولا على غيري ; فإن الطالب لا يكلف شيئا ولا يطلب منه تفسير وجه هذا المال : من أين كان ؟ وكيف كان ؟ ولكن كان الكفيل يؤخذ بالضمان بإقراره أو بالبينة التي قامت للطالب عليه بالضمان ، والكفيل هو الذي ضيع حقه حين كفل على وجه لا يستطيع الرجوع به على أحد وهذا لأن مطلق العقود الشرعية محمولة على الصحة ، وقد باشر الكفيل الكفالة ظاهرا . ووجه صحتها أن يكون ملتزما للمطالبة بما هو واجب على الأصيل فيصير هو مقرا بذلك ثم هو بالكلام الثاني رجع عما أقر به أولا ، فيكون رجوعه باطلا وإقراره ، وإن لم يكن حجة على غيره فهو حجة عليه بمنزلة ما لو قال : لفلان على فلان ألف درهم ، وأنا بها كفيل عنه بأمره وأنكر الأصيل ذلك كله ; فإن المقر يطالب بالمال ولا يرجع به على أحد إذا أدى . وكذلك لو قال رجل لآخر : اكفل لفلان بألف درهم [ ص: 73 ] ففعل أو قال : احتال عليك فلان بألف درهم فأشهد له الآخر أنه قال : احتال عليه بألف درهم ; فالمال لازم للكفيل لمباشرته سبب الالتزام وهو الكفالة والحوالة . وليس على الآمر من ذلك شيء ; لأنه أمره بالكفالة عنه وليس من ضرورة أمره إياه بالكفالة والحوالة وجوب أصل المال عليه ; لأن الكفالة والحوالة من المباشر كما تجوز بالمال الذي على الآمر لفلان ; تجوز بالمال الذي على غيره لفلان ، ويحتمل أن يكون الآمر رسول ذلك المطلوب إليه أو فضوليا أمره بذلك ومع الاحتمال لا يثبت المال عليه ، وكذلك لو كان الآمر عبدا أو مكاتبا أو صبيا ، وإن كان المأمور صبيا تاجرا لم يجب عليه الضمان ; لأنه ليس من أهل الالتزام بالكفالة سواء كان المال على الآمر أو غيره ، وإن كان المأمور مرتدا فإن أسلم فضمانه جائز عليه ، وإن قتل على الردة ; فضمانه باطل في قول أبي حنيفة - رحمه الله - كسائر تصرفاته ، وإن لحق بالدار فذلك بمنزلة موته فنقول : إن رجع مستأمنا أخذناه بالضمان هكذا في بعض النسخ من الأصل ، والصحيح : فإن رجع مسلما ; لأن المرتد لا يعطى الأمان ، وإذا خرج مستأمنا قتل على الردة إن لم يسلم ، وكان الضمان باطلا عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإذا قال رجل لآخر : اضمن لفلان ألف درهم التي له علي . أو قال : أحلت لفلان عليك بألف درهم له علي أو قال : اضمن لفلان ألف درهم على أنها لك علي . أو قال : على أني ضامن لها أو قال : على أني كفيل به أو قال : على أن أؤديها إليك أو قال : على أن أؤديها عنه فضمن له فهو جائز ، ويرجع به الكفيل على الآمر إذا أداه ; لأن في كلام الآمر تصريحا بوجوب المال عليه للطالب ; فيكون هذا أمرا منه للمأمور في ذمته مما يؤديه من ماله أو التزاما له ضمان ما يؤديه إلى الطالب ، وذلك يثبت حق الرجوع له عليه إذا أدى وإذا أمر رجل خليطا له أن يضمن لفلان ألف درهم فضمنها له ، والآمر مقر بأن الألف عليه فأدى الكفيل المال رجع به على الآمر استحسانا ; لأن الخلطة بينهما تقوم مقام تصريحه بالأمر بالكفالة عنه فإن الخلطة بينهما مقصودة لهذا ، وهو أن يؤدي عنه ما عليه ليرجع به عليه فنزل ذلك منه منزلة قوله : اضمن لفلان عني والخليط عندنا هو الذي يأخذ منه ويعطيه ويداينه ويضع المال عنده وكل من في عياله فهو بمنزلة الخليط ، نحو ابنه الكبير إذا كان في عياله ; لأنه يحفظ ماله في يده ولهذا لو وضع الوديعة عنده لم يكن ضامنا ، وكذلك إن أمر الابن أباه والابن كبير في عيال أبيه أو المرأة زوجها فهو مثل ذلك كل واحد منهما يحفظ ماله بيد صاحبه فذلك بمنزلة الخلطة بينهما . وإذا أحال رجل رجلا على رجل بألف درهم كانت للمحيل [ ص: 74 ] على المحتال عليه فأداها فقال المحيل : المال لي ، وقال المحتال : المال لي فالقول للمحيل ; لأن وجوب المال للمحيل على المحتال عليه معلوم . ووجوب المال للمحتال غير معلوم . وفي هذه الحوالة احتمال يجوز أن يكون المحتال وكيلا له في قبضها من المحتال عليه ، ويجوز أن يكون مقصوده إسقاط مطالبة المحتال عن نفسه بمال كان له عليه فلا يجب المال بالشك للمحتال على المحيل ولا يثبت مع الاحتمال إلا أدنى الأمرين ، وهو أن يكون المحتال وكيلا للمحيل في قبض المال . فإذا قبضها أمر بتسليمها إليه حتى يثبت دين نفسه على المحيل ، وكذلك لو قال له : اضمن له ألفي التي لي عليك ، أو : اكفل له بألفي التي لي عليك ; لأنه ليس في كلامه إقرار بوجوب المال للطالب على الآمر ، ويحتمل أن يكون وكيلا له في قبضه من مديونه . ولو أن رجلا أتى خليطا له فقال : اضمن لفلان ألف درهم فضمنها له وأداها إليه فللآمر أن يأخذها من المضمون له وهو وكيل للآمر في ذلك ، وليس للكفيل أن يمتنع من دفعها إلى المكفول ; لأنه ليس في كلامه إقرار بوجوب المال المضمون له عليه ، والخلطة بين الآمر وبين الضامن ، لا بينه وبين المضمون له وتلك الخلطة لا تكون دليل وجوب المال المضمون له على الآمر فلهذا كان المضمون له وكيل الآمر ، إذا قبض المال أمر بالدفع إليه وليس للضامن أن يمتنع عليه من دفعها إلى المضمون له ; لأنه التزمها له بعقد الكفالة ، إلا أن يحضر الآمر فإن حضر وادعى أن المال له على المأمور كلف إقامة البينة على ذلك وإلا حلف المأمور وبرئ منهما فإذا حلف ; برئ من حق الآمر . والمضمون له وكيل من جهته وبراءته عن مطالبة الموكل توجب البراءة من مطالبة الوكيل ضرورة ; لأنه ادعى لنفسه دينا عليه فيحتاج إلى إثباته بالبينة ، وإذا لم يكن له بينة ; فالقول قول المنكر مع يمينه ، ولو كان المأمور ليس بخليط للآمر ; كان الضمان جائزا ; لأنه التزمه بعقد الكفالة . والمال للمكفول له دون الآمر ; لأن المكفول له لا يمكن أن يجعل وكيلا للآمر هنا ، فإن ذلك لا يكون إلا بعد وجوب المال للآمر على المأمور وليس في لفظه ما يدل على ذلك ولا يثبت بينهما بدل على أنه إنما ضمن المال له وكان هذا التزاما من المأمور للمكفول له خاصة ولو كان الكفيل خليطا للمكفول له لم يرجع على الآمر بشيء ; لأنه لا سبب بين الآمر وبين المأمور . والخلطة التي بين الكفيل والمكفول له لا تكون دليلا على أن الآمر إنما أمر المأمور بالضمان عنه فلهذا لا يرجع عليه بشيء إلا في قول أبي يوسف الآخر - رحمه الله - على ما بينا والله أعلم بالصواب [ ص: 75 ] باب تكفيل القاضي في الدعوى ( قال - رحمه الله - ) : وإذا ادعى رجل على رجل مالا عند القاضي فأنكره وسأل المدعي أن يأخذ له كفيلا منه بنفسه وادعى أن له بينة حاضرة أخذ له منه كفيلا معروفا بنفسه ثلاثة أيام . وفي القياس لا يأخذ كفيلا لآخر بنفس الدعوى لا يجب شيء على الخصم لكون الدعوى خبرا محتملا للصدق والكذب وفي الإجبار على إعطاء الكفيل إلزام شيء أباه وإنما تركنا القياس للتعامل من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا . فإن القضاة يأمرون بأخذ الكفيل من الخصوم من غير نكير منكر ، ولا زجر زاجر . وفيه نظر للمدعي ; لأنه إذا أحضر شهوده فلا بد من حضور الخصم ليشهدوا عليه وربما يهرب أو يخفي شخصه فيعجز المدعي عن إثبات حقه عليه وفي أخذ الكفيل بنفسه ليحضره نظر للمدعي ولا ضرر فيه على المدعى عليه ، فهو نظير الاستخلاف والخصم يستحلف عند طلب المدعي بعد إنكاره . وإن لم تتوجه له حق في تلك الدعوى ولكن فيه منفعة للمدعي من غير ضرر فيه على الخصم إذا كان محقا في إنكاره ، وكذلك الإشخاص إلى بابه يثبت بنفس الدعوى بما لها من النظر للمدعي فكذلك أخذ الكفيل وشرط أن يكون الكفيل معروفا ; لأن مقصود المدعي لا يحصل بالمجهول فقد يهرب ذلك المجهول مع الخصم والتعذير بثلاثة أيام ليس بلازم ولكن يأخذ كفيلا إلى المجلس الثاني وقد كان القاضي فيهم يجلس بنفسه كل ثلاثة أيام ، وإن كان يجلس في كل يوم فربما يعرض للمدعي عارض فيتعذر الحضور في المجلس أو المجلسين ، وإنما أخذ الكفيلين لنظر المدعي فيؤخذ الكفيل على وجه لا يؤدي إلى التعنت في حق المدعي وإن قال : بينتي غيب ; لم يأخذ له منه كفيلا ; لأنه لا فائدة في أخذ الكفيل هنا فالغائب كالهالك من وجه وليس كل غائب يئوب ، وإن أراد المدعي استحلاف الخصم يمكن منه في الحال . فلا معنى للاشتغال بأخذ الكفيل ، وكذلك إن أقام شاهدا واحدا ; لأن بالشاهد الواحد لا يثبت للمدعي شيء كما يثبت بنفس الدعوى ، وإن قال : لا بينة لي وأنا أريد أن أحلفه ، فخذ لي منه كفيلا لم يأخذ منه كفيلا ، ولكنه يستحلفه مكانه ; لأن حكم اليمين لا يختلف باختلاف الأوقات والقاضي مأمور بفصل الخصومة في أول أحوال الإمكان وذلك في أن يستحلفه للحال بكون المدعي طالبا لذلك فلا معنى للاشتغال بأخذ الكفيل ، وإن قال : بينتي حاضرة فخذ لي منه كفيلا فقال المطلوب له : ولي كفيل . فإنه يأمر الطالب أن يلزمه - إن أحب - حتى يحضر شهوده ; لأن الملازمة فعل متعارف قد كان على عهد [ ص: 76 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب رضي الله عنه وهو يلازم غريما له } الحديث . وليس تفسير الملازمة أن يقعده في موضع ويقعد إلى جنبه . فإن ذلك حبس وليس له ذلك قبل أن يثبت دينه عليه ولكن ( تفسير الملازمة ) أن يدور معه حيثما دار ، فإذا دخل على أهله قعد من يلازمه على باب داره ، وإن كان يخاف أن يهرب من جانب آخر فإما أن يقعد معه على باب داره حيث يراه أو يأذن له في أن يدخل معه ليلازمه ; إذ المقصود هو الأمن من هروبه ، والتمكن من إحضاره إذا أحضر شهوده ولا يحصل إلا بذلك وإن أحب أن يستحلفه فعل ; لأن اليمين حق الدعوى قبل المدعى عليه وله فيه غرض صحيح ، وهو التوصل إلى حقه في أقرب الأوقات بنكوله وفيه اختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه - رحمهما الله - وموضع بيانه شرح أدب القاضي للخصاف رحمه الله ولا ينبغي أن يسجنه ; لأن الحبس أقوى العقوبات في دعوى المال فلا يثبت بمجرد الدعوى قبل أن يثبت المال عليه ، وإن قال الطالب : خذ لي منه كفيلا بالعين التي ادعيتها في يده أخذ له كفيلا بها أيضا ; لأنه لا يتمكن من إقامة البينة إلا بإحضار العين ، وربما يخفيها الخصم ولا وجه لإخراجها من يده قبل إقامة المدعي حجته ، وكان أخذ الكفيل بها وأخذ الكفيل بنفسه سواء ، وإن كان الكفيل بنفسه وبذلك الشيء واحدا جاز ; لأن المقصود حاصل ، وإن أراد الطالب كفيلا بنفسه ووكيلا في خصومته ; فإن القاضي يأمر المطلوب أن يعطيه ذلك ثلاثة أيام هكذا قال هنا ; لأن الخصم ربما لا يبالي بالكفيل بالنفس ويهرب فلا يتمكن المدعي من إثبات حقه بالبينة على الكفيل وفي الزيادات قال : لا يجبر على إعطاء الوكيل في خصومته . هذا هو الأصح ; لأن المدعى عليه يقول : أنا أهدى إلى الخصومة من غيري . خصوصا في هذه الحادثة وربما لا ينظر الوكيل ولا يشتغل بالدفع بما أشتغل به إذا حضرت . ففي الإجبار على إعطاء الكفيل إضرار به ، والقاضي ينظر لأحد الخصمين على وجه لا يضر بالآخر . فإذا أراد الطالب أن يكون ضامنا لما قضي له عليه فإن القاضي لا يجبر المطلوب على ذلك ; لأن بعد إثبات الدين لا يجبر الخصم على إعطاء الكفيل به فقبل إثباته أولى . وهذا بخلاف ما إذا كان المدعى عينا فإن هناك لا يتمكن من إثبات المدعى إلا بإحضار العين وهنا يتمكن من إثبات الدين عند إحضار الخصم وإنما الكفيل بالمال هنا للتوثق لجانب المطالبة ، ولم تتوجه له مطالبة بالمال قبل إثباته . فكيف يجبر على إعطاء الكفيل به ؟ وإن بعث القاضي مع الطالب رسولا يأخذ له كفيلا فكفل به الكفيل [ ص: 77 ] الطالب أو أحضره القاضي فكفل عنده ثم رده الكفيل إلى الطالب برئ ; لأن الكفالة كانت له وقد أوفاه حقه حين سلم نفس الخصم إليه ، وإن كانت الكفالة للقاضي أو لرسوله الذي كفل له به . وقال زفر - رحمه الله - : يبرأ ; لأن الكفالة للطالب في الوجهين جميعا فإنها تنبني على دعواه ولكنا نقول : المقصود لا يعتبر مع التصريح بخلافه وقد صرح الكفيل بالتزام النفس إلى القاضي أو إلى رسوله فلا يبرأ بدونه وإن كفل له بنفسه إلى ثلاثة أيام فتغيب الطالب فالكفيل على كفالته يدفع صاحبه إليه ويبرأ منه ; لأن التزام التسليم إليه لا يبرأ بمضي الوقت بدون الوفاء بما التزم والعبد التاجر والمكاتب والصبي التاجر ، مطلوبا كان أو طالبا والمستأمن والذمي والمرتد في جميع ذلك بمنزلة الحر المسلم ; لأن الكفالة بالنفس تنبني على الدعوى . والدعوى صحيحة من هؤلاء وعليهم . وإن قدم رجل مكاتبه إلى القاضي وادعى مضي أجل الكتابة وقال : بينتي حاضرة فخذ لي منه كفيلا بنفسه لم يأخذه ; لأنه عبده والمولى لا يستوجب على عبده حقا قويا يصح التزامه بالكفالة . ( ألا ترى ) أنه لو كفل عن المكاتب لمولاه ببدل الكتابة الذي عليه ; لم يجز ذلك ، وكذلك لا يأخذ كفيلا بنفسه في دعوى ذلك قبله . ( ألا ترى ) أن المكاتب يتمكن من أن يعجز نفسه فلا يطالب بشيء من ذلك ، وكذلك لو ادعى على عبد له تاجر دعوى وعليه دين أو لا دين عليه فإن المولى لا يستوجب على عبده دينا . ولو ادعى المكاتب قبل مولاه دينا فإنه يؤخذ للمكاتب كفيل بنفس المولى ، لأنه يستوجب قبل مولاه من الحق ما يستوجبه قبل غيره . ( ألا ترى ) أنه لو كفل كفيل بالدين الذي له على مولاه ; جاز . فكذلك يؤخذ له الكفيل بنفسه ، وكذلك العبد التاجر يدعي قبل مولاه دينا وعلى العبد دين ، لأن كسبه حق غرمائه فهو يستوجب قبل مولاه حق غرمائه ، وإن لم يكن على العبد دين لم يؤخذ له من مولاه كفيل ، لأن كسبه خالص حق المولى ، ولا حق به قبل مولاه إذا لم يكن عليه دين . وإن ادعى رجل دعوى والمدعى عليه محبوس في حق رجل ، فأراد الطالب أن يخرجه من السجن حتى يخاصمه فقال الذي حبسه : خذ لي منه كفيلا بنفسه فيما لي عليه فإنه يخرجه له ويخاصمه وهو معه حتى يرده إلى محبسه ولا يأخذ منه كفيلا بنفسه ، لأنه في يده وهو محبوس ، معناه : إنما يخرجه مع أمينه ، وهو في السجن محبوس في يد أمينه فكذلك إذا أخرجه ولا غرض للطالب هنا في المطالبة بالكفيل سوى التعنت ، فلا يحبسه القاضي إلى ذلك . وقال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - في الكفالة بالنفس : لا يجعل لها أجلا إنما ذلك على قدر خلوصه إلى القاضي [ ص: 78 ] حتى إذا كان يمكنه من التقدم إلى القاضي في أكثر من ثلاثة أيام جاز ذلك على أكثر من ثلاثة أيام وهذا عندهم جميعا ، لأن المعتبر توفير النظر على المدعي وإذا كانت الدعوى في شيء بعينه فخفت أن يغيبها المطلوب وكانت غير معينة وضعتها على يدي عدل ولم أجعل لذلك وقتا وجعلته بمنزلة الكفالة ، لأن في التعديل هنا معنى النظر للمدعي وليس فيه كثير ضرر على المدعي وقد بينا أنه يأخذ كفيلا بتلك العين ، ولكن المقصود ربما لا يتم بأخذ الكفيل بأن يغيبها الخصم ولم يعرف الشهود أوصافها فلا يتمكنون من أداء الشهادة فإن كان ذلك مما يعرفه الشهود أو مما لا يمكن تعيينه أصلا ; لم يصفه على يدي عدل لأن النظر يتم بأخذ الكفيل بمحضر من ذلك الشيء . وأما العقار فليس فيه كفالة ولا يوضع على يدي عدل حتى يقيم البينة لأن تعيينه غير ممكن ولا حاجة إلى إحضارها لإقامة البينة وإنما إقامة البينة بذكر الحدود . فإن قامت بينة وكانت أرضا فيها نخيل تمر فلا بد من أن يوضع هذا على يدي عدل إذا خيف على المطلوب استهلاكه لأنه لما أقام البينة فقد ثبت حقه من حيث الظاهر . ( ألا ترى ) أنه لو قضى القاضي له قبل أن تظهر عدالة الشهود بعد قضائه فمن تمام النظر له أن يوضع على يدي عدل لكي لا يتمكن المطلوب من استهلاكه ويؤخذ الكفيل في دعوى الدين وفي العتق والطلاق وجميع أجناس حقوق العباد مما لا يندرئ بالشبهات . وإذا ادعى المدعي ألف درهم وقال سله أيقر بمالي أو ينكره فإنه ينبغي للقاضي أن يسأله عن ذلك ليعلم المدعي أنه بماذا يعامله الناس . فإن أنكر قال للمدعي : أحضر بينتك ، وإن لم يقر ولم ينكر ; قال للمدعي : أحضر البينة لأن الساكت بمنزلة المنكر ، وإن لم يكن للمدعي بينة وطلب يمينه فإن كان أنكر استحلفه القاضي له وإن لم يقر ولم ينكر . فقد روي عن أبي حنيفة رحمه الله أن القاضي لا يستحلفه ولكن يحبسه ليتجنب خصمه لأن الاستحلاف لترجح جانب الصدق في إنكار المدعى عليه ، فلا معنى للاشتغال به قبل إنكاره وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله أن القاضي يستحلفه لأن سكوته قائم مقام الإنكار شرعا حتى يقبل عليه البينة بعد سكوته فكذلك يعرض اليمين على الساكت حتى يقضي عليه بالنكول لحق المدعي ولا ينبغي للقاضي أن يحبسه حتى يقر أو ينكر ولا يجبره على ذلك لأنه ما ثبت عليه شيء بمجرد سكوته ، فلا يعاقبه بالحبس . والمقصود حاصل من غير أن يجبره على الإنكار لأن سكوته قائم مقام إنكاره فإن المنكر ممتنع ، والساكت كذلك ، وإن قال المطلوب للقاضي : سل الطالب من أي وجه يدعي على هذا المال سأله من غير أن يجبره على ذلك فإن [ ص: 79 ] أبى أن يبين وجهه سأله البينة لأنه بدعوى المال قد تم ما كان محتاجا إليه من جانبه وربما يضره بيان الجهة وليس للقاضي أن يجبر أحدا على ما يضره ولا أن يحبسه إذا امتنع من ذلك ، ولكن يسأله البينة فإن لم تكن له بينة استحلف المطلوب بالله ماله قبله هذا الحق ولا شيء منه فإن حلف دعا المدعي ما على شهوده وفي هذا بيان ما : أن للمدعي أن يستحلف الخصم وإن كان شهوده حضورا ، وهو قولهما فأما عند أبي حنيفة فلا يستحلفه إذا زعم المدعي أن شهوده حضور . هكذا ذكره في النوادر ; لأن مقصود المدعي من ذلك هتك ستر المدعى عليه وافتضاحه . وإذا شهد شاهدان لرجل على رجل بألف درهم فقال أحدهما : هي بيض وقال الآخر : سود ، وللبيض صرف على السود فإن ادعى الطالب البيض أو ادعى المالين جميعا قضيت له بالسود لاتفاق الشاهدين على ذلك لفظا ومعنى فإن البياض صفة زائدة لا تثبت بشهادة أحدهما وتبقى شهادتهما على أصل الألف فيقضي بالقدر المتيقن وهو الشهود . وإن ادعى المدعي السود بطلت شهادة الشاهد على البيض لأنه أكذبه في ذلك ولا يقضي له بالسود حتى يحضر شاهدا آخر عليها ، وكذلك لو أشهد بكر حنطة فقال أحدهما : جيد والآخر : رديء ، أو شهد أحدهما بكر حنطة والآخر بكر شعير ; لم يقض القاضي بشيء لأن لكل واحد من الجنسين شاهدا واحدا . والمدعي إنما يدعي أحدهما فيكون مكذبا أحد شاهديه . ولو ادعى عليه مائة درهم فشهد له بها شاهد ، والآخر بمائتين ; لم تقبل الشهادة في قول أبي حنيفة رحمه الله وفي قولهما تقبل على مقدار المائة وهذا بناء على ما سبق أن عندهما الموافقة بين الشاهدين معنى يكفي لقبول الشهادة وعند أبي حنيفة - رحمه الله - يعتبر اتفاقهما في اللفظ والمعنى جميعا ولو ادعى مائة وخمسين فشهد له أحدهما بمائة والآخر بمائة وخمسين ; جازت شهادتهما على المائة لأنهما اتفقا عليها لفظا ومعنى وإنما تفرد أحدهما بزيادة الخمسين وهما اسمان أحدهما معطوف على الآخر . ولو ادعى خمسة عشر فشهد له شاهد بعشرة والآخر بخمسة عشر ; لا تقبل عند أبي حنيفة - رحمه الله - في شيء لأن هذا كله اسم واحد لقدر معلوم بدليل أنه خلا عن حرف العطف فهو كالمائة والمائتين وعندهما تقبل الشهادة على الأقل في جميع ذلك وهو قول شريح - رحمه الله - فإنه شهد عنده شاهدان : أحدهما بتسعمائة ، والآخر بثمانمائة فقضى شريح - رحمه الله - بالأقل وروي نحو ذلك عن الحسن وإبراهيم - رحمهما الله - وقال أبو يوسف - رحمه الله - : سمعت ابن أبي ليلى - رحمه الله - يقول : شهادة أهل الأهواء جائرة وقد بينا هذا في كتاب الشهادات أنه قول علمائنا - رحمهم الله [ ص: 80 ] وبين المعنى فيه فقال إنما الهوى شيء افتتن به رجل فأخطأ في ذلك فلا ينبغي أن تبطل به شهادته وإنما دخلوا في الهوى لشدة المبالغة في الدين فإنهم عظموا الذنوب حتى جعلوها كفرا فيؤمن عليهم شهادة الربا . ( ألا ترى ) أن أعظم الذنوب بعد الكفر القتل . ثم دماء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أعظم الدماء وقد قتل بعضهم بعضا . فلو شهد بعضهم على بعض أما كان تجوز شهادتهم إلا الخطابية وهم صنف من الروافض فإنهم بلغني أن بعضهم يصدق بعضا بما يدعي ويشهد له به إذا حلف عنده أنه محق فهذا متهم في شهادته فلا أقبل شهادته لهذا . وإذا ادعى رجل قبل رجل ألف درهم وقال خمسمائة منها من ثمن عبد قد قبضه وخمسمائة من ثمن متاع قبضه وجاء بشاهدين فشهد أحدهما على خمسمائة ثمن عبد وشهد الآخر على خمسمائة ثمن متاع قد قبضه ; فإنه يجوز من ذلك خمسمائة لأن البيع انتهى بتسليم المعقود عليه وإنما دعواه دعوى الدين فهو كما لو ادعى ألفا وشهد له الشاهدان بخمسمائة . ولو شهد شاهدان أن لرجل على رجل ألف درهم وشهد أحدهما أنه قبض منها خمسمائة وأنكر الطالب قبضها فشهادتهما بألف جائزة لأنهما اتفقا على وجوبها وإنما تفرد أحدهما بالشهادة بشيء آخر وهو أنه قضاه خمسمائة ولو قضاه جميع المال لم يبطل به أصل الشهادة فهذا مثله . وعن زفر - رحمه الله - أن هذه الشهادة لا تقبل لأن المدعي مكذب أحد شاهديه ولكنا نقول هو غير مكذب له فيما شهد له به وإنما كذبه فيما شهد عليه وذلك لا يضره فكل أحد يصدق الشاهد فيما شهد له به ويكذبه فيما شهد عليه أرأيت لو شهد أحدهما أنه أجره سنة أكنت تبطل شهادته على أصل المال بذلك ؟ ولو شهد شاهدان لرجل على رجل بألف درهم فقال الطالب : إنما لي عليك خمسمائة وقد كانت ألفا فقبضت منها خمسمائة . ووصل الكلام أو لم يصل فإن شهادتهما جائزة بخمسمائة ; لأنه لم يكذبهما بل وفق بين دعواه وشهادتهما بتوفيق محتمل فقد يستوفي المدعي بعض حقه ولا يعرف الشاهد بذلك . ولو قال : لم يكن لي عليك قط إلا خمسمائة أبطلت شهادتهما ; لأنه قد أكذبهما فيما يشهدان له من الزيادة ولو شهدا على رجل لرجل بألف درهم من ثمن جارية قد قبضها المشتري فقال البائع : قد أشهدهم المشتري بهذه الشهادة ، والدين باق عليه من ثمن الدين متاع ; أجزت شهادتهما لما بينا أن المبيع إذا كان مقبوضا فالعقد فيه منته . وإنما دعواه دعوى الدين وقد صدق الشهود في ذلك . ولو قال : لم يشهدهما بهذا ، ولكن أشهدهما أنه من ثمن متاع ; أبطلت شهادتهما لأنه أكذبهما فيما شهدا له به وأقر عليهما بالغفلة والنسيان . ولو شهد أنه [ ص: 81 ] كفل له بألف درهم عن فلان كان له أن يأخذه بالمال لأنه ما أكذبهما في الشهادة ويجعل ما ثبت بشهادتهما كالثابت بإقرار الخصم . ولو قال : لم يقر بهذا وإنما أقر أنها كانت عن فلان ; بطلت شهادتهما لأنه قد أكذبهما . ولو أنكر المطلوب أن يكون للطالب عليه شيء فشهد له شاهدان بألف درهم فجاء المطلوب بشاهدين يشهدان بالبراءة منها والدفع إليه أجزت ذلك ; لأنه لا منافاة بين إنكاره للمال في الحال وبين ما ادعى من الإبراء والإيفاء ، وكذلك لو قال : لم يكن له علي شيء قط ثم أقام البينة على الإبراء والإيفاء . وكان ابن أبي ليلى - رحمه الله - يقول هنا : لا تقبل بينته لكونه مناقضا في دعواه ، ولكنا نقول : هو غير مناقض لأنه يقول : ما كان له علي شيء قط ولكن افتديت نفسي من المال الذي ادعاه علي أو سألته أن يبرئني ففعل ذلك . والبينة حجة فلا يجوز إبطالها مع العمل بها ولو كان قال : لم أدفع إليه شيئا ، أو لم أقبضه شيئا ، أو لم أعرفه ، أو لم أكلمه ، أو لم أخالطه ; لم أقبل منه البينة بعد ذلك على دفع المال لأن ما تقدم من كلامه إكذاب منه لشهوده . وشهادة الشاهدين على البراءة في دين أو كفالة - وقد اختلفا في الوقت أو المكان - جائزة ; لأن البراءة جائزة بإقرار من الطالب ، فلا يضرهم الاختلاف في المكان أو الزمان . ولو كانوا كفلاء ثلاثة بعضهم كفيل عن بعض فشهد اثنان على واحد أنه دفع المال الذي عليهم لم تجز شهادتهما لأنهما ينفعان أنفسهما بذلك ، وهو إسقاط مطالبة الطالب عنهما ولم يرجع عليهما المشهود له بشيء لأنهما لم يبرآ من شيء من حق الطالب وإنما يرجع الكفيل على الأصيل إذا استفاد الكفيل البراءة من حق الطالب فإذا لم يوجد ذلك لم يرجع عليهما بشيء . والله أعلم . باب ما يصدق فيه الدافع من قضاء الدين ( قال رحمه الله ) : وإذا كان لرجل على رجل ثلثمائة درهم كل مائة منها في صك ، فصك منها قرض ، وصك كفالة عن رجل ، وصك كفالة عن آخر ، فدفع المطلوب مائة درهم إلى الطالب وأشهد ذلك الصك لأنه هو المعطي وقد صرح في الإعطاء بالجهة التي أعطى بها المال فتصريحه بذلك نفى منه الإعطاء بسائر الجهات ولا معارضة بين النافي والمثبت ، وكذلك إن لم يشهد عند الإعطاء فوقع الاختلاف بينه وبين الطالب في الجهة التي أعطى بها ; فالقول قول المطلوب لأنه هو المالك لما أدى من الطالب . والقول في بيان جهة الطالب للتمليك قول المملك لقوله صلى الله عليه وسلم { إذا اختلف المتبايعان فالقول ما يقوله البائع } وهذا لأنه [ ص: 82 ] لو أنكر التمليك أصلا كان القول قوله فكذلك إذا أقر بالتمليك من جهة دون جهة وهذا لأن المديون إنما يقضي الدين بملك نفسه . والإنسان مطلق التصرف في ملك نفسه مقبول البيان فيه ، في الانتهاء كما في الابتداء إذا كان مفيدا له وهذا بيان مفيد فربما يكون ببعض المال رهن فتعين المدفوع مما به الرهن ليسترد الرهن وربما يكون ببعض المال كفيل فتعجل المكفول له من ذلك ليبرئ كفيله ، وإن مات الدافع قبل أن يقول شيئا من ذلك ; كانت المائة من كل صك ثلاثة لأنه ليس جعل المدفوع من بعضها بأولى ببعض . ولا بيان في ذلك لورثته لأنهم إنما يخلفونه فيما صار ميراثا لهم والمال الذي قضي به دينه لم يصر ميراثا لهم ; لأنه مجرد رأي كان له في التعيين فلا يصير ميراثا وهو حق البيان لما أراده عند الإعطاء . ولا طريق لورثته إلى معرفة ذلك فلا يقومون فيه مقامه كحق البيان في العتق المبهم ، وكذلك إن مات الدافع والمدفوع إليه واختلفت الورثة فإنها من كل صك ثلاثة إلى أن تقوم البينة على شيء كان من الدافع قبل موته فبها تعين بعض الجهات فيجعل الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ، أو يتصادق الورثة كلهم على شيء يعني ورثة الدافع والمدفوع إليه لأن الحق لهم فإذا تصادقوا على شيء كان ذلك كالثابت بالبينة ، أو يكون القابض حيا فيقول شيئا فتصدقه ورثة الدافع في ذلك . ![]()
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 82الى صـــ 91 (414) ولو كان لرجل على رجلين ألف درهم في صك ثم إن أحدهما كفل عن صاحبه بأمره ثم أدى خمسمائة مما في الصك فجعله من حصة المكفول عنه عند الدفع أو بعد الدفع ; فذلك صحيح والقول فيه قوله ويرجع بها المكفول عنه لأنه هو المالك لما أدى . وهذا البيان منه مفيد فإذا قبل منه ; كان مؤديا دين الكفالة فيرجع على الأصيل لأنه كفل عنه بأمره ، ولو لم يؤد شيئا حتى كفل الآخر عنه أيضا بأمره فصار كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه أو كانت الكفالة على ذلك في أصل الصك في عقد البيع أو القرض فأيهما قضى شيئا فهو من حصته خاصة دون حصة صاحبه حتى يؤدي حصته لأنه لا فائدة له في أن يجعل المؤدي عن صاحبه لا من جهة صاحبه بأن يقول : أنا كفيل عنك بأمرك ، وأداؤك عني كأدائي بنفسي فكان لي أن أجعل المؤدي عنك فأنا أجعله الآن عنك فلا يزال يدور كذلك بخلاف ما سبق فالمؤدي هناك إذا جعل المؤدي عن صاحبه لا يكون لصاحبه أن يعارضه فيجعل المؤدي عنه لأن صاحبه ليس بكفيل عنه . فإن أدى زيادة على مقدار حقه ; كانت مما كفل به عن صاحبه لأن صاحبه لا يتمكن في معارضته من هذه الزيادة وقد استفاد البراءة عن حصته بأدائه . وبراءة الأصيل توجب براءة الكفيل ، وكذلك إن شرط عند الأداء [ ص: 83 ] للنصف أن يؤدي ذلك من حصة صاحبه فإنه لا يكون من حصته حتى يؤدي زيادة على النصف لأن هذا الشرط حق لا يفيده شيئا ; فإن صاحبه يعارضه بجعل المؤدي عنه . ولو كان ثلاثة نفر عليهم ألف درهم من ثمن بيع ، وبعضهم كفلاء عن بعض كان ما أدى أحدهم من حصته إلى الثلاث فإذا جاوز الثلاث كانت الزيادة من حصة صاحبه لا يستطيع أن يجعلها من حصة أحدهما دون الآخر ; لأن كل واحد من الآخرين كفيل عن صاحبه كما أنه كفيل عنهما فإذا جعل الزيادة من حصة أحدهما كان للمجعول ذلك من حصته أن يجعله من حصة الآخر بالطريق الذي بينا فتحققت المعارضة بينهما فلهذا كانت الزيادة من النصيبين جميعا فيرجع على كل واحد منهما بنصف ذلك كما هو قضية المعارضة والمساواة . ولو كانوا مكاتبين ثلاثة بعضهم كفلاء عن بعض فأدى بعضهم طائفة من الكتابة كان ذلك من حصتهم جميعا قل المؤدى أو كثر . ولو جعلها المؤدي من حصته أو حصة صاحبيه أو أحدهما ; يجوز ذلك لأنهم كشخص واحد في حكم هذه المكاتبة إذ لو لم يجعلهم كذلك ; لم يصح فإن الكفالة من المكاتب ، والكفالة ببدل الكتابة لا تكون صحيحة . والمكاتب الواحد لو أراد أن يجعل المؤدي عن بعض نفسه دون بعض لم يكن ذلك شيئا . فهذا مثله بخلاف ما سبق فهناك كل واحد منهم أصيل في بعض المال كفيل في البعض ; لأن ذلك في ثمن المبيع صحيح من الأحرار . توضيح الفرق أن في جعل المؤدى من نصيب المؤدي - خاصة في باب الكتابة - إبطال شرط المولى ; لأنه شرط أن لا يعتق واحد منهم حتى يصل إليه جميع المال فإذا أدى أحدهم الثلث ، وجعلنا ذلك من نصيبه خاصة عتق هو ; لأنه برئ مما عليه من بدل الكتابة ، وبراءة المكاتب على أي وجه كان توجب العتق . وفي هذا إبطال شرط المولى ; فلهذا كان المؤدى عنهم جميعا ، وذلك لا يوجد في ثمن المبيع ; لأنا وإن جعلنا المؤدى هناك من نصيب المؤدي خاصة ; يبقى البائع في حبس المبيع إلى أن يصل إليه الثمن فجعلنا ذلك من حصته ما لم يزد المؤدى على الثلث . ولو كان لرجل دين مائة درهم وله عنده وديعة مائة درهم فدفع إليه مائة درهم ، فقال الطالب : هي وديعتي وقال المطلوب : هلكت الوديعة وهي من الدين الذي كان لك فالقول قول الدافع مع يمينه لأن الاختلاف بينهما في الملك المدفوع ، وقد كان ذلك في يد الدافع فيكون القول قوله في أنه ملكي ولأنه أمين في الوديعة مسلط على ما يخبر به من هلاكها ، فيثبت القول بهلاك الوديعة ويبقى الدين وقد دفع إلى الطالب مثل الدين على جهة قضاء الدين ; فتبرأ ذمته من ذلك بعد أن يحلف على ما يدعي من [ ص: 84 ] هلاك الوديعة ، والكفالة بالمال في المرض بمنزلة الوصية حتى يبطل لمكان الدين المحيط بالتركة ويبطل إذا وقعت لوارث أو عن وارث ويبطل فيما زاد على الثلث إذا كان لأجنبي ; لأنه التزم المال على وجه التبرع فيكون بمنزلة تمليك المال في مرضه على وجه التبرع إلا أن يبرأ من مرضه فحينئذ يكون صحيحا على كل حال لأن المرض يتعقبه برؤه بمنزلة حال الصحة فإن مرض الموت ما يتصل به الموت وما لا يكون مرض الموت لا يكون مغيرا للحكم ، فإنما لا تصح الكفالة من المريض للوارث وعن الوارث لأن فيه منفعة للوارث وهو محجور عن القول الذي فيه منفعة لوارثه فيما يرجع إلى المال . ولو كفل المريض عن رجل بألف درهم وأقر بدين يحيط بماله ; فلا شيء للمكفول له لأن الكفالة تبرع واصطناع معروف كالهبة ، والدين مقدم على الهبة في المرض سواء كان بالإقرار أو بالبينة ولو كان له ثلاثة آلاف درهم فكفل بألف درهم ثم مات ; جاز ذلك وأخذ من ماله ألف لخروج المكفول به من ثلث ماله ثم يرجع ورثته على المطلوب إذا كان كفيلا بأمره كما لو أدى بنفسه في حياته وإذا كانت الكفالة منه في الصحة بألف درهم فمات الكفيل وعليه دين فضرب المكفول له بدينه مع غرمائه فأصابه خمسمائة ثم مات المكفول عنه وعليه دين ; ضرب المكفول له في ماله بالخمسمائة التي بقيت له لبقاء ذلك القدر له في ذمة الأصيل بعد ما استوفى الخمسمائة من تركة الكفيل وضرب وارث الكفيل بالخمسمائة دراهم التي أدى ; لأنه كان أدى بحكم الكفالة عنه بأمره فكان ذلك دينا عليه فما أصاب وارث الكفيل فإنه يقسم بين غرماء الكفيل بالحصص ويضرب المكفول له بما بقي له أيضا ( وهذه ) هي المسألة التي بينا فيما سبق أن في هذا جذر الأصم وأنه لا وجه لتخريجها إلا بطريق التقريب فإن ما يستوفي المكفول له ثانيا مما في يد الوارث للكفيل يرجع به وارث الكفيل في تركة المكفول عنه أيضا فتنتقض القسمة الأولى ولا يزال يدور هكذا إلى أن ينتهي إلى ما لا يمكن ضبطه . ولو أن متفاوضين عليهما ألف درهم ماتا جميعا وتركا ألفا ، وعلى كل واحد منهما ألف درهم مهر امرأته قسم المال بينهما نصفين ، ولم يضرب الطالب في مال أيهما شاء بألف درهم ; لأن كل واحد منهما مطلوب بجميع الألف بعضها بجهة الأصالة وبعضها بجهة الكفالة فيضرب بجميع الألف في تركة أيهما شاء وتضرب امرأته بمهرها أيضا ثم يضرب مع امرأة الآخر بما بقي وتضرب هي بألف درهم . هكذا ذكره شيخ الإسلام جواهر زاده وتضرب هي بالذي بقي لها من مهرها ولا ترجع الورثة بالذي أخذ منه أول مرة في مال الثاني إلا أن يكون الطالب أصاب [ ص: 85 ] من ماله أكثر من النصف لأنه في مقدار النصف هو أصيل فإن كان المقبوض النصف أو ما دونه ; لا ترجع ورثته في تركة الآخر بشيء من ذلك ، وإن كان أكثر من النصف فحينئذ يضربون بالفضل لأنهم أدوا ذلك بجهة كفالة صاحبهم عن شريكه بأمره . فإذا قبضوا شيئا من ذلك كان المقبوض لامرأته وللطالب إن بقي له شيء بالحصص ثم عند ذلك يعود الجذر الأصم وما لا طريق إلى معرفته إلا من الوجه الذي قدرنا أن كل ما يستوفيه الطالب يثبت لهم حق الرجوع به في تركة الشركة ; فتنتقض به القسمة الأولى . والله سبحانه وتعالى أعلم .باب ادعاء الكفيل أن المال من ثمن خمر أو ربا ( قال رحمه الله ) : وإذا كفل رجل عن رجل بألف درهم بأمره ثم غاب الأصيل فادعى الكفيل أن الألف من ثمن خمر فإنه ليس بخصم في ذلك ; لأنه التزم المطالبة بكفالة صحيحة . والمال يجب على الكفيل بالتزامه بالكفالة ، وإن لم يكن واجبا على الأصيل . ( ألا ترى ) أنه لو قال لفلان علي ألف درهم وأنا بها كفيل بأمره وجحد الأصيل ذلك فإن المال يجب على الكفيل وإن لم يكن على الأصيل شيء . فبهذا تبين أنه ليس في ادعائه أن المال من ثمن خمر أو ما يسقط المال عنه ; فلا يكون خصما في ذلك وهو مع هذا مناقض في دعواه لأن التزامه بالكفالة إقرار منه أن الأصيل مطالب بهذا المال والمسلم لا يكون مطالبا بثمن خمر فيكون مناقضا في قوله أن المال من ثمن خمر ، والدعوى مع التناقض لا تصح حتى أنه لو جاء بالبينة على إقرار الطالب بذلك لم يقبل بعد أن يكون الطالب يجحد ذلك ولو أراد استحلاف الطالب لم يكن عليه يمين لأن توجه اليمين وقبول البينة تنبني على دعوى صحيحة إلا أن يقر الطالب بذلك فحينئذ هو مناقض ولو صدقه خصمه في ذلك والتصديق من الخصم صحيح مع كونه مناقضا في دعواه ثم إن أصل سبب التزام المال جرى بين المطلوب والطالب والكفيل ليس بخصم في ذلك العقد ويدعي معنى كان في ذلك العقد حتى إذا ثبت ذلك ترتب عليه خروجه من أن يكون مطالبا بالمال ولا يمكن إثبات ذلك بالبينة ; لأنها بينة تقوم للغائب ، والبينة للغائب وعلى الغائب لا تقبل إذا لم يكن عنه خصم حاضر وهو بمنزلة المشتري للجارية إذا ادعى أنها زوجة لفلان الغائب وأراد إقامة البينة على ذلك ليردها بالعيب لا يكون خصما في ذلك فهذا مثله ( والحوالة ) في هذا كالكفالة ، وكذلك إن كان كل واحد منهما ضامنا عن صاحبه لأن أصل المال على غير [ ص: 86 ] هذا الكفيل فهو لا يكون خصما فيما على غيره فهذا تنصيص على ما أشرنا إليه في أن الطريق الأصح في الكفالة أن الكفيل يلتزم المطالبة بما على الأصيل ولا يلتزم أصل المال في ذمته ولو أدى الكفيل المال إلى الطالب وغاب الطالب وحضر المكفول عنه فقال : المال من ثمن خمر وجاء بالبينة لم يكن بينه وبين الكفيل خصومة في ذلك ويدفع المال إلى الكفيل لأنه التزم المال بأمره وأدى فيرجع عليه كيف كان ذلك المال ويقال للمكفول عنه : اطلب صاحبك فخاصمه وهذا لما بينا أنه يدعي سببا في تصرف جرى بينه وبين الغائب وهذا الحاضر ليس بخصم عن الغائب ، أو لأنه مناقض فإنه أمره أن يلتزم المطالبة التي هي متوجهة عليه بجهة الكفالة ولو أقر الطالب عند القاضي أن ماله عنده من ثمن خمر ; فهذا مثله وهو إقرار ببراءة الأصيل وهو بمنزلة ما لو قال : لم يكن لي على الأصيل شيء وذلك يوجب براءة الكفيل والأصيل . ( ألا ترى ) أنه لو أبرأ الأصيل ; برئ الكفيل فإذا بقي أصل المال من الأصيل بإقراره أولى أن يبرأ الكفيل فإن أقر الطالب بذلك وأبرأ القاضي الكفيل ثم حضر المكفول عنه فأقر أن المال الذي عليه قرض ; لزمه المال إن صدقه الطالب بذلك لتصادقهما على أن وجوب المال له عليه بسبب صحيح ولا يصدقان على الكفيل ; لأن قولهما ليس بحجة على الكفيل وقد استفاد الكفيل البراءة بما سبق من إقرار الطالب ويجعل هذا من المطلوب بمنزلة إقراره للطالب ابتداء بدين آخر سوى الدين ; كان كفل به الكفيل . ولو أن مسلما باع مسلما خمرا بألف درهم ثم أحال مسلما عليه بها بطلت الحوالة ولو أحاله بألف درهم فجعلها له بذلك ثم غاب المحيل وقال المحتال عليه : المال الذي علي من ثمن خمر وأقام البينة ; فلا خصومة بينه وبين الطالب في ذلك ; لأنه التزم المال بالحوالة فعليه أداء ما التزم وهو إنما يدعي سببا مبطلا بعقد جرى بينه وبين الغائب وهذا الحاضر ليس بخصم عنه في ذلك فإذا دفع المال ثم حضر المحيل خاصمه : إن أقام عليه بينة بذلك ; رجع عليه بالمال لأنه قبل الحوالة بأمره وأدى واستوجب الرجوع عليه فكان تقع المقاصة بما للمحيل عليه فإذا تبين أنه لم يكن للمحيل عليه شيء ; كان له أن يرجع عليه بالمال ، وإن لم يؤد المال حتى يحضر المحيل فخاصمه وجاء بالبينة أنها من ثمن خمر ; أبطلها القاضي عن المحتال عليه لأنه قبل الحوالة مقيدة بالمال الذي للمحيل عليه وقد تبين أنه لم يكن للمحيل عليه شيء فكانت الحوالة باطلة ، وإن كان أحاله عليه حوالة مطلقة بألف درهم ; لم يبرأ منها ولكنه يؤديها ويرجع بها لأن الحوالة المطلقة لا تستدعي مالا للمحيل على المحتال عليه ولا في يده إلا أنه إذا كان [ ص: 87 ] للمحيل على المحتال عليه لم يرجع به عليه وإذا كانت مطلقة يؤدي المال ثم يرجع بمثلها عليه . وإذا باع الرجل رجلا عبدا بألف درهم ثم أحال البائع غريمه على المشتري بالمال الذي باعه به العبد ثم استحق العبد أو وجد حرا فإن القاضي يبطل الكفالة والحوالة لأنه ظهر أنه أحال عليه بمال ولا مال . ولو رد بعيب بقضاء القاضي أو بغير قضاء القاضي لم تبطل الحوالة والكفالة ، وكذلك لو مات العبد قبل القبض وهذا عندنا . وقال زفر - رحمه الله - : تبطل الحوالة إذا كانت مقيدة . وجه قوله أن الثمن الذي تقيدت به الحوالة بطل من الأصل لانفساخ العقد من الأصيل ، ولو ظهر بطلانه ; تبطل الحوالة فكذلك إذا بطل من الأصيل إلا أنا نقول : إن الحوالة لما صحت مقيدة بمال واجب عنده ولم يتبين أنه لم يكن واجبا أو بطل إنما يبطل ببطلانه أن لو كان له تعلق بالدين بها أما من حيث الوجوب فلا يشكل لأن تعلق الدين بالذمة لا بالدين ولا تتعلق به استيفاء لأن تعلقه به استيفاء إنما يستقيم إذا كان قابلا للاستيفاء . والدين لا يقبل استيفاء دين آخر منه إلا بعد خروجه فقبل خروجه منه لم يكن لدين الحوالة تعلق به بوجه من الوجوه فصار كالحوالة المطلقة في حالة البقاء فلا تبطل ببطلانه ولا يلزم إذا أحال على مودعه ليستوفي دينه من الوديعة ثم هلكت الوديعة حيث تبطل الحوالة ; لأن ثمة للدين تعلق به استيفاء لكونه قابلا للاستيفاء منه فجاز أن يبطل ببطلانه . وإذا أحال رجل رجلا على رجل بألف درهم ; كانت للمحتال على المحيل وكان مثلها للمحيل على المحتال عليه ثم مات المحيل وعليه دين كان ماله الذي على المحتال عليه بين غرمائه وبين المحتال له بالحصص ولا يختص المحتال له بذلك عندنا وعند زفر - رحمه الله - يختص به لأنه اختص به في حال حياته حتى كان أحق به من المحيل حتى لو حجر المحيل عن استيفائه فيختص به بعد موته بمنزلة المرتهن في حق الراهن . ولكنا نقول : إن ما في ذمة المحتال عليه مال المحيل ; لأنه بعقد الحوالة لا يصير للمحتال له ; لأن الدين لا يقبل التمليك من غير من عليه الدين . ومتى كان باقيا على ملكه كان بين غرمائه بالحصص لما مر أنه لا تعلق لحقه بالدين قبل الخروج فصار هو وسائر غرمائه سواء . وإنما منع المحيل من التصرف فيه باعتبار عرضة الخروج لأنه لو خرج ; يكون المحتال له أحق بها ، ولهذا كان التوى على المحيل لأن الحوالة كانت مقيدة به وقد استحقت فصار بمنزلة الاستحقاق من الأصيل فيعود الدين على المحيل . والله أعلم [ ص: 88 ] باب الحبس في الدين ( قال رحمه الله ) ويحبس الرجل في كل دين ما خلا دين الولد على الأبوين أو على بعض الأجداد فإنهم لا يحبسون في دينه أما في دين غيرهم فيحبس لأنه بالمطل صار ظالما ، والظالم يحبس وأنه عقوبة مشروعة ; ولهذا كان حدا في الزنا في ابتداء الإسلام قال الله تعالى في حق قطاع الطريق { أو ينفوا من الأرض } والمراد به : الحبس ، وكذلك { حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا بالتهمة } ، وكذلك علي كرم الله وجهه اتخذ سجنين سمى أحدهما نافعا والآخر مخيسا ، وكذلك شريح - رحمه الله - كان يحبس الناس وحبس ابنه بسبب الكفالة عن رجل ولا يحبسه في أول ما يتقدم إلى القاضي ولكنه يقول له : قم فأرضه لأن الظلم لا يتحقق من أول وهلة فإن عاد إليه مرة أو مرتين يحبسه ، والقياس في دين الولد على والديه هكذا . إلا أنا استحسنا في دين الوالدين ومن كان في معناهم أنه لا يعاقب الوالد بسبب الجناية على ولده . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { لا يقاد الوالد لولده } ولا يعاقب بسبب الجناية على ماله لأن له ضرب تأويل في ماله وذكر حديث علي كرم الله وجهه أنه اتخذ سجنين وقال فيه ألا تراني كيسا مكيسا بنيت بعد نافع مخيسا وعن الشعبي - رحمه الله - أن رجلا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين أجرني فقال : مم ؟ قال : من دين . قال عمر رضي الله عنه السجن ، ثم قال عمر رضي الله عنه : كأنك بالطلبة خلو . ذكر هذا لبيان أن الحبس مشروع . قال أبو حنيفة رحمه الله - : لا يباع مال المديون المسجون في دين عليه إلا أن يكون عليه دنانير أو يكون عليه دراهم فاصطرفها بدراهم . وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يباع ماله . وهي مسائل الحجر ثم ذكر عن عمر رضي الله عنه أنه خطب الناس ثم قال في أسفع جهينة رضي من دينه وأمانته أن يقال له : سبق الحاج فادان معرضا حتى دين به . فمن كان له عليه شيء فليفد علينا فأنا بائع ماله ، قاسم ثمنه بين الغرماء ، وإياك والدين فإن أوله هم وآخره حرب .ونعم ما قال ; فإن الدين سبب العداوة - خصوصا في زماننا - فيؤدي إلى إهلاك النفوس ويكون سببا لهلاك المال خصوصا مداينة المفاليس . والحرب هو الهلاك ثم إذا حبس المديون ولم يدع الإعسار فظاهر أنه لا يخلى عنه . أما إذا ادعى الإعسار فإن كان ذلك في ديون وجبت بسبب المبايعات فينبغي أن لا يصدق ; لأن الظاهر يكذبه لأنه يكون واحدا باعتبار بدله ، وإن كان بأسباب مشروعة سوى المبايعات كالمهر وبدل الخلع والكفالة وبدل الصلح [ ص: 89 ] اختلف مشايخنا - رحمهم الله - فقال بعضهم : يصدق ولا يحبس ; لأنه متمسك بالأصل وهو العدم فالقول قوله . وقال بعضهم : لا يصدق لأن التزامه المال اختيارا دليل قدرته ولو كان دينا وجب حكما باستهلاك مال ونحوه ينبغي أن يصدق ، ثم قال أبو حنيفة - رحمه الله - : إذا حبس الرجل شهرين يسأل عنه ، وإن شاء سأل عنه في أول ما يحبسه والرأي فيه إلى القاضي إن أخبر بعد أويقات أنه معسر خلى سبيله ، وإن قالوا : واجد أمر بحبسه حتى يذوق وبال أمره لأنه من الجائز أنه أخفى ماله فيشهد الناس على ظاهر حاله ; فتبطل حقوق الناس وإذا أخبروه أنه معسر ; أخرجه ولم يحل بين الطالب وبين لزومه عندنا . وقال زفر - رحمه الله - يمنعه من ملازمته لأنه منظر بإنظار الله تعالى ، ولو كان منظرا بإنظاره ; لا يكون له حق الملازمة هكذا كنا نقول بأنه منظر إلى زمان الوجود ووجود ما يقدره على أداء الدين موهوم في كل ساعة فيلازمه إذا وجد مالا أو اكتسب شيئا فوق حاجته الدراة ; يؤخذ منه والكفيل بالمال والذي عليه الأصل سواء ; لأن خطاب الأداء متوجه على الكفيل كما هو متوجه على الأصيل وذكر عن الكلبي ومحمد بن إسحاق { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس بني قريظة حتى نزلوا في حكم سعد رضي الله عنه في دار بنت الحارث حتى ضرب رقابهم } فإذا تبين أن الحبس مشروع وإذا حبس الكفيل بالدين ; فللكفيل أن يحبس المكفول عنه حتى يخلصه إذا كان بأمره ، وكذلك لو لازمه الطالب ; كان له أن يلزم الذي عليه الأصل لأنه التزم الأداء من مال المطلوب بأمره فكان الأصيل ملتزما تخليصه فله أن يلازمه وليس للكفيل أن يأخذ المال حتى يؤديه لأنه إنما يرجع عليه بحكم الإقراض وإنما يتحقق هذا المعنى عند الأداء . وإذا حبس رجل بدين فجاء غريم له آخر يطالبه فإن القاضي يخرجه من السجن ويجمع بينه وبين هذا المدعي فإن أقر له بالدين أو قامت له عليه بينة ; كتب اسمه فيمن حبس له مع الأول ; لأنه لو لم يكتب ربما يشتبه على القاضي أنه محبوس بدين واحد فيخلي سبيله فيكتبه حتى لا يخلي سبيله إلا بقضائهما ، وإن كان القاضي قد فلس المحبوس ; جاز إقراره لأشخاص في قول أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - ثم رجع أبو يوسف - رحمه الله - وقال : تفليس القاضي إياه جائز ولا يجوز إقراره بعد ذلك ولا بيعه ولا شراؤه ولا بشيء يضيفه في ماله ما خلا العتق والطلاق والنكاح والإقرار بالسبب فإنا ندع القياس فيه ونجوزه وهو قول محمد - رحمه الله - وقول شريح وإبراهيم وابن أبي ليلى - رحمهما الله - ويعني بالتفليس أن يحكم بعجزه عن الكسب فيجعله كالمريض مرض الموت فيحكم بتعلق حق غرمائه في مال هذا . [ ص: 90 ] وهذا نوع حجر ، وإن كان أبو حنيفة - رحمه الله - لا يرى ذلك وهما يجوزان ذلك وليس الحبس بتفليس ; لأنه دلالة القدرة على أداء الدين لا دلالة العجز ولا يضرب المحبوس في الدين ولا يقيد ولا يقام ولا يؤاجر لأن هذه عقوبات زائدة ما ورد الشرع بها ، وإنما قلنا بالحبس ليكون حاملا له على قضاء الدين وإن كان فيه ضرب عقوبة بالنصوص ولا نص في الزيادة عليه فإنه روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ليس في هذه الأمة صفد ولا قيد ولا غل ولا تجريد والصفد ما نقيد به الأيدي . أراد بقوله : لا يقام يعني لا يؤمر بالقيام بين يدي صاحب المال إهانة له فإن ذلك مع عقوبة ولا يؤاجر من غير اختياره لأن ذلك نوع حجر عليه ولا يجوز ذلك في ماله فلأن لا يجوز في نفسه بطريق الأولى . ويحبس الأبوان في نفقة الولد ولا تشتبه النفقة بالدين ; لأن الإنفاق على الولد إنما شرع صيانة للولد عن الهلاك . والممتنع كالقاصد الهلاك ومن قصد إهلاك ولده ; يحبس بخلاف الدين فإنه ليس فيه قصد إهلاك نفسه ولا يخرج المحبوس في الدين بجمعة ولا عيد ولا حج ولا جنازة قريب أو بعيد لأن الواجب أن يحبس على وجه لا يخلص بعد زمان حتى يضجر قلبه عند ذلك فيسارع في قضاء الدين فلو خرج أحيانا لا يضيق قلبه حينئذ ولهذا قالوا ينبغي أن يحبس في موضع خشن لا يتبسط له في فراش ولا وطاء ولا أحد يدخل عليه ليستأنس ليضجر قلبه بذلك وإذا سأل القاضي عن المحبوس بعد شهرين أو أكثر في السر فأخبره ثقة بعدمه خلى سبيله ولم يخل بين غريمه وبين لزومه ، وإن شهد عليه شهود أنه موسر أو أن له مالا أجزت شهادتهم ويترك المسألة في السر ; لأن السؤال للاختبار ومتى ظهرت حاله بالشهادة لا تقع الحاجة إلى الاختبار ، وإن أدى دين أحد الغريمين لم يخرج من السجن حتى يؤدي دين الآخر لأن الظلم قائم ويحبس الرجل في الدرهم وفي أقل منه لأن مانع الدرهم وما دونه ظالم وينبغي أن يكون محبس النساء في الدين على حدة ولا يكون معهن رجل حتى لا يؤدي إلى فتنة ولا يمنع المحبوس من دخول أخواته وأهله عليه ; لأنه يحتاج إلى ذلك حتى يشاورهم في توجيه ديونه ولكن لا يمكنون من المكث عنده حتى يستأنس بهم ولا يحبس المكاتب لمولاه بالمكاتبة لأنه عبد ولا يليق به الحبس . ( ألا ترى ) أنه لو عجز نفسه عن ذلك يسقط ويحبس بدين غير الكتابة قالوا : أراد به في حق غير المولى وقال بعضهم : يحبس بدين المولى ، وهو ملحق بالأجانب في المعاملات مع مولاه والأول أصح وإن كان للمكاتب على مولاه طعام ومكاتبته دراهم فإن المولى يحبس في دين [ ص: 91 ] المكاتب لأن مطالبته متوجهة على مولاه وهو ملحق بالأجانب في حق أكسابه ، وكذلك العبد التاجر الذي عليه الدين يكون له على مولاه دين ولا يحبس لحقه ، ولكن لحق الغرماء والصبي التاجر في السجن مثل الرجل يعني يحبس لأنه يؤاخذ بحقوق العباد فيتحقق ظلمه ، والغلام الذي يستهلك المتاع فيضمن قيمته وله أب أو وصي وليس بناجز مثل ذلك يريد به في حق الحبس ولم يذكر أنه يحبس الصبي أو أبوه أو وصيه والصحيح أنه يحبس وليه وفي الكتاب ما يدل عليه حيث قيده بهذا اللفظ وهذا لأن الظلم إنما يتحقق ممن يخاطب بأداء المال ووليه هو الذي يخاطب بذلك لا هو وبعضهم قال : الحبس للصبي بطريق التأديب حتى لا يتجاسر على مثله ولكن هذا إنما يكون فيما يباشر من أسباب التعدي قصدا أما ما وقع خطأ منه فلا ولا يحبس العاقلة في الدية ولا في شيء منها من الأرش بقضائه عليهم ولكنه يؤخذ من الأعطية ، وإن كرهوا ذلك لأن الدية إنما تعطى من عطائهم لا مما في أيديهم من الأموال حتى يتحقق المنع من قبلهم حتى لو كانوا من أهل التأدية وليس لهم عطاء يفرض ذلك عليهم في أموالهم فإذا امتنعوا من أدائه حبسوا ، وكذلك الذعار يحبسون أبدا حتى يتوبوا والذاعر الذي يخوف الناس ويقصد أخذ أموالهم فكان في معنى قطاع الطريق . قال الله تعالى { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله } الآية ولو أن غلاما استهلك لرجل مالا وله دار ورقيق وعروض وليس له أب ولا وصي لم يحبس ولكن القاضي يرى رأيه فيه إن شاء جعل وكيلا ببيع بعض ماله فيوفي الطالب حقه ، وإن كان له أب أو وصي يجوز بيعه فإنه لا يحبس والصحيح أنه يحبس من يخاطب بقضاء دينه لما مر ولا يحبس الصبي إلا بطريق التأديب ويحبس المسلم للذمي بدينه والذمي للمسلم ويحبس الحربي المستأمن ويحبس له ; لأن معنى الظلم يتحقق في حق الكل . والله أعلم بالصواب . باب الإبراء والهبة للكفيل ( قال رحمه الله ) : وإذا قال الطالب للكفيل : قد برئت إلي من المال الذي كفلت به من فلان ; فهذا إقرار بالقبض وللكفيل أن يرجع به على المكفول عنه لأنه أخبر عن البراءة بفعل متعد من المطلوب والكفيل إلى الطالب وذلك بفعل الأداء لأن الإبراء متعد من المطلوب إلى الطالب ، وكذلك قوله : قد دفعت إلي المال أو نقدتني أو قبضته منك ، وكذلك الحوالة وإذا [ ص: 92 ] قال أبرأتك لم يكن هذا إقرارا بالقبض وللطالب أن يأخذ الذي عليه الأصل ; لأنه أضاف الفعل إلى نفسه متعديا إلى المطلوب وذلك إنما يكون بإسقاط الدين عنه . ولو قال : برئت من المال ولم يقل : إلي فهذا إقرار بالقبض في قول أبي يوسف - رحمه الله - لأنه وصفه بالبراءة فينصرف إلى ذلك السبب المعهود ، والسبب المعهود الإيفاء وعند محمد رحمه الله هو بمنزلة قوله : أبرأتك لأنه يحتمل الوجهين فكان الحمل على الأدنى أولى . ( ألا ترى ) أن الحاجة إلى الرجوع على الأصيل لا تثبت بالشك وقد مر هذا في الجامع . والتحليل بمنزلة الإبراء لأن الدين لا يوصف بالتحليل . أما المال الذي يراد به الدين فيوصف بهذا ، وذلك بمنزلة الموضوع الديون فمتى حلله أسقط حقه عن ذلك أصلا فكأنه قال : لا حق لي في مالك ولو قال له هكذا ; كان إبراء مطلقا فهذا كذلك والمحتال عليه في جميع هذا بمنزلة الكفيل ![]()
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 92الى صـــ 101 (415) ولو وكل الطالب وكيلا بقبض ماله فقال الوكيل : للكفيل برئت إلي ; كان هذا إقرارا بالقبض فيصح . ولو قال الوصي للكفيل : قد أبرأتك أو أنت في حل منه لم يجز ; لأن ذلك معروف منه وليس له ذلك ، وكذلك الصبي التاجر والعبد التاجر والمكاتب إذا قالوا ذلك للكفيل ; لا يصح لما مر وإذا أبرأ الطالب الكفيل من المال فأبى أن يقبل ذلك ; فهو بريء ولا يشبه هذا الهبة لأن الإبراء إسقاط محض في حقه لأنه ليس في حقه إلا مجرد المطالبة فصار كسائر الإسقاطات فلا يرتد بالرد بخلاف الذي عليه الأصل لأن أصل الدين عليه فيكون ذلك تمليكا منه ; لأن الحق الذي هو واجب له في ماله غير عين فصار هذا تصرفا بإسقاط الفعل عنه ويجعل الواجب له إسقاطا من وجه وتمليكا من وجه فوفرنا على السهمين حظهما فعلى هذا يصح من غير قبول ; لشبهه بالإسقاط ويرتد بالرد ; لشبهه بالتمليكات . ومثله لو وهب من الكفيل فإنه يرتد بالرد كما لو وهب من الأصيل ; لأن الهبة لفظ وضع للتمليك ويمكن تحقيق الهبة في حق الكفيل كما في حق الأصيل ; لأن هبة الدين من غير من عليه الدين جائزة . فإذا سلطه عليه فهو مسلط عليه في الجملة أو يجعل ذلك نقلا للدين منه بمقتضى الهبة منه فيصير هبة الدين ممن عليه الدين - لو أمكن - ذلك ; لأن له ولاية نقل الدين إليه قصدا بإحالة الدين عليه فيثبت ذلك بمقتضى تصرفهما تصحيحا له وإذا استقام تحقيق الهبة كما في حقه وجب الجري على مقتضى الهبة كما في حق الأصيل . وقد مر أنه لو أبرأ الذي عليه الأصل من الدين ; يصح من غير قبول . ولكنه يرتد بالرد لما فيه من معنى التمليك فكذلك لو وهب منه فلو مات قبل أن يعلم ; فهو بريء منه في الهبة والإبراء جميعا لأنه تام في نفسه ولكنه يرتد بالرد [ ص: 93 ] فمتى مات ; وقع اليأس عن الرد فانبرم . بمنزلة لو تصرف له فيه جاز ، وكذلك لو كان ميتا فأبرأه منه وجعله في حل منه ; فهو جائز لأن الدين قائم عليه حكما فاحتمل الإسقاط فإن قالت الورثة : لا تقبل فلهم ذلك ويقبضون المال ، والكفيل منه بريء . في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وقال محمد - رحمه الله - : ليس للورثة في ذلك قول فمحمد - رحمه الله - يقول بأن هذا في حق الورثة إسقاط محض لأنه لا دين عليهم حقيقة إنما عليهم مجرد المطالبة فأشبه الكفيل ثم في حق الكفيل لا يرتد بالرد فكذا في حقهم وأبو يوسف - رحمه الله - يقول : إن الدين قائم وقد أخذ شبها بالأعيان بعد الموت لتعلقه بالتركة فكان أقبل للتمليك في هذه الحال . والملك بهذا التمليك واقع لهم فيرتد بردهم كما لو أضاف الإبراء إليهم تنصيصا وإذا وهب الطالب المال الذي عليه للأصيل فأبى أن يقبل كان المال عليه وعليه فضله ; لأن الهبة منه كالهبة من كفيله ولو وهبه من كفيله فأبى أن يقبل ; كان المال عليه بخلاف ما إذا أبرأه فأبى أن يقبل ; لأنه لا يعود الدين على الكفيل ; لأنا نجعل إبراءه كإبراء الكفيل لا يرتد بالرد فكذلك هنا وإذا وهب للكفيل وقبله ; رجع به على الذي عليه الأصل لأنه ملكه بالهبة فصار كما لو ملكه بالأداء . والتمليك منه صحيح . لأنه قابل للملك في حق ما في ذمة الأصل ، ولهذا يملكه بالأداء وإذا ملكه رجع عليه ، وكذلك المحتال عليه وإذا كانت الكفالة على أن المكفول عنه بريء ، أو كانت حوالة فوهب الطالب الذي كان عليه الأصل فالهبة باطلة ; لأنه ليس في ذمته شيء ; لانتقال الدين إلى ذمة غيره وعلى رواية الجامع ينبغي أن يصلح . ولو وهب الكفيل الذي عليه للأصيل ; فهو جائز لانعقاد سبب وجوب الدين له في الحال فإن أدى الكفيل لم يرجع به عليه ; لأنه يقرر ملكه ما في ذمته ; فصحت الهبة فصار كما لو وهبه بعد الأداء فإن أدى الذي عليه الأصل لم يرجع به على الكفيل لأنه تبين أن هبته باطلة لانتقاض سبب وجوب الدين بينهما . والله سبحانه وتعالى أعلم . باب إقرار أحد الكفيلين بأن المال عليه ( قال رحمه الله ) : وإذا كان لرجل على رجلين ألف درهم ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بالمال فأقر أحد الكفيلين بأن المال كله عليه وأداه وأراد أن يرجع بنصفه على صاحبه وقال : إنما عنيت بإقراري أنه علي ; لأني كفلت عنك كل حصتك ; فله أن يرجع عليه بنصفه لأنه صادق في قوله إنه كله عليه ، لكن بعضه بحكم الكفالة وبعضه بحكم الأصالة . ولو أقر أن [ ص: 94 ] كله عليه وأن صاحبه كفل عنه بأمره ; لم يكن له أن يرجع على صاحبه بشيء لأنه قد صرح أنه أصيل في كله وصاحبه كفيل عنه فيجري على قضية قوله . ولو أن رجلين كان عليهما خمسون دينارا لرجل قرضا وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه ضامن له فأشهد أحدهما على صاحبه : أني معك دخيل في هذا المال ، ولو أقر الآخر بذلك ثم ادعى أن المال كله على صاحبه فإنه يرجع على صاحبه بنصفه ; لأن قوله : أنت دخيل معي ليس بإقرار بشيء لم يكن عليه خاصة دون الآخر . يريد به أنه أخبر بكونهما دخيلين في هذا المال وهذا يقتضي أن يكونا أصيلين في بعضه فمن ادعى أن كله على صاحبه فقد ناقض فيما أخبر فلا يلتفت إلى ذلك ، وإن أقر أحدهما أن هذا المال عليه خاصة دون الآخر ثم أدى المال لم يرجع على صاحبه بشيء ; لأنه نص أنه كفيل أصيل في الكل . ولو أداه صاحبه كان له أن يرجع بكله عليه . ولو كان لرجل على ثلاثة نفر ألف درهم في صك باسمه وبعضهم كفلاء عن بعض ضامنون للمال كله فأقر الطالب أن أصل المال على أحدهم وأن الآخرين كفيلان عنه ولم يقر بهذه الكفالة التي نسبت إليه في الصك ثم أدى المال أحدهم ; فله أن يرجع على صاحبه بالثلثين ; لأنه أقر على غيره فلم يعتبر ولو لم يقر الطالب بذلك ولكن أحد الكفلاء قال : أصل المال علي وصاحباي منه بريئان ، ثم أدى المال ; لم يرجع على صاحبيه بشيء ; لأن زعمه معتبر في حقه ، وإن أداه صاحباه رجعا بالكل عليه لإقراره أنه أصيل في جميع المال وإقراره ملزم إياه . ولو كان لرجل على رجل ألف درهم في صك باسمه وفلان بها كفيل فأقر الكفيل أن أصل المال عليه وأن فلانا كفيل عنه وأنه إنما قدمه في الصك لشيء خافه فأدى المقدم في الصك المال كله ; فله أن يرجع بذلك على الكفيل مؤاخذا بما أقر به على نفسه ، ويجعل ذلك في حقه كالثابت بالبينة ولو كان أصل المال قرضا في الصك أو من ثمن بيع ونسبه إلى الذي في صدر الصك ثم أقر الكفيل بهذه المقالة ; كان إقراره على نفسه أصدق مما في الصك ; لأن إقراره على نفسه حجة ملزمة والصك ليس بحجة ملزمة ما لم يشهد الشهود بما فيه وشهادة الشهود بما فيه لا تكون مقبولة مع تكذيبه إياهم بإقراره فلهذا كان المقبول ما أقر به على نفسه ولو لم يقر الكفيل بهذه المقالة ، ولكنه أقر أنه هو القابض للمال من صاحب الصك أو أنه قد اشترى المبيع من صاحب الصك وقبضه وقال الذي عليه الصك - وهو الذي اسمه في أوله - : أجل أو صدق ثم ادعى المقر له المال ; فله أن يرجع على صاحبه المقر لأن إقراره بمباشرة سبب التزام المال [ ص: 95 ] يكون إقرارا منه بأنه أصيل في جميع المال ، وأن صاحبه كفيل به . وإقراره حجة عليه ولو لم يقر الكفيل بذلك ولكنه أقر أنه قبض المال من المكفول عنه فهو جائز لأنه بالكفالة قد استوجب المال على المكفول عنه ، وإن كان مؤجلا وإقراره بقبض الدين المؤجل صحيح فإن أداه المكفول عنه إلى الطالب ; رجع على الكفيل بسبب إقراره لأن ثبوت قبضه منه بإقراره كثبوته بالبينة أو بالمعاينة في حقه . وإذا كان لرجل على رجلين ألف درهم ، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بجميع المال فادعى كل واحد منهما على صاحبه أنه كفيل عنه لم يصدق واحد منهما على ذلك إلا بحجة ; لأنه يدعي خلاف المعلوم بطريق الظاهر فعلى كل واحد منهما البينة على ما ادعى فإن لم يكن له بينة ; يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه لأنه يدعي على صاحبه ما لو أقر به لزمه وأيهما نكل عن اليمين ; فنكوله بمنزلة إقراره فيثبت بنكوله أن أصل المال عليه ، وإن حلفا جميعا ثم أدى أحدهما المال رجع على صاحبه بنصفه لأن دعوى كل واحد منهما تنفي عن صاحبه نصيبه وقيل : هذه الدعوى إذا كان أدى أحدهما المال ; رجع على صاحبه بالنصف لاستوائهما في الضمان إن قامت البينة من الأصيل أن المال على أحدهما . والآخر كفيل ولم يعرفوا ذلك فهذا بمنزلة من لم تقم عليه بينة لأن المشهود عليه بالأصالة منهما مجهول ، والشهادة على المجهول لا تكون مقبولة ولا تبطل هذه الشهادة حق الطالب ولا توهنه لأنها لا تمس حقه ، وإن أقر الطالب أن الأصل على أحدهما والآخر كفيل لم يصدق على ذلك ; لأن إقراره ليس بحجة لأحدهما على صاحبه وشهادته في ذلك لا تكون مقبولة ; لأن المال له فإنما يشهد لنفسه على أحدهما بأن جميع المال عليه ، وكذلك لو كان للطالب ابنان فشهدا بذلك لأنهما يشهدان لأبيهما وهذا إذا لم يكن على أصل المال بينة أنه عليهما وكل واحد منهما ضامن . فإن كان على أصل المال بينة بذلك ; فشهادة ابني الطالب جائزة لأنهما لا يثبتان بشهادتها حق أبيهما ، وإنما يشهدان لأحد الغريمين على الآخر أنه هو الأصيل وأن صاحبه كفيل فلا تتمكن التهمة في هذه . وكذلك إن كان الغريمان مقرين بالمال ; لأن حق الطالب عليهما ثابت بإقرارهما فشهادة ابني الطالب على هذا لا تكون لأبيهما وإنما تكون لأحدهما على الآخر . ولو شهد ابنا أحدهما أن الأصل على أبيه ، والآخر كفيل عن أبيه ; جاز لأنهما يشهدان على أبيهما ولو شهدا أن الأصل على الآخر وأن أباهما كفيل به عنه لم تجز شهادتهما لأنهما يدفعان بهذه الشهادة عن أبيهما مغرما ، ويجران إليه المنفعة فكانا متهمين فيه . والله تعالى أعلم بالصواب . [ ص: 96 ] باب بطلان المال عن الكفيل من غير أداء ولا إبراء ( قال رحمه الله ) : وإذا كفل الرجل بمال عن رجل من ثمن مبيع اشتراه فاستحق المبيع من يده ; برئ الكفيل من المال لأن باستحقاق المبيع انفسخ البيع وبرئ الأصيل من الثمن وبراءة الأصيل منه توجب براءة الكفيل ; لأن الكفيل يلتزم المطالبة التي هي على الأصيل ولا تبقى المطالبة على الأصيل بعد استحقاق المبيع فكذلك على الكفيل ، وكذلك لو رده بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو بإقالة أو بخيار شرط أو رؤية أو بفساد البيع ; لأن الأصيل يبرأ عن الثمن بهذه الأسباب ، وكذلك المهر يبطل عن الزوج كله بفرقة من جهتها قبل الدخول أو بعضه بالطلاق ببراءة الكفيل به مما بطل عن الزوج لبراءة الأصيل ، وكذلك الكفيل بطعام السلم إذا صالح الأصيل الطالب على رأس المال ; فهو بريء عما كفل به لبراءة الأصيل وليس عليه شيء من رأس المال ; لأنه دين آخر سوى ما كفل به وهو ليس ببدل عن المكفول به وكيف يكون بدلا ووجوب المسلم فيه بعقد السلم ، ووجوب رأس المال بانفساخ عقد السلم ، والبدل ما يجب بالسبب الذي وجب به الأصل . فلو ضمن المشتري ثمن المشترى لغريم البائع يعني : أحال البائع غريما له على المشتري حوالة مقيدة بالثمن أو كفل المشتري لغريم الكفالة البائع كفالة مقيدة بالثمن ثم استحق العبد بطلت الحوالة والكفالة ; لأن بانفساخ العقد من الأصل ينتفي الثمن عن المشتري من الأصل ، وقد كان التزاما مقيدا به ، وكذلك لو وجد العبد حرا أو رده المشتري بعيب بقضاء أو بغير قضاء أو بخيار رؤية أو هلك العبد قبل القبض ; لم تبطل الحوالة عندنا ولا الكفالة ; لأن بما اعترض من الأسباب لا يتبين أن الثمن لم يكن واجبا على الأصيل وعلى قول زفر - رحمه الله - تبطل الكفالة والحوالة ; لأن البيع ينفسخ من الأصيل بهذه الأسباب ويسقط الثمن عن المشتري وقد كان التزامه مقيدا به ( واستشهد في الكتاب بالصرف ) فقال : لو باعه بالدراهم مائة دينار وقبضها ثم انفسخ البيع بهذه الأسباب رجع على البائع بألف درهم ; لأن صرفها وأصلها صحيح بخلاف ما إذا استحق العبد أو وجد حرا ; فإنه يرجع بالدنانير لأنه تبين أن الدراهم لم تكن واجبة من الأصيل وعلى هذا لو ضمن الزوج مهر المرأة لغريمها ثم وقعت الفرقة بينهما قبل الدخول من قبلها ; لم يبرأ الزوج عن الكفالة إلا على قول زفر - رحمه الله - ثم إذا أداها رجع بها على المرأة ; لأنه كفل عنها بأمرها فيستوجب الرجوع عليها عند الأداء إلا أنه كانت تقع المقاصة قبل الفرقة بمهرها وقد انعدم ذلك بسقوط [ ص: 97 ] المهر فيرجع عليها بالمؤدى ، وكذلك لو طلقها قبل أن يدخل بها غير أنه يرجع عليها بنصف المؤدى ; لأن المقاصة وقعت بالنصف الثاني من مهرها . ولو كاتب رجل عبده على ألف درهم ثم أمره فضمنها لغريم له على المولى ألف درهم وقبل الحوالة بها ; فذلك صحيح لأن هذا ليس بكفالة ولا حوالة في الحقيقة ولكنه بمنزلة توكيل المولى غريمه باستيفاء بدل الكتابة من المكاتب ولا فرق في حق المكاتب بين أن يكون يطالبه المولى بالبدل وبين أن يطالبه غريم المولى . فإن أعتق المولى المكاتب ; عتق ولم يبرأ من الضمان وفي بعض نسخ الأصل قال : وبرئ من الكفالة لأنه كان بمنزلة التوكيل وبإعتاق المكاتب يسقط عنه بدل الكتابة حتى لا يطالبه المولى بشيء منه فكذلك وكيله . ووجه الرواية الأخرى أن الغريم كان يطالبه بدينه قبل العتق ولم يتغير حكم دينه بإعتاق المكاتب ، وإنما كان هذا بمنزلة التوكيل وحكم توجه المطالبة للغريم على المكاتب بالتزامه فأما المطلوب في حق الغريم دينه وما اعترض من العتق لا يبقى التزام المطالبة ابتداء فلأن لا ينفي بقاءه بطريق الأولى ثم إذا أدى رجع على المولى ; لأنه قبل العتق كانت تقع المقاصة بدين الكتابة وقد انعدم ذلك حين سقط عنه دين الكتابة بالعتق ، وكذلك لو مات المولى والمكاتب مدبر يعتق وعتق من ثلثه أم ولد فعتقت ; لأن البراءة عن بدل الكتابة يحصل بهذا السبب كما يحصل بإعتاق المولى إياه . ولو كفل عبد عن مولاه بألف درهم بأمره ثم أعتقه المولى فأداه ; لم يرجع على المولى فأما بعد العتق فإنه يطالبه بذلك المال لأنه كان مطالبا في حال رقه بالعتق وهو لا يزيده إلا وكادة ولأن المولى شغله به حين أمره بالكفالة عنه فهو بمنزلة ما لو أقر بالدين عليه ثم أعتقه ; فلا يرجع العبد بها على المولى وإن أدى من كسب هو خالص حقه ; لأن الكفالة حين وقعت لم تكن موجبة لرجوع الكفيل على الأصيل فلا يصير موجبا للرجوع بعد ذلك بخلاف المكاتب فإن هناك أصل الكفالة كانت موجبة لرجوع المكاتب على المولى عند الأداء ; لأن المكاتب يستوجب على مولاه دينا إلا أنه كانت تقع المقاصة ببدل الكتابة وهنا أصل الكفالة لم يكن موجبا لرجوع العبد على المولى فإن العبد لا يستوجب على مولاه دينا . ولو أن رجلا له على رجل ألف درهم فأمره أن يضمنها الغريم له ثم إن الآمر وهبها للكفيل أو أبرأه منها لم يجز ذلك ، وكان للمكفول له أن يأخذه بالمال ; لأن الكفالة أو الحوالة المقيدة قد اشتغلت بما للآمر في ذمة الكفيل لحق الطالب ، وذلك يمنع الآمر من التصرف فيه بمنزلة الراهن إذا تصرف في المرهون بالهبة أو البيع من إنسان فإنه لا ينفذ لحق [ ص: 98 ] المرتهن . ولو مات الآمر وعليه دين ولم يقتض المكفول له الدراهم ; كانت الدراهم بين سائر غرماء الميت ولم يكن المكفول له أحق بها منهم استحسانا وكان ذلك القياس أن يكون للمكفول له خاصة وهو قول زفر - رحمه الله - لأنه صار كالمرهون به ; ولأن سائر الغرماء يثبت حقهم من جهة الأصيل وقد كان مقدما على الأصل في هذا المال في حياته . ووجه الاستحسان : أن المكفول له لم يصر أحق بغرم هذا المال ، حتى لو برئ مما في ذمة الكفيل لم يبطل حق المكفول له ولا يكون أحق بالغنم ، وبه فارق الرهن فقد صار المرتهن أحق بغرم الرهن هناك . يوضحه أن يد الاستيفاء ثبتت للمرتهن بقبض الرهن وعلى ذلك ينبني اختصاصه به دون سائر الغرماء . وهنا يد الاستيفاء لم تثبت للمكفول له فيما في ذمة الكفيل بل هو مال الأصيل فيقسم بعد موته بين غرمائه بالحصص . ولو كان المكفول عنه حيا فأقام رجل البينة أن هذا المال له وأنه أمر فلانا فباع المبيع الذي هذا المال ثمنه ; لم يكن له أن يبطل الكفالة . في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ولكنه يضمنه للبائع وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - تبطل الكفالة وهو بناء على مسألة كتاب البيوع : أن الوكيل بالبيع عندهما - في نفوذ تصرفه في الثمن - بمنزلة العاقد لنفسه ويضمن للموكل . وعند أبي يوسف - رحمه الله - بمنزلة الثابت لا ينفذ من تصرفه إلا ما يرجع إلى القبض . ولو كان المال إلى أجل وبه كفيل فإن مات الأصيل ; فقد حل المال عليه ولا يحل على الكفيل حتى يمضي الأجل ; لأن الأصيل استغنى بموته عن الأجل . والكفيل محتاج إليه . وحلوله على الأصيل لا يمنع كونه مؤجلا على الكفيل ; كما لو كفل الكفيل بمال هو حال على الأصيل مؤجلا إلى سنة ولو كان الميت هو الكفيل ; فقد حل المال عليه لوقوع الاستغناء عن الأجل ويؤخذ من تركته في الحال ثم لا يرجع ورثته على الأصيل قبل أن يحل الأجل عندنا ، وقال زفر - رحمه الله - : يرجعون على الأصيل في الحال لأنهم أدوا دينا عليه بعد توجه المطالبة فيه شرعا بحكم الكفالة عنه بأمره فيرجعون إليه ، وهذا لأن الكفيل يصير بمنزلة المقرض لما أدى عن الأصيل فيستوجب الرجوع به عليه في الحال إلا إذا قصد إثبات حق الرجوع لنفسه بتعجيله قبل حل الأجل ، ولم يوجد إذا كان سقوط الأجل حكما لموته ، ولكنا نقول بالكفالة كما وجب المال للطالب على الكفيل مؤجلا والأصيل باق منتفع بالأجل فكما بقي المال مؤجلا في حق الطالب بعد موت الكفيل فكذلك في حق الكفيل للطالب قبل حل الأجل فإنه لا يرجع على الأصيل حتى يحل الأجل ، فهذا مثله . ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها عنه ثلاثة رهط [ ص: 99 ] بعضهم كفلاء عن بعض بالمال وهو حال من ثمن مبيع فأخر الطالب أحد الكفلاء إلى سنة ; فهو جائز وله أن يأخذ أيهم شاء سواء بجميع المال بمنزلة ما لو كان أحدهم كفل به مؤجلا في الابتداء ; فإن المال يكون حالا على الباقين ، وهذا لأن كل واحد منهم كفيل بجميع المال . وإبراء أحد الكفلاء لا يوجب البراءة للباقين كما لا يوجب براءة الأصيل فكذلك التأخير عن أحد الكفلاء إلى سنة . فإن أدى المال أحد الكفيلين الآخرين ; كان له أن يأخذ صاحبه بالنصف ليستوي به في غرم الكفالة كما هو مساو له في الالتزام بأصل الكفالة ولا يأخذ الذي أخره حتى يحل الأجل ; لأن الأجل ثابت في حقه فكما لا تتوجه مطالبة الطالب عليه بشيء لمكان الأجل فكذلك مطالبة الكفيل الآخر ، فإذا حل الأجل وقد كان أخذ من صاحبه النصف بيعا جميعا ذلك الكفيل بالثلث ; لأنه كان مساويا لهما في الكفالة ، وقد كان المانع لهما من الرجوع عليه الأجل . وقد انعدم فيرجعان عليه بقسطه وهو الثلث ; ليستووا في غرم الكفالة ثم يرجعون على الأصيل بجميع المال . فلو كان الطالب أخر المال على الأصيل سنة ; كان ذلك تأخيرا عن جميع الكفلاء بمنزلة ما لو أبرأ الأصيل . وكان ذلك موجبا براءة الكفيل أو لو كان أخر كفيلا منهم شهرا وآخر شهرين وآخر ثلاثة أشهر ; كان جائزا على ما سمى . فإن حل على صاحب الشهر ; أخذه من سهمه ولا يرجع هو على الآخرين لقيام المانع وهو الأجل ، وإن أخر الذي عليه الأصل بعد هذا سنة ; كان المال عليهم إلى سنة ودخلت الشهور تحت السنة ; لأن التأجيل في حق الأصيل فهو في حق الكفيل . ولو كان أخر الكفيل شهرا ثم أخره سنة ; دخل الشهر في السنة فهذا مثله . وإن كان المال من ثمن مبيع أو غصب وبه كفيل فأخر الطالب الأصيل إلى سنة فأبى أن يقبل ذلك ; فالمال عليه وعلى الكفيل حال كما كان ; لأن تأخير المطالبة بالتأجيل في حق الأصيل بمنزلة إسقاطه بالإبراء . وإبراء الأصيل يرتد بالرد فكذلك التأخير عنه يرتد برده فيبقى المال عليه حالا ، وكذلك على الكفيل لأن التأجيل في حق الأصيل يجعل في حق الكفيل بمنزلة ما لو أجل الكفيل ولو أجل الكفيل فأبى أن يقبل المال أن يثبت حالا فكذلك إذا أجل الأصيل وهذا لأن التأجيل لا يوجب انفساخ الكفالة سواء أجل الكفيل أو الأصيل . وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فكفل بها ثلاثة نفر وبعضهم كفلاء عن بعض ثم إن الطالب وهب المال لواحد منهم فأبى أن يقبل ; فالمال عليهم كما كان ; لأن الهبة من الكفيل تمليك فيرتد برد الكفيل كما [ ص: 100 ] يرتد برد الأصيل إذا وهب منه ، وإن قبل فقد تملك المال بقبول الهبة فهو بمنزلة ما لو وهبه تملكه بالأداء فإن شاء رجع على الأصيل بجميع المال ، وإن شاء رجع على صاحبيه بالثلثين إن وجدهما أو على أحدهما بالنصف إن وجده دون الآخر بمنزلة ما لو أدى المال فإن كان الموهوب له غائبا فلم يقبل ولم يرد ولم يعلم به حتى مات ; فالهبة جائزة ويرجع ورثته على أيهم شاء ولما بينا أن هبة الدين إسقاط يتضمن التمليك ، فإن ضمنه معنى التمليك يرتد برده ما دام حيا ، ولكونه إسقاطا يتهم بموته قبل الرد ويجعل تمامه كتمامه بقبوله وورثته قائمون مقامه فيرجعون على أيهم شاء كما بينا . ولو وهبه لرجلين من الكفلاء فقبلا ; جاز ورجعا به على الأصيل ، وإن شاءا رجعا على الكفيل الثالث بالثلث بمنزلة ما لو أديا وليس لواحد منهما أن يرجع على صاحبه بشيء من أجل أن كل واحد منهما صار متملكا خمسمائة وهما يستويان في ذلك ، وإن أخذا الكفيل الثالث فأدى إليهما الثلث ثم أراد هذا الكفيل الغارم أن يرجع على أحدهما بنصف ما أدى إلى الآخر لم يكن له ذلك لأن كل واحد منهما متملك للثلث فيكون بمنزلة ما لو أدوا جميعا المال إلى الطالب وإنما يتبعون الأصيل بالألف كلها . فإذا أخذوها ; كان لكل واحد منهم ثلث المقبوض ولو أن الطالب حين وهب المال لهذين الكفيلين ; قبل أحدهما الهبة وأبى الآخر أن يقبل ; فللذي قبل أن يأخذ ثلث هذا النصف من الكفيلين الآخرين لأن تملكه نصف المال بقبول الهبة كتملكه بأداء النصف فإن شاء رجع على الكفيلين معا بثلثي ذلك النصف ، وإن شاء على أحدهما بنصف ذلك الثلث ويأخذ الطالب بالنصف الآخر أي الكفلاء شاء ، وإن شاء رجع على الأصيل لأن الهبة بطلت في هذا النصف برد الموهوب له فعاد الحكم كما كان قبل الهبة . فإن قبض الطالب من الذي عليه الأصل شيئا ; فهو له خاصة ، وللطالب أن يأخذ الموهوب له بما بقي من ذلك لأن النصف الباقي ما وهبه منه فهو فيه كغيره من الكفلاء . ولو وهب الطالب نصف المال لأحد الكفلاء كان بهذه المنزلة فإن رجع الموهوب له على الكفيلين بثلثي ذلك النصف فأخذه منهما لم يتبعه واحد منهما بشيء من ذلك ; لأنه لو كان حق الاتباع بعد الأداء ; كان له أن يمنع ذلك منه في الابتداء ولكن لو أديا إلى الطالب خمسمائة ; كان للموهوب له أن يرجع عليهما بثلث خمسمائة أخرى فيرجع عليهما بتلك الخمسمائة حتى يكون الأداء عليهم أثلاثا ، وكذلك الصدقة والنحلة والعطية . فأما البراءة فليست كذلك ولا يرجع المبرأ من الكفلاء على أحد بشيء ; لأن إبراء الكفيل فسخ للكفالة وليس بتملك شيء منه . والله تعالى أعلم . [ ص: 101 ] باب الحلف في الكفالة ( قال رحمه الله ) : وإذا حلف الرجل لا يضمن لفلان شيئا فضمن له بنفس أو مال فهو حانث لأنه قد ضمن له فالمفهوم من هذا اللفظ التزام المطالبة بتسليم شيء مضمون له وقد وجد ذلك وكذلك لو كفل أو قبل الحوالة له وقال : في الحوالة ضمان وزيادة والكفالة والضمان عبارتان عن عقد واحد . ولو اشترى شيئا بأمره فهذا ليس بضمان وإنما هذا التزام لعقد الشراء وعقد الشراء لا يسمى كفالة عرفا وفي الأيمان يعتبر العرف . ولو ضمن لعبده أو مضاربه أو شريك له مفاوض أو عنان لم يحنث ; لأن الضمان وقع لغيره فإن المضمون ما تجب به المطالبة قبل الضامن بعقد الضمان وهو غير المحلوف عليه فأما المحلوف عليه إن توجهت له المطالبة فذلك باعتبار سبب آخر دون عقد الضمان . ( ألا ترى ) أن الرد والقبول إنما يعتبران ممن ضمنه له دون المحلوف عليه وعلى هذا لو ضمن الرجل فمات فورثه المحلوف عليه لم يحنث ، وإن صار الضمان له في الانتهاء لأن الأصل كان لغيره وإنما يثبت له باعتبار سبب آخر وهو الخلافة عن المورث . ولو حلف لا يضمن لأحد شيئا فضمن إنسان ما أدركه من درك في دار اشتراها أو عبد ; حنث لأنه قد ضمن للمشتري . ( ألا ترى ) أنه يسمى في الناس ضامنا من كان ضامنا للدرك وهو بمنزلة ما لو قال : إن لم يوفك فلان مالك إذا حل أو : إن مات فلان قبل أن يوفيك ; فهو علي أو : فأنا له ضامن ; فإنه يكون ضامنا له ويكون حانثا في يمينه ، وإن كانت المطالبة متأخرة عنه إلى أن يوجد ما صرح به ولا يخرج به من أن يكون ضامنا في الحال فكذلك في الدرك . ولو ضمن لرجل غائب لم يخاطب عنه أحد ; لم يحنث في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - ويحنث في قول أبي يوسف - رحمه الله - وهو بناء على ما سبق أن الكفالة للغائب إذا لم يقبل عنه أحد باطلة في قولهما ; فلا يحنث في يمينه وهو صحيح في قول أبي يوسف - رحمه الله - والضمان لازم للكفيل فيكون حانثا في يمينه ولو خاطبه عنه مخاطب ; حنث في قولهم جميعا ; لأن الضمان صحيح في حق الضامن وإن كان للمضمون له الخيار إذا بلغه بين أن يرضى به وبين أن يرده فيتم به شرط الحنث في حقه ولو ضمن لصبي لأن أباه أو وصيه لو أجاز ذلك ; جاز فهو بمنزلة ما لو ضمن الغائب فيتم في حقه إذا خاطبه به مخاطب . وكذلك العبد المحجور عليه يحلف أنه لا يضمن شيئا فضمن ; فهو حانث لأن يمين المحجور عليه ينعقد لكونه مخاطبا والالتزام بالضمان صحيح في حقه ، وإن كان المال يتأخر عنه إلى ما بعد العتق لحق مولاه فهو بمنزلة ما لو [ ص: 102 ] ضمن الغائب وعنه مخاطب أو ضمن لإنسان بعد ما حلف وهو مفلس . ![]()
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 102الى صـــ 111 (416) ولو حلف لا يكفل بفلان أو لا يضمن فلانا فكفل عنه بمال ; لم يحنث لأن الكفالة بفلان إذا أطلقت فإنما يفهم منها الكفالة بالنفس . ومطلق اللفظ في اليمين محمول على ما يتفاهمه الناس في مخاطباتهم ، فإن عنى المال كان ذلك على ما عنى ; لأنه شدد على نفسه بلفظ يحتمله . وقد تقدم بيان هذا الجنس في كتاب . والله أعلم . باب الكفالة بما لا يجوز ( قال رحمه الله ) : ولا تجوز الكفالة بشجة عمد فيها قصاص ولا بدم عمد فيه قصاص حتى لا يؤاخذ الكفيل بشيء من القصاص ولا من الأرش ; لأن الكفالة إنما تصح بمضمون تجرى النيابة في إيفائه . والقصاص عقوبة لا تجرى النيابة في إيفائها فلا يصح التزامها بالكفالة والأرش لم يكن واجبا على الأصيل بالفعل الذي هو موجب للقصاص والكفيل لم يكفل به أيضا ، وكذلك الكفالة بحد القذف باطلة لأنه عقوبة لا تجرى النيابة في إيفائها ولأن المغلب فيه حق - الله تعالى - فيكون على قياس سائر الحدود ، وكذلك لا تجوز الكفالة بشيء من الأمانات ; لأنها غير مضمونة على الأصيل ولا هو مطالب بإيفائها من عنده . وإنما يلتزم الكفيل المطالبة بما هو مضمون الإيفاء على الأصيل . فإذا استهلكها بعد ذلك من هي في يده أو خالف فيها ; لم يلزم الكفيل ضمانها ; لأن أصل الكفالة لم يصح . والضمان إنما لزم الأصيل بسبب حادث بعد الكفالة وهو ما أضاف الكفالة إلى ذلك السبب ، وكذلك في القصاص لو صالح الطالب المطلوب على مال لم يلزم الكفيل من ذلك المال شيء لأنه وجب بعقد بعد الكفالة والكفالة ما أضيفت إليه وكما لا تصح الكفالة بهذه الأشياء فكذلك الرهن ; لأن جواز الرهن يختص بما يمكن استيفاؤه من الرهن فإن موجبه ثبوت يد الاستيفاء . وكذلك الكفالة بالرهن عن المرتهن الرهن باطل ; لأن عين الرهن أمانة في يد المرتهن ، والكفالة بتسليم الأمانة لا تصح كالوديعة والعارية والمضاربة ، وكذلك الكفالة للمولى مملوكة وهو في بيت مولاه أو قد أبق عنه باطلة لأنه غير مضمون للمولى على العبد فإن المولى لا يستوجب على عبده حقا مضمونا وهذه الكفالة دون الكفالة ببدل الكتابة للمولى عن مكاتبه وذلك باطل فهذا أولى . ولو دفع ثوبا إلى قصار ليقصره وضمنه رجل فضمانه باطل في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وكذلك من يشبهه [ ص: 103 ] من الصناع ; لأن العين عنده أمانة في يد الأجير المشترك ولهذا لو هلك من غير صنعه ; لم يضمن وأما في قول من يضمن الأجير المشترك ما هلك عنده بسبب يمكن التحرز عنه وهو قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - فالكفيل ضامن لأن العين عندهما مضمونة في يد القابض بنفسها وهو بمنزلة المغصوب في يد الغاصب فتصح الكفالة به . ولو كفل بعبد رجل إن هو أبق من مولاه فهو باطل ; لأنه ما أضاف الكفالة إلى سبب وجوب الضمان فالإباق ليس بسبب يوجب ضمانا للمولى على عبده ، وكذلك لو كفل بدابته إن انفلتت منه أو بشيء من ماله إن تلف ; لأن الكفيل يلتزم مطالبة هي على الأصيل وذلك ينعدم هنا . ولو استودع رجلا وديعة على أن هذا كفيل بها إن أكلها أو جحدها ; فهو جائز على ما شرط لأنه أضاف الكفالة إلى سبب وجوب الضمان ، والمتعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز وكذلك لو قال : أنا كفيل بما صالحته عليه من مال من القصاص الذي تملك عليه في نفس أو من مال لك عليه ; لأنه أضاف الكفالة بالمال إلى سبب توجه المطالبة بها ، وكذلك لو قال : إن قتلك فلان خطأ ; فأنا ضامن لديتك فقتله فلان خطأ ; فهو ضامن أرشه لأنه أضاف الكفالة بالأرش إلى سبب موجب له وهو مما تجرى النيابة في إيفائه ولو قال : إن أكلك سبع أو ذئب فأنا ضامن لديتك فهذا باطل لأنه ما أضاف الضمان إلى سبب موجب له ولو قال : إن غصبك إنسان فأنا ضامن له فغصبه إنسان شيئا فلا ضمان عليه لأنه عم معناه أن المكفول عنه مجهول جهالة متفاحشة وذلك يمنع انعقاد الكفالة مضافا كان أو مجردا ولو خص إنسانا أو قوما لزمه ذلك ; لأن المكفول عنه معلوم . ولو دفع ثوبا إلى قصار يقصره بأجرة وكفل به رجل إن أفسده كان جائزا لأن الأجير المشترك ضامن لما جنت يده فقد أضاف الكفالة إلى سبب موجب الضمان ; فصحت الكفالة لهذا . ولو ادعى قبل رجل قصاصا في نفس أو دونها أو حدا في قذف وسأل القاضي أن يأخذ له كفيلا بنفسه وقال : بينتي حاضرة لم يجبه القاضي إلى ذلك . في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يجيبه إلى ذلك لأن تسليم النفس مستحق على الأصيل الطالب في هذا الموضع فتصح الكفالة به كما في دعوى المال وهذا لأن تسليم النفس تجرى فيه النيابة فالكفيل إنما يلتزم ما يقدر على إيفائه وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول : تسليم النفس هنا لمقصود لا تصح الكفالة به وهو الحد والقصاص فلا يجبر على إعطاء الكفيل بالنفس فيهما بخلاف المال وهذا لأن العقوبات تدرأ بالشبهات فلا ينبغي للقاضي أن [ ص: 104 ] يسلك فيها طريق الاحتياط بالإجبار على إعطاء الكفيل بالنفس ; لأن ذلك يرجع إلى الاستيثاق وهو ضد موضوع العقوبات ولكن السبيل أن يقول له : الزمه ما بينك وبين قيامي فإن أحضر البينة قبل أن يقوم القاضي وإلا خلى سبيله . ولو أقام شاهدا واحدا لا يعرفه القاضي فإن أقام شاهدين أو واحدا عدلا يعرفه القاضي فإن القاضي يحبسه في السجن حتى يسأل الشهود ; لأنه صار متهما بارتكاب الحرام الموجب للعقوبة حين تم أحد شطري الشهادة ، والحبس مشروع في حق مثله . ( ألا ترى ) أن الداعر يحبس ولا يكفل حتى يأتي بشاهد آخر ; لأن الكفيل للاستيثاق بالحدود والقصاص وذلك غير مشروع فأما الحبس للتعزير فهو مشروع في حق من هو متهم بارتكاب الحرام وعلى قولهما لا يحبسه قبل تمام الحجة الموجبة للقضاء ولكنه يكفله ثلاثة أيام كما في دعوى المال . ولو ادعى قبل رجل مالا بسرقة منه وقال : بينتي حاضرة فإنه يؤخذ له منه كفيل بنفسه ثلاثة أيام ; لأن المدعى مال والاستيثاق بالكفالة فيه مشروع فإن قال : قبضت منه السرقة لكني أريد أن أقيم عليه الحد لا يؤخذ منه كفيل ; لأن الحد يجب لله تعالى وهو ينبني على البرء والإسقاط فلا يستوثق بأخذ الكفيل بالنفس فيه وكذلك حد الزنا فإن طلب المشهود عليه من الذي شهد عليه بالزنا حد القذف فقال الشاهد : عندي بذلك أربعة شهداء ; أجل فيه إلى قيام القاضي ليظهر عجزه بهذا الإمهال عن إقامة أربعة من الشهداء فإن لم يحضرهم ; أقام عليه حد القذف ; لأن السبب الموجب للحد قد تقرر وهو القذف مع العجز عن إقامة أربعة من الشهداء ولم يحل عنه ولا يكفل ; لأن ذلك يرجع إلى الاستيثاق ولكن الطالب يلزمه إلى قيام القاضي مراعاة لحقه حتى لا يهرب . فإن قال الشاهدان : المشهود عليه عبد فالقول قوله ; لأن ثبوت حريته بطريق الظاهر وبمثله يدفع الاستحقاق ولا يستحق الحد ، وإن طلب المقذوف من القاضي أن يأخذ له منه كفيلا حتى يحضر البينة أنه حر لم يؤخذ ; لأن هذا استيثاق لإقامة الحد ولكن القاذف يحبس على وجه له فقد استوجب ذلك بإشاعة الفاحشة حرا كان المقذوف أو عبدا ويؤجل المقذوف أياما بمنزلة ما لو أقام رجل عليه البينة بالرق فزعم أن له بينة حاضرة على الحرية وكما يؤجل هناك أياما ليتمكن من إثبات حريته بالبينة ; فكذلك هنا ، وإن أقام رب السرقة شاهدين على السارق وعلى السرقة وهي بعينها في يديه لم يؤخذ منه كفيل ولكنه يحبس وتوضع السرقة على يدي عدل حتى يزكي الشهود ; لأن في الاشتغال بأخذ الكفيل بنفسه أو بالعين المسروقة استيثاقا لإقامة الحدود [ ص: 105 ] ذلك غير مشروع ولكنه يحبس على وجه التعزير وتوضع السرقة على يدي عدل ; لأن السارق غير مأمون على العين المسروقة والمدعي عليه المال إذا كان يخاف منه أن يتلف المال فللقاضي أن يضعه على يدي عدل بعد إقامة البينة حتى يزكي الشهود وإخراج العين فيه نوع تعزير له . وإذا ادعى عبد على حر قذفا وأراد أن يعذر له أو ادعى رجل قبل رجل مسألة فيها تعزير ، وقال : بينتي حاضرة أخذ له منه كفيلا بنفسه ثلاثة أيام ; لأنه ليس بحد وإنما هو تعزير وهو من حقوق العباد حتى يجوز العفو عنه وهو مما لا يندرئ بالشبهات التي هي في معنى البدل بمنزلة الأموال . ولو ادعت امرأة على زوجها أنه قذفها والزوج حر أو عبد ; لم يؤخذ منه كفيل في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأن اللعان في قذف الزوج زوجته بمنزلة الحد في قذف الأجنبي ، وقد بينا الخلاف هناك بين أبي حنيفة وصاحبيه - رحمهم الله - فكذلك هنا . ولو ادعى الولد قبل الوالد قذفا لم يؤخذ منه كفيل ولم يترك إن يلزمه ; لأن الابن لا يستوجب على والده شيئا من نوع العقوبة تعزيرا كان أو حدا أو قصاصا ، وكذلك لا يستوجب عليه الحبس في دين له واجب عليه ، وكذلك لا يستوجب الملازمة في دعواه قبله ، وكذلك لو ادعاه قبل والدته أو جده أو جدته وكذلك لو ادعى عبد أن مولاه قذف أمه وهي حرة مسلمة ; لأن حقوق الملك في إخراج المملوك من أن يكون أهلا لاستيجاب العقوبة على مالكه بمنزلة الولادة . ولو ادعى حر قبل عبد قذفا فأراد أن يأخذ منه كفيلا بنفسه أو نفس مولاه وخاف أن لا يقام عليه الحد إلا بمحضر من مولاه لم يؤخذ له الكفيل من واحد منهما ولكنه يؤمر بتلازمهما إلى أن يقوم القاضي في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ولو أقام البينة عليه بذلك بمحضر من مولاه ; فإن العبد يحبس له ويؤخذ له من مولاه كفيل في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - لا يحبس العبد ، ولكن يؤخذ له كفيل بنفس العبد خاصة دون نفس المولى ، وفي قول محمد - رحمه الله - يؤخذ له الكفيل بنفس العبد ونفس مولاه والذي قال في الكتاب : إن قول محمد - رحمه الله - مثل قول أبي حنيفة - رحمه الله - إنما يريد به أخذ الكفيل من المولى فأما حبس العبد فقوله كقول أبي يوسف - رحمه الله - وهو بناء على مسألتين : إحداهما ما بينا من أخذ الكفيل بنفس المدعي قبله حد القذف ، والأخرى : ما تقدم بيانه في الآبق أن حد القذف بالبينة لا يقام على العبد إلا بمحضر من مولاه في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - يقام عليه ، وإن لم يحضر المولى . فقال أبو يوسف - رحمه الله - : لا يأخذ الكفيلين بنفس [ ص: 106 ] المولى ; لأنه لا حاجة إلى حضوره في إقامته الحد ويؤخذ الكفيل بنفس العبد ولا يحبس قبل إقامة البينة ولا بعدها قبل ظهور عدالة الشهود ; لأن هذا بمنزلة المال عنده في حكم الكفالة بالنفس وقال محمد - رحمه الله - كذلك ، إلا أنه قال : يؤخذ الكفيل بنفس المولى ; لأنه لا بد من حضرة المولى لإقامة الحد على العبد عنده . وعند أبي حنيفة - رحمه الله - في دعوى حد القذف لا يجبر على إعطاء الكفيل بالنفس قبل إقامة البينة ولكن يصار فيه إلى الملازمة ولا بد من حضرة المولى عنده لإقامة البينة فيكون للمدعي أن يلازمهما وبعد إقامة البينة يحبس العبد تعزيرا كما يحبس الحر إذا قامت البينة عليه بالقذف ويؤخذ من مولاه كفيل ; لأنه لا بد من حضرة المولى لإقامة الحد ولا سبيل إلى حبسه ; لأنه ما ارتكب حراما فيؤخذ منه كفيل نظرا للمدعي ; لأنه ليس في أخذ الكفيل من المولى هنا توثق بحد عليه إذ لا حد على المولى . ولو ادعى رجل على رجل حدا في قذف فأقام شاهدين على شهادة شاهدين أو شاهد وامرأتين لم يكفل ولم يحبس ، وكذلك هذا في القصاص ; لأنه لا مدخل لهذا النوع من الحجة في حد أو قصاص . ولو كان هذا في سرقة أخذ منه كفيل بنفسه حتى يسأل عن الشهود ; لأن المال يثبت بهذه الحجة فإن زكوا قضي عليه بالمال ، وكذلك كل جراحة لا قصاص فيها لا في دعوى المال ، وبمثل هذه الشهادة يثبت المال . فإذا ادعى رجل دم عمد على ثلاثة نفر فأقر اثنان منهم بذلك وشهدا على الثالث أنه قتل معهما عمدا فإنهما يحبسان فإقرارهما على أنفسهما بمباشرة السبب الموجب للعقوبة ، ولا يحبس الآخر بشهادتهما ولا يكفل ; لأن شهادتهما ليست بمقبولة على الثالث فإنهما فاسقان ولأنهما يشهدان بفعل كان مشتركا بينه وبينهما ولا شهادة لهما في مثله فإنما في حق الثالث مجرد دعوى المدعي وبه لا يثبت الحبس ولا التكفيل . ولو كان أولياء الدم ثلاثة فادعى أحدهم على رجل وادعى الآخر على الشريك قتل العمد وكل واحد منهما يدعي بينة حاضرة لم يحبس أحد منهم ولكن يؤخذ من كل واحد منهم كفيل ثلاثة أيام ; لأنه لا قصاص في هذه الدعوى وإنما إنهاء المال بشيء واحد منهما على من بينته عليه في دعوى المال يكفل بالنفس ثلاثة أيام . ولو ادعى رجل قبل رجل قطع يد عمدا ثم أبرأه وادعاه على الآخر ; لم يكفل الثاني ولا تقبل بينة عليه لوجود التناقض منه في الدعوى فإن أقر الثاني بذلك قضى عليه ; لأنه مناقض صدق خصمه في ذلك إلا أنه لا يقضي عليه بالقصاص ; لأن ما تقدم من الدعوى منه على غيره يمنعه من استيفاء القصاص منه فيصير ذلك شبهة في حق القصاص [ ص: 107 ] دون المال وهذا مشكل فإن تعذر استيفاء القصاص لمعنى من جهة من له الحق وهو تناقضه في الدعوى وفي مثله لا يقضى بالدية كما لو قال : قتلت وليك عمدا فقال : لا بل قتلته خطأ ; لا يقضى بالمال وكل ما لا قصاص فيه فهو بمنزلة الخطأ في حكم الكفالة حتى إذا ادعى على رجلين قطع يد عمدا أخذ له منهما الكفيل بالنفس ; لأن هذا غير موجب للقصاص وإنما الدعوى فيه دعوى المال . ولو أقام شاهدين عدلين على قتل خطأ ; قضي له بالدية ولا حبس على القاتل في ذلك ولا كفالة ; لأن الخاطئ معذور والخطأ موضع رحمة من الشرع علينا فالخاطئ لا يستوجب التعزير إلا أن يكون داعرا فيحبس للدعارة ; لأن في حبس الداعر تسكين الفتنة . ولو أن رجلا قطع يمين رجلين فاجتمعا وطلبا كفيلا بنفسه ; لا يؤخذ لهما منه كفيل بنفسه من قبل أن كل واحد منهما يدعي القصاص . ( ألا ترى ) أن أحدهما إذا أقام البينة قضي له بالقصاص وإذا أقاما جميعا البينة قضي لهما بالقصاص حتى إذا بادر أحدهما واستوفى كان مستوفيا لحقه إلا أنهما إذا استوفيا القصاص يقضى لهما حينئذ بأرش اليد وقضي بنصف طرفه حقا مستحقا عليه لكل واحد منهما وإذا ثبت أن دعوى كل واحد منهما دعوى القصاص لم يؤخذ الكفيل بنفسه في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ولو ادعى رجل قبل رجل قطع يد عمدا ويد القاطع شلاء فقال المدعي : أنا أختار الدية فخذ لي منه كفيلا بنفسه ، أخذ له الكفيل ; لأن باختياره يتعين حقه في المال وفي دعوى المال تجرى الكفالة بالنفس . وإذا ادعى رجل قبل رجل شتمة فاحشة وأقام عليه شاهدين بالشتمة لم يحبس المدعى عليه ولكن يؤخذ منه كفيل بنفسه حتى يسأل عن الشهود ولما بينا أن دعوى التعزير كدعوى المال . وفي دعوى المال لا يحبس ما لم تظهر عدالة الشهود ثم الحبس نهاية العقوبة في هذه الدعوى . ( ألا ترى ) أن بعد عدالة الشهود لو رأى القاضي أن يحبسه أياما عقوبة ولا يعزر بالسوط ; كان له ذلك . فلما كان الحبس له نهاية العقوبة هنا ; لا يمكن إقامتها قبل ظهور العدالة بخلاف القصاص والحدود . وأشار في الحدود والقصاص إلى أن على قولهما بعد إقامة البينة قبل ظهور عدالة الشهود يحبس ولا يؤخذ الكفيل ولكن يبرأ الكفيل إن كان أخذه منه ( تأويله ) : بعد ظهور العدالة فأما قبل ذلك فلا يشتغل بحبسه عندهما على ما فسره في دعوى الحد على العبد ، وإن كان المدعى عليه الشتمة رجلا له مروءة وخطر ; استحسنت أن لا أحبسه ولا أعزره إذا كان ذلك أول مرة ; لأن إحضاره مجلس القاضي فيه نوع تعزير في حقه فيكتفي به في أول مرة ويؤخذ بما رواه [ ص: 108 ] الحسن - رحمه الله - { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تجافوا عن ذوي المروءة إلا في الحد . } وإذا ادعى رجل قبل رجل شيئا يجب عليه فيه عقوبة فأخذ منه كفيلا بنفسه ثلاثة أيام فهرب المكفول به وقدم الطالب الكفيل إلى القاضي ; فإنه يحبسه حتى يجيء به ; لأنه التزم تسليم نفسه فيحبس لإيفاء ما التزمه . ولو ادعى قبل رجل أنه ضربه وخنقه وشتمه وأن له بينة حاضرة ; أخذ له منه كفيلا ثلاثة أيام فإن أقام على ذلك شاهدين أو شاهدا وامرأتين أو شاهدين على شهادة شاهدين عزر به ; لأن التعزير بمنزلة المال يثبت مع الشبهات ، وقد بينا في كتاب الحدود أنه لا يبلغ بالتعزير أربعين سوطا في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وفي قول أبي يوسف - رحمه الله - يبلغ بالتعزير خمسة وسبعين سوطا إذا كان في أمر متفاحش ، وتعزير العبد في مثل ذلك تسعة وثلاثون سوطا عنده ذكر هذه الزيادة هنا ; لأن الأربعين حد في حق العبد . وقد قال صلى الله عليه وسلم { من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين } ولو ادعت امرأة قبل زوجها أنه ضربها ضربا فاحشا وادعت بينة حاضرة أو ادعى رجل ذلك قبل ولده الكبير أو قبل أخيه ; يؤخذ منه كفيل ثلاثة أيام ، وكذلك الذمي يدعي الشتمة قبل المسلم أو الذمي ، أو العبد يدعيها قبل الحر ; لأن الدعوى في هذا كله دعوى التعزير . والكفالة فيه مشروعة . وإذا مات الرجل وعليه دين ولم يترك شيئا فكفل ابنه أجنبي للغريم بما له على الميت ; لم تجز الكفالة في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وهي جائزة في قول أبي يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله - وإذا كان الميت ترك وفاء ; جازت الكفالة عندهم جميعا ، وإن ترك شيئا ليس فيه وفاء فإنه يلزم الكفيل بقدر ما ترك الميت في قوله وفي قولهما يلزمه جميع ما كفل به وحجتهم في ذلك ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة رجل من الأنصار ليصلي عليه فقال صلى الله عليه وسلم : هل على صاحبكم دين فقالوا : نعم ، درهمان أو ديناران فقال صلوات الله عليه وسلامه : صلوا على صاحبكم . فقال أبو قتادة : هما علي يا رسول الله وفي رواية : قال ذلك علي كرم الله وجهه فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم } فلو لم تصح الكفالة عن الميت المفلس ; لما صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الكفالة . وعن عبد الحميد بن أبي أمية { عن رجل من الأنصار أنه قال لأصحابه : من استطاع منكم أن يموت وليس عليه دين ; فليفعل فإني شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أتي بجنازة رجل من الأنصار فقال صلى الله عليه وسلم : هل على صاحبكم دين فقالوا نعم فقال صلوات الله وسلامه : وما ينفعكم صلاتي عليه وهو في قبره مرتهن بدينه ثم قال صلى الله عليه وسلم [ ص: 109 ] فمن ضمنه قمت فصليت عليه } فهذا تنصيص على تصحيح الضمان عن الميت المفلس والمعنى فيه أنه كفل بدين واجب فيصح كما في حال حياة المديون وهذا لأن الدين كان واجبا عليه في حال حياته فلا يسقط إلا بإيفاء أو إبراء أو انفساخ سبب الوجوب . وبالموت لا يتحقق شيء من ذلك . ( ألا ترى ) أنه مؤاخذ به في الآخرة مطلوب به ولو تبرع إنسان بقضائه جاز التبرع إلا أنه تعذرت مطالبته به في الدنيا بموته وبهذا لا يخرج الحق من أن يكون مطلوبا في نفسه كما لو أفلس في حال الحياة ، وكالعبد إذا أقر على نفسه بدين ثم كفل عنه كفيل به صح ، وإن كان هو لا يطالبه في حال رقه ; لأن الحق مطلوب في نفسه وهذا لأن ذمته باقية بعد الموت حكما ; لأنها كرامة اختص بها الآدمي وبموته لا يخرج من أن يكون محترما مستحقا لكرامات بني آدم . ( ألا ترى ) أنه لو مات مليا بقي الدين ببقاء ذمته حكما لا للانتقال إلى المال وليس بمحل لوجوب الدين فيه وإنما هو محل القضاء الواجب منه . ولو كان بالدين رهن بقي الرهن على حاله ، وإن كان مات عن إفلاس بأن كان الرهن مستعارا من إنسان ، وبقاء الرهن لا يكون إلا باعتبار بقاء الدين . ولو قتل عمدا وهو مفلس فكفل به كفيل بالدين الذي عليه صح والقصاص الواجب ليس بمال ، ولو لم تكن الذمة باقية حكما ; لما صحت الكفالة هنا وهذا بخلاف دين الكتابة فالحق هناك غير مطلوب ، وكذلك الديون الواجبة لله تعالى فإنها غير مطلوبة في الحكم في الدنيا والكفالة تكون بالحق فيشترط كون الحق مطلوبا في نفسه على الإطلاق وهناك الحق مطلوب في نفسه وبموته لم يتغير الحكم فبقي مطلوبا . وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن الحق قد توى وإنما تصح الكفالة بالقائم مثلا من الدين دون التاوي . وبيان ذلك هو أنه لا يتصور قيام الحق بدون محله ، ومحل الدين الذمة . وقد خرجت ذمته بموته من أن يكون محلا صالحا لوجوب الحق فيها فإن الذمة عبارة عن العهدة . ومنه يقال : أهل الذمة ، وأصل ذلك من الميثاق المأخوذ على الذرية المأخوذة من ظهر آدم صلوات الله عليه . قال تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم } الآية وتمامه بالإلزام المذكور في قوله تعالى { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } وذلك باعتبار صفة الحياة قبله . فأما بالموت فخرج من أن يكون أهلا لالتزام شيء من الحقوق في أحكام الدنيا ، فعرفنا أنه لم يبق له ذمة صالحة تكون محلا للحق ولكنه في أحكام الآخرة معد للحياة فتبقى الذمة في أحكام الآخرة ولهذا كان مؤاخذا به وهو معد للحياة في الدنيا عادة فلا تبقى الذمة في أحكام الدنيا وباعتبار المطالبة [ ص: 110 ] في أحكام الآخرة لا يمكن تصحيح الكفالة كما في ديون الله - جلت قدرته - . والدليل عليه أن الذمة لم تبق محلا لوجوب الحق فيها بعد الموت وكما يشترط المحل لابتداء الالتزام فكذلك يشترط المحل لبقاء الحق ولم يبق المحل ; فلا يبقى في أحكام الدنيا أيضا . والكفيل إنما يلتزم المطالبة بما على الأصيل ولا يلتزم أصل الدين في ذمته ولم يبق في ذمة الأصيل شيء في أحكام الدنيا فلا تصح الكفالة وهذا الدين في حكم المطالبة دون دين الكتابة فالمكاتب يطالب بالمال ، وإن كان لا يحبس فيه ثم هناك الكفالة به لا تصح فهنا أولى بخلاف المفلس في حال الحياة فإن ذمته محل صالح لوجوب الحق فيها ابتداء فبقي الواجب وبخلاف العبد أيضا فإن له ذمة صالحة لوجوب الحق فيها ، وإن ضعفت ذمته بسبب الرق وبخلاف ما إذا مات مليا فالمال هناك خلف عن الذمة فيما هو المقصود وهو المطالبة والاستيفاء ; لأن الاستيفاء يكون من المال بجعل الأصل قائما حكما وهنا لم يبق خلف بعد موته مفلسا ، وتوهم أن يتبرع إنسان بماله فيقضى عنه الدين لا يجعل مال الغير خلفا عن ذمته قبل جعل صاحبه ، وبخلاف ما إذا كان بالدين كفيل ; لأن ذمة الكفيل هنا خلف عن ذمته وبعد صحة الكفالة قد يتحول الدين إلى ذمة الكفيل عند الضرورة وهو عند أداء الكفيل أو الهبة . وقد تحققت الضرورة هنا فلهذا بقي الكفيل في الكفالة وكذلك الرهن خلف عن الذمة فيما هو المقصود وهو استيفاء الدين منه بقدر استيفائه من محل آخر وإذا قتل عمدا فقد قال بعض أصحابنا - رحمهم الله - : لا تصح الكفالة عند أبي حنيفة - رحمه الله - وبعد التسليم يقول : القصاص الواجب بفرض أن يصير مالا بعفو بعض الشركاء أو تمكن الشبهة فتوهم توجه المطالبة في الدنيا بقضاء ذلك الدين يجعل الذمة باقية حكما فتصح الكفالة لهذا المعنى والحديث المروي في الباب يحتمل أن يكون ذلك من أبي قتادة أو علي رضي الله عنهما إقرارا بكفالة سابقة . فإن لفظ الإقرار والإنشاء في الكفالة سواء والعموم بحكاية الحال لا يثبت ويحتمل أن يكون وعدا منهما لا كفالة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمتنع من الصلاة على الميت ليظهر طريق لقضاء ما عليه فلما ظهر الطريق لوعدهما ; صلى عليه لهذا . ( ألا ترى ) أنه ما روي أنه كان يقول لعلي رضي الله عنه بعد ذلك : ما فعل الديناران حتى قال يوما : قضيتهما فقال صلى الله عليه وسلم الآن بردت عليه جلدته ولم يجبره على الأداء وبه يتبين أنه كان وعدا لا كفالة . والحديث الآخر شاذ ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن لذلك الرجل مالا ولكنه ما كان ظاهرا عند الناس فلهذا ندبهم إلى الضمان عنه ليصلي [ ص: 111 ] عليه ثم هذا حكم منسوخ ; لإجماعنا على جواز الصلاة على المديون المفلس والاستدلال بالمنسوخ لا يقوى . والله أعلم بالصواب . باب كتاب القاضي في الكفالة ( قال رحمه الله ) : وإذا كتب القاضي إلى القاضي في كفالة بنفس رجل كفل به بأمره فأراد أن يقبل معه حتى يوافيه به فأقام على كتاب القاضي شاهدي عدل وكتب أنه قد قامت عنده البينة العادلة أنه كفل بنفسه بأمره فإن القاضي يأمره بالخروج معه حتى يوفي مكانه ويخلصه مما أدخله فيه ; لأن الكفالة بالنفس تثبت مع الشبهات فيثبت كتاب القاضي إلى القاضي . ثم الثابت بالبينة عند القاضي المكتوب إليه كالثابت بإقرار الخصم ولو أقر الخصم بذلك في الذمة بالخروج معه ; لأنه هو الذي أوقعه في هذه الورطة حين أمر أن يكفل بنفسه فعليه أن يخلصه ههنا كما لو أمر بالكفالة بالمال كان عليه تخليصه مما يلزمه به ، فإن كفل بالبصرة وجاء بالكتاب من قاضي البصرة إلى قاضي الكوفة بذلك ; فإنه يؤمر أن يوافيه حتى يبرئه من ذلك ; لأنه إنما يلزمه تسليمه في الموضع الذي التزم التسليم فيه ولا يقدر على ذلك إلا بموافاة الآمر معه إلى ذلك الموضع ، وكذلك لو كان كفل به بالكوفة على أن يوافي به بالبصرة فأخذ الطالب بالكوفة فإنه يأمره القاضي أن يوافي معه بالبصرة حتى يبرئه لما قلنا . ولو كفل بنفسه بالكوفة على أن يدفعه بالكوفة وأخذه الطالب بالبصرة فطلب كتاب قاضي البصرة إلى قاضي الكوفة بذلك ليأمره بأن يوافي معه البصرة لم يجبه إلى ذلك ولو كتب له يجبر قاضي الكوفة المكفول به على الذهاب معه إلى البصرة ; لأن مطالبة الطالب بالبصرة لا تلزم الكفيل شيئا فإنه ما التزم تسليمه إليه بالبصرة . ولو طلب الكفيل كتاب قاضي البصرة ببينة بالكفالة بأمره فإنه يكتب له بذلك حتى إذا قدم الكوفة وطالب الطالب بالتسليم فامتنع الأصيل وجحد الآمر بالكفالة كان كتاب قاضي البصرة حجة له عليه . ولو كتب القاضي إلى القاضي كتابا في كفالة بنفس رجل ولم يبين في كفالته أنه كفل بأمره ; فإنه لا يؤخذ له بذلك . بمنزلة ما لو أقر أنه كفل بغير أمره وهذا لأنه لو كفل عنه بمال بغير أمره ; لم يكن عليه أن يخلصه من ذلك ; لأنه التزمه باختياره فكذلك إذا كفل بنفسه بغير أمره . وإذا كان الكفلاء بالمال ثلاثة ، وبعضهم كفلاء عن بعض فأدى المال أحدهم والكفيلان الآخران في بلدين [ ص: 112 ] وصاحب الأصل في بلد آخر فأقام البينة بذلك عند القاضي وسأله أن يكتب له به ; فإنه يكتب له بثلاثة كتب إلى كل بلد بصفة الكفالة وحالها وأداء المال ; لأنه يحتاج إلى ذلك كله فربما يقصد أخذ الثلاثة فلا بد من أن يعطيه ما يكون حجة له عليه ، إلا أنه يكتب إلى كل قاض بما كتب به إلى القاضي الآخر على سبيل النظر فيه للخصوم لكي لا يلتبس المدعي ويأخذ مالا على حدة كل كتاب عن كل خصم ولا بد من أن يسمي في كتابة الشهود آباءهم وقبائلهم ; لأن هذا الكتاب لنقل الشهادة فلا بد من إعلام الشاهد فيه ، وإعلامه بذكر اسمه واسم أبيه وقبيلته فإن أخذ أحد الكفلاء ; فقال : قد أخذت من الكفيل معي نصف المال أو من الأصيل المال ; فعليه البينة ; لأن الأصيل لو ادعى ذلك بنفسه كان عليه أن يبينه بالبينة فكذلك إذا ادعى ذلك الكفيل وهذا لأن السبب الموجب للرجوع له بنصف المال على الذي أخذه ظاهر ، وهو يدعي مانعا أو مسقطا فعليه إثباته بالبينة فإن لم يكن له بينة حلف الذي ادعى المال وأخذ منه نصفه ، وإذا أدى الكفيل المال وأخذ به كتاب قاض إلى قاض فلم يجد صاحبه هناك فإن القاضي الذي أتاه بالكتاب يكتب له إلى قاض آخر بما أتاه من قاضي كذا ; لأن على المكتوب إليه أن ينظر ويقبضه على ما يتوصل به إلى حقه كما هو على الكتاب ولأن شهوده قد ثبت في مجلس القاضي المكتوب إليه بالكتاب فهو كما لو ثبت بأدائهم الشهادة في مجلسه فعليه أن يكتب له إلى قاضي البلدة التي فيها خصمه ![]()
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 112الى صـــ 121 (417) وإن رجع القاضي الذي كتب له أول مرة فقال : اكتب لي كتابا آخر فإني لم أجد خصمي في البلد الذي كتب إلى قاضيه ; لم يكتب له حتى يرد إليه كتابه الأول نظرا منه لخصمه ; لأن من الجائز أن يقصد المدعي التلبيس ليأخذ مالا بكل كتاب وإنما حقه في مال واحد ، وإن كتب له قبل أن يرد إليه كتابه فقد أساء في ترك النظر لأي الخصمين وميله إلى أحدهما وتمكينه من التلبيس وليبين في كتابه أنه قد كتب له في هذه النسخة إلى قاضي كذا وكذا فبهذا يندفع بعض التلبيس ويحصل للقاضي الكاتب التحرز عن التمكين من الظلم . وإذا كتب للقاضي بمال أداه كفيل عن كفيل ; فهو جائز ويؤخذ به الكفيل الأول للثاني إذا كان هو الذي أمره به ولا يؤخذ به الذي عليه الأصل ولم يأمره بالكفالة عنه وإنما أمره الكفيل الأول ، والتخليص إنما يجب على من أوقعه بأمره إياه بالكفالة في الورطة فإن كان الأصيل هو الذي أمر الثاني أن يضمن من لم يأمره بشيء ، وأصل المال على الأصيل فلا فرق بين أن يأمره بأن يكفل بذلك المال عنه وبين أن يأمره أن يكفل بذلك المال عنه وبين أن يأمره بأن يكفل به عن كفيله وإذا [ ص: 113 ] ادعى الكفيل المال وكتب له القاضي بذلك ولم يكتب في كتابه أنه كفل بأمره فإن الذي أتاه الكتاب لا يرد الكفيل بالمال ; لأن الأصيل لو أقر بكفالته عنه وجحد أن يكون أمره بذلك لم يكن له أن يرجع عليه بشيء فكذلك إذا ثبت بالبينة ، وإن جاء الكفيل بكتاب من قاض آخر أنه كفل عنه بأمره فهو مستقيم ويؤخذ له بالمال بمنزلة ما لو أقر الخصم بذلك أو شهد عليه شاهدان والله تعالى أعلم بالصواب باب الشهادة واليمين في الحوالة والكفالة ( قال رحمه الله ) وإذا ادعى رجل على رجل كفالة بنفس رجل وشهد له شاهدان فاختلفا في الوقت أو في البلد الذي وقعت الكفالة فيه أو في الأجل بأن قال أحدهما : إلى شهر ، وقال الآخر : إلى شهرين ، أو قال أحدهما : حال وقال الآخر : إلى شهر ; فالكفالة لازمة في ذلك كله ; لأنه قول يعاد ويكرر فلا يختلف المشهود به وهو أصل الكفالة باختلافهما في هذه الأشياء ولو شهدا أن هذا كفل لهذا بنفس رجل لا نعرفه ولكن نعرف وجهه إن جاء به فهو جائز ; لأنهما يشهدان على قول الكفيل ويجعل ما ثبت من قوله بشهادتهما كالثابت بإقراره فيقضي القاضي به ويأمره أن يأتي به على معرفتهما ولو قالا لا : نعرف وجهه أيضا فإنه يؤخذ بالكفالة بمنزلة ما لو أقر عند القاضي بأنه كفل بنفس رجل لهذا ثم يقال له أي رجل أتيت به ، وقلت : هو هذا وحلفت عليه ; فأنت بريء من الكفالة وهذا لأن جهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار فالقول في بيانه قول المقر بمنزلة ما لو أقر أنه غصب من فلان شيئا أو شهد الشهود على إقراره بذلك ولو قال أحدهما : كفل بنفس فلان ، وقال الآخر : كفل بنفس فلان الآخر لم تجز الشهادة لاختلافهما في المشهود به على وجه لا يمكن التوفيق فيه ولو ادعى رجل كفالة بنفس رجلين فأقام شاهدين فأثبتا كفالة أحدهما واختلفا في الآخر فأثبته أحدهما وشك الآخر فيه ; فإنه يؤخذ بالكفالة التي اجتمعا عليها ; لأن الحجة فيها قد تمت وفي الآخر لم تتم الحجة حين شك فيه أحدهما والكفالة بأحدهما تنفصل عن الكفالة بالآخر ولو شهد رجلان على رجل أنه كفل لأبيهما ولرجل بنفس فلان كانت شهادتهما باطلة ; لأنهما يشهدان بلفظ واحد وقد بطلت شهادتهما في حق أبيهما فتبطل في حق الآخر أيضا ; إذ المشهود به لفظ واحد ولو شهد رجلان على رجل أنه كفل لفلان بنفس فلان فإن لم يواف به غدا فعليه ما عليه وهو ألف درهم [ ص: 114 ] فهو جائز ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة أو إقرار الخصم فإن اختلفا في الوقت أو المكان أو الأجل فشهادتهما جائزة إذا ادعى الطالب أقرب الأجلين فإن ادعى أبعد الأجلين لم تقبل الشهادة ; لأنه قد أكذب الذي شهد بإقرارهما حين ادعى الأبعد ، وإنما أكذبه فيما شهد له به وإكذاب المدعي شاهده فيما شهد له يبطل شهادته بخلاف الأول فهناك إنما أكذب الشاهد بأبعد الأجلين فيما شهد عليه به وذلك لا يضره وهو بمنزلة ما لو ادعى ألفا وشهد له أحد الشاهدين بألف وخمسمائة ; لا تقبل ، ولو ادعى ألفا وخمسمائة وشهد له أحد الشاهدين بألف قبلت شهادتهما على مقدار الألف لهذا المعنى ولو اختلفا في المال فشهد أحدهما بدراهم والآخر بدنانير ; لم تجز شهادتهما في شيء من ذلك إذا ادعى الطالب النصفين وقال : لم يشهد لي بالنصف الآخر ; لأنه أكذب أحدهما فيما شهد له به فتبطل شهادتهما في جميع ما شهدا به ، وإن ادعى النصفين جميعا جازت شهادتهما في الكفالة بالنفس وبطلت في المال ; لأنه ما أكذب واحدا منهما فيقضى بشهادتهما فيما اتفقا عليه ويتعذر القضاء فيما تفرد به كل واحد منهما ، فإن اتفقا في المال أنه ألف درهم فقال أحدهما : قرض ، وقال الآخر : ثمن مبيع ، وقال : لم تشهد لي على القرض فقد أكذب الشاهد بالقرض فلا تجوز شهادته له في شيء من ذلك وإن ادعى الطالب ألفين : ألف قرض وألف ثمن مبيع ; فهو ما أكذب واحدا منهما فتجوز شهادتهما له في الكفالة بالنفس وفي ألف درهم لا يقبلها على وجوب الألف ، واختلافهما في الجهة لا يمنع القضاء بالمال ; لأنهما اختلفا ولم يختلفا بقلة ولأن الجهة غير مطلوبة بعينها وإنما المقصود المال بخلاف الأول فقد اختلفا هنا في جنس المال الذي هو مقصود وإن كان الشاهدان كفيلين بالمال عن صاحب الأصل لم تجز شهادتهما ; لأنهما يجران بها إلى أنفسهما مغنما فإن الطالب إذا أخذ المال من المشهود عليه ; استفاد البراءة به وكذلك لا تجوز شهادة ولدهما ووالدهما ; لأنه ينفعهما بشهادته وكذلك لا تجوز شهادة ابن الأصيل على الكفيل بذلك ; لأنه ينفع أباه فإن الطالب إذا استوفى المال من الكفيل ; برئ الأصيل ، وكذلك تجوز شهادة ابن الكفيل إذا أقر به الكفيل وأنكره الأصيل ; لأنه شهد لأبيه في ثبوت حق الرجوع على الأصيل عند الأداء ، وإن جحد الكفيل وأقر به الأصيل جازت شهادة ابن الكفيل ; لأنه يشهد على أبيه للطالب بالتزام المال وإذا ادعى رجل على رجل أنه كفل له بنفس رجل وبألف درهم له عليه إن لم يواف به غدا وشهد له بذلك شاهدان وشهدا أن المكفول به أمر الكفيل بذلك والكفيل والمكفول به ينكران [ ص: 115 ] المال والأمر فقضى القاضي بتلك الشهادة على الكفيل ولم يواف به فأخذ المال وأداه ; رجع به على المكفول به عندنا وقال زفر - رحمه الله - : لا يرجع ; لأنه أقر عند القاضي أنه أمره بالكفالة عنه بشيء ، وإقراره حجة عليه ولأنه بزعمه مظلوم فيما أخذ منه المال وليس للمظلوم أن يظلم غيره ولكنا نقول القاضي أكذبه في إقراره وزعمه حين ألزمه المال بشهادة الشهود ، والمقر متى صار مكذبا في إقراره حكما ; سقط اعتبار إقراره كالمشتري إذا كان أقر بالملك لبائعه فاستحق المبيع من يده بالبينة ; رجع على بائعه بالثمن ولم يعتبر إقراره بذلك ولو أقر الكفيل بالكفالة بالنفس والمال وقال : لم يأمرني بذلك فقضى عليه القاضي بذلك ثم جاء الكفيل بالبينة أن المكفول عنه أمره بالكفالة لم تقبل بينته على ذلك ; لأنه مناقض في دعواه حين أقر أنه لم يأمره بذلك والمناقض لا يقبل بينة على خصمه ولأن القاضي إنما قضى عليه بالكفالة بالمال بإقراره على نفسه بذلك . وإقراره ليس بحجة على الأصيل بخلاف الأول فالقضاء هناك كان بحجة البينة وقد قامت على الكفيل والأصيل جميعا . وإذا كفل بنفسه بأمره فإن لم يواف به غدا فعليه المال ولو ادعى الكفيل أنه وافى به لم يصدق إلا ببينة ; لأنه ادعى مانعا أو مسقطا بعد ما ظهر سبب وجوب المال عليه وهو الكفالة فإن أقام البينة على ذلك ; برئ من الكفالة بالنفس والمال جميعا ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة ويستوي إن شهدا على الموافاة أو على إقرار الطالب بذلك فإن اختلفا في مكان إقراره أو وقته جازت الشهادة ; لأن الإقرار قول يكرر ، وإن شهد أحدهما أنه دفعه إليه غدوة بمحضر منه بغير إقراره وشهد الآخر أنه دفعه إليه عشية بمحضر منه بغير إقرار والمدعي يدعي أحدهما أو كلاهما وقال : دفعته إليه غدوة أو عشية لم تجز شهادتهما لاختلافهما في المشهود به فإن الفعل الموجود في مكان أو زمان غير الفعل الموجود في مكان أو زمان آخر . ولو أقر الكفيل أنه لم يدفع الرجل إليه وأن المال قد لزمه ، والشهود شهدوا بباطل وقد اتفقت شهادتهما فالمال لازم للكفيل لإكذابه الشاهدين فيما شهدا به له ولا يرجع به إذا أداه على المكفول عنه ; لأنه قد أقر به فلزمه ذلك بإقراره بعد ما ظهرت حجة براءته ، وإقراره ليس بحجة على الأصيل إذا كفل رجل بنفس رجل فإن لم يواف به غدا فعليه المال فشهد عليه شاهد بذلك معاينة والآخر بإقراره والكفيل يجحد ذلك لزمه ذلك ; لأن الكفالة قول وصيغة الإقرار والإنشاء فيه واحدة ، وفي مثله اختلاف الشاهدين في الإقرار والإنشاء لا يضر كالبيعوإن شهدا على رجل أنه كفل لرجل بألف درهم عن [ ص: 116 ] فلان واختلفا في اللفظ فقال أحدهما : كفل بها ، وقال الآخر : ضمنها ، أو قال أحدهما : هي لي ، وقال الآخر : هي علي ; فالشهادة جائزة لاتفاقهما فيما هو المقصود وهو الكفالة ، والألفاظ قوالب المعاني فعند اتفاقهما على العقد المشهود به لا يضرهما اختلاف العبارة كما شهد أحدهما بالهبة والآخر بالنحلة ، وإن قال أحدهما : احتال بها عليه ، وقال الآخر : ضمنها له على أن أبرأ الأول أو لم يذكر البراءة وادعى الطالب الضمان أو الحوالة والبراءة فإنه يأخذ المحتال عليه بالمال ; لاتفاق الشاهدين على الحوالة ، وإن اختلفا في العبارة أو لاتفاقهما على التزام المشهود عليه للمال كما إذا شهد أحدهما بالضمان ولم يذكر البراءة وهذا لأن في الحوالة ضمانا وزيادة فيقضى بما اتفقا عليه ، والأصيل بريء بإقرار الطالب لا بشهادة أحد الشاهدين بالحوالة . ولو ادعى الطالب الضمان بغير براءة وقال : لم أحل عليه فإنه يأخذ أيهما شاء بالمال لاتفاق الشاهدين على مقدار الالتزام بالضمان ، والطالب ما أكذب الذي شهد له بالحوالة في شهادته له وإنما أكذبه في شهادته عليه وهو براءة الأصيل وذلك لا يمنع قبول الشهادة كما لو شهدا له بالمال وشهد أحدهما أنه استوفاه أو أنه أبرأ المطلوب منه قال . ( ألا ترى ) أنه لو شهد شاهدان أنه كفل له بالمال على أن أبرأ الأول والطالب يقول : لم أبرئ الأول والكفيل يجحد الكفالة قضيت للطالب بالكفالة وأبرأت الأصيل إذا كان هو يدعي شهادتهما على البراءة . وبهذا يتبين أنهما في الشهادة على البراءة يشهدان على الطالب لا له ، وكذلك لو شهدا بالحوالة وقال الطالب : إنما كفل لي فهو ما أكذبهما فيما شهدا له من ضمان المال ولو شهد رجلان على رجل أنه كفل بألف درهم لرجل فقال أحدهما إلى سنة وقال الآخر حالة وادعى الطالب حالة وجحد الكفيل أو أقر وادعى الأجل فالمال عليه في الوجهين من قبل أن الطالب لم يكذب شاهده فيما شهد له به وإنما أكذبه فيما شهد به عليه والشاهد بالأجل للكفيل واحد وقد بينا فيما سبق أن زفر - رحمه الله - يخالفنا في جميع هذه الفصول وأنه يفصل بين الإكذاب فيما شهد به له أو عليه ولو ادعى رجل قبل رجلين كفالة بألف درهم وكل واحد منهما كفيل ضامن بها وشهد له شاهدان فشهد أحدهما بذلك عليهما وشهد الآخر على أحدهما فإن الطالب يأخذ الذي اجتمعا عليه بالألف ; لأن كل واحد منهما بحكم هذه الكفالة مطالب بجميع المال وقد تمت الحجة على أحدهما ولو شهد شاهد عليهما وشهد آخر على أحدهما وشهد الآخر على الآخر كان للطالب أن يأخذهما جميعا بالمال ; لأن الحجة قد تمت في حق كل واحد منهما في حق أحدهما لشهادة الأولين [ ص: 117 ] وفي حق الآخر بشهادة الآخر أخذ الأولين مع الثالث ، وإن شهد اثنان على أحدهما أنه كفل له هو وفلان عن فلان بألف درهم على أن يأخذ أيهما شاء وشهد له الآخران على كفيل الآخر بمثل ذلك ; كان له أن يأخذ أيهما شاء بجميع المال ; لأن الحجة قد تمت في حق كل واحد منهما بالتزامه جميع المال ولو شهد له شاهدان بالمال حالا على الأول وشهد له آخران على الآخر بالمال إلى أجل على مثل شهادة الأول كان جائزا وأخذ الطالب صاحب الأجل بالمال إلى أجله والآخر بالمال حالا اعتبارا للثابت بالبينة بالثابت بالمعاينة ، وكذلك إن اختلف الفريقان في مبلغ المال أخذ الطالب أيهما شاء بما شهد به الشاهدان عليه اعتبارا بما لو أقر كل واحد منهما بذلك القدر وإذا ادعى رجل كفالة ألف درهم له على رجل قد سماه فشهد شاهدان أنه كفل له بألف درهم عن رجل وقالا : رأيناه ولم نعرفه ، أو لم نره ولكن الكفيل أشهدنا على ذلك فالمال لازم للكفيل ; لأنهما يشهدان على قوله فهو بمنزلة شهادتهما على إقراره ، والمشهود له معلوم إذا أدى الكفيل المال لم يرجع على المكفول عنه إلا أن يشهد له شاهدان أنه أمره بذلك ، وإن أراد الطالب أن يأخذ الأصيل دون الكفيل لم يكن له ذلك إذا جحد ; لأن البينة الأولى ليست بحجة على الأصيل حين لم يعرفه الشهود أو لم يروه وإذا ادعى الرجل على الرجل ألف درهم أحال بها فلان الغائب وأقام البينة فأدى إليه المحتال عليه ; رجع بها على المحيل ولم يكلف إعادة البينة عليه ; لأن المحتال عليه التزم بالحوالة بالمال الذي هو على الأصيل وإنما يتحول إلى ذمته ما كان في ذمة الأصيل على أن يكون هو خلفا عن الأصيل ولهذا لو مات مفلسا عاد المال إلى الأصيل فانتصب هو خصما عنه ومن ضرورة القضاء عليه بالحوالة بالأمر : القضاء بالمال على المحتال عليه . ولو كان الطالب غائبا فأقام المحتال عليه البينة على الأصيل أنه كان لفلان عليك ألف درهم وأحلته بها علي وأديتها إليه ; قضيت بها له عليه وهو قضاء على الطالب بالاستيفاء ; لأنه ادعى لنفسه المال على الأصيل ولا يتوصل إلى ذلك إلا بإثبات الأداء إلى الطالب ولا يتوصل الأصيل إلى دفع ذلك عن نفسه إلا بإنكار قبض الطالب بالاستيفاء فلا يلتفت إلى جحوده بعد ذلك إذا حضر والكفالة في هذا قياس الحوالة ولو ادعى رجل على رجل كفالة بنفس أو مال أو حوالة ولا بينة له استحلف المدعى عليه فإن نكل عن اليمين لزمه ذلك ، وإن حلف ; برئ ورجع المدعي على صاحب الأصيل بالمال وهذا ظاهر في الكفالة فإن الكفالة لا توجب سقوط مطالبة الطالب عن الأصيل ، وكذلك في الحوالة ; لأن [ ص: 118 ] الأصيل إنما يبرأ إذا ثبتت الحوالة ولم تثبت حين حلف المحتال عليه ولأنه حين جحد وحلف ; قد تحقق التوى وذلك يوجب عود المال إلى الأصيل كما لو مات المحتال عليه مفلسا فإن نكل عن اليمين وأدى المال رجع على الأصيل إن كان مقرا أو قامت بينة عليه بالأمر . وجحود المحتال عليه لا يبطل تلك الحوالة ; لأنه صار مكذبا في ذلك حين قضى القاضي به عليه ولم يجعل نكوله هنا بمنزلة إقراره بل جعله بمنزلة البينة ; لأنه مضطر إلى هذا النكول وإنما لحقته هذه الضرورة في عمل باشره لغيره فهو نظير الوكيل بالبيع إذا نكل عن اليمين في دعوى العيب فرد عليه كان ذلك ردا على الموكل . ولو كان قضى بالمال على الكفيل أو المحتال عليه ببينة قامت عليه بذلك وأن فلانا أمره به فأدى المال وصاحب الأصل جاحد للأمر فإنه يرجع عليه بالمال ; لأنه صار مكذبا شرعا بالبينة التي قامت عليه بذلك . ولو كان قضى عليه بالمال بنكوله عن اليمين وأداه ; فله أن يستحلف الأصيل بالله ما أمره بذلك لما بينا أنه مضطر إلى النكول إلا أن نكوله ليس بحجة على الأصيل في الأمر فيحلفه على ذلك ولو ادعى قبل رجل كفالة بنفس أو مال فقال الكفيل : لم أكفل له بشيء وقد أبرأني من هذه الدعوى فاستحلفه ما أبرأني وقال الطالب : بل فاستحلفه ما كفل به لي فإني أستحلفه بالله ما له قبله ذلك ; لأن القاضي إنما يشتغل بالاستحلاف على ما هو المقصود وهو قيام الكفالة بينهما في الحال فيحلف على ذلك فإن حلف ; برئ ، وإن نكل لزمته الكفالة ولم يستحلف الطالب بالله ما أبرأه ; لأن الكفيل يدعي عليه البراءة فيحلف على ذلك لحقه فإن نكل عن اليمين ; برئ الكفيل من كفالته كما لو أقر ببراءته ، وإن ادعى الكفيل بالنفس أنه دفعه إلى وكيل الطالب ; حلف الطالب على علمه ; لأنه استحلاف على فعل الغير بخلاف ما إذا ادعى الدفع إليه فإنه استحلاف على فعل نفسه فيكون على البتات ولو ادعى رجل قبل رجل كفالة فقال : أخذك غلامي حتى كفلت لي بفلان وجحد الكفيل ذلك ; فإنه يحلف على ذلك ; لأنه لو أقر به لزمه تسليم النفس إليه ، وإن كانت الكفالة له بحضرة غلامه دونه فإن أنكر يستحلف عليه لرجاء النكول . وإذا طلب مدعي الكفالة بنفس أو مال أن يحلف الكفيل بالله ما كفل ; لم يحلف كذلك ولكنه يحلف بالله ما له قبلك هذه الكفالة ; لأن الإنسان قد يكفل لغيره ثم يبرأ من كفالته بسبب فلو حلفه القاضي ما كفل يضر به ; لأنه لا يمكنه أن يحلف ، وإن كان هو محقا في إنكاره الكفالة في الحال والقاضي مأمور بالنظر للخصمين فلهذا يحلفه بالله ما له قبلك هذه الكفالة ، وكذلك هذا في كل دين ومال وديعة وعارية وشراء وإجارة [ ص: 119 ] فإنه لا يحلف : ما اشتريت ولا استودعك ولا أعارك ولا استأجرت منه ولكن يحلف بالله : ما له قبلك ما ادعى به . وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه قال : هذا إذا عرض المدعى عليه فقال : أيها القاضي قد يكفل الإنسان ثم يبرأ منه فلا يلزمه شيء فأما إذا لم يشتغل بهذا التعريض فإنه يحلف بالله ما كفلت ; لأنه إنما يستحلف على جحوده وقد جحد الكفالة أصلا فيحلف على ذلك فإذا عرض فقد طلب من القاضي أن ينظر له فعلى القاضي إجابته إلى ذلك ، وإن لم يعرض ; فهو الذي لم ينظر لنفسه فلا ينظر القاضي له ولكنه يحلفه على جحوده وفي ظاهر الرواية قال : هذا التعريض لا يهتدي إليه كل خصم وعلى القاضي أن يصون قضاء نفسه عن الجور ونفسه عن الظلم فيحلفه على ما بينا عرض الخصم أو لم يعرض . ولو قال الكفيل للقاضي : حلف الطالب أن له قبلي هذه الكفالة فإني أرد عليه اليمين فإنه لم يرد عليه اليمين ; لأن الشرع جعل اليمين على المنكر فإذا رددت اليمين على المدعي ; فقد خالفت الأثر . وقد بينا هذا في الدعوى . ولو جاء الطالب بشاهديه على قوله فقال المطلوب : استحلفه بالله لقد شهدت شهوده على حق ; لم أستحلفه على ذلك ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي . فإذا جعلت عليه مع البينة يمينا ; فقد جعلت ما لم يجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك ممتنع . والله أعلم بالصواب . باب كفالة الرجلين على شرط لزوم المال بترك الموافاة ( قال رحمه الله ) : وإذا كفل رجل لرجلين بنفس رجل فإن لم يواف به ; أدى ما ادعيا به عليه فعليه ما لهما عليه وسمى لكل إنسان منهما الذي له عليه وهو مختلف فهو جائز ; لأنه نجز الكفالة بالنفس لكل واحد منهما وعلق الكفالة بالمال بشرط عدم الموافاة إذا دعياه وذلك صحيح في حق كل واحد منهما عند الانفراد في حقهما . فإن دعاه أحدهما ولم يواف به لزمه ما له عليه لوجود الشرط في حقه ولم يلزمه مال الآخر حتى يدعوه به . وبهذا يتبين أن هذا في المعنى ليس بتعليق للكفالة بالمال بالشرط ولكنه بمنزلة الكفيل بالمال بشرط إبرائه من مال كل واحد منهما بموافاته به إذا دعياه ; لأنه لو كان هذا تعليقا بالشرط لم يجب شيء من المال بوجود بعض الشرط . وإذا دعاه أحدهما فلم يوافه به فالموجود بعض الشرط وقال : يلزمه المال عرفنا أنه إنما يلزمه ; لأن الموافاة كانت مبرئة له ولم توجد . ولو بدأ بالمال فضمنه لكل واحد منهما وقال : إن وافيتكما بنفسه إذا دعوتماني به ; فأنا بريء من المال فهو مثل الأول وتقديم [ ص: 120 ] المال في هذا وتأخيره سواء ; لأنه وإن أخر الكفالة بالمال في لفظه فهو في المعنى مقدم ، وإنما هو شرط البراءة عند الموافاة بنفسه إذا دعياه به ولكل واحد منهما أن يأخذ بكفالته دون الآخر ; لأنه في المعنى كفيل لكل واحد منهما على حدته ويلزمه ذلك دون الآخر ، وإن جمع بينهما في العقد لفظا بمنزلة ما لو أقر لهما بمال فلكل واحد منهما أن يأخذ حصته دون الآخر ولو كان الطالب رجلين متفاوضين لهما على رجل ألف درهم فكفل لهما رجل بنفس المطلوب فإن وافاهما به غدا فهو بريء من المال فوافى به أحدهما ودفعه إليه فهو بريء من كفالته بالنفس والمال لهما جميعا ; لأن المتفاوضين كشخص واحد ما بقيت المفاوضة بينهما وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه في استيفاء ما وجب لصاحبه كما هو قائم مقام صاحبه في كونه مطالبا بما على صاحبه ، ولو كانا شريكين شركة عنان ; برئ من حصة الذي وافاه به ولم يبرأ من الكفالة للآخر ; لأنه فيما هو واجب لصاحبه بمنزلة الأجنبي في الاستيفاء حتى لا يكون له أن يطالب الغريم به فكذلك لا يبرأ عن كفالة صاحبه بموافاته به ولو كفل رجلان بنفس رجل على أن يوافيا به غدا فإن لم يفعلا ; فالمال عليهما فوافى به أحدهما عنه وعن صاحبه ولم يحضر الآخر ; فهما بريئان ; لأنهما التزما التسليم بعقد واحد ولو التزما مالا فأداه أحدهما برئا منه جميعا فكذلك الكفالة بالنفس . ولو مات أحدهما ثم مضى الأجل ولم يوافيا به لزم الحي منهما نصف المال ، وفي تركة الميت نصف المال لوجود الشرط وهو عدم الموافاة به ولو كان وافى به بعض ورثة الميت قبل الأجل برئا جميعا ; لأن الوارث قائم مقام المورث في التسليم ولو كان كفل به كل واحد منهما على حدة فاشترط الطالب على كل واحد منهما أنه إن لم يواف به إلى وقت كذا ; فعليه المال فوافى به أحدهما فدفعه فإنه يبرأ من كفالته ولا يبرأ الآخر ; لأن الكفالة هنا مختلفة وكل واحد منهما أجنبي عن عقد صاحبه إلا أن يقول الذي جاء به : دفعته عن نفسي وعن صاحبي ويقبله الطالب على ذلك بمنزلة ما لو جاء به أجنبي آخر فدفعه عنهما جميعا وقبله الطالب . ولو دفع المكفول به نفسه إلى الطالب عنهما جميعا ; كانا بريئين ، سواء قبله الطالب أو لم يقبله بمنزلة ما لو دفعاه إليه ; لأنه أصيل في هذا التسليم غير متبرع به بخلاف الأجنبي . والله أعلم بالصواب . باب الكفالة بالأعيان ( قال رحمه الله ) : وإذا ادعى عبدا في يدي رجل فلم يقدمه إلى القاضي وأخذ منه كفيلا بنفسه [ ص: 121 ] وبالعبد فمات العبد في يدي المطلوب وأقام المدعي البينة أن العبد عنده فإن القاضي يقضي له بقيمة العبد على المطلوب ، وإن شاء على الكفيل ; لأنه ثبت بالبينة أن العبد كان مغصوبا والكفالة بالعين المغصوبة توجب على الكفيل رد القيمة عند تعذر رد العين كما أنها واجبة على الأصيل ، وإن لم يقم البينة ولكن المطلوب نكل عن اليمين فقضى عليه القاضي بالعبد فمات العبد قبل أن يقبضه ; فإنه يقضي له بقيمته على الأصيل دون الكفيل ; لأن نكوله كإقراره أو كبدله فلا يكون حجة على الكفيل إلا أن يقر الكفيل بمثل ذلك أو يأبى اليمين فيلزمه مثل ما يلزم المطلوب ولو غصب رجل عبدا فضمنه رجل لصاحبه فهو ضامن له حتى يأتي به فإن هلك فعليه قيمته ; لأنه التزم المطالبة بما على الأصيل والقول قول الكفيل في قيمته لإنكاره الزيادة كالأصيل فإن أقر الغاصب بأكثر من ذلك ; لزمه الفضل بإقراره ولا يصدق على الكفيل ولو اشترى رجل جارية من رجل فقبضها وجاء آخر فادعاها وأخذ بها كفيلا وأقام البينة أنها جاريته فقضي له بها فقال المطلوب : قد ماتت أو أبقت ، وقال الطالب : كذبت فإني أحبس الكفيل حتى يأتي بها كما أحبس فلانا الأصيل حتى يثبت إباقها فإن طال ذلك - يعني مدة الحبس - ضمنهما قيمتها مراعاة لحق الطالب إذا طلب ، وإن قال : هي بمائة درهم وحلفا عليها ، وقال الطالب : ألف درهم ضمنهما مائة درهم ; لأن الزيادة انتفت أن تكون قيمتها ما لم يقم البينة بها . ويأخذ بها أيا شاء فإذا ظهرت الجارية بعد ذلك فهو بالخيار ، إن شاء أخذ الجارية ورد القيمة ، وإن شاء سلم الجارية وسلمت المائة له وقد بينا هذا في كتاب الغصب قال : ولا يسع الغاصب أن يطأها ما كان للمغصوب منه فيها خيار ; لأن المغصوب منه يملك الجارية من الغصب بالقيمة فيكون بمنزلة تمليكها بالبيع ، وما بقي له الخيار - يعني للبائع - فليس للمشتري أن يطأها فهذا مثله ولو كانوا تصادقوا على القيمة أو قامت لهما بينة أو نكلا عن اليمين فأخذها المغصوب منه ثم ظهرت الجارية ; لم يكن للمغصوب منه عليها سبيل ; لأن قبضه القيمة رضا منه بخروجها عن ملكه فإن البدل والمبدل لا يجتمعان في ملك . وكان للغاصب أن يطأها بعد أن يستبرئها بحيضة لتمام التملك فيها وإذا كان عبد في يدي رجل فادعاه رجل وأخذ منه كفيلا به ووكل في خصومته ولم يغب المطلوب وغيب العبد فإن الكفيل يحبس حتى يجيء به بعينه ; لأنه التزم بالكفالة إحضاره ، وكذلك لو ظهر المطلوب وغيب العبد ; حبس حتى يأتي به ; لأنه في تغييبه قاصدا الإضرار بالمدعي فإنه لا يتمكن من إقامة البينة على استحقاق العين إلا بمحضر منه . فإن قال [ ص: 122 ] المدعي : أنا آتي بالبينة أنه عبدي قبل ذلك منه ليستحق به العين إن قدر عليه والقيمة إن لم يقدر على العبد فإن شهد شاهداه أنه العبد الذي ضمن هذا به وسمياه وجلياه عند فلان قضيت له بالعبد على الكفيل فإن أتى به وإلا قضيت له بقيمته بعد أن يحلف المدعي بالله ما خرج من ملكه بوجه من الوجوه قيل : إنما يحلف على هذا عند طلب الكفيل وقيل : بل يحلف عليه وإن لم يطلب الكفيل على وجه النظر من القاضي للغائب والصيانة لقضائه ، وإن شهد شاهداه أن العبد الذي يقال له فلان الفلاني وجلياه لفلان لم أقبل ذلك ; لأن الاسم يوافق الجلية فلا يثبت بهذه البينة أنه ضامن للعبد المشهود به أنه ملك للمدعي ولكن الكفيل يحبس حتى يأتي به ; لأنه التزم إحضاره بالكفالة قبل هذه البينة . فإن مات الكفيل أخذ به المدعى عليه إن ظهر العبد حتى يأتي به بعد أن يوافق جلية العبد الذي ظهر بشهادة الشهود ليتمكن المدعي من إثبات ملكه بالبينة فإن لم يأت المولى بالعبد جليت عنه ; لأن المولى ما ضمن شيئا ولم يثبت عليه شيء بالبينة التي قامت على الاسم والجلية وليس المولى في هذا كالكفيل ; لأن الكفيل التزم الإحضار بكفالته فلا بد من أن يأتي به والمولى لم يضمن شيئا فلا يحبسه القاضي ولا يلزمه شيئا من غير حجة . ![]()
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 122الى صـــ 131 (418) وإذا كان العبد في يد رجل فادعاه آخر وكفل به رجلان فأقام المدعي البينة أنه عبده ; حبس الكفيلان حتى يدفعاه إليه وإن لم يكن له بينة أخذ الكفيلان بإحضار ما التزما إحضاره بالكفالة فإن قالا : قد مات العبد أو أبق وأقاما على ذلك بينة ; فإني أخرجهما من السجن ; لأنهما حبسا لإحضاره وقد ثبت بهذه البينة عجزهما عن إحضاره ولكن لا أبرئهما من الكفالة ; لأن بتلك الكفالة هما ضامنان للقيمة إذا ثبت ملك الطالب في العبد بالحجة وادعى الطالب بشهوده أن العبد عبده فإن أقام على ذلك بينة أخذ كل واحد من الكفيلين بنصف القيمة ، وإن لم يكن له بينة فلا ضمان على الكفيلين ; لأن الحق لم يثبت على الكفيل ويؤجل الكفيلان في الإباق أجلا حتى يأتيا به وقد بينا هذا الحكم في الكفالة بالنفس إذا غاب الأصيل عن البلدة وإذا ادعى الرجل في يدي الرجل أرضا أو حماما أو بستانا وقال : بينتي حاضرة أخذ له منه كفيل بالمدعي به ; لأن العقار لا يغيب ولا يحرك ولا يحول ; ولأنه لا حاجة إلى إحضاره مجلس الحكم لتقع الإشارة إليه في الدعوى والشهادة ولو استودع رجل رجلا عبدا فجحده ذلك وأخذ منه كفيلا بنفسه وبالعبد فمات العبد وأقام رب العبد البينة أنه استودعه وقال : لا أدري ما كانت قيمته يوم كفل به الكفيل فالمستودع ضامن لقيمته يوم استودعه على ما شهدت [ ص: 123 ] الشهود ; لأنه ثبت وصوله إلى يده وعلى هذه القيمة . والجحود موجب عليه ضمان تلك القيمة باعتبار تلك اليد ولا يضمن الكفيل من قيمته إلا ما يقر به بعد أن يحلف ; لأن الكفيل إنما يضمن بعقد الكفالة لاعتبار يد المستودع ولم يثبت بالبينة مقدار قيمته عند الكفالة ولكن ما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه وهذا نوع من الظاهر يصلح حجة لدفع الاستحقاق لا لإثبات الاستحقاق فلهذا لا يضمن الكفيل من قيمته إلا ما يقر به بعد أن يحلف ولو كان العبد يوم اختصموا فيه أعمى وجحده المستودع فشهد الشهود أنه استودعه وهو صحيح يساوي ألفا فكفل به الكفيل وهو أعمى فرفعوه إلى القاضي وهو كذلك ثم مات في يد المستودع وزكى شهوده فالمستودع ضامن قيمته أعمى على الحال الذي جحد فيها وكذلك الكفيل ; لأن المستودع إنما يصير ضامنا عند الجحود وقد علم القاضي تغيره عن القيمة التي شهدت بها الشهود فلا تعتبر تلك القيمة في القضاء عليه بخلاف الأول . ( ألا ترى ) أنه لو علم هلاكه قبل الجحود ; لم يضمنه شيئا ، ولو لم يعلم بذلك ; ضمنه قيمته . فكذلك إذا علم فوات جزء منه ، وكذلك لو لم يعلم ولكن السوق اتضعت ، وجحده يوم جحده وهو يساوي خمسمائة وعلم ذلك القاضي لم يضمنه إلا قيمته خمسمائة ، ولو لم يعلم ذلك ضمن المستودع ألف درهم كما شهد به الشهود ، ولم يقبل منه بينة على اتضاع السوق ; لأن المقصود بهذه البينة النفي والبينات للإثبات لا للنفي . ( ألا ترى ) أنه بعد ما جحد لو قال : قد مات العبد ; لم ألتفت إلى قوله ولم أقبل منه بينة عليه ; لأن المقصود بهذه البينة نفي الضمان عنه إلا أن يعلم القاضي أنه مات قبل جحوده أو يقر الخصم به ولو استعار دابة من رجل إلى مكان معلوم فجاوز ذلك المكان ضمنها . ولو أعطاه كفيلا بها جاز ; لأنه صار غاصبا ضامنا بالمجاوزة وكذلك المستودع . إذا جار في بعض الوديعة ; جازت الكفالة بقدر ما جار فيها ; لأنها أمانة في يد المودع ولو اشترى عبدا من رجل ونقده الثمن وأخذ منه كفيلا بالعبد حتى يدفعه إليه فمات العبد لم يكن على الكفيل شيء ; لأن العقد قد انفسخ بموته قبل القبض وبرئ الأصيل عن تسليم عينه . فكذلك الكفيل والكفيل ما ضمن الثمن فلا يطالب بشيء منه ، وكذلك لو كان ضمن الدرك في العبد ; لأن الهلاك قبل التسليم ليس يدرك وإنما الدرك للاستحقاق ولو قبضه ثم وجد به عيبا فرده لم يكن على الكفيل شيء ; لأن العيب ليس يدرك ولو لم يجد به عيبا ولكن استحق بصفة فرد المشتري النصف الباقي ; لم يضمن الكفيل إلا ثمن النصف المستحق ; لأن الدرك تحقق في ذلك النصف الآخر فإنما رده المشتري [ ص: 124 ] بعيب التبعيض وذلك ليس بدرك . وإذا كفل رجل بالرهن وفيه فضل على الدين فهلك عند المرتهن لم يكن على الكفيل شيء ; لأن عين الرهن أمانة في يد المرتهن والزيادة على مقدار الدين من مالية الرهن أمانة فلا يضمن الكفيل شيئا من ذلك بالكفالة ولو كان ضمن لصاحب الدين ما نقص الرهن من دينه وكان الرهن قيمته تسعمائة والدين ألفا ; ضمن الكفيل مائة درهم ; لأنه التزم بالكفالة دينا مضمونا في ذمة الأصيل ولو أن جارية بين رجلين أخذها أحدهما بغير أمر صاحبه فكفل رجل لصاحبه بنصيبه منها جاز ; لأن الآخذ غاصب ضامن لنصيب شريكه . ولو كان أخذها برضاه لم يجز ; لأن نصيبه أمانة في يد القابض ولو استعار الرهن من المرتهن على إن أعطاه كفيلا به فهلك عند الراهن ; كان خارجا من الرهن ; لأن ضمان الاستيفاء باعتبار يد المرتهن ، ولم يبق بعد ما استعاره الراهن ولم يلزم الكفيل شيء ; لأنه لا ضمان للمرتهن على الأصيل بسبب هذا القبض فلا يضمن الكفيل أيضا شيئا ، ولو كان أخذه بغير رضا المرتهن جاز ضمان الكفيل وأخذ به ; لأن الراهن ضامن مالية العين هنا . ( ألا ترى ) أنه لو هلك في يده ; يضمن قيمته للمرتهن فيكون هذا بمنزلة الكفالة بالمغصوب ولو استقرض من رجل مالا على أن يعطيه فلانا عنده رهنا وكفل له بذلك الرهن كفيل ; فلا ضمان على الكفيل ; لأن الرهن لا يكون إلا بالقبض فقبل القبض ليس هنا شيء مضمون على الأصيل لتصح الكفالة به ولو أجر عبدا أو دابة وعجل الأجر ولم يقبض العبد ولا الدابة ، وكفل له كفيل بذلك حتى يدفعه إليه ; فالكفيل يؤخذ له ما دام حيا ; لأن التسليم مستحق على الأصيل وهو مما تجرى فيه النيابة فتصح الكفالة به فإن هلك ما استأجره لم يكن على الكفيل شيء ; لأن الإجارة انفسخت وخرج الأصيل من أن يكون مطالبا بتسليم العين وإنما عليه رد الأجر والكفيل ما كفل بالأجر ولو أوصى لرجل بأمة وهي حبلى ولآخر بما في بطنها وهي تخرج من الثلث فأخذ صاحب الحبل من صاحب الأمة كفيلا بما في بطنها لم يجز ; لأن ما في البطن غير مضمون على صاحب الأمة ، وكذلك لو دفع الأمة إلى صاحب الولد تكون عنده على إن أعطاه بها كفيلا لم تجز ; لأنه أمين فيها حين قبضها بإذن صاحبها ، ولو أخذها بغير أمره وأعطاه بها كفيلا جاز ; لأنه غاصب لها ، ضامن . ولو أخذ صاحب الأمة الأمة بغير رضا صاحب الولد وأعطاه كفيلا بالولد لم يجز ; لأنه بأخذ الأم لا يصير غاصبا ضامنا لما في بطنها ولو أوصى لرجل بخادم ولآخر بخدمتها ; فإنها تكون عند صاحب الخدمة فإن أخذ منه صاحب الرقبة كفيلا بها [ ص: 125 ] وقد أخذها صاحب الخدمة بإذنه ; لم يكن على الكفيل شيء ; لأنه أخذها بحق مستحق له تبرعا فلا يكون ذلك الأخذ موجبا عليه ضمانا فلا يلزم الكفيل ذلك بالكفالة . ولو أخذها صاحب الرقبة بغير إذن صاحب الخدمة ثم أعطاه كفيلا بها حتى يسلمها إليه أخذ بها الكفيل ; لأن تسليم العين إلى صاحب الخدمة مستحق على صاحب الرقبة هنا وهو مما تجرى فيه النيابة فيصح التزامه بالكفالة ، فإن ماتت برئ الكفيل ; لأن حق صاحب الخدمة بطل بموتها وسقطت المطالبة عن صاحب الرقبة بالتسليم ، وكذلك لو كانت الوصية بالغلة مكان الخدمة ولو أن رجلا باع من رجل عينا فادعى رجل فيه دعوى فأراد المشتري أن يأخذ من البائع كفيلا بنفسه أو بما أدركه في ذلك لم يكن له ذلك ; لأن بمجرد الدعوى على المشتري لا يستحق المدعي على البائع شيئا فلا يجبر على إعطاء الكفيل ولكنه لو أعطاه كفيلا بما أدركه في ذلك جاز بمنزلة ما لو أعطاه ذلك عند الشراء أو بعده قبل دعوى المدعي ولو ادعى ذمي قبل ذمي خمرا أو خنزيرا بعينه فأخذ منه به كفيلا من أهل الذمة ; جاز ، وإن كفل به مسلم لم يجز ; لأن الخمر والخنزير ليسا بمال متقوم في حق المسلم فلا يصح منه التزام تسليمه بالكفالة كما لا يصح في سائر العقود ، وإن هلك ذلك عنده ثم ضمنه المسلم له ثم أقام المدعي على ذلك شهودا مسلمين ضمن قيمة الخنزير ولم يضمن الخمر ; لأن الخنزير مضمون بالقيمة عند الهلاك وقيمته دراهم أو دنانير فتصح الكفالة بها من المسلم وأما الخمر فإنها مضمونة بالمثل فلا تصح الكفالة بها من المسلم كما لا تصح الكفالة بالعين حال قيامها ولو تقبل من رجل بناء دار معلوم أو كراب أرض معلوم أو كري نهر معلوم فأعطاه بها كفيلا كان جائزا ; لأن هذا عمل مستحق على الأصيل ، مضمون بالعقد وهو مما تجرى النيابة في إيفائه ، وكذلك لو أكراه إبلا إلى مكة فأعطاه كفيلا بذلك جاز ; لأن تسليمها مستحق على الأصيل ولو كانت الإبل بأعيانها فأعطاه كفيلا بها كان جائزا ما دامت قائمة بأعيانها ; لأن الأصيل مطالب بتسليمها بالعقد فإذا هلكت ; فقد انفسخ العقد وبرئ الأصيل عن التسليم ; فلا ضمان على الكفيل فلو أعطاه كفيلا بالحمولة لم يجز فيما كان بعينه ; لأنه لا تجرى النيابة فيه فإن إبل الكفيل لا تقوم مقام تلك الحمولة المعينة في إيفاء المعقود عليه وجاز فيما كان بغير عينه ; لأنه مستحق على الأصيل بالعقد وهو مما تجرى فيه النيابة بإيفائه وإنما يلتزم الكفيل تسليم ما يقدر على تسليمه وإذا كتب ذكر حق على رجل وكتب فيه : وكل واحد منهما ضامن له وأيهما شاء فلان أخذه بهذا المال وإن شاء أخذهما [ ص: 126 ] جميعا ، وإن شاء شتى كيف شاء وكلما شاء ، حتى يستوفي منهما هذا المال وإنما يكتب ذلك احتياطا لصاحب الحق من اختلاف القضاة فإن المذهب - عندنا - أنه إذا كفل بمال فللطالب أن يأخذ أيهما شاء بجميع المال كيف شاء وكلما شاء وقال ابن أبي ليلى - رحمه الله - : برئ الأصيل والمال على الكفيل إلا أن يشترط على كل واحد منهما كفيل عن صاحبه أجزته وأيهما أجاز أبرأت الآخر إلا أن يشترط أن يأخذهما جميعا أو شتى فأدخلا في الصك جميعا أو شتى لذلك وقال شريك بن عبد الله - رحمه الله - : إن أدخلا جميعا أو شتى ; أجزته ، فإن اختار أحدهما ; لم يكن له أن يأخذ الآخر إلا أن يفلس هذا أو يموت ولا يترك شيئا فأدخلا في الصك كيف شاء وكلما شاء حتى يكون له الاختيار كل مرة ; وهذا لأن الكتاب للتوثق فينبغي لكل من يكتب الكتاب أن يحتاط لصاحبه بكل ما يقدر عليه من التوثق ويحتاط للتحرز عن اختلاف القضاة عملا بقوله تعالى { فليؤد الذي ائتمن أمانته } والله أعلم بالصواب باب من الكفالة أيضا ( قال رحمه الله ) : وإذا أقرض الرجل الرجل قرضا على أن يكفل به فلان ; كان جائزا حاضرا كان فلان أو غائبا ضمن أو لم يضمن ، وكذلك لو شرط أن يحيله به على فلان ; لأن القرض لا يتعلق بالجائز من الشروط فلا يفسده الباطل ، بخلاف البيع فإنه لو شرط فيه كفالة أو حوالة من مجهول أو معلوم غير حاضر ; لم يرض بذلك فالبيع فاسد ; لأن الفاسد من الشروط مبطل للبيع فإنه يتعلق بالجائز من الشروط . فأما ضمان القرض فإنه يثبت بالقبض شرعا ولا أثر للشروط فيه كضمان الغصب والتزويج والخلع والصلح من دم عمد وجراحة فيها قصاص حالا أو مؤجلا . وجناية الوديعة والعارية إذا ضمنها فشرط له في ذلك كفالة أو حوالة فهو بمنزلة القرض ; لأن هذا كله لا يبطل بالشرط الفاسد . وكذلك العتق على مال ولو قبل الكفيل الكفالة أو الحوالة في جميع ذلك جاز ; لأنه دين لازم يطالب به الأصيل وتجرى النيابة في إيفائه وبدل العتق بمال ليس كبدل الكتابة في حكم الكفالة ; لأن ذلك ليس بدين قوي ومن الدليل على أن فساد شرط الكفالة لا يبطل هذه العقود : ما قال في العتق ; لأنه يرد ومعنى هذا : أن الشرط الفاسد لا يمنع انعقاد العقد ولكن يستحق به الفسخ بعد الانعقاد ، وهذه العقود لا تحتمل الفسخ بعد التمام فلا يؤثر فيها الشرط الفاسد ولو كان لرجل على رجل دين حال من ثمن [ ص: 127 ] بيع أو قرض أو غصب فسأله أن يؤخره عنه نجوما على أن يضمنه له فلان الغائب فصالحه على ذلك فقدم الكفيل فأبى أن يضمن ; فالصلح منتقض ; لأن الصلح على التنجيم في المال يعتمد تمام الرضا وهو ما رضي بذلك إلا بكفالة الكفيل فإذا أبى أن يكفل كان المال حالا عليه كما كان وإن ضمن الكفيل بعد ما حضر جاز الصلح لتمام الرضا به ولا يشترط حضوره في مجلس الصلح ; لأنه ليس في هذا العقد من التمليك شيء فلا فرق بين أن يتم الرضا به في المجلس وبعد المجلس بخلاف البيع فإنه مال بمال مبني على الضيق فإذا لم يحضر الكفيل في المجلس صار اشتراط كفالته شرطا فاسدا . والبيع يبطل بالشرط الفاسد وهذا لأن البيع لا يجوز أن يتوقف على القبول بعد المجلس فكذلك لا تتوقف صحته على قبول الكفالة المشروط فيه بعد المجلس ولو كان حاضرا فأبى أن يضمن لم يجز الصلح لانعدام تمام الرضا به ، وإن ضمن فهو جائز ، وإن اشترط في التأخير أنه إن أخره عن محله فالمال كله حال أو إن أخر نجما عن محله عشرة أيام ; فالمال كله حال فهو جائز على ما اشترطا ; لأنه ليس في هذا الصلح من معنى التمليك شيء وهذا الشرط في الصلح متعارف ولو أعطاه كفيلا على أن جعل له أجلا معلوما ; كان جائزا في جميع الديون إلا القرض فإنه حال على الأصيل ; لأن القرض حق الأصيل كالعارية لا يلزم فيه الأجل وهو مؤجل على الكفيل ; لأن المال إنما يجب على الكفيل بعقد الكفالة . والدين الواجب بالعقد يقبل الأجل . وإذا كفل المريض بمال ثم مات ولا دين عليه لزمه من ثلثه ; لأن الكفالة تبرع وتبرعات المريض تصح من ثلثه إذا لم يكن عليه دين ، وإن أقر أنه كفل به في الصحة ; لزمه ذلك في جميع ماله إذا لم يكن لوارث ولا عن وارث ; لأن الكفالة في الصحة سبب لوجوب الدين عليه وإقراره في المرض بسبب وجوب الدين مضافا إلى حال الصحة يكون إقرارا بالدين . وإقرار المريض للأجنبي بالدين صحيح وللوارث باطل ، وإن كان عن وارث فهذا قول من المريض فيه منفعة وارثه . والمريض محجور عن مثله ، وإن كان عليه دين يحيط بماله لم يجز إقراره بذلك ; لأن دين الصحة متقدم على ما أقر به في المرض فما بقي دين الصحة لم يعتبر إقراره بالدين في المرض ، وإذا كفل في الصحة بما أقر به فلان لفلان ولم يسمه ثم مرض وعليه دين يحيط بماله فأقر المكفول عنه أن لفلان عليه ألف درهم لزم المريض ذلك في جميع ماله ; لأن سبب وجوب المال قد تم منه في حال الصحة وهو الكفالة ، والدين الواجب عليه بذلك السبب بمنزلة دين الصحة ، وكذلك إن أقر بعد موته فإن المقر له يخلص غرماء الكفيل بذلك [ ص: 128 ] لأن أصله كان في الصحة وكان قد لزم على وجه لا يملك الرجوع عنه وإبطاله ، وكذلك لو كفل بما ذاب لفلان على فلان أو بما صار له عليه ، وكذلك لو كان لوارث أو عن وارث أو لوارث عن وارث ; لأنه كان في الصحة وهو بمنزلة ضمان الدرك فإنه لو كفل في صحته بما أدركه من درك في دار اشتراها ثم استحقت الدار في مرض الكفيل أو بعد موته فإن المشتري يضرب مع غرماء الكفيل الميت بالثمن ; لأن أصل الدين كان في الصحة بخلاف الكفالة في المرض . وإن كفل في المرض وليس عليه دين ثم استدان دينا يحيط بماله ثم مات فالكفالة باطلة ; لأن ما لزمه في المرض من الدين بسبب معاين بمنزلة دين الصحة وقد بينا أن الكفالة في المرض لا تصح إذا كان دين الصحة محيطا بماله وإذا كفل رجل لرجلين وقال : قد كفلت لفلان بماله على فلان ، أو كفلت لفلان الآخر بماله على فلان ; فهذا باطل سواء كان المالان من جنس واحد أو من جنسين ; لأن المكفول له والمكفول عنه مجهول فتكون الجهالة متفاحشة وقد بينا أن مثل هذه الجهالة تمنع الكفالة ولو كان الحق لرجل واحد على رجلين على كل واحد منهما ألف درهم فقال : كفلت لك بمالك على فلان فهذا جائز سواء كان المالان من جنس واحد أو من جنسين ; لأن الجهالة هنا يسيرة مستدركة وهي جهالة المكفول عنه ومثل هذه الجهالة لا تؤثر في العقد المبني على التوسع وهذا لأن الطالب معلوم فتتوجه المطالبة من جهته على الكفيل وإنما بقي الخيار في حق الكفيل في أن يؤدي أي المالين شاء . ولو كفل عن واحد بأحد المالين ; جاز فهذا مثله بخلاف الأول فالمطالبة هناك لا تتوجه من المجهول على الكفيل والكفالة بالنفس في هذا مثل الكفالة بالمال ، وكذلك لو جمع بينهما فقال : كفلت لك بنفس فلان فإن لم أوافك به غدا فعلي ما لك عليه وهو المائة دينار أو بنفس فلان فإن لم أوافك به غدا فعلي ما لك عليه وهو ألف درهم فلم يواف به غدا ; فهو ضامن لأحدهما أحد المالين أي ذلك شاء ; لأن الطالب واحد معلوم ، وإن دفع أحدهما في ذلك اليوم ; برئ من الكفالة كلها ; لأن اشتغاله بدفع أحدهما اختيار منه لكفالته فتبطل عنه كفالته عن الآخر بهذا الاختيار وقد وجدت الموافاة في حق الذي اختار فيبرأ من كفالته أيضا ولو كان لرجلين لكل واحد منهما على رجل مال فقال رجل لأحدهما : كفلت بنفس غريمك فلان فإن لم أوافك به غدا فما لفلان على فلان فهو علي ; جازت الكفالة بالنفس ; لأنه كفل بها لمعلوم مطلقا وبطلت الكفالة بالمال ; لأنها مخاطرة فإن الحق ليس للمكفول له بالنفس وما كان صحة الكفالة بالنفس باعتبار هذا المال لتثبت الكفالة بها [ ص: 129 ] تبعا للكفالة بالنفس فيكون هذا تعليق التزام المال بمحض الشرط وهو باطل كما لو علقه بدخول الدار ، وكذلك الرجل يقول للرجل كفلت لك بنفس فلان فإن لم أوافك به غدا فأنا كفيل بنفس فلان لإنسان آخر فالكفالة الثانية باطلة ; لأنها ليست من توابع الكفالة الأولى فيكون تعليقا لالتزام التسليم بمحض الشرط ولو كانت الكفالة عن واحد فقال : كفلت لك بنفس فلان فإن لم أوافك به غدا فما لفلان عليه وهو ألف علي ; فرضي بذلك الآخر فالكفالة الأولى جائزة والنيابة باطلة ; لأن صحة الكفالة بالنفس ما كانت باعتبار هذا المال فلا يمكن تصحيح الكفالة بالمال تبعا للكفالة بالنفس . ولو قال كفلت لك بنفس فلان أو فلان بماله عليه أو بنفسه فهذا باطل كله لجهالة المكفول له ولو قال : كفلت لك بأحد غريميك هذين أو بأحد ماليك على هذين كان جائزا ; لأنه المكفول له والمطالبة تتوجه من جهته والخيار في تعيين ما التزمه الكفيل إليه . وإذا كفل عن رجل بمال بأمره فرهنه المكفول عنه رهنا به وفاء فهو جائز ; لأن بنفس الكفالة كما وجب المال للطالب على الكفيل ; وجب للكفيل على الأصيل ، وإن كان مؤجلا والرهن بالدين المؤجل صحيح فإن هلك الرهن عند الكفيل صار مستوفيا دينه بهلاك الرهن فكأنه استوفى حقيقة حتى إذا أدى الكفيل المال لم يرجع به ، وإن أداه الأصيل إلى الطالب رجع على الكفيل بمثله بمنزلة ما لو استوفاه منه حقيقة . ولو كفل عن رجل بألف درهم بأمره على أن يعطيه بها هذا العبد رهنا فوقعت الكفالة بهذا بغير شرط من الكفيل على المكفول له ثم إن المكفول عنه أبى أن يدفع إليه العبد فإن العبد لا يكون رهنا ; لأن الكفيل لم يقبضه والرهن لا يتم إلا بالقبض ولا يجبر المكفول عنه على دفعه ; لأن ذلك كان وعدا من جهته والمواعيد لا يتعلق بها اللزوم والكفالة لازمة للكفيل ; لأنه التزم المال للطالب بالكفالة المطلقة عند شرط بينهما ، فإن كان الكفيل اشترط على الطالب فقال له : أكفل لك بهذا المال عن فلان على إن رهن به فلان هذا العبد فإن لم يدفعه إلي ; فأنا بريء من الكفالة فكفل له على هذا الشرط فهو جائز ، وإن لم يدفع إليه الرهن برئ الكفيل من الكفالة والمال ; لأنه لما رضي بالتزام المال بدون هذا الشرط والتزام المال بالكفالة يعتمد تمام الرضا ولأنه شرط البراءة إذا لم يعطه الرهن والشرط أملك ، وكذلك لو كفل عنه بالمال على أن يعطيه بذلك المطلوب كفيلا فوقعت الكفالة للطالب على غير شرط ثم إن المكفول عنه أبى أن يعطي الكفيل كفيلا فإن الكفالة على الكفيل جائزة ، وإن كان الكفيل شرط على الطالب : إن لم يعط كفيلا بهذا المال فأنا بريء من كفالتي فهو علي [ ص: 130 ] شرطه إن لم يعطه كفيلا ; برئ من الكفالة ; لأن الكفالة بمنزلة الرهن وقد بينا في الرهن أن هذا الشرط مع الطالب يجب الوفاء به فكذلك في الكفالة وهذا ; لأن مقصود الكفيل بكل واحد منهما التوثق والنظر لنفسه حتى لا يلحقه غرم ، وإن كتب الكفيل على دار المكفول عنه شراء بالمال فهو جائز ; لأنه شراء بالدين المؤجل وهذا قضاء من المكفول عنه للكفيل بطريق المقاصة فكأنه أوفاه الدين حقيقة ولو كفل بنفس رجل على أنه للكفيل إن لم يواف به إلى سنة فعليه المال الذي عليه وهو ألف درهم ثم أعطى المكفول عنه رهنا بالمال قبل السنة فالرهن باطل ; لأن المال لم يجب على الكفيل بعد ; لأنه علق التزام المال بشرط عدم الموافاة فلا يكون واجبا قبل الشرط . ( ألا ترى ) أنه لو دفع نفسه إليه قبل الأجل لم يكن عليه من المال شيء فإن قيل : فأين ذهب قولكم إن في كلامه تقديما وتأخيرا أو : إنه التزم المال ثم جعل الموافاة بنفسه صرفا له عن المال قلنا : ذلك طريق صار إليه بعض مشايخنا - رحمهم الله - لتوجه المطالبة بالمال عند عدم الموافاة بالنفس فأما في الحقيقة فإنما يلزمه المال بالتزامه وهو ما التزم المال إلا بعد عدم الموافاة بالنفس غدا فلا يكون المال واجبا عليه في الحال ولا يجوز الرهن في الكفالة بالنفس على وجه من الوجوه ; لأن الرهن يختص بحق يمكن استيفاؤه من الرهن فإن موجبه ثبوت يد الاستيفاء ولا ضمان على المرتهن إن هلك الرهن في يده ; لأنه أخذه رهنا بغير مال . وضمان الرهن ضمان استيفاء وذلك لا يكون بدون الدين . وإذا كفل رجل عن رجل بما لم يحل عليه بعد فقال : إذا حل المال فهو علي وأعطى المكفول عنه الكفيل رهنا كان جائزا ; لأنه التزم المال بعقد الكفالة وجعل مطالبة الطالب عنه متأخرة إلى ما بعد حلول الأجل وذلك غير مانع وجوب أصل المال على الأصيل فكذلك على الكفيل وإذا وجب المال على الكفيل وجب للكفيل على المكفول عنه أيضا فيجوز الرهن به . ولو قال : إن توى ما لك عليه فهو علي وأعطاه بذلك رهنا لم يجز الرهن ; لأن المال لم يجب بعد فإنه علق التزام المال بالشرط ، وكذلك لو قال : إن مات ولم يوفك المال فهو علي فأعطاه المكفول عنه به رهنا فالرهن باطل ; لأن المال لم يجب بعد والكفالة جائزة على هذا الشرط ; لأنه شرط متعارف في الكفالات ولو أخذ الكفيل بالدرك رهنا فالرهن باطل والكفالة جائزة ; لأن المال غير واجب على الكفيل قبل لحوق الدرك فلا يكون واجبا على الأصيل فلا يصح الرهن به ولا ضمان على المرتهن فيه ; لأنه قبضه بإذن صاحبه وكل ما أبطلنا فيه الرهن بالمال [ ص: 131 ] فكان الرهن في يدي الكفيل حتى يحل عليه المال ويؤخذ به فإن أراد أن يمسك الرهن بذلك فليس له ذلك ; لأن أصل الرهن لم يكن صحيحا لم يثبت بقبضه يد للاستيفاء فلا يكون له أن يمسكه بعد ذلك - وإن وجب الدين عليه - ولو آجر منه إبلا إلى مكة وكفل عنه رجل بالأجر وبالحمولة فأخذ الكفيل منه بذلك رهنا فإن الرهن في ذلك جائز ; لأن الكفيل مأخوذ بالكفالة وقد وجبت عليه أما على أصل محمد - رحمه الله - فلأن الأجر بنفس العقد مؤجلا ، وعند أبي يوسف - رحمه الله - سبب الوجوب متقرر ، وإن تأخر وجوب المال . ( ألا ترى ) أن الإبراء عنه صحيح فيجوز الرهن به سواء ارتهن من الكفيل أو ارتهن الكفيل من المكفول عنه بخلاف ما سبق . ولو أن رجلا أحال على رجل بمال وأعطاه به رهنا جاز ; لأن المال بالحوالة يجب للمحتال عليه على المحيل كما يجب للطالب على المحتال عليه وإن كان رجوعه عليه يتأخر إلى حين أدائه المال . وإذا ادعى مسلم على كافر مالا وأدى كفالة مسلم بذلك وأقام بينة من الكفار بذلك ; ثبت المال بهذه البينة على الأصيل دون الكفيل المسلم وشهادة الكفار لا تكون حجة على المسلم ، وكذلك لو كان أصل المال على كافر فشهد كافران على مسلم وكافر أنهما كفلا عنه بهذا المال ، وبعضهم كفلاء عن بعض جازت الشهادة على الأصيل وعلى الكفيل الكافر ولا يجوز على الكفيل المسلم ; لأن بعض هذه الكفالة تنفصل عن البعض فإنما يقضي بقدر ما قامت الحجة به . وإذا ادعى مسلم مالا وجحده المطلوب وادعى الطالب كفالة رجل من أهل الذمة عنه بالمال بأمره وجحد الكفيل وشهد له بذلك ذميان ; جازت شهادتهما على الكفيل ولم تجز على المسلم حتى إن الكفيل إذا أدى لم يكن له أن يرجع على المسلم بشيء ; لأن شهادة الكفار لا تكون حجة على المسلم فكما لا يثبت بهذه الشهادة الدين للطالب على المسلم فكذلك لا يثبت بها أمر الكفيل بالكفالة ، وكذلك لو كان المال عليهما في الصك والمسلم في صدر الصك والذمي كفيل بعده أو كان الصك عليهما وكل واحد منهما ضامن عن صاحبه ; لأن وجوب المال على أحدهما ينفصل عن وجوب المال على الآخر فإنما يقضي القاضي بقدر ما قامت الحجة به وهذه البينة حجة على الكافر دون المسلم . وإذا كان الدين لرجلين على رجل فكفل أحدهما لشريكه بحصته عن المطلوب لم يجز من قبل الشركة التي بينهما . معناه أن أصل المال كان مشتركا بينهما فلا يمكن أن يجعل هو كفيلا بنصيب صاحبه خاصة ; لأن ذلك يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض ولا يمكن أن يجعل كفيلا بالنصف من المال المشترك بينهما ; لأن هذا [ ص: 132 ] يؤدي إلى أن يكون ضامنا نفسه عن نفسه وذلك لا يجوز . ( ألا ترى ) أن أحدهما لو استوفى نصيبه من المطلوب أو من غيره كان للآخر أن يشاركه فيه فكذلك إذا استوفاه من شريكه الكفيل ولا يمكن أن يجعل هو بهذه الكفالة مسقطا حقه في المشاركة معه ; لأن الإسقاط قبل وجوب سبب الوجوب باطل والسبب الموجب للشركة له في المقبوض القبض والكفالة يستحق ذلك فلهذا بطلت الكفالة وليست الكفالة في هذا بمنزلة التبرع بالأداء فإن أحد الشريكين لو تبرع بأداء نصيب شريكه عن المديون جاز ; لأن ذلك إسقاط لحق المشاركة في المقبوض متقربا بالسبب وهو صحيح وهذا بمنزلة الوكيل بالبيع إذا كفل باليمين عن المشتري للموكل ; لم يجز ولو ادعى عنه جاز ، وكذلك لو كفل بنفس إنسان ببدل الكتابة لا يجوز ولو تبرع بأداء بدل الكتابة عن المكاتب ; جاز وكذلك لو كان الدين لواحد فمات فورثه ابناه فكفل أحدهما لصاحبه بحصته ; لأن الدين كان مشتركا بينهما إرثا فهو قياس دين مشترك بسبب آخر . ![]()
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 132الى صـــ 141 (419) وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم كفل بها عنه رجل بأمره أو بغير أمره ثم مات الطالب والمطلوب وارثه لم يكن له على الكفيل شيء ; لأن المطلوب ملك ما في ذمته بالميراث فسقط عنه وبراءته توجب براءة الكفيل فإن كان معه وارث آخر للطالب فإنما يسقط عن الكفيل حصة المطلوب ولوارث الآخر أن يطالب الكفيل بحصته ; لأنه في حصته قائم مقام الطالب وإنما يبرأ الكفيل من كل شيء يبرأ به الأصيل ولو كان احتال بها عليه فكفل بها على أن أبرأ الطالب المطلوب ثم مات الطالب والمطلوب وارثه وكانت الحوالة بأمره ; لم يكن على الكفيل شيء ; لأن المال صار مملوكا للمطلوب بموت الطالب فلو رجع به على الكفيل والمحتال عليه بذلك أيضا ; لأن الحوالة والكفالة كانت فاسدة فلا يكون مقيدا بقضاء فإن كان بغير أمره رجع بها على المحتال عليه أو الكفيل ; لأنه قائم مقام الطالب بعد موته . وهذا رجوع مفيد فإن الكفيل والمحتال عليه إن كانا متطوعين هنا لا يستوجبان الرجوع عند الأداء على أحد بشيء وهذا بخلاف الأول فإن أصل المال هناك في ذمة المطلوب فهو إنما يملك بالإرث ما في ذمة نفسه فسقط عنه ولا يرجع الكفيل بشيء سواء كفل بأمره أو بغير أمره . وهنا أصل المال تحول إلى المحتال عليه فالأصيل إنما يملك ما في ذمة غيره فيكون له أن يطالبه به إذا كان دينا مفيدا . وإذا كفل الرجل لعبده بدين على رجل وعلى عبده دين فهو جائز ; لأن كسب العبد المديون لغرمائه . فهذه الكفالة في الصورة للعبد وفي المعنى للغرماء والعبد المديون يستوجب [ ص: 133 ] على مولاه الدين بسائر الأسباب فكذلك بالكفالة فإن قضى العبد الدين بطلت الكفالة عن المولى ; لأن كسب العبد صار له ولا يكون كفيلا لنفسه عن نصيبه وكان الدين للعبد على المكفول عنه على حاله يأخذه به ; لأن براءة المولى هنا بمنزلة الفسخ للكفالة فلا توجب براءة الأصيل . وإذا كفل رجل لرجل بألف درهم ثم مات الطالب والكفيل وارثه ; برئ الكفيل منه والمال على المكفول عنه على حله يأخذه به إن كان كفل عنه بأمره ، وإن كان كفل عنه بغير أمره فلا شيء على المكفول عنه أيضا ; لأن المال صار للكفيل ميراثا بموت الطالب فيكون بمنزلة ما لو صار له بهبة الطالب منه أو بقضائه إياه ولو قضاه أو وهبه له في حياته ; رجع على المكفول عنه إن كان كفل بأمره ، وإن كان كفل بغير أمره لم يرجع عليه بشيء فهذا مثله ، وكذلك لو كان الطالب أبرأ منه المطلوب على أن ضمنه هذا بأمر المطلوب أو على أن احتال به على هذا ثم مات الطالب والكفيل وارثه كان له أن يأخذ الأصيل بذلك ، ولو كان ذلك بغير أمر المطلوب ; لم يرجع عليه بشيء ; لأن تملكه ما في ذمته بالإرث بمنزلة تملكه بالأداء وإذا كفل العبد بأمر سيده لرجلين بألفين أو ثلاثة آلاف وقيمته ألف درهم ثم استدان ألفا ثم بيع بألف كان ثمنه بينهم يضرب صاحب الكفالة بجميعها ; لأن جميع دينه ثبت على العبد بكفالته بإذن مولاه حين كان فارغا عن الدين فلو كان استدان أولا ألفا وكانت الكفالة بعد ذلك فالثمن للمدين خاصة ; لأن الكفالة منه كانت بعد ما اشتغلت ماليته بالدين فكفالته بأمر المولى إقرار للمولى في الفصلين عليه جميعا ولو كان كفل بألف ثم استدان ألفا ثم بيع بألف كانت الألف الوسطى باطلة ; لأنه كفل بها وماليته اشتغلت بالكفالة الأولى وهو بمنزلة ما لو أقر المولى عليه بألف درهم ثم استدان ألفا ثم بيع بألف وتمام بيان هذه الفصول في كتاب المأذون . والله أعلم بالصواب . ( قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله إملاء اعلم بأن الصلح عقد جائز عرف جوازه بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى { فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } وفي هذا بيان أنه [ ص: 134 ] نهاية في الخيرية . وأما السنة فما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة عام الحديبية على وضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين } { ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فرأى رجلين يتنازعان في ثوب فقال لأحدهما هل لك إلى الشطر هل لك إلى الثلثين فدعاهما إلى الصلح وما كان يدعوهما إلا إلى عقد جائز } وقال النبي صلى الله عليه وسلم { الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما } وهكذا كتب علي إلى أبي موسى الأشعري كل صلح جائز بين الناس إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما وهذا اللفظ من الأول لكتاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى رضي الله عنه الأشعري قد اشتهر فيما بين الصحابة رضوان الله عليهم فما ذكر فيه فهو كالمجمع عليه منهم وبظاهر هذا الاستثناء استدل الشافعي رحمه الله لإبطال الصلح على الإنكار فإنه صلح حرم حلالا ; لأن المدعي إن كان محقا كان أخذ المال حلالا له قبل الصلح وحرم بالصلح وإن كان مبطلا فقد كان أخذ المال على الدعوى الباطلة حراما عليه قبل الصلح فهو صلح حرم حلالا وأحل حراما ولكنا نقول ليس المراد هذا فإن الصلح عن الإقرار لا يخلو عن هذا أيضا ; لأن الصلح في العادة يقع على بعض الحق فما زاد على المأخوذ إلى تمام الحق كان حلالا للمدعي أخذه قبل الصلح وحرم بالصلح وكان حراما على المدعى عليه منعه قبل الصلح وحل بالصلح فعرفنا أن المراد غير هذا والصلح الذي حرم حلالا وهو أن يصالح إحدى زوجتيه على أن لا يطأ الأخرى أو يصالح زوجته على أن لا يطأ جاريته والصلح الذي أحل حراما هو أن يصالح على خمر أو خنزير وهذا النوع من الصلح باطل عندنا وحمله على هذا أولى ; لأن الحرام المطلق ما هو حرام لعينه والحلال المطلق ما هو حلال لعينه ( ثم ذكر عن علي كرم الله وجهه ) أنه أتى في شيء فقال : إنه لجور ولولا أنه صلح لرددته وفيه دليل جواز الصلح ومعنى قوله : لجور أي هو مائل عما يقتضيه الحكم أو عما يستقر عليه اجتهادي من حكم الحادثة والجور هو الميل قال الله تعالى { ومنها جائر } أي مائل وفيه قال إن الصلح على خلاف مقتضى الحكم جائز بين الخصمين ; لأنه يعتمد التراضي منهما وبالتراضي ينعقد بينهما السبب الموجب لنقل حق أحدهما إلى الآخر بعوض أو بغير عوض فهذا لم يرده علي وذكر عن شريح رحمه الله أنه قال أيما امرأة صولحت على ثمنها لم يتبين لها كم ترك زوجها فتلك الريبة وفي بعض الروايات الربية ومعنى اللفظ الأول الشك يعني إذا لم يتبين لها كم ترك زوجها فذلك يوقعها في الشك لعل نصيبها أكثر مما أخذت وقوله [ ص: 135 ] الربية تصغير الربا يعني إذا لم يتبين لها كم ترك زوجها يتمكن في هذا الصلح شبهة الربا بأن يكون نصيبها من جنس ما أخذت من النقد مثل ما أخذت أو فوقه وفيه دليل أنه يجوز للورثة أن يصالحوا بعضهم على شيء يخرجوه بذلك من مزاحمتهم . وإن جهالة ما يصالح عنه لا يمنع جواز الصلح ; لأن الجهالة إنما تفسد العقد لتعذر التسليم معها والمصالح عنه لا يستحق تسليمه بالصلح فجهالته لا تمنع جواز الصلح . ثم إذا صولحت المرأة على ثمنها فإن كان بعض تركة الزوج دينا على الناس فصالحوها عن الكل فهو باطل ; لأنها تصير مملكة نصيبها من الدين من سائر الورثة بما تأخذ منهم من العين وتمليك الدين من غير من عليه الدين بعوض لا يجوز فإذا فسد العقد في حصة الدين فسد في الكل وهو دليل لأبي حنيفة رحمه الله في مسألة البيوع أن العقد الواحد إذا فسد في بعض المعقود عليه فسد في الكل وهما يقولان : حصة العين هنا من البدل المأخوذ غير معلومة والدين ليس بمال أصلا ما لم يقبض فلا يكون محلا للتمليك ببدل فهو كما لو جمع بين حر وعبد في البيع بثمن واحد فلهذا يفسد العقد في الكل ، وإن صالحوها من حصتها من العين خاصة ، وإن لم يكن في التركة دين فهو على ثلاثة أوجه أحدها أن يصالحوها على أحد النقدين أما الدراهم أو الدنانير فهو جائز إلا أن يكون في التركة من جنس ذلك النقد مقدار ما يكون نصيبها من ذلك الجنس أكثر مما أخذت فحينئذ لا يجوز ; لأن مبادلة مال الربا بحصته لا يجوز إلا بطريق المماثلة فإن كان نصيبها أكثر مما أخذت كان الفضل في هذا الجنس من نصيبها من سائر التركة ربا ، وكذلك إن كان نصيبها ثمن هذا الجنس مثل ما أخذت فنصيبها من سائر التركة يكون فضلا خاليا عن العوض وهو الربا بعينه . وإن وقع الصلح عن الدراهم والدنانير فذلك جائز وإن كان في التركة من النقدين ما يكون نصيبها من كل جنس أكثر مما أخذت بطريق صرف الجنس إلى خلاف الجنس فتصحيح العقود بحسب الإمكان واجب والصلح أولى بذلك من غيره ; لأن المقصود به قطع المنازعة لما في امتدادها من الفساد والله لا يحب الفساد فإن صالحوها على عرض فهو جائز ; لأنه وقع عليه الصلح بنفس مال الربا فسواء كان في التركة من جنس ما وقع عليه الصلح ما يكون نصيبها أكثر مما أخذت أو لم يكن فذلك لا يؤدي إلى الربا قال الحاكم رحمه الله إنما يبطل الصلح على أقل من نصيبها من الربا في حال التصادق وقد بينا ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب فأما حال المناكرة فالصلح جائز ; لأن مع الإنكار ليس لها حق مستقر وفي ذلك الجنس أكثر [ ص: 136 ] مما أخذت وعند الإنكار المعطي يؤدي المال لقطع المنازعة والخصومة ويفدي به يمينه فلا يتمكن فيه الربا على ما بينه وذكر عن عمر بن الخطاب أنه قال : ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بينهم الضغائن وفيه دليل أن القاضي لا ينبغي له أن يعجل وأنه مندوب إلى أن يرد الخصوم ليصطلحوا على شيء ويدعوهم إلى ذلك فالفصل بطريق الصلح يكون أقرب إلى بقاء المودة والتحرز عن النفرة بين المسلمين ولكن هذا قبل أن يستبين وجه القضاء . فأما بعد ما استبان ذلك فلا يفعله إلا برضا الخصمين ولا يفعله إلا مرة أو مرتين لما في الإطالة من الإضرار بمن ثبت الاستحقاق له في تأخير حقه ولأن ذلك يجر إليه تهمة الميل وعلى القاضي أن يتحرز عن ذلك بما يقدر عليه وعن عمرو بن دينار أن إحدى نساء عبد الرحمن بن عوف صالحوها على ثلاثة وثمانين ألفا على أن أخرجوها من الميراث وهي تماضر كان طلقها في مرضه فاختلف الصحابة رضوان الله عليهم في ميراثها منه ، ثم صالحوها على الشطر وكان له أربع نسوة فحظها ربع الثمن وهو جزء من اثنين وثلاثين جزءا فصالحوها على نصف ذلك وهو جزء من أربعة وستين جزءا وأخذت بهذا الحساب ثلاثة وثمانين ألفا ولم يشر لذلك في الكتاب وذكر في كتب الحديث ثلاثة وثمانون ألف دينار فهذا دليل ثروة عبد الرحمن بن عوف ويساره وكان قد قسم لله تعالى ماله أربع مرات في حياته تصدق في كل بالنصف وأمسك النصف فهو دليل على أنه لا بأس بجمع المال واكتساب الغني من حله فابن عوف من الصحابة العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وأيد هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم { نعم المال الصالح للرجل الصالح } ولكن مع هذا ترك الجمع والاستكثار وإنفاق المال في سبيل الله تعالى أولى وهو الطريق الذي اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه بقوله صلى الله عليه وسلم { اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين } وفي حديث عبد الرحمن ما يدل عليه { فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ما أبطأ بك عني يا عبد الرحمن قال : وما ذاك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك آخر أصحابي لحوقا بي بعد القيامة وأقول أين كنت فيقول منعني عنك المال كنت محبوسا ما تخلصت إليك حتى الآن } وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه قال : يتخارج أهل الميراث يعني يخرج بعضهم بعضا بطريق الصلح وذلك جائز لما فيه من تيسير القسمة عليهم فإنهم لو اشتغلوا بقسمة الكل على جميع الورثة ربما يشق [ ص: 137 ] عليهم ويدق الحساب أو تتعذر القسمة في البعض كالجوهرة النفيسة ونحوها . فإذا أخرجوا البعض بطريق الصلح تيسر على الباقين قسمة ما بقي بينهم فجاز الصلح لذلك وعن محمد بن سيرين رحمه الله قال : ما رأيت شريحا رحمه الله أصلح بين الخصمين إلا امرأة استودعت وديعة فاحترق بيتها فناولتها جارة لها فضاعت فأصلح بينهما على مائة وثمانين درهما وفيه بيان أنه كان من عادة شريح رحمه الله الاشتغال بطلب الحجة التي يفصل الحكم بها وما كان يباشر الصلح بين الخصمين بنفسه وكان يقول إنما حبس القاضي لفصل القضاء ولأجله تقدم إليه الخصمان وللصلح غير القاضي فينبغي للقاضي أن يشتغل بما تعين له ويدع الصلح لغيره إلا أنه في هذه الحادثة لأجل الاشتباه وتعارض الأدلة دعاهما إلى الصلح فإن المودع إذا وقع الحريق في بيته فناول الوديعة جارا له كان ضامنا في القياس وفي الاستحسان لا يكون ضامنا ; لأن الدفع إلى الغير في هذه الحال من الحفظ ولكنه عادة بخلاف النص فإن المودع أمره بأن يحفظ بنفسه نصا وأن لا يدفع إلى الغير فهذه الحال من الحفظ ولكنه عادة بخلاف النص فإن المودع أمره بأن يحفظ بنفسه نصا وأن لا يدفع إلى أجنبي فلاشتباه الأدلة أصلح بينهما على مال وذكر هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها { أن بريرة رضي الله عنها أتتها تسألها فقالت إن شئت عددتها لأهلك عدة واحدة وأعتقتك فذكرت ذلك لأهلها فقالوا لا إلا أن يكون الولاء لنا فذكرت ذلك عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلوات الله عليه وسلامه الولاء لمن أعتق فاشترتها وأعتقتها وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى شروط الله أوثق وكتاب الله أحق وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ما بال أقوام يقول أحدهم أعتق يا فلان والولاء لي وإنما الولاء لمن أعتق } ، وقد تقدم بيان فوائد هذا الحديث في كتاب الولاء . وإنما ذكرناه هنا ليتبين أن الزيادة التي تؤدى { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها اشتري واشترطي فإنما الولاء لمن أعتق } وهم من هشام بن عروة كما ذكره أبو يوسف رحمه الله في الأمالي فإن ذلك من الغرور وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أحدا بالغرور ومقصوده من إيراد الحديث هنا بيان أنه يجوز بطريق الصلح والتراضي ما لا يجوز بدونه فإن بريرة رضي الله عنها كانت مكاتبة وقد اشترتها عائشة رضي الله عنها برضاها ولولا ذلك ما جاز شراؤها وفيه دليل أنه إنما يجوز أن يشترط في الصلح ما لا يكون [ ص: 138 ] مخالفا لحكم الله تعالى فأما الذي يكون مخالفا لحكم الله تعالى لا يجوز اشتراطه في الصلح لقوله صلى الله عليه وسلم { كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط } معناه ليس في حكم الله تعالى فالمراد بالكتاب الحكم كما قال الله تعالى { كتاب الله عليكم } وذكر عن علي كرم الله وجهه أنه أتاه رجلان يختصمان في بغل فجاء أحدهما بخمسة رجال فشهدوا أنه أنتجه وجاء الآخر بشاهدين شهدا أنه أنتجه فقال : علي كرم الله وجهه للقوم ما ترون فقالوا اقض لأكثرهما شهودا فقال علي رضي الله عنه لعل الشاهدين خير من الخمسة ، ثم قال علي رضي الله عنه فيها قضاء وصلح وسأنبئكم بذلك أما الصلح فإنه يقسم بينهما على عدد الشهود وأما القضاء فيحلف أحدهما ويأخذ البغل فإن تشاحا على اليمين أقرعت بينهما بخمسة أسهم ولهذا سهمين فأيهما خرج سهمه استحلفته وغلظت عليه اليمين ويأخذ البغل وفي هذا دليل على أن البينة على النتاج مقبولة في الحيوان وأن القاضي ينبغي له عند الاشتباه أن يستشير جلساءه كما فعله علي رضي الله عنه ، ثم أشاروا عليه بالقضاء لأكثرهما شهودا لنوع من الظاهر وهو أن طمأنينة القلب إلى قول الخمسة أكثر من طمأنينة القلب إلى المثنى ورد علي رضي الله عنه ذلك عليهم لفقه خفي وهو أن طمأنينة القلب باعتبار معنى العدالة فلذلك ترجح جانب الصدق في الخبر . ولعل الشاهدين في ذلك خير من الخمسة ، ثم الترجيح عند التعارض يكون بقوة العلة لا بكثرة العلة وفي حق من أقام خمسة زيادة عدد في العلة فشهادة كل شاهدين حجة تامة يثبت الاستحقاق بها والترجيح بما لا يثبت الاستحقاق به ابتداء فأما ما يثبت به ابتداء الاستحقاق لا يقع الترجيح به فلهذا لم يرجح أكثرهما شهودا ، ثم قال فيها قضاء وصلح وهو دليل على أن الصلح جائز على غير الوجه الذي يقتضيه الحكم وأن الصلح بين الخصمين مع الإنكار جائز ، ثم بين وجه الصلح وهو أن يكون بينهما على عدد الشهود لأحدهما خمسة أسباعه وللآخر سبعاه وكأنه اعتبر هذا الظاهر الذي أشار إليه القوم ولكن لما كان لا يؤخذ به إلا عند اتفاق الخصمين عليه سماه صلحا وأما القضاء لأحدهما بأخذ البغل فهذا مذهب لعلي رضي الله عنه فقد كان يستحلف المدعي مع البينة وكان يحلف الشاهد والراوي فكأنه جعل يمين أحدهما مرجحة لجانبه باعتبار أن الاستحقاق باليمين لا يثبت ابتداء فيقع الترجيح بها كقرابة الأم في استحقاق العصوبة فإن الأخ لأب وأم يقدم في العصوبة على الأخ لأب ; لأن العصوبة لا تثبت بقرابة الأم ابتداء فتقوى بها عليه العصوبة على الأخ لأب ولسنا نأخذ بهذا فقد ثبت [ ص: 139 ] عندنا أنه لا معتبر بيمين المدعي وقد قررنا ذلك فيما سبق ، ثم قال : فإن أداها على اليمين أقرعت بينهما لهذا بخمسة ولهذا بسهمين وهو عود منه إلى وجه الصلح ، وبهذا يستدل الشافعي رحمه الله في استعمال القرعة عند تعارض الحجج في دعوى الملك ولسنا نأخذ بهذا ; لأنه في معنى القمار ففيه تعليق الاستحقاق بخروج القرعة وإنما يستعمل القرعة عندنا فيما يجوز الفصل فيه من غير إقراع وقد بيناه في كتاب القسمة وحكم الحادثة عندنا أن يقضى بالمدعى بينهما نصفين لاستوائهما في الحجة وقد بينا ذلك في كتاب الدعوى وروينا فيه من الأثر والمعنى ما يكون الأخذ به أولى من الأخذ بقول علي رضي الله عنه فإنه بناه على مذهبه الذي تفرد به وهو استحلاف المدعي مع الحجة والأمة قد اجتمعت على خلافه والله أعلم بالصواب . ( قال : رحمه الله ) وإذا ادعى رجل دارا في يد رجل فأنكرها الذي هي في يديه ، ثم صالحه على دراهم أو دنانير مسماة فهو جائز واعلم بأن الصلح أنواع ثلاثة صلح بعد الإقرار وصلح بعد الإنكار وصلح مع السكوت بأن لم يجب المدعى عليه بالإقرار ولا بالإنكار ويجوز مع الإنكار وقال الشافعي رحمه الله يجوز الصلح مع الإقرار والسكوت ولا يجوز مع الإنكار وقال الشافعي رحمه الله يجوز الصلح مع الإقرار ولا يجوز مع الإنكار والسكوت وكان الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله يقول : لم يعمل الشيطان في إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين مثل من عمل في إبطال الصلح على الإنكار لما في ذلك من امتداد المنازعات بين الناس ولسنا نأخذ بهذا فمن أبطل ذلك إنما أبطله احتياطا للتحرز عن الحرام وللرشوة والأعمال بالبينات وإنما نقول كما قال أبو حنيفة رحمه الله أجود ما يكون الصلح على الإنكار . وأما الشافعي رحمه الله فإنه استدل بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } والصلح على الإنكار لا يكون إلا بالتجارة عن تراض فذلك ينبني على ثبوت ملك المدعي على المدعى وبدعواه لا يثبت ذلك مع إنكار المدعى عليه فكان أكل المال بالباطل وهو المعنى في المسألة فإنه يأخذ المال بطريق الرشوة والرشوة حرام وبالصلح لا يحل ما هو حرام وقاس بصلح الشفيع مع المشتري بمال يأخذه ليسلم الشفعة أو يصلح القائل مع الإنكار ليقبضه منه الولي بمال يعطيه ويصلح [ ص: 140 ] معروف النسب مع مدعي الرق على مال ليسترقه . وبيان الوصف أن بدل الصلح إما أن يكون عوضا عن المال أو عن الدعوى والخصومة أو عن اليمين ولا يجوز أن يجعل عوضا عن المدعى ; لأن بمجرد الدعوى لا يثبت الملك في المدعى للمدعي قال : صلى الله عليه وسلم لو أعطي الناس بدعواهم . . . الحديث . والدليل عليه أنه لو استحق بدل الصلح لا يرجع بالمال المدعى ولكن يعود على رأس الدعوى ولو كان المال بدلا عن المدعى لكن يعود به عند الاستحقاق كما لو كان الصلح بعد الإقرار . ولو كان المصالح عنه دارا لا يجب للشفيع فيها الشفعة أو كان المال بدلا عن المدعي والخصومة ; لأن ذلك ليس بمال فلا يجوز الاعتياض عنه بالمال ولأنه كما لا يستحق بنفس الدعوى أخذ المال المدعى فكذلك لا يستحق أخذ المال بطريق الصلح ولا جائز أن يكون بدلا عن اليمين ; لأن اليمين مشروعة لقطع الخصومة فلا يجوز الاعتياض عنها بالمال كالمودع إذا ادعى رد الوديعة أو هلاكها كان القول قوله مع اليمين ولو صالح من هذه اليمين على ما كان باطلا فعرفنا أن المدعى عليه إنما يبذل المال ليدفع به أذى المدعي عن نفسه والمدعي يأخذ المال ليكف عن الخصومة معه بغير حجة وخصومته بغير حجة ظلم منه شرعا وأخذ المال ليكف عن الظلم رشوة فيكون حراما لقوله صلى الله عليه وسلم { الراشي والمرتشي في النار } ولقوله صلى الله عليه وسلم { : لعن الله الراشي والمرتشي والرائش } وبنحو هذا يستدل ابن أبي ليلى رحمه الله إلا أنه يقول المدعى بنفس الدعوى يصير حقا للمدعي ما لم يعارضه المدعى عليه بإنكاره . ( ألا ترى ) أنه لو لم ينازعه في ذلك لتمكن من أخذه وهذا ; لأن الدعوى خبر محتمل بين الصدق والكذب ولكن الصدق يترجح فيه من حيث إن دينه وعقله يدعوانه إلى الصدق ويمنعانه من الكذب إلا أن المدعى عليه إذا عارضه بإنكاره فإنكاره أيضا محتمل بين الصدق والكذب فلتحقق المعارضة تخرج دعواه من أن تكون موجبة للاستحقاق ما لم يظهر الترجيح في جانبه بالبينة وإذا كان المدعى عليه ساكتا فالمعارض لم يوجد فتبقى دعوى المدعي معتبرة في الاستحقاق فلهذا يجوز الصلح في هذه الحال فأما بعد المعارضة بالإنكار لم يبق للدعوى سبب الاستحقاق فأخذ المال بطريق الصلح يكون رشوة وأصحابنا رحمهم الله استدلوا في ذلك بظاهر قوله تعالى { : والصلح خير } فالتقييد بحال الإقرار يكون زيادة على النص المغيا فيه أن المدعي أحد الخصمين في دعوى العين لنفسه فيجوز له أن يأخذ المال بطريق الصلح من صاحبه كالمدعى عليه فإنه لو وقع الصلح بينهما على أن يسلم العين إلى المدعي بمال [ ص: 141 ] يأخذ منه جاز ذلك بالاتفاق وتأثيره أن كل واحد منهما يدعي العين لنفسه وخبره في حقه محمول على الصدق وإنما لا يكون حجة على خصمه ، ثم المدعى عليه إنما يأخذ المال بطريق الصلح باعتبار قوله إن العين لي وإني أملكه من المدعي بما استوفى منه لا باعتبار يده . ( ألا ترى ) أن المودع باعتبار يده بدون هذا القول لا يأخذ العوض عن الوديعة من المودع والمدعي قد وجد منه القول مثل ما وجد من المدعى عليه فكما يجوز للمدعى عليه أن يأخذ المال صلحا باعتبار قوله فكذلك يجوز للمدعي وفي هذا بيان أن المال عوض من المدعي في حق من يأخذه فإن كانت قد انقطعت الخصومة في حق صاحبه ومثله جائز كمن اشترى عبدا أقر بحريته فما يعطى من الثمن بدل ملك الرقبة في حق البائع وهذا فداء في حق المشتري حتى يعتق العبد فهذا مثله ولأن الصلح مع الإنكار إبراء بعوض ولو أبرأه بغير عوض صح ذلك فكذلك إذا أبرأه بعوض كما لو صالح بعد الإقرار ومعنى ذلك أن المدعي يسقط حقه عن المال المدعى دينا كان أو عينا ثم إنكار المدعى عليه لا يمنع صحة إبرائه بغير عوض حتى لو أبرأه عن الدين ، ثم أقر المدعى عليه بأنه كان واجبا كان الإبراء صحيحا وهذا ; لأن الإبراء إسقاط والإسقاط يتم بالمسقط وحده وإنما يحتاج إلى مراعات الجانب الآخر في التملكات فأما في الإسقاطات فلا ، كالطلاق والعتاق وهذا ; لأن المسقط يكون متلاشيا ولا يكون داخلا في ملك أحد ولهذا صح الإبراء عن الدين قبل قبول المديون ، وإن كان يرتد برده لتضمنه معنى التمليك ولكن ذاك تبع وإنما يعتبر ما هو المقصود وهو الإسقاط فشرط صحته ثبوت الحق في جانب المسقط وذاك ثابت بخبره وإنما لم يجعل الدعوى سببا للاستحقاق على الغير ثم بنفس الدعوى يستحق الجواب والحضور على المدعى عليه ويستحق اليمين بعد المعارضة بالإنكار حتى يستوفي بطلبه وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله { لك يمينه } فعرفنا أن جانب الصدق ترجح في حقه قبل المعارضة بالإنكار وبعد المعارضة وإنما لا يعطى بنفس الدعوى المال المدعى لما قال : صلى الله عليه وسلم { لو أعطي الناس بدعواهم . . . } الحديث فإذا ترجح معنى الصدق في حقه ثبت الحق في جانبه فيملك التصرف فيه بالإسقاط وهذا النوع من الإسقاط مما يجوز أخذ العوض عنه كما بعد الإقرار فيأخذ المال بطريق الصلح عوضا عن إسقاط حق ثابت في حقه والمدعى عليه ليس يتملك شيئا فلا يشترط ظهور الحق في جانبه . ( ألا ترى ) أن الزوج إذا خالع امرأته على مال مع أجنبي ضمنه أو من له القصاص إذا صالح مع أجنبي [ ص: 142 ] على مال ضمنه يصح ذلك ويستحق المال عوضا عن الإسقاط ، وإن كان من يعطي المال لا يتملك به شيئا ![]()
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد العشرون صـــ 142الى صـــ 151 (420) وأظهر من هذا كله صلح الفضولي فإنه لو قال للمدعي إن المدعى عليه قد أقر معي سرا وأنت محق في دعواك فصالحني على كذا من المال وضمن له ذلك فصالحه صح الصلح بالاتفاق ومعلوم أن بإقراره لا يثبت المال على المدعى عليه وإنما صح هذا الصلح بطريق الإسقاط لظهور الحق في جانب المدعي دون المدعى عليه فكذلك إذا صالح مع المدعى عليه بل أولى ; لأن المدعى عليه ينتفع بهذا الصلح والفضولي لا ينتفع به ووجوب المال عوضا عن الإسقاط على من ينتفع به أسرع ثبوتا منه على من لا ينتفع به . ( ألا ترى ) أنه لو خالع امرأته على مال وجب المال عليها ، وإن لم يضمن بخلاف ما لو كان الخلع مع أجنبي ( يقرره ) أن الفضولي لا يمتلك بهذا الصلح شيئا ، ثم يلزمه دفع المال عوضا عن الإسقاط فكذلك المدعى عليه إذا كان منكرا فهو لا يمتلك بهذا الصلح شيئا ولكن يلزمه دفع المال عوضا عن الإسقاط كما لو التزمه وقد قال بعض مشايخنا رحمهم الله أن بدل الصلح كالمقر به يكون عوضا عن المدعى عليه ويصير المدعى عليه بالإقدام على الصلح كالمقر به ; لأن القاضي يقول له أي ضرورة ألجأتك إلى الصلح وكان من حقك أن ترفع الأمر إلي لأمنع ظلمه عنك فلما اخترت الصلح صرت كالمقر لما ادعى ولكن هذا إقرار ثبت ضمنا للصلح فإذا بطل الصلح بالاستحقاق يبطل ما كان في ضمنه كالوصية بالمحاباة لما ثبت ضمنا للبيع يبطل ببطلان البيع فلهذا يعود على رأس الدعوى ولما كان هذا الإقرار في ضمن الصلح لا يظهر حكمه في غير عقد الصلح واستحقاق الدعوى بالشفعة حكم وراء ذلك فلا يظهر في حقه كما لو كان الصلح مع فضولي ومنهم من يقول المدعي يستحق المال عوضا في حقه عن المدعي فأما في حق المدعى عليه فإنه قد التمسه ; لأن اليمين حق للمدعي قبله مستحق الهلاك على ما بيناه في الدعوى فيكون بمنزلة القصاص والعفو عن القصاص على مال يأخذه صحيح فكذلك فداء المال باليمين صحيح نص عليه في الجامع الصغير قال ولو فدى يمينه بعشرة دراهم يجوز وذلك مروي عن حذيفة رضي الله عنه أن رجلا ادعى عليه مالا وطلب يمينه وقال : لا تحلفني ولك عشرة فأبى فقال : لا تحلفني ولك عشرون فأبى فقال : لا تحلفني ولك ثلاثون فأبى فقال : لا تحلفني ولك أربعون فأبى فحلف ومن هذا وقع في لسان العوام أن اليمين الصادقة يشترى بأربعين درهما فأما المودع إذا ادعى الرد فمحمد رحمه الله يقول بجواز الصلح هناك أيضا فداء لليمين وأبو يوسف رحمه الله لا يجوز ذلك ; لأنه إنما استفاد البراءة بمجرد [ ص: 143 ] قوله رددت وهو تسلط على ذلك من جهة المودع وإنما اليمين لنفي التهمة . ( ألا ترى ) أنه لو مات قبل أن يحلف كان بريئا وهنا اليمين حق للمدعي قبل المدعى عليه لمعنى الإهلاك على ما قد قررنا فيجوز أخذ العوض عنها ، وبهذا يتبين أن هذا ليس بأكل المال بالباطل ولكنه بمنزلة التجارة عن تراض على أحد الطريقين وهو ثبوت الإقرار في ضمن الصلح وعلى الطريق الآخر هو ليس بتجارة عن تراض ولا أكل بالباطل ولكنه بذل مقيد بمنزلة الهبة والصدقة ونحوهما وفي الحقيقة الخلاف بيننا وبين الشافعي رحمه الله ينبني على الإبراء عن الحقوق المجهولة بعوض وهو لا يجوز عنده ; لأن معنى التمليك يغلب في الصلح فيكون كالبيع وجهالة المبيع تمنع صحة البيع فكذلك جهالة المصالح عنه وعندنا ذلك جائز بعوض وبغير عوض واعتمادنا فيه ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث خالدا إلى بني جذيمة داعيا لا مقاتلا وبلغه ما صنع خالد أعطى عليا رضي الله عنه مالا وقال : ائت هؤلاء القوم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك وأدهم كل نفس ذا مال فأتاهم علي رضي الله عنه ووداهم حتى ميلغة الكلب فبقي في يده مال فقال هذا لكم مما لا تعلمونه أنتم ولا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فقال صلوات الله عليه وسلامه أصبت وأحسنت } فذلك تنصيص على جواز الإبراء عن الحقوق المجهولة بعوض { وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين اختصما إليه اذهبا تحريا وأقرعا وتوخيا واستهما ، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه } وهذا إبراء عن الحق المجهول والدليل عليه أن الجهالة إنما تؤثر ; لأنها لا تمنع التسليم والمصالح عنه لا يحتاج فيه إلى التسليم فالجهالة فيه لا تمنع صحة الصلح ففي بيان قول أبي حنيفة رحمه الله أجوز ما يكون الصلح على الإنكار قد طعن في هذا اللفظ بعض الناس وقال : الاختلاف في الصلح على الإنكار اختلاف ظاهر فكيف يكون المختلف فيه أجوز من المتفق عليه ولكنا نقول مراده أنه أنفذ وألزم فالصلح مع الإقرار يفسد بأسباب لا يفسد الصلح مع الإنكار بذلك السبب أو مراده أنه أكثر ما يكون بين الناس ; لأنه إذا وقع الإقرار استوفى المدعي حقه فلا حاجة إلى الصلح وإنما الحاجة إلى ذلك عند الإنكار ليتوصل به المدعي إلى بعض حقه أو مراده أن ثمرة الصلح قطع المنازعة وذلك عند الإنكار أظهر ; لأن مع الإقرار لا تمتد المنازعة بينهما والعقد الذي يفيد ثمرته يكون أقرب إلى الجواز مما لا يكون مفيدا ثمرته ، ثم الصلح على الإقرار تمليك مال بمال فيكون بيعا [ ص: 144 ] وهذا العقد اختص باسم فلا بد لاختصاصه بالاسم من أن يكون مختصا بحكم وذلك الحكم لا يكون إلا جوازه مع الإنكار فهو معنى كلام أبي حنيفة رحمه الله ثم اعلم بأن ما وقع عليه الصلح يكون عوضا من المدعي في حق المدعى بمنزلة العوض في البيع فكل ما يصلح أن يكون عوضا في البيع يصلح أن يكون عوضا في الصلح وقد بينا ذلك في البيوع والمصالح عليه يحتاج إلى قبضه فلا بد من إعلامه على وجه لا تبقى فيه منازعة بينهما ولهذا لا يثبت الحيوان فيه دينا في الذمة ولا يثبت الثياب فيه دينا إلا موصوفا مؤجلا كما في البيع والمصالح عليه إذا كان عينا لا يجوز التأجيل فيه كما في البيع لا يجوز التأجيل في العين ، ثم الصلح عقد هو فرع فيعتبر بنظائره مما هو أصل حتى إذا كان على دين في الذمة فحكمه حكم اليمين في البيع ، وإن كان على غير دين فحكمه حكم البيع وإذا كان على منفعة فحكمه حكم الإجارة وكل منفعة يجوز استحقاقها بعقد الإجارة يجوز استحقاقها بالصلح وما لا فلا حتى إذا صالح على سكنى ثبت بعينه إلى مدة معلومة يجوز ، وإن قال : أبدا أو حتى يموت لم يجز وكذلك إن صالح على أن يزرع له أرضا بعينها سنين مسماة يجوز وبدون بيان المدة لا يجوز كما في الإجارة ولو كان لرجل ظلة أو كتف شارع على طريق نافذ فخاصمه رجل فيه وأراد طرحه فصالحه من ذلك على عشرة دراهم كان الصلح باطلا ويخاصمه في طرحه متى شاء ; لأن هذا الطريق النافذ حق جماعة المسلمين فلا يمكن واحد منهم أن يعتاض عنه شيئا فصاحب الظلة لا يستفيد بهذا الصلح حق الإقرار ; لأن لكل مسلم أن يخاصمه في طرحه والذي خاصمه كان محتسبا في ذلك فارتشى لترك الحسبة وذلك حرام وهذا ; لأن من أصل أبي حنيفة رحمه الله أن لكل مسلم أن يمنع من وضع الظلة على طريق المسلمين وأن يطالب الرفع بعد الوضع سواء كان فيه ضرر أو لا ضرر فيه وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله إن كان فيه ضرر فكذلك الجواب ، وإن لم يكن فيه ضرر فلكل مسلم حق المنع في الابتداء وليس له أن يخاصم في الرفع بعد الوضع ; لأنه قاصد إلى الإضرار بصاحب الظلة غير دافع الضرر عن المسلمين وقد روي عن أبي يوسف رحمه الله لا يمنع في الابتداء إذا لم يكن فيه ضرر كما لا يرفع بعد الوضع وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الطريق مشترك بين جميع الناس وكل واحد منهم بمنزلة الشريك في الطريق الخاص فكما لا يعتبر هناك الضرر في ثبوت حق المنع والرفع فكذلك هنا ولو كان على طريق غير نافذ فخاصمه رجل من أهل الطريق وصالحه على دراهم مسماة كان جائزا ; لأن شركة [ ص: 145 ] أصحاب الطريق شركة ملك ولهذا يستحقون به الشفعة فهذا المصالح ملك نصيبه من صاحب الظلة وتمليك ما هو مملوك له بعوض صحيح فإن قيل صاحب الظلة لا يستفيد بهذا الصلح شيئا ; لأن لسائر الشركاء أن يخاصموه في الطريق قلنا لا كذلك بل يستفيد من حيث إن سائر الشركاء لو صالحوه أيضا لم يكن له أن يخاصمه في الطريق وهذا ; لأنه بالصلح يتملك نصيبه فيصير كأحد الشركاء في وضع الظلة على هذه الطريق حتى إذا رضي شركاؤه بذلك كان له حق قرار الظلة وبعض المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله كان يقول تأويل هذه المسألة أن الظلة على ما هي على الطريق فالمصالح يصير مملكا نصيبه من وضع أصل البناء وذلك جائز فأما إذا لم يكن كذلك فينبغي أن لا يجوز ; لأنه يصير مملكا نصيبه من هواء الطريق وتمليك الأهواء بعوض لا يجوز والأصح هو الأول ; لأن هواء الطريق الخاص مشترك بينهم كأصل الطريق وإسقاط الحق عن نصيبه من هواء الطريق بعوض صحيح كما يصح إسقاط الحق فيه بغير عوض ولو صالحه على مائة درهم على أن يطرح الظلة عن هذا الطريق كان جائزا ; لأن فيه منفعة لأهل الطريق فكان المفيد للمال صالح عن نفسه ليوصل المنفعة إليهم بإزالة الشاغل عن هواء طريقهم وذلك جائز وتأويل هذا أن الظلة كانت على بناء مبني على الطريق وصاحب الظلة يدعي ملك ذلك الوضع لنفسه أو يدعي حق قرار الظلة بسبب صحيح فسقط حقه بما يأخذ من المال بطريق الصلح على الإنكار وذلك جائز من أحد الشركاء عن نفسه وعن أصحابه بطريق التبرع كصلح الفضولي ولو ادعى حقا في دار في يدي رجل فصالحه من ذلك على خدمة عبد بعينه شهرا فهو جائز ; لأن المصالح عليه مقدور التسليم معلوم فإن مات العبد قبل أن يخدمه بطل الصلح لتحقق فوات المعقود عليه لا على عوض فيعود على رأس الدعوى ، وإن مات بعد ما خدمه نصف الشهر كان على دعواه في النصف اعتبارا للبعض بالكل ولو قتله أجنبي فعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا يبطل الصلح ولكن للمدعي الخيار إن شاء أبطل الصلح وعاد على رأس الدعوى ، وإن شاء أمضى الصلح واشترى له بالقيمة عبدا آخر ليخدمه وقال محمد رحمه الله : الصلح باطل وجه قوله أن الصلح على المنفعة بمنزلة الإجارة ولو قتل العبد المستأجر بطل عقد الإجارة فكذلك إذا قتل العبد الذي وقع الصلح على خدمته وهذا ; لأن حق المصالح في المنفعة ، والقيمة الواجبة على القاتل بدل العين لا بدل المنفعة فقد فات المعقود عليه لا إلى عوض وهو نظير موت العبد ولأن الصلح عقد محتمل للفسخ ودفع الضرر عن [ ص: 146 ] المدعي ممكن بالإعادة إلى رأس الدعوى فلا حاجة بنا إلى أن نقيم بدل العين مقام بدل المنفعة في إيفاء هذا العقد بخلاف الوصية فإن العبد الموصى بخدمته إذا قتل لا تبطل الوصية ; لأن دفع الضرر عن الموصى له هناك غير ممكن بإعادة عوضه إليه فلأجل الضرورة أقمنا بدل العين مقام بدل المنفعة ولأن العبد من وجه كأنه موصى به ولهذا يعتبر خروجه من الثلث وأبو يوسف رحمه الله يقول المصالح ملك المنفعة بعقد يجوز أن يملك به العين فإذا هلكت العين وأخلفت بدلا لا يبطل الصلح كالعبد الموصى بخدمته إذا قتل لا تبطل الوصية ولكن يشتري بقيمته عبدا آخر ليخدم الموصى له بخلاف الإجارة وهي ملك المنفعة بعقد لا يجوز أن تملك به العين فلا يمكن إقامة بدل العين هناك مقام بدل المنفعة في الاستحقاق بحكم ذلك العقد وإذا كان العقد بحيث يجوز أن يملك به العين يمكن إقامة بدل العين فيه مقام بدل المنفعة في إيفاء العقد ، ثم الصلح على الإنكار في معنى الوصية ; لأنه ليس بإزاء المنفعة بدل يستقر وجوبه باستيفاء المنفعة كما في الوصية بخلاف الإجارة فإن قيل كيف يستقيم هذا والمصالح هناك له أن يؤاجر العبد من غيره وفي الوصية الموصى له بالخدمة لا يملك أن يؤاجره من غيره قلنا إنما ملك ذلك ; لأن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي وهو يزعم أنه ملك المنفعة بعوض فالصلح على الإنكار بمنزلة عقد المفاوضة فإذا تملك المنفعة به ملك أن يؤاجره من غيره ، وإن كان لا يستقر وجوب البدل باستيفاء المنفعة كما إذا ملك المنفعة بالخلع أو النكاح أو الصلح عن القود توضيحه إن هذا العقد من وجه يشبه الإجارة وهو أن المنفعة تملك بعوض ومن وجه يشبه الوصية وهو أن باستيفاء المنفعة لا يستقر وجوب عوض فلشبهه بالإجارة قلنا يملك أن يؤاجره من غيره ولشبهه بالوصية قلنا لا يبطل بالقتل وتقوم قيمته مقام عينه ; لأن المقصود بهذا العقد قطع المنازعة بينهما وذلك واجب بحسب الإمكان ابتداء وبقاء لما في امتدادها من الفساد وإنما أثبت الخيار للمدعي لحصول التغير لا في ضمانه فالمنفعة لا تدخل في ضمانه قبل الاستيفاء وعلى هذا لو كان القاتل هو المدعى عليه تجب القيمة أيضا ; لأنه وإن كان مالكا للعبد فالمصالح قد صار أحق به منه فهو في وجوب القيمة عليه بالقتل كأجنبي آخر عند أبي يوسف رحمه الله كالراهن إذا قتل المرهون أو الوارث إذا قتل العبد الموصى بخدمته ، وإن كان المصالح هو الذي قتل العبد فهو على الخلاف أيضا ; لأنه أجنبي من الرقبة فيلزمه من القيمة بالقتل ما يلزم غيره واختلف مشايخنا رحمهم الله في ثبوت الخيار للمصالح في هذا الفصل عند [ ص: 147 ] أبي يوسف رحمه الله فمنهم من يقول يثبت كما إذا قتله أجنبي آخر وإلا وجه أن لا يثبت ; لأن التغيير حصل بفعله هنا وهو راض بفعله لا محالة وهذا على أصل أبي يوسف رحمه الله مستقيم فقد قال : إذا جنى البائع على المبيع وهو في يد المشتري فهو غير ثابت لا محالة وهذا على أصل أبي يوسف رحمه الله لا يسقط به خيار المشتري بخلاف ما إذا جنى عليه غيره وعلى هذا لو صالحه على لبس هذا الثوب شهرا أو على أن يركب دابته هذه إلى بغداد فإن هذه منفعة يجوز استحقاقها بالإجارة والوصية فكذلك بالصلح فإن مات المدعي أو المدعى عليه وقد استوفى نصف المنفعة فإنه يبطل الصلح بقدر ما بقي ويرجع في دعواه بقدره وهذا في قول محمد رحمه الله بناء على أصله أن الصلح على المنفعة كالإجارة والإجارة تبطل بموت أحد المتعاقدين وهذا ; لأنه إن مات المدعي فلو أبقينا الصلح أدى إلى توريث المنفعة والمنفعة لا يجري فيها الإرث ( ألا ترى ) أن الموصى له بالخدمة إذا مات لا يخلفه وارثه في استيفاء المنفعة وأكثر ما فيه أن يجعل الصلح كالوصية ، وإن مات المدعى عليه فالعين صارت لوارثه والمنفعة بعد ذلك تحدث على ملكه ويستحق عليه منفعة ملكه بغير رضاه فأما عند أبي يوسف رحمه الله فإن مات المدعى عليه لم يبطل الصلح ، وإن مات المدعي ففي سكنى الدار وخدمة العبد كذلك الجواب فأما في لبس الثوب وركوب الدابة يبطل الصلح وهذا الجواب عنه محفوظ في الأمالي ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول تأويله إذا ادعى عبدا في يد غيره ، ثم صالحه على خدمته شهرا أو ادعى بيتا ، ثم صالحه على سكناه شهرا فإن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي وفي زعمه أنه يستوفي المنفعة بملكه الأصلي لا أن يتملكها بعقد الصلح بعوض فلا يبطل ذلك بموته ولا بموت المدعى عليه فأما إذا كان الصلح على خدمة عبد للمدعى عليه فينبغي أن يبطل بموت أحدهما كما ذكره في الكتاب مطلقا ومنهم من حقق الخلاف في الفصول كلها ووجه قول أبي يوسف رحمه الله ما ذكرنا أن المقصود بالصلح قطع المنازعة وفي إبطال هذا الصلح بموت أحدهما إعادة المنازعة بينهما فلوجوب التحرز عن ذلك قلنا بأنه يبقى الصلح بعد موت أحدهما ; لأنه إن مات المدعى عليه فوارثه ينتفع بإيفاء هذا الصلح مثل ما كان المورث انتفع به وهو سقوط منازعة المدعي فلو أبطلنا الصلح ربما لا يتمكن من تحصيل هذه المنفعة لنفسه بخلاف الإجارة ، وإن مات المدعي فوارثه يقوم مقامه فيما لا يتفاوت الناس في استيفائه كخدمة العبد وسكنى البيت وربما لا يتمكن من تحصيل ذلك لنفسه بعقده فأبطلنا الصلح فأما فيما يتفاوت الناس فيه كلبس الثوب وركوب [ ص: 148 ] الدابة لا يمكن إقامة الوارث فيه مقام المورث للضرر الذي يلحق المالك فيه ولم يرض بالتزامه فلهذا أبطلنا الصلح ويشبه هذا بالمنفعة إذا جعلت بدلا في الخلع أو الصلح من دم العمد والنكاح فإنه لا يسقط الحق عنها بموت أحدهما ولكن يستوفي المنفعة أو بدلها بعد الموت على حسب ما تكلموا فيه فكذلك هنا وإن صالحه على سكنى بيت فانهدم لم يبطل الصلح ; لأن الأصل باق والانتفاع به من حيث السكنى ممكن إلا أن تمام المنفعة بالبناء فإذا رضي المدعى عليه بأن يبني البيت بماله فيه ليسكنه بقي الصلح بينهما ولكن للمدعي الخيار للتغيير ، وإن شاء أبطل الصلح وعاد على دعواه ، وإن شاء أمضى الصلح وهذا قولهم جميعا والجواب في إجارة البيت هكذا ولو صالحه من دعواه على كذا كذا ذراعا مسماة من هذه الدار لم يجز في قول أبي حنيفة رحمه الله وجاز في قولهما بمنزلة ما اشترى كذا ذراعا من الدار وقد بيناه في التبرع فإن الصلح على عين يكون بمنزلة البيع ، وكذلك إن صالحه على كذا كذا جريبا من الأرض ولو ادعى أذرعا مسماة في الدار فصالحه منها على دراهم مسماة كان جائزا عندهم جميعا ; لأن جهالة المصالح عنه لا تمنع صحة الصلح كما لو ادعى حقا في دار ولم يسمه ، ثم صالح منه على شيء معلوم وهذا ; لأن المصالح عنه لا يستحق تسليمه بالصلح فجهالته لا تفضي إلى المنازعة ولو ادعى كل واحد منهما في دار في يدي صاحبه حقا ، ثم اصطلحا على أن يسلم كل واحد منهما لصاحبه ما في يده بغير تسمية ولا إقرار فهو جائز ; لأن كل واحد منهما قابض لما شرط له بالصلح فلا حاجة إلى التسليم والجهالة إنما تمنع إذا كانت تفضي إلى منازعة مانعة من التسليم ولو ادعى رجل في أرض رجل دعوى فصالحه على طعام بعينه مجازفة فهو جائز ; لأن الطعام المعين يجوز بيعه ، وإن لم يكن معلوم القدر فكذلك الصلح عليه ، وكذلك لو صالح على دراهم بعينها بغير ذكر الوارث ; لأن مثله يصلح ثمنا في البيع فيصلح بدلا في الصلح أيضا ولو صالحه على عبد بعينه لم يره فهو بالخيار إذا رآه ; لأن المصالح عليه إذا كان عينا فهو كالمشتري بطريق البناء على زعم المدعي ولهذا يستحق بالشفعة لو كانت دارا ومن اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه ، وكذلك الرد بالعيب في الصلح بمنزلة الرد بالعيب في البيع حتى يرد المصالح عليه بالعيب اليسير والفاحش بطريق البناء على زعم المدعي وإذا تعذر الرد بالعيب رجع بحصة العيب في الدعوى ; لأن رأس ماله في حق المدعى عليه هو الدعوى والخصومة فكما أن عند الرد بالعيب يرجع في ذلك فكذلك عند تعذر الرد بالعيب من الدعوى ولو استحق نصف العبد من يده كان بالخيار فيما بقي لعيب [ ص: 149 ] التبعيض فإن رد ما بقي كان على دعواه فإن أمسك ما بقي منه كان على نصف دعواه اعتبارا لاستحقاق البعض بالكل ولو ادعى رجل في دار لرجل دعوى فصالحه عنه آخر بأمره أو بغير أمره بإنكار أو إقرار فإن ذلك جائز ولا شيء للمصالح من حقوق المدعي إنما يكون ذلك للذي في يده الدار ولا يجب المال على المصالح إلا أن يضمنه الذي صالحه ; لأن الصلح على الإنكار معاوضة بإسقاط الحق فيكون بمنزلة الطلاق بجعل والعفو عن القصاص بمال وذلك جائز مع الأجنبي كما يجوز مع الخصم إلا أن الأجنبي إن ضمن المال فهو عليه بالالتزام ولا يدخل في ملكه بإزاء ما التزم شيء ; لأن المسقط يكون متلاشيا ولا يكون داخلا في ملكه ، وإن لم يلزمه المال بمطلق العقد ولكن إن كان الصلح بأمر المدعى عليه فالمال عليه ; لأن الأجنبي يعبر عنه . ( ألا ترى ) أنه لا يستغني عن إضافة العقد إليه ، وإن كان بغير إذنه فهو موقوف على إجازته ; لأن المال لم يجب للمصالح ولا يمكن إيجابه على المدعى عليه بغير رضاه والمدعي لم يرض سقوط حقه إلا بعوض يجب له فيتوقف على رضا المدعى عليه ولو لم يكن في صلح الأجنبي إلا العرف الظاهر وحاجة الناس إلى ذلك ; لأن المدعى عليه يتحرز من قبول ذلك مخافة أن يجري على لسانه ما هو إقرار لكان هذا كائنا لجواز هذا العقد فإن صالحه على عبد بعينه فوجد به عيبا فرده أو استحق أو وجد حرا أو مدبرا أو مكاتبا عاد في دعواه ولم يكن له على المصالح شيء ; لأن هذا الصلح لو كان مع المدعى عليه كان يبطل بهذه العوارض ويعود المدعي على دعواه فكذلك إذا كان مع الأجنبي وهذا ; لأن العقد انفسخ بهذه الأسباب والتزام المصالح كان بالعقد فإذا انفسخ العقد عاد الحكم الذي كان قبله وهو خصومة المدعي مع المدعى عليه ولو صالحه على دراهم مسماة وضمنها له فدفعها إليه فاستحقت أو وجد منها زيوفا أو ستوقا فله أن يرجع بذلك على الذي صالحه دون الذي في يديه الدار كما لو كان هذا الصلح مع المدعى عليه وهذا ; لأن المصالح التزم بالمال بالعقد دينا في ذمته حين ضمنه وبالرد بهذه الأسباب ينتقض القبض لا أصل العقد فيعود الحكم الذي كان قبل القبض وهو أنه مطالب بتسليم المال بسبب التزامه في ذمته ولو صالحه على دراهم وضمنها ، ثم قال : لا أؤديها أجبرته على أن يؤديها إليه ; لأنه التزم بالضمان والزعيم غارم وشرط على نفسه أن يؤدي المال والوفاء بالشرط لازم خصوصا إذا كان الشرط في عقد لازم ولو لم يكن ضمنه لم يكن عليه شيء ولكن الصلح موقوف عليه فإن قبل لزمه المال ، وإن رد فالصلح باطل ولو ادعى في دار رجل حقا فصالحه [ ص: 150 ] على دراهم ودفعها إليه ثم استحقت الدار من يد المدعى عليه كان له أن يرجع بدراهمه ; لأن هذا الصلح مبني على زعم المدعي وفي زعمه أنه أخذ الدراهم عوضا عن الدار فإذا استحقت كان عليه رد المقبوض من البدل كالمبيع إذا استحق ، وإن جعلناه مبنيا على زعم المدعى عليه ففي زعمه أنه أعطى المال بغير عوض وأن له حق الاسترداد ، وكذلك لو صالح عنه غيره وضمن المال رجع المصالح بدراهمه ; لأن بعد الاستحقاق ثبوت حق الرجوع بسبب أداء المال وإنما يثبت لمن أدى ولو استحق نصفها أو ثبت معلوم فيها أو جميعها إلا موضع ذراع لم يكن للمصالح أن يرجع بشيء من الدراهم ; لأني لا أدري لعل دعواه فيما بقي دون ما استحق وهذا الصلح مبني على زعم المدعي وهو يتمكن من أن يقول إنما كان حقي ما بقي وقد صالحتك عنه فلهذا لا يرجع بشيء من الدراهم بخلاف ما إذا استحق جميع الدار وإن ادعى في بيت في يدي رجل دعوى فصالحه من ذلك على أن يبيت على سطحه سنة فهو جائز ; لأن في زعم المدعي أنه يستوفي ملك المنفعة باعتبار ملك الأصل ولم يذكر ما إذا صالحه على أن يبيت آخر بعينه سنة والجواب في ذلك أنه يجوز أيضا لما استشهد به فقال : . ( ألا ترى ) أنه لو استأجره جاز وقد بينا أن ما يستحق من المنفعة بعقد الإجارة يجوز استحقاقه بعقد الصلح قال الحاكم رحمه الله وقد تأوله بعض مشايخنا رحمهم الله على السطح المحجر ; لأنه إذا كان بهذه الصفة فهو موضع السكنى عادة فيجوز استئجاره لمنفعة السكنى قال : رضي الله عنه والأصح عندي أنه يجوز على كل حال ; لأن السطح مسكن كالأرض ولو استأجر أرضا معلومة من الأرض لينزل فيه مدة معلومة جاز فكذلك السطح وهذا ; لأنه يتمكن من السكنى عليه بنصب خيمة فيه أو نحوها ولو ادعى نصف الدار وأقر بأن نصفها لذي اليد فصالحه ذو اليد على دراهم مسماة ودفعها إليه ، ثم استحق نصف الدار رجع عليه بنصف الدراهم ; لأن في زعم المدعي أن الدار كانت بينه وبين المدعى عليه نصفين والمستحق نصف شائع فيكون من النصيبين وبه تبين أنه استحق نصف ما وقع الصلح عليه فيرجع بنصف الدراهم لو كان المدعي لم يقر لذي اليد بحق فيها أو قال : نصفها لي ونصفها لفلان وقال المدعي كذبت بل نصفها لي والنصف الآخر لا أدري لمن هو أو قال : كلها لي ونصفها لفلان لم يرجع عليه بشيء من الدراهم ; لأنه لم يستحق شيئا وقع الصلح عنه بزعم المدعي فهو يقول : إنما صالحت عن النصف الذي بقي في يدك وقد بينا أن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي وإذا كانت الدار وديعة في يد المدعي فصالح المدعي من [ ص: 151 ] دعواه فيها على شيء لم يرجع به على المودع ; لأنه كأجنبي آخر في التزام المال بالصلح فقد كان متمكنا من أن يثبت بالبينة أنه مودع فيها لتندفع الخصومة عنه إلا أن يكون أمره بذلك فحينئذ يرجع عليه ; لأنه عامل له بأمره فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة وإذا صالح الرجل من دعواه في دار لم يعاينها الشهود ولا عرفوا الحدود أو صالحه من دعواه في دار بغير عينها ، ثم خاصمه في دار وزعم أنها غير التي صالحه عنها وقال المدعى عليه هي تلك تحالفا وترادا الصلح وعادا في الدعوى ; لأن الصلح عقد محتمل للفسخ بالإقالة ، فإذا اختلفا في عين ما تناوله العقد تحالفا وترادا كالمتبايعين إذا اختلفا في عين المبيع ولو أن دارا في يدي ورثة ادعى رجل فيها حقا وبعضهم غائب فصالح الشاهد منهم المدعي على شيء مسمى من جميع حقه فهو جائز ; لأنه في حصة شركائه متبرع بالصلح وقد ذكرنا أن صلح المتبرع جائز إذا التزم العوض والدار الموروثة على حالها ; لأن المدعي مسقط لحقه بما يأخذ من العوض غير متملك شيئا ممن يأخذ منه العوض فلا يرجع هذا الصلح عليهم بشيء ; لأنهم لم يأمروه بدفع شيء ولو كان صالح على أن يكون حقه له خاصة دون الورثة فهو جائز أيضا ; لأن المدعي يملك ما يدعيه لنفسه من الذي يصالحه بما يستوفى من العوض والصلح مبني على زعمه فيجوز ثم يقوم هذا المصالح مقام المدعي فيما بينه وبين شركائه على حجة المدعي فإن أثبت له ملك شيء معلوم بالحجة ثبت ملكه في ذلك بالشراء وإذا لم يكن له بينة فله أن يرجع على المدعي بحصة شركائه التي لم يسلم له ; لأن المدعي عاجز عن تسليم ذلك إليه والصلح مبني على زعمه فيتحقق عجزه عن التسليم في ذلك القدر فيبطل الصلح فيه ويرجع بما يقابله من البدل ( ألا ترى ) أن رجلا لو ادعى دارا في يدي رجل فصالحه رجل منها على عبد على أن تكون الدار له ، ثم خاصمه الذي في يديه الدار فلم يظفر بشيء كان له أن يرجع على المدعي بالعبد أو بقيمته إن كان هلك عنده ; لأن العقد ينفسخ بينهما لتعذر تسليم المعقود عليه بزعمهما ولو أن رجلين ادعيا دارا في يدي رجل وقالا ورثناها عن أبينا وجحدهما الرجل ، ثم صالح أحدهما عن حصته من هذه الدعوى على مائة درهم فأراد شريكه أن يشركه في هذه المائة لم يكن له ذلك ; لأن الملك لو كان ظاهرا لهما في الدار فباع أحدهما نصيبه لم يكن للآخر أن يشاركه في ثمنه فكذلك إذا صالح أحدهما من نصيبه مع إنكار ذي اليد وليس للآخر أن يأخذ من الدار شيئا إلا أن يقيم البينة ; لأن ذا اليد بقبوله الصلح مع الإنكار لا يصير مقرا بحق المصالح فيما صالحه عنه فكيف يصير [ ص: 152 ] مقرا بحق غيره فيما لم يقع الصلح عنه وذكر ابن رستم رحمه الله في نوادره أن أبا يوسف رحمه الله قال : يشاركه وقال محمد رحمه الله لا يشاركه وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن المصالح يزعم أنه يأخذ بجهة الميراث عن أبيه ولهذا كان مصروفا إلى دين الأب لو ظهر عليه دين ولا يختص أحد الابنين بشيء من ميراث الأب فللآخر حق المشاركة معه في المقبوض باعتبار زعمه ولو صالح أحدهما من جميع دعواهما على مائة درهم وضمن له تسليم أخيه فإن سلم الأخ ذلك له جاز وأخذ نصف المائة ; لأن الصلح في نصيب أخيه كان موقوفا على إجازته فإذا أجازه جاز ويجعل كأنهما باشرا الصلح فالبدل بينهما نصفان وإن لم يجز فهو على دعواه ورد المصالح على الذي في يديه الدار نصف المائة ; لأن الصلح قد بطل في نصيب أخيه برده ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |