|
ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (49) الإجماع وعمل أهل المدينة (9) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. - حديث: «وقنت شهرا على أحياء من بني سليم». هذا الحديث رواه البخاري بسنده السابق عن أنس قال: «وقنت شهرا على أحياء من بني سليم», وهي القصة المعروفة ببئر معونة؛ وذلك أن أحياء من الأعراب جاءوا إلى النبي [ وطلبوا منه أن يرسل معهم من يعلمهم القرآن والإسلام, فأرسل النبي [ معهم سبعين رجلا كان يقال لهم القراء, يعني ممن حفظوا كتاب الله أو حفظوا جملة من كتاب الله تعالى, وأحكام الدين والشرع, أرسلهم معهم يعلمونهم القرآن والإسلام، فلما كانوا ببعض الطريق غدروا بهم فقتلوهم أجمعين, فقنت النبي [ عليهم في الصلوات الخمس يدعوا عليهم ويلعنهم, حتى نهي عن ذلك [ بقول الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران: 128). والقنوت له معان كثيرة تصل إلى عشرة, فمن معاني القنوت: الطاعة والعبادة والدعاء والخشوع والقيام والقراءة وطول القيام, كل هذه من معاني القنوت, لكن المراد بالقنوت هنا: هو الدعاء في الصلوات الخمس والذي يعرف بقنوت النوازل, إذا حصلت بالمسلمين نازلة من حرب أو عدو أو سيل أو قحط شديد أو ما أشبه ذلك, فللإمام أن يقنت في صلاته يدعو للمسلمين, وذكر علماؤنا أنه ينبغي أن يكون ذلك بإذن ولي الأمر؛ لئلا تحدث في المسلمين فوضى وتشويش على المصلين, فإنه إذا صار هذا المسجد يقنت, وذلك المسجد لا يقنت, ويختلفان, فإن هذا يؤدي إلى الاضطراب والاختلاف؛ ولذا فيربط بوزارات الشؤون الإسلامية التي هي الجهة المسؤولة عن تدبير وتصريف أمور المساجد والأئمة والمؤذنين. ولو قال قائل: هل تحجرون الدعاء للمسلمين وتربطونه بإذن أحد من الناس؟ نقول: أبدا لا نمنع الدعاء, بل الدعاء متاح ومفسوح في الوقت كله, فلك أن تدعو في صلاتك, في سجودك بما تشاء, وقبل السلام بما تشاء, ولك أن تصلي في بيتك وتدعو بما تشاء, فالدعاء ليس محصورا في قنوت النوازل بل هو أمر واسع, والحمد لله رب العالمين. الحديث الواحد والعشرون: رواه البخاري رحمه الله: 7341 - 7342 - حدثني أبو كريب: حدثنا أبو أسامة: حدثنا بريد: عن أبي بردة قال: قدمت المدينة, فلقيني عبدالله بن سلام, فقال لي: انطلق إلى المنزل, فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله [, وتصلي في مسجد صلى فيه رسول الله [, فانطلقت معه, فسقاني سويقا, وأطعمني تمرا, وصليت في مسجده. (طرفه في: 3814). الشرح: حديث أبي بردة, وهو ابن أبي موسى الأشعري ], يرويه البخاري رحمه الله من طريق شيخه أبي كريب, وهو محمد بن العلاء الهمداني الحافظ, قال: حدثنا أبو أسامة, وهو حماد بن أسامة القرشي الكوفي, مشهور بكنيته, ثقة ثبت ربما دلس. قال: حدثنا بريد وهو ابن عبدالله بن أبي بردة, تابعي ثقة. قال: عن أبي موسى الأشعري قال: قدمت المدينة فلقيني عبدالله بن سلام, وجاء من طريق آخر عند البخاري قال: أرسلني أبي إلى عبدالله بن سلام لأتعلم منه, فسألني من أنت؟ فأخبرته فرحب بي, وهذا من الرحلة في طلب الحديث, وهو أمر مشهور عند السلف رحمهم الله تعالى من أجل الاستزادة في العلم والفقه والقرآن, كانوا يسافرون ويرحلون. وعبدالله بن سلام حبر من أحبار اليهود, أي: عالم من علمائهم, وفقه الله سبحانه وتعالى للإسلام, وحبب إليه الإيمان, فآمن بمحمد [ وحسن إسلامه, وقد كان معظما عند يهود المدينة, فنبذوه بعد إسلامه وتبرؤوا منه, ولو آمن معه تسعة لآمنت يهود بأسرها, كما قال عليه الصلاة والسلام: « لو آمن بي عشرة من اليهود, لآمن بي اليهود « رواه البخاري. والمقصود بالعشرة كما قال أهل العلم: عشرة من العلماء والكبار منهم, لكن الذين آمنوا بالرسول [ من الأحبار - أي العلماء – في عهده كانوا قلة, مع أنه كان يجب عليهم المبادرة إلى الإيمان بالرسول [, لأنهم كانوا يعلمون أنه رسول الله [؛ يقينا, بصفاته المذكورة في التوراة والإنجيل, بلا شك ولا ارتياب, لكن كما قال الله سبحانه وتعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (الفرقان: 43 - 44). بل كان علماؤهم ممن يصدون عن الإيمان بالرسول [! ويكابرون ويقولون: ليس هو النبي الذي بشرنا به في التوراة!! مع أنهم كانوا يعلمون يقينا أنه هو عليه الصلاة والسلام, ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم, كما أخبرنا القرآن بذلك. قوله: «فلما جاء أبو بردة إلى عبدالله بن سلام قال له: انطلق معي إلى المنزل فأسقيك في قدح شرب فيه رسول الله [«. والقدح بالفتح هو الذي يُشرب ويؤكل فيه. وهذا الحديث: فيه فضل الصحابة رضي الله عنهم؛ إذ كان عندهم من آثار النبي [ وأوانيه ما ليس عند غيرهم, وهذا مقصود هذا الباب, وهو فضل أهل المدينة, وما كان عند أهل المدينة من العلم بالشرع وأحواله ما ليس عند غيرهم, فكان عبد الله بن سلام يحتفظ بهذا القدح الذي شرب فيه الرسول [. وفيه: مشروعية التبرك بآثار النبي [. وأما التبرك بغيره فلا يشرع على الصحيح؛ لأنه لم يرد عن الصحابة أنهم تبركوا بأبي بكر الصديق أو عمر الفاروق أو غيرهما من الخلفاء الراشدين, أو بأحد العشرة المبشرين, أو بأهل بدر أو غيرهم. قوله: «وتصلي في مسجد صلى فيه النبي [« والمراد بالمسجد هاهنا مكان السجود, أي: المكان الذي سجد فيه النبي [ ووضع جبهته عليه. قوله: «فانطلقت معه فسقاني سويقا» والسويق: هو الدقيق الذي يطرى بشيء من الماء. قال: وأطعمني تمرا, وصليت في مسجده.
__________________
|
#2
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (50) الإجماع وعمل أهل المدينة (10) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. قال البخاري رحمه الله : الحديث الثاني والعشرون : 7343 – حدثنا سعيد بن الربيع: حدثنا علي بن المبارك، عن يحي بن أبي كثير: حدثني عكرمة، عن ابن عباس : أن عمر رضي الله عنه حدثه قال: حدثني النبي[ قال: «أتاني الليلة آت من ربي، وهو بالعقيق، أن صل في هذا الوادي المبارك، وقل عمرة وحجة». وقال هارون بن إسماعيل: حدثنا علي: «عمرة في حجة» (طرفه في: 1534). الشرح : حديث ابن عباس يرويه البخاري عن سعيد بن الربيع وهو العامري الحرشي، ثقة وهو من أقدم شيوخ البخاري وفاة. قال حدثنا علي بن المبارك، وهو الهنائي بضم الهاء ثقة، قال عن يحي بن أبي كثير وهو الطائي مولاهم، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل، قال حدثني عكرمة، وهو أبو عبدالله البربري، تابعي ثقة مشهور. قال إن عمر رضي الله عنه حدثه عن النبي [، أنه قال: «أتاني الليلة آت من ربي» أي: بالمنام أتاه آت في المنام ، وهو بالعقيق، ورؤيا الأنبياء حق كما هو معلوم ووحي كما قال الله تبارك وتعالى عن إبراهيم عليه السلام: {قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} (الصافات: 1-2) ، فجعل ما يراه في المنام أمرا من عند الله تبارك وتعالى، وذلك أن الأنبياء - كما قال عليه الصلاة والسلام-: «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم» رواه البخاري . فقلوبهم محل الوحي ، وتنزل كلام الله تبارك وتعالى عليها ، ومخاطبة الله تعالى لهم بواسطة الملك . قوله: «وهو بالعقيق»، والعقيق: واد قريب من المدينة، ووصف بأنه مبارك, فالله تبارك وتعالى أمره أن يقول فيه: «عمرة وحجة» أي: يقرن بين العمرة والحج، فكان [ في حجته التي لم يحج غيرها قارنا ، وفي رواية: «قل عمرة في حجة» يعني: عمرة قد دخلت فيها حجة. ففي هذا الحديث: وصف النبي [ الوادي المذكور، بأنه مبارك، وأنه يستحب لمن أحرم بالمدينة أن يصلي فيه ركعتين، لأنه أمر فيه [ أن يصلي فيه ركعتين. وفيه: فضل الإحرام من المدينة، لأن المواقيت الأخرى لا يوجد فيها مثل هذا الفضل، فلم توصف بما ذكر [ من وجود بقعة مباركة أمر فيها النبي [ أن يصلي فيها ركعتين، ولهذا قال من قال من أهل العلم: إنه ليس للإحرام صلاة خاصة، لأنه [ إنما صلى في هذا الوادي بأمر الله تبارك وتعالى لا للإحرام، وهذا القول هو الصحيح، ونصره غير واحد من أهل العلم المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، لكن إذا احرم المسلم وكانت هناك صلاة حاضرة، فإنه يستحب له أن يحرم عقبها، يعني إذا حضرت صلاة الظهر والإنسان بالميقات، استحب له أن يحرم عقب الصلاة، أو أنه يتوضأ وينوي بصلاته ركعتي الوضوء ثم يحرم عقب الصلاة، وأما مجرد الإحرام فليس له صلاة تخصه، ولهذا فمن أحرم بالطائرة فإنه لا يلزمه أن يصلي ركعتين قبل الإحرام. الحديث الثالث والعشرون: قال البخاري رحمه الله: 7344 – حدثنا محمد بن يوسف: حدثنا سفيان، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر: وقت النبي[ قرنا لأهل نجد، والجحفة لأهل الشام، وذا الحليفة لأهل المدينة، قال: سمعت هذا من النبي[، وبلغني أن النبي[ قال: «ولأهل اليمن يلملم». وذكر العراق، فقال: لم يكن عراق يومئذ . الشرح : الحديث الثالث والعشرون: حديث ابن عمر يرويه البخاري من طريق شيخه محمد بن يوسف وهو الفريابي، عن شيخه سفيان، وهو الثوري مر معنا، وهو الإمام المشهور بالسنة، عن عبدالله بن دينار، وهو العدوي مولاهم، مولى ابن عمر ، ثقة من أفاضل التابعين. قوله : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «وقت النبي [ قرنا لأهل نجد، والجحفة لأهل الشام، وذا الحليفة لأهل المدينة، قال: سمعت هذا من النبي [ «في ذكر المواقيت التي هي للحاج والمعتمر. والمواقيت كما هو معلوم مواقيت مكانية، ومواقيت زمنية، والمذكور في هذا الحديث هي المواقيت المكانية التي يحرم منها الحاج والمعتمر، فالسنة أن يحرم الإنسان منها بحسب بلده ومكانه الذي هو فيه، فإن كان من أهل نجد وما قبلها، وما كان من ناحيتها، فإنه يحرم من قرن، أو قرن المنازل، وهو المعروف اليوم: بالسيل الكبير. وما كان من أهل الشام فإنه يحرم من الجحفة، والجحفة اليوم قرية خربة، فيحرم من رابغ، وهي قبلها بيسير. وما كان من أهل المدينة فإنه يحرم من ذي الحليفة، والتي سبق ذكرها في الحديث الماضي. وهذه المواقيت هي مواقيت مكانية محددة شرعا، لا يشرع للإنسان أن يحرم قبلها بغير ضرورة. يعني لو قال الإنسان: أنا أريد أن أطول زمن الإحرام، فأحرم من بيتي هنا في الكويت مثلا، حتى أصل للبيت! يقول: لأجل أن أطول زمن التلبية! نقول: إن هذا خلاف هدي النبي [، وخلاف الإعتصام بسنته المباركة! وقد سئل الإمام مالك رحمه الله بنحو هذا: جاء إليه رجل فقال له: من أين أحرم ؟ قال: من حيث أحرم رسول الله [ يعني من ذي الحليفة - فقال له: أني أريد أن أحرم من بيتي! يعني من بيته بالمدينة، فقال له مالك: لا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة! فقال: وأي فتنة، وإنما هي أميال أزيدها! فقال له الإمام مالك رحمه الله: وأي فتنة أعظم، من إنك ترى أنك خصصت بفضل، لم يخص به رسول الله [! وهذا من الفقه العميق للإمام مالك، فقد ردّ به على هذا الرجل، وقال له: إني أخاف عليك الفتنة والضلال! وهو يشير إلى قول الله تبارك وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: 63). فلمن تكون الفتنة؟ ولمن يكون العذاب الأليم؟ يقول تعالى في الآية: هي لمن خالف أمر الرسول [، وهديه في فعله وقوله، والإمام مالك قال له: إذا رأيت أن الإحرام من بيتك بالمدينة أفضل من الإحرام من الموضع الذي أحرم منه رسول الله [، فمعنى ذلك: أنك قد خصصت بفضل لم يخص به رسول الله [ فصرت في منزلة وعبادة هي أفضل من المنزلة والعبادة التي كان عليها الرسول [، وإذا ظننت ذلك فقد هلك؟ لأن الله تبارك وتعالى قد جعل منزلة رسوله [ من الدين والعلم منزلة لا يصلها أحد من الأمة. وقد قال [: «والذي نفسي بيده أني أتقاكم لله وأعلمكم به « متفق عليه. فأتقى الناس هو رسول الله [، وأعلم الناس بالله، وبأسمائه وصفاته هو رسول الله[، وأعلم الناس وبدينه وبشرعه هو أيضا ، فلا يمكن أن يستدرك مستدرك على رسول الله [ أحد، ولا أن يقول إني أفعل هذا وإن لم يفعله رسول الله [، كما يحصل من كثير من المبتدعة الذين يحتفلون مثلا بمولده[ ويعتقدون أنهم سبقوا إلى خير لم يسبق إليه المهاجرون والأنصار! بل لم يسبقهم إليه سيد المهاجرين والأنصار وهو رسول الله [، فمعنى ذلك أنهم سبقوهم إلى الفضل والعبادة والدرجة، والعياذ بالله. ثم قال: «سمعت هذا من النبي [، وبلغني أن النبي [ قال: «ولأهل اليمن يلملم». هذا من دقة الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما وإتقانه للحديث ، فإنه ميز ما سمعه مشافهة عن النبي [ عما بلغه عنه من طريق صحابي آخر، والصحابة كما تعلمون كلهم ثقات وعدول، وإنما قد يحصل الوهم لبعض الصحابة أحيانا والنسيان لأنهم بشر، ويعرف ذلك إذا عرضت مروياته على مرويات الآخرين من الصحابة . فوقّت النبي [ لأهل اليمن ميقات اسمه: يلملم، وهي المعروفة اليوم بالسعدية. قوله: «وذكر العراق» ولم يذكر في الحديث: من الذي ذكر العراق في السؤال؟ فقال ابن عمر: لم يكن عراق يومئذ، يعني لما سأله سائل: ما ميقات أهل العراق؟ فقال ابن عمر: لم يكن عراق يومئذ. المقصود أنه لم يكن بأيدي المسلمين عراق يومئذ، لأن العراق في عهد النبي [ كانت بأيدي كسرى ونوابه من الفرس والعرب، يعني جزء منها بيد الفرس وجزء بيد العرب من المناذرة، فكأنه يقول له: لم يكن في العراق مسلمين حينئذ حتى يوقت لهم ميقاتا. ويمكن أن يقال: النبي [ ذكر أهل الشام مع أنهم لم يسلموا في عهده [! والجواب عن هذا: أن ابن عمر لعله أراد الكوفة والبصرة، وهما مصران أنشئا في عهد عمر رضي الله عنهما، ولم يكونا في عهده [. وهذا الحديث هو ما علمه ابن عمر، لأنه قد جاء في الحديث الصحيح: أن النبي [ «وقت لأهل العراق ذات عرق» وهذا ثابت عنه [. واستدل أهل العلم بتوقيته [ لأهل الشام الميقات الذي يحجون منه ويعتمرون، ولأهل العراق الميقات الذي يحجون منه ويعتمرون أن النبي [ يكون قد بشر أمته أو بشر أصحابه بأن هذه البلاد ستصير وتؤول إلى ملك المسلمين، حتى أنهم سيحجون منها ويعتمرون، وهذه بشارة نبوية. وأيضا: هي دلالة من دلالات نبوته [، وإخباره بالغيب الذي لم يحصل بعد .
__________________
|
#3
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (51) قنـوت النبـي صلى الله عليه وسلم الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب السابع عشر: 17 - باب قول الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} (آل عمران: 128). قال الإمام البخاري رحمه الله: 7346 – حدثنا أحمد بن محمد: أخبرنا عبدالله: أخبرنا معمرٌ، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه سمع النبي [ يقول في صلاة الفجر - ورفع رأسه من الركوع - قال: «اللهم ربنا ولك الحمد - في الأخيرة - ثم قال: «اللهم العن فلانا وفلانا»، فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (طرفه في 4559). الشرح الباب السابع عشر باب قول الله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} (آل عمران: 128)، وروى فيه البخاري الحديث عن شيخه أحمد بن محمد وهو ابن موسى أبو العباس السمسار، ثقة حافظ. قال: أخبرنا عبدالله، وهو ابن المبارك المروزي، الإمام الثقة الثبت الفقيه العالم الجواد المجاهد. قال: أخبرنا معمر، وهو ابن راشد الصنعاني، عن الزهري وقد تقدما، عن سالم، وهو ابن عبدالله بن عمر بن الخطاب رحمه الله، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة، ثقة عابد، كان يشبّه بأبيه في الهدي والسمت. عن أبيه وهو ابن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع النبي [ يقول في صلاة الفجر، ورفع رأسه من الركوع، قال: «اللهم ربنا ولك الحمد»، فكان [ يقول بعد رفعه من الركوع: اللهم ربنا ولك الحمد، وهي إحدى صيغ التحميد بعد الرفع من الركوع، وورد أيضا عنه: اللهم ربنا لك الحمد، وورد أيضا دون قوله: اللهم، فيقول: «ربنا ولك الحمد»، وورد «ربنا لك الحمد» بدون حرف الواو. قوله « في الأخيرة « يعني: في الركعة الأخيرة. وهو موضع القنوت في النوازل والوتر. قوله: ثم قال: «اللهم العن فلانا وفلانا « وهذا كان بعدما جرى ما جرى يوم أُحد من مصائب على النبي [ وصحبه رضوان الله عليهم ما رفع الله تعالى به درجاتهم، وكفر به من سيئاتهم، فالنبي [ شُج رأسه وكُسرت رباعيته، فقال: «كيف يفلح قومٌ شجوا نبيهم؟!». وجعل [ يدعو على رؤساء المشركين مثل: أبي سفيان قبل أن يسلم، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، فكان يذكرهم بأسمائهم، ويلعنهم في صلاته، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله [ نهيا عن الدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله، وهو قوله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ < وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: 128-129). والقنوت الذي في الحديث هو قنوت النوازل، ويكون بعد الرفع من الركوع، لا قبل الرفع من الركوع، من الركعة الأخيرة، وأما قنوت الوتر فيكون قبل الركوع وبعده، كما في الأحاديث الصحيحة. وأما كونه في صلاة الصبح، فكان [ يقنت في كل الصلوات، لكن كان يخص الصبح والمغرب بمزيد من القنوت، وإن كان هو [ يقنت في كل الصلوات. والرسول [ دعا شهرا أو أقل، ثم انتهى. وفي الحديث: «أن النبي [ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع... « رواه البخاري في المغازي (4560). وقيل: إن هذا الحديث قد لعن رعل، وذكوان، وهما قبيلتان عربيتان كانتا قد خانتا النبي [ فقتلنا القراء من أصحابه وهم سبعون رجلا، بعثهم النبي [ إلى رعل وذكوان لأجل أن يعلموهم الإسلام، ويقرئهم القرآن، فلما كانوا ببعض الطريق غدروا بهم، وقتلوهم عن آخرهم، فقنت النبي [ يدعو عليهم بأعيانهم وبأسمائهم. ولا مانع من كون النبي [ دعا على المذكورين جميعا في صلاته، حتى نزلت الآية فيهما. وقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} شبيه بقوله تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} (البقرة: 272)، وبقوله سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (القصص: 56)، فالله تعالى يقول لنبيه [: إنما عليك البلاغ والإرشاد، ودعوة الخلق إلى الحق، والحرص على مصالح الناس ورحمتهم وهدايتهم، وأما أمر التعذيب، أو أمر المغفرة والرحمة، وكذا الهداية والإضلال، فهي بيد الله سبحانه وتعالى وحده؛ ولذا منعه تبارك وتعالى من الدعاء عليهم بالهلاك؛ لأنه جل وعلا يمنّ على من يشاء من عباده، فيتوب على من يشاء، فضلا منه ورحمة وإحسانا، ويعذب من يشاء عدلا منه وحكمة، وبظلم العبد نفسه وعمله، كما قال: {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (آل عمران: 128). فسبب عذابهم أنهم ظالمون، ولاحظ كيف أن الله تعالى لما ذكر التوبة نسبها إلى نفسه، فقال {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}؛ لأن الله عز وجل هو الذي يوفقهم للتوبة، ويخلق الرغبة فيها بقلوبهم، وأما إذا عذّبهم فبظلمهم لأنفسهم، فهو سبحانه وتعالى حكمٌ عدل حكيم، لا يظلم أحدا، ولا يضع العقوبة إلا في موضعها، كما قال تعالى {وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون} (آل عمران: 117). وقال {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم} (هود: 101). ولما نفى الله عن رسوله الله [ أنه ليس له من الأمر شيء، قرر أن الأمر له وحده، فقال: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} (آل عمران: 129). فالجميع ملكٌ له وعبيد، وهو سبحانه وتعالى متصرّف فيهم، فكل من في السموات من الملائكة وغيرهم، ومن في الأرض، من الإنس والجن، والحيوان، والجماد، وغيره كله ملك لله سبحانه وتعالى، والجميع عبيد له مخلوقون مدبرون، يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء أو يتوب عليه، ويعذب من يشاء بأن يكله إلى نفسه الظالمة الجاهلة، ويعذبه على ذلك. ثم ختم الله سبحانه وتعالى الآية باسمين كريمين له، فقال: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} ليدل عباده على أن رحمته غلبت غضبه، فهو سبحانه وتعالى وإن كان يعذب الظالمين، وإن كان ينتقم ممن عصاه، إلا أن رحمته سبحانه وتعالى وإحسانه قد عما الجميع، فمغفرته تغلب مؤاخذته، ورحمته تغلب غضبه تبارك وتعالى، نسأله تبارك وتعالى أن يتغمدنا جميعا برحمته، ويدخلنا في زمرة عباده الصالحين. أما مناسبة هذا الحديث من كتاب الاعتصام، فقد قال ابن بطال المالكي ما معناه: إن مناسبة هذه الترجمة في كتاب الاعتصام كون النبي [ دعا باللعنة على من لم يذعن لطاعته، ويعتصم بقوله وبكلامه، فدعا على المذكورين لكونهم لم يذعنوا للإيمان به [، وبرسالته فاستحقوا اللعنة. فهذا تحذير من الدخول تحت دعاء النبي [، ولعنته على من عصاه. وهذه الترجمة وهذا الحديث قد مر معنا قبل ثمانية أبواب: باب هل للنبي [ أن يجتهد في الأحكام أم لا؟
__________________
|
#4
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (53 ) أدب جــدال (2) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الثامن عشر: 18- باب قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54)، وقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46). الحديث الثاني: قال البخاري رحمه الله: 7348 - حدثنا قتيبة: حدثنا الليثُ، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: بينما نحن في المسجد، خرج رسول الله [ فقال: «انطلقوا إلى يهود» فانطلقنا معه حتى جئنا بيت المدراس، فقام النبي [ فناداهم فقال: «يا معشرَ يهود، أسلموا تَسلموا». فقالوا: قد بلّغت يا أبا القاسم، قال: فقال لهم رسول الله [: «ذلك أريد، أسلموا تسلموا». فقالوا: قد بلغتَ يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله [: «ذلك أريد» ثم قالها الثالثة، فقال: «اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليَبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله» (طرفه في: 3167). الشرح: الحديث الثاني: يرويه البخاري عن شيخه قتيبة، وهو ابن سعيد كما مر معنا، قال: حدثنا الليث، وهو ابن سعد الفهمي عالم مصر ومفتيها في وقته، قال: عن سعيد، وهو ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه واسمه كيسان المدني، تابعي ثقة ثبت، ومن المكثرين عن أبي هريرة ]. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد خرج رسول الله [ فقال: انطلقوا إلى يهود، ولم يُعرّفْ النبي [ هذا الاسم، أي: لم يذكرهم بالألف واللام، إما لكونه قصد بعض اليهود، أو أنه [ لم يرد أن يعظم هذا الاسم، فقال: انطلقوا إلى يهود بغير ألف ولام. قال أبو هريرة: فخرجنا معه حتى أتينا بيت المدراس، وبيت المدراس: هو البيت الذي يتدارسون فيه التوراة. قوله: «فقام النبي [ فناداهم «يظهر من هذا أنه ناداهم من خارج البيت فقال: «يا معشر يهود، أسلموا تسلموا» أسلموا أي: ادخلوا في دين الإسلام، واشهدوا أني رسول الله تسلموا في الدنيا والآخرة، ففيه فضل الإسلام، والشهادة لرسول الله [ أنه رسول الله حقا وصدقا، وأن ذلك سبب للسلامة من الآفات ومن العذاب والفتنة والشر والبلاء في الدنيا والآخرة، ففيه فضل الاعتصام بالرسول [ وقوله وهديه، وأنهم إذا أسلموا سلموا من الشرور والعقوبات في الدنيا والآخرة. وهكذا كل من انقاد لرسول الله [، ولم يخالف أمره فإنه يسلم من الشرور والعقوبات، قال سبحانه وتعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور 63). فحذر الله عز وجل من مخالفة أمر الرسول [، وأخبر أن من يخالف أمره أنه يعاقب بعقوبة عاجلة أو آجلة، بفتنة في دينه وشرك، أو شر وعذاب. قوله: «قالوا: بلغت يا أبا القاسم» ولم يقولوا يا رسول الله ؟! بل خاطبوه بكنيته [، فقال لهم رسول الله [: «ذلك أريد» يعني: أنا أريد البلاغ وإيصال الحجة، وإقامة الحجة عليكم. قوله: «أسلموا تسلموا» أعاد عليهم [ عرض الإسلام والدعوة إليه، قالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله [: «ذلك أريد»، قالها الثالثة، يعني: كرر عليهم [ الدعوة والبلاغ ثلاث مرات، وهذا من التأكيد عليهم، وقد قال الله تعالى له: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67). فهو مأمور [ بالبلاغ وأداء الرسالة التي كلفه الله بها، وجاء إلى اليهود ودعاهم إلى الإسلام والاعتصام به. فقالوا له: بلغت ! لكن لم يذعنوا له بالطاعة والاتباع، فأعاد عليهم وبالغ، وهذا التكرير من المجادلة بالتي هي أحسن؛ لأنه [ لم يعنفهم، ولم يغلظ عليهم، ولم يسبهم أو يلعنهم مع أنهم مستحقين لذلك، وإنما دعاهم بالحسنى، كما قال تعالى {وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي أحسن} (النحل: 125). وهذا موافق لقول الله تبارك وتعالى هاهنا: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46). فجادلهم [ كما أمره الله تبارك وتعالى في كتابه. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهي قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ....} (التوبة: 5). وقيل: إن مجادلة أهل الكتاب هي فيمن له عهد وأمان، وفيمن يؤدي الجزية، وأما أهل الحرب، فإنه يشرع قتالهم بالسيف لدفع شرهم؛ لأنه [ أمر أن يقاتل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن لا يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، كما قال الله له: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29). فالنبي [ أمر بمقاتلة الكفار جميعا، وهم كل من لم يؤمن به عليه الصلاة والسلام، فيدخل فيهم الأميون الذين لا كتاب لهم ولم يكن لهم نبي سابق، ويدخل فيهم أيضا أهل الكتاب الذين لا يؤمنون برسالة محمد [ من اليهود والنصارى. ثم إن النبي [ أعلمهم أنه يريد أن يجليهم عن المدينة، وبعد ذلك يجليهم عن جزيرة العرب كلها، كما أمر وأوصى [ أصحابه فقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب» رواه مسلم من حديث عمر ]. وقال عن المشركين أيضا: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب..» رواه الشيخان. وقال [: «لئن عشت - إن شاء الله - لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب» رواه الترمذي. ثم قال لهم: «اعلموا أن الأرض لله ورسوله» أي: هذه الأرض التي أنتم فيها هي لله ورسوله؛ لأنها مهبط الوحي على محمد [، وفيها مشاهد الإسلام، وعلامات النبوة، وبيت الرسالة، و«إني أريد أن أجليكم»، الجلاء بمعنى الخروج عن هذه الأرض، «فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله». ثم إن النبي [ أجلاهم بعد ذلك إلى خيبر. فهذه وصايا نبوية شريفة نافعة للمسلمين لو أخذوا بها، لكن انظروا اليوم إلى واقع المسلمين والمسلمات، حيث ضعف التمسك والاعتصام بالسنن، وصاروا يتساهلون في إحضار اليهود والنصارى إلى جزيرة العرب، بل الوثنين من البوذيين والمجوس عبدة النار وعبدة الأبقار، من غير ضرورة، فترى مئات الألوف من العمال والخدم الكفار، فضلا عن أهل الكتاب، يملؤون جزيرة العرب، وهي مخالفة صريحة للنبي الله [، ولا شك أن ما يصيبنا اليوم من بلاء وتقهقر ورجوع وذلة، إنما هو بسبب مخالفتنا للاعتصام بسنة رسول الله [ وبهديه وبقوله وعمله. وجزيرة العرب محدودة بالبحار: ببحر عمان أو ما يسمى بالخليج العربي، وبحر عدن، والبحر الأحمر، هذه جزيرة العرب على الصحيح؛ لأنها مهبط الوحي ومنها شعت أنوار النبوة، وهي مهد الرسالة فلا يجوز التساهل بإدخالهم إليها. فحاصل هذا الباب الوصية بالمجادلة بالتي هي أحسن للناس جميعا، إلا الذين ظلموا منهم، يعني من ظلم أهل الإسلام، فحاربهم وامتنع عن بذل الجزية، فإنه يقاتل وينتقل معه من المجادلة بالتي هي أحسن إلى المقاتلة؛ لأنه ظلم نفسه أولا، وظلم أهل الإسلام فحاربهم، وأبى الدخول في الإسلام، وأبى أن يدفع لهم الجزية، فعند ذلك إذا عاند انتقلنا معه من المجادلة إلى المجالدة، من المجادلة بالبيان والحجة بطريق الإنصاف، إلى طريق المقاتلة بالغلظة والقوة، وهي مجالدة بالسيف.
__________________
|
#5
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (56) الشيخ.محمد الحمود النجدي أجر العالم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الحادي والعشرون :21 - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ . قال البخاري رحمه الله: 7352 – حدثنا عبدالله بن يزيد المقري المكي: حدثنا حيوة: حدثني يزيد بن عبدالله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله[ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة . وقال عبدالعزيز بن المطلب ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن أبي سلمة ، عن النبي[ مثله. الشرح: الباب الحادي والعشرون: باب باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، وروى فيه البخاري حديثا واحدا عن عبدالله بن يزيد المقرئ المكي وهو من شيوخ البخاري المشهورين، ثقة فاضل، وسمي بالمقرئ لأته أقرأ الناس القرآن نيفا وسبعين سنة، رحمه الله. قال: حدثنا حيوة بن شريح، وهو التجيبي أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد. قال: حدثني يزيد بن عبدالله بن الهاد، وهو الليثي أبو عبدالله المدني، ثقة مكثر. عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، هو التيمي أبو عبدالله المدني ثقة له أفراد، ولأبيه صحبة. عن بسر بن سعيد، هو المدني العابد، مولى ابن الحضرمي، ثقة جليل. عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، واسمه عبدالرحمن بن ثابت، ثقة. وهؤلاء الأربعة كلهم من التابعين، وهذا من لطائف الإسناد، يزيد بن الهاد، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، وبسر بن سعيد، وأبو قيس مولى عمر بن العاص، كلهم من التابعين، وقد روى بعضهم عن بعض. كلهم قالوا: عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله[ يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». أراد البخاري رحمه الله من هذا الباب والحديث: أنه لا يلزم من رد حكم القاضي، أو فتوى المفتي أو العالم، أو عمل العامل إذا خالف الشرع، لا يلزم من رد فتواهم أو حكمهم عليهم، أن يكونوا أثموا بما قالوا أو عملوا، بل إذا بذل العالم وسعه للوصول إلى الحق، وبذل الحاكم أو القاضي وسعه كذلك واجتهد فحكم أو أفتى وخالف بذلك الصواب والحق، فإنه يكون مأجورا ، ولو خالف الشرع في حقيقة الأمر، إذا كان ذلك بعد الاجتهاد وبذل الوسع وهو أهل للاجتهاد، فهو مأجور أجرا واحدا. ولكن متى يؤجر العالم أو متى يؤجر الحاكم؟ يؤجر إذا كان عالما قادرا على الاجتهاد ، وأما الجاهل فلا؟! قال ابن المنذر رحمه الله : وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ، إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن عالما فلا. أي: القاضي إذا كان عالما بالاجتهاد وقادرا على الوصول إلى معرفة الحكم الشرعي، ثم بذل وسعه واجتهد فأخطأ، فإنه يؤجر أجرا واحدا، لكن إن كان قد قضى على جهل فهو مأزور غير مأجور . ثم استدل ابن المنذر في هذا الموضع بحديث: «أن القضاة ثلاثة : قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى للناس على جهل فهو في النار». وهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن، ومروي من عدة طرق ، وهو حديث صحيح حسن . وقال الخطابي: إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، فهو الذي نعذره بالخطأ، بخلاف المتكلف فيخاف عليه، ثم إنما يؤجر اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط؛ فإذا قضى الحاكم على جهل، فهو في النار والعياذ بالله. وكذلك إذا سئل الإنسان فأفتى بغير علم فهو آثم، وقد قال[: «من أفتى بفتيا غير ثبت ، كان إثمه على مَن أفتاه ، ومن أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه « رواه أبوداود. فالإثم يرجع عليك إن تكلمت بغير علم، أو حصل منك تقديم بين يدي الله ورسوله[ وقد قال الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} (الحجرات: 1). إذاً إنما يؤجر المجتهد إذا كان جامعا لآلة الاجتهاد، وهو ما إذا كان حافظا للقرآن والسنة النبوية، وله معرفة وفهم لهما، وكذلك معرفة بأقوال الصحابة والمفتين والفقهاء ، مع العلم بالعربية وقواعدها، فهذا لا إثم عليه إذا اجتهد ثم أخطا . أما إذا أفتى أو حكم وأخطأ، لأنه لا يعرف الأحكام ويجهل، ومع ذلك قضى وأفتى على جهل ، فإنه لا يؤجر على ذلك؛ لأنه معتد ومتطاول . ولماذا الذي يقضي ويخالف الحق له أجر؟! نقول: له أجر واحد على اجتهاده، وبذله لوسعه، وتعبه في الوصول إلى حكم الله تبارك وتعالى أو حكم رسوله[. وأما قوله[: «إذا حكم الحاكم فاجتهد» هكذا وقع في الرواية ، بدأ بالحكم قبل الاجتهاد ، ومعلوم أنه إنما يحكم بعد الاجتهاد ، ولا يجوز له أن يحكم قبل الاجتهاد ؟! ولماذا لم يقل : إذا اجتهد الحاكم فحكم...؟ فالجواب: أن المعنى عند العلماء أنه: إذا اجتهد الحاكم فحكم، هذا معنى قول النبي[: «إذا حكم الحاكم فاجتهد»؛ لأن الحكم لا يكون إلا بعد الاجتهاد كما هو معلوم ، ولا يكون الحكم قبل الاجتهاد، والفاء هاهنا ليست تعقيبية، فيكون التقدير: إذا حكم بعد الاجتهاد. وقال بعض أهل العلم معنى: «إذا حكم الحاكم فاجتهد» أي: إذا أراد أن يحكم فاجتهد فأصاب فله أجران. وهذا أيضا معنى صحيح . ولهذا قال أهل الأصول: إنه يجب على العالم المجتهد أن يجدد النظر عند وقوع النازلة مرة أخرى، ولا يعتمد على الاجتهاد السابق؛ لإمكان أن يظهر له خلاف ما قضى أو حكم به أو أفتى سابقا . وقوله: «إذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» يعني: بان له الخطأ أو لم يتبين، فإن له أجرا على اجتهاده وتعبه في تحصيل الحكم، ولا يعني أن له أجرا على خطئه؟! ولكن يكون الإثم مرفوعا عنه، وهذا من لطف الله تعالى بعباده ورحمته بهم أنه لا يكلفهم ما لا يطيقون كما قال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (البقرة: 286). وهل يمكن أن يستدل بهذا الحديث على أن كل مجتهد مصيب؟! والجواب: إذا كان المقصود بقول القائل: «كل مجتهد مصيب» أنهم كلهم على الحق في نفس الأمر، فهذا خطأ!! لأن الحق لا يتعدد، فالحق واحد، كما قال سبحانه: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (يونس: 32). إلا إذا كان الحق من باب الأمر المتنوع ، وهو أنه يجوز أن يكون كذلك، ويجوز أن يكون أيضا على وجه آخر، أي من الأمور التي تقبل أن يكون فيها العمل متنوعا . أما إذا كان المقصود بقولهم: «كل مجتهد مصيب» بمعنى أنه إذا اجتهد وبذل وسعه فأخطأ فهو مصيب من هذه الجهة؛ لأنه لو اجتهد على جهل فهو آثم مخطئ، أما إذا اجتهد وهو يملك آلة الاجتهاد من العلوم الشرعية المطلوبة للاجتهاد، فأخطأ فإنه مصيب لبذله وسعه، واستفراغه وسعه، وليس مصيبا في تلك المسألة بعينها، فهذا واضح والحمد لله . وأيضا ننبه على أن الاجتهاد والقياس إنما يكون عند عدم النص، وأما مع وجود النص فلا اجتهاد ولا قياس ولا عقل يعارض؛ فكما أنه لا تيمم مع وجود الماء، وأنه إذا حضر الماء بطل التيمم ، فكذلك إذا قال الله تعالى، أو قال رسوله[، فلا قول لأحد من الناس كائنا من كان، قال سبحانه وتعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} (الأحزاب: 36). وقال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الحجرات: 1).
__________________
|
#6
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (58) الشيخ.محمد الحمود النجدي - ظهور أحكام النبي [ لأكثر الناس (2) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: (الاعتصام بالكتاب والسنة) من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الثاني في الباب:7354 – حدثنا علي: حدثنا سفيان: حدثني الزهري: أنه سمع من الأعرج يقول: أخبرني أبو هريرة قال: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله [، والله الموعد، إني كنت امرأ مسكينا، ألزم رسول الله [ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فشهدت من رسول الله [ ذات يوم، وقال: « من يبسط ردائي حتى أقضيَ مقالتي، ثم يقبضه، فلن ينسى شيئا سمعه مني «. فبسطت بردة كانت عليّ، فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت شيئا سمعته منه. (طرفه في: 118). الشرح: الحديث الثاني في هذا الباب: باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي [ كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي [ وأمور الإسلام، هو حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه أيضا بيان السبب في خفاء بعض الأحكام والسنن النبوية على بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم فضلا عن صغارهم، وهو ما ذكره الصحابي الجليل أبو هريرة هاهنا، وهو أن المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، يعني: عقد الصفقات، والبيع والشراء لأنهم يتاجرون ويتكسبون لأجل الرزق لعيالهم وأسرهم، وأن الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، يعني: في بساتينهم، وفي زروعهم والعناية بها، وهذا يبين أن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة في الأغلب، وأن الأنصار كانوا أصحاب زراعة وبساتين، رضي الله عنهم أجمعين. فيقول أبو هريرة ] في هذا الحديث الذي رواه البخاري من طريق شيخه علي، وهو ابن المديني الإمام الحجة المشهور الذي قال البخاري عنه: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند ابن المديني، وإنما يذكره البخاري باسمه مجردا، وتارة يقول: حدثني علي بن عبدالله، ولا يصرح باسمه المديني؛ لأن عليا بن المديني أشيع عنه أنه قال بخلق القرآن، وحصلت فتنة لبعض المحدثين، واجتنب الحديث عنهم وهجرت مجالسهم، تارة بالحق، وتارة بغير الحق، فكان ابن المديني ممن أشيع أنه أجاب إلى خلق القرآن، وربما كان قد أجاب خوفا من الحبس أو من الضرب، وإلا فالثابت والمنقول عنه أنه كان يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق. أما سفيان فهو ابن عيينة أبو محمد الهلالي شيخ ابن المديني. والزهري قد مضى. والأعرج من المكثرين من الرواية عن أبي هريرة ]. قال أبو هريرة: «إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله [، والله الموعد» وجاء في رواية مالك عن الزهري في العلم (118) أنه قال ]: ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم يتلو {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} الآيتان من سورة البقرة: 159-160. يعني أن أبا هريرة كان قد تعرض لشيء من الكلام عليه في زمنه من بعض الناس؛ لأنه كان صاحب حديث كثير، وكان يعقد مجالس التحديث ] وأرضاه في مسجد رسول الله [ وغيره، وقد كان الصحابة يدافعون عنه ويصدقونه فيقولون: نعم قد سمعنا رسول الله [ يقول ذلك، وكان أبو هريرة إذا جاءه السائل وسأله عن حديث وحدثه به عن رسول الله [ قال له: اذهب إلى فلان - من الصحابة - فسيحدثك بمثل ما حدثتك، فيذهب إليه ويصدقه وهذا من باب شد الأزر، ومعاضدة الرواية، وتقوية الخبر. وجاء في كتاب الجنائز من الصحيح: أن ابن عمر ] قال: أكثر علينا أبو هريرة، فصدقت عائشة أبا هريرة، أي: صدقته في الحديث الذي حدث به. وما كان ] متهما أبدا، وإنما أشاع أعداء السنة من الرافضة والمستشرقين والعلمانيين الكلام على مروياته، ولا سيما في السنين المتأخرة من أجل الطعن في الدين، وصد الناس عن السنن النبوية الشريفة، فيتوصلون بذلك إلى هدم الدين!! ومن أسباب كثرة الحديث عن أبي هريرة أنه قد مات أكابر الصحابة قبله، وعمّر أبو هريرة إلى ما بعد سنة الستين للهجرة، فاتسعت روايته، وكثر تلاميذه والآخذون عنه من التابعين وغيرهم. وبين هاهنا سببا من أسباب كثرة تحديثه، وهو أن المهاجرين كانت تشغلهم التجارة، وأن الأنصار كان يشغلهم العمل في زروعم وبساتينهم، وقوله: « كنت امرأ مسكينا» يعني: كنت رجلا مسكينا «من فقراء المهاجرين، ألزم رسول الله [»، وفي رواية مسلم: «أخدم رسول الله على ملء بطني» بمعنى أنه كان يرضى باليسير، ويكتفي بأقل القليل، فيكفيه أن يأكل ما يشبعه ولا يطلب المزيد، وليس لديه تجارة ولا أرض يزرعها ويشتغل بها، ولا هو ممن يطلب مالا ولا أرضا ولا عقارا ولا خدما، ولا غير ذلك، بل كان يكفيه أن يلازم رسول الله [ ويخدمه ويكون بقربه ويسمع حديثه ويشهد أحكامه، ويحفظ عنه. وكان النبي [ تأتيه هدايا من أصحابه من لبن أو تمر أو غير ذلك، فكان أبو هريرة ] يصيب مما يأتي رسول الله [، ويأوي إلى فقراء الصُّفّة الذين كانوا يبيتون بالمسجد في صفة لهم أي: ظلة؛ إذ لا سكن لهم ولا يلوون على أهل ولا عشيرة؛ لأنهم من فقراء المهاجرين. وأهل الصفة كانوا يأكلون في المسجد، ويتصدق عليهم الناس؛ لأنهم هاجروا في سبيل الله عز وجل، وتركوا خلفهم ديارهم وأموالهم، وفي بعض الأحيان أهلهم ونساءهم وأولادهم طلبا لمرضاة الله تبارك وتعالى. وما أعظم هذه الهجرة وأشدها على النفس، إلا إن كانت نفسا مؤمنة مطمئنة، موقنة بثواب الله تبارك وتعالى، قد اشترت الآخرة بالدنيا. فلذلك شهد أبو هريرة ] ما لم يشهد غيره، وسمع ما لم يسمعوا؛ لأنه كان يلزم رسول الله [، وفي رواية: « فيشهد إذا غابوا، ويحفظ إذا نسوا»، وجاء في رواية البخاري أيضا: «وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة، أعي حيث ينسون، فشهدت من رسول الله [ ذات يوم»، يعني شهد مجلسا. وفي المسند والترمذي: عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال لأبي هريرة: كنت ألزمنا لرسول الله [ وأعرفنا بحديثه. قوله [: «من يبسط رداءه» أي: من منكم يفرش ثوبه على الأرض. قوله: «فلم ينسى شيئا سمعه مني» وفي رواية: «فلن ينس شيئا». وهو وعد صادق منه [، وقد وقع الأمر كما قال، فكان أبو هريرة ] راوية الإسلام، والمقدم من الصحابة في الحديث، فروى ما يزيد على خمسة آلاف حديث نبوي شريف، وليس ذلك لغيره؛ بسبب دعوة النبي [ له، وهو من أعظم أسباب حفظه ]. قوله: « فبسطت بردة كانت علي، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه « وفي رواية أخرى: «فحثا له النبي [ ثلاث حثيات، وقال له: ضُم رداءك» وهذا أيضا سبب من أسباب سعة حفظه وثبوته في صدره، وتفوقه على بقية الصحابة في هذا الباب. وفي كتاب العلم: «أن أباهريرة قال: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه، قال: «ابسط رداءك»، قال: فغرف بيديه، ثم قال: «ضمه»، فضممته، فما نسيت شيئا بعده. وقال هاهنا أبو هريرة: فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئا سمعته منه». وهذا من الآيات والمعجزات، والدلائل النبوية، وبركة من بركاته عليه الصلاة والسلام، ولم ير أبو هريرة شيئا بعينيه، فسبحان الله العظيم! ومن أراد الاطلاع على ترجمة أبي هريرة والدفاع عنه فليراجع كتاب العلامة يحيي المعلمي في الرد على المدعو محمود أبي رية، واسم الكتاب «الأضواء الكاشفة» وهو كتاب نفيس في الرد على محمود أبي رية، الذي طعن في هذا الصحابي الجليل ومروياته، فرد عليه العلامة المعلمي رداً مباركا عظيما في هذا الكتاب.
__________________
|
#7
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (60) الشيخ.محمد الحمود النجدي (60) الاجتهاد والقياس ومعرفة المجمل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الرابع والعشرون: باب: الأحكام التي ُتعرف بالدلائل، وكيف معنى الدلالة وتفسيرها وقد أخبر النبيُ[ أمرَ الخيل وغيرها ، ثم سئل عن الحمر، فدلهم على قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}، وسئل النبي[ عن الضب، فقال: «لا آكله ولا أحرمه». وأكل على مائدة النبي[ الضبُ، فاستدل ابن عباس بأنه ليس بحرام. الحديث الأول: 7356 – حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله[ قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجرٌ، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها، فاستنت شرفا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرّت بنهر فشربت منه - ولم ُيرد أن يسقي به - كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنيّاً وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي له ستر . ورجل ربطها فخراً ورياء، فهي على ذلك وزر». وسئل رسول الله[ عن الحمر، فقال: «ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} طرفه في: 2371 . الشرح: الباب الرابع والعشرون هو: باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها. والأحكام هي الشرعية التي تعرف بالدلائل، وفي بعض النسخ: بالدليل. والدليل يُعرّف بأنه: ما يرشد إلى المطلوب، ويلزم من العلم به العلم بالمدلول، وأصله في اللغة: من أرشد إلى الطريق، قاصدا إلى طريق يوصله إلى مقصده. والدلالة يجوز فيها فتح الدال وكسرها، والفتح أفصح. والمراد بها في الاصطلاح الشرعي: الإرشاد إلى حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نص خاص، وإنما هو داخل تحت حكم دليل آخر بطريق العموم. هذا معنى الدلالة، وتفسيرها يعني: تبيينها، فالتفسير هو التبيين، وهو تعليم المأمور، أي: تعليم المكلف كيفية ما أُمر به، أو كيفية الوصول إلى ما أمر به من الأحكام. ويستفاد من هذه الترجمة: أن الاستنباط والاجتهاد في الوصول إلى ما يظن أنه حكم الله تعالى ورسوله[، محمود إذا تم بضوابطه الشرعية، وأن الجمود على النصوص الظاهرة ليس هو طريق النبي[، فليس من طريق النبي[ أن يجمد على ظاهر النص، ويهمل الإشارة أو الدلالة، والأدلة على ذلك ما ذكره البخاري تحت هذا الباب من الأحاديث. وقوله: «سئل النبي[ عن الضب فقال: لا آكله ولا أحرمه»، هو الحديث الثالث في الباب وسيأتي الكلام فيه. أما الحديث الأول في الباب: الذي يرويه البخاري من طريق شيخه إسماعيل بن أبي أويس، عن الإمام مالك، عن زيد بن أسلم وقد مضت تراجمهم. عن أبي صالح السمان واسمه ذكوان المدني، وسمي بالسمان أو الزيات لكونه كان يتجر بالزيت، يرويه عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله[: «الخيل لثلاثة» أي: لثلاثة أصناف أو ثلاثة أنواع من الناس. قوله: «لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله» يعني رجل ربط هذه الفرس من أجل الغزو والجهاد، وهذا معنى ربطها في سبيل الله، أي: أنه أعدها وربطها ذخرا للجهاد. قوله: «فأطال في مرج أو روضة» يعني أطال الحبل. قوله: «فما أصابت في طيلها ذلك المرج والروض كان له حسنات» أي: إذا تحركت هذه الخيل ومشت أو ركضت على حسب طول الحبل كان له به حسنات. قوله: «ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين» أي: إذا قطعت حبلها، واستنت أي: ركضت، والشرف: هو المكان المرتفع. قوله: «كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن تسقي بهه كان ذلك حسنات له» فهذه الفرس كلها حسنات وأجر وثواب لصاحبها، فكل طعامها وشرابها يوضع في ميزان صاحبها، بل حتى أرواثها توضع في ميزانه، وحتى تحركها يمينا وشمالا في مرجها يحسب له حسنات. قوله: «ورجلا ربطها تغنيا وتعففا» أي: طلبا للنسل، فيطلب تولدها لأجل أن يبيع من أولادها، ولم ينس حق الله في رقابها، ولا ظهورها، فهي له ستر، لأنها تغنيه عن السؤال وتستره هو وعياله. أما الرجل الثالث: «فرجل ربطها فخرا ورياء» أي: يتخذها لمجرد الفخر على الناس والخيلاء، بأنه يملك من الخيل كذا وكذا، أو من الأفراس كذا وكذا، فهي على ذلك الرجل وزر، لعدم وجود النية الصالحة في اتخاذها. قوله: «وسئل[ عن الحُمر» وهي جمع حمار، الحيوان المعروف. فقال: ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفذة الجامعة، الفذة يعني الجامعة الفريدة، وهي قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 7- 8)، فالرسول[ لما بيّن حكم اقتناء الخيل وأحوال مقتنيها من الناس، وسئل عن الحمر أشار إلى أن حكمها وحكم الحمر وحكم غيرها مندرج في عموم قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} (الزلزلة: 7-8)، وهذا من باب الإرشاد إلى أن حكم الشيء الخاص الذي لم يرد فيه نص خاص، قد يندرج تحت دليل آخر بطريق العموم كما قلنا، وهذا هو القياس. فقال أهل العلم: إن هذا الحديث فيه حجة على إثبات القياس، ولا شك في أن فيه إشارة واضحة إلى حجية القياس، وتعليم النبي[ أمته كيف يصلوا إلى الحكم الشرعي بالإستنباط، وإلى الأدلة على الشيء الخاص في نظرهم في الأدلة العامة. الحديث الثاني: 7357 – حدثنا يحي: حدثنا ابن عيينة، عن منصور بن صفية، عن أمه، عن عائشة: أن امرأة سألت النبي[. طرفه في: 314 . ح / حدثنا محمد – هو ابن عقبة - حدثنا الفضيل بن سليمان النميري البصري: حدثنا منصور بن عبد الرحمن بن شيبة، حدثتني أمي، عن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة سألت النبي[ عن الحيض، كيف تغتسل منه؟ قال: «تأخذين فرصة ممسكة، فتوضئين بها» . قالت: كيف أتوضأ بها يا رسول الله؟ قال النبي[: «توضئي». قالت: كيف أتوضأ بها يا رسول الله؟ قال النبي[: «توضئين بها». قالت عائشة: فعرفتُ الذي يريد رسول الله[ فجذبتها إليَّ فعلّمتها. الشرح: الحديث الثاني في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها والذي يرويه البخاري رحمه الله بإسنادين: الأول: من طريق يحي، وهو ابن موسى البلخي، ثقة. قال: حدثنا ابن عيينة، وهو سفيان عن منصور بن صفيه وهو ابن عبد الرحمن العبدري الحجبي المكي، ثقة. عن عن أمه وهي صفية بنت شيبة ابن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها صحابية رؤية عن عائشة رضي الله عنها. ويرويه البخاري بسند آخر: عن محمد بن عقبة هو الشيباني الطحان الكوفي، ثقة. عن الفضيل بن سليمان النميري، عن منصور بن عبدالرحمن بن شيبة عن أمه، عائشة رضي الله عنها. قوله: «أن امرأة سألت النبي[ عن الحيض كيف تغتسل منه» أي: كيف تتطهر منه. فقال النبي[: «تأخذين فرصة ممسكة فتوضئين بها» يعني بعد أن تغسل المرأة رأسها وبدنها، فإنها تإخذ فرصة ممسكة، والفرصة بكسر يعني تأخذ قطعة من المسك، وقيل تأخذ قطنة ممسكة، يعني فيها شيء من المسك فتتوضأ بها. وأراد النبي[ بالوضوء ها هنا: تتبع آثار الدم، وهذا وضوء خاص لأنه اقترن بذكر الدم والأذى، فالنبي[ أحب لنساء أمته أنهن إذا طهرن من المحيض أن يتطهرن بالماء ويغسلن رؤسهن وأبدانهن، ثم تأخذ المرأة قطنة ممسكة، فيها شيء من المسك أو الطيب، فتتبع بها آثار الدم لتدفع به الرائحة الكريهة، وقد ذكر بعض الأطباء فائدة هذا للرحم وفائدته للمرأة عموما، وقيل: فائدته للزوجين، لترغيب الرجل بجماع امرأته. وإنما قال النبي[: «توضئين بها» لأنه استحي[ أن يذكر اللفظ الصريح. فقالت المرأة: كيف أتوضأ بها يا رسول الله، وأعادته عليه عليه الصلاة والسلام مرتين أو ثلاثا، وهو يقول لها: توضئين بها. قوله: «قالت عائشة ، فعرفت الذي يريد» أي: عرفت غرض النبي عليه الصلاة والسلام ومقصده، فعرفت أنه يريد أن تتبع بها آثار الدم، موضع الدم وهو الفرج، فبينت للمرأة ما خفي عليها من ذلك. وهذا الحديث كما أنه حجة في هذا الباب، وهو أن الأمر المجمل يعرف بيانه بالقرائن والإشارات، والمجمل هو الأمر الذي لم تتضح دلالته، فإن القرآن والسنة فيهما مجمل ومبين: أما المجمل: فهو الذي المبهم والمحتمل، أي مالا تتضح دلالته. وأما المبين: فهو الذي لا يحتاج إلى بيان. فالمجمل تختلف الأذهان والأفهام في إدراكه، ولذلك عرفت عائشة قصد النبي[ ولم تعرفه المرأة، وهذا فيه فضل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها على غيرها من نساء الصحابة، وفقهها وعلمها بالشرع. والمجمل ينقسم إلى قسمين: فقد يكون لفظا مفردا، وقد يكون جملة مركبة. أما اللفظ المفرد فـ»كالقرء»: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228)، فالقرء لفظ مجمل يحتمل الطهر، ويحتمل الحيض، ولذلك يحتاج إلى بيان. ومنه حديث الباب، فإن النبي[ قال لها: «توضئي بها»، والوضوء قد يطلق على العبادة الشرعية المعروفة، وقد يطلق أحيانا على عموم التطهر ، كما في حديث الباب. أما المجمل المركب فكقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (البقرة: 237). فيحتمل أن يكون الذي بيده عقدة النكاح وإنهائها، هو الزوج . وهناك قول ثان: أن الذي بيده عقدة النكاح هو: الولي، لأنه الذي عقد النكاح أولا، فهذا من المجمل المركب، وله نظائر كثيرة في كتاب الله تبارك وتعالى. وممن اهتم ببيان مجمل القرآن وتفسيره، أي تفسير القرآن بالقرآن، العلامة الشنقيطي محمد الأمين في كتابه: «أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن».
__________________
|
#8
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" من صحيح الإمام البخاري (16) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. • الباب الثالث: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف مالا يعنيه وقوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} (المائدة: 101). • الحديث الأول: 7289 – حدثنا عبد الله بن يزيد المقري: حدثنا سعيد: حدثني عقيل، عن ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه: أن النبي [ قال: « إن أعظم المسلمين جُرماً، مَن سأل عن شيءٍ لم يحرّم، فحُرم من أجل مسألته « [ طرفه في: مسلم: كتاب الفضائل، باب توقيره [ وترك إكثار سؤاله. رقم: 2358 ]. < الشرح: الباب الثالث من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف مالا يعنيه، وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة:101), أي: هذه الآية على كراهة كثرة السؤال، وورد في ذلك آيات من الكتاب وأحاديث شريفة أخرى تدل على الكراهة – كراهة كثرة السؤال -. وأيضا: وردت آيات وأحاديث تدل على كراهة تكلف ما لا يعني، واستدل البخاري رحمه الله بهذه الآية الكريمة من سورة المائدة: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} (المائدة:101). فالله سبحانه وتعالى ينهى في أول هذه الأمة عن كثرة السؤال عن أشياء لم تبد لهم، ولم تشرع ولم تبين لهم، ولم يحكم الله سبحانه وتعالى فيها، وليس في الآيات ولا الأحاديث المنع من السؤال عن بيان معنى آية، أو بيان معنى حديث، فهذا غير داخل في معنى الآية، وإنما المقصود السؤال عن النوازل التي لم تقع إلى أن تقع؛ فقد روى البزار والحاكم: من حديث أبي الدرداء ] عن النبي [: «ما أحلّ الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حرّم الله فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن ينسى شيئا. ثم تلا الآية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (مريم: 64)، فما أحله الله لكم في الكتاب فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وما سكت الله عنه، فقد سكت عنه رحمة بكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنه، وتفتشوا فيه، فإن الله عز وجل لم يكن لينسى شيئا {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} (مريم: 64). وورد في حديث أنس ] أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا قد نُهوا أن يسألوا النبي [ شيئا، قال: «كنا نُهينا أن نسأل رسول الله [ عن شيء، وكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية، فيسأله ونحن نسمع». فالصحابة نُهوا عن سؤال النبي [، وكانوا يفرحون أو يعجبون إذا جاء رجل غريب من غير أهل المدينة والمهاجرين، فيسأل النبي [ وهم يسمعون. وفي حديث ابن عمر ]: «أن الرسول عليه الصلاة والسلام كره المسائل وعابها». والمقصود به: المسائل التي لم تقع بعد، وسبب الحديث أن رجلا جاء إلى النبي [ فقال: يا رسول الله، أرأيت إن وجد الرجل مع امرأته رجلا أفيقتله فتقتلوه؟ أم كيف يفعل؟». فالنبي عليه الصلاة والسلام كره سؤاله هذا؛ لأن هذا السؤال عن شيء لم يقع بعد! وعاب النبي [ المسائل التي من هذا النوع. وروى الإمام مسلم: عن النواس بن سمعان ] قال: أقمت مع رسول الله سنةً بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي [، أي: إنه كان في حكم الوافدين إلى المدينة، لكن كان يكره أن يكون مهاجرا خشية أن يمنع من السؤال، فاستمر بهذه الصورة إلى قريب من سنة، خشية أن يصير مهاجرا فيمتنع عليه السؤال. فهذه الآية منعت الصحابة من السؤال عن النوازل التي لم تقع، ومنعتهم من ابتداء الرسول [ بالسؤال عن الحكم. فإن قيل: قد ورد في القرآن أسئلة كثيرة كقوله سبحانه {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} (البقرة: 220)، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ} (البقرة: 189)، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} (البقرة: 219)، {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ} (البقرة: 215)، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} (البقرة: 222)، {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} (البقرة: 217)، وغيرها من الأسئلة التي وردت في القرآن، فكيف يمكن الجمع بين هذا وبين هذه الآيات؟ والجواب: إما أن يكون هذا قبل النهي؛ لأن المائدة من أواخر ما نزل بالمدينة، وإما أن يكون النهي لا يتناول ما يحتاج إليه المكلف من الأحكام الشرعية الواقعة، أو الحاجات الضرورية اليومية، كمسائل اللباس والطعام والشراب، والذبح، وما يتعلق بحياة المسلم ومعاملته مع زوجه وأبويه، وما أشبه ذلك من المسائل التي تقع. وقد ورد عن الصحابة والتابعين آثار تدل على كراهيتهم لكثرة المسائل التي لم تقع، فورد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: لا تسألوا عما لم يكن، فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن. ووردت أيضا آثار أخرى مشابهة. أما الأمر الآخر الذي نُهينا عن السؤال عنه: فهو السؤال عن الأمور الغيبية التي ورد الشرع بوجوب الإيمان بها وبمعانيها، مع ترك البحث والنظر والسؤال عن كيفياتها، كالسؤال عن وقت الساعة، وأمور الآخرة، وأشراط الساعة، وكالسؤال عن الروح، والسؤال عن عُمر هذه الأمة، وأمثال هذه الأشياء التي لا تعرف إلا بالنقل والسماع، فهذه الأمور يجب الإيمان بها من غير بحث، والبحث فيها يوقع الإنسان في الشك والحيرة، وسيأتي في حديث أبي هريرة مرفوعا إلى النبي [: « لا يزال الناس يتساءلون: من خلق كذا، من خلق كذا؟ حتى يقولوا: من خلق الله؟!». وهذا ناتج من كثرة السؤال عما لا يجوز. وأيضا مما كرهه السلف: كثرة التفريع، أي: الإكثار من التفريع على المسائل الفقهية، وربما ذكر بعض الفقهاء مسائل لا أصل لها في الكتاب والسنة! بل قد تكون مسائل نادرة الوقوع جدا، والبحث والتفريع في المسائل النادرة الوقوع جدا، هو من تضييع الزمان بلا طائل ولا فائدة، فهذا أيضا ينبغي أن يترك التوسع فيه؛ لما سبق من الآية والحديث. ولا شك أن كثرة السؤال في هذه الأمور، توقع الإنسان في التنطع والتكلف الذي نهينا عنه. أما البحث عن معاني كتاب الله سبحانه وتعالى، أو البحث في شرح السنة النبوية ومفرداتها، وأحكامها وفوائدها، فهذا لا يدخل في هذا الباب بلا شك. وأيضا يمكن أن يقال: إن هذه الآية {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (المائدة: 101)، أن هذا في العهد النبوي خاصة دون غيره؛ خشية أن ينزل من الآيات ما يشق على المكلفين امتثاله، فالرسول [ أمر الصحابة بأن يتركوا سؤاله لهذا السبب، وقد مر معنا في الحديث الماضي أنه [ لما قال: « إن الله كتب عليكم الحج فحجوا «، فسأله رجل: «أكلّ عام يا رسول الله؟» ، كان هذا السؤال في الحقيقة نوعا من التكلف، فرسول الله [ قال: « إن الله كتب عليكم الحج فحجوا»؛ ولهذا الرسول [ لم يجب السائل أول مرة، حتى سأل ثلاث مرات، فقال عندها: « دعوني ما تركتكم أو ذروني ما تركتكم» فمنعهم [ من السؤال إلا عن شيء نافع، أما البحث والتنقيب والتنطع فقد نهى الله تعالى عنه عباده، وُنهي عنه الصحابة خصوصا في زمن الوحي؛ خشية أن ينزل عليهم ما يشق عليهم القيام به من الواجبات، أو أن يحرم عليهم شيء من المباحات، كما سيأتي في الحديث الأول في هذا الباب. < الحديث الأول: حديث سعد بن أبي وقاص ] القرشي، وهو من السابقين الأولين إلى الإسلام، وأول من رمى بسهم في سبيل الله، وقال علي ]: ما سمعت النبي [ يجمع أبويه لأحد غير سعد، قال له: « ارمِ فداك أبي وأمي « وذلك يوم أحد. رواه البخاري (6184). وعامر: هو ابن سعد بن عامر بن سعد من ثقات التابعين، وممن روى عن أبيه وتفقه عليه. وابن شهاب هو الزهري قد مر معنا مرارا، وعقيل كذلك، وسعيد: هو ابن أبي أيوب الخزاعي مولاهم، المصري ثقة ثبت، وعبد الله بن يزيد المكي المقرئ ثقة فاضل، وأحد الحفاظ، ومن مشايخ البخاري. قوله: عن النبي [ أنه قال: «إن أعظم المسلمين جُرما من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته». وفي رواية لمسلم: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جُرما، من سأل عن شيء لم يحرم فحرم»، وهذا الحديث فيه ترهيب من السؤال عن المسائل التي لم تقع، أو السؤال في الأمور التي لم تحرم، فالنبي [ شدد فقال: إن من أعظم المسلمين « وهذا تشديد وتفخيم، وقوله: (جرما) «يدل أيضا على أنه أجرم في حق المسلمين؛ بسبب مبالغته في البحث والاستقصاء، فيحرم على المسلمين الشيء بسببه. وهذا كما قلنا سابقا: لا يدخل فيه السؤال عما يحتاج إليه من الأحكام التي وردت في القرآن أو السنة، فلو سأل سائل عن كيفية الصلاة والزكاة أو عن أمور من الطهارة، فهذا لا يدخل في هذا الباب، فهذه الأمور لا بد فيها من العلم والتفقه، ولأن الله سبحانه وتعالى قد أمر بالسؤال عن أحكام الشريعة فقال: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (النحل: 43). وكذا من حصلت عنده نازلة، أو وقعت عنده واقعة لا يعلم حكمها، فسأل عنها فهذا لا شيء عليه، ولا إثم يلحقه؛ لأن السؤال في هذه المسائل وهذه الأمور مطلوب بنص القرآن كما ذكرنا. أما المنهي عنه: فهو السؤال الذي بسببه يصير الشيء المباح حراما؛ فيضيق بسبب السائل على جميع المسلمين والمكلفين، وهذا كما قلنا خاص بالعهد النبوي، وإلا فالأحكام الآن قد تمت، وأكمل الله سبحانه وتعالى الدين؛ فلا يضاف إليه شيء بعد وفاة النبي [. وهذا الحديث يستفاد منه فائدة: أن الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يرد الشرع بخلاف ذلك.
__________________
|
#9
|
||||
|
||||
![]() شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (43) الإجماع وعمل أهل المدينة (2) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الرابع: 7325 – حدثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان, عن عبدالرحمن بن عابس قال: سئل ابن عباس: أشهدت العيد مع النبي [؟ قال: نعم, ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر, فأتى الَعَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت, فصلى ثم خطب, ولم يذكر أذانا ولا إقامة, ثم أمر بالصدقة, فجعل النساء يُشرن إلى آذانهن وحُلوقهن, فأمر بلالا فأتاهن ثم رجع إلى النبي [. (طرفه في: 977). الشرح: الحديث الرابع في هذا الباب: باب ما ذكر النبيُّ [ وحضّ على اتفاق أهل العلم, وما اجتمع عليه الحرمان مكة والمدينة, وما كان بهما من مشاهد النبي [ والمهاجرين والأنصار, ومصلى النبي [ والمنبر والقبر. حديث عبد الرحمن بن عابس وهو ابن ربيعة النخعي الكوفي، تابعي ثقة. عن ابن عباس رضي الله عنه لما سئل: «أشهدت العيد مع النبي [؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر» إشارة من ابن عباس أن صغير أهل المدينة وكبيرهم، ورجالهم ونساءهم بل وخدمهم، ضبطوا العلم معاينة عن النبي [ في مواطن عملية أخذوها عنه مشافهة، وليس لغيرهم من الناس هذه المنزلة. قوله: «ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر» أي: لصغر سنه، حضر موعظة النساء، وضبطه يدل على ذكائه وحفظه. وقال بعض أهل العلم: قوله: «ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر» أن ابن عباس قصد أنه أخذ بعض كلامه [ وحاله من أهله، فهو ابن عمه أولا، وميمونة رضي الله عنها زوج النبي [ خالته، وهذا أيضا مما قربه إلى مجلس النبي [ , إذ كان يدخل عليه في بيت خالته ميمونة كما جاء في الحديث: «بت عند خالتي ميمونة، فقام النبي [ يصلي من الليل فقمت معه «الحديث عند البخاري, فحظي بمجالس للنبي [ خاصة. فلهذا وصل إلى هذه المنزلة في العلم، ثم هو صحابي ممن شاهد وعاصر. ثم ذكر فعله [ فقال: «فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت» العلم: بفتحتين هو الشاخص الذي جعلوه علامة يعرف به المصلى، ودار كثير بن الصلت بنيت بعد العهد النبوي، واشتهرت باسمها، والغرض منه ذكر موضع المصلى النبوي للعيد بالمدينة النبوية. قوله: «فصلى» يعني: في مصلى العيد ثم خطب ولم يذكر أذانا ولا إقامة؛ لأن صلاة العيد لا أذان فيها ولا إقامة , هذه هي السنة النبوية. قوله: «ثم أمر بالصدقة، فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن» يعني: جعل النساء يأخذن بأيديهن من أقراطهن إلى آذانهن، أي: إلى الأقراط التي تعلق بالآذان عند النساء «وإلى حلوقهن» يعني: إلى القلائد التي في الرقاب، أي: إنهن رضي الله عنهن لما دعاهن رسول الله [ إلى الصدقة والإنفاق، بادرن إلى التصدق من حليهن وذهبهن, ولم يؤخرن الاستجابة لله والرسول [. «فأمر النبي [ بلال فأتاهن ثم رجع إلى النبي [»، أمر بلالا أن يجمع ما ألقين من الحلي والقلائد وغيرها, وجاء به إلى النبي [. هذا الحديث الغرض منه ذكر ما اختص به أهل المدينة من وجود المصلى النبوي عندهم, وأن أهل المدينة لهم مصلى للعيد يصلون به العيد, وهذه سنة النبي [، فلم يكن يصلي العيد بالمسجد، مع أن مسجده [ من أشرف المساجد والصلاة فيه بألف صلاة, إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يصلي به العيد، بل كان يخرج للصلاة خارج المسجد, وما ذاك إلا لأن الشرع جاء بإحياء صلاة العيد خارج المسجد. وقول ابن عباس: «لولا مكاني من الصغر ما شهدت»، فيه أيضا: فضل أهل المدينة, وأن هذا الفضل لا يختص بالكبير وحده، بل يعم الكبير والصغير والنساء والخدم والعبيد وغيرهم؛ لأن هؤلاء كلهم ضبطوا العلم عنه [، وعاينوا المصطفى [, وما كان يفعل بالمدينة وأفعاله وعباداته وسمع أقواله, فهذا فيه فضل لهم. يعني أن هذا الفعل ليس خاصا بكبار الصحابة, بل كل من كان في المدينة في عهده [ رأى النبي [ لكن ابن عباس يختص بمزيّتين: أولاهما: أنه ابن عم النبي [, فالعباس أبوه, وعم النبي [. وثانيتهما: أن خالة ابن عباس هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية, أخت أم ابن عباس. فالمقصود أن أهل المدينة لهم من الخصائص ما لا يشاركهم فيه من بعدهم, وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء, والله ذو الفضل العظيم. الحديث الخامس: قال البخاري رحمه الله: 7326 - حدثنا سفيان, عن عبدالله بن دينار, عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي [ كان يأتي قباء ماشيا وراكبا. (طرفه في: 1191). الشرح: الحديث الخامس حديث ابن عمر ] , يرويه البخاري رحمه الله عن شيخه أبي نعيم وهو: الفضل بن دكين الكوفي، مشهور بكنيته, ثقة ثبت. قال: حدثنا سفيان وهو ابن عيينة, عن عبدالله بن دينار هو التابعي الجليل, عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي [ كان يأتي قباء ماشيا وراكبا. المقصود من هذا الحديث أن النبي [ كان يعاينه الصحابة ماشيا وراكبا في تنقلاته المختلفة, ومنها ذهابه لمسجد قباء ماشيا، وهو مشهد من المشاهد التي لا يراها إلا من كان عنده بالمدينة, هذا هو المقصود، فإن هذا المشهد , وهو خروجه [ إلى الصلاة في مسجد قباء, وهو أول مسجد أسس في الإسلام, هذا المشهد لا يراه إلا أهل المدينة فهو خصيصة وفضل لأهل المدينة، لا يشاركهم فيه غيرهم. الحديث السادس: قال البخاري رحمه الله: 7327 – حدثنا عبيد بن إسماعيل: حدثنا أبو أسامة, عن هشام, عن أبيه, عن عائشة: قالت لعبدالله بن الزبير: ادفنّي مع صواحبي, ولا تدفني مع النبي [ في البيت؛ فإني أكره أن أزكَّى. (طرفه في: 1391). الشرح: الحديث السادس وهو حديث عائشة رضي الله عنها, يرويه البخاري عن عبيد بن إسماعيل وهو القرشي الهباري، ثقة، عن أبي أسامة وهو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، مشهور بكنيته، ثقة ثبت. عن هشام وهو ابن عروة بن الزبير, عن أبيه عروة, عن عائشة رضي الله عنها، وهي خالته؛ لأن أمه هي أسماء بني أبي بكر رضي الله عنهما. قالت عائشة لعبدالله بن الزبير - وهو ابن أختها -: «ادفني مع صواحبي» صواحبي جمع صاحبة، تريد أزواج النبي [. يعني: ادفني بمقبرة البقيع, مع بقية أزواج النبي [ أمهات المؤمنين. قولها: «ولا تدفني مع النبي [ في البيت، فإني أكره أن أزكى» أي: لا أحب أن يثني علي أحدٌ بما ليس فيَّ, بل بمجرد كوني مدفونة مع النبي [ دون سائر نسائه؛ فإني إذا دفنت مع النبي [ في الحجرة التي دفن فيها, وهو بيتها أصلا, فإن الناس سيظنون أني خصصت بهذا الفضل دون سائر أزواجه [. وهذا من العجب الذي لا ينقضي! كيف أن عائشة رضي الله عنها تواضعت هذا التواضع البليغ، وكرهت أن تزكى وأن تمدح بأنها دفنت مع النبي [ في حجرته, وفرت من هذا المقام خشية أن يظن بها أنها أفضل أزواج النبي [ مطلقا! مع أنها من أفضل نسائه، وأحبهن إلى رسول الله [، ولكنه التواضع. وقد اختلف في التفضيل بينها وبين خديجة رضي الله عنها, فقال بعض العلماء: إن خديجة أفضل من عائشة, وقال آخرون: إن عائشة أفضل من خديجة, وعلى كل حال فإن عائشة أفقه من خديجة بلا شك؛ لأن خديجة ماتت أول الإسلام تقريبا, ولمّا تنزل بقية أحكام الشريعة والدين, ولما تثبت السنن وتستقر, وعائشة رضي الله عنها أيضا ماتت بعد النبي [ , وقد ملأت الدنيا علما وفقها وحديثا, بل إنها كانت تحكم بين الصحابة فيما كانوا يختلفون فيه من المسائل الفقهية, ولا سيما السنن البيتية، وقضايا الطهارة، كما جاء في الصحيح: أن الصحابة كانوا إذا اختلفوا في شيء، رجعوا إلى أم المؤمنين عائشة، فيجدون عندها علما، فرحمها الله تعالى رحمة واسعة ورضي عنها، وانتقم ممن طعن عليها بالزور والباطل، ورماها بالبهتان العظيم، من المنافقين وأشباههم إلى يوم الدين.
__________________
|
#10
|
||||
|
||||
![]() -شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (45) -الإجماع وعمل أهل المدينة (5) الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الحادي عشر: قال البخاري رحمه الله: 7332 – حدثنا إبراهيم بن المنذر: حدثنا أبو ضمرة: حدثنا موسى بن عقبة، عن نافع عن ابن عمر: أن اليهود جاءوا إلى النبي [ برجل وامرأة زنيا؛ فأمر بهما فرُجما، قريبا من حيث توضع الجنائز عند المسجد. (طرفه في: 1329). الشرح: الحديث الحادي عشر روى فيه البخاري رحمه الله تعالى عن شيخه إبراهيم بن المنذر وهو ابن عبدالله الأسدي الحزامي، صدوق تكلم فيه الإمام لأجل القرآن، عن أبي ضمرة وهو أنس بن عياض المدني ثقة، عن موسى بن عقبة وهو ابن أبي عياش الأسدى، ثقة فقيه إمام في المغازي، وهو صاحب كتاب (المغازي)، ووجد منه أجزاء مخطوطة كمغازي الإمام ابن إسحاق. قال: عن نافع وهو أبو عبدالله المدني، مولى ابن عمر ثقة ثبت فقيه مشهور. قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن اليهود جاءوا إلى النبي [ برجل وامرأة زنيا؛ فأمر بهما فرجما قريبا حيث توضع الجنائز عند المسجد. في هذا الحديث إثبات حدّ الرجم بسنة رسول الله [ الفعلية، والرجم فريضة أنزلها الله تبارك وتعالى في آية من كتابه من سورة الأحزاب، وهي قوله «والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجمهما ألبته نكالا من الله والله عزيز حكيم» ثم نسخت تلاوة هذه الآية، وبقي حكمها، وقد أورد الإمام البخاري رحمه الله هذا الحديث للتدليل على أن الرجم ذكر في القرآن في آية، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وخطب عمر ابن الخطاب ]، وهو المحدَّث الملهم فقال: إن الرجم في كتاب الله تعالى حق، نزلت آية الرجم فقرأناها ووعيناها، فيوشك أن يضل قومٌ بترك فريضة أنزلها الله تبارك وتعالى في كتابه، فيقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله! وقد رجم رسول الله [ ورجمنا بعده. فإذاً الرسول [ قد رجم، ورجم الخلفاء من بعده. ومن الأدلة من السنة على وقوع الرجم هذا الحديث؛ إذ رجم رسول الله [ الزانيين من اليهود، وأيضا جاء في (صحيح مسلم): عن عبادة بن صامت أن النبي [ قال: « خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهم سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». وثبت في (صحيح مسلم) أيضا: عن علي رضي الله عنه: أنه لما زنت شُراحة، وكانت محصنة جلدها مائة جلدة ورجمها في اليوم التالي، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله [. فالرجم إذاً ثابت في القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وهذه الحادثة أيضا التي حدثت في عهد النبي [، هي من الأدلة على ثبوت الرجم لمن أحصن، والمحصن: هو من ثبت له الدخول بزوجة بعقد صحيح، فإن وقع في الزنى بعد ذلك، فصاحبه مستحق للرجم حتى يموت. واليهود لما حصلت عندهم هذه الحادثة، جاءوا إلى النبي [ يتحاكمون إليه، وكانوا يظنون أنه سيخفف عنهم أو يغير لهم حكم الله تعالى، لكن الرسول [ أمر بالزانيين المحصنين أن يرجما، وكان ذلك في مصلى الجنائز الذي اعتاد [ أن يصلي فيه على الجنائز، قريبا من مسجده [. فالحديث هنا لإثبات هذه السنة العملية عنه [، وفيه رد كما قلنا على أهل الأهواء والفرق الضالة من الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا هذه الفريضة. الحديث الثاني عشر: قال البخاري: 7333 – حدثنا إسماعيل: حدثني مالك، عن عمرو مولى المطلب، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رسول الله [ طلع له أحد، فقال: « هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها». تابعه سهل عن النبي [ في أحد. (طرفه في: 371). الشرح: الحديث الثاني عشر يقول فيه البخاري: حدثني إسماعيل، وهو ابن أبي أويس، حدثني مالك، وهو الإمام المشهور، عن عمرو مولى المطلب وهو ابن حنطب عن أنس، الصحابي الجليل المشهور أن رسول الله [ طلع إلى أحد فقال: «هذا جبل يحبنا ونحبه». وهذا قاله عند رجوعه [ من إحدى الغزوات، ويمكن أن يكون عند رجوعه من الحج [، بدا له جبل أحد، وهو جبل كبير بالمدينة طوله ما يقرب من ثمانية كيلو مترات، وارتفاعه حوالي خمسمائة متر. وقال [: «جبل يحبنا» فأثبت المحبة للجبل، وهذا كما قال كثير من أهل العلم إن الجمادات جعل الله تبارك وتعالى لها شيئا أو نوعا من الإدراك بأمره سبحانه وتعالى، كما حصل أنين الجذع بمسجده لرسول الله [، وهو جذع نخلة قد قطع ويبس ووضع بالمسجد، ومع ذلك حصل له حنين وصوت كصوت ولد الناقة إذا صاح. ومثله أيضا تسليم الحجر عليه [. وذكر أيضا الإمام الحافظ ابن كثير شيئا من الكلام عن هذه المسألة عند قوله تبارك وتعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} (الكهف: 77). فالله سبحانه وتعالى يقول عن الجدار: {يريد أن ينقض} وهذا بأمره سبحانه وتعالى، فنسب للجدار شيئا من الإرادة. فجبل أحد من معالم المدينة النبوية، وقال عنه [: « يحبنا ونحبه « أي: نبادله المحبة، وعند جبل الرماة بجبل أحد، حصلت غزوة أحد الشهيرة المذكورة في سورة آل عمران. وقوله [: « اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها » فنبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، حرم مكة، بمعنى: بين للخلق تحريم مكة وأبلغهم ذلك، وإلا فمكة حرمها الله سبحانه وتعالى يوم خلق السموات والأرض، كما قال [: « إن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، ولم يحرمها الناس « فيجمع بين هذا الحديث، وبين قوله [ هاهنا: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة» يعني أن إبراهيم عليه السلام أظهر للناس تحريم مكة، وأبان لهم أن الله عز وجل جعل هذا البلد حراما، ومعنى كونه حراما جاء بيانه وتفصيله في أحاديث أخر، وهو: «أنه لا يصاد صيده، ولا ينفر، ولا يقطع شجره» فالبلد الحرام الأول هو مكة. والبلد الثاني الذي حرم على لسان نبينا محمد [، هو المدينة، فهي بلد حرام، لا يصاد صيده، ولا ينفر، يعني: لا يذعر ويطرد عن وكره، أو يجرى خلفه؛ فلا يجوز أن يصطاد المسلم فيه لا طيرا ولا أرنبا ولا غزالا. وروى البخاري: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «والله لو رأيت الظباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها، سمعت رسول الله [ يقول: «إنها حرام إنها حرام ، أو إنه حرم ما بين لابتيها». فمعنى كون البلد حراما أنه لا يصاد صيده، ولا ينفر أو يذعر. أما إذا صيد خارج المدينة ثم جيء به إلى داخل المدينة فلا بأس، واستدل لذلك بحديث أن الرسول [ لما رأى طائرا صغيرا يلعب به أخ صغير لأنس قال له: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ « وهو طائر صغير يقال له: النغير. لكن هذا الطائر صيد خارج المدينة ثم أدخل إلى المدينة. وكذلك الشجر، لا يجوز قطعه، وهو الشجر الذي ينبت بنفسه، لا ما استزرعه الإنسان، يعني ما أنبته الإنسان وزرعه من النباتات والثمار والزروع، فهذا يجوز له أن يقطعه، كما يجوز له أن يأكل الدجاج والدواجن التي يربيها، لكن المقصود بالذي لا يقطع من الشجر، الذي ينبت بنفسه. ويجب الانتباه إلى أنه لا يثبت حكم الحرمة لسوى مكة والمدينة على وجه الأرض، وقد نبه أهل العلم على خطأ شائع بين المسلمين، وهو قولهم عن المسجد الأقصى - حرره الله بفضله وقوته - يقولون عنه: ثالث الحرمين؟! ويقولون: أولى القبلتين وثالث الحرمين! وهذا خطأ؛ لأنه لم يثبت تحريم أرض بيت المقدس، لا في القرآن ولا في السنة، والصحيح أنه أولى القبلتين كما ورد صحيحا في الحديث. وأيضا: بيت المقدس من الأمكنة الشهيرة حيث تنزل الوحي ببيت المقدس مهد الرسالات السماوية السابقة، ولاحظ كيف أن الله سبحانه وتعالى جمع بين الأرضين المباركة المقدسة، التي نزل فيها الوحي في قوله سبحانه وتعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ < وَطُورِ سِينِينَ < وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (التين: 1-3) فالتين والزيتون: شجر يشتهر به بيت المقدس وما حوله، هذا الشجر يكثر نباته في فلسطين وما حولها، وطور سينين : جبل الطور الذي كلم الله سبحانه وتعالى عنده موسى عليه السلام، ونزلت عليه الرسالة فيه. والبلد الأمين: هو مكة، حيث ابتدأ نزول الوحي فيه. وقوله: إن الرسول [ «حرم ما بين لابتيها» اللابتان: الحرة الشرقية والحرة الغربية، يعني: ما بين الحرتين، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. قال البخاري رحمه الله تابعه سهل عن النبي [ في أحد، سهل هو ابن سعد الصحابي ]، تابع أنسا في هذا الحديث. ومعنى المتابعة: هي المشاركة في الرواية عن الشيخ نفسه، فإذا قلنا: إن سعد قد تابع أنسا يعني: قد شاركه في الرواية عن النبي [ في هذا الحديث، وبالمتابعات تتقوى الأحاديث ويزداد الاطمئنان واليقين، فإن الخبر إذا نقله اثنان، يكون أقوى من نقل الواحد له، فالخبر الواحد إذا نقله أكثر من واحد، حصل من الطمأنينة بالنقل أكثر مما يحصل بنقل الفرد الواحد، وذلك لأن الفرد الواحد معرض للخطأ وللنسيان وللغفلة، لكن إذا تتابع الرواة على نقل حديث واحد بنصه، حصل للسامع ولصاحب التأليف من أهل الحديث الثقة والطمأنينة، بأن هذا الخبر محفوظ لم يدخله تغيير ولا خطأ ولا نسيان، وقد اعتنى أهل الحديث قديما وحديثا بجمع المتابعات؛ لأنها كما ذكرنا تقوي الأحاديث النبوية، ولاسيما بعض الأسانيد الضعيفة إذا رواها شيخ فيه ضعف من جهة الحفظ والإتقان، فإذا تابعه شيخ آخر قوي خبره، وربما ارتفع الحديث من منزلة الضعيف إلى منزلة الحسن لغيره، وتارة يتقوى الحديث الحسن بغيره فيكون صحيحا لغيره، كما هو معروف في مصطلح الحديث.
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |