التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 28 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         من مائدة الفقه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 11001 )           »          حديث: في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين، تم تعتد أربعة أشهر وعشرا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 717 )           »          تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3127 - عددالزوار : 543900 )           »          دروس وقيم وعظات من سورة الحجرات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          سلسلة هدايات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 805 )           »          العرش والكرسي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          صفات المنافقين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          فوائد من كتاب شرح السنة للإمام البغوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          لذة العبادة.. راحة الأرواح وغذاء القلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #271  
قديم 05-02-2026, 08:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (9)
من صـــ 9 الى صـــ 30
الحلقة (271)






شاء الله (١) - وإنما ذكر المسجد في الترجمة لاتصاله بمصلى الجنائز. قَالَ ابن حبيب: إذا كان مصلى الجنائز قريبًا من المسجد أو لاصقًا به -مثل مصلى الجنائز بالمدينة فإنه لاصق بالمسجد من ناحية السوق (٢) - فلا بأس بوضع الجنائز في المصلى خارجًا من المسجد. وتمتد الصفوف بالناس في المسجد، كذلك قَالَ مالك: فلا يعجبني أن يصلى على أحد في المسجد (٣). وهو قول ابن أبي ذئب وأبي حنيفة، وأصحابه (٤)، وروي مثله عن ابن عباس (٥).
قَالَ ابن حبيب: ولو فعل ذلك فاعل ما كان ضيقًا ولا مكروهًا، فقد صلى رسول الله - ﷺ - على سهيل بن بيضاء في المسجد (٦)، وصلى صهيب على عمر في المسجد. وأخرجه مالك وغيره (٧)، وهو قول عائشة.
وقال ابن المنذر: صلي على أبي بكر، وعمر في المسجد (٨)، وأسنده ابن أبي شيبة عنهما وقال: تجاه المنبر (٩)، وأجاز الصلاةَ في المسجد الشافعيُّ من غير كراهة بل استحبها به، كما صرح به

----------
(١) برقم (٣٦٣٥) كتاب: المناقب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
(٢) كذا في الأصل: السوق، وفي مصادر التخريج: الشرق.
(٣) انظر: «الاستذكار» ٨/ ٢٧٤.
(٤) انظر: «البناية» ٣/ ٢٦٧.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٧ (١١٩٧٢) باب: من كره الصلاة على الجنازة في المسجد من حديث عائشة.
(٦) حديث رواه مسلم (٩٧٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الجنازة في المسجد.
(٧) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٥٩، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٩٢، والبيهقي ٤/ ٥٢ من حديث ابن عمر.
قال النووي في «خلاصة الأحكام» ٢/ ٩٦٥ (٣٤٤٨): إسناده صحيح.
(٨) «الأوسط» ٥/ ٤١٥ - ٤١٦.
(٩) «المصنف» ٣/ ٤٧ (١١٩٦٧) باب: في الصلاة على الميت في المسجد من لم ير به بأس.



الماوردي وغيره (١)، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر، وعمر، وسائر أمهات المؤمنين، وأحمد، وإسحاق، وبعض أصحاب مالك (٢).
قَالَ إسماعيل بن إسحاق: لا بأس بالصلاة عليها فيه إن احتيج إلى ذلك (٣). وقال إسماعيل المتكلم -فيما ذكره ابن حزم: الصلاة عليها فيه مكروهة كراهية تحريم.
وحديث صلاته على سهيل حجة للشافعي، والحديث أخرجه مسلم من حديث أبي النضر، عن أبي سلمة، عن عائشة: لما توفي سعد بن أبي وقاص، وطلبت دخوله المسجد، فأنكروا ذلك عليها، فقالت: والله لقد صلى رسول الله - ﷺ - على ابن بيضاء في المسجد (٤). وفي لفظ: سهل وسهيل.
نعم في الحديث علة؛ لأن الواقدي ذكر أن سهلًا مات بعد رسول الله - ﷺ -، والذي مات في أيامه سهيل سنة تسع، ولابن الجوزي: سهيل وصفوان. وهو وهم؛ لأن صفوان قتل ببدر، ولم يمت بالمدينة. وأولاد بيضاء ثلاثة لا رابع لهم (٥)، وقد نبه على ذلك عبد الغني في «أوهام كتاب الصحابة» وقال: لا نعلم قائلًا بأن صفوان صلى عليه رسول الله - ﷺ - مع أخيه سهيل.
وأعله الدارقطني بوجه آخر، حيث قَالَ في «تتبعه»: رواه مسلم من حديث أبي فديك، عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي سلمة، عن

----------
(١) «الحاوي» ٣/ ٥٠، «روضة الطالبين» ٢/ ١٣١.
(٢) «الأوسط» ٥/ ٤١٥ - ٤١٦.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٢٣.
(٤) «صحيح مسلم» (٩٧٣).
(٥) انظر ترجمتهم في «الاستيعاب» ٢/ ٢٢٠ (١٠٨٥)، ٢/ ٢٢٧ (١١٠٥، ٢/ ٢٧٨ (١٢٢١).



عائشة. وقد خالف الضحاك بن عثمان حافظان: مالك، والماجشون، فروياه عن أبي النضر، عن عائشة مرسلًا. وقيل: عن الضحاك، عن أبي النضر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، ولا يصح إلا مرسلًا (١).
ولك أن تقول: الضحاك ثقة، وقد زاد الوصل فقدم.
وادعى ابن سحنون أن حديث النجاشي ناسخ لحديث سهيل مع انقطاعه (٢)، كذا قَالَ.
وقال ابن العربي: ثبت أن رسول الله - ﷺ - صلى على الميت في المسجد، وله صورتان: إحداهما (٣): أن يدخل الميت في المسجد، وكرهه علماؤنا؛ لئلا يخرج من الميت شيء، وتعريض المسجد للنجاسات لا معنى له. والحديث محتمل لأن يكون حرف الجر متعلقًا بفعل (صلى) أو باسم فاعل مضمر، والأولى الأول، فيكون - ﷺ - في المسجد والميت خارجه، وهذا لا بد منه، وإنما أذنت عائشة بمرور الميت فيه؛ لأنها أمنت أن يخرج منه شيء؛ لقرب مدة المرور.
وكان صلاة الناس على عمر كصلاته - ﷺ - على سهيل، كذا قَالَ. لكن رواية ابن أبي شيبة تجاه المنبر ترده (٤)، وزعم صاحب «المبسوط» أنه - ﷺ - كان ذلك الوقت معتكفًا فلم يمكنه الخروج فوضعت خارجه فصلى عليه (٥)، وعلم ذلك الصحابة لبروزهم، وخفي على عائشة.
وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: «من صلى على جنازة في المسجد

------------
(١)»الإلزامات والتتبع«ص ٣٤١ - ٣٤٣ (١٨٤).
(٢) انظر:»النوادر والزيادات«١/ ٦٢٢.
(٣) في الأصل: إحديهما.
(٤) رواه ابن أبي شيبة في»المصنف«٣/ ٤٧ (١١٩٦٧، ١١٩٧٠).
(٥)»المبسوط" ٢/ ٦٨.



فلا شيء له» أخرجه أبو داود (١)، فعنه أجوبة:
أحدها: ضَعْفه، كما نص عليه أحمد (٢) وغيره، بل قَالَ ابن حبان: إنه خبر باطل على رسول الله - ﷺ -. وكيف يخبر المصطفي بذلك ويصلي على سهيل فيه (٣).
ثانيها: أن الذي في الأصول المعتمدة: «فلا شيء عليه»، ولا إشكال

------------
(١) أبو داود (٣١٩١) بلفظ: «.. فلا شيء عليه».
ورواه ابن ماجه (١٥١٧) -وسيأتي- وأحمد ٢/ ٥٤٤، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ٢/ ١٣ (٨٨٧) بلفظ: «.. فليس له شيء». ورواه أحمد ٢/ ٤٥٥، ٥٠٥، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ٣٦٢، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٨٥، والبيهقي في «السنن» ٤/ ٥٢، وفي «المعرفة» ٥/ ٣١٨ (٧٦٨٣)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٢٠، ٢٢١، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤١٤ (٦٩٦) بلفظ: «.. فلا شيء له». وهذا هو اللفظ الذي ذكره المصنف.
واللفظان الأخيران لا فرق بينهما، وإنما الخلاف مع اللفظ الأول، كما سيأتي.
والحديث رووه جميعًامن طريق ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة.
(٢) نص على ذلك في «المسائل برواية عبد الله» (٥٢٧) ص ١٤٢.
(٣) قال ذلك في «المجروحين» ١/ ٣٦٢.
والحديث ضعفه أيضًا الخطابي في «معالم السنن» ١/ ٢٧٢، والبيهقي في «السنن» ٤/ ٥٢، ونقل في «المعرفة» ٥/ ٣١٩ عن أحمد قال: المشهور عند أهل الحديث أن صالحًا مولى التوأمة تغير في آخر عمره.
وضعفه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٢١ - ٢٢٢.
وأشار ابن الجوزي في «التحقيق» لضعفه. وصرح بضعفه في «العلل» فقال: حديث لا يصح.
وكذا أشار لضعفه المنذري في «المختصر» ٤/ ٣٢٥. وقال النووي في «المجموع» ٥/ ١٧١: حديث ضعيف باتفاق الحفاظ. وضعفه كذلك في «الخلاصة» ٢/ ٩٦٦ (٣٤٥١).



إذن (١). ولفظ ابن ماجه: «فليس عليه شيء» (٢). وفي لفظ: «فلا أجر له» (٣). قَالَ عبد الحق: والصحيح رواية: «لا شيء له» (٤).
تالثها: على تقدير صحته (٥) تؤول (له). بمعنى (عليه) كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧].
رابعها: أنه محمول على نقصان أجره إذا لم يتبعها للدفن (٦).
خامسها: نسخه بحديث سهيل، قاله ابن شاهين (٧)، وعكس ذلك الطحاوي (٨)، وقد سلف. نعم لو ظهرت أمارات التلويث من انتفاخ وشبهه لم يدخل المسجد.
قَالَ أبو عمر: والصلاة في المسجد قول جمهور أهل العلم، وهي السنة المعمول بها في الخليفتين، وما أعلم من يكره ذلك إلا ابن أبي ذئب، ورويت كراهة ذلك عن ابن عباس من وجه لا يثبت ولا يصح،

-----------
(١) قلت: في النسخة التي بأيدينا من «سنن أبي داود» (٣١٩١): (.. فلا شيء عليه) كما ذكرنا.
(٢) «سنن ابن ماجه» (١٥١٧) لكن بلفظ: «فليس له شيء». كما تقدم.
(٣) رواه البغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٧٥٢) بلفظ: «.. فليس له أجر».
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٢١: هذا اللفظ خطأ لا إشكال فيه.
(٤) «الأحكام الوسطى» ٢/ ١٤١.
وصحح هذا اللفظ أيضًا ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٢١.
(٥) قلت: الحديث حسنه ابن القيم في «زاد المعاد» ١/ ٥٠١، وصححه الألباني في
«الصحيحة» (٢٣٥١)، وفي «الثمر المستطاب» ٢/ ٧٦٦ - ٧٦٩.
(٦) انظر تفصيلًا لهذِه الأجوبة في: «الاستذكار» ٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤، و«مسلم بشرح النووي» ٧/ ٤٠، و«المجموع» ٥/ ١٧١، و«حاشية ابن القيم» ٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦، و«الثمر المستطاب» ٢/ ٧٦٦ - ٧٦٩.
(٧) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ١/ ٣٠٢ - ٣٠٥.
(٨) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٩٢ - ٤٩٣.



وبعض أصحاب مالك رواه عنه، وقد روي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة، وقد قَالَ في المعتكف: لا يخرج إلى جنازة، فإن اتصلت الصفوف به في المسجد فلا بأس أن يصلي عليها مع الناس (١).
فرع:
في «الأوسط» للطبراني من حديث أنس أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور (٢). وأما حديث ابن عمر فسيأتي -إن شاء الله- في التفسير في حكم اليهود إذا ترافعوا البناء (٣).
وقوله فيه: (فرجما قريبًا من موضع الجنائز عند المسجد). يدل على أنه كان للجنائز موضع معروف.

-------------
(١) «الاستذكار» ٨/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٢) «المعجم الأوسط» ٦/ ٦ (٥٦٣١)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عاصم الأحول إلا حفص، تفرد به حسين بن يزيد.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣٦: وإسناده حسن.
(٣) برقم (٤٥٥٦) باب: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.



٦١ - باب مَا يُكْرَهُ مِنِ اتِّخَاذِ المَسَاجِدِ عَلَى القُبُورِ
وَلَمَّا مَاتَ الحَسَنُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ضَرَبَتِ امْرَأَتُهُ القُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رُفِعَتْ، فَسَمِعُوا صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ الآخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا.

١٣٣٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ هِلَالٍ -هُوَ: الوَزَّانُ- عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا». قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لأَبْرَزُوا قَبْرَهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. [انظر: ٤٣٥ - مسلم: ٥٢٩ - فتح: ٣/ ٢٠٠]
وذكر فيه حديث عائشة، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: «لَعَنَ الله اليَهُودَ وَالنَّصَارى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسْجِدًا». قَالَتْ: وَلَوْلَا ذَلِكَ لأبرز قَبْرُهُ غَيْرَ أَنِّي أَخْشَى أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
الشرح:
هذِه الزوجة هي فاطمة بنت الحسين بن علي، وهي التي حلفت له بجميع ما تملكه أنها لا تزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ثم تزوجته، فأولدها محمد الديباج (١). وهذا المتكلم يجوز أن يكون من مؤمني الجن أو من الملائكة، قالاه موعظة، قاله ابن التين.
ومعنى ضرب القبة على الحسن في هذا الباب: يريد بذلك أن القبة حين ضربت عليه سكنت وصلي فيها فصارت مسجدًا على القبر. وأورده دليلًا على الكراهية؛ لقول الصائح: ألا هل وجدوا .. القصة.
وحديث الباب تقدم في المساجد (٢)، وهذا النهي من باب قطع

-----------
(١) انظر ترجمتها في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٢٥٤ (٧٩٠١).
(٢) برقم (٤٣٥) كتاب: الصلاة.



الذريعة؛ لئلا يعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، وكره مالك المسجد على القبور، فأما مقبرة داثرة بني عليها مسجد يصلى فيه فلا بأس به (١). قَالَ مالك: وأول من ضرب على قبر فسطاطًا عمر بن الخطاب، ضرب على قبر زينب بنت جحش أم المؤمنين (٢)، وأوصى أبو هريرة أهله عند موته أن لا يضربوا عليه فسطاطًا (٣).
وقول أبي سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب ذكره ابن وهب في «موطئه» يعني: الكراهة. وقال ابن وهب: ضرب الفسطاط على قبر المرأة أجوز منه على قبر الرجل؛ لما يستر منها عند إقبارها، فأما على قبر الرجل فأُجِيْزَ، وكُرِهَ، ومن كرهه فإنما كرهه من جهة السمعة والمباهاة، وكذا قَالَ ابن حبيب: ضربه على المرأة أفضل من الرجل، وضربته عائشة على قبر أخيها فنزعه ابن عمر، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس فأقام عليه ثلاثة أيام (٤)، وكره أحمد ضربه على القبر، وقال ابن حبيب: أراه في اليوم واليومين والثلاثة واسعًا إذا خيف من نبش أو غيره (٥). واللعن: الطرد والإبعاد، فهم مطرودون ومبعدون من الرحمة ولعنوا؛ لكفرهم ولفعلهم. وكره مالك الدفن في المسجد، وقاله في مرضه تحذيرًا مما صنعوه. ومعنى: (لأبرز قبره). أي: لم يجعل عليه حائط، وفي رواية: خشي. وروي بضم الخاء (٦).

------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٥٢.
(٢) روى هذا الأثر عن عمر ابن سعد في «طبقاته» ٨/ ١١٣.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٢٥ (١١٧٤٧) كتاب: الجنائز، باب: الفسطاط يضرب على القبر.
(٤) هذا القول من كلام ابن حبيب، كما في «النوادر والزيادات» ١/ ٦٦٥، أما أثر محمد بن الحنيفة، فقد رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٢٥ (١١٧٤٩).
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٦٥.
(٦) ستأتي برقم (١٣٩٠).



٦٢ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ إِذَا مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا
١٣٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ سَمُرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا.
ذكر فيه حديث سمرة: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا، فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا.
ثم ترجم عليه:


٦٣ - باب أَيْنَ يَقُومُ مِنَ المَرْأَةِ وَالرَّجُلِ؟
١٣٣٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ عَلَيْهَا وَسَطَهَا. [انظر: ٣٣٢ - مسلم: ٩٦٤ - فتح: ٣/ ٢٠١]
وهذا الحديث أخرجه مسلم، وسمى المرأة أم كعب (١)، والحديث سلف في الحيض (٢)، ولفظة (وراء) من الأضداد، فإنها قد تكون بمعنى قدام، ومنه: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] والنفاس -بكسر النون- الدم الخارج بعد الولد.
وقوله: (قام وسطها) هو بسكون السين، وهو الصواب وقيده بعضهم بالفتح أيضًا.
وكون هذِه المرأة ماتت في نفاسها وصف غير معتبر اتفاقًا، وإنما هو حكايته أمر وقع، وأما وصف كونها امرأة: فهل هو معتبر أم لا؟ من الفقهاء من ألغاه، وقال: يقام عند وسط الجنازة مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى (٣). ومنهم من خص ذلك بالمرأة؛ محاولة للستر. وقيل: كان قبل اتخاذ الأنعشة والقباب. وأما الرجل فعند رأسه؛ لئلا ينظر إلى فرجه، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف (٤).
وفيه حديث في أبي داود والترمذي وابن ماجه (٥).

--------------
(١) «صحيح مسلم» (٩٦٤) كتاب: الجنائز، باب: أين يقوم الإمام من الميت للصلاة عليه؟
(٢) برقم (٣٣٢) باب: الصلاة على النفساء وسننها.
(٣) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٣٨٣، «المغني» ٢/ ٥١٧، «المجموع» ٥/ ١٧٣.
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٢، «روضة الطالبين» ٢/ ١٢٢، «المغني» ٣/ ٤٥٢.
(٥) «سنن أبي داود» (٣١٩٤) كتاب: الجنائز، باب: أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه؟، و«سنن الترمذي» (١٠٣٤) كتاب: الجنائز، باب: أين يقوم الإمام =



وقال ابن مسعود: بعكس هذا. وإسناده ضعيف.
وذكر عن الحسن التوسعة في ذلك (١)، وبها قَالَ أشهب، وابن شعبان (٢)، وقال أصحاب الرأي: يقوم منها حذو الصدر. قَالَ النخعي وأبو حنيفة: عند الوسط (٣). وعبارة ابن الحاجب: ويقام عند وسط الجنازة، وفي منكبي المرأة قولان، ويجعل رأسه على يمين المصلي (٤). والخنثى كالمرأة (٥)، والإجماع قائم على أنه لا يقوم ملاصقًا للجنازة وأنه لا بد من فُرجة بينهما.
وفي الحديث: إثبات الصلاة على النفساء وإن كانت شهيدة، وعن الحسن أنه لا يصلى عليها بموت من زنا ولا ولدها. وقاله قتادة في ولدها (٦). وفيه أيضًا أن السنة أن يقف الإمام عند العجيزة كما سلف، وأن موقف المأموم في صلاة الجنازة وراء الإمام (٧).

--------
= إذا صلى على الجنازة؟
و«سنن ابن ماجه» (١٤٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في أين يقوم الإمام إذا صلى على الجنازة؟ من حديث أنس.
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٦ (١١٥٤٦) كتاب: الجنائز، باب: في المرأة أين يقام منها في الصلاة والرجل أين يقام منه؟.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٨٩، «حاشية العدوي على الكفاية» ١/ ٣٧٥.
(٣) انظر: «الأصل» ١/ ٤٢٦، «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٤) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٨.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: كون الخنثى كالمرأة قاله النووي في «شرح المهذب» ولم يذكره في «الروضة».
(٦) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٣٤ (٦٦١٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على ولد الزنا والمرجوم.
(٧) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ سابعًا. كتبه مؤلفه غفر الله له.



٦٤ - باب التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ أَرْبَعًا
وَقَالَ حُمَيْدٌ بن هلال صَلَّى بِنَا أَنَسٌ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ثُمَّ كَبَّرَ الرَّابِعَةَ ثُمَّ سَلَّمَ.

١٣٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي اليَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ. [انظر: ١٢٤٥ - مسلم: ٩٥١ - فتح: ٣/ ٢٠٢]

١٣٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا.
وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ سَلِيمٍ: أَصْحَمَةَ. وَتَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ. [انظر: ١٣١٧ - مسلم: ٩٥٢ - فتح: ٣/ ٢٠٢]
ثم ذكر حديث أبي هريرة أنَّه - عليه السلام - كبَّر على النجاشيّ أربعًا.
ثم ذكر حديث جابر: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى عَلَى أَصْحَمَةَ النَّجَاشِيِّ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ سَلِيمٍ -يعني: ابن حيَّان- أَصْحَمَةَ.
حديث أبي هريرة سلف في باب النعي (١)، وحديث جابر سلف قريبًا في الصفوف على الجنازة (٢)، وتعليق حميد عن أنس أخرجه ابن أبي شيبة مختصرًا عن معاذ، عن عمران بن حدير قَالَ: صليت مع أنس ابن مالك على جنازة فكبر عليها ثلاثًا، ثم لم يزد عليها، ثم انصرف (٣). وقد سلف فقه الباب هناك، وأنه الذي استقر عليه آخر الأمر. أعني: التكبيرات الأربعة.

---------
(١) سلف برقم (١٢٤٥).
(٢) سلف برقم (١٣٢٠).
(٣) «المصنف» ٢/ ٤٩٦ (١١٤٥٦) كتاب: الجنائز، باب: من كبر على الجنازة ثلاثًا.



قَالَ أبو عمر: لا نعلم أحدًا من فقهاء الأمصار قَالَ: يكبر الإمام خمسًا. إلا ابن أبي ليلى (١).
قلتُ: هو رواية عن أبي يوسف حكاها في «المبسوط» (٢)، وهو
مذهب ابن حزم. وقَالَ: أفٍّ لإجماعٍ يخرج منه علي، وابن مسعود، وأنس، وابن عباس، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وغيرهم بأسانيد في غاية الصحة، ويدعي الإجماع بخلاف هؤلاء بأسانيد واهية (٣).
وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: لا يتابعه في الخامسة بل يسلم (٤).
وقال أحمد وأهل الحديث: يكبر معه خمسًا وسبعًا (٥). وعند المالكية: إذا زاد ففي التسليم والانتظار قولان، وإن سلم بعد ثلاث كبرها ما لم يطل فتعاد ما لم تدفن (٦). وعندنا: لو زاد على الأربع لم تبطل على الأصح، ولو خمس إمامه لم يتابعه في الأصح بل يسلم أو ينتظر ليسلم معه (٧). وقال عياض: جاء التكبير إلى ثمانٍ، وثبت على أربع حين مات النجاشي (٨).
وقال السرخسي في «مبسوطه»: اختلف الصحابة من ثلاث إلى أكثر من تسع (٩).

-----------
(١) «الاستذكار» ٨/ ٢٤٠.
(٢) «المبسوط» ٢/ ٦٣.
(٣) «المحلى» ٥/ ١٢٤، ١٢٧.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٨٩، «الهداية» ١/ ٩٨.
(٥) انظر: «المغني» ٣/ ٤٤٧ - ٤٥٠، «المبدع» ٢/ ٢٥٦.
(٦) «انظر:»عقد الجواهر الثمينة«١/ ١٩١،»مواهب الجليل«٣/ ١٨،»الخرشي على
مختصر خليل«٢/ ١١٩.
(٧) انظر:»روضة الطالبين«٢/ ١٢٤.
(٨)»إكمال المعلم«٣/ ٤١٦.
(٩)»المبسوط" ٢/ ٤١٦.



قلتُ: وكبر على أهل بدر وبني هاشم سبعًا لشرفهم، ولم يبين في أثر أنس هل رفعت الجنازة أم لا؟ قَالَ ابن حبيب: إذا ترك بعض التكبير جهلًا أو نسيانًا أتم ما بقي من التكبير، وإن رفعت إذا كان بقرب ذلك، فإن طال ولم تدفن أعيدت الصلاة عليها، وإن دفنت تركت (١). وفي «العتبية» نحوه عن مالك (٢).
وعندنا خلاف في البطلان (٣) إذا رفعت في أثناء الصلاة، والأصح الصحة (٤)، ولو صلَّى عندنا عليها قبل وضعها، ففي الصحة وجهان (٥) في «البحر».

--------------
(١) انظر: «التاج والإكليل» ٣/ ١٨.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: كونها تبطل وجه في «البحر».
(٤) قال النووي رحمه الله في «المجموع» ٥/ ٢٠٢:
قال أصحابنا: ويستحب أن لا ترفع الجنازة حتى يتم المسبوقون ما عليهم، فإن رفعت لم تبطل صلاتهم بلا خلاف، بل يتمونها.
(٥) انظر: «حاشية عميرة» ١/ ٣٤٧.



٦٥ - باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى الجَنَازَةِ
وَقَالَ الحَسَنُ: يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا فَرَطًا وَسَلَفًا وَذُخْرا.

١٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، عَنْ طَلْحَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ قَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. [فتح: ٣/ ٢٠٣]
وعن طلحة بن عبد الله بن عوف من طريقين: قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابن عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، قَالَ: لِيَعْلمُواَ أَنَّهَا سُنَّةٌ.
أما أثر الحسن فذكره أبو نصر عبد الوهاب بن عطاء الخفاف في «الجنائز»، فقال: سئل شعبة عن الصلاة على الصبي والسقط، وأنا عن قتادة، عن الحسن أنه كان يكبر، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب، ثم يقول: اللهم اجعله لنا سلفًا وفرطًا وأجرًا.
والفرط والفارط: المتقدم في طلب الماء، فكأنه يقول: اجعله لنا متقدم خير بين أيدينا. وقيل: كرره لاختلاف اللفظ وهو السالف. قَالَ ابن فارس (١): احتسب فلان ابنه، إذا مات كبيرًا، وافترطه إذا مات صغيرًا (٢).
وأما أثر ابن عباس فهو مرفوع؛ لأنه كقول الصحابي: من السنة

-----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: تقدم ذكر ذلك عن ابن فارس.
(٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٣٤. وقد تقدم نقله.



كذا (١)، وللنسائي: حق وسنة (٢)، وللترمذي: من تمام السنة، ثم روى من طريق مقسم عنه أنه - ﷺ - قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب. وقال: ليس إسناده بذاك القوي، والصحيح عن ابن عباس قوله: من السنة (٣).
وقال الإسماعيلي: جمع البخاري بين الإسنادين، والمتن مختلف، ففي حديث غندر أنه حق وسنة.
قَالَ غندر: نعم إنه حق وسنة. وفي حديث سفيان: من السنة، أو من تمام السنة. وللشافعي من حديث ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد: سمعت ابن عباس يجهر بفاتحة الكتاب على الجنازة ويقول: إنما فعلت هذا لتعلموا أنها سنة (٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، قَالَ: وقد أجمعوا أن قول الصحابي سنة، حديث مسند، وله شاهد مفسر، فذكره من حديث جابر، وابن عباس (٥).

----------
(١) قال النووي رحمه الله في «المجموع» ١/ ٩٩:
إذا قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا، أو مضت السنة بكذا، أو السنة كذا، ونحو ذلك، فكله مرفوع إلى رسول الله - ﷺ - على مذهبنا الصحيح المشهور، ومذهب الجماهير، ولا فرق بين أن يقول ذلك في حياة رسول الله - ﷺ - أو بعده، صرح به الغزالي وآخرون، وقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي من أصحابنا: له حكم الموقوف على الصحابي، وأما إذا قال التابعي: من السنة كذا ففيه وجهان حكاهما القاضي أبو الطيب الطبري: الصحيح منهما والمشهور: أنه موقوف على بعض الصحابة، والثاني: أنه مرفوع إلى رسول - ﷺ - ولكنه مرفوع مرسل.
(٢) «سنن النسائي» ٤/ ٧٥ كتاب: الجنائز، باب: الدعاء.
(٣) «سنن الترمذي» (١٠٢٦، ١٠٢٧) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في القراءة على الجنازة بفاتحة الكتاب.
(٤) «مسند الشافعي» ١/ ٢١٠ (٥٨٠) باب: صلاة الجنائز وأحكامها.
(٥) «المستدرك» ١/ ٣٥٨ كتاب: الجنائز.



وعند الشافعي أنها ركن في أول تكبيرة (١)، وبه قَالَ أحمد، وإسحاق، وأشهب (٢)، وسماها بعض أصحابه: شرطًا. وهو مجاز، وخالف فيه الأئمة الثلاثة، وهو قول ابن عمر (٣)، وعن الحسن أنه يقرأ بها في كل تكبيرة (٤)، وعن الحسن بن علي: يقرأ ثلاث مرات (٥). وعن المسور بن مخرمة أنه قرأ في الأولى بأم القرآن وسورة وجهر (٦)، دليل مالك أنه ركن من أركان الصلاة، فلم يكن من شرط صحته قراءة أم القرآن كسجود التلاوة. قَالَ الداودي: أحسب أن ابن عباس تأول قوله - ﷺ -: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» (٧) قَالَ: وذلك ليس من هذا في شيء، ولو كان على عمومه لكان الدعاء غير جائز إلا بعد قراءتها، ولكانت الصلاة على النبي - ﷺ - كذلك، قلتُ: هو مذهبنا. وقد قَالَ - ﷺ -: «استغفروا لأخيكم» (٨) ولم يذكر قراءة.
وفي قول ابن عباس: (لتعلموا أنها سنة) رد على الداودي، وقال أبو عبد الملك: لعل ابن عباس سمع ذلك من رسول الله - ﷺ - مرة، ولم يجر عليه العمل بعد ذلك.

---------------
(١) انظر: «البيان» ٣/ ٦٦، «روضة الطالبين» ٢/ ١٢٥.
(٢) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١٩١، «المغني» ٣/ ٤١١.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٢ (١١٤٠٤) باب: من قال: ليس على الجنازة قراءة.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٢ (١١٣٩٥) باب: من قال: يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
(٥) رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٣٩.
(٦) انظر: التخريج السابق.
(٧) سبق الحديث برقم (٧٥٦) كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم.
(٨) رواه أبو داود من حديث عثمان بن عفان (٣٢٢١) كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عند القبر للميت، والبزار في «البحر الزخار» ٢/ ٩١ (٤٤٥)، والحاكم ١/ ٣٧٠ كتاب: الجنائز، وقال: صحيح الإسناد،، وصححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير» (٩٤٥).



وقال ابن بطال: اختلف العلماء في قراءة الفاتحة على الجنازة، فروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وابن عباس، وعثمان بن حنيف، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، أنهم كانوا على ظاهر حديث ابن عباس، وهو قول مكحول والحسن، وبه قَالَ الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: ألا ترى قول ابن عباس: لتعلموا أنها سنة، والمراد: سنة رسول الله - ﷺ -.
وذكر أبو عبيد في «فضائله» عن مكحول قَالَ: أم القرآن قراءة ومسألة (١) ودعاء. وممن لا يقرأ عليها وينكر ذلك عمر، وعلي، وابن عمر، وأبو هريرة. ومن التابعين: عطاء، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحكم (٢)، وبه قَالَ مالك، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه. قَالَ مالك: الصلاة على الجنازة إنما هو دعاء، وليس قراءة فاتحة الكتاب معمولًا بها ببلدنا. وعبارة ابن الحاجب: ولا يستحب دعاء معين اتفاقًا. ولا قراءة الفاتحة على المشهور.
وقال الطحاوي: يحتمل أن تكون قراءة من قرأها من الصحابة على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة، وقالوا: إنها سنة. يحتمل أن الدعاء سنة لما روي عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم أنكروا ذلك، ولما لم يقرأ بعد التكبيرة الثانية دل أنه لا يقرأ فيما قبلها؛ لأن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ولما لم يتشهد في آخرها دل على أنه لا قراءة فيها (٣)، ولا يلزم ذلك؛ إذ كل تكبيرة لها واجب مستقل.

--------
(١) «فضائل القرآن» ص ٢٢٣.
(٢) روى هذِه الآثار ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣١٦ - ٣١٧.



فرع:
عندنا: يدعو للمؤمنين في الثانية استحبابًا، وللميت في الثالثة والرابعة، اللهم لا تحرمنا (١).
فرع:
هل يستحب قراءة السورة عندنا أم لا؟ فيه وجهان: أصحهما: لا.
ونقل الإمام فيه إجماع العلماء (٢).
والثاني: يستحب قراءة سورة قصيرة (٣)، وفيه حديث. قَالَ البيهقي: إنه غير محفوظ (٤). والأصح أنه لا يأتي بافتتاح، نعم يتعوذ (٥).

-----------
(١) انظر: «مختصر المزني» ١/ ١٨٢، «البيان» ٣/ ٦٨، ٧٠.
(٢) انظر «المجموع» ٥/ ١٩٢.
(٣) انظر: «البيان» ٣/ ٦٦ - ٦٧.
(٤) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٨ كتاب: الجنائز، باب: القراءة في صلاة الجنازة.
(٥) انظر: «المجموع» ٥/ ١٩٣.



٦٦ - باب الصَّلَاةِ عَلَى القَبْرِ بَعْدَ مَا يُدْفَنُ
١٣٣٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأَمَّهُمْ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ. قُلْتُ: مَنْ حَدَّثَكَ هَذَا يَا أَبَا عَمْرٍو؟ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ٢٠٤]

١٣٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ أَسْوَدَ -رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً- كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ فَمَاتَ، وَلَمْ يَعْلَمِ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمَوْتِهِ، فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «مَا فَعَلَ ذَلِكَ الإِنْسَانُ؟». قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟». فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا -قِصَّتَهُ- قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ. قَالَ: «فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ». فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: ٤٥٨ - مسلم: ٩٥٦ - فتح: ٣/ ٢٠٤]
ذكر فيه حديث الشعبي السالف في باب: الصلاة على الجنازة (١) وغيره.
وحديث أبي هريرة في ذاك المسكين: (فَصَلَّى عَلَيْهِ). وهذا الحديث سلف بعضه في باب: الإذن بالجنازة معلقًا (٢)، ومسندًا في باب: كنس المسجد (٣)، وقد أسلفنا هناك فوائده.
و(يقم المسجد)، أي: يكنسه، والقمامة: الكناسة.
وقوله: (فحقروا شأنه). قَالَ الداودي: ليس كذلك. وقد بين أنهم إنما امتنعوا للظلمة، وكراهية إيقاظه.
وقد اختلف العلماء فيمن فاتته الصلاة على الجنازة هل يصلي على

--------------
(١) برقم (١٣٢٢).
(٢) برقم (١٢٤٧) كتاب: الجنائز.
(٣) برقم (٤٥٨) كتاب: الصلاة.



القبر؟ فروي عن طائفة من الصحابة وأتباعهم جوازه، وبه قَالَ الشافعي وأحمد (١)، واحتجوا بأحاديث الباب وغيرها، وقالوا: لا يصلى على قبر إلا قرب ما يدفن. وأكثر ما حدوا فيه شهرًا، إلا إسحاق فإنه قَالَ: (يصلي الغائب على القبر إلى شهر) (٢)، والحاضر إلى ثلاثة (٣).
وكره قوم الصلاة على القبر، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا انتهى إلى جنازة قد صلي عليها دعا وانصرف ولم يصل عليها (٤)، وهو قول مالك. قَالَ ابن القاسم: قلتُ لمالك: فالحديث؟ قَالَ: قد جاء، وليس عليه العمل (٥).
وقال أبو الفرج: إنه خاص به؛ لقوله - ﷺ -: «إن هذِه القبور مملوءة ظلمة على أهلها حَتَّى أصلي عليها» (٦) وعبارة ابن الحاجب، ولا يصلى على قبر على المشهور، فإن دفن بغير صلاة فقولان، وعلى النفي. ثالثها: يخرج ما لم يطُل (٧).
وقال أبو حنيفة: لا يصلى على (قبر) (٨) مرتين، إلا أن يصلي عليها

--------------
(١) انظر: «الأم» ١/ ٢٤٠، «المبدع» ٢/ ٢٥٩.
(٢) في الأصل: (يصلي الغائب من شهر إلى شهر) والمثبت من مصادر التخريج.
(٣) انظر: «المغني» ٣/ ٣٥٥، «المحلى» ٥/ ١٤٠.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥١٩ (٦٥٤٥) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الميت بعد ما يدفن.
(٥) انظر: «المدونة» ١/ ١٦٤.
(٦) رواه مسلم (٩٥٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر، وأحمد ٢/ ٣٨٨، والطيالسي في «مسنده» ٤/ ١٩٤ (٢٥٦٨)، وأبو يعلى في «مسنده» ١١/ ٣١٤ (٦٤٢٩)، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٣٥٥ - ٣٥٦ (٣٠٨٦): كتاب الجنائز، باب: فصل في الصلاة على الجنازة.
(٧) «مختصر ابن الحاجب» ص ٦٧ - ٦٨.
(٨) كذا في الأصل ولعل الصواب: جنازة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #272  
قديم 06-02-2026, 04:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 31 الى صـــ 50
الحلقة (272)






غير وليها، فيعيد وليها الصلاة عليها (١). وقال الطحاوي: يسقط الفرض بالصلاة الأولى إذا صلى عليها الولي، والثانية لو فعلت لم تكن فرضًا، فلا يصلى عليه؛ لأنهم لا يختلفون أن الولي إذا صلى عليه، لم يجز له إعادة الصلاة ثانيًا؛ لسقوط الفرض. قَالَ: وكذلك غيره من الناس، إلا أن يكون الذي صلى عليها غير الولي فلا يسقط حق الولي؛ لأن الولي كان إليه فعل فرض الصلاة على الميت.
وما روي عن الشارع في إعادة الصلاة، فلأنه كان إليه فرض فعل الصلاة، فلم يكن يسقطه فعل غيره. وقد كان - ﷺ - تقدم إليهم أن يعلموه. وقد قَالَ - ﷺ -: «لا يموت منكم ميت ما دمت بين أظهركم إلا آذنتموني به؛ فإن صلاتي عليه رحمة» (٢).
وقد ذكر ابن القصار نحو هذِه الحجة سواء، واحتج أيضًا بالإجماع في ترك الصلاة على قبر النبي - ﷺ -. ولو جاز ذلك لكان قبره أولى أن يصلى عليه أبدًا، وكذا أبو بكر وعمر، فلما لم ينقل أن أحدًا صلى عليهم كان ذلك من أقوى الدلالة على أنه لا يجوز.

------------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٢.
(٢) رواه النسائي ٤/ ٨٤ - ٨٥ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر، وابن ماجه (١٥٢٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على القبر، وأحمد ٤/ ٣٨٨، وأبو يعلى ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ (٩٣٧).
وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧ (٣٠٨٧) كتاب: الجنائز، باب: فصل في الصلاة على الجنازة، والطبراني ٢٢/ ٢٤٠ (٦٢٨)، والحاكم ٣/ ٥٩١ كتاب: معرفة الصحابة، والبيهقي ٤/ ٤٨ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن الميت.
وصححه الألباني في «الإرواء» ٣/ ١٨٥ (٧٣٦)، وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٩٤.



واختلفوا فيمن دفن ونسيت الصلاة عليه، فقال أبو حنيفة ومحمد: يصلى على القبر ما بينهم وبين ثلاث (١). وقال ابن وهب: إذا ذكروا ذلك عند انصرافهم من دفنه، فإنه لا ينبش، وليصلوا على قبره. وقاله يحيى بن يحيى (٢): وعن ابن القاسم أنه يخرج بحضرة ذلك ويصلى عليه، وإن خافوا أن يتغير (٣). وقاله عيسى بن دينار، وعن ابن القاسم قَالَ: وكذلك إذا نسوا غسله مع الصلاة عليه (٤). وعن مالك: إذا نسيت حين فرغ من دفنه، لا ينبش، ولا يصلى على قبره، ولكن يدعون له. وهو قول أشهب وسحنون، ولم يروا بالصلاة على القبر (٥).
------------
(١) هذا القول منسوب في «المبسوط» ٢/ ٦٩، «بدائع الصنائع» ١/ ٣١٥ لأبي يوسف ومحمد.
(٢) كذا بالأصل، أما قول يحيى بن يحيى فهو: لا يُنْبَشُ، قَرُبَ ذلك أو بعُدَ، وليصلوا على قبره، انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣١.
(٣) كذا بالأصل، وتتمة الكلام: وإن خافوا أن يتغير، صلوا على قبره، انظر: «النوادر
والزيادات» ١/ ٦٣١.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣٠ - ٦٣١.
(٥) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥، «البيان والتحصيل» ٢/ ٢٥٥.



٦٧ - باب المَيِّتُ يَسْمَعُ خَفْقَ النِّعَالِ
١٣٣٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا ابْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «العَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -؟ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَي مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ -قَالَ النَّبِيُّ: - ﷺ - فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا- وَأَمَّا الكَافِرُ -أَوِ المُنَافِقُ- فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ». [١٣٧٤ - مسلم: ٢٨٧٠ - فتح: ٣/ ٢٠٥]
حدثنا عَيَّاشٌ، ثنا عَبْدُ الأَعْلَى، ثنا سَعِيدٌ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: ثنا ابن زُرَيْع، ثنا سَعيدٌ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قبْرِهِ، وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ ..» الحديث.
وعند مسلم قَالَ قتادة، وذكر أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعًا ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون (١).
وقوله: (وقال لي خليفة). قد سلف أنه إذا قَالَ مثل هذا، يكون أخذه عنه في المذاكرة غالبًا، لا جرم. قَالَ أبو نعيم الأصبهاني: إن البخاري رواه عن خليفة وعياش الرقام.
وللالكائي: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم عذاب

----------------
(١)»صحيح مسلم" (٢٨٧٠/ ٧٠) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه.


القبر» (١). وفي الباب عن أبي هريرة (٢) والبراء (٣)، وللترمذي: «ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، والآخر: النكير» (٤) وفي «الأوسط» للطبراني: «أعينهما مثل قدور (النحاس) (٥)، وأنيابهما مثل صياصي البقر» (٦) وللنسائي في «كناه»: «منكر ونكير وأنكر» زاد ابن الجوزي بسند ضعيف: «ناكور وسيدهم رومان».
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله: («إذا وضع في قبره») كيفية وضعه: أن يكون مستقبل القبلة على شقه الأيمن؛ لأنه كذلك فعل برسول الله - ﷺ -، وكذلك كان يفعله،

--------------
(١) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٦/ ١٢٠٣ (٢١٣١).
(٢) رواه الترمذي (١٠٧١) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر، وابن أبي عاصم في «السنة» ص ٤٠٢ - ٤٠٣ (٨٦٤)، وابن حبان في «صحيحه» ٧/ ٣٨٦ (٣١١٧) كتاب: الجنائز، باب: فصل في أحوال الميت، والآجرى في «الشريعة» ٣/ ١٢٨٨ - ١٢٨٩ (٨٥٨)، وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي» (٨٥٦)، وانظر «الصحيحة» (١٣٩١).
(٣) رواه أبو داود (٤٧٥٣ - ٤٧٥٤) كتاب: السنة، باب: المسألة في القبر وعذاب القبر، والنسائي ٤/ ٧٨ كتاب: الجنائز، باب: الوقوف للجنائز، وابن ماجه (١٥٤٩) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الجلوس في المقابر.
وأحمد ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، والطبري في «تفسيره» ٧/ ٤٥٠ (٢٠٧٧١)، والحاكم ١/ ٣٧ - ٣٨ كتاب: الإيمان.
وصححه الألباني في «المشكاة» ١/ ٥١٢ (١٦٣٠).
(٤) «سنن الترمذي» (١٠٧١) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر.
(٥) في الأصل: الناس، والصواب ما أثبتناه من مصادر التخريج.
(٦) «المعجم الأوسط» ٥/ ٤٤ (٤٦٢٩)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن أبي أمامة بن سهل ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان إلا موسى بن جبير، تفرد به ابن لهيعة، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٥٤: فيه كلام.



فلو وضع على اليسار كره ولم ينبش. وقضية كلام بعض أصحابنا أنه لا يجوز. وأما وضعه للقبلة فهو واجب على الأصح (١).
وقوله: («وتولى وذهب عنه أصحابه») كرر اللفظ، والمعنى واحد.
ثانيها:
(«قرع نعالهم»): صوتها عند المشي. وهو دال على جواز لبس النعل لزائر القبور الماشي بين ظهرانيها.
وأما حديث: صاحب السبتيتين: «ألقِ سبتيتيك» أخرجه الحاكم عن بشير بن الخصاصية، وصحح إسناده (٢)، وكذا ابن حزم (٣). وقال أحمد: إسناده جيد (٤). وقال عبد الله بن أحمد: سمعت بعض الأشياخ -وأظنه أبي- يقول: كان يزيد بن زريع في جنازة فأراد أن يدخل المقابر فوقف. وقال: حديث حسن، وشيخ ثقة، وخلع نعليه ودخل.
وفي «علل الخلال»: قَالَ محمد بن عوف: رأيتُ أحمد أتى المقبرة

----------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٢) «المستدرك» ١/ ٣٧٣.
ورواه أبو داود (٣٢٣٠)، والنسائي ٤/ ٩٦، وابن ماجه (١٥٦٨)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٧٧٥، ٨٢٩)، والبيهقي ٤/ ٨٠ من طريق الأسود بن شيبان عن خالد بن سميرعن بشير بن نهيك عن بشير، به.
(٣) انظر: «المحلى» ٥/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٤) نقله عنه صاحب «المغني» ٣/ ٥١٤.
وروى ابن ماجه (١٥٦٨) عن محمد بن بشار عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان عبد الله بن عثمان يقول: حديث جيد ورجل ثقة.
وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٢٨٨، وفي «خلاصة الأحكام» ٢/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠ (٣٨١٨)، وفي «الأذكار» (٤٩٢، ٨١٤): إسناده حسن.
وقال الحافظ الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٤٣١ (٦٤٠١): إسناده صالح. وصحح الألباني إسناده في «الإرواء» (٧٦٠).



فنزع نعليه، فسئل عن ذلك، فحَدَّثنَا بحديث بشير.
وذكر عبد الحق عن ابن أيمن أن بشيرًا هو المقول له (١)، فأجاب الخطابي عنه بأن قَالَ: يشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيها من الخيلاء؛ لأنها من لباس أهل الشرف والتنعم، فأحب أن يكون دخوله المقبرة على زي التواضع والخشوع (٢). واعترضه ابن الجوزي فقال: هذا تكلف منه؛ لأن ابن عمر كان يلبس النعال السبتية، ويتوخى السنة في نعاله، إما لأن نعاله - ﷺ - كانت سبتية، أو لأن السبتية تشبهها، وما كان ابن عمر يقصد التنعم بل يقصد السنة.
وليس في هذا الحديث سوى الحكاية عمن يدخل المقابر، وذلك لا يقتضي إباحة ولا تحريمًا، ويدل على أنه أمره بخلعهما احترامًا للقبور؛ لأنه نهى عن الاستناد إليه والجلوس عليه، وأحسن من ذلك كله أنه ورد في بعض الأحاديث أن صاحب القبر كان يسأل فلما سمع صرير السبتيتين أصغى إليه، فكاد يهلك؛ لعدم جواب الملكين، فقال له - ﷺ -: «ألقهما؛ لئلا تؤذي صاحب القبر» ذكره أبو عبد الله الحكيم الترمذي. وأبعد ابن حزم فقال: يحرم المشي بهما بين القبور (٣)، ولا يكره عندنا المشي بالنعلين فيها (٤). وقال الماوردي: يخلعهما، على طِبق الحديث (٥). وكرهه أحمد كما سلف (٦)، وسواء فيه النعل والخف، وأكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسًا.

----------------
(١) «الأحكام الوسطى» ٢/ ١٤٨ - ١٤٩ حيث قال: خرج محمد بن عبد الملك بن أيمن عن بشير … الحديث.
(٢) «معالم السنن» ١/ ٢٧٦.
(٣) «المحلى» ٥/ ١٣٧.
(٤) انظر: «البيان» ٣/ ١٢٥.
(٥) «الحاوي» ٣/ ٦٩.
(٦) انظر: «المغني» ٣/ ٥١٤.



ثالثها:
قوله: («أتاه ملكان») هما منكر ونكير كما سلف.
وقوله: «فيراهما جميعًا» يعني: الجنة والنار، وقوله: («وأما الكافر، أو المنافق») الذي يدل عليه الحديث أنه المنافق؛ لأنه يقر بلسانه ولا يصدق بقلبه، فيقول: «لا أدري كنت أقول ما يقول الناس». والكافر لم يكن يقول ذلك.
رابعها:
قوله: («فيقال له: لا دريت») قَالَ الداودي: أي: لا وقفت على مقامك هذا، ولا في البعث: («ولا تليت»): قَالَ: أي: لا تَبِعتَ الحق.
وقال غيره: وقع هنا: «تليت» على وزن فعلت، والصواب: لا أتليت. على وزن (أفعلت) (١). من قولك: ما ألوت. أي: ما استطعت، يريد: لا دريت ولا استطعتَ أن تدري (٢). قاله الأصمعي.
وقال الفراء: لا دريتَ ولا ائتليتَ. أي: ولا قصرت في طلب الدراية ثم لا تدري؛ ليكون ذلك أشقى لك. قَالَ: وهو افتعلت، من ألوت في الشيء إذا قصرت فيه.
قَالَ القزاز: وقيل: الرواية: لا دريت ولا أتليت. من الإتلاء، أي: لا أتلت إبلك. أي: ولا ولدت أولادًا تتلوها. قال ابن سراج: وهذا بعيد في دعاء الملكين للميت، وأي مال له؟! وقيل: لا دريت ولا أحسنت أن تتبع من يدري. وحكي: ولا تليت. بمعنى: تلوت على الاتباع لدريت، وهذا قاله القزاز في مَثَل تقوله العرب في الدعاء على الإنسان. وقول

----------------
(١) في الأصل: افتعلت.
(٢) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ١٩٥ - ١٩٦، و«لسان العرب» ١/ ٤٤٥.



الداودي غير بيِّن فلا وجه له إلا أنْ يريد: ولا وقفتَ بحجةٍ في مقامك هذا، ولا في البعث. قَالَ أبو عبد الملك: ويقرأ: ولا تليت بإسكان التاء وفتحها، ومعناه بفتحها: ولا اتبعت. مأخوذة من تلاوة القرآن التي يتبع بعضها بعضًا.
وقال صاحب «المطالع»: قيل: معناه: لا تلوت، يعني: القرآن.
أي: لم تدر ولم تتل. أي: لم تنتفع بدرايتك وتلاوتك كما قَالَ: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ [القيامة: - ٣١] قاله أبو الحسين، وَرَدَّ قوله ابن الأنباري وغيره، وجاء في «مسند أحمد» من حديث البراء بن عازب: «لا دريت ولا تلوت» (١) أي: لم تتل القرآن فلم تنتفع بدرايتك ولا تلاوتك. وهذا التفسير صريح مغن عن كل ما قيل فيه.
فائدة:
قيل في قوله تعالى: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤] قيل: في القبر إذا انصرف الملكان، إن كان سعيدًا كان روحه في الجنة، وإن كان شقيًّا ففي سجين على صخرة على شفير جهنم في الأرض السابعة.
وعن ابن عباس: يكون قوم في البرزخ ليسوا في جنة ولا نار. ويدل عليه قصة أصحاب الأعراف، والله أعلم ما يقال لمن يدخل من أصحاب الكبائر، إن كان يقال له: نم صالحًا، أو يسكت عنه.
وقيل: إن أرواح السعداء تطلع على قبورها، وأكثر ما يكون منها ليلة الجمعة ويومها وليلة السبت إلى طلوع الشمس، فإنهم يعرفون أعمال الأحياء، يسألون: من مات من السعداء ما فعل فلان؟ فإن ذكر خيرًا قَالَ: اللهم ثبته. وإن كان غيره قَالَ: اللهم راجع به. وإن

---------------
(١) «مسند أحمد» ٤/ ٢٩٥.


قيل لهم: مات. قيل: ألم ياتكم؟ قالوا: إن لله وإنا إليه راجعون، سلك به طريقًا غير طريقنا، هوى به إلى أمه الهاوية. وقيل إنهم: إذا كانوا على قبورهم يسمعون من يسلم عليهم، فلو أذن لهم لردوا السلام (١).
خامسها:
الثقلان: الجن والإنس، قَالَ ابن الأنباري: إنما قيل لهما: الثقلان؛ لأنهما كالثقل للأرض وعليها، والثقل بمعنى: الثقيل، وجمعها: أثقال، ومجراهما مجرى قول العرب: مثْلُ ومَثَل وشبْه وشَبَه، وكانت العرب تقول للرجل الشجاع: ثقل على الأرض، فإذا مات أو قتل سقط ذلك عنها. قالت الخنساء ترثي أخاها:

-----------
(١) أما قوله أنها تطلع على قبورها وأكثر ما يكون منها ليلة الجمعة ويومها وليلة السبت إلى طلوع الشمس، فهذا تحديد لا دليل عليه.
وأما قوله إنهم يعرفون أعمال الأحياء فقد روي ما يدل عليه موقوفًا عن أبي الدرداء كما في «زوائد الزهد» لنعيم بن حماد (١٦٥) أنه قال: إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيسرون ويساءون.
قال الألباني في «الصحيحة» ٦/ ٦٠٧ هذا إسناد رجاله ثقات. اهـ.
وأما قوله إنهم يسألونهم ما فعل فلان فقد روي ما يدل عليه من حديث أبي هريرة مرفوعًا كما عند النسائي في «الكبرى» ١/ ٦٠٣ (١٩٥٩)، وابن حبان ٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥ (٣٠١٤)، والحاكم ١/ ٣٥٣ وفيه:
فيأتون بأرواح المؤمنين فلهم أشد فرحًا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألون: ما فعل فلان، ما فعل فلان؟ فيقولون: دعوه فإنه كان في غم الدنيا، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية.
قال الحاكم: صحيح. وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ٣/ ٤٠١ - ٤٠٢٥ (٣٥٥٩).
وأخرجه ابن المبارك موقوفًا على أبي أيوب في «الزهد» (٤٤٣)، وقال الألباني في «الصحيحة» ٦/ ٦٠٤ (٢٧٥٨): إسناده صحيح. اهـ.



أبعد ابن عمرو من آل الشريد … حلت به الأرض أثقالها
سادسها:
قوله: («ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة») وفي رواية: «بمطارق من حديد» (١) وفي أخرى: «ضربة من حديد» أي: من رجل حديد، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه، قَالَ أبو الحسن: معناه: من خنق شديد الغضب.
سابعها:
سماع قرع نعله وكلامه مع الملكين يبين أن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] أنه على غير العموم، وقال المهلب: لا معارضة بينهما؛ لأن كل ما نسب إلى الموتى من إسماعِ النداء والنوح فهي في هذا الوقت عند الفتنة، أول ما يوضع الميت في قبره أو متى شاء الله إلى أن ترد أرواح الموتى ردها إليهم لما يشاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣] ثم قَالَ بعد ذلك: لا يسمعون كما قَالَ تعالى: ﴿إِنّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢].
ثامنها:
فيه: أن فتنة القبر حق، وهو مذهب أهل السنة كما ستعلمه -إن شاء الله- في بابه.
تاسعها:
المراد من يليه من الملائكة: الذين يلون فتنته ومسألته وما يليه في قبره، وإنما منعت الجن سماع هذِه الصيحة، ولم تمتع سماع كلام

------------
(١) سيأتي برقم (١٣٧٤) باب،: ما جاء في عذاب القبر.


الميت إذا حمل وقال: قدموني، قدموني. كما سلف؛ لأن كلام الميت حين يحمل إلى قبره فيه حكم الدنيا، وليس فيه شيء من الجزاء والعقوبة؛ لأن الجزاء لا يكون إلا في الآخرة، وإنما كلامه اعتبار لمن سمعه وموعظة فأسمعها الله الجن؛ لأنه جعل فيهم قوة يثبتون بها عند سماعه، ولا يصعقون، بخلاف الإنسان الذي كان يصعق لو سمعه.
وصيحة الميت في القبر عند فتنته هي عقوبة وجزاء فدخلت في حكم الآخرة؛ فمنع الله الثقلين الذين هما في دار الدنيا سماع عقوبته وجوابه في الآخرة، كما سمَّعه وأسمعه سائر خلقه.


٦٨ - باب مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا
١٣٣٩ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَي مُوسَى عليهما السلام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَي رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَي عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ. فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ بِهِ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ المَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ». قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَي جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ». [٣٤٠٧ - مسلم: ٢٣٧٢ - فتح: ٣/ ٢٠٦]
ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّزَّاقِ، ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَي مُوسَى عليهما السلام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَي رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَني إِلَي عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ. فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ .. الحديث .. فَسَأَل اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ إليه فَلَوْ كنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ في جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ».
هذا الحديث ذكره أيضًا في أحاديث الأنبياء، وقال في آخره: وأخبرنا معمر، عن همام ثنا أبو هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه (١). أي: مثل ما ذكره سواء، وفيه زيادة الرفع الذي عابه به الإسماعيلي بقوله: أول هذا الحديث موقوف، وهو ما خرجه مسلم عن محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام قَالَ: هذا ما حَدَّثنا أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ -: «جاء ملك الموت» الحديث، وفي بعض نسخه قَالَ أبو إسحاق -يعني: إبراهيم بن سفيان-: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى

------------
(١) برقم (٣٤٠٧) باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.


ثنا عبد الرزاق أنا معمر، بمثله (١)، ووقع في الحميدي أن مسلمًا رواه من جهة همام منفردًا به عن البخاري (٢). وصوابه: العكس.
إذا تقرر ذلك فقد أنكر بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث كما قَالَ ابن خزيمة، وقالوا: لا يخلو أن يكون موسى عرف ملك الموت أو لم يعرفه، فإن كان عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عيانًا لا معنى لها، ثم إن الله تعالى لم يقتص لملك الموت من اللطمة وفقء العين والله تعالى لا يظلم أحدًا، وهذا اعتراضُ مَنْ أعمى الله بصيرته.
ومعنى الحديث صحيح، وذلك أن موسى لم يبعث الله إليه الملك وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه اختبارًا وابتلاءً، كما أمر الله خليله بذبح ولده ولم يُرد إمضاء ذلك، ولو أراد أن تقبض روح موسى حين لطم الملك لكان ما أراد، وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذ رأى آدميًا دخل عليه ولا يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم من غير إذن (٣) ومحال أن يعلم موسى أنه مَلَك الموت ويفقأ عينه، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم فلم يعرفهم ابتداء، ولو علمهم لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلًا؛ لأنهم لا يطعمون، وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه ولو عرفته لما

-------------
(١) مسلم (٢٣٧٢/ ١٥٨) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى - عليه السلام -.
(٢) «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ١٣٩.
(٣) سيأتي خبر يدل على ذلك برقم (٥٩٢٤) كتاب: اللباس، باب: الامتشاط. عن سهل بن سعد أن رجلًا اطلع من جحر في دار النبي - ﷺ - والنبي - ﷺ - يحك رأسه بالمدرى، فقال: «لو علمت أنك تنظر لطعنت بها عينك، إنما جعل الاذن من قبل الأبصار».



استعاذت منه، وقد دخل الملكان على داود في شبه آدميين يختصمان عنده فلم يعرفهما، وقد جاء جبريل إلى سيدنا رسول الله - ﷺ - وسأله عن الإيمان ولم يعرفه، وقال: «ما أتاني في صورةٍ قط إلا عرفتُه فيها غير هذه المرة» (١) فكيف يستنكر أن لا يعرف موسى الملك حين دخل عليه.
واعترض على هذا بما في الحديث: «يا رب أَرْسَلْتَنِي إِلَي عَبْدٍ لَا يُرِيدُ المَوْتَ»، فلو لم يعرفه موسى لما صح هذا من الملك.
وأما قول الجهمي: إن الرب تعالى لم يقتص للمَلَك؛ فهو دليل على جهله، ومن أخبره أن بين الملائكة والآدميين قصاصًا؟! ومن أخبره أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له؟! وقد أخبر الله تعالى أن موسى قتل نفسًا ولم يقتص منه، وما الدليل على أن ذلك كان عمدًا، وقد أخبر نبينا - ﷺ - أن الله تعالى لم يقبض نبيًّا حَتَّى يريه مقعده من الجنة ويخيره (٢) فلم ير أن يقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة ويخيره، ويدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ثانيًا استسلم.
وقول من قَالَ: فقأ عينه بالحجة ليس بشيء لما في الحديث: «فردَّ الله عينَهُ»، فإن قيل: رد حجته فغير جيد أيضًا، وقال ابن قتيبة في «مختلفه»: أذهب موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست على

--------
(١) هذا جزء من حديث رواه أحمد ١/ ٥٢ - ٥٣، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧ (٥٨٨٣) كتاب: العلم، باب: توقير العلماء.، والطبراني ١٢/ ٤٣٠ - ٤٣١ من حديث ابن عمر رضي الله عنه وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٤١: رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٣٧) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ورواه مسلم برقم (٢٤٤٤) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: في فضل عائشة.



حقيقته، وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقه الروحاني كما كان ولم ينقص منه شيء (١)، وذكر ابن عقيل أنه يجوز أن يكون موسى أُذن له في ذلك الفعل بالملك، وابتلي الملك بالصبر عليه كما جرى له مع الخضر.
وفي قوله: «يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِكُلِّ مَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ» دلالة أن الدنيا بقي منها كثير، وإن كان قد ذهب أكثرها؛ لأنه لم يكن ليعده ما لا تبقى الدنيا إليه، وقيل: فيه الزيادة في العمر مثل الحديث الآخر «مَنْ سرَّه أنْ يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» (٢) وهو يؤيد قول من قَالَ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ [فاطر:١١] الآية أنه زيادة ونقص في الحقيقة.
وقوله: «ثم ماذا؟» وفي رواية: «ثم مَه؟» وهي ما الاستفهامية، لما وقف عليها زاد هاء السكت.
وقوله: «قَالَ: فالآن» هو ظرف زمان غير متمكن، وهو اسم لزمان الحال، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، وهو يدل على أن موسى لما خيره الله تعالى اختار الموت؛ شوقًا إلى لقاء ربه تعالى، كما خير نبينا - ﷺ - فقال: «الرفيق الأعلى» (٣).
وقوله: «أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ» هي بيت المقدس، وكان

-----------
(١) «تأويل مختلف الحديث» ص ٤٠٢.
(٢) سيأتي برقم (٢٠٦٧) كتاب: البيوع، باب: قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ من حديث أنس رضي الله عنه، ورواه مسلم برقم (٢٥٥٧) كتاب: البر والصلة، باب: صلة الرحم.
(٣) سيأتي برقم (٤٤٣٦) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته، ورواه مسلم برقم (٢٤٤٤) كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة رضي الله عنها عن عائشة قالت: لما مرض النبي - ﷺ - المرض الذي مات فيه، جعل يقول: «في الرفيق الأعلى».



موته بالتيه، وسؤاله الدنو منه ولم يسأل نفس البيت؛ لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا فيفتتن به الناس، كما أخبر الشارع أن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (١)، وسؤاله الدنو منها؛ لفضل من دفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين، فاستحب مجاورتهم في الممات كما في الحياة؛ ولأن الفضلاء يقصدون المواضع الفاضلة ويزورون قبورها ويدعون لأهلها، وقال المهلب: إنما سأل الدنو منها؛ ليسهل على نفسه؛ ويسقط عنها المشقة التي تكون على من هو بعيد منها وصعوبته عند البعث والحشر، ومعنى بعده منها برمية حجر؛ ليُعْمَى قبره كما سلف.
وقوله: «لو كنت ثَمَّ» هو اسم إشارة، وهو مفتوح الثاء، ولما عُرج بنبينا - ﷺ - رأى موسى قائمًا يصلي في قبره (٢).
وذكر ابن حبان في «صحيحه» أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس (٣)، واعترض أيضًا محمد بن عبد الواحد في كتابه: «علل أحاديث في هذا الصحيح» فقال: قوله: بمدين فيه نظر؛ لأن مدين ليست قريبة من القدس ولا من الأرض المقدسة (٤).

-----------
(١) سبق ما يدل على ذلك برقم (١٣٣٠) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ورواه مسلم برقم (٥٢٩) كتاب: المساجد، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، كلاهما عن عائشة رضي الله عنها.
(٢) رواه مسلم (٢٣٧٥) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى - عليه السلام -.
(٣) «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٥٠).
(٤) مَدْيَن: هي مدينة شعيب - عليه السلام -، بين وادي القرى والشام، قاله الحازمي. وقيل: مدين تجاه تبوك بين المدينة والشام على ست مراحل وبها استقى موسى - عليه السلام -.
وقال البكري: مدين: بلد بالشام معلوم تلقاء غزة، انظر: «معجم ما استعجم» ٤/ ١٢٠١، «معجم البلدان» ٥/ ٧٧.



وقد اشتهر أن قبرًا بأريحا -وهي من الأرض المقدسة- يزار ويقال: إنه قبر موسى، وعنده كثيب أحمر -كما في الحديث- وطريق، وقد زرناه وختمنا به ختمة، وقرأنا به جزءًا في فضائله عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقال ابن التين: قولى: «أَنْ يُدْنِيَهُ (١) مِنَ الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ» يعنى: الشام، وتفسير: «المقدسة»: المطهرة. قَالَ: وقوله: «عَلَى رميةِ حجرٍ» يحتمل أن يكون على قربها دونها قدر رمية حجر، أو محل من طرفها قدر ذلك، قيل: والأول أشبه أنه سأل أن يقرب إليها ولو رمية بحجر على وجه الرغبة في القرب منها. قَالَ: وإنما سأله ذلك؛ لأنه لم يدفن نبي إلا حيث قبض، وكل هذا سبق في علم الله كونه، والكَثِيْب: الكدية من الرمل.

-------------
(١) ورد في الأصل أعلى هذِه الكلمة: قاله المصنف.


٦٩ - باب الدَّفْنِ بِاللَّيْلِ
وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ لَيْلًا.

١٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ، قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». فَقَالُوا: فُلَانٌ، دُفِنَ البَارِحَةَ. فَصَلَّوْا عَلَيْهِ. [انظر: ٨٥٧ - مسلم: ٩٥٤ - فتح: ٣/ ٢٠٧]
وعَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى رَجُلٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِلَيْلَةٍ، قَامَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ: «مَنْ هذا؟». قَالُوا: فُلَانٌ، دُفِنَ البَارِحَةَ. فَصَلَّوْا عَلَيْهِ.
الشرح:
أما دفن الصديق ليلًا فأخرجه ابن أبي شيبة عن القاسم بن محمد (١)، ثم روى عن ابن السباق أن عمر دفن أبا بكر ليلًا ثم دخل المسجد فأوتر (٢)، ثم رواه كذلك عن عقبة وعائشة (٣). وحديث ابن عباس سلف في الإذن بالجنازة (٤).
أما حكم الباب: فالدفن جائز ليلًا ونهارًا من غير كراهة، وهو مذهب العلماء كافة إلا الحسن البصري فإنه كرهه (٥)، وكذا قتادة كما رواه عنه ابن أبي شيبة (٦)، وسعيد بن المسيب كما ذكره ابن حزم (٧)

------------
(١) «المصنف» ٣/ ٣٣ (١١٨٢٨) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الدفن بالليل.
(٢) «المصنف» ٣/ ٣٣ (١١٨٣٠).
(٣) «المصنف» ٣/ ٣٣ (١١٨٢٧) عن عقبة، وبرقم (١١٨٣٣) عن عائشة رضي الله عنها.
(٤) برقم (١٢٤٧) كتاب: الجنائز.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤ (١١٨٣٧).
(٦) «المصنف» ٣/ ٣٣ (١١٨٢٩).
(٧) «المحلى» ٥/ ١١٥.



وكذا الدارمي من أصحابنا، لنا أن الخلفاء -ما عدا عليًّا- وعائشة وفاطمة دفنوا ليلًا (١).
وقد فعله عليه أفضل الصلاة والسلام أيضًا كما رواه أبو داود وصححه الحاكم من حديث جابر ولم ينكر على من دفن ليلًا (٢). كما سلف، نعم الدفن نهارًا أفضل؛ لأنه أيسر للاجتماع وخروجًا من

------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣ (١١٨٢٥ - ١١٨٢٦)، (١١٨٣٣)، (١١٨٣٨).
(٢) «سنن أبي داود» (٣١٦٤) كتاب: الجنائز، باب: في الدفن بالليل. و«المستدرك» ١/ ٣٦٨، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الذهبي: على شرط مسلم، وله شاهد بإسناد معضل
وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٣٠٢: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وقال الألباني بعد أن حكى أقوال الحاكم والذهبي والنووي: وكل ذلك خطأ فإن مدار إسناده على محمد بن مسلم الطائفي وهو وإن كان ثقة في نفسه فقد كان ضعيفًا في حفظه ولذلك لم يحتج الشيخان به، وإنما روى له البخاري تعليقًا، ومسلم استشهادًا، ومن العجائب أن الحاكم والذهبي على علم ببعض هذا، فقد ذكر المزِّي أن الطائفي هذا ليس له في مسلم إلا حديث واحد، قال الحافظ ابن حجر: وهو متابعة عنده كما نص عليه الحاكم. أهـ. وكذلك صرح الذهبي في ترجمته من «الميزان» أن مسلمًا روى له متابعة، وله شاهد آخر من حديث أبي ذر نحوه أخرجه الحاكم بسند فيه رجل لم يُسم وبقية رجاله ثقات. أهـ. «أحكام الجنائز» ص ١٨٠ - ١٨١.
قلت: محمد بن مسلم الطائفي؛ قال أحمد: ما أضعف حديثه. وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثقة لا بأس به، وابن عيينة أثبت منه، وكان إذا حدث من حفظه يخطئ وإذا حدث من كتابه فليس به بأس وابن عينية أوثق منه في عمرو بن دينار، وقال البخاري عن ابن مهدي: كتبه صحاح، وقال أبو داود: ليس به بأس وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ وقال الساجي: صدوق ويهم. وقال ابن حجر: صدوق يهم في الحديث. انظر: «الثقات» ٧/ ٣٩٩، و«تهذيب التهذيب» ٣/ ٦٩٦، و«التقريب» ص ٥٠٦ (٦٢٩٣).



خلاف من كرهه.
وأما حديث جابر في مسلم: زجر النبي - ﷺ - أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إلى ذلك (١).
وللطحاوي من حديث ابن عمر أنه - ﷺ - نهى عن الدفن ليلًا. فقال الطحاوي: يجوز أن يكون النهي عن ذلك ليس من طريق كراهية الدفن بالليل؛ لأنه أراد - ﷺ - أن يصلي على جميع الموتى بالمدينة لما لهم في ذلك من الخير والفضل.
وقيل: إنما نهى عن ذلك لمعنى آخر رواه أشعث عن الحسن أن قومًا كانوا يسيئون أكفان موتاهم، فنهى عن دفن الليل لذلك (٢)، وروي عن جابر (٣) بن عبد الله نحو ذلك، وقد فعل ذلك برسول الله - ﷺ -. ولابن شاهين من حديث عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «بادِرُوا بموتاكُم ملائكة النهار؛ فإنهم أرأفُ من ملائكة الليل» (٤).
وقال ابن المنذر: أجاز أكثر العلماء الدفن ليلًا، وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق، ودفن سيدنا رسول الله - ﷺ - ليلًا وكذا عثمان وعائشة وفاطمة وابن مسعود وإبراهيم النخعي (٥). قَالَ ابن شاهين: وهذا يدل على نسخ الأول (٦).

---------------
(١) «صحيح مسلم» (٩٤٣) كتاب: الجنائز، باب: في تحسين كفن الميت.
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٥١٣.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: فيه ابن عقيل.
(٤) «الناسخ والمنسوخ» ١/ ٢٨١ (٣١٩)، قال الألباني في «ضعيف الجامع الصغير» (٢٠١٧): ضعيف.
(٥) «الأوسط» ٥/ ٤٥٩ - ٤٦١.
(٦) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ١/ ٢٨٢.



ودفن الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر ليلًا كما أخرجه أبو داود (١) بإسناد جيد، ورخص في ذلك عقبة بن عامر وعطاء، وهو قول الزهري والثوري وابن أبي حازم ومطرف بن عبد الله، ذكره ابن حبيب (٢).
ولابن شاهين: سُئل أنس عن الدفن بالليل فقال: ما الدفن بالليل إلا كالدفن بالنهار، ودفن شريح ابنه ليلًا (٣).
وعن ابن عمر مرفوعًا: «مَنْ ماتَ عشيةً فلا يبيتن إلا في قَبْرِه» (٤).

---------------
(١) «سنن أبي داود» (٣١٦٤) كتاب: الجنائز، باب: في الدفن بالليل.
(٢) انظر: «النوادر والزيادت» ١/ ٦٥١ - ٦٥٢.
(٣) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ١/ ٢٨٣.
(٤) رواه ابن شاهين في «ناسخه ومنسوخه» ١/ ٢٨٤ (٣٢٥)، والطبراني ١٢/ ٤٢١ (٣٥٥١) وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٤٩٢ ترجمة (٣٩٥).
قلت: مدار الحديث على الحكم بن ظهير وهو كما قال النسائي: كوفي، متروك الحديث، وقال ابن معين: كذاب. وقال السعدي: ساقط، وقال البخاري: الحكم بن ظهير عن السدي وعاصم منكر الحديث. انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٤٥ (٢٦٩٤) و«الكامل» ٢/ ٤٩٢ (٣٩٥). والحديث كذلك ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٦٥٩).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #273  
قديم 06-02-2026, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 51 الى صـــ 70
الحلقة (273)






٧٠ - باب بِنَاءِ المَسْجِدِ عَلَى القَبْرِ
١٣٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ رضي الله عنهما أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ». [انظر: ٤٢٧ - مسلم: ٥٢٨ - فمّح: ٣/ ٢٠٨]
ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ - ﷺ - ذَكَرَ نِسَائِهِ كَنيسَةً بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إلى أن قال: «.. بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا …» الحديث.
وقد سلف بعد باب الصلاة في البيعة (١)، وإنما ذمهم - ﷺ - وجعلهم شرار الخلق؛ لأنهم كانوا يعبدون تلك القبور، وقد سلف أنه خشي أن يتخذ قبره مسجدًا (٢)؛ ولهذا لم يبرز، سدًّا للذريعة في ذلك؛ لئلا يعبد قبره، وسيأتي إن شاء الله في اللباس (٣) وغيره.

--------------
(١) برقم (٤٣٤) كتاب: الصلاة.
(٢) برقم (١٣٣٠) كتاب: الجنائز، باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور.
(٣) سيأتي برقم (٥٨١٥، ٥٨١٦) باب: الأكسية والخمائص.



٧١ - باب مَنْ يَدْخُلُ قَبْرَ المَرْأَةِ
١٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: «فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا». فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا فَقَبَرَهَا.
قَالَ ابْنُ مُبَارَكٍ: قَالَ فُلَيْحٌ: أُرَاهُ يَعْنِي: الذَّنْبَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ [الأنعام: ١١٣] أَيْ: لِيَكْتَسِبُوا. [انظر: ١٢٥٨ - فتح: ٣/ ٢٠٨]
ذكَرَ فيه حديث أنس: «هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟» .. الحديث.
وقد سلف في أثناء تعذيب الميت ببكاء بعض أهله عليه، وذهب العلماء إلى أن زوج المرأة أولى بإلحادها من الأب والأم. ولا خلاف بينهم أنه يجوز للفاضل غير الولي أن يلحد المرأة إذا عدم الولي، ولما كان - ﷺ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم ولم يجز لأحد التقدم بين يديه في شيء لقوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات:١] ولم يكن لعثمان أن يتقدم بين يديه في إلحاد زوجته، وفيه فضل عثمان، وإيثاره الصدق حين لم يدع تلك المقارفة تلك الليلة، وإن كان عليه بعض الغضاضة في إلحاد غيره لزوجته.
وقول البخاري: (قَالَ ابن المبارك قَالَ فليح: أراه يعني: الذنب).
قَالَ أبو علي الجَيَّاني كذا في النسخ: (قَالَ ابن المبارك). وفي أصل أبي الحسن القابسي: قَالَ أبو المبارك.
قال أبو الحسن: هو أبو المبارك محمد بن سنان. يعني: شيخ


البخاري في هذا الحديث هنا. قَالَ الجَيَّاني: وهذا وهم، محمد بن سنان لا أعلم بينهم خلافًا أنه يكنى أبا بكر، وكان في نسخة عن أبي زيد كما عند سائر الرواة على الصواب (١).
------------
(١) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٠ - ٦٠١.


٧٢ - باب الصَّلَاةِ عَلَى الشَّهِيدِ
١٣٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ. [١٣٤٥، ١٣٤٦، ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٥٣، ٤٠٧٩ - فتح: ٣/ ٢٠٩]

١٣٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ -أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ- وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا». [انظر: ٣٥٩٦، ٤٠٤٢، ٤٠٨٥، ٦٤٢٦، ٦٥٩٠ - مسلم: ٢٢١٦ - فتح: ٣/ ٢٠٩]
ذكر فيه حديث جابر وحديث عقبة بن عامر.
أما حديث جابر فذكره من حديثِ اللَّيْث عن ابن شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ .. إلى أنْ قال: وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَل عَلَيْهِمْ.
وهو من أفراده.
قال الترمذيُّ: حديث جابر حسن صحيح. وقال محمد: هو حديث حسن. قَالَ الترمذي: وقد روي هذا الحديث عن الزهري، عن أنس، عن رسول الله - ﷺ -، وروي عن الزهري، عن ثعلبة بن


أبي صُعَير (١)، عن رسول الله - ﷺ -، ومنهم من ذكره عن جابر (٢). وقال النسائي: ما أعلم أحدًا تابع الليث من ثقات أصحاب الزهري على هذا الإسناد واختلف على الزهري فيه (٣).
ورواه البيهقي من حديث عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري، ثنا الزهري ثنا عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أن النبي - ﷺ - قَالَ يوم أحد: «من رأى مقتل حمزة» الحديث (٤). وفيه زيادات ليست في رواية الليث، وفي رواية الليث زيادة ليست في هذِه، فيحتمل أن تكون روايته عن جابر وعن أصحابه صحيحتين وإن كانتا مختلفتين، فالليث ابن سعد إمام، حافظ، فروايته أولى، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: عبد الرحمن بن عبد العزيز شيخ مدني، مضطرب الحديث (٥).
قلتُ: وعبد الرحمن ليس صحابيًّا؛ لأنه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، نص على ذلك البخاري وابن حبان وغيرهما، بل قَالَ ابن عبد البر: عبد الرحمن لم يسمع من جده. وحكي ترجيح ذلك عن الذهلي والترمذي والحاكم من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن أنس: لما كان يوم أحد مر رسول الله - ﷺ - بحمزة وفيه: ولم يصلِ على أحد من الشهداء غيره (٦).

---------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثعلبة بن صعير، ويقال: ابن أبي صعير، روى عنه ابنه عبد الله، ولهما صحبة.
(٢) «الترمذي» عقب (١٠٣٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ترك الصلاة على الشهيد.
(٣) «سنن النسائي الكبرى» ١/ ٦٣٥ كتاب: الجنائز وتمني الموت، باب: ترك الصلاة عليهم أي الشهداء.
(٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١٠.
(٥) «الجرح والتعديل» ١/ ٣٥١ - ٣٥٢ (١٠٣٨).
(٦) رواه أبو داود برقم (٣١٣٧) كتاب: الجنائز، باب: في الشهيد يغسل، وابن سعد =



قال الترمذي: غريب (١). وقال الحاكم: ولم يصل عليهم. ثم قَالَ: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأخرج البخاري وحده حديث الزهري عن ابن كعب عن جابر أن النبي - ﷺ - لم يصل عليهم. وليس فيه هذِه الألفاظ المجموعة التي تفرد بها أسامة بن زيد الليثي عن الزهري (٢).
وقال البخاري فيما نقله الترمذي: حديث أسامة هذا غير محفوظ، غلط فيه أسامة (٣). قَالَ الدارقطني: وهذِه اللفظة: ولم يصل على أحد من الشهداء غيره. ليست بمحفوظة (٤).
وأما حديث عُقْبة: فأخرجه من حديثِ أبي الخير عنه: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، .. الحديث، وفي لفظٍ: «بعد ثمان سنين» (٥)، وعند مسلم: صعد المنبرَ كالمودعِ للأحياءِ والأمواتِ. قَالَ عُقبةُ: فكانت آخر ما رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر (٦).

--------------
= في «الطبقات الكبرى» ٣/ ١٤، وابن أبي شيبة ٧/ ٣٦٧ (٣٦٧٤١) وأبو يعلى في «مسنده» ٦/ ٢٦٤ - ٢٦٥ (٣٥٦٨) والدارقطني ٤/ ١١٦ - ١١٧. والحاكم ٣/ ١٩٦ - مختصرًا- وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي ٤/ ١٠، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٩ (٨٧٢) وقال: فإن قيل: قد قال الدارقطني: لم يقل هذِه اللفظة غير عثمان بن عمر وليست محفوظة. قلنا: عثمان مخرج عنه في الصحيحين، والزيادة مقبولة من الثقة. اهـ. والحديث حسنه الألباني في: «صحيح أبي داود».
(١) «سنن الترمذي» ٣/ ٣٢٧ كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قتلى أحد وذكر حمزة.
(٢) «المستدرك» ١/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٣) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٤١١.
(٤) «سنن الدارقطني» ٤/ ١١٦ - ١١٧.
(٥) سيأتي برقم (٢٠٤٢) كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد.
(٦) «صحيح مسلم» (٢٢٩٦/ ٣١) كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته.



واختلف العلماء في هذا الباب: فقال مالك: الذي سمعته من أهل العلم والسنة أن الشهداء لا يغسلون، ولا يصلى على أحد منهم، ويدفنون بثيابهم التي قتلوا فيها (١). وهو قول عطاء والنخعي والحكم والليث والشافعي وأحمد وأكثر الفقهاء (٢)، كما حكاه عنهم ابن التين، وقال أبو حنيفة والثوري والمزني والأوزاعي: يصلى عليه، ولا يغسل. وهو قول مكحول ورواية عن أحمد (٣)، وقال عكرمة: لا يغسل؛ لأن الله قد طيبه، لكن يصلى عليه (٤). وقال سعيد بن المسيب، والحسن البصري كما حكاه ابن أبي شيبة: يغسل ويصلى عليه؛ لأن كل ميت يجنب (٥).
حجة الأولين حديث جابر أنه لم يغسلوا ولم يصلَّ عليهم -بفتح اللام- وأيضًا فلا يغير حالهم، ويوم أحد قتل فيه سبعون نفسًا، فلا يجوز أن تخفي الصلاة عليهم؛ ولأنه حي بنص القرآن؛ ولأن القتل قد طهره، والله قد غفر له، ويأتي يوم القيامة بِكَلْمه ريح دمه مسك. واحتج أبو حنيفة ومن وافقه بحديث عقبة في الباب، وبما روي أنه صلى على حمزة سبعين صلاة (٦)، وأجاب الأولون بأن

-------------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ١٦٥.
(٢) انظر: «المجموع» ٥/ ٢٢١، ٢٢٥، «المغني» ٣/ ٤٦٧.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٩٩، «المجموع» ٥/ ٢٢١، «المغني» ٣/ ٤٦٧.
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٤٥ (٦٦٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله.
(٥) «المصنف» ٢/ ٤٥٨ (١٠٩٩٩) كتاب: الجنائز، باب: الرجل يقتل أو يستشهد.
(٦) رواه عبد الرزاق ٣/ ٥٤٦ (٦٦٥٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله، وابن سعد في «الطبقات» ٣/ ١٦، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٣٩ ترجمة (٨١٤)، والخطيب في «تاريخه» ٤/ ٣٦٥ ترجمة (٢٢٣٠)، وفيه: سعيد بن =



المراد الدعاء، وكذا ما ورد في غيره من الأحاديث.
ثم المخالف يقول: لا يصلى على القبر بعد ثلاثة أيام، فلابد من تأويل الحديث أنه صلى عليهم بعد ثمان سنين بالدعاء، وصلاته على حمزة لا تصح أو خاص به؛ لأنه كبر عليه سبعًا، والمخالف لا يقول بأكثر من أربع، وقد سلف أنه لم يصل على أَحَدٍ من قتلى أُحُد غيره فصار مخصوصًا بذلك؛ لأنه وجده مجروحًا ممثلًا به فقال: «لولا أن تجزع عليه صفية لتركته حَتَّى يحضره الله من بطون الطير والسباع» فكفنه في نمرة، إذا خمر رأسه بدت رجلاه، وإذا خمر رجليه بدا رأسه، ولم يصل على أحد غيره وقال: «أنا شهيد عليكم اليوم» (١).
ويشهد لهذا المعنى حديث جابر. وقول سعيد والحسن مخالف للآثار فلا وجه له.
قَالَ ابن حزم: قولهم: صلَّى على حمزةَ سبعينَ صلاة أو كبَّر سبعين تكبيرةً باطلٌ بلا شك (٢). وقال إمام الحرمين في «أساليبه» (٣): ما ذكره من صلاته - ﷺ - على قتلى أحد فخطأ لم يصححه الأئمة؛ لأنهم رووا أنه كان يؤتى بعشرة عشرة وحمزة أحدهم. فصلَّى على حمزةَ سبعينَ صلاة. وهذا غلطٌ ظاهرٌ، فإنَّ شهداءَ أحدٍ سبعون، وإنما يَخُصُّ حمزة سبعون صلاة لو كانوا سبعمائة. وقد أوضح ذلك الشافعي نفسه.
فرع:
اختلف فيما إذا جرح في المعركة ثم عاش بعد ذلك، أو قتل ظلمًا

--------------
= ميسرة البكري: منكر الحديث.
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) «المحلى» ٥/ ١٢٨.
(٣) كذا تُقْرأ بالأصل، ولعلها «أماليه».



بحديدة أو غيرها فعاشَ، فقال مالك: يُغسل ويصلَّى عليه. وبه قَالَ الشافعي، وقال أبو حنيفة: إن قتل ظلمًا في العصر بحديدة لم يغسل وإن قتل بغير الحديد غسل (١).
حجة الأول: رواية نافع عن ابن عمر أن عمر غسل وصلي عليه (٢)؛ لأنه عاش بعد طعنته، وكان شهيدًا ولم ينكره أحد، وكذلك جرح عليٌّ فعاش ثم مات من ذلك فغسل وصلي عليه (٣) ولم ينكره أحد. وفروع الشهيد كثيرة ومحلها الفروع.
وفيه: جواز جمع الرجلين في ثوب، والظاهر أنه كان يقسمه بينهم للضرورة (٤)، وإن لم يستر إلا بعض بدنه، يدل عليه تمام الحديث أنه كان يسأل عن أكثرهم قرآنا فيقدمه في اللحد، فلو أنهم في ثوب واحد جملة لسأل عن أفضلهم قبل ذلك؛ لئلا يؤدي إلى نقض التكفين وإعادته.
وفيه: التفضيلُ بقراءة القرآن، فإذا استووا في القراءة قدم أكبرهما؛ لأن السنن فضيلة. قَالَ أشهب: ولا يكفنان في كفن واحد إلا من ضرورة،

------------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ١٠١، ١٠٢، «عيون المجالس» ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧، «البيان» ٣/ ٨٢، «روضة الطالبين» ٢/ ١١٩.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ٢٨٧ (٣٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٤٤ - ٥٤٥ (٦٦٤٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله. من طريق الحكم عن يحيى بن الجزار.
والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٧. عن أبي إسحاق أن الحسن صلى على علي رضي الله عنه.
(٤) تعليق بهامش الأصل بخط سبط بقلم دقيق: قول الشيخ (الظاهر أنه كان يقسمه) إلى آخره ورده على ابن العربي ما فهمه من الحديث يرده في الباب بعد بعد بعده: فَكُفِّنَ أبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. وظاهره أنها لم تشقق. والله أعلم وكذلك قوله في ثوب واحد.



وكذا في الدفن. قَالَ أشهب: وإذا دفنا في قبر لم يجعل بينهما حاجز من التراب (١)؛ (وذلك أنه لا معنى له إلا التضييق) (٢).
وفيه: دلالة علي ارتفاع التكليف بالموت، وإلا فلا يجوز أن يلصق الرجل بالرجل إلا عند انقطاع التكليف أو للضرورة، كذا قَالَ ابن العربي وكأنه فهم أن تكفينهم كان جملة، وفيه ما أسلفناه.
وقوله: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هؤلاء» يعني: أنهم لم يعجل لهم من أجرهم شيء في الدنيا، وقيل: أشهد بإخلاصهم وصدقهم.
وقوله: (وَلَمْ يُغَسَّلُوا) قل سلف أنه الصواب.

------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٥٩، ٦٤٦.
(٢) من (م).



٧٣ - باب دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ
١٣٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١١]
ذكر فيه حديث جابر أنَّه - عليه السلام - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ.
وقد سلف في الباب قبله، واختلفوا في دفن الاثنين والثلاثة في قبر فكرهه الحسن البصري (١) وأجازه غير واحد من أهل العلم، فقالوا: لا بأس أن يُدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، غير أن الشافعي وأحمد قالا: ذلك موضع الضرورات (٢). وحجتهم حديث جابر السالف، وقال: يقدم أسنهم وأكثرهم أخذًا للقرآن ويقدم الرجل أمام المرأة، قَالَ المهلب: وهذا خطاب للأحياء أن يتعلموا القرآن ولا يغفلوه حين أكرم الله حملته في حياتهم وبعد مماتهم.

-------------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٦ (١١٦٥٤) كتاب: الجنائز، باب: في الرجلين يدفنان في قبر واحد.
(٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط بقلم دقيق: لا يجوز الجمع بين الرجالِ والنِّساءِ إلا في الضرورة، إلا إذا كان بينهما زوجية أو محرمية فلا منع، قاله ابن الصباغ وغيره.
وانظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٥٦، «الكافي» ص ٨٧، «المجموع» ٥/ ٢٤٧، «المغني» ٣/ ٥١٣.



٧٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ غَسْلَ الشُّهَدَاءِ
١٣٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ -: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ». - يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ. وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١٢]
ذكر فيه حديث جابر: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ». يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ. وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ.
وقد سلف.


٧٥ - باب مَنْ يُقَدَّمُ فِي اللَّحْدِ
وَسُمِّىَ اللَّحْدَ؛ لأَنَّهُ فِي نَاحِيَةٍ، وَكُلُّ جَائِرٍ مُلْحِدٌ. ﴿مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٧] مَعْدِلًا، وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِيمًا كَانَ ضَرِيحًا.

١٣٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ وَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ». وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١٢]

١٣٤٨ - وَأَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ. [فتح: ٣/ ٢١٢]
وقال سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ جَابِرًا رضي الله عنه.
ذكر فيه حديثَ جابرٍ عن ابن مُقَاتِلٍ، أَنَا عَبْدُ اللهِ -هو ابن المبارك- أَنَا الليْثُ قال -يعني ابن المبارك- وَأَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ جَابِرِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ لِقَتْلَى أُحُدٍ: «أَيُّ هؤلاء أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ. قَالَ جَابرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ قال: حَدَّثَنَي مَنْ سَمِعَ جَابِرًا.
ما ذكره في تسمية اللحد هو ما ذكره أبو عبيد في كتابه «المجاز» (١).

---------------
(١) «مجاز القرآن» ١/ ٣٩٨.


وألحد: أجود من لحد، وكذلك فُعِل بسيدنا رسول الله - ﷺ - وهو أفضل من الشق إن صَلُبت الأرض.
وقوله: (فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةِ) سماه عمًّا؛ تعظيمًا له وتكريمًا؛ لأنه عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام، وعبد الله أبو جابر: هو ابن عمرو بن حرام، فهو ابن عمه وزوج أخته هند بنت عمرو. روى القعنبي عن مالك بن أنس أن عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح كفنا في كفنٍ واحد، وقُبِرا في قبرٍ واحد.
وحكى غيره أن السيل كان قد ضرب قبرهما فحفر عنهما؛ ليغيرا من مكانهما فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدهما قد جرح ووضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت وكان بين يوم أحد ويوم حفر عنهما ستة وأربعون سنة، ذكر ذلك ابن سعد (١).
والنَمِرة: كساء من شعر له هدب.
وقوله: (عن الزهري عن جابر)، وقوله ثانيًا عن الزهري: (حَدَّثَني من سمع جابرًا). يدل أن الأول ليس بجيد لا جرم. قَالَ ابن التين: إنه ليس بصحيح، ليس للزهري سماع من جابر؛ لأن جابرًا توفي سنة ثمان وثمانين، وفي «الكاشف»: سنة ثمان وسبعين (٢). ووالده كان أحد النقباء (٣).

-----------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٣/ ٥٦٢ - ٥٦٣.
(٢) «الكاشف» ١/ ٢٨٧ (٧٣٣).
(٣) بهامش الأصل بخط سبط: قال النووي في «التهذيب»: توفي جابر سنة ٧٣ وقيل ٧٨ وقيل ٦٨ انتهى. وفي «مراسيل العلائي»: روى عن جا بر وذلك مرسل. [قلت: انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٤٢ - ١٤٣ (١٠٠) ترجمة جابر بن عبد الله، «جامع التحصيل» ص ٢٦٩ ترجمة الزهري].



٧٦ - باب الإِذْخِرِ وَالحَشِيشِ فِي القَبْرِ
١٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ».
فَقَالَ العَبَّاسُ - رضي الله عنه -: إِلاَّ الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ».
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا». [انظر: ١١٢ - مسلم: ١٣٥٥]
وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الَحسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّهَ بِنْتِ شَيْبَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - مِثْلَهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.
[١٥٨٧، ١٣٤٨، ١٨٣٤، ٢٠٩٠، ٢٤٣٣، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٣/ ٢١٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ..» الحديث إلى قوله: فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ».
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا».
وَقَالَ أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بنْتِ شَيْبَةَ (١): سَمِعْتُ النُّبِيَّ - ﷺ - مِثْلَهُ.

-----------------
(١) بهامش الأصل بخط سبط: مَيْل المزي في «التهذيب»والذهبي في «كاشفه» و«تجريده» أن صفية ليست لها صُحبة، وانظر هذا المعلق كيف فيه التصريح بصحبتها وسماعها ضعف المزي أبان بن صالح في «أطرافه» في ترجمة صفية لكونه في السند المصرح بسماعها، فقال …، وقد انفرد المزي بتضعيفه. [وانظر: «تحفة الأشراف» ١١/ ٣٤٣ حاشية سبط ابن العجمي على «الكاشف» بتحقيق عوامة ٢/ ٥١٢].


وَقَالَ مُجَاهِدٌ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ.
الشرح:
أما حديث ابن عباس فسيأتي إن شاء الله في الحج (١)، وتعليق أبي هريرة قد أسنده في كتاب العلم كما سلف (٢)، وأما تعليق أبان فأسنده ابن ماجه من حديث ابن إسحاق عن أبان (٣)، وأما تعليق مجاهد (٤) (٥).
والإِذْخِر بالذال المعجمة الحشيش يتخذ بمكة كالتبن يوقده الصائغ والحداد ويجعل في الطين، لتملس به القبور والبيوت وُيسمى حَلفاء مكة، وقال ابن فارس: الإذخر: حشيشة طيبة (٦).
وقام الاتفاق على جواز قطع الإذخر خاصة في منبته من مكة لما ذكروا أن غيره من النبات يحرم قلعه، ويجوز عند العلماء استعمال الحشيش، وهو الورق الساقط والعشب المتكسر، وإنما يحرم قطعه من منبته فقط.

--------------
(١) سيأتي برقم (١٥٨٧) باب: فضل مكة وبنيانها.
(٢) سبق برقم (١١٢) باب: كتابة العلم.
(٣) «سنن ابن ماجة» برقم (٣١٠٩) كتاب: المناسك، باب: فضل مكة، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٥٢٤).
(٤) بعد هذِه الكلمة في الأصل بياض كتب فوقه: كذا، كما ورد في الهامش ما نصه: حاشية: أخرج تعليق مجاهد البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي … في الحج وفيه وفي الجزية وفي الجهاد …
(٥) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة، و(٣١٨٩) كتاب: الجزية والموادعة، باب: إثم الغادر للبر والفاجر. ورواه مسلم برقم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها، وأبو داود برقم (٢٠١٨) كتاب: المناسك، باب: تحريم حرم مكة، والترمذي برقم (١٥٩٠) كتاب: السير، باب: ما جاء في الهجرة، والنسائي ٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤ كتاب: مناسك الحج، حرمة مكة.
(٦) «مجمل اللغة» ٢/ ٣٦٥.



والحديث دال على جواز استعمال الإذخر وما جانسه من الحشيش الطيب الرائحة في القبور والأموات، وأهل مكة يستعملون من الإذخر ذريره ويطيبون بها أكفان الموتى. ففهم البخاري أن ما كان من النبات في معنى الإذخر فهو داخل في الإباحة، كما أن المسك وما جانسه من الطيب في الحنوط داخل في معنى إباحة الكافور للميت.
وقوله: «إِلَّا الإِذْخِرَ» يجوز أن يكون أوحي إليه تلك الساعة، أو من اجتهاده.
وقوله: (لصاغتنا وقبورنا). وفي الأخرى: «لقبورنا وبيوتنا». وفي الأخرى: (لقينهم وبيوتهم). يحتمل أن يكون قال كل ذلك، فاقتصر كل راوٍ على بعض، وكله من قول العباس، بخلاف ما ذكر الداودي في قوله: (لصاغتنا). ولعله أراد رواية أخرى. والمراد بالساعة من النهار: يوم الفتح. قَالَ مالك: افتتحت مكة في تسعة عشر يومًا من رمضان على ثمان سنين من الهجرة. وقال يحيى بن سعيد: دخل - ﷺ - مكة عام الفتح في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفًا، قد أكب على وسط راحلته حَتَّى كادت تنكسر به يريد تواضعًا وشكرًا لربه تعالى.
والخَلَى: مقصور، ووقع عند أبي الحسن بالمد، وهو في اللغة مقصور، وهو جمع: خلاة، وهو الحشيش اليابس. قاله جماعة من أهل اللغة (١)، وقال الداودي: هو الحشيش الرطب. وكذلك في «أدب الكاتب» أنه الرطب (٢). وقاله القزاز، ويكتب بالياء.

--------
(١) الخلى مقصورًا: الرَّطب من الحشيش، الواحدة خلاة، وقيل الخلى: الرُّطب بالضم لا غير، فإذا قلت الرطب من الحشيش فَتَحْتَ؛ لأنك تريد ضد اليابس.
انظر: «الصحاح» ٦/ ٢٣٣١، و«لسان العرب» ٢/ ١٢٥٨.
(٢) «أدب الكاتب» ص ٧٨.



والعضد: الكسر، وقيل: القطع.
«وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»: أي: لا يطرد من الظل ويقعد مكانه.
وقوله: «إِلَّا لِمُعَرِّفٍ» أي: منشد. وقيل: تعرف سنة كغيرها. وفي الشجرة الكبيرة: بقرة. وفي الصغيرة: شاة. قاله عطاء والشافعي، وقال مالك: أساء، ولا شيء عليه. وسيكون لنا عودة إليه في آخر الحج في أبواب مفرقة إن شاء الله تعالى.


٧٧ - باب هَلْ يُخْرَجُ المَيِّتُ مِنَ القَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ؟
١٣٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، فَاللهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا.
قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ أَبُو هَريرُة: وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَمِيصَانِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَكَ الذِي يَلِي جِلْدَكَ. قَالَ سُفْيَانُ: فَيُرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَلْبَسَ عَبْدَ اللهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ. [انظر: ١٢٧٠ - مسلم: ٢٧٣٣ - فتح: ٣/ ٢١٤]

١٣٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلاَّ مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا. فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ. [١٣٥٢ - فتح: ٣/ ٢١٤]

١٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ. [انظر: ١٣٥١ - فتح: ٣/ ٢١٥]
ذكر فيه حديثَ جابرٍ: أَتَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيًّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ .. الحديث.
وحديثه أيضًا: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي -أي: مِنَ اللَّيْلِ- فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا .. الحديث، وفي آخرهِ: فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنيَةً غَيْرَ أُذُنِهِ.


وحديثه أيضًا من طريقِ شُعْبَةَ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْه قالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ على حِدَةٍ.
الشرح:
حديث جابر الأول سبق في باب: الكفن في القميص واضحًا.
وقوله: (وقال أبو هارون (١): وكان على رسول الله - ﷺ - قميصان).
أبو هارون هذا: هو موسى بن أبي عيسى ميسرة المدني الحفاظ أخو عيسى الغفاري. ولأبي داود: فما أنكرت منه شيئًا إلا شعرات كن في لحيته مما يلي الأرض (٢). قَالَ الجياني: كذا روي هذا الإسناد عن البخاري، إلا أبا علي بن السكن وحده فإنه قَالَ في روايته: مجاهدًا بدل عطاء، والأول أصح (٣)، وكذا أخرجه النسائي (٤) ورواه أبو نعيم من حديث أبي نضرة عن جابر قَالَ: وأبو نضرة (م، الأربعة) ليس من شرط البخاري ثم رواه من حديث بشر عن عطاء عن جابر قَالَ: وهو غريب جدًا منا حديث عطاء عن جابر.
ورواه أبو داود من حديث أبي نضرة، وللترمذي مصححًا عن جابر قَالَ: أمر النبي - ﷺ - بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة (٥).

----------------
(١) قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٢١٥: كذا وقع في رواية أبي ذر وغيرها، ووقع في كثير من الروايات: (قال أبو هريرة) وكذا في «مستخرج أبي نعيم» وهو تصحيف.
(٢) «سنن أبي داود» برقم (٣٢٣٢) كتاب: الجنائز، باب: في تحويل الميت من موضعه للأمر يحدث، وقال الألباني: صحيح الإسناد.
(٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٢.
(٤) «سنن النسائي» ٤/ ٨٤ كتاب: الجنائز، باب: إخراج الميت من القبر بعد أن يدفن فيه.
(٥) «سنن الترمذي» برقم (١٧١٧) كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في دفن القتيل في مقتله وقال: هذا حديث حسن صحيح.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #274  
قديم 06-02-2026, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 71 الى صـــ 90
الحلقة (274)






وقوله: (هُنَيَّة) ضبطه بعضهم بضم الهاء ثم نون ثم ياء مشددة تصغير (هنا)، أي: قريبًا من وقت وضعته، وبالهمز بعد الياء. قَالَ ابن التين: وهي التي روينا، والمعنى: كهيئته يوم وضعته. وضبطه بعضهم بفتح الهاء والياء، أي: على حالته.
وقوله: (كيوم وضعته هنيَّة غَيْرَ أُذُنِهِ) هو بغير، والصواب: رواية ابن السكن وغيره (غير هُنية في أُذنه) بتقديم غير، يريد: غير أثر يسير غيرته الأرض من أذنه، قاله عياض (١).
وقوله: (فَاستَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَاِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُة) كذا في «الصحيح»، وفي «الموطأ» بلاغًا أنه أخرج هو وعمرو بن الجموح بعد ستة وأربعين سنة فوجدا كيوم دفنا، وأميطت يده أو يد صاحبه وهو عبد الله بن عمرو، هذا عن الجرح فلما تركت عادت لمكانها. كما رواه في «الموطأ» مرسلًا (٢) وهو خلاف ما هنا أنه استخرج والده بعد ستة أشهر وقد بدت قدم عمر - رضي الله عنه - حين بني المسجد وهدم البيت ليصلح بعد ست وستين سنة فوجد عليه أثر شراك النعل لم يتغير، وروى ابن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قَالَ: لما أراد معاوية أن يجري العين بأحدٍ نودي بالمدينة: من كان له قتيل فليأت. قَالَ جابر: فأتيناهم فأخرجناهم رطابًا ينثنون فأصابت المسحاة أصبع رجل منهم فانقطرت دمًا (٣).

-------
(١) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٧١.
(٢) «الموطأ» ص ٢٩١ (٥٠) (٩٣٨) كتاب: الجهاد، باب: الدفن في قبر واحد …
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٤٧ (٦٦٥٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الشهيد وغسله، و٥/ ٢٧٧ (٩٦٠٢) كتاب: الجهاد، باب: الصلاة علي الشهيد وغسله، وانظر: «التمهيد» ١٨/ ١٧٤.



قَالَ سفيان: بلغني أنه حمزة بن عبد المطلب (١). وهذا غير الوقت الذي أخرج فيه جابر أباه من قبره، ويقال: أربعة لا تعدو عليهم الأرض ولا هوامها: الأنبياء والعلماء والشهداء والمؤذنون. وقيل: ذلك خصوص لأهل أُحُد كرامة لهم، وكذلك من كان في المنزلة مثلهم.
وقوله أولًا: (مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا) هو بضم الهمزة أي: أظنني، وإنما قاله لما كان عليه من العزم أن يقاتل حَتَّى يقتل.
وقوله: (فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -) إنما قَالَ ذلك؛ لأن نبي الله - ﷺ - كان رأى في سيفه ثلما عند خروجهم إلى أحد، فأوله أنه يصاب بعض أصحابه (٢)، فقتل يومئذ منهم سبعون وقيل: خمسة وستون، منهم أربعة من المهاجرين، وقال مالك: قتل من المهاجرين أربعة ومن الأنصار سبعون، ولم يكن في عهد النبي - ﷺ - قصة أشد ولا أكثر قتلًا منها، وكانت في سنة ثلاث من الهجرة خرج إليها عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال. قَالَ مالك: كانت أحد وخيبر في أول النهار.
وقوله: (وإنَّ عليَّ دينًا) كان عليه أوسق تمر ليهودي كما سيأتي (٣).
وقوله: (وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا) كانت له تسع أخوات كما

-------
(١) قال ابن عبد البر: الذي أصابت المسحاة أصبعه هو حمزة رضي الله عنه، رواه عبد الأعلي بن حماد، قال: حدثنا عبد الجبار -يعني ابن الورد- قال سمعت أبا الزبير يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: رأيت الشهداء يخرجون على رقاب الرجال كأنهم رجال قوم حتى إذا أصابت المسحاة قدم حمزة رضي الله عنه فانبثقت دمًا.
«التمهيد» ١٩/ ٢٤٢.
(٢) سيأتي برقم (٣٦٢٢) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٩٦) كتاب: في الاستقراض، باب: إذا قاصَّ أو جازفه في الدَّين تمرًا بتمرٍ أو غيره.



سيأتي (١) باختلاف فيه فوَكَّد عليه فيهن مع ما كان في جابر من الخير، فوجب لهن حق القرابة وحق وصية الأب وحق اليتم وحق الإسلام.
وفي الصحيح لما قَالَ له - ﷺ -: «تزوجتَ بكرًا أم ثيبًا» قَالَ: ثيبًا، قَالَ: «فهلا بكرًا تُلاعبها وتُلاعبك» قَالَ: إن أبي ترك أخوات كرهت أن أضم إليهن خرقاء مثلهن (٢). فلم ينكر عليه ذلك.
أما أحكام الباب: ففيه: جواز إخراج الميت بعد ما يدفن إذا كان لذلك معنى بأن دفن بلا غسل ونحو ذلك، قَالَ الماوردي في «أحكامه»: وكذا إذا لحق الأرض المدفون فيها سيل أو نداوة على ما رآه الزبيري، وخالفه غيره. قلتُ: وقول الزبيري أصح.
قَالَ ابن المنذر: اختلف العلماء في النبش عمن دفن ولم يغسل فأكثرهم يجيز إخراجه وغسله، هذا قول مالك والشافعي إلا أن مالكًا قَالَ: ما لم يتغير (٣). وكذا عندنا ما لم يتغير بالنتن كما قَالَ الماوردي، وقال القاضي أبو الطيب: بالتقطيع، وقيل: ينبش ما دام فيه جزء من عظم وغيره، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا وضع في اللحد وغطي بالتراب ولم يغسل، لم ينبغ لهم أن ينبشوه. وهو قول أشهب (٤). والأول أصح، وبه قال أحمد وداود (٥).
وكذلك اختلفوا فيمن دفن بغير صلاة فعندنا: لا ينبش بل يصلى على القبر، اللهم إلا أن لا يهال عليه التراب، فإنه يخرج ويصلى

-----------
(١) سيأتي برقم (٤٠٥٢) كتاب: المغازي، باب: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا.
(٢) سيأتي برقم (٤٠٥٢).
(٣) «الأوسط» ٥/ ٣٤٣.
(٤) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ١٧٤ - ١٧٥، «النوادر والزيادات» ١/ ٦٣٠.
(٥) انظر: «المغني» ٣/ ٥٠٠، «المحلى» ٥/ ١١٤.



عليه. نص عليه الشافعي (١)؛ لقلة المشقة ولأنه لا يسمى نبشًا، وقيل: يرفع لبنة وهو في لحده مما يقابل وجهه لينظر بعضه فيصلى عليه.
وقال ابن القاسم: يخرج بحُدْثَان ذلك ما لم يتغير وهو قول سحنون، وقال أشهب: إن ذكروا ذلك قبل أن يهال عليه التراب، أخرج وصلي عليه، وإن أهالوا فليترك، وإن لم يصل عليه. وعن مالك: إذا نسيت الصلاة على الميت حَتَّى يفرغ من دفنه لا أرى أن ينبشوه لذلك ولا يصلى على قبره، ولكن يدعون له (٢). وينبش في صور أخرى محلها الفروع فلا نطول بذلك.
وروى سعيد بن منصور عن شريح (س ت) بن عبيد أن رجالًا قبروا صاحبًا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنًا فوجدوا معاذ بن جبل فأخبروه، فأمرهم أن يخرجوه ثم غسل وكفن وحنط ثم صلي عليه.
وفي قول جابر: نفث عليه من ريقه. حجة على من يرى بنجاسة الريق والنخامة وهو قول يروى عن سلمان الفارسي، وإبراهيم النخعي (٣)، والعلماء كلهم على خلافه والسنن وردت برده، فمعاذ الله من صحة خلافها، والشارع علمنا النظافة والطهارة، وبه طهرنا الله من الأدناس فريقه يتبرك به ويستشفي.
وفيه أن الشهداء لا تأكل الأرض لحومهم، وقد سلف.
فرع:
يحرم عندنا نقل الميت قبل دفنه إلى بلد آخر؛ لأن في نقله تأخر دفنه

-----------
(١) انظر: «الحاوي» ٣/ ٦٢.
(٢) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٩٣.
(٣) روى ذلك ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ١٥٢ (١٧٥٤) كتاب: الطهارات، باب: النخاع والبزاق يقع في البئر.



وتعريضه لهتك حرمته من وجوه، ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وقال جماعات من أصحابنا: يكره ولا يحرم (١).
وروي عن عائشة، أيضًا (٢)، لكن يرده حديث جابر: كنا حملنا القتلى يوم أحد فجاء منادي: رسول الله - ﷺ - يأمركم أن تدفنوا القتلى في مضاجعهم. رواه أصحاب السنن الأربعة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (٣)، اللهم إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس لفضلها فينقل، نص عليه الشافعي، كما نقله الماوردي من أصحابنا (٤).

------------
(١) قال النووي رحمه الله: قال صاحب «الحاوي»: قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا أحبه -أي نقل الميت من بلد إلى بلد- إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليها؛ لفضل الدفن فيها. وقال البغوي والشيخ أبو نصر البندنيجي من العراقيين: يكره نقله، وقال القاضي حسين والدارمي والمتولي: يحرم نقله، وقال القاضي حسين والمتولي: ولو أوصى بنقله لم تنفذ وصيته، وهذا هو الأصح؛ لأن الشرع أمر بتعجيل دفنه، وفي نقله تأخيره، وفيه أيضًا انتهاكه من وجوه وتعرضه للتغير وغير ذلك، «المجموع» ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٢) رواه الترمذي برقم (١٠٥٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، وعبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥١٧ (٦٥٣٥) كتاب: الجنائز، باب: لا ينقل الرجل من حيث يموت، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٦٤. من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، وقال المباركفوري: ولم يحكم الترمذي على حديث الباب بشيء من الصحة والضعف، ورجاله ثقات إلا ابن جريج مدلس، ورواه عن عبد الله بن أبي مليكة بالعنعنة «تحفة الأحوذي» ٤/ ١٣٩، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٣) رواه أبو داود برقم (٣١٦٥) كتاب: الجنائز، باب: في الميت يحمل من أرض إلى أرض، والترمذي برقم (١٧١٧) كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في دفن القتيل في مقتله، والنسائي ٤/ ٧٩ كتاب: الجنائز، باب: أين يدفن الشهيد؟ وابن ماجه برقم (١٥١٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم.
والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٤) «الحاوي» ٣/ ٢٦.



ومن هذا نقل جنازة سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة (١) وللقرب أيضًا ولا يبعد ما إذا كان بقربه قرية أهلها صالحون كذلك، وصح أن يوسف - ﷺ - نقل بعد دفنه بالبحر بسنين كثيرة، واستخرجت عظامه، كما أخرجه ابن حبان فنقل إلى جوار إبراهيم الخليل - عليه السلام - (٢).
وروى ابن إسحاق أن أم عبد الله بن سلمة البلوي البدري لما قتل يوم أحد شهيدًا استاذنت النبي - ﷺ - في نقله إلى المدينة، فنقل هو والمجذر بن زياد البلوي.

--------------
(١) رواه البيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ٥٧.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٢/ ٥٠٠ - ٥٠١ (٧٢٣) كتاب: الرقائق، باب: الورع والتوكل.



٧٨ - باب الشَّقِّ وَاللَّحْدِ فِي القَبْرِ (١)
١٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَي أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ فَقَالَ: «أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ». فَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ. [انظر: ١٣٤٣ - فتح: ٣/ ٢١٧]
ذكر فيه حديث جابر: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَجْمَعُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ .. الحديث.
وقد سلف قريبًا في مواضع (٢)، والكل جائز، واللحد أفضل عندنا من الشق إن صلبت الأرض، لُحِد لرسول الله - ﷺ - ولصاحبيه (٣) ولابنه إبراهيم، وأوصى به ابن عمر (٤) واستحبه الأئمة: النخعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق، قالوا: وهو ما اختاره الله تعالى لنبيه (٥)، وقد روى أصحاب السنن الأربعة من حديث ابن عباس مرفوعًا: «اللَّحدُ لنا، والشَّقُّ لغيرِنا». قَالَ الترمذي: حديث غريب (٦).

---------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن كتبه مؤلفه غفر الله له.
(٢) سلف برقم (١٣٤٣) باب: الصلاة على الشهيد، و(١٣٤٥) باب: دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، و(١٣٤٦) باب: من لم ير غسل الشهداء، و(١٣٤٧ - ١٣٤٨) باب: من يقدم في اللحد.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٤ (١١٦٣٤).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٥ (١١٦٣٨).
(٥) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٥٥، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ١٦٧، «المعونة» ١/ ٢٠٥ - ٢٠٦، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ١٩٤.
(٦) «سنن أبي داود» برقم (٣٢٠٨) كتاب: الجنائز، باب: في اللحد، «سنن الترمذي» برقم (١٠٤٥) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قول النبي - ﷺ -: "اللحد لنا والشق =



وصفة اللحد أن يحفر حائط القبر مائلًا عن استوائه من أسفله قدر ما يوضع فيه الميت، وليكن من جهة القبلة.
والشَّق -بفتح الشين- أن يُحْفر وسطُه كالنهرِ، ويبنى جانباه باللبنِ أو غيره ويُجعل بينهما شق، يُوضع فيه الميت ويُسَقَّف.

------------
= لغيرنا«،»سنن النسائي«٤/ ٨٠ كتاب: الجنائز، اللحد والشق،»سنن ابن ماجة" برقم (١٥٥٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في استحباب اللحد. وصححه الألباني.


٧٩ - باب إِذَا أَسْلَمَ الصَّبِيُّ فَمَاتَ هَلْ يُصَلَّى عَلَيْهِ؟ وَهَلْ يُعْرَضُ عَلَى الصَّبِيِّ الإِسْلَامُ؟
وَقَالَ الحَسَنُ وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالوَلَدُ مَعَ المُسْلِمِ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى.

١٣٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ عُمَرَ انْطَلَقَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي رَهْطٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ -وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ الحُلُمَ- فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لاِبْنِ صَيَّادٍ «تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟». فَنَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ فَرَفَضَهُ وَقَالَ: «آمَنْتُ بِاللهِ وَبِرُسُلِهِ». فَقَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَى». قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ» ثُمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا». فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ». فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: دَعْنِى يَا رَسُولَ اللهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ». [٣٠٥٥، ٦١٧٣، ٦٦١٨ - مسلم: ٢٩٣٠ - فتح: ٣/ ٢١٨]

١٣٥٥ - وَقَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ إِلَي النَّخْلِ التِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ ابْنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهُوَ مُضْطَجِعٌ -يَعْنِى: فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْزَةٌ أَوْ زَمْرَةٌ- فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ -وَهْوَ اسْمُ ابْنِ صَيَّادٍ- هَذَا مُحَمَّدٌ - ﷺ -. فَثَارَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ». وَقَالَ شُعَيْبٌ فِي حَدِيثِهِ: فَرَفَصَهُ رَمْرَمَةٌ، أَوْ


زَمْزَمَةٌ. وَقَالَ [إِسْحَاقُ الكَلْبِىُّ] وَعُقَيْلٌ: رَمْرَمَةٌ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: رَمْزَةٌ. [٢٦٣٨، ٣٠٣٣، ٣٠٥٦، ٦١٧٤ - مسلم: ٢٩٣١ - فتح: ٣/ ٢١٨]

١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -وَهْوَ: ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: «أَسْلِمْ». فَنَظَرَ إِلَي أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ - ﷺ -. فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهْوَ يَقُولُ: «الحَمْدُ لله الذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ». [٥٦٥٧ - فتح: ٣/ ٢١٩]

١٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ. [٤٥٨٧، ٤٥٨٨، ٤٥٩٧ - فتح: ٣/ ٢١٩]

١٣٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سِقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - كَانَ يُحَدِّثُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاء، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] الآيَةَ. [١٣٥٩، ١٣٨٥، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٣/ ٢١٩]

١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً [جَمْعَاءَ]، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٣/ ٢١٩]


ذكر فيه حديث عُمر في قصة ابن صيَّاد بطولِها.
وذكر حديث أنس: كان غلام يهودي يخدم النبي - ﷺ -، فمرض .. وذكر الحديث.
وعن ابن عباس: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ، وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ.
وحديث أبي هريرة: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» .. الحديث بطريقيه.
الشرح:
الكلام على ما ذكره البخاري رحمه الله واحدًاواحدًا، فإنه من الأبواب التي تحتاج إلى إيضاح فلا تسأم من الطول، ولا شك أنه يصلى علي الصغير المولود في الإسلام؛ لأنه كان على دين أبويه.
قَالَ ابن القاسم: إذا أسلم الصغير وقد عقل الإسلام فله حكم المسلمين في الصلاة عليه، ويباع على النصراني إن ملكه؛ لأن مالكًا يقول: لو أسلم وقد عقل الإسلام ثم بلغ فرجع عنه أجبره عليه. قَالَ أشهب: وإن لم يعقله لم أجبر الذمي على بيعه، ولا يؤخذ الصبي بإسلامه إن بلغ (١).
وقد اختلف الناس في حكم الصبي إذا أسلم أحد أبويه على ثلاثة أقوال:
أحدها: يتبع أيهما أسلم، وهو أحد قولي مالك، وبه أخذ ابن وهب، وهي مقالة هؤلاء الجلة، ويصلى عليه إن مات على هذا.
وثانيها: يتبع أباه وإسلام أمه لا يُعدُّ به الولد مسلمًا، وهو قول مالك في «المدونة».

-------
(١) انظر: «المدونة» ٣/ ٢٨٢، «النوادر والزيادات» ١/ ٦٠٣.


ثالثها: يتبع أمه وإن أسلم أبوه وهي مقالة شاذة ليست في مذهب مالك.
قال سحنون: إنما يكون إسلام [الوالد] (١) إسلامًا له، ثم إذا لم يكن معه أبوه فهو (٢) على دين أمه (٣). ويعضده حديث الباب: «فأبواه يهودانه وينصرانه». فشرك بينهما في ذلك، فإذا انفرد أحدهما دخل في معنى الحديث.
وقال ابن بطال: أجمع العلماء في الطفل الحربي يُسبى ومعه أبواه، أن إسلام الأب إسلام له. واختلفوا فيما إذا أسلمت الأم، وحجة مالك إجماع العلماء، أنه من دام مع أبويه لم يلحقه سباء فحكمه حكم أبويه حَتَّى يبلغ، فكذلك إذا سُبي لا يغير السباء حكمه حَتَّى يبلغ فيعبر عن نفسه، وكذلك إن مات لا يصلى عليه، وهو قول الشعبي. قَالَ: واختلفوا إذا لم يكن معه أبوه ووقع في المقاسم دونهما، ثم مات في ملك مشتريه، فقال مالك في «المدونة»: لا يصلى عليه إلا أن يجيب إلى الإسلام بأمر يعرف أنه عقله، وهو المشهور من مذهبه، وعنه: إذا لم يكن معه أحد من آبائه ولم يبلغ أن يتدين أو يدعى ونوى سيده الإسلام فإنه يصلى عليه وأحكامه أحكام المسلمين في الدفن في مقابر المسلمين والموارثة، وهو قول ابن الماجشون وابن دينار وأصبغ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي (٤).

-----------
(١) في الأصل: الولد، وما أثبتناه يقتضيه المعنى.
(٢) في الأصل: وهو، والصواب ما أثبتناه.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٠١.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢.



وفي «شرح الهداية» إذا سُبِيَ صبي مع أحد أبويه فمات لم يصل عليه حتى يقر بالإسلام، وهو يعقل، أو يسلم أحد أبويه خلافًا لمالك في إسلام الأم، والشافعي في إسلامه هو والولد: يتبع خير الأبوين دينًا.
والتبعية مراتب: أقواها: تبعية الأبوين ثم الدار، ثم اليد.
وفي «المغني»: لا يصلى على المشركين إلا أن يسلم أحد أبويهم، أو يموت مشركا، فيكون ولده مسلمًا، أو يُسبى منفردًا، أو مع أحد أبويه فإنه يصلى عليه.
وقال أبو ثور: إذا سبى مع أحد أبويه لا يصلى عليه إلا أن يسلم وفي «الإشراف» عنه: إذا أسر مع أبويه أو أحدهما أو وحده ثم مات قبل أن يختار الإسلام يصلى عليه.
وقوله: (وكان ابن عباس ..) إلى آخره. قد أسنده بعد (١)، وهو مبني على من قَالَ: إن إسلام العباس متأخر (٢)، وأما من قَالَ: إنه قديم قبل الهجرة، فلا. وأمه أم الفضل لُبابة (٣).
قَالَ ابن سعد: أسلمت بعد خديجة (٤). وقال محمد بن عمر: هاجرت إلى المدينة بعد إسلام زوجها.
وقوله: (وَقَالَ: الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى) ولم يذكر قائله، وقد أخرجه الدارقطني في النكاح من «سننه» بإسناد جيد من حديث عائذ

-----------
(١) سيأتي مسندًا برقم (١٣٥٧).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: حاشية: أسلم قبل خيبر وكان يكتم إسلامه، ويقال: (…) قبل بدر (…).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال ابن (…) وابن سعد: هي أول امرأة أسلمت بعد خديجة.
(٤) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٧٧.



ابن عمرو المحزني أن النبي - ﷺ - قَالَ: «الإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» (١) (٢).
وقصة ابن صياد ذكرها البخاري في مواضع أخر، منها: قَالَ: سالم عن ابن عمر: فقام رسول الله - ﷺ - في الناس فذكره. وفيه: «أنه أعور وأن الله ليس بأعور» (٣).
ومنها في الجهاد في باب: ما يجوز من الاحتيال، معلقًا عن الليث (٤). ووصله الإسماعيلي من حديث ابن بكير وأبي صالح عنه.
ولمسلم قَالَ ابن شهاب: وأخبرني عمر بن ثابت، أنه أخبره بعض الصحابة أنه - ﷺ - قَالَ يوم حذر الناس الدجال: «أنه مكتوبٌ بين عينيه كافِرٌ، يقرأه مَنْ كَرِه عملَهُ ..» (٥). الحديث.
وله أيضًا من حديث أبي سعيد بنحوه (٦)، وللترمذي: فاحتبسه وهو

-----------
(١) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٥٢ كتاب: النكاح، باب: المهر، والحديث حسنه الألباني في «الإرواء» (١٢٦٨).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال المصنف في تخريج أحاديث الرافعي المسمى بـ«خلاصة البدر المنير» في حديث «الإسلام يعلو ولا يعلى»: رواه الدارقطني في «سننه» من رواية عائذ بن عمرو المزني بإسناد واه، ولفظه «الإسلام يعلو ولا يعلى»، والطبراني في أصغر معاجمه وأبو نعيم والبيهقي في كتابيهما «دلائل النبوة» من رواية عمر بن الخطاب ولفظه: «الحمد لله الذي هدانا لهذا الدين الذي يعلو ولا يعلى» قاله الأعرابي في حديث طويل، وفي سنده محمد بن على بن الوليد السلمي البصري. قال البيهقي: الحمل فيه على السلمي، قال الذهبي: صدق والله البيهقي؛ فإنه خبر باطل. ثم عزاه المصنف إلى البخاري تعليقا موقوفًا. اهـ. وانظر: «خلاصة البدر المنير» ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٣) سيأتي برقم (٦١٧٥) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل للرجل: اخسأ.
(٤) سيأتي برقم (٣٠٣٣).
(٥) «صحيح مسلم» برقم (١٦٩) بعد حديث (٢٩٣١) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد.
(٦) السابق برقم (٢٩٣٣) باب: ذكر الدجال وصفته.



غلام يهودي له ذؤابة (١) وله من حديث أبي بكرة فيه وقال: غريب (٢).
وروي أنه كان يشب في اليوم الواحد شباب الصبي لشهر (٣). وروي أنه ولد أعور مختتن (٤). ولنتكلم على مفرداته ومعانيه:
فالرهط: ما دون العشرة من الرجال، ولا يكون فيهم امرأة قاله الجوهري (٥). وفي «العين»: هو عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة. وبعض يقول: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر (٦). وعن ثعلب: الرهط: الأب الأدنى. وفي «المحكم»: الرهط لا واحد له من لفظه (٧). وفي «الجامع»: الرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وربما جاوزوا ذلك. وكذا في «الجمهرة» (٨).
والأُطُم -بضم الهمزة والطاء- بناء من حجارة موضوع كالقصر.
وقيل: هو الحصين. وجمعه آطام (٩).
وقوله: (أُطُم بني مغالة). كذا هو في الصحيح، وفي «صحيح مسلم»

-------------
(١) «سنن الترمذي» برقم (٢٢٤٧) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في ذكر ابن صائد، وقال: هذا حديث حسن.
(٢) «سنن الترمذي» برقم (٢٢٤٨) كتاب: الفتن، باب: ما جاء في ذكر ابن صائد، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».
(٣) روى ما يدل على ذلك أبو يعلى في «مسنده» ١٣/ ٩٣ (٧١٦٣)، وابن حبان في «صحيحه» ١٤/ ٢٤٣ (٦٣٣٥) كتاب: التاريخ، باب: صفته - ﷺ - وأخباره، كلاهما من حديث حليمة أم رسول الله - ﷺ -.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٣٩٦ (٢٠٨٣١).
(٥) «الصحاح» ٣/ ١١٢٨.
(٦) «العين» ٤/ ١٩.
(٧) «المحكم» ٤/ ١٧٦.
(٨) «جمهرة اللغة» ٢/ ٧٦١.
(٩) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٥٤، و«لسان العرب» ١/ ٩٢.



رواية الحلواني: أطم بني معاوية. وذكر الزبير بن أبي بكر: أن كل ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد المدينة فهو لبني مغالة، ومسجده - ﷺ - في بني مغالة، وما كان عن يسارك فلبني حديلة. وقال بعضهم: بنو مغالة: حي من قضاعة، وبنو معاوية هم بنو حديلة، وهي: امرأة نسبوا إليها امرأة عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.
و(مَغَالة) بفتح الميم وبالغين المعجمة.
و(ابن صياد) يقال فيه: بالألف واللام أيضًا، كما قاله ابن الجوزي، وابن صائد واسمه: صافٍ كقاضٍ. وقيل: عبد الله. وقال الواقدي: هو من بني النجار. وقيل: من اليهود وكانوا حلفاء بني النجار، وابنه عمارة (ت ق): شيخ مالك من خيار المسلمين، ولما دفعته بنو النجار عن نسبهم حلف منهم تسعة وأربعون رجلًا، ورجل من بني ساعدة على دفعه.
وقوله: (»أتشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟ "). فيه: عرضُ الإسلام على الصغير، واستدل به قوم على صحة إسلام الصبي، وكان قارب الاحتلام، وهو مقصود البخاري في تبويبه: هل يعرض على الصبي الإسلام؟ وبه قَالَ أبو حنيفة، ومالك، خلافًا للشافعي؛ لعدم تكليفه، ولا يرد على الشافعي صلاته قبل البلوغ كما ألزمه ابن العربي؛ لأنها من باب التمرين وقد أمر الشارع بها.
واختلف المالكية في إسلام ابن الكافر وارتداد ابن المسلم هل يعتد به أم لا؟ على قولين. واختار بعض المتأخرين منهم الاعتداد.
وقوله: (إنك نبي الأميين). قَالَ الرشاطي: الأميون مشركو العرب. نسبوا إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون.


وقيل: الأمية هي التي على أصل ولادات أمهاتها لم تتعلم الكتابة.
وقيل: نسبة إلى أم القرى.
وقوله: (فرفضه النبي - ﷺ -). أي: تركه. كذا هو بالضاد المعجمة.
وفي رواية أخرى بالمهملة، وكذا هو بخط الدمياطي، وقال في الحاشية: إنه كذا عند البخاري ومسلم.
قال عياض: وهي روايتنا عن الجماعة. وقال بعضهم: إنه الرفص بالرجل مثل الرفس بالسين المهملة، فإن صح هذا فهو بمعناه قَالَ: لكن لم أجد هذِه اللفظة في أصول اللغة (١).
قلتُ: لكنهما متقاربان، ووقع في رواية القاضي التميمي: فَرَضَّه بضاد معجمة، وهو وهم. وفي رواية المروزي: فوقصه، بقاف وصاد مهملة، قال: ولا وجه له.
قَالَ الخطابي: إنما هو فرصَّه -أي بتشديد الصاد المهملة، كذا حدثونا من وجوه. وكذلك هو في رواية شعيب بعد هذا، إلا أنه ضبطه بضاد معجمة، يريد أنه ضغطه حَتَّى ضم بعضه إلى بعض، ومنه ﴿بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] (٢).
وقال المازري: أقرب منه أن يكون بالسين المهملة أي: ركله. أي: ضربه برجل واحدة (٣).
فإن قلتَ: ما تَرْكه - عليه السلام - لابن صياد وقد ادعى النبوة؟
قلتُ لأوجهٍ:
أحدها: أنه من أهل الذمة.

-----------
(١) «إكمال المعلم» ٨/ ٤٧٠.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٧٠٨ و«الغريب» ١/ ٦٣٤.
(٣) «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٤٤٤.



ثانيها: أنه كان دون البلوغ، وهو ما اختاره عياض، فلم تجر عليه الحدود (١).
ثالثها: أنه كان في أيام المهادنة مع اليهود. جزم به الخطابي (٢).
وقوله - عليه السلام - له: («خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ») أي: خلط عليه شيطانه ما يلقي إليه من السمع مع ما يكذب إلى ذلك.
وقوله: «إِنِّي قَدْ خَبَأْتُ لَكَ خَبِئًا» فقال ابن صياد: هو الدُّخ. خبأت مهموز وخبأ بباء موحدة. وفي بعض النسخ «خَبِيئًا» بزيادة ياء مثناة تحت، وهو ما في مسلم (٣). وكلاهما صحيح بمعنى: الشيء الغائب المستور.
واختلف في هذا المخبأ ما هو؟ فقال الأكثرون كما حكاه القرطبي: إنه أضمر له في نفسه ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (٤)، قَالَ ابن التين: وهو ما عليه أهل اللغة. وقال الداودي: كان في يده سورة الدخان مكتوبة فلما قَالَ: الدُّخ. وأصاب بعضًا قَالَ له؟ «اخْسَأْ».
والدَّخُّ بفتح الدال وضمها، والمشهور في كتب اللغة والحديث كما ذكره النووي الضم فقط (٥)، ولا يقدح في ذلك اقتصار ابن سيده وغيره على الفتح (٦)، وقد اقتصر على الضم الجوهري (٧).
وقال القرطبي: وجدته ساكن الخاء مصححًا عليه، وكأنه الوقف.
قَالَ: وأما في الشعر:

----------
(١) «إكمال المعلم» ٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧.
(٢) «أعلام الحديث» ١/ ٧١٠.
(٣) مسلم برقم (٢٩٢٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد.
(٤) «المفهم» ٧/ ٢٦٤.
(٥) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٨/ ٤٩.
(٦) قلت: بل الذي عن ابن سيده الوجهان -الفتح والضم- حيث قال: الدَّخُ والدُّخُّ: الدخان. ثم قال: وحكاه ابن دريد بالضم فقط. انظر: «المحكم» ٤/ ٣٦٦.
(٧) «الصحاح» ١/ ٤٢٠.



........... … عند رواق البيت يغشى الدُّخَّا
فمشدد الخاء، وكذلك قراءته في الحديث (١).
وقال صاحب «العين»: الدُّخُّ: الدخان (٢). ولم يذكر ابن بطال غيره (٣).
وقَالَ الخطابي: لا معنى للدخان هنا؛ لأنه ليس مما يخبأ في كف أو كم، بل الدخ: نبت موجود بين النخيل والبساتين. إلا أن يحمل قوله:
«خَبَأْتُ لَكَ خَبِيئًا» أي: أضمرت لك اسم الدخان فيجوز على الضمير.
وقد روي من حديث ابن عمر أنه - ﷺ - أضمر هذِه اللفظة في نفسه فصادفه ابن صياد، وفعله رسول الله - ﷺ - ليختبر ما عنده.
وقال أبو موسى المديني في «مغيثه»: وقيل: إن الدجال يقتله عيسى بجبل الدخان، فيحتمل أن يكون أراده -قلتُ: وهو ما أورده أحمد في «مسنده» من حديث جابر مرفوعًا (٤) - قَالَ: والدّخُّ: الدخان، وقال في موضع آخر: الظل والنحاس (٥).
وقال صاحب «المطالع»: الدخ لغة في الدخان لم يستطع ابن صياد أن يتم الكلمة ولم يهتد من الآية إلا لهذين الحرفين على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات من أوليائهم من الجن أو من هواجس النفس؛ ولهذا قَالَ له: «اخسأ فلن تعدو قدرك» يعني: قدر الكهان. وهي كلمة زجر وطرد، وهي مهموزة تقول منه: خسأتُ الكلبَ، ومنه: قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
ووقع في «علوم الحاكم»: أنه الدخ بمعنى: الزخ. وهو الجماع وهو عجيب.

--------------
(١) «المفهم» ٧/ ٢٦٤ - ٢٦٥.
(٢) «العين» ٤/ ١٣٨.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٣.
(٤) «المجموع المغيث» ٦٤٥/ ١.
(٥) «المسند» ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨.



وقوله: («فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ») أي: لست بنبي فلن تجاوز قدرك، فإنما أنت كاهن ودجال. وقيل: أن تسبق قدر الله فيك وفي أمرك. قَالَ ابن التين: ووقع هنا بغير واو. وقال القزاز: هي لغة لبعض العرب يجزمون بلن مثل لم، وذكر أن بعض القراء قرأ ﴿لن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١] وقال ابن الجوزي: لا تبلغ قدرك، أي: تطالع بالغيب من قبل الوحي المخصوص بالأنبياء، ولا من قبيل الإلهام الذي يدركه الصالحون، وإنما كان الذي قاله من شيء ألقاه الشيطان إليه إما لكونه - عليه السلام - تكلم بذلك بينه وبين نفسه فسمعه الشيطان، وإما أن يكون الشيطان سمع ما يجري بينهما من السماء؛ لأنه إذا قضي القضاء في السماء تكلمت به الملائكة فاسترق الشيطان السمع، وإما أن يكون - عليه السلام - حدث بعض أصحابه بما أضمر. ويدل عليه قول ابن عمر: وخبأ له رسول الله - ﷺ - ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].
فالظاهر أنه أعلم الصحابة بما يخبأ له، أو أن يكون اعتمد ذلك؛ لأن الدخان يستر أعين الناظرين عن الشمس.
وقد روى الطبراني أنه - ﷺ - قَالَ لأصحابه: «خبأت له سورة الدخان» من حديث زيد بن حارثة (١)، وإنما فعل الشارع ذلك به؛ ليختبره على طريقة الكهان كما سلف؛ وليبين للصحابة حاله وكذبه.

--------------
(١) رواه في «الكبير» ٥/ ٨٨ (٤٦٦٦)، و«الأوسط» ٤/ ١٦٤ (٣٨٧٥)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن فرات القزاز إلا ابنه الحسن، ولا عن ابنه إلا ابنه زياد، تفرد به إبراهيم بن عيسى التنوخي، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٤، وقال: رواه البزار والطبراني في «الكبير» و«الأوسط»، وفيه: زياد بن الحسن بن فرات ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن حبان.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #275  
قديم 06-02-2026, 05:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 91 الى صـــ 110
الحلقة (275)




وقول عمر: (دعني أضرب عنقه). يعني: لما ادعى وظن أنه يجب عليه.
وقوله - ﷺ -: («إِنْ يَكُنْ هُو»). هو الصحيح وفي رواية: «يَكُنْهُ». وهذا الضمير في «يكنه» هو خبرها، وقد وضع موضع المنفصل واسمها مستتر فيها.
والمعنى: إن يكن هو الدجال الذي يقول: إنه رب فلن تسلط عليه؛ لأن له مدة سيبلغها، وإنما يقتله عيسى، ولابد أن ينفذ فيه القضاء. («وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُو فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ») يعني: لصغره، وهذا يدل على أنه - ﷺ - لم يتضح له شيء من أمره هل هو الدجال أم لا؟
ولعل الله تعالى قد علم في إخفائه مصلحة فأخفاه، وأوجب الإيمان بخروج الدجال الكذاب، وفي هذا دلالة على التئبت في أمر التهم، وأن لا تستباح الدماء إلا بيقين، ولا شك في أن ابن صياد من الدجاجلة، وأما احتجاجه بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له، وبأن الدجال لا يدخل الحرمين وقد دخلهما، فغير واضح، وإن كان محمد بن جرير وغيره ذكروه في جملة الصحابة؛ لأنه - ﷺ - إنما أخبر عن صفات الدجال وقت فتنته وخروجه.
ويؤكد أنه هو، أو دجال من الدجاجلة: قوله لرسول الله - ﷺ -: أتشهد أني رسول الله، وأنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشًا، وأنه لا يكره أن يكون الدجال، وأنه يعرف موضعه الآن، ولا شك أن من رضي لنفسه دعوى الإلهية وحالة الدجال فهو كافر، وقد صرح به القرطبي (١).
(١) «المفهم» ٧/ ٢٧٠.


وقال الخطابي: اختلف السلف في أمره بعد كبره أي: هل هو الدجال أم لا؟ فروي عنه أنه تاب من ذلك القول، ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حَتَّى رآه الناس، وقيل
لهم أشهدوا (١).
وكان ابن عمر (٢) وجابر (٣) يحلفان أنه الدجال، وكذا أبو ذر (٤).
فقيل لجابر: إنه أسلم قَالَ: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان بالمدينة فقال: وإن دخل. قيل له: فإنه قد مات. قَالَ: وإن مات (٥).
لكن في أبي داود عن جابر قَالَ: فقدنا ابن صياد يوم الحرة (٦)، وهو رد لمن قَالَ مات بالمدينة. وفي «مسلم»: حلف عمر عند رسول الله - ﷺ - أنه الدجال، فلم ينكره (٧).

-------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٧١٠ - ٧١١.
(٢) رواه أبو داود (٤٣٣٠) كتاب: الملاحم، باب: في خبر ابن صائد. وأبو عوانة ١/ ١٣٠ (٣٨٧) كتاب: الإيمان، باب: إثبات خازن النار. وأبو نعيم في «المستخرج» ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨ (٤٢٩) كتاب: الإيمان، باب: ذكر ما أُري من صفات الأنبياء ونعوتهم.
(٣) سيأتي برقم (٧٣٥٥) كتاب: الاعتصام، باب: من رأى ترك النكير من النبي - ﷺ - حجة لا من غير الرسول.
(٤) أخرجه أحمد ٥/ ١٤٨، وابن شَبَّة في «أخبار المدينة» ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، والبزار ٩/ ٣٩٥ - ٣٩٦ (٣٩٨٣)، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٤٢ (٨٥٢٠)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٨/ ٢: رواه أحمد والبزار والطبراني في «الأوسط» ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة.
(٥) هو جزء من حديث رواه أبو داود (٤٣٢٨) باب خبر الجساسة. وضعف الألباني إسناده.
(٦) «سنن أبي داود» (٤٣٣٢)، باب: في خبر ابن الصائد، وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: صحيح الإسناد.
(٧) «صحيح مسلم» (٢٩٢٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن الصياد.



وفي «الفتوح» لسيف: لما نزل النعمان على السوس أعياهم حصارها فقال لهم القسيسون: يا معشر العرب، إن مما عهد علماؤنا وأوائلنا أن لا يفتح السوس إلا الدجال، فإن كان فيكم فستفتحونها وإن لم يكن فيكم فلا قَالَ: وَصَافَّ ابن صياد في جند النعمان، فأتى باب السوس غضبانًا فدقه برجله. وقال: انفتح فتقطعت السلاسل وتكسرت الأغلاق وانفتح الباب فدخل الناس.
قَالَ ابن التين: والأصح أنه ليس هو؛ لأن عينه لم تكن ممسوحة ولا عينه طافية، ولا وجدت فيه علامة.
وقوله: (يختل أن يسمع من ابن صياد شيئًا قبل أن يراه ابن صياد). أي: يطلب أن يأتيه من حيث لا يعلم فيسمع ما يقول في خلوته، وبهذه اللفظة ساغ للبخاري إدخال هذا الحديث في باب: شهادة المختبئ من الشهادات (١) -وهي بكسر التاء- أي: مستغفلا ليسمع من كلامه شيئًا ليعلم به حاله أهو كاهن أو ساحر، وهي في مذهب مالك جائزة إذا لم يكن المقر خائفًا ولا ضعيفًا ولا مختدعًا.
وقوله: (وهو مضطجع في قطيفة). هي: كساء له خمل، والجمع قطائف، وقطف (٢). وفعله ذلك يحتمل أن يكون حين يأتيه شيطانه، وأن يفعله احتيالًا وكذبًا وتشبهًا مما فعله الشارع حين أتاه الوحي.
وقوله: (له فيها رمزة أو زمرة. وقال شعيب في حديثه: فرضَّه رمرمة أو زمزمة (٣) وقال إسحاق وعقيل: رمرمة. وقال معمر: رمزة). وهذا

------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٣٨) كتاب: الشهادات.
(٢) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٤١٧، «لسان العرب» ٦/ ٣٦٨١.
(٣) سيأتي موصولًا برقم (٦١٧٣ - ٦١٧٤) كتاب: الأدب، باب: قول الرجل للرجل اخسأ.



اختلاف وشك في ضبط ذلك.
قَالَ صاحب «المطالع»: رمرمة أو رمزة كذا للبخاري. وعند أبي ذر زمرة. وقال شعيب: رمزة، وهذا خلاف ما أسلفناه عن البخاري.
وعند بعض رواة مسلم: زمرة، وفي رواية شعيب: رمرمة أو زمزمة، وكذا هو في البخاري كما سلف، وكذا للنسفي قَالَ: ومعنى هذِه الألفاظ كلها متقارب. قَالَ الخطابي: الرمرمة: تحريك الشفتين بالكلام. قَالَ: فالمرمة: الشفة (١).
وقال غيره: هو كلام العلوج، وهو صوت من الخياشم والحلق لا يتحرك فيه اللسان والشفتان. والرمزة: صوت خفي، كلام لا يفهم، وقد يقال له: الهينمة. وأما الزمرة -بتقديم الزاي- فمن داخل الفم.
وقال صاحب «العين»: الزمزمة: أصوات العلوج عند الأكل (٢)، والزمزمة من الرعد ما لم يفصح، ولم يذكر ابن بطال سواه (٣).
وقال عياض: جمهور رواة مسلم بالمعجمتين، وأنه في بعضها براء أولًا وزاي آخرًا وحذف الميم الثانية، وهو: صوت خفي لا يكاد يفهم أو لا يفهم (٤).
وقوله: (فثار ابن صياد). أي: رجع عما كان متماديًا على قوله، كذا هو بخط الدمياطي فثار، وشرحه ابن التين على أنه فثاب بالباء، ثم قَالَ: وفي رواية أبي ذر: فثار، أي: وثب.
وقوله: («لو تركته بيَّن») يقول لو وقف عليه من يتفهم كلامه لتبين من قوله ذلك الزمزمة، فيعرف ما يدعي من الكذب، إن كان الذي يقول في وقته ذلك هو الذي أظهر من دعواه أنه رسول الله.

------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٧٠٨.
(٢) «العين» ٧/ ٣٥٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٣.
(٤) «إكمال المعلم» ٨/ ٤٦٨ - ٤٦٩.



فصل:
وأما حديث أنس في الغلام اليهودِي (١) فيأتي في الطب (٢)، وفيه عرض الإسلام على الصبي، كما ترجم له، وإنما دعاه إليه بحضرة أبيه؛ لأن الله تعالى أخذ عليه فرض التبليغ لعباده ولا يخافُ في الله لومة لائم، وتعذيب من لم يسلم إذا عقل الكفر، لقوله: («الحَمْدُ لله الذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ»).
وأثر ابن عباس بعده فيه عبيد الله الراوي، عن ابن عباس، وهو ابن أبي يزيد.
فصل:
وأما قوله: حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ ابن شِهَاب: يُصَلَّى عَلَى كُل مَوْلُودٍ مُتَوَفًّى وإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلدَ عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ .. إلى قوله: وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ لَا يَسْتَهِلُّ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَقْطٌ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ قَالَ النبي - ﷺ -: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ ..» الحديث، وهذا منقطع؛ لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة شيئًا ولا أدركه، والبخاري لم يذكره للاحتجاج، إنما ذكر الزهري مسندًا بعلو، واعتماده على سنده الثاني عن الزهري، عن أبي سلمة، عن
أبي هريرة، وإن كان نازلًا فهو متصل بذلك، وكذا ذكره في ذكر أولاد المشركين، وفي سورة الروم من التفسير (٣).

-----------
(١) بهامش الأصل: واسم الغلام عبد القدوس كذا أوله ابن بشكوال في «مبهماته».
(٢) سيأتي برقم (٥٦٥٧) باب: عيادة المشرك.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٣٨٥) باب: ذكر أولاد المشركين، وبرقم (٤٧٧٥) باب: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾.



قَالَ أبو عمر: وروي من وجوهٍ صحاح ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره (١). وقول ابن شهاب: (وَإِنْ كَانَ لِغَيَّةٍ). يريد لزنا، وهو قول جميع الفقهاء إلا قتادة فانفرد فقال: لا يصلى عليه (٢).
وقوله: (يَدَّعِي أَبَوَاهُ الإِسْلَامَ أَوْ أَبُوهُ خَاصَّةً) وهو قول مالك وغيره أنه إن أسلم أبوه تبعه (٣).
وقوله: (إِذَا اسْتَهَلَّ صَارِخًا صُلِّيَ عَلَيْهِ) الاستهلال: الصياح والبكاء.
وإذا استهل صلِّي عليه عندنا (٤) لحديث ابن عباس مرفوعًا: «إذا استهل السقط صلِّي عليه وورث» (٥).
ورواه الترمذي من حديث جابر، وصوب وقفه (٦).
ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط (٧).
وحكي عن سعيد بن جبير: لا يصلى عليه ما لم يبلغ (٨).

------------
(١) «التمهيد» ٦/ ٣٤٩.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٣٤ (٦٦١٣) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على ولد الزنا والمرجوم.
(٣) انظر: «الاستذكار» ٨/ ٤٠٦.
(٤) انظر: «البيان» ٣/ ٧٧.
(٥) حديث ابن عباس رواه ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٠٣، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٠، وذكره ابن حجر في «التلخيص الحبير» ٢/ ١١٤، وقال: وقواه ابن طاهر في «الذخيرة»، وذكره أيضًا في «الدراية» ١/ ٢٣٥، وقال: وإسناده حسن. أهـ، وللحديث شواهد عن جابر وأبي هريرة.
(٦) «سنن الترمذي» (١٠٣٢) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ترك الصلاة على الجنين حتى يستهل.
(٧) انظر: «الأوسط» ٥/ ٤٠٣.
(٨) روى ذلك ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ١١ (١١٥٩٨) كتاب: الجنائز، باب: من قال: لا يصلى على السقط حتى يستهل صارخًا.



قَالَ ابن حزم: ورويناه أيضًا عن سويد بن غفلة (١). وعند المالكية لا يصلى عليه ما لم تعلم حياته بعد انفصاله بالصراخ وفي العطاس والحركة الكثيرة والرضاع اليسير، قولان للمالكية (٢).
أما الرضاع المتحقق والحياة المعلومة بطول المكث فكالصراخ.
وعن الليث وابن وهب وأبي حنيفة والشافعي: أن الحركة والرضاع والعطاس استهلال (٣). وعن بعض المالكية: أن البول والحدث حياة.
وفي شرح «الهداية»: إذا استهل المولود سمي وغسل وصُلَّي عليه، وكذا إذا استهل ثم مات لحينه، فإن لم يستهل لا يغسل ولا يرث ولا يورث ولا يسمى. وعند الطحاوي: أن الجنين الميت يغسل ولم يحك خلافًا. وعن محمد في سقط استبان خلقه: يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه.
وقال أبو حنيفة: إذا خرج أكثر الولد صُلّي عليه، وإن خرج أقله لم يُصَلْ عليه. وعن ابن عمر، أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل، وبه قَالَ ابن سيرين وابن المسيب (٤) وأحمد وإسحاق.
وقال العبدري: إن كان له دون أربعة أشهر لم يُصَلْ عليه بلا خلاف، يعني بالإجماع، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء.

------------
(١) «المحلى» ٥/ ١٦٠.
(٢) انظر: «مواهب الجليل» ٣/ ٧١.
(٣) انظر: «بداع الصنائع» ١/ ٣١١، «النوادر والزيادات» ١/ ٥٩٧، «روضة الطالبين» ٢/ ١١٧.
(٤) روى هذِه الآثار عبد الرزاق ٣/ ٥٣١ (٦٦٠٠ - ٦٦٠١) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الصغير والسقط وميراثه، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٠ - ١١ (١١٥٨٤، ١١٥٩١، ١١٥٩٤ - ١١٥٩٥) كتاب الجنائز، باب: من قال: يُصلى على السقط، وابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٤٠٣ - ٤٠٦.



وقال أحمد وداود: يُصلَّى عليه (١). وقال ابن بطال: اتفق جمهور الفقهاء على أنه لا يُصَلّى عليه حَتَّى يستهل، قَالَ: وهو قول مالك والكوفيين والأوزاعي والشافعي، وهو الصواب؛ لأن من لم يَسْتهل لم تصح له حياة، ولا يقال فيه إنه ولد على الفطرة، وإنما سن الشارع الصلاة على من مات ممن تقدمت له حياة، لا من لم تصح له حياة (٢).
فصل:
وقولى: (»مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ .. «) الحديث. الفطرة في كلام العرب تنصرف على وجوه: منها: الجبلة، وزكاة الفطر، والخلقة يقال: فطر الله الخلق أي: خلقهم. وقيل: ابتداء الخلق المراد بالحديث.
وهي في الشرع: الحالة التي خلقوا عليها من الإيمان. فالمعنى: على الفطرة التي خلق عليها من الإيمان.
وقال الأوزاعي وغيره: تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
قَالَ ابن المبارك: هذا لمن يكون مسلمًا يذهب إلى أنه مخصوص، فمعنى الحديث على هذا: يولد على العهد الذي أخذه عليه. وقيل: معناه يولد على الفطرة السلمية والطبع المتهيئ لقبول الدين لو تُرك.
وقيل: على فطرة الله.
وقال محمد بن الحسن: كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض وأمر المسلمين بالجهاد (٣).
قَالَ أبو عبيد: كأنه يذهب إلى أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات

----------------
(١) انظر:»المغني«٣/ ٤٥٨.
(٢)»شرح ابن بطال«٣/ ٣٤٢.
(٣) نقله عنه أبو عبيد في»غريب الحديث" ١/ ٢٢١.



قبل أن يهوده أبواه لم يتوارثا؛ لأنه مسلم وهذا كافر (١)، وهذا ليس ببين لأن بنفس تمام الولادة يسري إليه هذا الحكم، ويرد عليه أيضًا أنه لا يجوز أن يكون منسوخًا؛ لأنه خبر ولا يكون كما قَالَ ابن المبارك، وإنما أشكل معنى الحديث؛ لأنهم تأولوا الفطرة بالإسلام، وإنما هي ابتداء الخلق. وقيل: نسخه قوله: «الله أعلمُ مما كانُوا عامِلين» (٢) وقيل: نسخه سبيهم مع آبائهم. وقال ابن عبد البر: اختلفوا في معناه، فقالت طائفة: ليس عامًا، ومعناه: إن كل من ولد على الفطرة، وكان له أبوان على غير الإسلام هوَّداه أو نصراه.
قالوا: وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين مولودون على الفطرة بين الأبوين الكافرين، وكذلك من لم يولد عليها وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره، وإن كانا يهوديين فهو يهودي ويرثهما ويرثانه، وكذلك إن كانا نصرانيين أو مجوسيين حَتَّى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث، فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه، واحتج القائلون بهذِه المقالة بحديث أُبي بن كعب، قَالَ النبي - ﷺ -: «الغلام الذي قتله الخِضر طبعه الله يوم طبعه كافرًا» (٣).

-----------(١) المصدر السابق.
(٢) سيأتي برقم (١٣٨٤): باب: ما قيل في أولاد المشركين.
(٣) رواه مسلم (٢٦٦١) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولد يولد على الفطرة، وأبو داود (٤٧٠٥) كتاب: السنة، باب: في القدر، والطيالسي ١/ ٤٣٥ (٥٤٠)، وابن أبي عاصم في «السنة» ١/ ٨٥ - ٨٦، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٨/ ٤١٩ (٦٠٩٦) كتاب: التفسير، بيان مشكل ما روي عن رسول الله - ﷺ - مما قد اختلف القراءة فيه، والشاشي في «مسنده» ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠ (١٤١٢ - ١٤١٣)، وابن حبان ١٤/ ١٠٨ (٦٢٢١): كتاب: التاريخ، باب: بدء الخلق، واللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» ٤/ ٦٦٥ (١٠٧٥).



وبحديث أبي سعيد مرفوعًا: «ألا إن بني آدم خلقوا طبقات، فمنهم من يولد مؤمنًا ويحيى مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم من يولد كافرًا ..» (١) إلى آخر الحديث بالقسمة الرباعية، ففيه وفي غلام الخضر ما يدل على أن قوله: «كل مولود» ليس على العموم، وأن المعنى فيه، أن كل مولود يولد على الفطرة وأبواه (يهوديان أو نصرانيان) (٢)، فإنهما يهودانه أو ينصرانه، ثم يصير عند بلوغه إلى ما يحكم به عليه، ودفعوا رواية من روى: «كل بني آدم يولد على الفطرة».
قالوا: ولو صح هذا اللفظ ما كان فيه حجة؛ لأن الخصوص جائز دخوله على لفظة «كل» قَالَ تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] ولم تدمر السماء والأرض وقال ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولم يفتح عليهم أبواب الرحمة.
وذكروا في ذلك رواية الأوزاعي، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة: «كل مولودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ

---------------
(١) حديث أبي سعيد جزء من حديث طويل رواه الترمذي (٢١٩١) كتاب: الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه مما هو كائن إلى يوم القيامة، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحميدي ٢/ ١٧ (٧٦٩)، وأحمد ٣/ ١٩، وأبو يعلى ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (١١٠١)، والحاكم ٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦ وقال: تفرد بهذِه السياقة علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة، والشيخان لم يحتجا بعلي بن زيد وقال الذهبي: ابن جدعان صالح الحديث. اهـ. والحديث رواه أيضًا البيهقي في»الشعب«٦/ ٣٠٩ - ٣١٠ (٨٢٨٩) باب: في حسن الخلق، والبغوي في»شرح السنة«١٤/ ٢٣٩ - ٢٤٢ (٤٠٣٩) باب: في التجافي عن الدنيا، وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني: إسناده ضعيف.»مشكاة المصابيح«٣/ ١٤٢٤ (٥١٤٥)، وقال أيضًا في»ضعيف الترمذي«: ضعيف لكن بعض فقراته صحيح، وانظر»الضعيفة" (٢٩٢٧).
(٢) في الأصل: (يهودان أو ينصران)، والمثبت هو الموافق للسياق.



أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (١). قَالَ الأوزاعي: وذلك بقضاء.
وفي حديث معمر: «كما تنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها مِنْ جدعاء». يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (٢) [الروم: ٣٠] ولم يختلف في هذا اللفظ عن معمر، وكذا حديث سمرة في الرؤيا عن النبي - ﷺ -: «كلُّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ» هذا لفظه.
وفي حديث أبي رجاء، عن سمرة: «وأمَّا الرجلُ الطويل الذي في الرَّوضةِ فإنَّه إبراهيم، وأمَّا الوِلدَان الذين حوله فكل مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» (٣).
وقال آخرون: المعنى في كل ذلك: كل مولود من بني آدم، فهو يولد على الفطرة أبدًا، وأبواه يحكم له بحكمهما، وإن كان ولد على الفطرة حَتَّى يكون ممن يعبر عنه لسانه، يدل على ذلك رواية من روى: «كلُّ بني آدمَ يُولد على الفطرةِ». وحق الكلام أن يحمل على عمومه، وحديث أبي هريرة مرفوعًا: «الله أعلمُ مما كانوا عامِلين» وروى أبو سلمة عنه مرفوعًا: «ما من مَوْلودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» ثم قرأ: الآية ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ الآية [الروم: ٣٠] وبنحوه رواه الليث عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة. وذكر حديث إبراهيم والوِلْدَان من حوله: أولاد الناس، قالوا:

---------
(١) رواها ابن حبان ١/ ٣٣٦ (١٢٨) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة، والبيهقي ٦/ ٢٠٣ كتاب: اللقطة، باب: الولد يتبع أبويه في الكفر، والذهلي في «الزهريات» كما ذكره ابن حجر في «الفتح» ٣/ ٢٤٨.
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٨) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وأحمد ٢/ ٢٧٥، وعبد الرزاق ١١/ ١١٩ - ١٢٠ (٢٠٠٨٧) كتاب: الجامع، باب: القدر، وابن حبان ١/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (١٣٠) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة.
(٣) سيأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.



فهذِه الأحاديث تدل ألفاظها على أن المعنى: الجميع يولدون على الفطرة (١). انتهى.
أما حديث أبي سعيد: ففيه ابن جدعان، وهو ضعيف ثم لا معارضة بينه وبين من قَالَ بالعموم؛ لأنه من ولد مؤمنًا وعاش عليه ومات عليه، وكذا عكسه وما أشبهه كله راجع إلى علم الله تعالى، فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين، والعياذ بالله يكون سبق في علم الله تعالى غير ذلك، وكذا من ولد بين كافرين، وإلى هذا أيضًا يرجع غلام الخضر.
قَالَ أبو عمر: وقد اختلف العلماء في هذِه الفطرة، فذكر أبو عبيد أنه سأل محمد بن الحسن عن معنى هذا الحديث، فما أجابه بأكثر من أن قَالَ: هذا القول من رسول الله - ﷺ -، قبل أن يؤمر الناس بالجهاد. كأنه حاد عن الجواب إما لإشكاله أو لكراهة الخوض فيه. وقوله: قبل أن يؤمر الناس بالجهاد غير جيد؛ لأن في حديث الحسن عن الأسود بن سريع بيان أن ذلك كان بعد الجهاد وهو قوله: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «ما بال قوم بلغوا في القتل إلى الذرية، إنه ليس من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فيعبر عنه لسانه» (٢) وهو حديث بصري صحيح (٣).

------------
(١) «التمهيد» ٦/ ٣٥٠ - ٣٥٣.
(٢) رواه النسائي في «الكبرى» ٥/ ١٨٤ (٨٦١٦) كتاب: السير، باب: النهي عن قتل ذراري المشركين، وأحمد ٣/ ٤٣٥، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٣٧٥ (١١٦٠)، والطبراني في «الكبير» ١/ ٢٨٤ (٨٢٩، ٨٣٢)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٢٣ كتاب: الجهاد، والبيهقي في «السنن» ٩/ ٧٧ كتاب: السير، باب: النهي عن قصد النساء والولدان بالقتل، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/ ٣١٦: رواه أحمد والطبراني، وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح.
(٣) «التمهيد» ٦/ ٣٥٣ - ٣٥٥.



وقال أبو نعيم: مشهور ثابت (١).
قلتُ: فيه نظر؛ لأن ابن معين وجماعة أنكروا سماع الحسن من الأسود.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»: «ما مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا عَلَى فِطْرَةِ الإسلام حتى يعرب» (٢).
وقال أبو حاتم: يريد الفطرة التي يعهدها أهل الإسلام، حيث أخرج الخلق من صلب آدم، فأقروا له بتلك الفطرة من الإسلام، فنسبت الفطرة إلى الإسلام عند الاعتقاد، على سبيل المجاورة (٣).
وروى عوف الأعرابي، عن أبي رجاء عن سمرة عن النبي - ﷺ -: «كلّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ» فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله - ﷺ -: «وأولاد المشركين».
وقال ابن المبارك: تفسيره: «الله أعلم مما كانوا عاملين».
وقالت جماعة: الفطرة هنا: الخلقة التي يخلق عليها المولود من المعرفة، فكأنه قَالَ كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه جَلَّ وعَزَّ إذا كبر وبلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفة ذلك.
قَالَ: وأنكروا أن يكون المولود يُفْطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار وإنما يولد على السلامة في الأغلب خلقة وطبعًا، وبنية ليس فيها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الإيمان أو غيره إذا ميزوا.
واحتجوا بقوله: «كمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ» يعني: سالمة.

------------
(١) «حلية الأولياء» ٨/ ٢٦٣.
(٢) «صحيح ابن حبان» ١/ ٣٤١ (١٣٢) كتاب: الإيمان، باب: الفطرة.
(٣) «صحيح ابن حبان» ١/ ٣٤٢.



«هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ». يعني: مقطوعة الأذن. فمثَّل قلوب بني آدم بالبهائم؛ لأنها تولد كاملة الخلق ليس فيها نقص ثم تجدع، فكذا يكون الأطفال في حين ولادتهم ليس لهم كفر حينئذ ولا إيمان ولا معرفة ولا إنكار مثل البهائم السالمة، فلما بلغوا استهواهم الشيطان فكفر أكثرهم إلا من عصم الله.
قالوا: ولو كان الأطفال قد فطروا على الكفر أو الإيمان في أول أمرهم فما انقلبوا عنه أبدًا، وقد نجدهم يؤمنون ثم يكفرون، ويستحيل أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل شيئًا؛ لأن الله تعالى أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئًا، فمن لا يعلم شيئًا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار.
قَالَ أبو عمر: وهذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة هنا، وذلك أن الفطرة: السلامة والاستقامة بدليل حديث عياض بن حمار، قَالَ رسول الله - ﷺ -: «قَالَ الله تبارك وتعالى: إني خلقت عبادي حنفاء» (١) أي: على استقامة وسلامة، والحنيف في كلام العرب: المستقيم السالم (٢). وذكر الباقلاني في نقض كتاب «العمد» للجاحظ، أن المراد: أن كل مولود يولد في دار الإسلام فحكمه حكم الدار، وأنه لاحق بكونه مولودًا موجودًا بأحكام المسلمين في تولي أمره ووجوب الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ومنعه من اعتقاد غير

----------------
(١) رواه مسلم (٢٨٦٥) كتاب: الجنة والنار، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، وأحمد ٤/ ١٦٢، الطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٦١ - ٣٦٢ (٩٩٥)، وفي «الأوسط» ٣/ ٢٠٦ (٢٩٣٣)، البيهقي ٩/ ٢٠ كتاب: السير، باب: أصل فرض الجهاد.
(٢) انظر: «التمهيد» ٦/ ٣٥٤ - ٣٥٦.



الإسلام إذا بلغ.
وقال آخرون: الفطرة هنا: الإسلام، وهو المعروف عند السلف من أهل العلم بالتأويل، فإنهم أجمعوا في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. قالوا: هي دين الإسلام، واحتجوا بقول أبي هريرة اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ الآية. وبحديث عياض السالف. وبقوله - ﷺ -: «خمس من الفطرة» فذكر قص الشارب والاختتان وذلك من سنن الإسلام، وإليه ذهب أبو هريرة وعكرمة والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة والزهري، وعلى هذا معنى قوله: «بهيمة جمعاء» يقول: خلق الطفل سليمًا من الكفر مؤمنًا مسلمًا على الميثاق الذي أخذ على الذرية ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قَالَ: ويستحيل أن يكون على الفطرة هنا الإسلام؛ لأن الإسلام والإيمان: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وهذا معدوم في الطفل.
وقال آخرون: معنى الفطرة هنا: البداءة التي ابتدأهم عليها أي: على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للمحيا والموت والسعادة والشقاوة، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من [ميولهم عن] (١) آبائهم واعتقادهم، وذلك ما فطرهم عليه مما لا بد من مصيرهم إليه، وكأنه قَالَ: كل مولود يولد على ما ابتدأه الله عليه. واحتجوا بما رواه مجاهد، عن ابن عباس قَالَ: لم أدر ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ١] حَتَّى أتى أعرابيان يختصمان في بئر، فقَالَ: أحدهما أنا فطرتها أي: ابتدأتها (٢).

---------------------
(١) زيادة يقتضيها السياق، أثبتناها من «التمهيد» ٦/ ٣٦٠.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٥/ ١٥٨ (١٣١١٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٢/ ٢٥٨ (١٦٨٢) باب: في طلب العلم، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٣٦٠.



وقال محمد بن نصر المروزي، وهذا المذهب شبيه بما حكاه أبو عبيد، عن ابن المبارك قَالَ: وقد كان أحمد يذهب إلى هذا القول ثم تركه، ومذهب مالك نحو هذا.
وقال آخرون: معناه أن الله فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان، فأخذ من ذرية آدم الميثاق حين خلقهم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ قالوا جميعًا: ﴿بَلَى﴾. وأما أهل السعادة فقالوا جميعًا: بلى على معرفة له طوعًا من قلوبهم، وأما أهل الشقاوة فقالوا: بلى، كرهًا لا طوعًا. تصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] وكذا قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩، ٣٠].
قَالَ المروزي: وسمعت ابن راهويه يذهب إلى هذا، واستدل بقول أبي هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣] الآية. قَالَ إسحاق: لا تبديل لخلقته التي جبل عليها بني آدم كلهم من الكفر والإيمان والمعرفة والإنكار. واحتج أيضًا بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية.
قَالَ إسحاق: أجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد. واحتج بحديث أبي بن كعب يرفعه في غلام الخضر فكان الظاهر ما قَالَ موسى: (أقتلت نفسًا زاكية) (١) [الكهف: ٧٤]، فأعلم الله الخضر ما كان الغلام عليه من الفطرة التي فطره عليها وهي الكفر. وكان ابن عباس يقرأ. (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) [الكهف: ٨٠].

----------
(١) قراءة: أبي جعفر، ونافع، ورويس عن يعقوب، وأبي عمرو. «الكوكب الدري» ص ٤٨١.


قَالَ إسحاق: فلو ترك الشارع ولم يبين لهم حكم الأطفال، لم يعرفوا المؤمن منهم من الكافر؛ لأنهم لا يدرون ما جبل كل واحد منهم عليه حين أخرج من ظهر آدم، فبين لهم حكم الطفل في الدنيا فقال: «أبواه يهودانه أو ينصرانه» يقول: إنهم لا يعرفون ما طبع عليه في الفطرة الأولى، ولكن حكم الطفل في الدنيا حكم أبويه، فأعرفوا ذلك بالأبوين، فمن كان صغيرًا بين أبوين مسلمين التحق بحكمهما.
واحتج أيضًا بحديث عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فرد عليها رسول الله - ﷺ - فقال: «مه يا عائشة، وما يدريك؟ إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا» (١).
قَالَ إسحاق: فهذا الأصل الذي نعتمده ويعتمد عليه أهل العلم. قَالَ أبو عمر: وقول إسحاق: إن الفطرة المعرفة (٢)، فلا يخلو من أن يكون أراد بقوله أن الله تعالى خلق الأطفال وأخرجهم من بطون أمهاتهم؛ ليعرف منهم العارف ويعترف فيؤمن، وينكر منهم المنكر ما يعرف فيكفر، وذلك كله قد سبق به لهم قضاء الله وتقدم فيه علمه، ثم يصيرون إليه، فتصح منهم المعرفة والإيمان والكفر والجحود، وذلك عند التمييز والإدراك. فذلك ما قلنا، أو أراد أن الطفل يولد عارفًا مقرًا مؤمنًا أو عارفًا جاحدًا منكرًا كافرًا في حين ولادته، فهذا ما يكذبه العيان والعقل، ولا أعلم أصح من الذي بدأنا به.

-------------
(١) رواه مسلم (٢٦٦٢) كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، وأبو داود (٤٧١٣) كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين، والنسائي ٤/ ٥٧ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على الصبيان، وابن ماجة (٨٢) في المقدمة، باب: في القدر، وأحمد ٦/ ٢٠٨.
(٢) كذا بالأصل، وتتمة قول إسحاق: والإنكار والكفر والإيمان، «التمهيد» ٦/ ٣٦٥.



وقول إسحاق في هذا الباب لا يرضاه حذاق الفقهاء من أهل السنة، وإنما هو قول المجبرة.
وقال آخرون: معناها ما أخذه الله تعالى من الميثاق على الذرية،
فأقروا جميعًا له بالربوبية عن معرفة منهم به، ثم أخرجهم من أصلاب آبائهم مطبوعين على تلك المعرفة وذلك الإقرار، قالوا: وليست تلك المعرفة والإقرار بإيمان، ولكنه إقرار من الطبيعة للرب فطرة ألزمها قلوبهم، ثم أرسل إليهم الرسل فدعوهم إلى الاعتراف له بالربوبية والخشوع تصديقًا لما جاءت به الرسل، فمنهم من أنكر وجحد بعد المعرفة وهو به عارف؛ لأنه لم يكن الله ليدعو خلقه إلى الإيمان بما لا يعرفون، وتصديق ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقال آخرون: الفطرة: ما يقلِّب الله قلوب الخلق إليه بما يريد ويشاء، واحتجوا بحديث أبي سعيد السالف: «إن بني آدم خلقوا على طبقات»، فالفطرة عند هؤلاء ما قضاه الله وقدره لعباده من أول أحوالهم إلى آخرها، كل ذلك عندهم فطرة.
قَالَ أبو عمر: وهذا القول وإن كان صحيحًا في الأصل، فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة (١).
فصل:
وقوله: («فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنصَّرَانِهِ ويُمَجَّسَانِهِ»). يريد أنهما يعلمانه ما هما عليه ويصرفانه عن الفطرة، ويحتمل أن يكون المراد: يرغبانه في ذلك، أو أن كونه تبعًا لهما في الدين بولادته على فراشهما، يوجب أن

---------------
(١) «التمهيد» ٦/ ٣٥٧ - ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٨.


يكون حكمه حكمهما ويستن بسنتهما، ويعقدان له الذمة بعقدهما، ولم يرد أنهما يجعلانه ذلك، وظاهر الحديث: كونه تبعًا لهما، وإن اختلفت أديانهما.
وقوله: («كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ»). يريد سالمة من العيوب، ونصب بهيمة على المعنى؛ لأن المعنى: تنتج البهيمة بهيمة أي: تلد بهيمة فهي مفعولة لتلد. يقال: نُتجت الناقة بضم النون ونتجها أهلها.
وقوله: («هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»). «تُحِسُّونَ» -بضم التاء من الإحساس- وهو العلم بالشيء.
وقوله: («مِنْ جَدْعَاءَ»). يريد لا جدع فيها من أصل الخلقة، إنما يجدعها أهلها بعد ذلك، أي: يسمونها في الآذان أو غيرها، كذلك المولود يولد على الفطرة ثم يغيره أبواه فيهودانه وينصرانه وذلك كله بقدر الله.
فصل:
وفي حديث ابن صياد من الفقه: جواز التجسس على من يخشى منه فساد الدين والدنيا، وهذا الحديث يبين أن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]، ليس على العموم، وإنما المراد به عن التجسس على من لم يخش القدح في الدين، ولم يضمر الغل للمسلمين واستتر بقبائحه، فهذا الذي ترجى له التوبة والإنابة، وأما من خشي منه مثل ما خشي من ابن صياد ومن كعب بن الأشرف وأشباههما ممن كان يضمر الفتك لأهل الإسلام فجائز التجسس عليه، وإعمال الحيلة في أمره إذا خشي. وقد ترجم له في الجهاد باب ما يجوز من الاحتيال والحذر على من تخشى معرته. كما سلف.


وفيه: أيضًا أن للإمام أو الرئيس أن يعمل نفسه في أمور الدين ومصالح المسلمين، وإن كان له من يقوم في ذلك مقامه.
وفيه: أن للإمام أن يهتم بصغار الأمور ويبحث عنها خشية ما يئول منها من الفساد.
وفيه: أنه يجب التثبت في أهل التهم، وأن لا تستباح الدماء إلا بيقين لقوله: «وإنْ لم يكن هُو فلا خيرَ لكَ في قتلِهِ».
وفيه: أن للإمام أن يصبر ويعفو إذا خفي عليه أو قوبل بما لا ينبغي لقول ابن صياد لنبينا - ﷺ -: (أشهد أنك نبي الأميين). ولم يعاقبه.
وفيه: أن للعالم والرئيس أن يكلم الكاهن والمنجم على سبيل الاختبار لما عندهم والعيب لما يدعونه والإبطال لما ينتحلونه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #276  
قديم يوم أمس, 04:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 111 الى صـــ 130
الحلقة (276)






٨٠ - باب إِذَا قَالَ المُشْرِكُ عِنْدَ المَوْتِ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ (١)
١٣٦٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَبِي طَالِبٍ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟! فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَا وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ». فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ. [٣٨٨٤، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١ - مسلم: ٢٤ - فتح: ٣/ ٢٢٢]
ذكر فيه حديث ابن شِهَابٍ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ فِي وفاةِ أبي طالب .. إلى قولهِ: فَأنْزَلً اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ.
وفيه: «قُلْ: لَا إله إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». وفي لفظ: «أحاج» بدل: «أشهد» (٢). وأخرجه مسلم من حديث أبي حازم، عن أبي هريرة مختصرًا (٣)، وفيه فنزلت ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾

------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٤ من تجزئة المصنف.
(٢) سيأتي الحديث بهذا اللفظ برقم (٣٨٨٤) كتاب: مناقب الأنصار، باب: قصة أبي
طالب، وبرقم (٤٦٧٥) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وبرقم (٤٧٧٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وبرقم (٦٦٨١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا قال: والله لا أتكلم اليوم.
(٣) مسلم برقم (٢٥) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ..



[القصص: ٥٦]. وأخرجه الحاكم من حديث سعيد، عن أبي هريرة، ثم قَالَ: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فإن يونس وعقيلًا أرسلاه، عن الزهري، عن سعيد، وطريق الزهري، عن سعيد، عن أبيه: مشهور (١).
ونقل الواحدي بإسناده عن الزجاج إجماع المفسرين أنها نزلت (٢) في أبي طالب (٣)، واستبعده الحسن بن الفضل؛ لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام بمكة.
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
أن حديث الباب من أفراد الصحيح؛ لأن المسيب لم يرو عنه غير ابنه سعيد، ثم هو من مراسيل الصحابة؛ لأنه على قول مصعب هو وأبوه من مسلمة الفتح، وعلى قول العسكري بايع تحت الشجرة (٤)، وأيما كان فلم يشهد أمر أبي طالب؛ لأنه توفي هو وخديجة في أيام ثلاثة، حَتَّى كان النبي - ﷺ - يسمي ذلك العام: عام الحزن، وكان ذلك وقد أتى لرسول الله - ﷺ - تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا. وقيل: مات في شوال، في نصفه من السنة العاشرة من النبوة. وقال ابن الجزار: قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقيل: بأربع، وقيل: بعد الإسراء، ومن الغريب: ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين.

---------
(١) «المستدرك» ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦ كتاب: التفسير.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني: (ما كان للنبي ..).
(٣) «أسباب النزول» ص ٣٤٨.
(٤) انظر: ترجمته في «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٢٦ - ١٢٧ (١٠٩٩)، و«معرفة الصحابة» ٥/ ٢٥٩٨ - ٢٥٩٩ (٢٧٧٦)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٥٧ (٢٤٣٦)، و«أسد الغابة» ٥/ ١٧٧ (٤٩٢١)، و«الإصابة» ٣/ ٤٢٠ (٧٩٩٦).



ثانيها:
إن قلت قد استغفر الشارع يوم أُحد لهم، فقال: «اللهمَّ اغفر لقومِي فإنَّهم لا يعلَمُون» (١) قلتُ: استغفاره لقومه مشروط بتوبتهم من الشرك، كأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة، وقد جاء في رواية: «اللهمَّ اهدِ قومي».
وقيل: أراد مغفرة تصرف عنهم عقوبة الدنيا من المسخ وشبهه.
وقيل: تكون الآية تأخر نزولها فنزلت بالمدينة ناسخة للاستغفار للمشركين فيكون سبب نزولها متقدمًا ونزولها متأخرًا لا سيما وبراءة من آخر ما نزل فتكون على هذا ناسخة للاستغفار، لا يقال: لا يصح أن تكون الآية التي نزلت في غيره ناسخة لاستغفاره يوم أحد؛ لأن عمه توفي قبل ذلك لما قررناه.
ثالثها:
اسم أبي طالب: عبد مناف، قاله غير واحد. وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته قَالَ: ووجد بخط علي الذي لا شك فيه، وكتب علي بن أبي طالب (٢). وقال أبو القاسم المعري (٣) الوزير: اسمه عمران.
رابعها:
أبو جهل كنيته: أبو الحكم (٤)، كذا كناه رسول الله - ﷺ -، وقال ابن

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٤٧٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار، وبرقم (٦٩٢٩) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إذا عرض الذمي وغيره بسب النبي - ﷺ -، ورواه مسلم برقم (١٧٩٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة أحد.
(٢) «المستدرك» ٣/ ١٠٨ كتاب: معرفة الصحابة.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله المغربي.
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: مقتضى كلام ابن القيم في «الهدي» بل صريحه في (…) أن النبي - ﷺ - نهى عن تكنية أبي جهل بأبي الحكم.



الحذاء: أبو الوليد واسمه: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي، ويقال له: ابن الحنظلية، واسمها: أسماء بنت سلامة بن مخرمة، وكان أحول مأبونا، وكان رأسه أول رأس جز في الإسلام، فيما ذكره ابن دريد في «وشاحه».
وعبد الله بن أبي أمية، أمه: عاتكة عمة رسول الله - ﷺ -، توفي شهيدًا بالطائف أخو أم سلمة، وكان شديدًا على المسلمين معاديًا لرسول الله - ﷺ - قبل الفتح هو وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ولهم عبد الله بن أبي أمية بن وهب حليف بني أسد وابن أختهم استشهد بخيبر ولهم عبد الله بن أمية اثنان: أحدهما بدري.
خامسها:
إنما تنفع كلمة التوحيد من قالها قبل المعاينة للملائكة التي تقبض الأرواح، فحينئذ تنفعه قَالَ تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾ الآية [النساء: ١٨]، والمراد بحضور الموت: حضور ملك الموت، وهي المعاينة لقبض روحه، ولا يرأهم أحد إلا عند الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، فلم يحكم بما انتقل إليه حين أدركه الغرق بقوله: ﴿ءَامَنتُ﴾ الآية [يونس: ٩٠] فقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ [يونس: ٩١] قالها حين عاين ملك الموت ومن معه من الملائكة وأيقن، فحثا جبريل في فمه الحمأة؛ ليمنعه استكمال التوحيد حنقًا عليه، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآيت [الأنعام: ١٥٨] أي: لما رأى الآية التي جعلها الله علامة لانقطاع التوبة وقبولها لم ينفعه ما كان قبل ذلك، كما لم ينفع الإيمان بعد رؤية الملك.
والمحاجة السابقة تحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون الشارع ظن أن عمه اعتقد أن من آمن في مثل حاله


أنه لا ينفعه إيمانه إذا لم يقارنه عمل سواه، فأعلمه أنه من قال هذِه الكلمة، أنه يدخل في جملة المؤمنين، وإن تعرى عن عمل سواها.
ثانيها: أن يكون أبو طالب قد عاين أمر الآخرة وأيقن بالموت، وصار في حالة لا ينتفع بالإيمان لو آمن، وهو الوقت الذي قَالَ فيه: أنا على ملة عبد المطلب عند خروج نفسه فرجا له - ﷺ - أن من قالها وأقر بنبوته أن يشفع له بذلك، ويحاج له عند الله في أن يتجاوز عنه ويتقبل منه إيمانه في تلك الحال، ويكون ذلك خاصًّا لأبي طالب وحده، لمكانه من الحماية والمدافعة عن رسول الله - ﷺ -، وفيه نزلت ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] على قول ابن عباس (١)، وقال مجاهد: يعني به قريشًا (٢)، وأكثر المفسرين أنه للكفار ينهون عن اتباعه ويبعدون عنه، وهو أشبه؛ لأنه متصل بأخبار الكفار، وقد روي مثل هذا المعنى عن ابن عباس (٣)، ألا ترى أنه قد نفعه وإن

-----------
(١) رواه عن ابن عباس عبد الرزاق في «التفسير» ١/ ١٩٩ (٧٨٥) وسعيد بن منصور في «سننه» ٥/ ١٠ - ١١ (٨٧٤)، والطبري في «تفسيره» ٥/ ١٧٢ (١٣٧٣، ١٣٧٤، ١٣٧٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١٢٧٨ (٧٢٠٦)، والطبراني في «الكبير» ١٢/ ١٣٣ (١٢٦٨٢)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣١٥ كتاب: التفسير، والبيهقي في «الدلائل» ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١، والواحدي في «أسباب النزول» (٤٢٦)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ١٥ إلى الفريابي وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه وابن أبي شيبة.
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه: قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات. «مجمع الزوائد» ٧/ ٢٠.
(٢) رواه عنه الطبري في «تفسيره» ٥/ ١٧١ (١٣١٦٩، ١٣١٧٠).
(٣) رواه عن ابن عباس ابن جرير في «تفسيره» ٥/ ١٧١ (١٣١٦٣)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٧٨ (٧٢٠٧)، وعزاه السيوطي في «الدر» ٣/ ١٥ إلى ابن المنذر وابن مردويه.



كان قد مات على غير دين الإسلام؛ لأن يكون أخف أهل النار عذابًا فهو في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، ولولا الشارع لكان في الدرك الأسفل، فنفعه له لو شهد بشهادة التوحيد، وإن كان ذلك عند المعاينة أحرى بأن يكون.
ثالثها: أن أبا طالب كان ممن عاين البراهين، وصدق معجزاته ولم يشك في صحة نبوته، وإن كان ممن حملته الأنفة وحمية الجاهلية على تكذيبه، وكان سائر المشركين ينظرون إلى رؤسائهم ويتبعون ما يقولون، فاستحق أبو طالب ونظراؤه على ذلك من عظيم الوزر وكبير الإثم، إن باءوا بإثمهم على تكذيبه، فرجا له المحاجة بكلمة الإخلاص عند الله حَتَّى يسقط عنه إثم العناد والتكذيب لما قد تبين حقيقته، وإثم من اقتدى به في ذلك، وإن كان الإسلام يهدم ما قبله، لكنه آنسه بقوله: «أحاج لك بها عند الله» لئلا يتردد في الإيمان ولا يتوقف عنه لتماديه على خلاف ما تبين حقيقته وتورطه في أنه كان مضلاًّ لغيره.
وقيل: إن قوله: «أحاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ» كقوله «أشهدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»؛ لأن الشهادة للمرء حجة له في طلب حقه، ولذلك ذكر البخاري هنا الشهادة؛ لأنه أقرب للتاويل وذكر «أحاج» في قصة أبي طالب في كتاب المبعث (١)، لاحتمالها التأويل، ووقع لابن إسحاق أن العباس قَالَ لرسول الله - ﷺ -: يا ابن أخي، إن الكلمة التي عرضتها على عمك سمعته يقولها. فقال - ﷺ -: «لم أسمع» (٢).
قَالَ السهيلي: لأن العباس قَالَ ذلك في حال كونه على غير

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٨٨٤).
(٢) رواه ابن إسحاق في «السيرة» ص ٢٢٢ - ٢٢٣ (٣٢٨).



الإسلام، ولو أداها بعد الإسلام لقبلت منه، كما قبل من جبير بن مطعم حديثه الذي سمعه في حال كفره وأداه في الإسلام (١).
وفي مسلم: فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه أي: بفتح الياء وكسر الراء، ويعود له بتلك المقالة، يعني: أبا طالب. وفي رواية: ويعيدانه (٢) على التثنية يعني أبا جهل وعبد الله. ووقع في مسلم: لولا تعيرني قريش تقول: إنما حمله على ذلك الجزع (٣) -وهو بالجيم والزاي- وهو الخوف (٤)، وذهب الهروي والخطابي فيما رواه عن ثعلب في آخرين أنه بخاء معجمة وراء مهملة مفتوحتين (٥). قَالَ عياض: ونبهنا غير واحد، أنه الصواب، ومعناه: الضعف والخور (٦).
وقوله في الآية ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٣] هو نهي ومثله ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحزاب:٥٣] وإن كانت (ما) تأتي أيضًا للنفي ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وتأول بعضهم الاستغفار هنا: بمعنى الصلاة.

-------------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ١٧٠.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٤) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع.
(٣) «صحيح مسلم» برقم (٢٥/ ٤٢).
(٤) «لسان العرب» ١/ ٦١٦.
(٥) «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٤٩١.
(٦) «إكمال المعلم» ١/ ٢٥١.



٨١ - باب الجَرِيدِ عَلَى القَبْرِ
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدتانِ. وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ. وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجْلِسُ عَلَى القُبُورِ.

١٣٦١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣/ ٢٢٢]
ثم ذكر حديثَ ابن عبَّاس: مَرَّ النبي - ﷺ - بِقَبْرَيْنِ يُعَذَّبَانِ .. الحديث.
الشرح:
حديث ابن عباس سلف في الطهارة (١)، وترجم له قريبًا باب: عذاب القبر من الغيبة والبول (٢). وإنما خصَّ الجريدتين للغرز على القبر من دون سائر النبات والثمار؛ لأنهما أطول الثمار بقاء، فتطول

-----------
(١) برقم (٢١٦) جتاب: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله.
(٢) سيأتي هذا الحديث يرقم (١٣٧٨) كتاب: الجنائز.



مدة التخفيف عنهما، وهي شجرة طيبة كما سماها الله، وهي شجرة شبهها النبي - ﷺ - بالمؤمن، كما سلف في كتاب العلم (١).
وقيل: إنها خلقت من فضلة طينة آدم، وإنما فعل بريدة ما سلف اتباعًا لفعل رسول الله - ﷺ - في القبرين وتبركًا بفعله ورجاء أن يخفف عنه (٢)، والمراد بعبد الرحمن: ابن أبي بكر كما بينه عبد الحق في «جمعه».
والفسطاط: المضرب. قاله أبو حاتم. وقال الجوهري: بيت من شعر (٣). وقال المطرزي: خيمة عظيمة. وفي «الباهر» هو: مضرب السلطان الكبير، وهو السرادق أيضًا. وقال الزمخشري: هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق (٤). وقال صاحب «المطالع»: هو الخباء ونحوه.
وفي أثر خارجة دلالة على رفع القبور عن الأرض وتطويلها؛ لتعرف من غير قصد مباهاة، ذكره الداودي. ويستنثى قبر المسلم ببلاد الكفار فيخفي صيانة عنهم.
وقوله عن خارجة: (عن عمه يزيد) خارجة بن زيد بن ثابت، لم يدرك عمه يزيد بن ثابت. مات خارجة سنة مائة (٥) عن سبعين سنة،

------------
(١) برقم (٦١) باب: قول المحدِّث حدثنا أو أخبرنا وأنبأنا.
(٢) سبق وأن ذكرنا أن هذا الفعل خاص به - ﷺ -، وأن السر في تخفيف العذاب عن القبرين لم يكن في نداوة العسيب، بل في شفاعته - ﷺ - ودعائه لهما، وهذا مما لا يمكن وقوعه مرة أخرى بعد انتقاله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، ولا لغيره من بعده - ﷺ -.
(٣) «الصحاح» ٣/ ١١٥٠.
(٤) «الفائق في غريب الحديث» ٣/ ١١٦.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «الكاشف» سنة ٩٩ جزم به وقد قال ابن عبد البر في ترجمة يزيد أن خارجة روى عنه ثم قال: وأظنه ليس (…) أو ما هذا معناه، وقد =



وقتل عمه يوم اليمامة (١).
وقول يزيد في الجلوس على القبر، وهو قول مالك، وقد جاء في النهي عن الجلوس عليه أحاديث صحيحة (٢)، وأخذ النخعي ومكحول والحسن وابن سيرين بها، فجعلوها على العموم، وكرهوا المشي على القبور والقعود عليها (٣)، ونقل أيضًا عن ابن مسعود وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي العلاء بن الشخير فيما ذكره ابن أبي شيبة (٤).
وأجاز مالك والكوفيون الجلوس عليها وقالوا: إنما نهي عن القعود عليها للمذاهب -فيما نرى والله أعلم- يريد حاجة الإنسان (٥).

--------------
= ذكر النووي في «التهذيب» أنه سمع منه وكذلك المزي في «تهذيبه» قال: إنه سمع منه فقيل: لم يسمع، والظاهر عدم سماعه منه، وجزم في «الوفيات» بمائة.
(١) خارجة بن زيد، أبو زيد المدني، أخو إسماعيل، وسعد، وسليمان، ويحيى أبناء زيد بن ثابت، أمه أم سعد بنت سعد بن الربيع النقيب، أدرك زمن عثمان بن عفان، ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل المدينة، وقال أحمد بن عبد الله العجلي: مدني تابعي ثقة.
انظر: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٦٢، و«التاريخ الكبير» ٣/ ٢٠٤ (٦٩٦)، و«معرفة الثقات» ١/ ٣٣٠ (٣٨٥)، و«تهذيب الكمال» ٨/ ٨ - ١٣ (١٥٨٩).
(٢) دل على ذلك أحاديث وردت في «صحيح مسلم» منها حديث برقم (٩٧٠) كتاب: الجنائز، باب: النهي عن تجصيص القبر والبناء عليه، وحديث أبي هريرة برقم (٩٧١) كتاب: الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، وحديث أبي مرثد الغنوي برقم (٩٧٢).
(٣) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧ (١١٧٧٤)، (١١٧٧٧) كتاب: الجنائز، باب: من كره أن يطأ على القبر.
(٤) «المصنف» ٣/ ٢٧ (١١٧٧٠ - ١١٧٧٣)، (١١٧٧٥).
(٥) هذا ما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في «شرح معاني الآثار» ١/ ٥١٧، ونقله عنه العيني في «عمدة القاري» ٧/ ١٠٢، ١٠٣ ثم قال: بل مذهب أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك لما نقله عنهم الطحاوي. وجاء في "مختصر =



وفي مسند ابن وهب، عن محمد بن أبي حميد أن محمد بن كعب القرظي حدثهم قَالَ: إنما قَالَ أبو هريرة: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «من جَلَسَ عَلَى قَبْرٍ يبولُ عليها أو يتغوط، فكأنَّما جلسَ على جَمْرَةِ نار» (١).
واحتج بعضهم بأن عليًّا كان يتوسد القبور ويضطجع عليها (٢).
وقال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: إن زيد بن ثابت قَالَ: هلم يا ابن أخي أخبرك، إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن الجلوس على القبور لحدثٍ أو

-------------
= اختلاف العلماء«١/ ٤٠٨، قال أصحابنا: يكره أن يطأ على القبر أو يقعد عليه، وفي» تحفة الفقهاء«١/ ٢٥٧، وكره أبو حنيفة أن يوطأ على قبر، أو يجلس عليه أو ينام عليه، وفي»بدائع الصنائع«١/ ٣٢٠ مثل ما في»التحفة«وفي»الاختيار«١/ ١٢٦، ويكره وطء القبر والجلوس والنوم عليه، وفي»البناية«٣/ ٣٠٣، وكره أبو حنيفة أن يبنى على القبر أو يوطأ عليه أو يجلس عليه …، وحمل الطحاوي الجلوس المنهي عنه على الجلوس لقضاء الحاجة، وفي»الفتاوى الهندية«١/ ١٦٦، ويكره أن يبني على القبر أو يقعد أو ينام عليه.
وانظر»النوادر والزيادات«١/ ٦٥٣.
(١) روى هذا الحديث بتمامه أبو داود الطيالسي ٤/ ٢٧٦ (٢٦٦٧) والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٥١٧ كتاب: الجنائز، باب: الجلوس على القبر، وقد روى هذا الحديث بدون لفظ: الغائط والبول، مسلم (٩٧١)، كتاب: الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه، وأبو داود (٣٢٢٨) كتاب: الجنائز، باب: كراهية القعود على القبر، وابن ماجه (١٥٦٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في النهي عن المشي على القبور والجلوس عليها، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٥١٦، وابن حبان في»صحيحه«٧/ ٤٣٦ - ٤٣٧ (٣١٦٦) كتاب: الجنائز، باب: فصل في القبور، والطبراني في»الأوسط«١/ ٢١٧ (٧٠٦).
(٢) رواه الطحاوي في»شرح معاني الآثار«١/ ٥١٧ كتاب: الجنائز، باب: الجلوس على القبور، وقد ذكر البيهقي في»معرفة السنن والآثار" ٥/ ٣٥٥ (٧٨١٤)، أن حديث علي في توسده القبر، واضطجاعه منقطع وموقوف.



بولٍ أو غائط، وروي مثله عن أبي هريرة، كذا في ابن بطال، وعزاه إلى «موطأ ابن وهب» (١)، وفي «شرح شيخنا علاء الدين» أن أبا هريرة كرهه وشدد في ذلك.
وقوله: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَففَ عَنْهُمَا» لعل: معناها: الترجي والطمع.
ومعنى الحديث: الحض على ترك النميمة والتحرز من البول، والإيمان بعذاب القبر، وإنما ترجم له فيما سيأتي باب: عذاب القبر من الغيبة والبول. وذكر فيه النميمة فقط، ولعلها كانت معها غيبة وهما محرمتان وهما في النهي عنهما سواء.
وقال بعض شيوخنا في شرحه: فهم البخاري من جعل الجريد عليه جواز جلوس الآدميين عليه ولا يسلم له ذلك.
وقوله: «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» أي: عندهما، ولذلك قَالَ: «بلى» في موضع آخر (٢).
وفيه: دلالة على أنهما كانا مسلمين؛ لأنه لا يذكر أنهما يعذبان على ما دون الشرك، ولا يذكر هو، وعذابهما يجوز أن يكون سمعه أو أخبر به، وموجبه أخبر به، والتخفيف يجوز أن يكون بدعاءٍ منه مدة بقاء النداوة من الجريد، لا أن في الجريد معنى يوجبه، وقيل: لأنه يسبح مادام رطبًا، وقد سلف في الطهارة بسط ذلك.
والجريد: سعف النخل. الواحدة: جريدة، سميت بذلك؛ لأنه قد جرد عنها خوصها.

------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٨.
(٢) سلف برقم (٢١٦) كتاب: الوضوء، باب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله.



وقوله: «مَا لَمْ يَيْبَسَا» يجوز بفتح الباء وكسرها، وهو شاذ في باب فعل بكسر العين أن يأتي مستقبله على يفعل بكسرها، فشذ هذا الفعل ونظائره، مثل: يبس ففيه أيضًا الوجهان، وكذا: ورم يرم، ووقر يقر، مكسور مستقبلهما وماضيهما.
قَالَ الداودي: وفيه دليل على المرجئة


٨٢ - باب مَوْعِظَةِ المُحَدِّثِ عِنْدَ القَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [المعارج: ٤٣] القُبُورُ. ﴿بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] أُثِيرَتْ. بَعْثَرْتُ حَوْضِي: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الإِيفَاضُ: الإِسْرَاعُ. وَقَرَأَ الأَعْمَشُ: ﴿إِلَى نُصُبٍ﴾ [المعارج: ٤٣] إِلَي شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ، وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ ﴿يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] مِنَ القُبُورِ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] يَخْرُجُونَ.

١٣٦٢ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فَأَتَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ قَدْ كُتِبَ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَي عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَي عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ قَالَ: «أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل: ٥] الآيَةَ. [٤١٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٨، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢ - مسلم: ٢٦٧٤ - فتح: ٣/ ٢٢٥]
ذكر فيه حديث علي قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ، فأتى النَّبِيُّ - ﷺ - فقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ .. الحديث


الشرح:
ما ذكره في الأجداثِ، هو ما قال، قال ابن سيده: الجدث: القبر. والجمع: أجداث، وقد قالوا: جدف بالفاء بدل من الثاء، إلا أنهم قد أجمعوا في الجمع على أجداث، ولم يقولوا: أجداف (١)، زاد في «المخصص» قَالَ الفارسي: اشتقاقه من التجديف وهو كفر النعم (٢).
وقال ابن جني: الجمع: أجْدث، ولا يكسر بالفاء. قَالَ: وأجدف: موضع، وقد نفي سيبويه أن يكون أفعل من أبنية الواحد، فيجب أن يعد هذا مما فاته، إلا أن يكون جمع الجدث الذي هو القبر على أجدث، ثم سُمِّي به الموضع. ويروى بالفاء. وفي «الصحاح»: الجمع: أجدث وأجداث (٣). وفي «المجاز» لأبي عبيدة: بالثاء لغة أهل العالية، وأهل نجد يقولون: جدف بالفاء (٤).
وما ذكره في؟ بعثرت؟ فهو أيضًا كذلك (٥).
قَالَ أبو عبيدة في «المجاز»: بعثرت حوضي أي: هدمته (٦).
وقال الفراء: بعثرت وبحثرت لغتان إذا استخرجت الشيء وكشفته (٧). وفي «الصحاح» عن أبي عبيدة: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]: أثير وأخرج (٨).

----------
(١) «المحكم» ٧/ ٢١٨.
(٢) «المخصص» ٢/ ٧٨.
(٣) «الصحاح» ١/ ٢٧٧.
(٤) «مجاز القرآن» ٢/ ١٦٣.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال ابن دريد: الحدث: القبر وهو الجدف أيضًا، وقال في (ج. د. ف) الجدف لغة في الجدث، وهو القبر (من «الجمهرة»).
(٦) «المجاز» ٢/ ٢٨٨، وعبارته: بعثرتُ حوضي، جعلتُ أسفله أعلاه.
(٧) نقله الجوهري عن الفراء في «الصحاح» ٢/ ٥٩٣، وانظر: «معاني القرآن» للفراء ٣/ ٢٨٦.
(٨) «الصحاح» ٢/ ٥٩٤.



وعن ابن عباس فيما ذكره الطبري: بعثرت: بحثت (١). وقال ابن سيده: بعثر المتاع والتراب: قلبه، وبعثر الشيء: فرقه. وزعم يعقوب أن عينها بدل من عين بعثر، أو غين بغثر بدل منها، وبعثر الخبز: بحثه (٢).
وما ذكره في الإيفاض: أنه الإسراع، فهو كما قَالَ.
قَالَ أبو عبيدة في «مجازه»: النصب: العلم الذي نصبوه، ومن قَالَ: (إلى نُصُب)، فهو جماعة مثل رهْن ورُهُن (٣). قَالَ ابن قتيبة في «غريبه»: أنكر أبو حاتم هذا على أبي عبيدة. وقال: يقال للشيء تنصبه نَصب ونُصْب ونُصُب.
وفي «المعاني» للزجاج (٤): قريء نَصْب ونُصُب، فمن قرأ بالإسكان فمعناه: كأنهم إلى علم منصوب لهم، ومن قرأ بضم الصاد فمعناه: إلى أصنام لهم. وفي «المعاني» للفراء: قرأ الأعمش وعاصم: (إلى نَصب)، بفتح النون يريدان إلى شيء منصوب. وقرأ زيد بن ثابت: (نُصب) بضم النون، وكان النُصب الآلهة التي كانت تعبد من أحجار وكلٌّ صواب، والنصب واحد وهو مصدر، والجمع: الأنصاب (٥).
وفي «المنتهى» و«الواعي»: النَصب والنُصْب النُصُب بمعنى. وقيل: النصب: حجر ينصب فيعبد ويصب عليه ماء الذبائح. وقيل: هو العلم ينصب للقوم أي علم كان، وقال ابن سيده: النُصب جمع نصيبة،

-----------
(١) «تفسير الطبري» ١٢/ ٦٧٤ (٣٧٨٤٩).
(٢) «المحكم» ٢/ ٣٢٥.
(٣) «مجاز القرآن» ٢/ ٢٧٠.
(٤) «معاني القرآن وإعرابه» ٢/ ١٤٦.
(٥) «معاني القرآن» ٣/ ١٨٦.



كسفينة وسفن، وقيل: النصب: الغاية، وحكاه عَبْد في «تفسيره» عن مجاهد وأبي العالية (١)، وضعفه ابن سيده، قَالَ: والنصب جمع، واحدها: نصاب، وجائز أن يكون واحدًا (٢).
وقال الجوهري: النُصب بالضم، وقد يحرك (٣). وعند ابن التين: قرأ أبو العالية والحسن بضم النون والصاد.
وقال الحسن فيما حكاه عبد في «تفسيره»: كانوا يهتدون إذا طلعت الشمس بنصبهم سراعًا أيهم يستلمها أولًا، لا يلوي أولهم على آخرهم.
وفي «المحكم»: وفضت الإبل: أسرعت، وناقة ميفاض: مسرعة، وكذلك النعا مة، وأوفضها واستوفضها: طردها، واستوفضها: استعجلها، وجاء على وَفْض ووُفُص (٤). وقال الفراء: الإيفاض: السرعة والزمع (٥).
وما ذكره في ﴿يَنْسِلُونَ﴾ ذكره عبد بن حميد، عن قتادة. وقال أبو عبيدة:؟ ينسلون؟: يسرعون، والذئب ينسل ويعسل (٦)، وفسره ابن عباس بالخروج بسرعة (٧).
وفي «المجمل»: النسلان: مشية الذئب إذا أعنق وأسرع (٨).

-----------
(١) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» لعبد بن حميد عنهما ٥/ ٤٢٢.
(٢) «المحكم» ٨/ ٢٢٧.
(٣) «الصحاح» ١/ ٢٢٥.
(٤) «المحكم» ٨/ ١٦٨.
(٥) «معاني القرآن» ٣/ ١٦٣.
(٦) «المحكم» ٨/ ٣٢٨.
(٧) روى عنه الطبري في «تفسيره» ١٠/ ٤٥٠ (٢٩١٧٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١٠/ ٣١٩٨ (١٨٠٩٧) كلاهما بلفظ: يخرجون.
(٨) «المجمل» ٢/ ٨٦٥.



وقال ابن سيده: أصله للذئب، ثم استعمل في غير ذلك.
وحديث علي أخرجه مسلم والأربعة (١)، ويأتي في القدر أيضًا (٢).
والكلام عليه من أوجه:
أحدهما: البَقِيع -بفتح أوله- من الأرض موضع فيه أروم شجر بين ضروب شتى، وبه سميَّ بقيع الغرقد بالمدينة (٣).
والغرقد: عربي، شجر له شوك يشبه العوسج (٤). وفي الحديث في ذكر الدجال: «كل شيء يواري يهوديًّا ينطق إلا الغرقد، فإنه من شجرهم فلا ينطق» (٥) كان ينبت هناك، فذهب الشجر وبقي الاسم لازمًا للموضع.
وعن «الجامع»: سُمِّي بذلك لاختلاف ألوان شجره. وقال أبو عبيد البكري، عن الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون، فسمي بقيع الغرقد (٦). لهذا قال ابن سيده: وربما قيل له: الغرقد (٧). أي: بغير ذكر البقيع.

-----------
(١) «صحيح مسلم» (٢٦٤٧) كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه.
وأبو داود (٤٦٩٤)، والترمذي (٢١٣٦)، وابن ماجه (٧٨)، والنسائي في «الكبرى» (تحفة ٧/ ١٠١٦٧).
(٢) برقم (٦٦٠٥) باب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾.
(٣) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٥، و«معجم البلدان» ١/ ٤٧٣.
(٤) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥١٧، و«لسان العرب» ٦/ ٣٢٤٦.
(٥) رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) من حديث أبي أمامة مطولًا، ورواه مسلم (٢٩٢٢) كتاب: الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ..، ومن حديث أبي هريرة مختصرًا دون ذكر الدجال.
(٦) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٥.
(٧) «المحكم» ٦/ ٤٧ وفيه: الفرقد.



وقال ياقوت: وبالمدينة أيضًا بقيع الزبير، وبقيع الخيل: عند دار زيد بن ثابت، وبقيع الخبجبة (١)، ونقيع الخضمات بالنون وقيل بالباء (٢).
ثانيها: المخصرة قَالَ ابن سيده: هو شيء يأخذه الرجل ليتوكأ عليه، مثل العصا ونحوها، وهو أيضًا ما بيد الملك يشير به إذا خطب، واختصر الرجل: أمسك المخصرة (٣). وجزم ابن بطال بأنها العصا (٤). وقال ابن التين: عصا أو قضيب. والنكت: قرعك الأرض بعودٍ أو أصبع يؤثر فيه. ونكس: أمال، ويكون ذلك عند الخضوع والتفكر. ويقال: نكس بالتخفيف والتشديد.
ثالثها: في أحكامه:
فيه جواز الجلوس عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ، ونكته - ﷺ - بالمخصرة في الأرض: هو أصل تحريك الأصبع في التشهد، قاله المهلب. ومعنى النكت بالمخصرة. هو إشارة إلى المعاني وتفصيل الكلام، وإحضار القلوب للفصول والمعاني. وهذا الحديث أصل لأهل السنة، في أن السعادة والشقاء خلق لله تعالى، بخلاف قول القدرية الذين يقولون: إن الشر ليس بخلق الله تعالى.
وفيه رد على أهل الجبر بأن المجبر لا يأتي الشيء إلا وهو يكرهه، والتيسير ضد الجبر، ألا ترى قوله - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أمّتِي ما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٥). والتيسير: هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه،

-------------
(١) «معجم البلدان» ١/ ٤٧٤.
(٢) «معجم ما استعجم» ٤/ ١٢٩٦، ١٣٢٤، و«معجم البلدان» ٥/ ٣٠١.
(٣) «المحكم» ٥/ ٣٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٩.
(٥) سبق تخريجه.



وسيكون لنا عودة إلى ذلك في كتاب القدر إن شاء الله ذلك وقدره.
وفيه: تنكيس الرءوس في الجنائز، وظهور الخشوع والتفكر في أمر الآخرة، كان الناس إذا حضروا جنازة يلقى أحدهم حميمه فلا ينشط إليه ولا يقبل عليه إلا بالسلام حَتَّى يرى أنه واجد عليه؛ لما يشغلون أنفسهم من ذكر الموت وما بعده، وكانوا لا يضحكون هناك، ورأى بعضهم رجلًا يضحك فآلي أن لا يكلمه أبدًا، وكان يبقى أثر ذلك عليهم ثلاثة أيام، لشدة ما أشعروا أنفسهم، وحضر الحسن والفرزدق جنازة فقال الحسن للفرزدق: ماذا أعددت لهذا المقام؟ فقال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة. فقال الحسن: خذها من غير رامٍ، ثم قَالَ له: ما يقول الناس يا أبا فراس؟ فقال: يقولون: حضر اليوم خير الناس وشر الناس يعني: الحسن ونفسه. فقال له: ما أنت بشرهم، ولا أنا بخيرهم، فلما توفي الفرزدق رآه رجل في المنام فقال له رجل: ما فعلت؟ قَالَ: نفعتني كلمتي مع الحسن (١).
وقول الرجل: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟) فيه مطالبة بأمرٍ مضمونه تعطيل العبودية، وذلك أن إخباره - ﷺ - بسبق الكتاب بالسعادة والشقاء، إخبار عن علم الغيب فيهم، وهو حجة عليهم، فراموا أن يتخذوه حجة لأنفسهم في ترك العمل والاتكال على سابق الكتاب.
فأعلم أن ها هنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر: باطن: هو العلة الموجبة في أمر الربوبية. وظاهر: هو السمة اللازمة في حق العبودية، وإنما هو أمارة مخيلة في مطالعة أمر العواقب غير مفيدة حقيقة العلم

---------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٤٠، وذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٢٨٦ (١٩٩٤) والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٨٤.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #277  
قديم يوم أمس, 04:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 131 الى صـــ 150
الحلقة (277)






به، ويشبه أن يكونوا إنما عوملوا به وتعبدوا هذا النوع من التعبد؛ ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم والخوف والرجاء مروحتا العبودية فيستكملون بذلك صفة الإيمان، وبيّن أن كلا ميسر لما خلق له، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل، ولذلك تمثل بالآية، وهذا الظاهر من أحوال العباد، ووراء ذلك علم الله فيهم، وهو الحكيم الذي لا يسأل عما يفعل.
قَالَ أبو سليمان: فإذا طلبت لهذا الشأن نظيرًا من العلم يجمع لك هذين المعنيين، فاطلبه في باب أمر الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب والأجل المضروب في العمر مع التعالج بالطب، فإنك تجد الغيب عنهما علة موجبة، والظاهر البادي سببًا مخيلًا، وقد اصطلح الخاص والعام على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن، وهذا القدر منه يكفي الفهم الموفق (١).
قَالَ الداودي: قد كتب الله أفعال العباد وما يصيرون إليه قبل خلقهم، فالعباد غير خارجين من العلم ولا ممنوعين من العمل.
قلتُ: فلا يقال إذا وجبت السعادة والشقاوة بالقضاء الأزلي والقدر الإلهي فلا فائدة إلى التكليف، فإن هذا أعظم شبهة للنافين للقدر، وقد أجابهم الشارع بما لا يبقى معه إشكال، ووجه الانفصال أن الرب تعالى أمرنا بالعمل، فلا بد من امتثاله، وغيب عنا المقادير؛ لقيام حجته وزجره ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته فسبيله التوقيف. فمن عدل عنه ضل وتاه؛ لأن القدر سر من أسراره لا يطلع عليه إلا هو، فإذا دخلوا الجنة كشف لهم.

-----------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٧٢٠ - ٧٢١.


واختلف هل يعلم في الدنيا الشقي من السعيد مثل: من اشتهر له لسان صدق؟ فقال قوم: نعم. محتجين بهذِه الآية الكريمة والحديث؛ لأن كل عمل أمارة على جزائه، وقال قوم: لا. والحق أنه يدرك ظنًّا لا جزمًا (١).
-------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغها في الناسخ كتبه مؤلفه.


٨٣ - باب مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ
١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ». [٤١٧١، ٤٨٤٣، ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢ - مسلم: ١١٠ - فتح: ٣/ ٢٢٦]

١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ - رضي الله عنه - فِي هَذَا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». [٣٤٦٣ - مسلم: ١١٣ - فتح: ٣/ ٢٢٦]

١٣٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ». [٥٧٧٨ - مسلم: ١٠٩ - فتح: ٣/ ٢٢٧]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: حديث ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ المبايع تحتَ الشَجرةِ: «مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غيرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَمَ».
ثانيها: وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: ثنا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، ثنا جُنْدَبٌ فِي هذا المَسْجِدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ رسول الله - ﷺ -، قَالَ: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ تعالى: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».
ثالثها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».


الشرح:
حديث ثابت خرجه مسلم والأربعة (١) ويأتي في الأيمان والنذور (٢) والأدب (٣) (٤).
وحديث جندب المعلق خرجه في أخبار بني إسرائيل فقال: حَدَّثَنَا محمد، ثنا حجاج بن منهال (٥)، وهو يضعف قول من قَالَ: إنه إذا قَالَ عن شيخه: وقال فلان. يكون أخذه عنه مذاكرة.
وأخرجه من حديث محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي (٦).
ومحمد -الراوي عن حجاج- هو الذهلي.
قَالَ الجياني: ونسبه أبو علي بن السكن، عن الفربري فقال: حَدَّثَنَا محمد بن سعيد، ثنا حجاج.
وقال الدارقطني: قد أخرج البخاري عن محمد بن معمر، وهو مشهور بالرواية عن حجاج.
ثم روى أبو علي من طريق محمد بن علي بن محرز، ثنا حجاج، فذكره (٧).

--------------
(١) «صحيح مسلم» (١١٠) كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه. وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (١٥٢٧) و(١٥٤٣) و(٢٦٣٦)، والنسائي ٧/ ٦، ١٩، وابن ماجه (٢٠٩٨).
(٢) سياتى برقم (٦٦٥٢) باب: من حلف بملة سوى ملة الإسلام.
(٣) في الأصل و(م): الكذب. تحريف.
(٤) سيأتي برقم (٦١٠٥) باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال.
(٥) سيأتي برقم (٣٤٦٣) كتاب: أحاديث الأنبياء.
(٦) مسلم (١١٣/ ١٨١) كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل النفس.
(٧) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٤١ - ١٠٤٢.



وحديث أبي هريرة أخرجه (١) (٢).
إذا تقرر ذلك على قوله: «فهو كما قَالَ» يريد إن أضمر الكفر بعد حنثه فلا يخرج من الإيمان بالحلف وقد قَالَ - ﷺ -: «من قَالَ: واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله» (٣).
«وكاذبًا» منصوب على الحال. وقيل: معناه: كاذبًا حقًّا؛ لأنه يعتقد أنه لا حرمة لما حلف به، ثم لو اعتقدها ضاهى الكفار، ولا يظن بذكر الكذب الإباحة بها بالصدق؛ لنهيه - ﷺ - عن الحلف بغير الله مطلقًا.
واختلف العلماء هل عليه كفارة؟
فقال الشافعي ومالك والجمهور: لا ينعقد يمينه وعليه الاستغفار، ولا كفارة عليه، وإن فعله (٤) عملًا بالحديث السالف: «فليقل: لا إله إلا الله» ولم يذكر كفارة، والأصل عدمها حَتَّى يثبت شرع فيها.
وقال أبو حنيفة: تجب الكفارة (٥) كالمظاهر بجامع أنه منكر من القول وزور.
وقوله: «وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ ..» إلى آخره. يعني ذلك جزاؤه إلا أن يعفو الله تعالى عنه، فقد قَالَ (الله) (٦) تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].

-------------
(١) في الأصل بياض بعد هذِه الكلمة بمقدار نصف سطر، وفي مقابله في الحاشية حاشية نصها: أخرجه البخاري.
(٢) سيأتي برقم (٥٧٧٨) كتاب: الطب، باب: شرب السم والدواء به.
(٣) سيأتي برقم (٤٨٦٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالعُزَّى (١٩)﴾.
(٤) انظر: «الكافي» ص ١٩٤، «إحكام الأحكام» ص ٦٦٥، «روضة الطالبين» ١١/ ٦.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٢٣٩، «تحفة الفقهاء» ٢/ ٣٠٠.
(٦) من (م).



قَالَ ابن بطال: أجمع الفقهاء وأهل السنة أن من قتل نفسه لا يخرج بذلك من الإسلام، وأنه يصلى عليه وإثمه عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي في خاصة أنفسهما، والصواب: قول الجماعة؛ لأنه - ﷺ - بين الصلاة على المسلمين، ولم يستثن منهم أحدًا فيصلى على جميعهم: الأخيار والأشرار، إلا الشهداء الذين أكرمهم الله بالشهادة (١).
ولعل هذا هو الداعي للبخاري على التبويب هنا. نعم يكره للإمام وأهل الفضل أن يصلوا عليه، وكذا كل كبيرة لا تخرج من الإيمان ردعًا لهم وزجرًا، فلم يصل الشارع على قاتل نفسه بمشاقص، والمقتول في الفئة الباغية يغسل ويصلى عليه خلافًا لأبي حنيفة (٢).
وقال ابن عبد الحكم: الإمام إن شاء صلى على من رجمه في حد، فإنه - ﷺ - صلى على ماعز والغامدية (٣).
وروي أنه لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه (٤).
وقوله - ﷺ -: («بدرني عَبْدِي بنفسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ») وسائر الأحاديث محملها عند العلماء في وقت دون وقت إن أراد الله أن

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٤٩.
(٢) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩، «الاختيار» ١/ ١٢٩.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٦٩.
(٤) رواه أبو داود (٣١٨٦) كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على من قتلته الحدود، والبيهقي ٤/ ١٩ كتاب: الجنائز، باب: الصلاة على من قتلته الحدود، وابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» ٢/ ١٧ (٩٠٤) كلهم من حديث أبي برزة الأسلمي، وقال ابن الجوزي معلقًا عليه: والجواب أن هذا الحديث يرويه مجاهيل، ثم لو صح فصلاته على تلك المرأة كانت بعد ذلك؛ لأن أول مرجوم كان ماعزًا، ولهذا قالت له: تريد أن تردني كما رددت ماعزًا. وقال الألباني في «صحيح أبي داود»: حسن صحيح.



ينفذ عليه وعيده؛ لأن الله تعالى في وعيده للمذنبين المؤمنين بالخيار عند أهل السنة، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، ثم يدخله الجنة ويرفع عنه التخليد على ما في القرآن والحديث.
قَالَ (الله تعالى) (١) ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقال - ﷺ -: «من قَالَ لا إله إلا الله حرمه الله على النار» (٢) أي: حرم خلوده فيها.
ومعنى «بدرني بنفسه»: استعجل الموت ولم يكن ليؤخر عن وقته، لو لم يفعل ذلك بنفسه.
ويجوز أن يكون معنى قوله: «حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» أن يدخلها من أول أو الجنة العالية، وكذا القول في خانق نفسه وطاعنها. وقد يحمل على المستحل إذ كان كافرًا، لكنها محرمة عليه وإن لم يقتل نفسه.
واستدل بعض أصحابنا بحديث ثابت وأبي هريرة على المماثلة في القصاص بمثل ما قتل، وفيه نظر.
والخُرَاج، بضم الخاء المعجمة وتخفيف الراء: ما يخرج في البدن من بثرة وغيرها (٣).
وقال النووي: إنه قرحة وهي واحدة القروح. وهي: حبات تخرج في بدن الإنسان (٤).

-----------
(١) من (م).
(٢) رواه بنحوه البخاري (١٢٨) كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قومًا ..، ومسلم (٣٢) كتاب: الإيمان، باب: من مات على التوحيد دخل الجنة، من حديث أنس ابن مالك.
(٣) انظر: «الصحاح» ١/ ٣٠٩، و«المجمل» ١/ ٢٨٦، و«لسان العرب» ٢/ ١١٢٦.
(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ١٢٤.



٨٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ وَالاِسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٢٦٩]

١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنهم - أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَثَبْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟! أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَالَ: «أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ». فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ قَالَ: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ فَغُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا». قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلاَّ يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. [٤٦٧١ - فتح: ٣/ ٢٢٨]
ذكر فيه حديث عمر في قصة عبد الله بن أبي بن سلول، وقد سلف
في الباب، وقد اختلفت الروايات في قصته والله أعلم أي ذلك كان.
قَالَ ابن التين: فإن كان هذا محفوظًا، فإنما ذكره عمر مخافة النسيان؛ لأنه بشر ينسى.
وقوله: (فلم يمكث إلا يسيرًا حَتَّى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إلى ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]) قَالَ الداودي: إنما ذاك في قوم بأعيانهم يدل عليه قوله:؟ وممن حولكم من الأعراب؟ الآية [التوبة: ١٠١] فلم ينه عما لا يعلم، وكذلك إخباره لحذيفة بسبعة عشر من المنافقين ليسوا جميعهم، وقد كانوا يناكحون


المسلمين ويوارثونهم ويجري عليهم حكم الإسلام؛ لاستتارهم بكفرهم، ولم ينه الناس عن الصلاة عليهم، إنما نهى عنه النبي - ﷺ - وحده، وكان عمر ينظر إلى حذيفة فإن شهد جنازة ممن يظن به شهده، وإلا لم يشهده، ولو كان أمرًا ظاهرًا لم يسره الشارع إلى حذيفة.
وذكر عن الطبري أنه يجب ترك الصلاة على معلن الكفر وفسره بهذِه، قَالَ: وأما المقام على قبره فغير محرم بل جائز لوليه القيام عليه لإصلاحه ودفنه، وبذلك صح الخبر وعمل به أهل العلم، وهذا خلاف ما قدمنا أن ولد الكافر لا يدفنه ولا يحضر دفنه، إلا أن يضيع فيواريه.
وفي «النوادر» عن ابن سيرين: ما حرم الله الصلاة على أحد من أهل القبلة إلا على ثمانية عثر رجلًا من المنافقين (١)، وقد سلف فقد قَالَ - ﷺ - لعلي: «اذهبْ فَوَارِه» يعني: أباك (٢).

-------------
(١) «النوادر والزيادات» ١/ ٦١٤.
(٢) رواه أبو داود من حديث علي (٣٢١٤) كتاب: الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك، والنسائي ١/ ١١٠ كتاب: الطهارة، باب: الغسل من مواراة المشرك، والشافعي في «مسنده» بترتيب السندي ١/ ٢٠٧ (٥٧٢) كتاب: الصلاة، باب: في صلاة الجنائز وأحكامها. وأبو داود الطيالسي في «مسنده» ١/ ١١٣ (١٢٢)، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٦/ ٣٩ - ٤٠ (٩٩٣٦) كتاب: أهل الكتاب، باب: غسل الكافر وتكفينه. وابن أبي شيبة ٣/ ٣٤ (١١٨٣٩ - ١١٨٤٠) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يموت له القرابة المشرك يحضره أم لا؟
وأحمد ١/ ٩٧، وأبو يعلى ١/ ٣٣٤ - ٣٣٦ (٤٢٣ - ٤٢٤)، والبيهقي ١/ ٣٠٤ كتاب: الطهارة، باب: الاغتسال للأعياد وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٢٠١).



وروى سعيد بن جبير قَالَ: مات رجل يهودي له ابن مسلم، فذكر ذلك لابن عباس فقال: كان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاح مادام حيًّا، فإذا مات وكله إلى شأنه ثم قرأ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ الآية [التوبة: ١١٤] (١).
وقال النخعي: توفيت أم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وهي نصرانية فاتبعها أصحاب رسول الله - ﷺ - تكرمة للحارث، ولم يصلوا عليها. ثم فرض على جميع الأمة أن لا يدعى لمشرك ولا يستغفر له إذا ماتوا على شركهم. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: ١١٣] وقد بيّن الله تعالى عذر إبراهيم في استغفاره لأبيه. فقال: ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فدعا له وهو يرجو إنابته ورجوعه إلى الإيمان، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.
ففي هذا من الفقه، أنه جائز أن يدعى لكل من يرجى من الكفار إنابته بالهداية مادام حيًّا؛ لأنه - ﷺ - إذ شمته أحد المنافقين واليهود قَالَ: «يهديكُم الله ويُصْلِح بالكم» (٢) وقد يعمل الرجل بعمل أهل النار ويختم له بعمل أهل الجنة.
وفيه: تصحيح القول بدليل الخطاب لاستعمال النبي - ﷺ -، وذلك أن إخباره تعالى أنه لا يغفر له، ولو استغفر سبعين مرة، يحتمل أنه

--------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤ - ٣٥ (١١٨٤٦)، (١١٨٤٨) كتاب: الجنائز، باب: في الرجل يموت له القرابة المشرك يحضره أم لا؟ وابن المنذر ٥/ ٣٤٢.
(٢) رواه الترمذي (٢٧٣٩) كتاب: الأدب، باب: ما جاء كيف تشميت العاطس، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٠٢ كلاهما من حديث أبي موسى، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».



لو زاد عليها أنه يغفر له، لكن لما شهد الله تعالى أنه كافر بقوله ﴿ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله﴾ [التوبة: ٨٠] دلت هذِه الآية على تغليب أحد الاحتمالين، وهو أنه لا يغفر له لكفره، فلذلك أمسك - ﷺ - عن الدعاء له.
وفي إقدام عمر على مراجعة رسول الله - ﷺ - في الصلاة عليه من الفقه أن الوزير الفاضل الناصح لا حرج عليه في أن يخبر سلطانه بما عنده من الرأي وإن كان مخالفًا لرأيه، وكان عليه فيه بعض الخفاء إذا علم فضل الوزير وثقته وحسن مذهبه، فإنه لا يلزمه اللوم على ما يؤديه اجتهاده إليه، ولا يتوجه إليه سوء الظن، وأن صبر السلطان على ذلك من تمام فضله، ألا ترى سكوته - ﷺ - عن عمر، وتركه الإنكار عليه، وفي رسول الله - ﷺ - أكبر الأسوة.


٨٥ - باب ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى المَيِّتِ
١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَجَبَتْ». ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: «وَجَبَتْ». فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -: مَا وَجَبَتْ؟ قَال: «هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ». [٢٦٤٢ - مسلم: ٩٤٩ - فتح: ٣/ ٢٢٨]

١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَي عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ - رضي الله عنه -، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: وَجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». فَقُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: «وَثَلَاثَةٌ». فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ. [٢٦٤٣ - فتح: ٣/ ٢٢٩]
ذكر فيه حديث أنس: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا .. الحديث.
وحديث عمر: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَةُ اللهُ الجَنةَ». فَقُلْنَا: وَثَلَاثَة؟ قَالَ: «وَثَلَاَثةٌ». فقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ.
أما حديث أنس فأخرجه مسلم (١) أيضًا، وسيأتي في البخاري في الشهادات في باب: تعديل كم يجوز؟ (٢). وحديث عمر من أفراد

-----------
(١) «صحيح مسلم» (٩٤٩) الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى.
(٢) برقم (٢٦٤٢).



البخاري وذكره مسندًا عن شيخه عفان بن مسلم، ووقع في البيهقي أنه رواه معلقًا عنه (١)، وأسنده الإسماعيلي أيضًا وأبو نعيم من طريق ابن أبي شيبة عنه، وأسنده البيهقي من حديث الصغاني عن عفان (٢)، ولأحمد: «فيشهد له أربعة أثبات من جيرانه الأدنين إلا قَالَ الله تعالى: قد قبلت علمهم فيه وغفرت له ما لا يعلمون» (٣).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله في حديث عمر: (فأثنى على صاحبها خيرًا) كذا هو في أصل الدمياطي: (خيرًا) في الموضعين، (ثم مُرَّ بثالثة فأثنى على صاحبها شرًّا)، بالألف في الثلاثة، وهو أصح إذا قرئ فأثنى بفتح الألف. وقال ابن التين: قوله: (خيرًا) صوابه: خيرٌ. قَالَ: وكذلك هو في بعض الروايات، وشرٌ مثله، وكأنه أراد إذا قرئ مبنيًّا. قَالَ: وفي نصبه بعدٌ في اللسان.
ثانيها:
عارض بعضهم قوله: (فأثنى على صاحبها شرًّا). بالحديث الآخر: «أمسكوا عن ذي قبر». أي: من أهل الإيمان، وجوابه من أوجه:
أحدها: على تقدير صحته ولا نعلمها، يحتمل أن يكون مجاهرًا.
ثانيها: لم يقبر فيكون ذا قبر، ويرده قوله بعد هذا: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» وسيأتي قريبًا في البخاري (٤).

------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ٧٥ كتاب: الجنائز، باب: الثناء على الميت وذكره بما كان فيه من الخير.
(٢) المصدر السابق.
(٣) «مسند أحمد» ٣/ ٢٤٢. من حديث أنس.
(٤) برقم (١٣٩٣) كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من سب الأموات.



ثالثها: أنه كان في زمانه - ﷺ - وأصحابه؛ لأنه كان زمان ينطقهم الله فيه بالحكمة ويجريها على ألسنتهم، وأما الآن فلا، إلا أن يثني أهل العداله.
وقيل: إن حديث أنس يجري مجرى الغيبة في الأحياء، وإن كان
الرجل أغلب أحواله الخير وقد يكون منه الغلبة، فالاغتياب له محرم، وإن كان فاسقًا معلنًا فلا غيبة فيه، فكذلك الميت، إذا كان أغلب أحواله الخير لم يجز ذكر ما فيه من شرٍّ ولا سبه به، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه، وليس ذلك مما نهي عنه من سب الأموات، ويؤيد ذلك إجماع أهل العلم من ذكر الكذابين وتجريح المجروحين.
وقيل: إن حديث: «لا تسبوا الأموات» عام وحديث: «أمسكوا عن ذي قبر» يحتمل أن يكون أباح ذكر الميت بما فيه من غالب الشر عند موته خاصة؛ ليتعظ بذلك فُسَّاق الأحياء، فإذا صار في قبره أمسك عنه، لإفضائه إلى ما قدم، فإن اعترض على التجريح بأن الضرورة دعت إلى ذلك حياطة لحديثه، فيقال له: هو مثل الذي غلب عليه الفسق، فوجب ذكر فسقه تحذيرًا من حاله، وهو من هذا الباب ومثله مما لا اعتراض له فيه ذكره - ﷺ - للذي لم يعمل حسنة قط وهو مؤمن فبذلك غفر له، فذكره بقبيح عمله إذ كان الغالب على عمله الشر، لكنه انتفع بخشية الله تعالى.
وهل يشترط أن يكون ثناؤهم مطابقًا لأفعاله، فيه احتمالان. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخرًا عن هذا الحديث فيكون ناسخًا (١).

-------------
(١) «المفهم» ٢/ ٦٠٨.


ثالثها:
قَالَ الداودي: معنى هذا الحديث عند الفقهاء: إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق؛ لأن الفسقة قد يثنون على الفاسق فلا يدخلون في معنى هذا الحديث، والمراد -والله أعلم-: إذا كان المثني بالشر ممن ليس له بعدو؛ لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو، فإذا مات عدوه ذكر عند ذلك الرجل الصالح شرًّا، فلا يدخل الميت في معنى هذا الحديث؛ لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا وإن كان عدلًا للعداوة؛ والبشر غير معصومين.
رابعها:
حديث أنس لم يشترط في الذين أثنوا عددًا من الناس لا يجزئ أقل منهم، بخلاف حديث عمر، وأحال في ذلك - ﷺ - ما يغلب على الرجل بعد موته عند جملة من الناس من ثناء الخير والشر، وأنه المحكوم له به في الآخرة، وقد جاء بيان هذا في حديث آخر: «إن الله -عز وجل- إِذَا أَحَبَّ عبْدًا أمر الملائكةَ أن تُناديَ في السماء: ألا أنَّ الله يُحِبُّ فُلَانًا فأحبوه. فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُجعلُ لَهُ القَبُولُ فِي أهلِ الأَرْضِ، وإذا أبغض عبدًا كذلك» (١) فهذا معنى قوله: «أنتم شهداء الله في الأرض»؛ لأن المحبة والبغضة من عنده تعالى، ويشهد لصحة هذا قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]
فإن قلت: فهذا المعنى مخالف لحديث عمر؛ لأنه شرط فيه أربعة شهداء أو ثلاثة أو اثنين بخلاف الأول. قيل: ليس كما توهمت، وإنما اختلف العددان؛ لاختلاف المعنيين وذلك أن الثناء قد يكون بالسماع

---------------
(١) سيأتي برقم (٣٢٠٩) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة.


المتصل على الألسنة، فاستحب في ذلك التواتر والكثرة، والشهادة لا تكون إلا بالمعرفة والعلم بأحوال المشهود له، فناب في ذلك أربعة شهداء وذلك أعلى ما يكون من الشهادة؛ لأن الله تعالى جعل في الزنا أربعة شهداء، فإن قصروا ناب فيه ثلاثة (١)، فإن قصروا عن ذلك ناب فيه شاهدان، وذلك أقل ما يجزئ من الشهادة على سائر الحقوق رحمة من الله لعباده المؤمنين وتجاوزًا عنهم حين أجرى أمورهم في الآخرة على ما أجراه في الدنيا، وقبل شهادة رجلين من عباده المؤمنين بعضهم على بعض في أحكام الآخرة.
وقال أبو سليمان: هذا من ظاهر العلم الذي تقدم أنه أمارة محيلة على الباطن. وقال البيهقي: فيه دلالة على جواز ذكر المرء بما يعلمه إذا وقعت الحاجة إليه نحو سؤال القاضي المزكي ونحوه (٢).
فائدة:
الثناء: ممدود يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر، وقيل: يستعمل فيهما، وأما النَثَاْ بتقديم النون وبالقصر ففي الشر خاصة، وقد يستعمل في الخير أيضًا، واستعمل الثناء هنا بالمد في الشر، بناء على اللغة الشاذة أو للتجانس كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].

-------------
(١) ورد في هامش الأصل: وهو وجه عند الشافعي في الاعتبار أنه لا يقبل فيه إلا ثلاثة. قال به الفوراني.
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٧٥ - ٧٦ تقال: الجنائز، باب: النهي عن سب الأموات والأمر بالكف عن مساوئهم إذا كان مستغنيًا عن ذكرها.



٨٦ - باب مَا جَاءَ فِي عَذَابِ القَبْرِ
وَقَوْلُهُ -عز وجل-: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] والهُون والهَوَانُ، وَالْهَوْنُ: الرِّفْقُ، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١] وَقَوْلُهُ ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وقوله ﴿فَوَقَاهُ اللهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٥ - ٤٦]

١٣٦٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أُقْعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾» [إبراهيم: ٢٧]. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٢٧] نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ. [٤٦٩٩ - مسلم: ٢٨٧١ - فتح: ٣/ ٢٣١]

١٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ فَقَالَ: «وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟». فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟! فَقَالَ: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ». [٣٩٨٠ - فتح: ٣/ ٢٣٢]

١٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،


عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾». [النمل: ٨٠]
[٣٩٧٨، ٣٩٧٩، ٣٩٨١ - مسلم: ٩٣٢ - فتح: ٣/ ٢٣٢]

١٣٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، سَمِعْتُ الأَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ». قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ [حَقٌّ]». [انظر: ١٠٤٩ - مسلم: ٥٨٦، ٩٠٣ - فتح: ٣/ ٢٣٢]

١٣٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما تَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ التِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ المُسْلِمُونَ ضَجَّةً. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٣/ ٢٣٢]

١٣٧٤ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي الرَّجُلِ لِمُحَمَّدٍ - ﷺ -؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الجَنَّةِ، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا». قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ فِي قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَي حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «وَأَمَّا المُنَافِقُ وَالكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِى، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ. فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ. وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ، غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ». [انظر: ١٣٣٨ - مسلم: ٢٨٧٠ - فتح: ٣/ ٢٣٢]


ذكر فيه ستة أحاديث:
أحدها:
حديث البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ:»إِذَا أُقعِدَ المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية«وقال شُعْبَةُ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ القَبْرِ.
ثانيها:
حديث ابن عمر: اطَّلَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ .. الحديث.
ثالثها:
حديث عائشة: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:»إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لهم حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾.
رابعها:
حديثها أيضًا: أَنَّ يَهُودِيَّةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. فَسَألَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ عَذَابُ القَبْرِ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدُ صَلَّى صَلَاةَ إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. زَادَ غُنْدَرٌ: «عَذَابُ القَبْرِ حَقٌّ».
خامسها:
حديث أسماء: قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ القَبْرِ التِي يَفْتَتِنُ فِيهَا المَرْءُ، .. الحديث.
سادسها:
حديث أنس: "إِنَّ العَبدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، .. الحديث بطوله.


الشرح:
هذِه الأحاديث سلفت أو أكثرها، والأخير سلف في باب الميت يسمع خفق النعال (١).
و﴿غَمَرَاتِ المَوْتِ﴾ شدائده. ﴿وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي بالعذاب.
و﴿الهُونِ﴾ الهوان، كما سلف.
قَالَ ابن جريج: عذاب الهون في الآخرة. وقال غيره: لما بعثوا صاروا إلى النار، قالت الملائكة: ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ﴾ قَالَ: الهوان.
وقول الملائكة: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ على معنى التوبيخ، أي: أنتم تفارقون أنفسكم، والهَوْن -بفتح الهاء- السكينة والوقار.
وقوله: ﴿سَنُعَذبُهُم مَّرَتَيْنِ﴾ الآية [التوبة: ١٠١] قيل: عذاب يوم بدر بالقتل، ثم في القبر، ثم يردون إلى عذاب جهنم، وقيل: بالسباء ثم بالقتل ثم بجهنم. وقال مجاهد: بالجوع والقتل ثم بجهنم (٢). وقيل: بالزكاة تؤخذ منهم كرهًا.
﴿وَحَاقَ﴾: نزل. وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ قَالَ ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، تعرض على النار مرتين، يقال لهم: هذِه داركم (٣).
وعن أبي هريرة أنه كان إذا أصبح قَالَ: أصبحنا والحمد لله، وعرض آل فرعون على النار. وكذلك إذا أمسى فلا يسمعه أحد إلا تعوذ بالله من

----------------
(١) برقم (١٣٣٨) كتاب: الجنائز.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٥٧ (١٧١٤٠).
(٣) رواه البزار في «البحر الزخار» ٤/ ٢٨٤ (١٤٥٤)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» ١٢/ ١٩٦ - ١٩٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #278  
قديم يوم أمس, 04:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 151 الى صـــ 170
الحلقة (278)




النار (١). وقال مجاهد: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: من أيام الدنيا (٢).
وقال الفراء: ليس في القيامة غدو ولا عشي، لكن مقدار ذلك (٣).
ويرد عليه قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فدل على أن الأول بمنزلة عذاب القبر.
وحديث البراء مفسر للآية، وقد اختلف في قوله: ﴿فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [إبراهيم: ٢٧] فقَالَ طاوس: قول: لا إله إلا الله (٤). وقال قتادة: يثيبهم بالخير والعمل الصالح (٥)، وقيل: الحياة حياتان: دنيا وهي التي نحن فيها؛ لأنها تقدمت ودنت، والثانية الآخرة؛ لأنها تأخرت.
وحديث ابن عمر في أهل القليب قد يكون هو المحفوظ؛ لأنه لا يكلم من لا يسمع كلامه، وإذا أراد الله إسماع شيء أسمعه، ألا تراه أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأن النار اشتكت إلى ربها تعالى، ويكون معنى قوله: ﴿لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ الآية [النمل: ٨٠] مثل قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] ويعني بالموتى وأهل القبور من سبق فرب علم الله أنه لا يسلم، ويكون قول عائشة إنما حملته على التأويل، وإن كانت ما قالته عائشة محفوظًا فإنما حمله ابن عمر على التأويل.

-----------
(١) ذكره القرطبي في «تفسيره» ١٥/ ٣١٩.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٦٧ (٣٠٣٧٣).
(٣) «معاني القرآن» ٣/ ٩.
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٧/ ٤٥٠ - ٤٥١ (٢٠٧٧٥).
(٥) المصدر السابق برقم (٢٠٧٧٦).



واحتج بعض الفقهاء بقوله - ﷺ -: «ما أنتم بأسمع منهم» فإن العموم لا يصح في الأفعال، وهو مذهب المحققين قالوا: لأنها قضية عين لا يجب أن يلحق بها غيرها، وكذلك قوله - ﷺ - للمرأة التي رفعت إليه صبيًّا، ثم قالت: ألهذا حج؟ قَالَ: «نعم، ولك أجر» (١) فظن بعض من لم يحقق الكلام أن غير هذِه الأشياء يحمل عليها.
وحديث عائشة مع اليهودية فيه أن يتحدث عن أهل الكتاب إذا وافق قول الرسول - ﷺ -، وأن يوقف عن خبرهم حَتَّى يعرف أصدق هو أم كذب.
وفيه: أن المؤمن يتذكر إذا سمع شيئًا، فرب كلمة ينتفع بها سامعها دون قائلها.
وقوله: («ويضرب بمطارق من حديد ضربة») أي: من رجل حنق شديد الغضب، قَالَه الشيخ أبو الحسن.
واحتجَّ لأهل السنَّةِ القائلين أنَّ الأرواحَ كلَّها باقيةٌ، أرواح السعداء منعمة، وأرواح الأشقياء معذبة بالآية السالفة: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، وبقوله: ﴿وَالمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] ولم يقل: إنهم يميتون أنفسهم، وقيل في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]: إنه قول الروح.
وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ اختلف في النفس والروح، فقال القاضي أبو بكر وأصحابه: إنهما اسمان لشيء واحد. وقال ابن حبيب:

-----------
(١) رواه مسلم من حديث ابن عباس برقم (١٣٣٦) كتاب: الحج، باب: صحة حج الصبي وأجر من حج به، وأبو داود (١٧٣٦) كتاب: المناسك، باب: في الصبي يحج، والترمذي (٩٢٤) كتاب: الحج، باب: ما جاء في حج الصبي، والنسائي ٥/ ١٢٠ كتاب: مناسك الحج، باب: الحج بالصغير، وابن ماجه (٢٩١٠) كتاب: المناسك، باب: حج الصبي.


الروح هو النفس البخاري يدخل ويخرج لا حياة للنفس إلا به، والنفس تألم وتلذ، والروح لا تألم ولا تلذ. وعن ابن القاسم، عن عبد الرحيم بن خالد: بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلًا. وعنه أيضًا: أن النفس هي التي لها جسد مجسد.
قَالَ ابن حبيب: وهي في الجسد تحلق في جوف حلق تخرج من الجسد عند الوفاة، ويبقى الجسد حيًّا، ونحوه حكى ابن شعبان، عن ابن القاسم وزاد قَالَ: الروح كالماء الجاري. قَالَ أبو بكر بن مجاهد: أجمع أهل السنة على أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها، ويسألون ويثبت الله من أحب تثبيته منهم. وقال أبو عثمان بن الحداد: وإنما أنكر عذاب القبر بشر المريسي والأصم وضرار، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وبمعارضة عائشة لابن عمر.
قَالَ القاضي أبو بكر بن الطيب وغيره: قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر قَالَ تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وقام الاتفاق على أنه لا غدو ولا عشي في الآخرة، وإنما هما في الدنيا، وقد سلف ذلك، فهم يعرضون بعد مماتهم على النار قبل يوم القيامة، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب. قَالَ تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فإذا جاز أن يكون المكلف بعد موته معروضًا على النار غدوًّا وعشيًّا، جاز أن يسمع الكلام، ويُمنع الجواب؛ لأن اللذة والعذاب (تجيء بالإحساس) (١)، فإذا كان ذلك وجب اعتقاد رد

-----------
(١) خَلْط بالأصل والمثبت من «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٥٩.


الحياة في تلك الأجسام، وسماعهم للكلام، والعقل لا يدفع هذا ولا يوجب حاجة إلى بلل ورطوبة، وإنما يقتضي حاجتها إلى المحل فقط، فإذا صحَّ رد الحياة إلى أجسامهم مع ما هم عليه من نقصِ البنية وتقطيع الأوصال، صحَّ أن يوجد منهم سماع الكلام والعجز عن رد الجواب.
وقد ذكر البخاري في غزوة بدر بعد قوله - ﷺ -: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قَالَ قتادة: أحياهم الله حَتَّى أسمعهم توبيخًا ونقمة وحسرة وندمًا (١). وعلى تأويل قتادة فقهاء الأمة وجماعة أهل السنة، وعلى ذلك تأوله عبد الله بن عمر، وهو راوي الحديث.
قَالَ القاضي: وليس في قول عائشة ما يعارض رواية ابن عمر؛ لأنه يمكن أن يكون قد قَالَ في قتلى بدر القولين جميعًا، ولم تحفظ عائشة إلا أحدهما؛ لأن القولين غير متنافيين أي: ما دُعوا إليه حَتَّى لا يبقى رد الحياة إلى أجسامهم وسماعهم النداء بعد موتهم إذا عادوا أحياء.
وقال الطبري في معنى قوله: «ما أنتم بأسمع منهم ولكنهم لا يجيبون»: اختلف السلف من العلماء في تأويله، فقال جماعة: يكثر تعدادها بعموم الحديث. وقالت: إن الميت يسمع كلام الأحياء، ولذلك قَالَ - ﷺ - لأهل القليب ما قَالَ. وقال: «ما أنتم بأسمع منهم».
واحتجوا بأحاديث في معنى قوله - ﷺ - في الميت «إنه ليسمع قرع نعالهم» (٢) ثم روى أنهم يسمعون كلام الأحياء ويتكلمون عن أبي هريرة. ثم روى عن ابن وهب، عن العطاف بن خالد، عن خالته

----------
(١) برقم (٣٩٧٦) كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل.
(٢) سبق برقم (١٨٣٨) كتاب: الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال، من حديث أنس.



-وكانت من الغوابر- أنها كانت تأتي قبور الشهداء، قالت: صليت يومًا عند قبر حمزة بن عبد المطلب، فلما قمت قلتُ: السلام عليكم، فسمعت أذناي رد السلام يخرج من تحت الأرض، أعرفه كما أعرف أن الله خلقني، وما في الوادي داع ولا مجيب، فاقشعرت كل شعرة مني. وعن عامر بن سعد أنه كان إذا خرج إلى قبور الشهداء يقول لأصحابه: ألا تسلمون على الشهداء فيردون عليكم؟ (١)
وقال آخرون: معناه، ما أنتم بأعلم أنه حق منهم، ورووا ذلك عن النبي - ﷺ -، وذكروا قول عائشة حين أنكرت على ابن عمر وقالت: إنما قَالَ - ﷺ -: «إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول لهم حق». قالوا: فخبر عائشة يبين ما قلنا من التأويل، إلا أنه أخبر أنهم يسمعون أصوات بني آدم وكلامهم. قالوا: ولو كانوا يسمعون كلام الناس وهم موتى لم يكن لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] معنى. وصوب الطبري تصحيح كل من الروايتين، والواجب الإيمان بها والإقرار بأن الله يسمع من يشاء من خلقه ما شاء من كلام خلقه، ويفهم من يشاء منهم ما يشاء، وينعم من أحب منهم ويعذب في قبره الكافر، ومن استحق العذاب كيف أراد، على ما صحت به الروايات عن سيد البشر، وليس في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] حجة في دفع ما صحت به الآثار في قرع النعال وقصة القليب، إذ كان قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾

-----------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٣/ ٢٨ - ٢٩ (١١٧٨٧) كتاب: الجنائز، باب: التسليم على القبور إذا مر بها.


محتملًا لأن يكون معناه، فإنك لا تسمع الموتى بقدرتك إذ خالق السمع غيرك، ونظيره ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [النمل: ٨١] وذلك بالتوفيق، والهداية بيد الله، فنفى الرب عن نبيه القدرة أن يسمع الموتى إلا بمشيئته، كما في الهداية، وإنما أنت نذير مبلغ ما أرسلت به.
ويحتمل أن يكون المراد: إنَّك لا تُسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به؛ لانقطاع أعمالهم وانتقلوا إلى دار الجزاء فلا ينفع الدعاء إذًا؛ لأن الله ختم عليهم أن لا يؤمنوا، وكذا قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ يريد: إنك لا تقدر على إسماع من جعله الله أصم عن الهدى، وفي صدر الآية ما يدل على هذا؛ لأنه تعالى قَالَ: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالبَصِيرُ (١٩)﴾ [فاطر: ١٩]، يعني بالأعمى: الكافر، وبالبصير: المؤمن ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾ [فاطر: ٢٠] يعني بالظلمات: الكفر، وبالنور: نور الإيمان ﴿وَلَا الظِّلُّ﴾ [فاطر: ٢١] أي الجبة ﴿وَلَا الحَرُورُ﴾ أي النار. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ﴾: العقلاء ﴿وَلَا الأَمْوَاتُ﴾: الجهال ثم قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني: إنك لا تسمع الجهال الذين كأنهم موتى في القبور، ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلًا للجهال شهداء بدر المؤمنين فيحتج بهم، أولئك أحياء كما نطق به التنزيل، ولا يعارض ما يثبت في عذاب القبر الآية السالفة ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] لأن الله تعالى قد أخبر في كتابه بحياة الشهداء قبل يوم القيامة فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩] ولما كانت حياتهم قبل محشرهم ليست رادة لهذِه الآية كانت حياة المقبورين في قبورهم من قبل محشر الناس ليست رادة لقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ﴾.


ومن أنكر حياة الشهداء قبل المحشر وادعى أن قوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾ أنه في يوم القيامة، أبطل ما اقتضاه قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ لأن الشهداء وغيرهم من جميع البشر يتوافون يوم القيامة، ويستحيل فيمن وافاه غيره أن يقال في الذي وافاه إنه سيلحقه، أو يقال فيه بأنه خلفه، والأخبار إذًا في عذاب القبر صحيحة متواترة لا يصح عليها التواطؤ، وإن لم تصح مثلها لم يصح شيء من أمر الدين.

٨٧ - باب التَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ القَبِرْ
١٣٧٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ - رضي الله عنهم - قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا».
وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [مسلم: ٢٨٦٩ - فتح: ٣/ ٢٤١]

١٣٧٦ - حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابْنَةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ. [٦٣٦٤ - فتح: ٣/ ٢٤١]

١٣٧٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ». [مسلم: ٥٨٨ (١٣١) - فتح: ٣/ ٣٤١]
ذكر فيه حديث يَحْييَ -هو ابن سعيد- ثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي
جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - وقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: «يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا».
وَقَالَ النَّضْرُ: أَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا عَوْنٌ، سَمِعْتُ أَبِي، سَمِعْتُ البَرَاءَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
وحديث مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي ابنةُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - وهُوَ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.
وحديث أبي هريرة: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ».


الشرح:
تقدمت هذِه الأحاديث في مواضعها، وتعليق النضر أتى به مسلم ليحيى بن سعيد (١)؛ لأن فيها كل واحد صرح بالسماع ممن فوقه وقد وصله الإسماعيلي، حدثنا مكي، ثنا زاج، ثنا النضر، ثنا شعبة وهو حديث فيه ثلاثة صحابيون يروي بعضهم عن بعض أولهم أبو جحيفة، وهذِه الأحاديث شاهدة للأحاديث التي في الباب السابق، أن عذاب القبر حق على ما ذهب إليه أهل السنة، ألا ترى أن الشارع استعاذ منه، وهو معصوم مطهر مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فينبغي لك يا من انتفت عصمته وطهارته أن تكثر منه تأسيًا بسيد السادات، وإنما استعاذ مع غفرانه تعليمًا لك وتنبيهًا على الاقتداء به، واتباع هديه ثم كل الخلق في مقام الافتقار والخشوع والانكسار، والإقرار بشكر النعم واجب، وخشية كل أحد على قدر مقامه «أفلا أكونُ عبدًا شَكُورا» (٢) وقد قَالَ تعالى له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] أي: دُمْ على تقواه، فكان إذا قام في الصلاة يسمع لصدره أزيز.
وفتنة المحيا: من خروجه، وفتنة الممات: فتنة القبر، وفتنة المسيح الدجال أي: الذي يخرج في آخر الزمان أعاذنا الله منه.

------------
(١) «صحيح مسلم» (٢٨٦٩) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه.
(٢) سلف برقم (١١٣٠) كتاب: التهجد، باب: قيام النبي - ﷺ - الليل حتى ترم قدماه.



٨٨ - باب عَذَابِ القَبْرِ مِنَ الغِيبَةِ وَالبَوْلِ
١٣٧٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ -ثُمَّ قَالَ:- بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». [انظر: ٢١٦ - مسلم: ٢٩٢ - فتح: ٣/ ٢٤٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى قَبْرَيْنِ .. الحديث.
وقد سلف قريبًا، ولم يذكر فيه الغيبة، إنما ذكر النميمة (١)؛ لأن من ينم عنه يغتابه، ويقال: إنهما أختان لا تفارق إحداهما الأخرى، وقد سلف ذلك أيضًا.

----------
(١) برقم (١٣٦١) باب: الجريد على القبر.


٨٩ - باب المَيِّتِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ
١٣٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ [فَمِنْ أَهْلِ النَّار]، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». [٣٢٤٠، ٦٥١٥ - مسلم: ٢٨٦٦ - فتح: ٣/ ٢٤٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أنَّ النَّبي - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
الشرح:
العرض لا يكون إلا على حيِّ، وهو قال على إحيائه ومنه: «ليسمع قرع نعالهم» وفيه دلالة على بقاء الأرواح؛ لأنها التي يعرض عليها، ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي: كل غداة وكل عشية، وذلك لا يكون إلا بإحياء جزء منه، فإنا نشاهد الميت ميتًا بالغداة والعشي، وذلك يمنع إحياء جميعه، وإعادة جسمه، ولا يمتنع أن تعاد الحياة في جزء أو أجزاء منه، وتصح مخاطبته والعرض عليه، ويحتمل أن يريد بالغداة والعشي: غداة واحدة يكون العرض فيها، ذكره ابن التين.
وقوله: («مقعده») يحتمل أن يريد مقعده من الجنة، وقد سلف ذلك مفصلًا في حديث أنس، ويكون معنى: «حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ» أي: أنه مقعدك لا تصل إليه حَتَّى يبعثك الله.


ونقل ابن بطال عن بعضهم أن معنى العرض هنا: الإخبار بأن هذا موضع أعمالكم والجزاء لها عند الله تعالى، وأريد بالتكرير بالغداة والعشي تذكارهم بذلك، ولسنا نشك أن الأجسام بعد الموت والمساءلة هي في الذهاب وأكل التراب والفناء، ولا يعرض شيءٌ على فانٍ، فبان أن العرض الذي يدوم إلى يوم القيامة إنما هو على الأرواح خاصة، وذلك أن الأرواح لا تفنى وإنما هي باقية إلى أن يصير العباد إلى الجنة أو النار (١).
ونقل عن القاضي أبي الطيب اتفاق المسلمين أنه لا غدو ولا عشاء في الآخرة، وإنما هو في الدنيا، فهم معروضون بعد مماتهم على النار، وقيل: يوم القيامة، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب، فمن عرض عليه النار غدوًّا وعشيًّا أحرى أن يسمع الكلام.
قال ابن عبد البر: وقد استدل بهذا الحديث من ذهب إلى أن
الأرواح على أفنية القبور، وهو أصح ما ذهب إليه في ذلك؛ لأن الأحاديث في ذلك أثبت نقلًا قَالَ: والمعنى عندي أنها قد تكون على أفنية قبورها؛ لأنها لا تفارق أفنية القبور، بل هي كما قَالَ مالك: إنه بلغه أن الأرواح تسرح حيث شاءت، وعن مجاهد: الأرواح على القبور سبعة أيام، من يوم دفن الميت لا تفارق (٢).
وقال الداودي: ومما يدل على حياة الروح والنفس وأنهما لا يفنيان قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ الآية [الزمر: ٤٢] والإمساك لا يقع على الفاني (٣).

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٦٥.
(٢) «الاستذكار» ٨/ ٣٥٤ - ٣٥٥.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٦٥.



وحكى القرطبي أن العرض مخصوص بالمؤمن الكامل الإيمان، ومن أراد الله أن ينجيه من النار، وأما من أبعد الله عليه وعيده من المخلطين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فله مقعدان يراهما جميعًا، كما أنه يرى عمله شخصين في وقتين أو في وقت واحد قبيحًا وحسنًا.
قَالَ: وقد يحتمل أن يراد بأهل الجنة: كل من يدخلها كيف كان، ويجوز أن يكون ترد إليه الروح كما ترد عند المسألة، وقد ضرب بعض العلماء لتعذيب الروح مثلًا في النائم كأن روحه تنعم أو تعذب وحده لايحس بشيء من ذلك (١).
وقوله: («حَتَّى يبعثك الله يوم القيامة») هو تأكيد أعني: يوم القيامة، وزاد ابن القاسم: «حَتَّى يبعثك الله إليه» وكذا رواه ابن بكير، قال أبو عمر: ويحتمل أن تكون الهاء في قوله: «إليه» راجعة إلى الله تعالى، فإن إليه المصير، وكونها عائدة إلى المقعد الذي تصير إليه أشبه (٢) بدلالة حديث أبي هريرة: «فَيُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ إلى النَّارِ فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللهُ، ثُمَّ يُفْرَجُ لَهُ فُرْجَةٌ في الجَنَّةِ فَيَنْظُرُ إِلَيها فَيُقَالُ لَهُ: هذا مَقْعَدُكَ» (٣).

---------
(١) انظر: «المفهم» ٧/ ١٤٤ - ١٤٥.
(٢) «الاستذكار» ٨/ ٣٤٨، ٣٤٩.
(٣) رواه ابن ماجه (٤٢٦٨) كتاب: الزهد، باب: ذكر القبر والبلى، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».



٩٠ - باب كَلَامِ المَيِّتِ عَلَى الجَنَازَةِ
١٣٨٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهَا الإِنْسَانُ لَصَعِقَ». [انظر: ١٣١٤ - فتح: ٣/ ٢٤٤]
ذكر فيه حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «إِذَا وُضِعَتِ الجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ .. الحديث.
وقد سلف في باب حمل الجنازة بفوائده (١).
وقد جاءت آثار تدل على معرفته من يحمله ويدخله في قبره ومن يغسله، أخرجه الطبري من حديث أبي سعيد مرفوعًا، وعن مجاهد: إذا مات الميت فملك قابض نفسه، فما من شيء إلا وهو يراه عند غسله وعند حمله وحتى يصل إلى قبره.
وإنما ترجم البخاري بكلام الميت عليها، وذكر حديثًا يدل أن الجنازة: الميت؛ لأنه من أئمة اللغة العارفين بها، فإنها بالفتح: الميت، وبالكسر: السرير، فأراد الميت على السرير (٢).

-------------
(١) برقم (١٣١٤).
(٢) انظر:»الصحاح«٣/ ٨٧٠، و»لسان العرب" ٢/ ٦٩٩.



٩١ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُسْلِمِينَ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ».

١٣٨١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ». [انظر: ١٢٤٨ - فتح: ٣/ ٢٤٤]

١٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ سَمِعَ البَرَاءَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ». [٣٢٥٥، ٦١٩٥ - فتح: ٣/ ٢٤٤]
ثم ذكر حديث أنس: «مَا مِنَ النَّاسِ مُسْلِمٌ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاَثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ».
وحديث البراء: قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ له رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الجَنَّةِ».
الشرح:
أما حديث أبي هريرة فقد سلف في أوائل الجنائز. لكن بلفظ آخر كما أوضحناه هناك في باب: من مات له ولد فاحتسبه (١)، وعَزَاهُ المزي في «أطرافه» إلى أنس بلفظ ليس هو هنا، ولا في ذاك الموضع، فليحمل على المعنى، وهذا لفظه: حديث: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد ..» (٢) الحديث. أخرجه البخاري في

------
(١) برقم (١٢٥١).
(٢) «تحفة الأشراف» ١/ ٢٧٢ (١٠٠٥).



الجنائز (١)، وحديث البراء أخرجه (٢).
إذا عرفتَ ذلك فالكلامُ عليه من أوجه:
أحدها:
الثلاثة داخلة في حيز الكثرة، وقد يصاب المؤمن فيكون في إيمانه من القوة ما يصبر للمصيبة، ولا يصبر لتردادها عليه، فلذلك صار من تكررت عليه المصائب صبره أولى بجزيل الثواب، والولد من أجَلِّ ما يسر به الإنسان، لقد يرضى أن يفديه بنفسه، هذا هو المعهود في الناس والبهائم، فلذلك قصد الشارع إلى إعلاء المصائب والحض على الصبر عليها، وقد روي عنه - ﷺ - أنه قَالَ: «لَا يَمُوتُ لأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ إِلَّا كَانُوا له جُنَّةً مِنَ النَّارِ» (٣) ومعنى الحسبة: الصبر لما ينزل به، والاستسلام لقضاء الله عليه، فإذا طابت نفسه على الرضا عن الله في فعله استكمل جزيل الأجر.
وقد جاء أنه ليس شيء من الأعمال يبلغ مبلغ الرضا عن الله في جميع النوازل، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة: ١١٩] يريد: رضي أعمالهم، ورضوا عنه بما أجرى عليهم من قضائه وما أجزل لهم من عطائه.
ثانيها:
معنى: «لم يبلغوا الحنث»: لم يبلغوا أن تجري عليهم الأقلام

------------
(١) سلف برقم (١٢٤٨) باب: فضل من مات له ولد فاحتسب.
(٢) بياض في الأصل بمقدار نصف سطر.
(٣) رواه مالك في «موطئه» من حديث أبي النضر السَّلَميص ١٦٢ (٣٩) كتاب: الجنائز، باب: الحسبة بالمصيبة بالولد وغيره، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ١٨٥ (٢١٦٦).



بالأعمال، والحنث: الذنب العظيم.
ثالثها:
حديث أنس دال قاطع أن أولاد المسلمين في الجنة لا بد، لا يجوز أن يرحم الله الآباء من أجل من ليس بمرحوم، ويشهد لصحة هذا قوله في ابنه إبراهيم: «إن له مرضعًا في الجنة» وعلى هذا القول جمهور علماء المسلمين أن أطفال المسلمين في الجنة، إلا المجبرة فإنهم عندهم في المشيئة، وهو قول مهجور مردود بإجماع الحجة، ذكر للتنبيه على وهمه وغلطه (١).
رابعها:
بوب البخاري على أولاد المسلمين، ولم يذكر حديثًا فيهم، وأجيب بأنه إذا رحم الآباء بهم فالأبناء أولى، وحديث إبراهيم يرده، وهو ظاهر في التبويب.
خامسها:
«إن له مرضعًا في الجنة» أي: من يتم رضاعه، يقال: امرأة موضع بغير هاء كحائض، وقد أرضعت فهي مرضعة، إذا بنيته من الفعل، وروي مَرضَعا -بفتح الميم -أي: رضاعا.

-----------
(١) هذا القول فيه نظر فقد قال ابن عبد البر رحمه الله: وقد ذهب جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث إلى الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين أو المشركين بجنة أو نار منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار خاصة في المشيئة، «التمهيد» ١٨/ ١١١ - ١١٢.


٩٢ - باب مَا قِيلَ فِي أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ
١٣٨٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهم - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ فَقَالَ: «اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». [٦٥٩٧ - مسلم: ٢٦٦٠ - فتح: ٣/ ٢٤٥]

١٣٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ». [٦٥٩٨، ٦٦٠٠ - مسلم: ٢٦٥٩ - فتح: ٣/ ٢٤٥]

١٣٨٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟». [انظر: ١٣٥٨ - مسلم: ٢٦٥٨ - فتح: ٣/ ٢٤٥]
ذكر فيه حديث ابن عباس: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَوْلَادِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
وحديث أبي هريرة: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَرَارِيِّ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ».
وحديثه أيضًا: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، .. الحديث.
الشرح:
الحديث الأخير سلف قريبًا واضحًا. وقد اختلف العلماء في أولاد المشركين على أقوال:
أحدها: أنهم من أهل الجنة (١)؛ لأنهم وُلدوا على الفطرة. قَالَ

----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: كونهم في الجنة قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية، وهو اختيار ابن حزم.


تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠].
ومعنى: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» أي: قد علم أنهم لا يعملون شيئًا ولا يرجعون في وقت يعملون فيه، وهذا هو المختار (١).
ثانيها: أنهم خدمة أهل الجنة (٢).
ثالثها: أنهم من أهل النار؛ لحديث الذراري يصابون في شن الغارة: «هم من آبائهم» (٣). وجوابه أن ذلك في أمر الدنيا أي: إنهم إن أصيبوا في التبييت والإغارة لا قود فيهم ولا دية، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان في الحرب.

---------------
(١) تعليق بهامش الأصل بخط سبط ابن العجمي: قولهم في الحديث قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية، وهو اختيار ابن حزم.
(٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط ابن العجمي: وقد رأيت في «جامع سفيان الثوري» جمع الدولابي، قال الدولابي: حدثنا محمد بن خلف، ثنا قبيصة، عن سفيان، عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: سئل النبي - ﷺ - عن ذراري المشركين، قال: «هم خدام أهل الجنة» وهو مذهب سفيان. [وقد بقي] على المصنف مع ما ذكره خمسة أقوال أخر، وهي: الإمساك في المسألة نفيًا وإثباتًا وجعل هذا بما استأثر الله بعلمه وهذا غير القول بأنهم مردودون إلى محض المشيئة غير الوقف في أمرهم لما يحكم لهم بجنة، ولا بنار. هذان قولان. الثالث: أنهم في منزلة بين الجنة والنار، فليس لهم إيمان يدخلون به الجنة، وليس لهم أعمال توجب دخولهم النار. الرابع: أن علمهم وعلم آبائهم في الدنيا والآخرة فلا ينفردون عنهم بحكم في الدارين. والفرق بين هذا وبين الثالث في كلام المصنف أنهم في النار. أن صاحب هذا المذهب الرابع يجعلهم تبعًا لهم حتى لو أسلم الأبوان بعد موتهم يحكم لأطفالهم بالنار وصاحب القول الثالث يقول: هم في النار سواء أسلم الأبوان أو لا. الخامس: أنهم يصيرون ترابًا حكاه أرباب المقالات عن علية بن أشرس.
(٣) سيأتي برقم (٣٠١٢، ٣٠١٣) كتاب: الجهاد، باب: أهل الدار يبيتون، ورواه مسلم أيضًا برقم (١٧٤٥) كتاب: الجهاد، باب: جواز قتل النساء …، من حديث الصعب بن جثامة.



رابعها: إن الله يبعثهم ومن مات في الفترة، والصم والبكم والمجانين، وتؤجج لهم نار، ثم يُبعث إليهم رسول، يأمرهم باقتحامها فمن علم الله أنه لو وهبه عقلًا في الدنيا أطاعه، دخلها ولا تضره ويدخل الجنة، ومن علم أنه لو وهبه عقلًا لم يدخلها فيدخل النار. قَالَ ابن بطال: هو قول لا يصح؛ لأن الآثار الواردة بذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة (١).
وقَالَ الداودي: وهذا لا يصح في العقل والاعتبار لقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآية.
فجعلهم من أصحاب الجحيم، ولو كان لهم موضع يرجى لهم فيه، لم ينه عن الاستغفار لهم، وهذا الاستدلال غير صحيح، كما قَالَ ابن التين؛ لأنه إنما نُهي عن الاستغفار لعبد الله بن أُبي، ومن هو مثله، ولم ينه عن الاستغفار لولدانهم.
خامسها: الوقف في أمرهم؛ لأنه - ﷺ - قَالَ: «الله أعلم بما كانوا عاملين». ونقل ابن بطال عن أكثر العلماء أنهم في المشيئة، وتأولوا قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ اليَمِينِ (٣٩)﴾ [المدثر: ٣٩] أنهم أطفال المؤمنين، وقيل: هم أصحاب الملائكة. وقد رتب بعض العلماء هذِه الأحاديث الأربعة بحيث لا يختلف منها حديث مع الآخر. فقال: أصلها حديث التأجيج. قَالَ: فمن دخل النار كان من خدمة أهل الجنة، وكان الله أعلم بما سيعمل لو أحياه حين يبلغ التكليف، وإن لم يدخلها كان في النار (٢)، وهو الحديث الآخر: «هم من آبائهم».

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٤.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٣ - ٣٧٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #279  
قديم يوم أمس, 05:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 171 الى صـــ 190
الحلقة (279)






فتتفق هذِه الأحاديث الأربعة (١).
وقوله: «اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» أخبر بعلم الشيء لو وجد كيف يكون، مثل قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ولم يرد أنهم يجازون بذلك في الآخرة؛ لأن المرء لا يجازى بما لا يفعل، ولا خلاف أن من نوى شرب خمر ولم يفعل أنه لا يقام عليه بذلك حكم، فالصغير أبين؛ لأنه لم يكن منه فعل شيء، وكذلك أولاد المسلمين، («الله أعلم بما يعملون لو عاشوا») (٢). وعن ابن القاسم في ولد المسلم يولد مخبولًا، أو يصيبه ذلك قبل بلوغه قَالَ: ما سمعت فيه شيئًا، غير أن الله تعالى قَالَ: (والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم) (٣) الآية [الطور: ٢١] فأرجو أن يكونوا معهم.

------------
(١) قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: إذا مات غير المكلف بين والدين كافرين فحكمه حكمهما في أحكام الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، أما في الآخرة فأمره إلى الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله - ﷺ - أنه لما سئل عن أولاد المشركين قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين».
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن علم الله سبحانه فيهم يظهر يوم القيامة وأنهم يمتحنون كما يمتحن أهل الفترة ونحوهم فإن أجابوا إلى ما يطلب منهم دخلوا الجنة وإن عصوا دخلوا النار. وقد صحت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في امتحان أهل الفترة يوم القيامة. وهم الذين لم تبلغهم دعوة الرسل ومن كان في حكمهم كأطفال المشركين لقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وهذا القول هو أصح الأقوال في أهل الفترة ونحوهم ممن لم تبلغهم الدعوة الإلهية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم وجماعة من السلف والخلف رحمة الله عليهم جميعًا، وقد بسط العلامة ابن القيم رحمه الله الكلام في حكم أولاد المشركين وأهل الفترة في آخر كتابه «طريق الهجرتين» تحت عنوان طبقات المكلفين. «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» ٣/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٢) في الأصل: تقديم: (أعلم) على: (الله).
(٣) هذِه قراءة أبي عمرو.



وأما من أصيب بعد الحلم. قَالَ ابن التين: سمعت بعض أهل العلم والفضل أنه يطبع على عمله كمن مات، ومن كتاب آخر أن المجنون والمخبول والمعتوه يصلى عليهم (١).
وقال ابن بطال: يحتمل قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وجوهًا من التأويل:
أحدها: أن يكون قبل إعلامه أنهم من أهل الجنة.
ثانيها: أي: على أي دين كان يميتهم لو عاشوا فبلغوا العمل، وأما إذا عدم منهم العمل فهم في رحمة الله التي ينالها من لا ذنب له.
ثالثها: أنه مجمل يفسره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية، فهذا إقرار عام يدخل فيه أولاد المسلمين والمشركين، فمن مات منهم قبل بلوغ الحنث ممن أقر بهذا الإقرار من أولاد الناس كلهم، فهو على إقراره المتقدم لا يقضى له بغيره؛ لأنه لم يدخل عليه ما ينقضه إلى أن يبلغ الحنث، وأما من قَالَ: حكمهم حكم آبائهم، فهو مردود بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٢).

--------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٠٧.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٣.



٩٣ - باب
١٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ،
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟». قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللهُ، فَسَأَلَنَا يَوْمًا، فَقَالَ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟». قُلْنَا: لَا. قَالَ: "لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ -قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُوسَى: إِنَّهُ- يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ -أَوْ صَخْرَةٍ- فَيَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَي هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ، وَعَادَ رَأْسُهُ كَمَا هُوَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا إِلَي ثَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ، أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، يَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نَارًا، فَإِذَا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسَطِ النَّهَرِ [قال يزيد ووهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِم: وَعَلَى شَطِّ النهر] رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَال: انْطَلِقْ.
فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ، وَإِذَا رَجُلٌ قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ نَارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، وَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ،


وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ. قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ. قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَالذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ إِلَي يَوْمِ القِيَامَةِ. وَالذِي رَأَيْتَهُ فِي الثَّقْبِ فَهُمُ الزُّنَاةُ. وَالذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُو الرِّبَا، وَالشَّيْخُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ. وَالدَّارُ الأُولَى التِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ. قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ. قُلْتُ دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي. قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمْرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوِ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ». [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٣/ ٢٥١]
ذكر فيه حديث سمرة بن جندب قال: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بوَجْههِ فَقَالَ: «مَنْ رَأى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ ..» الحديث، وفيه: «لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ..» فقصَّها بطولها، ويأتي في التعبير آخر الكتاب (١)، وساقه عقب ما قيل في أولاد المشركين؛ لأنه ذكر في الرؤيا: وفي أصل الروضة شيخ وصبيان، وأما الشيخ في أصل الشجرة إبراهيم، والولدان حوله فأولاد الناس.
وذكر في التعبير: «وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة». قَالَ بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قالَ: «وأولاد المشركين» وهذِه حجة قاطعة، وكذا رواية البخاري: «والصببان حوله أولاد الناس». لأن هذا اللفظ يقتضي عمومه لجميع

--------------
(١) سيأتي برقم (٧٠٤٧) باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.


الناس مؤمنهم وكافرهم، وقد أسلفنا أن هذا القول هو المختار.
وقال ابن بطال: إنه أصح ما في الباب من طريق الآثار وصحيح الاعتبار (١).
والكلوب في الحديث -ويقال: الكلَّاب-: المنشال وهي: حديدة ينشل بها اللحم من القدر، قاله الجوهري (٢). وعبارة ابن بطال: هو خشبة في رأسها عقافة (٣).
وقوله: («تدهدَهَ») أي: تدحرج. والفِهْر: الحجر ملء الكف.
والصخرة: الحجر العظيمة. قال يعقوب، تسكن الخاء وتفتح.
وقوله: («فَانْطَلَقْتُ إِلَي ثَقْبِ مِثْلِ التَّنُّورِ») هو بإسكان القاف، أي: فتح. وضبطه بعضهم هنا بفتحها، وأنكره بعض أهل اللغة.
وقوله: («فإذا فترت ارْتَفَعُوا») كذا وقع في رواية الشيخ أبي الحسن: «فترت» ولأبي ذر «أفترت»، وصوابه كما قَالَ ابن التين: قترت -بالقاف- ومعناه: ارتفعت. أي: لهبت وارتفع فوارها؛ لأن القتر: الغبار. قَالَ الجوهري: قَتَر اللحم يقتِر -بالكسر- إذا ارتفع قُتاره، وقتِر بالكسر لغة فيه (٤)، وأما فترت -بالفاء- فما علمت له وجهًا؛ لأن بعده: «فَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا» ومعنى خمدت وفترت -بالفاء- واحد. وأما «أفترت» فذكره الهروي وقال: هو مثل فترت.
وقوله: («حَتَّى كاد يخرجوا») هو منصوب بتقدير أن، وقد روي بإثباتها.

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٣.
(٢) «الصحاح» ١/ ٢١٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٧٤.
(٤) «الصحاح» ٢/ ٧٨٥.



وقوله: («وعلى وسط النهر») كذا في رواية، وفي أخرى، وهي ما في التعبير: «شط النهر» وهو: الوجه.
وقوله: («وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ») يريد: الذين هم في علم الله من أهل السعادة من أولاد المسلمين. قاله أبو عبد الملك، وقد أسلفنا ما يرده.
وقوله: («وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ رجل عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَنَامَ عَنْهُ باللَّيْلِ، وَلَمْ يَفعَلْ فِيهِ بِالنَّهَارِ») كذا هنا، وفي التعبير: «فإنه الرجل يَأخذُ القرآن فيرفضه وينام عن الصَّلاةِ المكتوبة».


٩٤ - باب مَوْتِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ
١٣٨٧ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ -؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ لَهَا: فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: يَوْمَ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الاِثْنَيْنِ. قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ. فَنَظَرَ إِلَي ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ فَقَالَ: اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا، وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ فَكَفِّنُونِي فِيهَا. قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ! قَالَ: إِنَّ الحَيَّ أَحَقُّ بِالجَدِيدِ مِنَ المَيِّتِ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ. فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ. [انظر: ١٢٦٤ - مسلم: ٩٤١ - فتح: ٣/ ٢٥٢]
ذكر فيه حديث عائشة قالت: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرِ فَقَالَ: فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ - ﷺ -؟ قَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ .. إلى آخره.
سؤال أبي بكر لعائشة؛ لأنها أعلم الناس بموته؛ لأنه مات في بيتها، وسألها ليستعد كفنه ويجري ذلك على اختياره من الاقتداء بالشارع.
وقولها: في يوم الإثنين. كان ذلك لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، حين اشتد الضحى، لإحدى عشرة سنة من الهجرة، وفيه نُبِّئ وولد وقدم المدينة، وكان يصوم الإثنين والخميس؛ لأنهما يوما رفع الأعمال ومحط الأثقال (١)، على أنه ورد في الموت ليلة الجمعة

-------------
(١) يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن أسامة بن زيد برقم (٢٤٣٦) كتاب: الصوم، باب: في صوم الإثنين والخميس والنسائي ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢ كتاب: الصيام، وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ٢٩٩ (٢١١٩) كتاب: الصيام، باب: في استحباب صوم يوم الإثنين والخميس، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (٢١٠٥).
ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة (٧٤٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في صوم يوم الإثنين والخميس. وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب.



ويومها من حديث عمرو بن العاصي مرفوعًا: «مَنْ ماتَ يومَ الجمعةِ أو ليلتها وقاه الله فتَّان القَبْرِ» (١) وقال أبو عبيدة بن عقبة: من مات يوم الجمعة أمن فتنة القبر. فقال القاسم بن محمد: صدق أبو عبيدة.
واستفهام الصديق إنما هو ليتثبت، ولم يكن ليخفي عنه يوم وفاته، وقد يحتمل أن لا يعلم ما كفن فيه؛ لأن قومه ولوا أمره، ويحتمل أن يفعله أيضًا ليتثبت، ورجاء أن يتوفي في يوم وفاة الرسول؛ لفضل ذلك اليوم، فقبضه الله تعالى في الليلة التي تليه؛ لأنه تال لرسوله.
قَالَ علي: سبق رسول الله - ﷺ - وصلى أبو بكر وصلى عمر.
ولا زال التبرك بالسلف مطلوب، وموافقتهم في المحيا والممات مرغوب، وقد كان ابن عمر شديد الاتباع حَتَّى يقف مرة ويدور بناقته أخرى في مكان وقوفه ودوران ناقته (٢)، وما أحسنه من اتباع (٣).

------------
(١) لم أقف عليه من حديث عمرو بن العاص بل وجدته من حديث ابنه عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد رواه الترمذي (١٠٧٤) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء فيمن مات يوم الجمعة، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ٢٦٩ (٥٥٩٦) كتاب: الجمعة، باب: من مات يوم الجمعة، أحمد ٢/ ١٦٩، ١٧٦، ٢٢٠.
قال الألباني في «صحيح الترمذي» (٨٥٨): حسن.
(٢) انظر:، «التمهيد» ١٠/ ٢٣.
(٣) هذا القول فيه نظر من وجهين: الوجه الأول:
أن التبرك بالسلف الصالح لا يجوز لا في حياتهم ولا بعد مماتهم، فإن التبرك بغير النبي - ﷺ - بعد موته لم يثبت، كما قال الشاطبي رحمه الله، وقد ترك - ﷺ - بعده أبا بكر وعمر وهما خير هذِه الأمة وخير ممن يوصف الناس بعدهم بالأولياء، ولم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح أن متبركًا تبرك به على النحو الذي يفعله العامة في المشايخ من لمس الجسد والثياب، فهو إجماع منهم على ترك تلك الأشياء أهـ.
وقال ابن رجب رحمه الله: وكذلك التبرك بالآثار، فإنما كان يفعله الصحابة مع النبي - ﷺ -، ولم يكونوا يفعلونه مع بعضهم بعضًا، ولا يفعله التابعون مع الصحابة مع علو قدرهم. أهـ. =

----------------




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= «الاعتصام» ٢/ ٩ الحكم الجديرة بالإذاعة" ص ٥٥.
الوجه الثاني: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وكان ابن عمر يتحرى أن يسير مواضع سير النبي - ﷺ - وينزل مواضع منزله ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها، ونحو ذلك بما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحبا، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه، ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر. ولو رأوه مستحبا لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به.
وذلك؛ لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلًا على وجه العبادة شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند إسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة، والدعاء، والذكر هناك، وكذلك عرفة ومزدلفة وغيرهما.
وأما ما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده -مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لاقصدًا لتخصيصه به بالصلاة والنزول فيه- فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة فيه، أو النزول لم نكن متبعين، بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب: كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التيمي عن المعروف بن سويد، قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه فيقولون: صلى فيه النبي - ﷺ -، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض.
فلما كان النبي - ﷺ - لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه؛ لأنه موضع نزوله رأى عمر أن مشاركته في صورته الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبه بالنبي - ﷺ - في الصورة ومتشبه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب. =



والردع: الأثر (١). وفي «الموطأ»: به مشق أو زعفران (٢). وفيه: الاقتصاد في الكفن، وهذِه وصية منه أن يكفن في ثوب لبيس، وهو جائز في الكفن، ولا خلاف في جواز التكفين في خلق الثياب إذا كانت سالمة من القطع وساترة له، ويحتمل أن يكون أوصى أن يكفن فيه؛ لأنه لبسه في مواطن الحرب مع رسول الله - ﷺ -، وأحرم فيه، وقد قَالَ ابن حبيب: يستحب مثل هذا؛ للحديث أنه - ﷺ - أعطى أم عطية حقوه لأجل ابنته (٣). وهذا يقتضي أن وصية الميت معتبرة في كفنه
------------
= وهذا هو الأصل، فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل، ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة، هل فعلها استحبابًا أو لحاجة عارضة؟ تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من مني لما اشتبه، هل فعله كان أسمح لخروجه أو لكونه سنة؟ تنازعوا في ذلك.
ومن هذا وضع ابن عمر يده على مقعد النبي - ﷺ -، وتعريف ابن عباس بالبصرة وعمرو بن حريث بالكوفة، فإن هذا لما لم يكن مما يفعله سائر الصحابة، ولم يكن النبي - ﷺ - شرعه لأمته، لم يمكن أن يقال هذا سنة مستحبة، بل غايته أن يقال: هذا مما ساغ فيه اجتهاد الصحابة، أو مما لا ينكر على فاعله لأنه بما يسوغ فيه الاجتهاد، لا لأنه سنة مستحبة سنها النبيﷺ - لأمته، أو يقال في التعريف: إنه لا بأس به أحيانًا لعارض إذا لم يجعل سنة راتبة.
وهكذا يقول أئمة العلم في هذا وأمثاله: تارة يكرهونه، وتارة يسوغون فيه الاجتهاد، وتارة يرخصون فيه إذا لم يتخذ سنة، ولا يقول عالم بالسنة: إن هذِه سنة مشروعة للمسلمين.
فإن ذلك إنما يقال فيما شرعه رسول الله - ﷺ -، إذ ليس لغيره أن يسن ولا أن يشرع، وما سنه خلفاؤه الراشدون فإنما سنوه بأمره فهو من سننه، ولا يكون في الدين واجبًا إلا ما أوجبه، ولا حرامًا إلا ما حرمه، ولا مستحبًا إلا ما استحبه، ولا مكروهًا إلا ما كرهه، ولا مباحًا إلا ما أباحه. «مجموع الفتاوى» ١/ ٢٨٠ - ٢٨٢.
(١) انظر: «الصحاح» ٣/ ١٢١٨، «لسان العرب» ٣/ ١٦٢٣.
(٢) «الموطأ» ص ١٥٦ (٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في كفن الميت.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٥٥٩.



وغير ذلك من أمره إذا وافق صوابًا، فإن أوصى بسرف، فعن مالك: يكفن بالقصد (١)، فإن لم يوص وتشاح الورثة لم ينقص عن ثلاثة أثواب من جنس لباسه في حياته؛ لأن الزيادة عليهن والنقص منهن خروج عن عادته.
وقوله: (اغسلوه). يحتمل أن يكون لشيء علمه فيه، وإلا فإن الثوب اللبيس لا يقتضي لبسه وجوب غسله. قاله سحنون، وربما كان الجديد أحق بالغسل منه، ويحتمل أن يكون أمر بالغسل للردع الذي فيه لما أخبر أن الشارع كفن في ثلاثة أثواب بيض.
وقول عائشة: (إن هذا خلق). وقولها في «الموطأ»: وما هذا؟ تريد أنه لم يصلح عندها لكفنه، وأرادت أن يكفن في جديد، وغيره أفضل، فقال: الحي أحق بالجديد من الميت. يريد: لما يلزمه في طول عمره من اللباس وستر العورة، وأما الميت فتغيره سريع، ولذلك قَالَ: (إنما هو للمهلة) يريد: الصديد والقيح. يعني: إنه ليس بجمال ولا لاستدامة، وإنما يصير عن قريب إلى التغير بالصديد، فلا معنى لكونه جديدًا، هكذا رواه يحيى في «الموطأ» بكسر الميم، وروي بضمها (٢)، وضبط في البخاري بالضم والكسر أيضًا، ورويناه بهما جميعًا (٣).
وقال ابن الأنباري: لا يقال: للمِهلة بالكسر. ورواه أبو عبيد: وإنما هو للمُهل والتراب. والمهل: الصديد، وقال ابن حبيب: بكسر الميم: الصديد، وبنصبها من التمهل، وبضمها: عكر الزيت الأسود المظلم.
ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالمُهْل﴾ [المعارج: ٨] وقال أبو عبيد:

------------
(١) المصدر السابق ١/ ٥٦٠ - ٥٦١.
(٢) «الموطأ» ص ١٥٦.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال في «المطالع»: رويناه بالحركات الثلاث.



المهل بالضم: الصديد (١)، والمهل أيضًا: عكر الزيت الأسود. وقال ابن دريد في هذا الحديث: إنها صديد الميت، زعموا أن المهلة ضرب من القطران، والمهل: ما يتحات من الخبزة من رماد أو غيره (٢). وقال أبو عبيدة: قوله: الحي أحوج إلى الجديد من الميت. خلاف من يقول: إنهم يتزاورون في أكفانهم فيجب تحسينها، ألا ترى أنه يقول: فإنما هما للمهلة؟ ويشهد لذلك قول حذيفة حين أتى بكفنه ربطتين، قَالَ: لا تغالوا في الكفن؛ الحي أحوج إلى الجديد من الميت، إني لا ألبث إلا يسيرًا حَتَّى أبدل منهما خيرًا منهما أو شرًّا منهما (٣). ومنه قول ابن الحنفية: ليس للميت من الكفن شيء، إنما هو تكرمة للحي. وأما من خالف هذا فرأى تحسين الأكفان، فروي عن عمر أنه قَالَ: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة. وعن معاذ بن جبل مثله.
قلتُ: وأُوِّل الكفن بالعمل؛ لأنه يبلى. وأوصى ابن مسعود أن يكفن في حلة بمائتي درهم (٤). وفي «صحيح مسلم» من حديث جابر مرفوعًا: «إذا كفَّنَ أحدُكُم أخاهُ فليُحْسِن كَفَنَه» (٥) وهو من أفراده. قَالَ ابن المنذر: وبحديث جابر قَالَ الحسن وابن سيرين، وكان إسحاق يقول: يغالي في الكفن إذا كان موسرًا، وإن كان فقيرًا فلا يغالِ به (٦).

------------
(١) «غريب الحديث» ٢/ ٧ - ٨.
(٢) «جمهرة اللغة» ٢/ ٩٨٨، وانظر: «الصحاح» ٥/ ١٨٢٢، و«لسان العرب» ٧/ ٤٢٨٨ - ٤٢٨٩.
(٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤٣٢ (٦٢١٠) كتاب: الجنائز، باب: ذكر الكفن والفساطيط.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٨ - ٤٦٩ كتاب: الجنائز، باب: ما قالوا في تحسين الكفن، وورى عنهم ذلك أيضًا ابن المنذر في «الأوسط» ٥/ ٣٥٩.
(٥) «صحيح مسلم» (٩٤٣) كتاب: الجنائز، باب: في تحسين كفن الميت.
(٦) «الأوسط» ٥/ ٣٥٨ - ٣٥٩.



٩٥ - باب مَوْتِ الفَجْأَةِ بَغْتَةْ
١٣٨٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». [٢٧٦٠ - مسلم: ١٠٠٤ - فتح: ٢/ ٢٥٤]
ذكر فيه حديث عائشة: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ».
الشرح:
كأن البخاري أراد تفسير الفجأة بقوله: بغتة. وهو كما قَالَ، وهو بضم الفاء ممدود، وبفتحها مع إسكان الجيم. وهذا الرجل هو سعد ابن عبادة كما نقله أبو عمر، وقد ذكر البخاري فيما سيأتي من حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله - ﷺ - في دين كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: «اقضه عنها» (١).
ولأبي داود: إن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها. الحديث (٢).
ولمسلم: إن أمي ماتت وعليها صوم (٣).
وللنسائي عن ابن عباس عن سعد بن عبادة أنه قَالَ: قلتُ: يا رسول الله، إن أمي ماتت فأي الصدقة أفضل؟ قَالَ: «الماء»، جعله من مسند

-----------
(١) برقم (٢٧٦١) كتاب: الوصايا، باب: ما يستحب لمن توفي فجأة أن يتصدقوا عنه.
(٢) «سنن أبي داود» (٢٨٨١) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء فيمن مات عن غير وصية.
(٣) «صحيح مسلم» (١١٤٨) كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت.



سعد (١). ولمسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قَالَ: يا رسول الله، إن أبي مات وترك مالًا ولم يوص، فهل يُكفِّر ذلك عنه أن أتصدق؟ قَالَ: «نعم» (٢).
فالقصة إذن متعددة، وعند ابن أبي الدنيا من حديث عبيد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة: سألت رسول الله عن موت الفجاة فقال: «راحة المؤمن، وأسف على الفاجر». ومن حديث أبي كرز عن أنس قَالَ: من أشراط الساعة حفز الموت. قيل: يا أبا حمزة، وما حفز الموت؟ قَالَ: موت الفجأة.
وفي «المصنف» من حديث مجالد عن الشعبي، كان يقال: من اقتراب الساعة موت الفجأة وعن تميم بن سلمة عن رجل من الصحابة: هي أخذة غضب. ومن حديث عبيد بن خالد: هي أخذة أسف. وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف. وفي لفظ: كانوا يكرهون موت الفجأة. وعن عائشة وابن مسعود: هي رأفة بالمؤمن وأسف على الفاجر. وقال مجاهد: هي من أشراط الساعة (٣).
والافتلات عند العرب: المباغتة، تقول: مات بغتة. وإنما هو مأخوذ من الفلتة (٤). والأسف: الغضب. ويحتمل أن يكون ذلك -والله

--------
(١) «سنن النسائي» ٦/ ٢٥٤ - ٢٥٥ كتاب: الوصايا، باب: فضل الصدقة عن الميت، ليس عن ابن عباس عن سعد ولكن وجدته عن ابن المسيب عن سعد، وفي أخرى عن الحسن عن سعد.
(٢) «صحيح مسلم» (١٦٣٠) كتاب: الوصية، باب: وصول ثواب الصدقات إلى الميت.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٥٥ - ٥١ (١٢٠٠٣ - ١٢٠٠٩) كتاب: الجنائز، باب: في موت الفجاة.
(٤) انظر: «الصحاح» ١/ ٢٦٠، «لسان العرب» ٦/ ٣٤٥٥.



أعلم- لما في موت الفجأة من خوف حرمان الوصية، وترك الإعداد للمعاد، والاغترار بالآمال الكاذبة، والتسويف بالتوبة. وقد روي من حديث يزيد الرقاشي عن أنس: كنا نمشي مع رسول الله - ﷺ - فجاء رجل فقال: يا رسول الله، مات فلان. فقال: «أليس كان معنا آنفًا؟» قالوا: بلى. قال: «سبحان الله! كأنه أخذه على غضب، المحروم من حرم وصيته» (١). ذكره ابن أبي الدنيا في كتاب «ذكر الموت». وروي عن عبيد بن عمير: توشك المنايا أن تسبق الوصايا.
وقوله: (فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قَالَ: «نعم») هو كقوله - ﷺ -: «إذا ماتَ ابن آدم انقطعَ عملُهُ إلا من ثلاثٍ: صدقة جارية ..» (٢) الحديث.
وقوله: افتلتت. يريد: ماتت فجأة كما سلف، ويجوز ضم (نفسها) ونصبه.

-----------
(١) رواه ابن ماجه (٢٧٠٠) كتاب: الوصايا، باب: الحث على الوصية، وأبو يعلى في «مسنده» ٧/ ١٥٢ - ١٥٣ (٤١٢٢)، وأورده المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ١٦٩، وقال: رواه أبو يعلى بإسناد حسن، وابن ماجه مختصرًا، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٠٩ باب: الحث على الوصية، وقال: رواه ابن ماجه وأبو يعلى، وإسناده حسن.
وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» برقم (٢٠٣٦).
(٢) رواه مسلم برقم (١٦٣١) كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، والبخاري في «الأدب المفرد» ص ٢٦ (٣٨) باب: بر الوالدين بعد موتهما.



٩٦ - باب مَا جَاءَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما
﴿فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] أَقْبَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا جَعَلْتَ لَهُ قَبْرًا، وَقَبَرْتُهُ دَفَنْتُهُ. ﴿كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] يَكُونُونَ فِيهَا أَحْيَاءً، وَيُدْفَنُونَ فِيهَا أَمْوَاتًا.

١٣٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ هِشَامٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ «أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» اسْتِبْطَاءً لِيَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي. [انظر: ٨٩٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح: ٣/ ٢٥٥]

١٣٩٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَعَنْ هِلَالٍ قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي. [انظر: ٤٣٥ - مسلم: ٥٢٩ - فتح: ٣/ ٢٥٥]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبدُ اللهِ، أَخبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ حَدثهُ أَنَّهُ رَاى قبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُسَنَّمَا.
حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُزوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الَحائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الَملِكِ أَخَذوا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ فَفَزِغوا، وَظَنُّوا أنَهَا قَدَمُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا والله مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيِّ - ﷺ -، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ - رضي الله عنه -.

١٣٩١ - وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ، وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ


أَبَدًا. [٧٣٢٧ - فتح: ٣/ ٢٥٥]

١٣٩٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَي أُمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ، ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ. قَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، فَلأُوثِرَنَّهُ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي. فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ مَا: كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ المَضْجَعِ، فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي، ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ. فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي، وَإِلاَّ فَرُدُّونِي إِلَي مَقَابِرِ المُسْلِمِينَ، إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللهِ، كَانَ لَكَ مِنَ القَدَمِ فِي الإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ. فَقَالَ: لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي، وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي، أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا، أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنْصَارِ خَيْرًا الذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ - ﷺ - أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ. [٣٠٥٢، ٣١٦٢، ٣٧٠٠، ٤٨٨٨، ٧٢٠٧ - فتح: ٣/ ٢٥٦]
ذكر فيه حديث عائشة: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ليَتَعَذَّرُ فِي مَرَضِهِ «أَيْنَ أَنَا اليَوْمَ؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟» اسْتِبْطَاءً ليَوْمِ عَائِشَةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي قَبَضَهُ اللهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَدُفِنَ فِي بَيْتِي.
وعنها: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارى، اَتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِد». لَوْلَا ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ،


غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.
وَعَنْ هِلَالٍ الراوي عن عروة قَالَ: كَنَّانِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَمْ يُولَدْ لِي.
وحديث سُفْيَانَ التَّمَّارِ: أَنَّهُ رَأى قَبْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُسَنَّمًا.
وعَنْ عُرْوَه (١)، لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَليدِ أخذنا فِي بِنَائِهِ، فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ. فَفَزِعُوا، وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ رسول الله - ﷺ -، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لَا والله مَا هِيَ قَدَمُ رسول الله - ﷺ -، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ - رضي الله عنه -.
وَعَنْ هِشَامٍ (٢) بن عروةَ، عَنْ أَبِيهِ، أنَّ عَائِشَةَ أَوْصَتْ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَا تَدْفِنِّي مَعَهُمْ، وَادْفِنِّي مَعَ صَوَاحِبِي بِالبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا.
وحديث عُمر أنَّه قال لابنه عبد الله: اذْهَبْ إِلَي عَائِشَةَ فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ عَلَيْكِ السَّلَامَ .. الحديث في دفنِهِ مع صاحبيه.
الشرح:
غرض البخاري في هذا الباب، أن يبينَ فَضْلَ أبي بكر وعُمَر رضي الله عنهما بما لا يشاركهما فيه أحد، وذلك أنهما كانا وزيريه في حال حياته، وصارا ضجيعيه بعد مماته، فضيلة خصهما الله بها، وكرامة حباهما بها لم تحصل لأحد، ألا ترى وصية عائشة إلى ابن الزبير أن لا يدفنها معهم خشية أن تزكى بذلك، وهذا من تواضعها، وإقرارها بالحق لأهله، وإيثارها به على نفسها من هو أفضل منها، ولم تر أن تزكى بدفنها مع رسول الله - ﷺ - ورأت عمر لذلك أهلًا، فمجاورتهما مَلْحَده لا يشبهه فضل، وأيضًا لقرب طينتهما من طينته.

------------
(١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: مسند.
(٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: معلق.



ففي حديث أبي سعيد الخدري مر رسول الله - ﷺ - بجنازة عند قبر فقال: «قَبْرُ من هذا؟» فقال: فلان الحبشي. فقال - ﷺ -: «لا إله إلا الله، سِيْقَ مِنْ أرضِه وسَمائه إلى تربتِه التي منها خُلِقَ». قَالَ الحاكم: صحيح الإسناد (١)، وله شواهد أكثرها صحيحة. وإنما أستاذنها عمر في ذلك ورغب إليها فيه؛ لأن الموضع كان بيتها، ولها فيه حق، ولها أن تُؤثر به نفسها لذلك، فآثرت به عُمر، وقد كانت عائشة رأتْ رؤيا دلتها على ما فعلت، حين رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرها، فقصتها على والدها لما توفي رسول الله - ﷺ -، ودفن في بيتها. فقال لها أبو بكر: هذا أول أقمارك وهو خيرها (٢).
ففيه من الفقه: الحرص على مجاورة الموتى الصالحين في القبور، طمعًا أن ينزل عليهم رحمة تصيب جيرانهم، أو رغبة أن ينالهم دعاء من يزور قبورهم من الصالحين.
وقول عمر: (إذا قُبِضت فاحملوني، ثم قل: يستأذن عمر). فيه من الفقه: أن من وعد بعدةٍ أنه يجوز له الرجوع فيها، ولا يُقْضَى عليه بالوفاء بها؛ لأن عمر لو علم أن عائشة لا يجوز لها أن ترجع في عدتها ما قَالَ ذلك، وسيأتي بسط ذلك في الهبة إن شاء الله.

------------
(١) «المستدرك» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧ كتاب: الجنائز، قال الذهبي: صحيح وأنيس ثقة، وله شواهد صحيحة.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٦٠ (٣٠) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في دفن الميت، وابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٢٩٣، والطبراني ٢٣/ ٤٧ - ٤٨، وفي «الأوسط» ٦/ ٢٦٦ (٦٣٧٣)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٦٠، وفي «الكبير» ٤/ ٣٩٥، وصححه على شرط الشيخين.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٨: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجال «الكبير» رجال الصحيح.



وفيه: أن من بحث رسولًا في حاجة مهمة، له أن يسأل الرسول قبل وصوله إليه، وقبل أدائه الرسالة عليه، ولا يعد ذلك من قلة الصبر، ولا يذم فاعله، بل هو من الحرص على الخير؛ لقوله لابنه وهو مقبل: ما لديك؟
وفيه: أن الخليفة مباح له أن لا يستخلف على المسلمين غيره، اقتداء بالشارع صريحًا، وأن للإمام أن يترك الأمر شورى بين الأمة، إذا علم أن في الناس بعده من يحسن الاختيار للأمة.
وفيه: إنصاف عمر وإقراره بفضل أصحابه.
وفيه: أن المدح في الوجه بالحق لا يذم المادح به؛ لأن عمر لم ينه الأنصاري حين ذكر فضائله، فبان بهذا أن المدح في الوجه المنهي عنه، إنما هو المدح بالباطل.
وقوله: (لا أعلم أحدًا أحق بهذا من هؤلاء النفر) إنما لم يذكر أبا عبيدة؛ لأنه كان قد مات، وسعيد بن زيد كان غائبًا. وقال بعضهم: لم يذكره؛ لأنه كان قريبه وصهره، ففعل كما فعل مع عبد الله بن عمر.
وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له أن يخاف على نفسه، ولا يثق بعمله، ويكون الغالب عليه الخشية، ويصغر نفسه؛ لقوله: (ليتنى يا ابن أخي وذلك كفافًا) وقد سُئِلَتَ عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، فقالت: هم الذين يعملون الأعمال الصالحة، ويخافون أن لا تتقبل منهم (١). وعلى هذا مضى خيار السلف، كانوا من عبادة ربهم بالغاية القصوى ويعدون أنفسهم

--------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٢٢٥ (٢٥٥٥٨)، وذكره البغوي في «معالم التنزيل» ٥/ ٤٢١.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #280  
قديم يوم أمس, 05:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 191 الى صـــ 210
الحلقة (280)






في الغاية السفلى؛ خوفًا على أنفسهم، ويستقلون لربهم ما يستكثره أهل الاغترار.
وقد ثبت عن عمر، أنه تناول تبنة من الأرض وقال: يا ليتني هذِه التبنة، يا ليتني لم أك شيئًا، يا ليت أمي لم تلدني، يا ليتني كنت نسيًا منسيا، وقال: لو كانت لي الدنيا لافتديت بها من النار ولم أرها (١).
وقال قتادة: قَالَ الصديق وددت أني خضرة أكلتني الدواب (٢).
وقالت عائشة عند موتها: وددت أني كنت نسيًا منسيا (٣). وقال أبو عبيدة: وددت أني كبش فيذبحني أهلي، فيأكلون لحمي ويحتسون مرقي. وقال عمران بن حصين: وددت أني رماد على أكمة نسفتني الرياح في يوم عاصف (٤). ذكره أجمع الطبري، ويأتي إن شاء الله تعالى في الزهد في باب الخوف من الله، زيادة فيه.
وفيه: أن الرجل الفاضل والعالم ينبغي له نصح الخليفة، وأن يوصيه بالعدل وحسن السيرة في من ولاه الله رقابهم من الأمة، وأن يحضه على مراعاة أمور المسلمين، وتفقد أحوالهم، وأن يعرفَ الحقَّ لأهله.
وفيه: أن الرجل الفاضل ينبغي له أن تُقَال عثرته، ويُتَجَاوز عنه؛

------------
(١) رواه ابن المبارك في «الزهد» ص ٧٩ (٢٣٤) باب: تعظيم ذكر الله -عز وجل-، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ١١٧ (٣٤٤٦٩) كتاب: الزهد، كلام عمر بن الخطاب، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤٨٦ (٧٨٩).
(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ١٩٨.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٣٠٧ (٢٠٦١٦) باب: أكثر أهل الجنة والنار، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٨٦ (٧٩١) باب: في الخوف من الله تعالى.
(٤) رواه ابن المبارك في «الزهد» ص ٨١ (٢٤١) باب: تعظيم ذكر الله -عز وجل-، وعبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٣٠٧ (٢٠٦١٥)، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٤٨٦ (٧٩٠).



لقوله في الأنصار: (أن يعْفي عَنْ مُسِيئِهِمْ)، فيما لم يكن لله فيه حد، ولا للمسلمين حق. ويشبه ذلك قوله - ﷺ -: «أقيلوا ذَوي الهيئات زلاتهم» (١) فسره أهل العلم أن ذوي الهيئات أهل الصلاح والفضل، الذين يكون من أحدهم الزَّلَّة والفلتة في سب رجل من غير حد مما يجب في مثله الأدب، فيتجاوز له عن ذلك؛ لفضله، ولأن مثل ذلك لم يعهد منه (٢).
وفي استبطاء الشارع يوم عائشة من الفقه: أنه يجوز للفاضل الميل في المحبة إلى بعض أهله أكثر من بعض، وأنه لا إثم عليه في ذلك، إذا عدل بينهن في النفقة والقسمة، وقد بينت عائشة العلة في البناء على قبره وتحظيره، وذلك خشية أن يتخذ مسجدًا.
وقول سفيان: إنه رأى قبره - ﷺ - مسنمًا، قد روي ذلك عن غيره، قَالَ إبراهيم النخعي: أخبرني من رأى قبر رسول الله - ﷺ - وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض، عليها مرمر أبيض. وقال الشعبي: رأيت قبور شهداء أحد مسنمة، وكذا فعل بقبر ابن عمر وابن عباس (٣).

-------------
(١) رواه أبو يعلى في «مسنده» ٨/ ٣٦٣ (٤٩٥٣)، وابن حبان في «صحيحه» ١/ ٢٩٦ (٩٤) كتاب: العلم، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٨/ ٣٣٤ كتاب: الأشربة، باب: الإمام يعفو عن ذوي الهيئات زلاتهم ما لم تكن حدًا.
(٢) تعليق بهامش الأصل بخط سبط: وقد ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام في القواعد الكبرى أن الصغيرة إذا حدثت من بعض أولياء الله تعالى لا يجوز للأئمة والحكام تعزيرهم عليها بل تقال عثرتهم وتُستر زلتهم، وقد جهل أكثر الناس فزعموا أن الولاية تسقط بالصغيرة، ذكر ذلك في أوائل الفصل المعقود لبيان التسميع بالعبادات وهو نحو ثلث الكتاب، وهذا وغيره وارد على ما قال الفقهاء في التعزير أنه مشروع في كل معصية ليس بها حَد ولا كفَّارة.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٥ (٦٤٩٠) كتاب: الجنائز، باب: الحدث والبنيان، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٣ - ٢٤ (١١٧٣٥ - ١١٧٣٦) كتاب: الجنائز، ما قالوا في القبر يُسنمّ.



وقال الليث: حَدَّثَني يزيد بن أبي حبيب أنه يستحب أن تسنم القبور ولا ترفع ولا يكون عليه تراب كثير، وهو قول الكوفيين والثوري ومالك وأحمد، واختاره جماعة من أصحابنا، ومنهم المزني، أن القبور تسنم؛ لأنه أمنع من الجلوس عليها، واحتجوا بما سلف (١).
وقال أشهب وابن حبيب: أحب إلى أن يسنم القبر، وإن رفع فلا بأس (٢). وقال طاوس: كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئًا حَتَّى يعلم أنه قبر.
وقال الشافعي: تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع، تكون على وجه الأرض نحوًا من شبر. قَالَ: وبلغنا أن النبي - ﷺ - سطح قبر ابنه إبراهيم، وأن مقبرة المهاجرين والأنصار مسطحة قبورهم (٣).
وقال أبو مجلز: تسوية القبور من السنة (٤)، واحتج أيضًا بحديث القاسم بن محمد قَالَ: رأيت قبر النبي - ﷺ - وصاحبيه، لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. وفي رواية الحاكم: فرأيت رسول الله - ﷺ - مقدمًا، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي - ﷺ -، وعمر رأسه عن رجل النبي - ﷺ - (٥). وأجابوا عن خبر سفيان التمار، بأنه أولًا كان مسطحًا،

---------------
(١) انظر: «البناية» ٣/ ٣٠١، «المنتقى» ٢/ ٢٢، «المغني» ٣/ ٤٣٧، «المجموع» ٥/ ٢٦٥.
(٢) وفيما ذكره عن ابن حبيب نظر، فإن ابن حبيب يقول: أحب إليّ أن يُسَنَّم ولا يرفع، انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٦٥٠، «المنتقى» ٢/ ٢٢، «الذخيرة» ٢/ ٤٧٩.
(٣) «الأم» ١/ ٢٤٢.
(٤) رواه ابن أي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣٠ (١١٧٩٧) كتاب: الجنائز، باب: في تسوية القبر وما جاء فيه.
(٥) «سنن أبي داود» برقم (٣٢٢٠) كتاب: الجنائز، باب: في تسوية القبر، «المستدرك» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠ كتاب: الجنائز، وضعفه الألباني كما في «ضعيف أبي داود».



كما قَالَ القاسم، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك -وقيل: عمر بن عبد العزيز- جعل مسنمًا. قَالَ البيهقي: حديث القاسم أصح وأولى أن يكون محفوظًا (١)، وأما قول علي - رضي الله عنه -: أمرني رسول الله - ﷺ - أن لا أدع قبرًا مشرفًا إلا سويته. أخرجه مسلم (٢)، فالمراد بالتسوية: التسطيح، جمعًا بين الأحاديث.
وما ذكره البخاري في (أقبرت)، هو بالألف وهو كذلك في اللغة.
وفي رواية أبي الحسن بحذفها، وما ذكره في تفسير ﴿كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] فهو ما ذكره أهل اللغة، نص عليه الفراء وغيره (٣).
وقال ابن التين: هو قول قتادة. وقال مجاهد: تكفت إذا هم أحياء ويقبرون فيها (٤). وقال ابن سيده: عندي أن الكفات في الآية مصدر من كفت (٥).
ومعنى (لتعذر)، في حديث عائشة، هو كالتمنع والتعسر، ولأبي الحسن بالقاف. قَالَ الداودي: معناه: يسأل عن قدر ما بقي إلى يومها؛ ليهون عليه بعض ما يجد؛ لأن المريض يجد عند بعض أهله ما لا يجده عند غيره من الإنس والسكون.
والسَحَر -بفتح السين والحاء، وبإسكانها، وبضم السين وإسكان الحاء- ما التزم بالحلقوم والمريء من أعلى البطن. والسحر أيضًا: الرئة، والجمع سحور، ذكره ابن سيده (٦).

----------
(١) «السنن الكبرى» ٣/ ٤ - ٤ كتاب: الجنائز، باب: من قال بتسنيم القبور.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٦٩) كتاب: الجنائز، باب: الأمر بتسوية القبر.
(٣) «معاني القرآن» ٣/ ٢٢٤.
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦ (٣٥٩٥٠ - ٣٥٩٥١).
(٥) «المحكم» ٦/ ٤٨١.
(٦) «المحكم» ٣/ ١٣٣.



وفي «غريب ابن قتيبة»: بلغني عن ابن عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير أنه قَالَ: إنما هو شجري -بالشين والجيم-، فسئل عن ذلك فشبك بين أصابعه، وقدمها من صدره، كأنه يضم شيئًا إليه، أراد أنه قبض، وقد ضمته بيديها إلى نحرها وصدرها (١).
والشجر: التشبيك، وفي «المخصص»: الشجر: طرف اللحيين.
وقيل: هو الذقن بعينه، حيث اشتجر طرفا اللحيين من أسفل. وقيل: هو مؤخر الفم. وفي حديث آخر: مات بين حاقنتي وذاقنتي (٢)، وهو نحوه.
وقولها: (ودفن في بيتي) نسبت البيت إليها لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ لأن البيوت كانت لرسول الله - ﷺ -، وهذا كله من فضلها، وكان هذا الكلام خرج منها في موطن هضمت فيه من حقها لو سئلت فأتت بالحديث على وجهه.
و(هلال) المذكور في حديث عائشة هو ابن أبي حميد ويقال: ابن حميد، وفي الترمذي ابن مقلاص الجهني (٣). وقيل: ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن، يكنى أبا عمرو، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الحمراء، الوزان الصيرفي.
وقوله: (كناني عروة بن الزبير ولم يولد لي) فعله تبجيلًا وتفاؤلًا، وقد كنى الشارع عائشة بابن أختها عبد الله بن الزبير.
وأثر سفيان التمار من أفراد البخاري، زاد ابن أبي شيبة: وقبر أبي

------------
(١) «غريب الحديث» ٢/ ٤٥٧.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٣٨) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ - ووفاته.
(٣) كذا بالأصل، وعند الترمذي (٢٥٢٠): الصيرفي.



بكر وعمر مسنمين (١). وكذا أخرجه أبو نعيم عن سفيان بن دينار التمار قَالَ: دخلت … فذكره، وفي «تاريخ البخاري»: سفيان بن زياد ويقال: ابن دينار التمار العصفري، وفرق بعضهم بين ابن زياد، وابن دينار، كما ذكره الباجي وزعم أنه هو المذكور عند البخاري في الصحيح.
وقال بعضهم: ابن عبد الملك. ووقع في ابن التين: حذيفة التمار في موضعين، وهو سهو، وكأن البخاري أراد بهذا الأثر بيان مذهبه في ذلك، أو أراد مخالفة حديث علي السالف.
وفي «أخبار المدينة» لابن النجار الحافظ، أن قبره - ﷺ - وقبر صاحبيه في صفة بيت عائشة. قَالَ: وفي البيت موضع قبر في السهوة الشرقية.
قَالَ سعيد بن المسيب: فيه يدفن عيسى بن مريم - ﷺ - (٢)، وعن عبد الله بن سلام قال: يدفن عيسى مع رسول الله - ﷺ -، فيكون قبره رابعًا (٣). وعن عثمان بن نسطاس قَالَ: رأيت قبر النبي - ﷺ - لما هدمه عمر بن عبد العزيز مرتفعًا نحو أربعة أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبر رسول الله - ﷺ -، وقبر عمر أسفل.
وعن عمرة، عن عائشة قالت: رأس النبي - ﷺ - مما يلي الغرب،

------------
(١) «المصنف» ٣/ ٢٣ (١٧٣٣) كتاب: الجنائز، ما قالوا في القبر يسنم.
(٢) ذكره ابن حجر في «الفتح» ٧/ ٦٦، وعزاه إلى «أخبار المدينة» من وجه ضعيف عن سعيد بن المسيب قال: إن قبور الثلاثة في صفة بيت عائشة، وهناك موضع قبر يدفن فيه عيسى - عليه السلام -.
(٣) رواه الترمذي (٣٦١٧) كتاب: المناقب، باب: في فضل النبي - ﷺ -، وقال: هذا حديث حسن غريب، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٨/ ٢٠٦، وقال: رواه الطبراني، وفيه: عثمان بن الضحاك، وثقه ابن حبان، وضعفه أبو داود، وقد ذكر المزي هذا في ترجمته وعزاه إلى الترمذي وقال: حسن، ولم أجده في الأطراف والله أعلم. وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي».



ورأس أبي بكر عند رجليه، وعمر خلف ظهره. وعن نافع بن أبي نعيم: قبر النبي - ﷺ - أمامهما إلى القبلة مقدمًا، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي رسول الله - ﷺ -، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر.
وعن محمد بن المنكدر قَالَ: قبر النبي - ﷺ - هكذا وأبو بكر خلفه، وقبر عمر عند رجلي رسول الله - ﷺ -. وقال ابن عقيل: قبر أبي بكر عند رجليه - ﷺ -، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر.
وقال ابن التين: يقال: إن أبا بكر خلف رسول الله - ﷺ - قد جاوز مَلْحَدُهُ مَلحَدَ رسول الله - ﷺ -، ورأس عمر عند رجلي أبي بكر قد (جازت) (١) رجلاه رجلي رسول الله - ﷺ -.
وقد ذكر في صفة قبورهم أقوال:
فالأكثر - وقيل: هكذا - وقيل: هكذا
النبي - النبي - النبي
أبو بكر - أبو بكر عمر - أبو بكر
عمر- - عمر
وقوله: (عن هشام، عن أبيه، عن عائشة) ذكر خلف وأبو نعيم الحافظ أن البخاري رواه عن فروة، كالحديث قبله في سقط الجدار، وأخرجه البخاري أيضًا في الاعتصام مسندًا عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام. بزيادة: وعن هشام، عن أبيه: أن عمر أرسل إلى عائشة، ائذني لي أن أدفن مع صاحبي (٢)، وفي «الإكليل» عن وردان، وهو الذي بني بيت عائشة لما سقط شقه الشرقي أيام

-------------
(١) في الأصل: جاءت.
(٢) سيأتي برقم (٧٣٢٨) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم.



عمر بن عبد العزيز: وأن القدمين لما بدتا، قَالَ سالم بن عبد الله: أيها الأمير هذان قدما جدي وجدك عمر. فتحصلنا على قولين:
أحدهما: أن قائل ذلك عروة، وذا في البخاري.
ثانيهما: أنه سالم، وذا هنا.
وقال أبو الفرج الأموي في «تاريخه»: وردان هذا أبو امرأة أشعب الطامع. وفي «الطبقات» قَالَ مالك: قسم بيت عائشة ثلثين، قسم فيه القبر، وقسم كان يكون فيه عائشة، وبينهما حائط فكانت عائشة ربما دخلت جنب القبر فضلًا، فلما دفن عمر لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها.
قَالَ عمرو بن دينار، وعبيد الله بن أبي يزيد: لم يكن على عهد رسول الله - ﷺ - على بيت النبي حائط، فكان أول من بني عليه جدارًا عمر بن الخطاب. قَالَ عبيد الله: كان جداره قصيرًا، ثم بناه عبد الله ابن الزبير، وزاد فيه (١).
(وقال ابن النجار) (٢): سقط جدار الحجرة بما يلي موضع الجنائز، في زمان عمر، فظهرت القبور، فما رئي باكيًا أكثر من يومئذ. فأمر عمر بقباطي يستر بها الموضع، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس، فلما بدت القدمان قام عمر فزعًا فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر -وكان حاضرًا- أيها الأمير لا ترع، فهما قدما جدك عمر، ضاق البيت عنه، فحفر له في الأساس. فقال عمر: يا ابن وردان، غط ما رأيت. ففعل.

----------
(١) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٢٩٤.
(٢) في الأصل: وقال النجار.



ْوفي رواية أن عمر أمر أبا حفصة مولى عائشة وناسًا معه، فبنوا الجدار وجعلوا فيه كوة، فلما فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر، فقم ما سقط على القبر من التراب، وبنى عمر على الحجرة حاجزًا في سقف المسجد إلى الأرض، وصارت الحجرة في وسطه، وهو على دورانها، فلما ولي المتوكل آزرها بالرخام من حولها، فلما كان في خلافة المقتفي بعد الخمسمائة. جدد التأزير، وجُعِل قامة وبسطة، وعُمِل لها شباك من الصندل والأبنوس وأداره حولها مما يلي السقف. ثم إن الحسن بن أبي الهيجاء صهر الصالح وزير المصريين، عمل لها ستارة من الديبقي الأبيض، مرقومة بالإبريسم الأصفر والأحمر، ثم جاءت من المستضيء بأمر الله ستارة من الأبريسم البنفسجي، وعلى دوران جاماتها مرقوم الخلفاء الأربعة، ثم سلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب وعلقت هذِه، ثم إن الناصر لدين الله نفذ ستارة من الإبريسم الأسود وطرزها، وجاماتها أبيض، فعلقت فوق تلك، ثم لما حجت الجهة الخليفية عملت ستارة على شكل المذكورة، ونفذتها، فعلقت.
وقول عائشة: (لا تدفني معهم) ذاك كما قَالَ ابن التين، على أنه بقي في البيت موضع ليس فيه أحد. ويعارضه قولها لما طلب منها أن يدفن عمر معهما: أردته لنفسي؛ لأن ظاهره أن البيت ليس فيه غير موضع عمر. وقيل: كان ظنًّا من عائشة.
وفي «التكملة» لابن الأبار من حديث محمد بن عبد الله العمري، ثنا
سعيد بن طلحة من ولد أبي بكر، عن أبيه، عن جده، عن عائشة قالت: قلتُ للنبي - ﷺ -، إني لا أراني إلا سأكون بعدك، فتأذن لي أن أدفن إلى جانبك؟ قَالَ: "وأنى لك ذلك الموضع، ما فيه إلا قبرى، وقبر أبي بكر


وعمر، وقبر عيسى ابن مريم» (١).
وقولها: (ادْفِنِّي مَعَ صوَاحِبِي بِالبَقِيعِ، لَا أُزَكَّى بِهِ أَبَدًا) إنما ذلك لئلا يقول الناس: زكت بهم، فتنجو بالدفن معهم، وشبه هذا من القول، وقيل: فعلته تواضعًا لله؛ ليرحمها.
واستئذان عمر عائشة؛ لأن الرب ﷻ نسب تلك البيوت إلى أزواجه، وهمه أن لا يكون ينال ذلك خوفًا أن يكون قصر به عن اللحاق بهم، لتقصير كان منه، وهذِه صفة المؤمن قَالَ تعالى: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
وقوله: (لا أعلم أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر) يعني: إنه إن أخذ بالأفضل كان أولى، ليس أنه لا يجوز غيره.
ففيه: دلالة على جواز ولاية الفاضل على أفضل منه، حين جعل إليهم أن يولوا من شاءوا منهم. وقال: إن أصابت الخلافة سعدًا فذاك، وإلا فليستعن به الخليفة، وبعضهم أفضل من بعض، ولو لم يجز ذلك لزمه أن يستخلف أفضلهم، وأنه لو لم يفعل لم يجز أن يجعل إليهم أن يولوا من شاءوا منهم، ويدل على جواز ذلك قول أبي بكر: قد رضيت لكم أحد صاحبي هذين. يعني: عمر وأبا عبيدة، وقول عمر لأبي عبيدة: امدد يدك أبايعك (٢).
وبيعة سعد وسعيد وابن عمر، معاوية، وهم أفضل منه، وتسليم

-----------
(١) أورده ابن حجر في «الفتح» ٧/ ٦٦، وقال: حديث لا يثبت.
(٢) أخرجه أحمد في «مسنده» ١/ ٣٥، و«فضائل الصحابة» ٢/ ٩٢٦ (١٢٨٤)، وابن سعد في «الطبقات» ٣/ ١٨١، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/ ١٨٣ كتاب: الخلافة، باب: الخلفاء الأربعة وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا البختري لم يسمع من عمر.



الحسن الأمر إليه، وقوله - ﷺ -: «ولعل الله أن يُصْلِحَ به بين فئتينِ عظيمتين مِنَ المسلمين» (١).
وبيعة سائر الصحابة لمعاوية بحضرة بقية أهل بدر من قريش، ومن أنفق من قبل الفتح وقاتل. وبيعة ابن عمر ليزيد، وقوله لبنيه: لئن نكث أحدكم بيعته إلا كانت الفيصل بيني وبينه (٢)، وبيعته لعبد الملك. وأما قوله حين قَالَ معاوية: من أحق بهذا الأمر منا؟ أنه همَّ أن يقول له أحق بذلك من أدخلك فيه كرهًا (٣). يريد لو كان الفضل لكان ثَمَّ من هو أفضل منه، وبعضهم لا يرى أن يلي أحد بحضرة من هو أفضل منه، والأول أصح؛ لما فيه من الطعن على من سلف.
وفيه: التعزية لمن يحضره الموت، بما يذكر من صالح عمله، والمهاجرون الأولون الذين صلوا إلى القبلتين وأنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا.
وقوله: ﴿تبوءوا الدار﴾. يعني: المدينة، قدمها عمرو بن عامر حين رأى بسد مأرب ما دله على فساده، فاتخذ المدينة وطنًا، لما أراد الله منب كرامة الأنصار لنصرة نبيه وبالإسلام.
وقوله: ﴿وَالإِيمَانَ﴾. قَالَ محمد بن الحسن: الإيمان: اسم من أسماء المدينة (٤)، فإن لم يكن كذلك فيحتمل أن يريد: تبوءوا الدار، وأجابوا

------------
(١) سيأتي برقم (٢٧٠٤) كتاب: الصلح، باب: قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي.
(٢) سيأتي برقم (٧١١١) كتاب: الفتن، باب: إذا قال عند قوم شيئًا، ثم خرج فقال بخلافه.
(٣) سيأتي برقم (٤١٠٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق.
(٤) ذكره ابن حجر في «الفتح» ٧/ ١١٠ وقال: زعم محمد بن الحسين بن زبالة أن الإيمان اسم من أسماء المدينة، واحتج بالآية، ولا حجة له فيها.



إلى الإيمان من قبل أن يهاجروا إليهم.
وقوله: (يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ) يقول: يفعل بهم من التلطف والبر ما كان يفعله الرسول - ﷺ - والخليفتان بعده.
وقوله: (وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ) يعني: ما دون الحدود وحقوق الناس.
وقيل: لأهل المدينة (١) ذمة العهد الذي له، قَالَ تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٩٠] فالإل: الله. وقيل: القرابة. وقيل: العهد، والذمة: العهد.

-----------
(١) تعليق بهامش الأصل: لعله: الذمة.


٩٧ - باب مَا يُنْهَى مِنْ سَبِّ الأَمْوَاتِ
١٣٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَي مَا قَدَّمُوا». وَرَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ القُدُّوسِ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الأَعْمَشِ. تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، وَابْنُ عَرْعَرَةَ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ. [٦٥١٦ - فتح: ٣/ ٢٥٨]
حَدَّثَنَا آدم، ثنَا شعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَي مَا قَدَّمُوا». تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ وَابْنُ عَرْعَرَةَ وَابْنُ أَبِي عَدِيِّ، عَنْ شعْبَةَ.
رواه عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، ومحمد بن أنس، عن الأعمش.
الشرح:
هذا الحديث قد سلف الكلام عليه في باب الثناء على الميت، وهو من أفراده.
وقوله: (تَابَعَهُ) يعني: آدم. وهذِه المتابعة رواها أبو نعيم، عن أبي أحمد، عن المنيعي، عن علي بن الجعد. والإسماعيلي، عن أبي جعفر الحلبي، عن علي بن الجعد. وقد أخرجه البخاري في الرقاق عن علي بن الجعد، عن شعبة (١).
وقوله: «فإنَّهُمْ قَدْ أفضَوْا إِلَي مَا قَدَّمُوا» يعني: قد عاينوا عملهم، وذهب وقت وعظهم، فسبهم أشد من سب الأحياء، قد عاينوا أعمالهم من حسن وقبيح، أحصاه الله ونسوه. وقد يختم لأهل

-------------
(١) سيأتي برقم (٦٥١٦) باب: سكرات الموت.


المعاصي من المؤمنين بخاتمة حسنة تخفي عن الناس، فمن سبهم فقد أثم. وقد جاء أنه لا يجب القطع على أحد بجنة ولا نار. وقد قَالَ - ﷺ - في الميت الذي شُهد له بالجنة: «والله ما أدْري وأنا رَسُولُ الله ما يُفْعَلُ بي» (١) فلهذا أمسك عن الموتى.
وإنما ذكر الرب تعالى خطايا من سلف تتلى؛ لأنه على وجه الوعظ لخلقه ليُري المذنبين أنه عاقب أصفياءه على الفلتة من الذنوب؛ ليحذر الناس المعاصي، ويعلموا أنهم أحق بالعقاب من الأصفياء فينزجروا، وأيضًا فإن لوم تلك الذنوب (٢) سقطت عن الأصفياء بالإعلام، فما بالك بامرئ هو تحت المشيئة. وأيضًا فعقابهم على تلك الفلتات في الدنيا رحمة لهم؛ ليلقوه مطهرين. وموتانا بخلاف ذلك لا نعلم ما أفضوا إليه، فلذلك نهينا عن ذكرهم بذنوبهم.

-------------
(١) سبق برقم (١٢٤٣) كتاب: الجنائز، باب: الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في كفنه.
(٢) وقع في الأصل هنا: (عن) فكأنها زائدة.



٩٨ - باب ذِكْرِ شِرَارِ المَوْتَى
١٣٩٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ -عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ- لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ. فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾ [المسد: ١] [انظر: ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٢، ٤٩٧٣ - مسلم ٢٠٨]
ذكر فيه عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو لَهَبٍ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ. فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾.
الشرح:
هذا الحديث يأتي في تفسير سورة الشعراء (١)، وسورة تبت (٢)، وفيه: (وقد تب) هكذا قرأها الأعمش. قَالَ الإسماعيلي: هذا الحديث مرسل؛ لأن هذِه الآية الكريمة نزلت بمكة، وكان ابن عباس إذ ذاك صغيرًا. قلتُ: بل قيل: إنه معدوم إذ ذاك.
وللطبري، عن ابن وهب، عن ابن زيد قَالَ: قَالَ أبو لهب لرسول الله - ﷺ -: ماذا أُعطى يا محمد إن آمنتُ بك؟ قَالَ: «كما يُعطَى المسلِمُون» قَالَ: فما لي عليهم فضل! تبًا لهذا الدين. أأكون أنا وهؤلاء سواء؟ فنزلت ﴿تَبَّتْ﴾ قَالَ: خسرت يداه (٣). واليدان هنا: العمل. ألا تراه يقول: بما عملت أيديهم.
وفي تفسير ابن عباس نحوه، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أي صفرت يداه.

---------------
(١) سيأتي برقم (٤٧٧٠) باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٩٧١) باب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)﴾.
(٣) «تفسير الطبري» ١٢/ ٧٣٣ (٣٨٢٥٧).



وقال صاحب «الأفعال»: تب: ضعف وخسر. وتب: هلك. وفي القرآن: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] وتب الإنسان: شاخ.
وقوله في قراءة الأعمش: (وقد تب) هو خبر بخلاف الأول، فإنه دعاء. وقوله: ﴿وَتَبَّ﴾ ليس بتكرير لما قلناه. وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ﴾ يحتمل أن يكون نفيًا أو استفهامًا. قَالَ مجاهد: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾: ولده (١). وقيل: يبعد أن تكون ما لمن يعقل؛ لأنه لا يقال: كسب ولدًا: ولكن يكون المعنى: وما كسب من ذا وغيره.
أما فقه الباب: فذكر شرار الموتى من أهل الشرك خاصة جائز؛ لأنه لا شك في أنهم مخلدون في النار، فذكر شرارهم أيسر من حالهم التي صاروا إليها، مع أن في الإعلان بقبيح أفعالهم تقبيحًا لأحوالهم وذمًّا لهم؛ لينتهي الأحياء عن مثل أفعالهم ويحذروها. واعترض على البخاري في تخريجه لهذا الحديث في هذا الباب، وإن كان تبويبه له يدل على أنه أراد به العموم في شرار المؤمنين والكافرين. وحديث أنس: مر بجنازة فأثنوا عليها شرًّا، وافٍ به. فترك الشارع نهيهم عن ثناء الشر، ثم أخبر أنه بذلك الثناء وجبت النار، وقال: «أنتم شهداء الله في الأرض» (٢) فدل ذلك أن للناس أن يذكروا الميت بما فيه من شر إذا كان شره مشهورًا، وكان ممن لا غيبة فيه؛ لشهرة شره. وسلف في باب ثناء الناس على الميت الكلام في الجمع بين هذا الحديث وبين الحديث في الباب قبله.
وقال ابن المنير: يحتمل أن يريد الخصوص، فطابقت الآية

-------------
(١) «تفسير الطبري» ١٢/ ٧٣٥ (٣٨٢٦٦).
(٢) سلف برقم (١٣٦٧) باب: ثناء الناس على الميت، وأخرجه مسلم (٩٤٩) كتاب: الجنائز، باب: فيمن يثنى عليه خير أو شر من الموتى.



الترجمة، أو يريد العموم قياسًا للمسلم المجاهر بالشر على الكافر؛ لأن المسلم الفاسق لا غيبة له. وقد حمل بعضهم -يعني: ابن بطال (١) - على البخاري، وظن به النسيان لحديث الجنازة. والظاهر أن البخاري جرى على عادته في الاستنباط الخفي والإحالة في الظاهر الجلي على سبق الأفهام إليه. على أن الآية الكريمة مرتبة، وهي تسمية المذموم، وتغييب الغيبة، وخصوصًا في الكتاب العزيز (٢).
واختلف في أبي لهب. هل هو لقب له أو كنية. فالذي عند ابن إسحاق في آخرين أن عبد المطلب لقبه بذلك لحمرة خديه وتوقدها كالجمر.
وللحاكم -وقال: صحيح الإسناد- أنه - ﷺ - قَالَ للهب بن أبي لهب، واسمه عبد العزى: «أكلكَ كلبُ الله» فأكله الأسد (٣)، وهو دال على أنه كُني بابنه.
آخر الجنائز.

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٨٥.
(٢) «المتواري» ص ١٢٢ - ١٢٣.
(٣) «المستدرك» ٢/ ٥٣٩ كتاب: التفسير، وصححه الحاكم.



٢٤
كتاب الزكاة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

[٢٤ - كتاب الزكاة]
١ - باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى -عز وجل-: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]
في حديث هرقل: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالعَفَافِ (١). [انظر: ٧]

١٣٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا - رضي الله عنه - إِلَي اليَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَي شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». [١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٢٦١]

-----------
(١) علَّق تحت سبط بقوله: (هذا معنى كلام البخاري لا لفظه).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 13 ( الأعضاء 0 والزوار 13)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 450.68 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 444.84 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]