المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي - الصفحة 27 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         واتساب يبدأ باختبار ميزة المشاركة السريعة لتحديثات الحالة على فيسبوك وإنستجرام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          آبل تضيف تطبيقين جديدين إلى عصر Liquid Glass.. تعرف عليهما (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          أبل تعيد ميزة Slide Over إلى نظام iPadOS 26.1 بعد مطالبات المستخدمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          OpenAI تطلق أداة AgentKit لبناء ونشر وكلاء الذكاء الاصطناعى بسرعة وسهولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          **** Llama.. كل ما تحتاج معرفته حول نموذج الذكاء الاصطناعى التوليدى المفتوح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          إنفيديا: شرائح الذكاء الاصطناعى الصينية متأخرة عن نظيرتها الأمريكية بفارق نانوثوانٍ م (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          ChatGPT يتخطى 800 مليون مستخدم أسبوعيًا فى طفرة تاريخية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          OpenAI تضيف تطبيقات شهيرة مثل Spotify وCanva داخل ChatGPT.. القائمة الكاملة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          ميزة جديدة فى رسائل جوجل تستبعد مقاطع الفيديو الفاضحة لحمايتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          شراكة بين OpenAI وAMD تتحدى هيمنة إنفيديا على شرائح الذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #261  
قديم 04-01-2026, 07:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 221الى صــ 230
الحلقة(261)





وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا وَيَدَعَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ وَاحِدَةً. وَكُلُّ صَفْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةً، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهَا وَيَتْرُكَ بَعْضَهَا؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا رَجُلَانِ.

[بَابُ رُجُوعِ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إيَّاهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أُخْبِرَ الشَّفِيعُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَى بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ اشْتَرَى بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَطَلَبَ شُفْعَتَهُ، فَقَالَ: لَهُ الشُّفْعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا سَلَّمَ الشُّفْعَةَ إلَّا لِمَكَانِ الثَّمَنِ الْكَثِيرِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِهَذَا الثَّمَنِ فَأَنَا آخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ شِقْصًا لَهُ فِي دَارٍ، فَقَالَ شَرِيكُهُ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَخَذْت، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ عَلِمَ بِكَمْ بِيعَتْ بِهِ الدَّارُ، فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَتَّى يُبَاعَ فِيهَا مَالُهُ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ فَقَالَ إنَّمَا قُلْت أَنَا آخُذُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ بِهَذَا الثَّمَنِ فَلَا آخُذُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَذَلِكَ لَهُ. فَلِذَلِكَ رَأَيْت الْأَوَّلَ مِثْلَ مَا وَصَفْت لَك.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَمَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ الْحِصَّةَ الَّتِي أَنْتَ شَفِيعُهَا، فَقَالَ: اشْتَرِ فَقَدْ سَلَّمْت لَك شُفْعَتِي. فَلَمَّا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي قَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ بِشُفْعَتِي؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ يَأْخُذُ بِشُفْعَتِهِ.

[بَابُ اخْتِلَافِ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلْ اشْتَرَيْتهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ بِعْتهَا بِمِائَتِي دِينَارٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ الْبَائِعِ أَوْ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ تَفُتْ بِطُولِ الزَّمَانِ، أَوْ بِهَدْمِ الدَّارِ أَوْ تَغْيِيرِ الْمَسَاكِنِ أَوْ بِبَيْعٍ أَوْ بِهِبَةٍ أَوْ بِصَدَقَةٍ، أَوْ بِمَا تَخْرُجُ بِهِ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الدَّارُ بِمَا ذَكَرْت لَك، وَهِيَ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي وَقَدْ قَبَضَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَأَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ، فَوَضَعَ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي تِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ بَعْدَمَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي قِيمَةِ الدَّارِ، فَإِنْ كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا عِنْدَ النَّاسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ إذَا تَغَابَنُوا بَيْنَهُمْ، أَوْ اشْتَرَوْا بِغَيْرِ تَغَابُنٍ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ لَمْ تَشْتَرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَكِنْ هَذِهِ ذَرِيعَةٌ فِيمَا بَيْنَكُمَا. وَإِنَّمَا أَرَدْتُمَا قَطْعَ الشُّفْعَةِ عَنْ هَذَا الشَّفِيعِ، فَلَا يَكُونُ لَكُمَا لَك. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ هَذِهِ الدَّارِ عِنْدَ النَّاسِ، لَا تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ، فَاَلَّذِي تَرَكَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي هِبَةٌ، وَلَا يَرْجِعُ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْ

ذَلِكَ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَائِعُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ سَوَاءٌ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتهَا بِأَلْفَيْنِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي، وَتَحَالَفَا وَفُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ بِأَلْفَيْنِ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَهَبَ لِرَجُلٍ شِقْصًا فِي دَارٍ لَهُ لِلثَّوَابِ، وَلَمْ يُثِبْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّوَابِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ لَهُ حَتَّى يُثِيبَ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَبَّ الدَّارِ، فَمَسْأَلَتُك تُشْبِهُ هَذَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهِ. قُلْت: وَلِمَ أَجَازَ مَالِكٌ الْهِبَةَ بِغَيْرِ ثَوَابٍ مُسَمًّى؟
قَالَ: أَجَازَهُ النَّاسُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ فِي النِّكَاحِ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَائِزًا، وَلَكِنْ أَجَازَهُ النَّاسُ. فَمَسْأَلَتُك أَيْضًا فِي الشِّرَاءِ، لَا أَرَى فِيهَا الشُّفْعَةَ، مِثْلَ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْهِبَةِ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي وَيَجِبَ لَهُ الِاشْتِرَاءُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي الْبَيِّعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا: «فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» . فَقَدْ رَدَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَصَارَ غَيْرَ بَيْعٍ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا يَكْتُبُ آخِذُ الشُّفْعَةِ الْعُهْدَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَهَهُنَا لَمْ تَقَعْ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَالْبَائِعُ إنَّمَا رَضِيَ أَنْ تَكُونَ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَرْضَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ لِلشَّفِيعِ عُهْدَةٌ وَلَمْ يُرِدْ مُبَايَعَتَهُ.

[بَابٌ اشْتَرَى شِقْصًا فَقَاسَمَ شُرَكَاءَهُ ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَهَا شَفِيعٌ غَائِبٌ فَقَاسَمَ شُرَكَاءَهُ ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ وَأَرُدُّ الْقِسْمَةَ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ بَاعَ لَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَرُدَّ بَيْعَهُ، فَكَذَلِكَ مُقَاسَمَتُهُ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهُ يَرُدُّ الْبَيْعَ الثَّانِي، فَإِذَا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ الثَّانِي، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْقِسْمَةَ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ وَهْبَ مَا اشْتَرَى مَنْ الدَّارِ فَقَدِمَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ. لِمَنْ يَكُونُ هَذَا الثَّمَنُ، لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَمْ لِلْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا اُسْتُحِقَّ، وَلَا مَا كَانَ حُرًّا مِنْ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ هَذَا حِينَ وَهَبَهُ، قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا وَهْبَ لَهُ الثَّمَنَ. وَاَلَّذِي اسْتَحَقَّ إنَّمَا وَهَبَهُ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَهَبَ لَهُ الثَّمَنَ، وَالْحُرِّيَّةُ كَذَلِكَ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ فَبَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَيِّ الْأَثْمَانِ شَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ، إنْ شَاءَ بِمَا اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَيُفْسَخُ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بُيُوعِهِمَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالْبَيْعِ الثَّانِي وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّالِثُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالْبَيْعِ الثَّالِثِ وَتَثْبُتُ الْبُيُوعَ كُلُّهَا بَيْنَهُمْ.

قُلْت: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَصَدَّقَ


بِمَا اشْتَرَى، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ، أَتُفْسَخُ الصَّدَقَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَالثَّمَنُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِالشِّقْصِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ تَزَوَّجَ بِمَا اشْتَرَى، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ، بِمَ تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ مِنْهَا يَوْمَ نَكَحَهَا بِهِ.

[بَابُ اشْتَرَى شِقْصًا بِثَمَنٍ ثُمَّ زَادَ الْبَائِعُ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، ثُمَّ أَتَانِي الْبَائِعُ فَقَالَ: اسْتَرْخَصْت فَزِدْنِي فِي الثَّمَنِ فَزِدْته، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ؟ فَقَالَ: يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَلَا يَلْتَفِت إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ. قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ، ثُمَّ أَقَالَهُ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ، وَكَانَتْ الْإِقَالَةُ بَاطِلًا إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، فَتَكُونُ الْإِقَالَةُ جَائِزَةً. قُلْت: وَلَا تَكُونُ الْإِقَالَةُ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ، فَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِعُهْدَةِ الْإِقَالَةِ؟ قَالَ: لَيْسَتْ الْإِقَالَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ. قُلْت: فَالْإِقَالَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، الْإِقَالَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَيْعٌ حَادِثٌ. إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْإِقَالَةِ فِي الشُّفْعَةِ مَا أَخْبَرْتُك. قُلْت: أَرَأَيْت مَا حَطَّ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ أَوْ بَعْدَ مَا أَخَذَ؟
قَالَ: إذَا وَضَعَ عَنْهُ مَا يَرَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا يُوضَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَذَلِكَ يُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُوضَعُ مِثْلُهُ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ هِبَةٌ، وَلَا يُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. .

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَتْ امْرَأَةٌ شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَخَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِذَلِكَ الشِّقْصِ، فَأَتَى الشَّفِيعُ فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجِ بِالشُّفْعَةِ، عَلَى مَنْ تَكُونُ عُهْدَتُهُ؟
قَالَ: تَكُونُ الْعُهْدَةُ لِلشَّفِيعِ، إنْ شَاءَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَإِنْ شَاءَ عَلَى الزَّوْجِ. قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ؟
قَالَ: يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَتْ بِهِ أَوَّلًا. قُلْت: فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الزَّوْجِ؟
قَالَ: يَأْخُذُهَا مِنْ الزَّوْجِ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ يَوْمَ خَالَعَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الدَّارِ، وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ، فَيَتَزَوَّجُ بِهِ امْرَأَةً، فَيَقْدُمُ الشَّفِيعُ: إنَّ الشَّفِيعَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ فَسْخَ عَطِيَّةَ الزَّوْجِ الْمَرْأَةَ الدَّارَ الَّتِي فِي صَدَاقِهَا، وَأَخَذَ الدَّارَ بِمَا اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ، وَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ. وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ عَطِيَّةَ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ الشِّقْصَ فِي صَدَاقِهَا، وَأَخَذَ الشُّفْعَةَ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ، يَوْمَ أُعْطِيت الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فِي صَدَاقِهَا، وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الْخُلْعِ. .


[بَابُ تَلَوُّمِ السُّلْطَانِ عَلَى الشَّفِيعِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَلَمْ يُحْضِرْ نَقْدَهُ، أَيَتَلَوَّمُ لَهُ الْقَاضِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْت الْقُضَاةَ عِنْدَنَا، يُؤَخِّرُونَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فِي النَّقْدِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ.
قَالَ: وَرَأَيْت مَالِكًا اسْتَحْسَنَهُ وَأَخَذَ بِهِ وَرَآهُ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَقَامَ الشَّفِيعُ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ فَلَمْ يَقْبِضْ مِنِّي الشِّقْصَ حَتَّى انْهَدَمَ، فَقَالَ: أَنَا أَتْرُكُ وَلَا آخُذُهُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ قَدْ انْهَدَمَتْ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتْرُكَ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فَمَا أَصَابَ الدَّارَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مِنْ الشَّفِيعِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبَيْعِ إذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي، فَمَا أَصَابَ الدَّارَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي، لَيْسَ مِنْ الْبَائِعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ، أَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَرَى أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْغَائِبِ. قُلْت: وَهَلْ يَجُوزُ لِي أَنْ أُوَكِّلَ مَنْ يَأْخُذُ لِي شُفْعَتِي وَأَنَا غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قِيلَ لِي: إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى نِصْفَ نَصِيبِ شَرِيكِك فَسَلَّمْت شُفْعَتِي، ثُمَّ قِيلَ لِي: إنَّهُ قَدْ اشْتَرَى جَمِيعَ نَصِيبِهِ، فَقُلْت: قَدْ أَخَذْت بِالشُّفْعَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِي أَمْ لَا؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى ذَلِكَ لَهُ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ، فَأَصَابَهَا هَدْمٌ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ حَرْقٌ أَوْ غَرَقٌ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَدَعُ. قُلْت: فَإِنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَهَدَمْتُهَا، فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهَا بِالشُّفْعَةِ مَهْدُومَةً بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَأْخُذُ هَذَا النَّقْضَ مَهْدُومًا، وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ هَدَمَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ بَنَاهَا، قِيلَ لِلشَّفِيعِ: خُذْهَا بِجَمِيعِ مَا اشْتَرَى وَقِيمَةِ مَا عَمَّرَ فِيهَا، فَإِنْ أَبَى لَمْ تَكُنْ لَهُ شُفْعَةٌ.

[بَابُ اشْتِرَاءِ دَارٍ فَبَاعَ نَقْضَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نِصْفَهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا مِنْ رَجُلٍ فَهَدَمَهَا فَبَاعَ نَقْضَهَا، ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ الدَّارِ وَنِصْفَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ النَّقْضَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّهُ. ثُمَّ إنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى مَا بَاعَ مِنْهَا وَمَا بَقِيَ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى ثَمَنِ مَا بَاعَ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ النَّقْضِ الَّذِي بَاعَ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ هُوَ الثُّلُثَيْنِ، وَاَلَّذِي بَقِيَ مِنْ الدَّارِ ثُلُثُ


الثَّمَنِ. فَيَدْفَعُ نِصْفَ الثُّلُثِ وَيَأْخُذُ الْعَرْصَةَ بِالشُّفْعَةِ، وَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ ثَمَنِ النَّقْضِ الَّذِي بِيعَ مِنْ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْأَرْضِ وَنِصْفُ الْبُنْيَانِ، وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ النَّقْضِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ قَدْ جَازَ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخِذِ. بِالشُّفْعَةِ فِيهِ شَيْءٌ وَفَاتَ الْبَيْعُ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى مَا بَقِيَ بِالشُّفْعَةِ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك، وَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَمَّنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ نِصْفُ ثَمَنِ النَّقْضِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ بَاعَ شَيْئًا نِصْفُهُ لِلْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنَّمَا أُجِيزُ بَيْعَ نِصْفِ النَّقْضِ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بَاعَ شَيْئًا هُوَ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ فِيهِ حَقٌّ، إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ لَمْ يَفُتْ، فَلَمَّا فَاتَ رَجَعَ إلَى الْعَرْصَةِ فَأَخَذَهَا بِحِصَّتِهَا مِمَّا يَبْقَى، وَقَدْ فَسَّرْت لَك مَا بَلَغَنِي. قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي بَاعَ مِنْ النَّقْضِ شَيْئًا قِيلَ لِلْمُسْتَحِقِّ: إنْ شِئْت خُذْ نِصْفَ الدَّارِ مَهْدُومَةً وَنِصْفَ هَذَا النَّقْضِ، وَلَيْسَ لَك عَلَى هَذَا الْمُشْتَرِي الَّذِي هَدَمَ مِنْ قِيمَةِ الْبُنْيَانِ الَّذِي هُدِمَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُدِمَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ وَوَجْهِ الِاشْتِرَاءِ، وَهُوَ لَمْ يَبِعْ مِنْ النَّقْضِ شَيْئًا، فَيَكُونُ لَك أَنْ تُتْبِعَهُ بِمَا بَاعَ مِنْ النَّقْضِ. فَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ مَا اسْتَحَقَّ مِنْهَا مَهْدُومًا قِيلَ لَهُ: لَا شَيْءَ لَك وَاتْبَعْ الَّذِي بَاعَ، فَخُذْ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَ بِهِ حِصَّتَك إنْ أَحْبَبْت. قُلْت: فَإِنْ أَخَذَ حِصَّتَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ وَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ. قُلْت: فَهَلْ يُتْبَعُ الْمُشْتَرِي إذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا هَدَمَ مِنْ الْحَظِّ الَّذِي يَأْخُذُهُ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: لَا، لَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا مِمَّا هَدَمَ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ النَّقْضِ؟
قَالَ: يَضْمَنُ لَهُ نِصْفَ مَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ. قُلْت: فَالْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ مِمَّا نَقَضَ شَيْئًا، أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُ، نِصْفُهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ نِصْفَ الدَّارِ وَنِصْفُهُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ مَا بَاعَ مِنْ النَّقْضِ حَاضِرًا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ النَّقْضُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهَا مِنْ الثَّمَنِ. قُلْت: وَمَا لَمْ يَبِعْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا يَضْمَنُ لَهُ مَا هَدَمَ مِنْ حَظِّ النِّصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الْمُسْتَحِقُّ، وَلَا يَضْمَنُ لَهُ حَظَّ النِّصْفِ الَّذِي يَأْخُذهُ الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ.
قَالَ: نَعَمْ لَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، إلَّا أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ لَهُ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك. قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

[مَا جَاءَ فِيمَنْ اشْتَرَى أَنْصِبَاءَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَصِيبًا مِنْ دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَشَفِيعُهُمَا وَاحِدٌ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ إحْدَى الدَّارَيْنِ وَأُسَلِّمُ الْأُخْرَى، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى هَذَيْنِ النَّصِيبَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ مُخْتَلِفِينَ صَفْقَةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ


يَأْخُذَ حَظَّ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ وَاحِدَةً وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ. فَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ، لِأَحَدِهِمْ نَخْلٌ وَأَرْضٌ وَلِلْآخَرِ قَرْيَةٌ وَلِلْآخَرِ دُورٌ، فَبَاعُوا جَمِيعَ ذَلِكَ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ - شَفِيعُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَهَذِهِ النَّخْلِ وَهَذِهِ الدُّورِ رَجُلٌ وَاحِدٌ - فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ هَذِهِ النَّخْلَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ وَلَا أُرِيدُ الْقَرْيَةَ وَلَا الدُّورَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ؟ فَقَالَ: سَأَلَتْ مَالِكًا عَنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالنَّخْلِ وَذَلِكَ مُفْتَرَقٌ، يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيَأْتِي الشَّفِيعُ فَيَقُولُ: أَنَا آخُذُ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ، عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مَا يُحِبُّ وَيَدَعَ مَا يَكْرَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَكُونُ فِيهِ كُلِّهِ، وَهُوَ كُلُّهُ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ، لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ؛ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَمُشْتَرِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَشَفِيعُهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ.

قَالَ: وَسَأَلَتْ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ أَوْ مَنْ أَرْبَعَةٍ حُظُوظُهُمْ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَأْتِي شَفِيعٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ حَظَّ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؟ فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ، فَمَسْأَلَتُك مِثْلُ هَذِهِ بِعَيْنِهَا. قُلْت: فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ اشْتَرَوْا مِنْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ دَارًا وَأَرْضًا وَنَخْلًا، وَشَفِيعُ هَذِهِ الدَّارِ وَالنَّخْلِ وَالْأَرْضِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَأَتَى الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ حَظَّ أَحَدِهِمْ وَأُسَلِّمُ حَظَّ الِاثْنَيْنِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ، فِيهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ كُلَّهُ، وَهُوَ اشْتِرَاءُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ أَوْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ وَاحِدًا لَوْ اشْتَرَى مِنْ ثَلَاثَةٍ، لَمْ يَكُنْ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ كُلَّهُ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَشَفِيعُ كُلُّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ، فَسَلَّمَ لِي أَحَدُهُمَا الشُّفْعَةَ وَأَرَادَ الْآخَرُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فَقُلْت لَهُ: خُذْ الصَّفْقَةَ كُلَّهَا أَوْ دَعْ، فَقَالَ: لَا آخُذُ الَّذِي أَنَا فِيهِ شَفِيعٌ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتْرُكَ تِلْكَ الَّتِي لَا شِرْكَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَفِيعٍ لَهَا وَيَأْخُذَ الَّتِي لَهُ فِيهَا شِرْكٌ؛ لِأَنَّهُ شَفِيعُهَا.

[مَا جَاءَ فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فَوَهَبَهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ بِشُفْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا فَوَهَبَهَا لِرَجُلٍ فَهَدَمَهَا، أَوْ وَهَبَ نَقْضَهَا لِرَجُلٍ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ فَقَالَ: هَذَا وَالْبَيْعُ سَوَاءٌ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَاعَ مِنْ غَيْرِهِ فَهَدَمَهَا الْمُشْتَرِي الْآخَرُ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلشَّفِيعِ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْهَادِمُ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَبَيْعُهُ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك فِيمَنْ بَاعَ نَقْضًا؟ وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا، إنَّمَا هَدَمَ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ وَالِاشْتِرَاءِ، فَلَا


شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك؟ قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرِي، فَالْمَوْهُوبُ لَهُ مِثْلُهُ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا مِنْ رَجُلٍ، فَوَهَبَهَا الرَّجُلُ فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهَا وَأَخَذَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ بِالشُّفْعَةِ، لِمَنْ يَكُونُ ثَمَنُ هَذَا النِّصْفِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ، أَلِلْوَاهِبِ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؟
قَالَ: لِلْوَاهِبِ. قُلْت: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَ لَهُ الدَّارَ وَلَمْ يَهَبْ لَهُ الثَّمَنَ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ، وَأَمَّا الَّذِي سَمِعْت أَنَا مِنْهُ إنَّمَا هُوَ فِي رَجُلٍ وَهَبَ لِرَجُلٍ جَارِيَةً، ثُمَّ هَلَكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْجَارِيَةُ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ بِحُرِّيَّةٍ، فَقِيلَ لِمَالِكٍ: لِمَنْ هَذَا الثَّمَنُ الَّذِي أُخِذَ مِنْ بَائِعِهَا، أَلِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَمْ لِلْمُشْتَرِي الْوَاهِبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: بَلْ لِلْوَاهِبِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَيْضًا: إنَّ الثَّمَنَ لِلْوَاهِبِ إذَا وَهَبَ عَبْدًا فَاسْتَحَقَّ الْعَبْد أَنَّهُ مَسْرُوقٌ

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى رَجُلٌ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَوَهَبَهَا الرَّجُلُ، فَأَتَى الشَّفِيعُ فَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، لِمَنْ يَكُونُ الثَّمَنُ؟
قَالَ: إذَا وَهَبَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لِلَّذِي وَهَبَ مِنْ الدَّارِ شَفِيعًا يَأْخُذُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ أَوْ يَتْرُكُ، فَأَرَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. قُلْت: وَمَا فَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الَّذِي اشْتَرَى جَمِيعَ الدَّارِ فَوَهَبَهَا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهَا، فَقُلْتَ الثَّمَنُ لِلْوَاهِبِ، وَقُلْتَ هَهُنَا الثَّمَنُ لَهُ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْوَاهِبَ إنَّمَا وَهَبَ الدَّارَ كُلَّهَا وَلَمْ يَهَبْ الثَّمَنَ، وَإِنَّ الَّذِي وَهَبَ الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ قَدْ عَرَفَ أَنَّ لَهَا شَفِيعًا، إنَّمَا وَهَبَهَا لَهُ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ الشَّفِيعَ إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ.

[بَابُ الرُّجُوعِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِهَا وَأَخْذِ الشُّفْعَةِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى رَجُلَانِ حِصَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأُخْبِرَ الشَّرِيكُ أَنَّ حِصَّةَ صَاحِبِك قَدْ اشْتَرَاهَا فُلَانٌ لِأَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَنَّ الْآخَرَ قَدْ اشْتَرَى مَعَ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ فَقَالَ: قَدْ سَلَّمْتُ لَهُ الشُّفْعَةَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ هُوَ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا اشْتَرَى هُوَ وَفُلَانٌ، فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِشُفْعَتِي، وَقَالَ الَّذِي سَلَّمَ لَهُ الشُّفْعَةَ: قَدْ سَلَّمْت لِي فَلَا أُعْطِيَك حِصَّتِي؟ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يَأْخُذَهُمَا جَمِيعًا، حِصَّةَ الَّذِي سَلَّمَ لَهُ الشُّفْعَةَ وَحِصَّةَ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الشُّفْعَةَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا اشْتَرَيَا مِنْ رَجُلٍ حِصَّتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا أَوْ يَتْرُكَ الْبَيْعَ.

قُلْت: أَرَأَيْت الْبَيْعَ الْفَاسِدَ، أَفِيه الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ رُدَّ بِعَيْنِهِ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، حَتَّى وَإِنْ فَاتَ حَتَّى تَصِيرَ الدَّارُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ رَأَيْت الشُّفْعَةَ لِلشَّفِيعِ.


[بَابُ حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فِي الدُّورِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ، أَهِيَ فِي الدُّورِ فَوْتٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَيْسَتْ بِفَوْتٍ. قُلْت: فَتَغْيِيرُ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ هَدْمٍ؟
قَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَإِنَّمَا الْفَوْتُ فِي الْبِنَاءِ إذَا كَانَ الْهَدْمُ، فَهَذَا فَوْتٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي قَدْ بَنَى فِيهَا بُنْيَانًا - الْبُيُوتَ وَالْقُصُورَ - فَهَذَا فَوْتٌ أَيْضًا؟
قَالَ: وَالْغَرْسُ أَيْضًا فَوْتٌ أَوْ يَشْتَرِيهَا وَفِيهَا غَرْسٌ فَيَمُوتُ الْغَرْسُ فَهَذَا أَيْضًا فَوْتٌ.

قُلْت: أَرَأَيْت الْبَيْعَ الْفَاسِدَ إذَا وَلَّاهُ رَجُلٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ وَلَّاهُ فَقَالَ: أُوَلِّيك كَمَا اشْتَرَيْت، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ قَدْ وَقَعَتْ فِي صَفْقَتِهِ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، فَقَالَ لِلَّذِي وَلَّاهُ: أُوَلِّيك هَذِهِ السِّلْعَةَ كَمَا اشْتَرَيْتهَا، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّانِيَ أَيْضًا قَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَا وَقَعَ فِيهِ الْأَوَّلُ فِي بَيْعٍ وَسَلَفٍ فَلَا يَجُوزُ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ عَلَيَّ هَذِهِ السِّلْعَةُ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَنَا أَبِيعُكهَا بِذَلِكَ؟
قَالَ: هَذَا قَدْ كَذَبَ، لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَخَذَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُتِمَّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَقِيمَةُ السِّلْعَةِ خَمْسُونَ دِينَارًا فَلَمْ تَقُمْ السِّلْعَةُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَهَذَا قَدْ كَذَبَ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ بِالْمِائَةِ أَخَذَ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، فَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ قُوِّمَتْ السِّلْعَةُ، فَإِنْ بَلَغَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الْمِائَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهَا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الْمِائَةِ فَلَهُ ذَلِكَ.

قُلْت: فَإِنْ اشْتَرَاهَا بَيْعًا فَاسِدًا وَبَاعَهَا بَيْعًا صَحِيحًا؟
قَالَ: هَذَا فَوْتٌ أَيْضًا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِد.

[الشُّفْعَةَ هَلْ تُورَثُ]
ُ وَرَثَةُ الشُّفْعَةِ قُلْت: أَرَأَيْت الشُّفْعَةَ، هَلْ تُورَثُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

[بَابُ تَنَازُعِ الشَّفِيعِ وَالْغُرَمَاءِ فِي الدَّارِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَشْتَرِي شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ فَيَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ يَقُومُ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ وَلَمْ يَمُتْ، فَيَأْتِي الشَّفِيعُ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ فِي قِيمَةِ الدَّارِ فَضْلًا عَمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ، وَقَالَ الْغُرَمَاءُ: نَحْنُ نَأْخُذُ الدَّارَ؛ لِأَنَّ فِيهَا فَضْلًا عَمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ؟
قَالَ: الشَّفِيعُ أَوْلَى مِنْ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ شَرِيكٌ فِي دَارٍ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ حِصَّتَهُ مِنْهَا فَقَامَ غُرَمَاؤُهُ فَقَالُوا: خُذْ بِشُفْعَتِك فَإِنَّ فِيهَا فَضْلًا، فَقَالَ: لَا آخُذُ، فَقَالَ لَهُ الْغُرَمَاءُ: أَنْتَ مُضَارٌّ، فَنَحْنٌ نَأْخُذُ إذَا كَانَتْ لَك الشُّفْعَةُ فَإِنَّ فِيهَا فَضْلًا تَسْتَوْفِيه، فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لِلشَّفِيعِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ هَهُنَا حُجَّةٌ.


[مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الشُّفْعَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ بِمَالٍ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَسْلَمَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ وُجُوبِ الصَّفْقَةِ بِمَالٍ أَخَذَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَسْلَمَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ وُجُوبِ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي بِمَالٍ أَخَذَهُ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجِبْ لَهُ الشُّفْعَةُ بَعْدُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ هَهُنَا، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ شُفْعَتَهُ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ سَلَّمَهَا بِمَالٍ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَأَتَى رَجُلٌ إلَى الشَّفِيعِ فَقَالَ: خُذْهَا بِشُفْعَتِك وَلَك مِنْهَا مِائَةُ دِينَارٍ رِبْحًا أُرْبِحُك فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ شَفِيعًا وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فَبَاعَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْت: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

[شُفْعَةُ الْغَائِبِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْغَائِبَ إذَا عَلِمَ بِالِاشْتِرَاءِ - وَهُوَ شَفِيعٌ - فَلَمْ يَقْدَمْ يَطْلُبُ بِالشُّفْعَةِ، حَتَّى مَتَى تَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا نَقْطَعُ عَنْ الْغَائِبِ الشُّفْعَةَ لِغَيْبَتِهِ. قُلْت: عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي إلَّا فِيمَا عَلِمَ، أَمَا فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ رَجُلٍ مَنْ دَارٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَأَنَا بِمِصْرَ وَشَفِيعُهَا مَعِي بِمِصْرَ، فَأَقَامَ مَعِي زَمَانًا مِنْ دَهْرِهِ لَا يَطْلُبُ شُفْعَتَهُ، ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَطَلَب شُفْعَتَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهَا، وَأَرَى الدَّارَ الْغَائِبَةَ وَالْحَاضِرَةَ عِنْدِي سَوَاءٌ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ - قَامَ بِمِصْرَ أَوْ بِإِفْرِيقِيَّةَ - فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَطُلْ ذَلِكَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ تَارِكٌ لِلشُّفْعَةِ. وَفِي مَسْأَلَتِك الَّتِي ذَكَرْت أَنَّهُ مُقِيمٌ مَعَك زَمَانًا مِنْ دَهْرِهِ وَلَا يَطْلُبُ ذَلِكَ، فَلَا أَرَى لَهُ الشُّفْعَةَ إذَا كَانَ تَارِكًا لِذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ، حَتَّى يَطُولَ وَيَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ السَّنَةِ بِمَا يَرَى أَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا، وَالدَّارُ الْحَاضِرَةُ وَالْغَائِبَةُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَشْتَرِي لِي شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَهُوَ شَفِيعُهَا، أَوْ وَكَّلْتُهُ أَنْ يَبِيعَ لِي شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَهُوَ شَفِيعُهَا فَفَعَلَ، فَبَاعَ أَوْ اشْتَرَى، أَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ. وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ سَمَاعِي هَذَا مِنْ مَالِكٍ فِيهِ.

[بَابُ الدَّعْوَى فِي الدُّورِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ هَذَا


الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، وَأَقَامَ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي؟
قَالَ: إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ فَهِيَ لِلَّتِي فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَتَكَافَأْ الْعَدَالَةُ قُضِيَ بِالدَّارِ لِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ.

[اخْتِلَافُ الْبَيِّعَيْنِ فِي الثَّمَنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت دَارًا فَبَنَيْت فِيهَا بُيُوتًا أَوْ قُصُورًا، أَوْ وَهَبْتُهَا أَوْ بِعْتهَا ثُمَّ اخْتَلَفْنَا - أَنَا وَالْبَائِعُ - فِي الثَّمَنِ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟
قَالَ: هَذَا فَوْتٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ لَهَا شَفِيعَانِ، فَسَلَّمَ لِي أَحَدُهُمَا الشُّفْعَةَ وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا آخُذُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُعْطِيك إلَّا قَدْرَ حِصَّتِك؟
قَالَ: لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا آخُذُ إلَّا حِصَّتِي، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ وَإِمَّا أَنْ يَدَعَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

[مَا جَاءَ فِي الشَّرِكَةِ فِي الشُّفْعَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ لَهَا شُفَعَاءُ وَكُلُّهُمْ غُيَّبٌ إلَّا وَاحِدًا حَاضِرًا، فَقَالَ الْحَاضِرُ: أَنَا آخُذُ الْجَمِيعَ بِشُفْعَتِي، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَدْفَعُ إلَيْك حُظُوظَ الْغُيَّبِ. أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا آخُذُ إلَّا قَدْرَ حِصَّتِي مَنْ الشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ هَذَا الْحَاضِرُ جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. قُلْت: فَإِنْ قَدِمَ الْغُيَّبُ وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْحَاضِرُ الْجَمِيعَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: يَدْخُلُونَ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ إنَّ أَحَبُّوا كُلُّهُمْ، فَيَأْخُذُونَ بِقَدْرِ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الشُّفْعَةِ، وَإِنْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضٌ لَمْ يَكُنْ لِلْآخِذِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَيَدَعَ مَا بَقِيَ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا يُقَاسِمُهُ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى فَيَأْخُذُ أَوْ يَدَعُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْحَاضِرَ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ وَقَالَ: لَا آخُذُ إلَّا قَدْرَ حِصَّتِي، فَتَرَكَ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. فَإِنْ قَدِمَ الْغُيَّبُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ أَخَذُوا ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْحَاضِرِ فِيمَا أَخَذَ الْغُيَّبُ شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ ذَلِكَ أَوَّلًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدِمُوا أَنْ يَأْخُذُوا جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُوا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِهَذَا الْحَاضِرِ أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُ بِقَدْرِ حِصَّتِي مِنْ الشُّفْعَةِ، وَأَتْرُكُ حِصَصَ أَصْحَابِي حَتَّى يَقْدُمُوا، فَإِنْ أَخَذُوا بِشُفْعَتِهِمْ وَإِلَّا أَخَذْتُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ، فَإِذَا قَدِمَ هَؤُلَاءِ الْغُيَّبُ فَتَرَكَ جَمِيعُهُمْ الشُّفْعَةَ إلَّا وَاحِدًا، قِيلَ لَهُ: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #262  
قديم 04-01-2026, 07:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 231الى صــ 240
الحلقة(262)





[الْكَفَالَةُ فِي بَيْعِ الدُّورِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ بِعْت دَارًا وَأَخَذَ مِنِّي الْمُشْتَرِي كَفِيلًا بِمَا أَدْرَكَهُ مَنْ دَرَكٍ، فَبَنَى فِي الدَّارِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ، أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْكَفِيلِ مِنْ قِيمَةِ مَا بَنَى شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا مَا ضَمِنَ لَهُ أَوَّلًا، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ مَا بَنَى الْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِهَذَا الْمُسْتَحِقِّ: ادْفَعْ إلَى هَذَا الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا بَنَى أَوْ خُذْ قِيمَةَ دَارِك. فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا بَنَى وَأَخَذَ دَارِهِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ أَوْ عَلَى الْحَمِيلِ بِالثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ مُخَيَّرٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

[الرُّجُوعُ عَنْ أَخَذَ الشُّفْعَة بَعْدَ الْأَخْذِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت رَجُلًا قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ أَخَذْت بِشُفْعَتِي، ثُمَّ قَالَ قَدْ بَدَا لِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاشْتِرَاءِ وَقَدْ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِالثَّمَنِ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ إنْ أَحَبَّ.

[اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ]
فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا فِي دَارٍ بِعَبْدٍ، فَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِي قَبْلَ أَنْ أَدْفَعَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُصِيبَةُ مِنْ رَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ وَجَبَ لَهُ. قُلْت: أَفَيَأْخُذُ الدَّارَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ؟
قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: وَتَكُون عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ الَّذِي بَاعَهَا؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْعُهْدَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي. قُلْت: فَمَتَى تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِلشَّفِيعِ سَاعَةَ تَقَعُ الصَّفْقَةُ نَقْدًا وَلَمْ يَنْقُدْ، قَبَضَ الدَّارَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ إذَا أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ.

[أَخْذُ الشُّفْعَةِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بَيْعًا فَاسِدًا فَأَخَذَ الشَّفِيعُ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ عَلِمَ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْبَيْعِ؟
قَالَ: تُرَدُّ الدَّارُ إلَى الْبَائِعِ وَلَا يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ وَلَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ.

[فِيمَنْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَبْدٍ فَأَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ أَصَابَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَبْدٍ وَأَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ أَصَابَ بَائِعُ الدَّارِ بِالْعَبْدِ عَيْبًا؟
قَالَ: يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ قِيمَةَ الدَّارِ مِنْ مُشْتَرِي الدَّارِ وَقَدْ مَضَتْ الدَّارُ لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ. قُلْت: وَلِمَ أَمْضَيْتَ الدَّارَ هَهُنَا لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ هَذَا الْمُشْتَرِي إذَا دَفَعَهَا إلَى الشَّفِيعِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ. قُلْت: فَلِمَ لَا تَجْعَلُهُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ كَانَ مَرْدُودًا مِنْ الْآخِرِ وَالْأَوَّلِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ بَيْعًا فَاسِدًا، رُدَّا جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ أَوْ يَتَغَيَّرَ بِالْأَبْدَانِ أَوْ بِالْأَسْوَاقِ، فَتَكُونُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْقِيمَةُ وَلَا يَرُدُّهُ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا. قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: مِنْهُ قَوْلُهُ وَمِنْهُ رَأْيِي.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَبْدٍ فَأَخَذَ الشَّفِيعُ ذَلِكَ الشِّقْصَ بِشُفْعَتِهِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ مِنْ يَدَيْ بَائِعِ الدَّارِ؟
قَالَ: قَدْ مَضَتْ الدَّارُ لِلشَّفِيعِ، وَيَرْجِعُ بَائِعُ الدَّارِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفًا وَقِيمَةُ الشِّقْصِ أَلْفَيْنِ، فَرَجَعَ بَائِعُ الشِّقْصِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَلْفَيْنِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْمُشْتَرِي مِنْ الشَّفِيعِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الشَّفِيعِ بِأَلْفٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ الدَّارُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَلْفَيْنِ وَهُوَ قِيمَتُهَا وَإِنَّمَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؟
قَالَ: لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، إنَّمَا هُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ. وَكَذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الشِّقْصِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَهِيَ أَلْفَا دِرْهَمٍ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ، فَرَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْأَلْفِ الَّتِي فَضَلَتْ عِنْدَهُ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي.

[اخْتِلَافُ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي فِي صِفَةِ عَرَضِ ثَمَنِ شِقْصٍ]
ٍ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْتُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، فَمَضَى لِذَلِكَ زَمَانٌ وَالْعَرَضُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ عِنْدَ بَائِعِ الدَّارِ أَوْ مُسْتَهْلِكٍ، فَاخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قِيمَةِ الْعَرَضِ، أَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْعَرَضِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ الْيَوْمَ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنَّمَا يُنْظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ وَقَعَ الشِّرَاءُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ الْيَوْمَ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلِكًا؟
قَالَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. قُلْت: فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ رَأْيِي أَنَّهُ مِثْلُ الْبُيُوعِ، أَنَّهُ إنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّفِيعِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى أَيْضًا بِمَا لَا يُشْبِهُ، قِيلَ لِلَّذِي اسْتَهْلَكَهُ وَهُوَ


الْمُشْتَرِي: صِفْ الْعَرَضَ وَيَحْلِفُ عَلَى الصِّفَةِ، ثُمَّ يَقُومُ عَلَى صِفَتِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ ثُمَّ يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ أَوْ اُتْرُكْ. قُلْت: فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ الْمُشْتَرِي عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: صِفْ وَاحْلِفْ، فَإِذَا وَصَفَ وَحَلَفَ أَخَذَهَا بِقِيمَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ وَهَذَا مِثْلُ الْبُيُوعِ.

[اشْتَرَى شِقْصًا بِحِنْطَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ]
فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِحِنْطَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِحِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ، أَيَرْجِعُ بَائِعُ الشِّقْصِ فَيَأْخُذُ الشِّقْصَ، أَمْ يَأْخُذُ حِنْطَةً مِثْلَ الْحِنْطَةِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ، وَهَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى حِنْطَةً بِعَيْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْحِنْطَةِ أَنْ يَأْتِيَ بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا عِنْدَ مَالِكٍ. فَأَرَى فِي مَسْأَلَتِك إنْ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحَقَّ الطَّعَامُ لَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ وَيَغْرَمُ لَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الدَّارَ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَيُسْتَحَقُّ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الشَّفِيعُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ وَتُرَدُّ الدَّارُ إلَى صَاحِبِهَا وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَلَوْ أُخِذَتْ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الدَّارِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الشَّفِيعِ مَا أَخَذَ. قَالَ: وَاشْتِرَاءُ الطَّعَامِ بِالدَّرَاهِمِ وَبِالدَّنَانِيرِ سَوَاءٌ إذَا اسْتَحَقَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا وَالدَّارُ عِنْدِي بِمَنْزِلَتِهِ.

[أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ]
فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَقَرَّ الْبَائِعَ بِالْبَيْعِ وَجَحَدَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ وَقَالَ: لَمْ أَشْتَرِ مِنْك شَيْئًا، ثُمَّ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا الْبَيْعَ، فَقَامَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ الشُّفْعَةَ بِمَا أَقْرَرْت لِي أَيُّهَا الْبَائِعُ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى فِيهِ شُفْعَةً؛ لِأَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى فَلَا شُفْعَةَ لَهُ.

[مَا جَاءَ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا بِشِقْصٍ وَدَرَاهِمَ ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ الشِّقْصَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدَهُ بِشِقْصٍ مِنْ دَارٍ وَبِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الشِّقْصِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَبِكَمْ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْعَبْدِ هُوَ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ، يُقَسَّمُ عَلَى ثَمَنِ الشِّقْصِ وَهُوَ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى الْأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَيَصِيرُ نِصْفٌ هَهُنَا وَنِصْفٌ هَهُنَا. فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ.


[بَابُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ مِنْ السِّلَعِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت سَفِينَةً بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، أَوْ خَادِمًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، بِعْت حِصَّتِي مِنْ ذَلِكَ، أَيَكُونُ شَرِيكِي أَوْلَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ شَرِيكُكَ أَوْلَى بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، إنَّمَا يُقَالُ لِشَرِيكِكَ بِعْ مَعَهُ أَوْ خُذْ بِمَا يُعْطِي. فَأَمَّا إذَا بَاعَ وَرَضِيَ أَنْ يَبِيعَ وَحْدَهُ فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ فِيهِ شُفْعَةٌ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ

[الشُّفْعَةُ فِي الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ أَرْضًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، وَنَخْلًا وَعَيْنًا لِهَذِهِ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ النَّخْلِ، فَقَاسَمْتُ شَرِيكِي فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ بِعْت حِصَّتِي مَنْ الْعَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِكَ فِيمَا بِعْت مِنْ الْعَيْنِ. قُلْت: فَإِنْ هُوَ لَمْ يُقَاسِمْهُ النَّخْلَ وَالْأَرْضَ، وَلَكِنَّهُ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَيْنِ وَلَمْ يَبِعْ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فِي الْعَيْنِ مَا دَامَتْ الشَّرِكَةُ فِي الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ.
قَالَ: فَقُلْت لِمَالِكٍ: أَرَأَيْت الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ» مَا هُوَ؟
قَالَ: هُوَ إذَا قَسَّمَ أَصْحَابُهُ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ ثُمَّ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ» .
قَالَ: وَإِنْ هُوَ لَمْ يُقَسِّمْ كَانَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالْبِئْرِ، أَوْ بَاعَ الْعَيْنَ أَوْ الْبِئْرَ وَحْدَهَا فَفِيهَا الشُّفْعَةُ. قُلْت: أَرَأَيْت الْعَيْنَ هَلْ يُقَسَّمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شُرْبُهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يُقَسَّمُ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ فَزَرَعْتهَا أَوْ غَرَسْتهَا فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، وَالزَّرْعُ لِلزَّارِعِ. قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ مَنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ. قُلْت: فَإِذَا كَانَ قَدْ غَرَسَهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا؟
قَالَ: إذَا غَرَسَهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْت فَخُذْهَا وَاغْرَمْ قِيمَةَ مَا فِيهَا مِنْ الْغَرْسِ قَائِمًا، فَإِنْ أَبَى لَمْ تَكُنْ لَهُ شُفْعَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ أَرْضٌ وَنَخْلٌ، فَاقْتَسَمَا النَّخْلَ وَتَرَكَا الْأَرْضَ لَمْ يَقْتَسِمَاهَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا مَا صَارَ لَهُ مَنْ النَّخْلِ، أَتَكُونُ لِشَرِيكِهِ فِيهَا الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي النَّخْلَةِ تَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي حَائِطِ الرَّجُلِ، فَيَبِيعُهُمَا، أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِرَبِّ الْحَائِطِ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قُسِمَ عِنْدَ مَالِكٍ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ بِزَرْعِهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ الزَّرْعِ بِمِائَةِ دِينَارٍ. فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ فَطَلَبَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، كَيْفَ يَصْنَعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ. بَطَلَ الْبَيْعُ فِي النِّصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْأَرْضِ وَفِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الزَّرْعِ الَّذِي صَارَ


فِي نِصْفِ الْأَرْضِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ، صَارَ بَيْعَ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، فَيَرْجِعُ ذَلِكَ النِّصْفُ مِنْ الزَّرْعِ إلَى بَائِعِ الْأَرْضِ وَيُرَدُّ عَلَى مُشْتَرِي الْأَرْضِ نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْأَرْضِ وَنِصْفَ الزَّرْعِ قَدْ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِمَا وَبَقِيَ نِصْفُ الزَّرْعِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ، وَالْبَيْعُ فِيهِمَا صَحِيحٌ. ثُمَّ يَبْدَأُ بِالشَّفِيعِ فَيُخَيَّرُ فِي الشُّفْعَةِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ كَانَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي نِصْفِ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي نِصْفِ الزَّرْعِ شُفْعَةٌ.
قَالَ: وَإِنْ تَرَكَ الْمُسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ وَنِصْفِ الزَّرْعِ، وَرَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ. وَإِنْ شَاءَ رَدَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ مِنْهَا مَا لَهُ الْبَالُ وَالْقَدْرُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَضَرَّةِ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إنْ شَاءَ وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. قُلْت: وَلِمَ بَدَأْت الشَّفِيعَ بِالْخِيَارِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: أَنَا لَا أُرِيدُ التَّمَاسُكَ وَأَنَا أُرِيدُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا عَيْبٌ فِيهَا شَدِيدٌ، فَأَنَا أُرِيدُ الرَّدَّ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ عَلَيَّ عُهْدَةٌ إذَا كَانَ لِي أَنْ أَرُدَّ؟
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَلَهُ الشُّفْعَةُ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ حَائِطًا، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَ الْحَائِطِ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَفِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَدْفَعُ الشَّفِيعُ إلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ فِي النَّخْلِ فِي سَقْيِهَا وَعِلَاجِهَا وَتَكُونُ لَهُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ قَالُوا: إنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُشْتَرِي حِينَ لَمْ يُدْرِكْهُ الشَّفِيعُ حَتَّى أُبِّرَتْ النَّخْلُ، فَقَالَ مَالِكٌ مَا أَخْبَرْتُك.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ مِثْلِهَا إذَا كَانَ زَرْعُ الْأَرْضِ لَمْ يَفُتْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَرْعٌ لَزَرَعَهَا الْمُسْتَحِقُّ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ وَقَدْ فَاتَتْ زِرَاعَةُ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ زَرَعَهَا وَهِيَ فِي يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ. قُلْت: فَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهَا وَأَخَذَ الْبَقِيَّةَ بِالشُّفْعَةِ، أَيَكُونُ لَهُ فِيمَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ كِرَاءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: أَمَّا حَقُّهُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ فَلَهُ فِيهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا عَلَى مَا وَصَفْت لَك. وَأَمَّا الَّذِي يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ فَلَا كِرَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجِبْ لَهُ الْأَرْضُ إلَّا بَعْدَ مَا أَخَذَهَا وَقَدْ زَرَعَهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَاَلَّذِي اسْتَحَقَّ قَدْ كَانَ وَجَبَ لَهُ قَبْلَ الزَّرْعِ، فَلَهُ فِيهِ الْكِرَاءُ عَلَى مَا وَصَفْت لَك مَا لَمْ تَفُتْ الزِّرَاعَةُ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلِلْبَائِعِ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، ثُمَّ اشْتَرَيْت الزَّرْعَ أَيْضًا فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا؟
قَالَ: إذَا اسْتَحَقَّ الرَّجُلُ الْأَرْضَ كُلَّهَا بَطَلَ شِرَاءُ الْمُشْتَرِي فِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الزَّرْعَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ، فَيَشْتَرِي الزَّرْعَ بَعْدَهَا أَوْ يَشْتَرِي الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا مَعًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ. فَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ مَعَ الْأَرْضِ أَوْ بَعْدَ الْأَرْضِ فِي صَفْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الزَّرْعِ وَرَجَعَ الزَّرْعُ


إلَى الْبَائِعِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت الْأَرْضَ فِي صَفْقَةٍ وَالزَّرْعَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى، أَوْ اشْتَرَيْت الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَبِعْت الْأَرْضَ وَبَقِيَ الزَّرْعُ فِي يَدَيَّ، أَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ فِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَبْطُلُ الِاشْتِرَاءُ فِيهِ؛ لِأَنَّكَ قَدْ صِرْت فِيهِ بِمَنْزِلَةِ رَبِّ الْأَرْضِ إذَا زَرَعَ أَرْضَهُ ثُمَّ بَاعَ أَرْضَهُ وَتَرَكَ زَرْعَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ هَهُنَا لَمْ يَسْتَحِقَّهَا مُسْتَحِقٌّ فَيَبْطُلُ شِرَاؤُكَ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ بِعْت الْأَرْضَ، وَشِرَاؤُك إيَّاهَا صَحِيحٌ، فَمِنْ هَهُنَا جَازَ لَك شِرَاءُ الزَّرْعِ وَطَابَ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

[مَا جَاءَ فِي الشُّفْعَةِ فِي الثَّمَرَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَخْلًا وَفِي النَّخْلِ طَلْعٌ لَمْ يُؤَبَّرْ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهُ وَطَلَبَ النِّصْفَ الْبَاقِي بِالشُّفْعَةِ؟ فَقَالَ: إنْ أَتَى الشَّفِيعُ يَوْمَ بَاعَ الْبَائِعُ، أَخَذَ النِّصْفَ الَّذِي اسْتَحَقَّ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَأَخَذَ النِّصْفَ الْبَاقِي بِشُفْعَتِهِ إنْ أَحَبَّ بِمَا فِيهَا. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ حَتَّى عَمِلَ الْمُشْتَرِي فِي النَّخْلِ وَسَقَى وَأُبِّرَتْ النَّخْلُ وَصَارَتْ بَلَحًا؟
قَالَ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ النِّصْفَ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَخُذْ النِّصْفَ الْبَاقِي إنْ شِئْت بِالشُّفْعَةِ وَاغْرَمْ لِلْمُشْتَرِي عَمَلَهُ فِيمَا سَقَى وَعَالَجَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَحْقَقْتَهُ وَفِيمَا أَخَذْت بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، كَانَ لَهُ نِصْفُ الْحَائِطِ وَنِصْفُ الثَّمَرَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ مَا عَمِلَ الْمُشْتَرِي وَسَقَى إنْ كَانَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَغْرَمَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ مَا اسْتَحَقَّ وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا بَعْدَمَا أَزْهَى هَذَا الطَّلْعُ؟
قَالَ: يَأْخُذُ نِصْفَ النَّخْلِ وَنِصْفَ الثَّمَرَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَيَغْرَمُ نِصْفَ الْعَمَلِ كَمَا وَصَفْت لَك، وَيَأْخُذُ النِّصْفَ الْبَاقِي إنْ أَحَبَّ بِالشُّفْعَةِ بِنِصْفِ ثَمَنِ الْجَمِيعِ، وَتَكُونُ لَهُ ثَمَرَةُ هَذَا النِّصْفِ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ إذَا أَزْهَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَيْبَسَ، فَإِذَا يَبِسَتْ فَلَا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِيهِمَا. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلَيْنِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا الثَّمَرَةُ: إنَّ أَحَدَهُمَا إنْ بَاعَ حَظَّهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ أَزْهَتْ، أَنَّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ مَا لَمْ تَيْبَسْ وَتَسْتَجِدَّ، فَإِذَا يَبِسَتْ وَاسْتَجَدَّتْ فَبَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا، فَمَسْأَلَتُكَ عِنْدِي مِثْلُهَا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي يَشْتَرِي النَّخْلَ ثُمَّ يَسْقِيهَا حَتَّى تُثْمِرَ ثُمَّ يُفْلِسُ وَفِي النَّخْلِ ثَمَرَةٌ، أَنَّ الْبَائِعَ أَحَقُّ بِالنَّخْلِ وَبِالثَّمَرَةِ مَا لَمْ تُجَدُّ الثَّمَرَةُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ الثَّمَنَ وَيَكُونَ لَهُمْ النَّخْلُ وَالثَّمَرَةُ، وَهَذَا عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلشُّفْعَةِ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَخْلًا وَفِي النَّخْلِ ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى وَحَلَّ بَيْعُهُ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ تِلْكَ النَّخْلِ؟ فَقَالَ: يَأْخُذُ نِصْفَ تِلْكَ النَّخْلِ وَمَا فِيهَا مِنْ الثَّمَرَةِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَيَغْرَمُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي نِصْفَ قِيمَةِ


مَا عَمِلَ إنْ كَانَ عَالَجَ شَيْئًا فِي ذَلِكَ وَسَقَى. قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ جَمِيعًا؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي قَوْمٍ شُرَكَاءَ فِي ثَمَرَةٍ كَانَ لَهُمْ الْأَصْلُ أَوْ كَانَتْ النَّخْلُ فِي أَيْدِيهِمْ مُسَاقَاةً، أَوْ كَانَتْ نَخْلًا حَبْسًا عَلَى قَوْمٍ فَأَثْمَرَتْ هَذِهِ النَّخْلُ وَحَلَّ بَيْعُهَا، فَبَاعَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَمَّيْت لَك مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ أَوْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسَاقِينَ أَوْ مِمَّنْ كَانَتْ النَّخْلُ بَيْنَهُمْ، فَبَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَلَمْ يَبِعْ الرِّقَابَ، فَإِنَّ شُرَكَاءَهُ فِي الثَّمَرَةِ - كَانَ لَهُمْ الْأَصْلُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْأَصْلُ - يَأْخُذُونَ الَّذِي بَاعَ شَرِيكُهُمْ فِي الثَّمَرَةِ بِالشُّفْعَةِ بِمَا بَاعَ بِهِ، فَلِذَلِكَ رَأَيْت لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ جَمِيعًا بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ كَانَتْ الشُّفْعَةُ إنَّمَا هِيَ بَعْدَمَا أَزْهَتْ الثَّمَرَةُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ وَحْدَهَا بِغَيْرِ أَصْلٍ كَانَ هَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّ نِصْفَ النَّخْلِ شَفِيعًا فِي الثَّمَرَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ هُنَاكَ أَنْ يَأْخُذَ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْحَائِطِ إذَا اشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَلَا ثَمَرَةَ فِيهِ، فَفَلِسَ مُشْتَرِي الْحَائِطِ وَفِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ: إنَّ الثَّمَرَةَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَإِنْ أَزْهَتْ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ الْغُرَمَاءُ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى هَذِهِ النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ وَلَمْ تَزْهُ، فَاسْتَثْنَاهَا الْبَائِعُ ثُمَّ أَزْهَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَامَ الْغُرَمَاءُ؟
قَالَ: فَلَا شَيْءَ لِلْغُرَمَاءِ فِي الثَّمَرَةِ وَلَا فِي النَّخْلِ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ خُذْ حَائِطَكَ بِثَمَرَتِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْك الثَّمَنَ الَّذِي بِعْت بِهِ، فَيَكُونُوا أَوْلَى بِالنَّخْلِ وَبِثَمَرَتِهِ فَذَلِكَ لَهُمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ، اشْتَرَى الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا، أَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فِي الزَّرْعِ وَالْأَرْضِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَمَا يَيْبَسُ وَيَحِلُّ بَيْعُهُ: إنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِي الزَّرْعِ إذَا حَلَّ بَيْعُهُ. قُلْت: فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّمَرَةِ إذَا طَابَتْ فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْ النَّخْلِ، إنَّ فِيهَا الشُّفْعَةَ؟
قَالَ: لَا أَدْرِي، إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ: إنَّهُ لِشَيْءٍ مَا عَلِمْت أَنَّهُ قَالَهُ فِي الثَّمَرَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلِي أَنَّ فِيهَا الشُّفْعَةَ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ اسْتَحْسَنْته وَرَأَيْته، فَأَرَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَقَالَ: الزَّرْعُ عِنْدِي لَا يُشْبِهُ الثَّمَرَةَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي عَنْهُ وَهُوَ رَأْيِي أَنَّهُ قَالَ: مَا بِيعَ مِنْ الثِّمَارِ مِمَّا فِيهِ الشُّفْعَةُ مِثْلِ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالثِّمَارِ كُلِّهَا سِوَى الزَّرْعِ مِمَّا يَيْبَسُ فِي شَجَرِهِ، فَبَاعَ نَصِيبَهُ إذَا يَبِسَتْ وَاسْتَجَدَّتْ، فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ مِثْلَ الزَّرْعِ. وَذَلِكَ أَنْ مَا بِيعَ مِنْ الثِّمَارِ بَعْدَمَا يَبِسَ وَاسْتَجَدَّ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لَا جَائِحَةَ فِيهِ وَأَمْرُهُمَا وَاحِدٌ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت نَخْلًا فَأَكَلْت ثَمَرَتَهَا سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ يَطْلُبُ شُفْعَتَهُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا وَلَيْسَ فِيهَا ثَمَرَةٌ يَوْمَ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ أَثْمَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَكَلَهَا سِنِينَ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا شَيْءَ لِلشَّفِيعِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا صَارَ لَهُ النَّخْلُ السَّاعَةَ حِينَ أَخَذَهَا، فَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ


مِمَّا أَثْمَرَتْ النَّخْلُ وَهِيَ غَيْرُ مِلْكِ الشَّفِيعِ فَلَا شَيْءَ لِلشَّفِيعِ مِنْ ذَلِكَ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى النَّخْلَ وَفِي رُءُوسِ النَّخْلِ ثَمَرَةٌ يَوْمَ اشْتَرَاهَا؟
قَالَ: قَدْ وَصَفْت لَك ذَلِكَ، إنْ كَانَتْ لَمْ تَزْهُ فَأَزْهَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، أَخَذَ الشَّفِيعُ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ طَابَتْ وَحَلَّ بَيْعُهَا فَلَمْ يَأْخُذْ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى صَرَمَ الْمُشْتَرِي النَّخْلَ، فَإِنَّ الثَّمَنَ يُقَسَّمُ عَلَى قِيمَةِ النَّخْلِ وَعَلَى قِيمَةِ الثَّمَرَةِ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ، فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ النَّخْلَ بِمَا أَصَابَ النَّخْلَ مِنْ الثَّمَنِ، وَيُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ حِينَ وَقَعَتْ وَقَعَ لِلثَّمَرَةِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْت: فَإِنْ أَدْرَكَ الشَّفِيعُ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ يَجِدَّهَا الْمُشْتَرِي، وَقَدْ كَانَ اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي بَعْدَمَا أَزْهَتْ وَطَابَتْ؟
قَالَ: يَأْخُذُ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ جَمِيعًا عِنْدَ مَالِكٍ بِالشُّفْعَةِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَدْرَكَ الشَّفِيعُ النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرَتُهَا لَمْ تَزْهُ بَعْدُ أَخَذَ الشَّفِيعُ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ بِالثَّمَنِ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت أَرْضًا وَنَخْلًا وَأَكْرَيْت الْأَرْضُ وَأَثْمَرَتْ النَّخْلُ عِنْدِي، فَأَكَلْت ذَلِكَ فَأَرَدْت أَنْ أَبِيعَ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ مُرَابَحَةً؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الثِّيَابِ وَالْحَيَوَانِ: إذَا حَالَتْ أَسْوَاقُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً حِينَ يَبِينُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي زَمَانِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرَى الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ عِنْدِي بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ.

[فِيمَنْ اشْتَرَى وَدِيًّا فَصَارَ نَخْلًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ بِالشُّفْعَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَخْلًا صِغَارًا وَدِيًّا، فَلَمْ يَأْتِ الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى صَارَ نَخْلًا كِبَارًا بَوَاسِقَ، فَجَاءَ الشَّفِيعُ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ؟
قَالَ: يَغْرَمُ قِيمَةَ مَا عَمَل الْمُشْتَرِي، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ النَّخْلَ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ كَبُرَتْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَزَرْعًا صَفْقَةً وَاحِدَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَاسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ بَعْدَمَا طَابَ الزَّرْعُ، أَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِي الزَّرْعِ الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا شُفْعَةَ لَهُ فِي الزَّرْعِ. قُلْت: فَبِمَ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْأَرْضَ، أَبِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَمْ يُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ لِلزَّرْعِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ وَقَعَ لِلزَّرْعِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ فِي الصَّفْقَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَدْ وَقَعَ لِلزَّرْعِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، فَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ وَقِيمَةِ الزَّرْعِ يَوْمَ اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، ثُمَّ يُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ مَا أَصَابَ الزَّرْعَ مِنْ الثَّمَنِ وَيَأْخُذُ الْأَرْضَ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ الثَّمَنِ. قُلْت: وَلِمَ كَانَ هَذَا فِي الزَّرْعِ هَكَذَا، وَقَدْ قُلْت فِي الطَّلْعِ إنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ فِي النَّخْلِ وَقَدْ انْتَقَلَ الطَّلْعُ إلَى حَالِ الْإِثْمَارِ وَالْيُبْسِ، أَنَّهُ يَأْخُذُ النَّخْلَ بِالشُّفْعَةِ وَلَا يُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ لِلثَّمَرَةِ شَيْءٌ، وَلَا حِصَّةَ لِلثَّمَرَةِ مِنْ الثَّمَنِ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ؟
قَالَ: لِأَنَّ الثَّمَرَةَ حَبَلٌ مَا كَانَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ النَّخْلَ لَوْ بَاعَهَا بَائِعٌ وَفِيهَا طَلْعٌ لَمْ يُؤَبَّرْ فَاسْتَثْنَى


الْبَائِعُ الطَّلْعَ لَمْ يَجُزْ اسْتِثْنَاؤُهُ، وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ كَانَ الزَّرْعُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي؟ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا. قُلْت: فَإِنَّ النَّخْلَ إذَا أُبِّرَتْ فَبَاعَهَا رَبُّهَا فَالثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ، فَقَدْ صَارَ لِلثَّمَرَةِ بَعْدَ الْإِبَارِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا جَاءَ الشَّفِيعُ فَاسْتَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ وَقَدْ انْتَقَلَتْ الثَّمَرَةُ إلَى حَالِ الْيُبْسِ وَالْإِثْمَارِ، فَلِمَ لَا تَجْعَلُ لِلثَّمَرَةِ حِصَّةً كَمَا جَعَلْت لِلزَّرْعِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الْأَرْضَ قَدْ يَبِيعُهَا صَاحِبُهَا وَيَبْقَى الزَّرْعُ لِصَاحِبِهَا، فَكَذَلِكَ النَّخْلُ إذَا كَانَتْ الثَّمَرَةُ قَدْ أُبِّرَتْ، فَإِنَّ صَاحِبَهَا يَبِيعُهَا وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ لَهُ، فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ؟
قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الشَّفِيعِ إذَا جَاءَ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَقَدْ أُبِّرَتْ النَّخْلُ: إنَّهُ يَدْفَعُ إلَى الْمُشْتَرِي مَا أَنْفَقَ فِي السَّقْيِ وَالْعِلَاجِ وَيَأْخُذُ الثَّمَرَةَ بِالشُّفْعَةِ.
قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَيْضًا فَرْقَ مَا بَيْنَهُمَا، أَنَّ الثَّمَرَةَ نِصْفُهَا لِلْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ وَأَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ لِلْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ وِلَادَةٌ وَلَيْسَ الزَّرْعُ بِوِلَادَةٍ، فَهَذَا الَّذِي سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ. وَبَلَغَنِي عَنْهُ قَالَ: وَأَمَّا إذَا اشْتَرَى النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ فَاسْتَثْنَى ثَمَرَتَهَا، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَقَدْ يَبِسَتْ الثَّمَرَةُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: يَأْخُذُ الثَّمَرَةَ وَيُعْطِي الْمُشْتَرِيَ قِيمَةَ السَّقْيِ وَالْعِلَاجِ. إنَّمَا جَعَلْته يَأْخُذُ الثَّمَرَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ جَعَلْت لَهَا حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، جَعَلْت الشَّفِيعَ يَأْخُذُ النَّخْلَ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ الثَّمَنِ، وَجَعَلْت لِلثَّمَرَةِ حِصَّةً مِنْ الثَّمَنِ، وَكَانَ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَإِنَّمَا هُوَ مَلْغِيٌّ وَتَبَعٌ لِلنَّخْلِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ مَالٌ وَاشْتَرَطَ مَالَهُ، ثُمَّ أُصِيبَ الْمَالُ وَأَصَابَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا، رَدَّهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لِلْمَالِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ مَلْغِيٌّ وَتَبَعٌ وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ لَمَا رَجَعَ إذَا رُدَّ الْعَبْدُ بِالْعَيْبِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؟ فَهَذَا أَصَحُّ أَقَاوِيلِهِ.
قَالَ: الشَّفِيعُ لَا يَأْخُذُ الثَّمَرَةَ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الثَّمَرَةِ وَقِيمَةِ النَّخْلِ، فَيُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ مَا أَصَابَ الثَّمَرَةَ مِنْ الثَّمَنِ. وَيَأْخُذُ النَّخْلَ بِمَا أَصَابَهَا مِنْ الثَّمَنِ. وَهَذَا وَالزَّرْعُ سَوَاءٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي قُلْت لَك: الْأَوَّلُ لَا حِصَّةَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ إذَا يَبِسَتْ الثَّمَرَةُ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إذَا اشْتَرَى النَّخْلُ - وَفِيهَا طَلْعٌ لَمْ يُؤَبَّرْ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّخْلِ ثَمَرَةٌ - فَهَذَا الَّذِي إذَا يَبِسَتْ الثَّمَرَةُ فَأَخَذَ الشَّفِيعُ النَّخْلَ بِالشُّفْعَةِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَلَا يَكُونُ لِلثَّمَرَةِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الثَّمَرَةَ هَهُنَا بِمَنْزِلَةِ الْحَبَلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ النَّخْلِ أَنْ يَبِيعَ النَّخْلَ وَيَسْتَثْنِي ذَلِكَ.


[كِتَابُ الشُّفْعَةِ الثَّانِي] [الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْحَاءِ]
الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْحَاءِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّحَا - رَحَا الْمَاءِ - هَلْ فِيهَا شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ فِي الْأَرْحِيَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ الَّتِي نُصِبَ بَيْتُ الرَّحَا فِيهَا بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَالنَّهْرُ يَخْرِقُ تِلْكَ الْأَرْضَ وَجَعَلَا الرَّحَا فِيهِ؟
قَالَ: إذَا بَاعَ الْبَيْتَ مَعَ الرَّحَا وَالْأَرْضُ بَيْنُهُمَا، فَأَرَى فِي الْأَرْضِ وَالْبَيْتِ الشُّفْعَةَ، وَأَمَّا فِي الرَّحَا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا. قُلْت: وَلَا تَرَى الرَّحَا مِنْ الْبُنَيَّانِ؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا شُفْعَةَ فِي رَحَا الْمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ عَرْصَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ نَصَبَا فِيهَا رَحًى، فَكَانَا يَعْمَلَانِ فِيهَا فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ الْعَرْصَةِ مَعَ الرَّحَا، فَلَيْسَ فِي الرَّحَا شُفْعَةٌ وَلَيْسَ الرَّحَا مِنْ الْبُنْيَانِ، إنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ حَجَرٍ مُلْقًى فِي الدَّارِ.
قَالَ: فَالرَّحَا فِي الْأَرْضِ مَا كَانَ يَجُرُّهُ الْمَاءُ أَوْ الدَّوَابُّ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ لَا شُفْعَةَ فِيهَا وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ.

[الشُّفْعَةُ فِي الْحَمَّامِ وَالْعَيْنِ وَالنَّهْرِ وَالْبِئْرِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْحَمَّامَ، هَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت النَّهْرَ وَالْعَيْنَ وَالْبِئْرَ إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ شِقْصًا مِنْهُ، هَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا أَرْضٌ لَمْ تُقَسَّمْ أَوْ يَبِيعُهَا وَأَرْضَهَا، فَتَكُونُ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا فِي الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ وَالنَّهْرِ وَالْأَرْضِ. فَإِنْ اشْتَرَى الْمَاءَ وَحْدَهُ وَلَا بَيَاضَ لَهُ مَعَهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: كُلُّ بِئْرٍ لَا بَيَاضَ مَعَهَا وَلَا نَخْلَ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُسْقَى بِهَا الزَّرْعُ وَالنَّخْلُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا. وَالنَّهْرُ وَالْعَيْنُ مِثْلُهَا، إنَّمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الشُّفْعَةُ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مَعَهَا، وَهَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ قَطُّ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ بِئْرًا كَانَتْ بَيْنَ


رَجُلَيْنِ وَلَهَا بَيَاضٌ وَنَخْلٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ الْمَاءِ وَتَرَكَ نَصِيبَهُ مِنْ النَّخْلِ لَمْ يُقَاسِمْ صَاحِبَهُ النَّخْلَ، كَانَ شَرِيكُهُ فِي النَّخْلِ أَحَقَّ بِشُفْعَتِهِ فِي هَذَا الْمَاءِ إذَا كَانَ الْبَائِعُ بَاعَ أَصْلَ الْمَاءِ إذَا كَانَتْ النَّخْلُ وَالْأَرْضُ لَمْ تُقَسَّمْ. قُلْت: وَإِنْ اقْتَسَمُوا النَّخْلَ وَالْأَرْضَ ثُمَّ بَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ حَظَّهُ مِنْ الْمَاءِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؟


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #263  
قديم 04-01-2026, 07:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 241الى صــ 250
الحلقة(263)






قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَاءِ وَالنَّخْلِ لَمْ يَكُنْ لِشَرِيكِهِ فِيهِ شُفْعَةٌ بَعْدَ أَنْ يُقَاسِمَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهَا بَيَاضٌ بِغَيْرِ نَخْلٍ كَانَ مِثْلَ مَا وَصَفْت لَك فِي النَّخْلِ؛ لِأَنَّ النَّخْلَ قَدْ قُسِّمَ.

[اشْتَرَى شِرْبًا فَغَارَ بَعْضُ الْمَاءِ]
فِيمَنْ اشْتَرَى شِرْبًا فَغَار بَعْضُ الْمَاءِ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - أَنْ أَشْتَرِيَ شِرْبَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ هَذَا النَّهْرِ لِأَسْقِيَ بِهِ زَرْعِي وَلَمْ أَشْتَرِ أَصْلَ الْمَاءِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ اشْتَرَى رَجُلٌ شِرْبَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ يَسْقِي بِهِ زَرْعَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، فَغَارَ الْمَاءُ، فَعَلِمَ أَنَّ الَّذِي غَارَ مِنْ الْمَاءِ هُوَ ثُلُثُ الشِّرْبِ الَّذِي اشْتَرَى أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مِنْ الثُّلُثِ، إذَا كَانَ مَا غَارَ مِنْ الْمَاءِ يَضُرُّ بِهِ فِي سَقْيِهِ وَجَاءَ مِنْ نُقْصَانِهِ ضَرَرٌ بَيِّنٌ، فَإِنَّهُ يُوضَعُ عَنْهُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى الثُّلُثِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنَّ كُلَّ مَا كَثُرَ مِنْ الْمَاءِ حَتَّى قَطَعَ ذَلِكَ سَقْيَهُ وُضِعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: مَا أُصِيبَ مِنْ الثِّمَارِ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، رَأَيْت أَنْ يُوضَعَ عَنْهُ، وَلَمْ يَرَ مَا هَلَكَ مِنْ الْمَاءِ مِثْلَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مِنْ الْجَرَادِ وَالْبَرَدِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
قَالَ: وَأَرَى الْمَاءَ مِنْ سَبَبِ مَا بَاعَ بِهِ الْبَائِعُ فَأَرَى أَنْ يُوضَعَ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ، فَكَذَلِكَ الْمَاءُ عِنْدِي إذَا أَتَى مِنْهُ مَا يَضُرُّهُ وَيَنْقَطِعُ عَنْهُ بَعْضُ مَا اشْتَرَاهُ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي فَسَدَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا خَطْبَ لَهُ.

[الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ أَوْ نَخْلٌ لَمْ يَشْتَرِطْهُ]
مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَرْضَ وَفِيهَا زَرْعٌ أَوْ نَخْلٌ لَمْ يَشْتَرِطْهُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ وَلَمْ أَذْكُرْ الزَّرْعَ لِمَنْ يَكُونُ الزَّرْعُ؟
قَالَ: الزَّرْعُ زَرْعُ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ. قُلْت: فَإِنْ اشْتَرَيْت أَرْضًا وَفِيهَا نَخْلٌ وَلَمْ أَشْتَرِطْ النَّخْلَ وَلَمْ أَذْكُرْ النَّخْلَ عِنْدَ ابْتِيَاعِي إيَّاهُ، لِمَنْ تَكُونُ النَّخْلُ؟
قَالَ: إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ أَرْضًا وَفِيهَا شَجَرٌ، فَالشَّجَرُ تَبَعٌ لِلْأَرْضِ، فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ أَبِيعُك الْأَرْضَ بِغَيْرِ شَجَرٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اشْتَرَى الدَّارَ، كَانَ جَمِيعُ مَا فِي الدَّارِ مِنْ الْبُنْيَانِ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يُسَمُّوا الْبُنْيَانَ فِي الشِّرَاءِ. أَلَا تَرَى أَنْ لَوْ اشْتَرَى كَرْمًا، أَمَا كَانَ يَكُونُ لَهُ مَا فِيهِ مِنْ

الشَّجَرِ مِنْ رُمَّانَةٍ أَوْ تُفَّاحَةٍ أَوْ أُتْرُجَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ اشْتِرَاءُ الْأَرْضِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي، لِأَنِّي سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِأَصْلِ حَائِطٍ لَهُ، كَانَتْ الْأَرْضُ تَبَعًا لِلْأَصْلِ، وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِأَرْضٍ وَفِيهَا نَخْلٌ كَانَتْ النَّخْلُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ.
قَالَ مَالِكٌ: الْأَرْضُ مِنْ الْأَصْلِ وَالْأَصْلُ مِنْ الْأَرْضِ فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ.

[فِيمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا بِعَبْدٍ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ ثُمَّ أَتَى الشَّفِيعُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت أَرْضًا بِعَبْدٍ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ مِنْ يَوْمِي أَوْ مَنْ الْغَدِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ أَسْوَاقُ الْعَبْدِ، فَقَالَ مُشْتَرِي الْأَرْضُ أَنَا آخُذُ الْعَبْدَ وَأَرُدُّ الْبَيْعَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ. قُلْت: وَعَلَى مَنْ تَكُونُ عُهْدَةُ الشَّفِيعِ؟
قَالَ: عَلَى الْمُشْتَرِي. قُلْت: وَبِمَ يَأْخُذُ النِّصْفَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّى اشْتَرَيْت نَخْلًا لَهَا شَفِيعٌ، أَوْ شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ أَوْ شِقْصًا مَنْ دَارٍ، فَأَتَى الشَّفِيعُ فَاكْتَرَى الْأَرْضَ مِنِّي أَوْ عَامَلَنِي فِي النَّخْلِ أَوْ اكْتَرَى الدَّارَ مِنِّي أَوْ سَاوَمَنِي بِجَمِيعِ ذَلِكَ لِيَبْتَاعَهُ مِنَى، ثُمَّ طَلَب بَعْدَ ذَلِكَ الشُّفْعَةَ، أَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الشَّفِيعُ عَلَى الشُّفْعَةِ حَتَّى يَتْرُكَ أَوْ يَأْتِيَ مِنْ طُولِ الزَّمَانِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ تَارِكٌ لِلشُّفْعَةِ.
قَالَ فَقُلْت لِمَالِكٍ: فَالسِّتَّةُ الْأَشْهُرِ وَالتِّسْعَةُ الْأَشْهُرِ وَالسَّنَةُ؟
قَالَ: أَمَّا مَا هُوَ دُونَ السَّنَةِ فَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ. وَقَالَ مَالِكٌ: السَّنَةُ مَا هُوَ عِنْدِي بِالْكَثِيرِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَرَى مَا سَأَلْت عَنْهُ مِنْ قَوْلِك أَنَّهُ اكْتَرَى مِنْهُ أَوْ سَاقَاهُ أَوْ سَاوَمَهُ بِذَلِكَ لِيَشْتَرِيَهُ، فَهَذَا تَسْلِيمٌ مِنْهُ لِشُفْعَتِهِ وَلَا أَرَى لَهُ فِيهَا شُفْعَةً. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت نَخْلًا لِأَقْلَعَهَا، ثُمَّ أَشْتَرِي الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَقْرَرْت النَّخْلَ فِيهَا، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهَا وَأَرَادَ أَخْذَ مَا بَقِيَ بِالشُّفْعَةِ، فَقُلْت لَهُ إنَّمَا اشْتَرَيْت النَّخْلَ لِأَقْلَعَهَا، ثُمَّ اشْتَرَيْت الْأَرْضَ فَتَرَكْتهَا. فَأَمَّا إذَا صِرْت تَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ فَخُذْ الْأَرْضَ، فَأَمَّا النَّخْلُ فَإِنِّي أَقْلَعُهَا؟
قَالَ: لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْلَعَ النَّخْلَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ قَدْ صَارَ شَرِيكًا لَهُ فِي جَمِيعِ النَّخْلِ، فَإِنْ رَضِيَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ أَخَذَ جَمِيعَ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ، وَإِنْ أَبِي أَنْ يَأْخُذَ إلَّا حِصَّتَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ، كَانَ الْمُشْتَرِي مُخَيَّرًا، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الْأَرْضِ وَنِصْفَ النَّخْلِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ. إذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ شُفْعَتَهُ فِي نِصْفِ الْأَرْضِ وَنِصْفِ النَّخْلِ، أَخَذَهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْمُشْتَرِي.

[فِيمَنْ اشْتَرَى نَقْضَ شِقْصٍ وَالشَّرِيكُ غَائِبٌ]
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت نَقْضَ شِقْصٍ فِي الدَّارِ وَالشَّرِيكُ غَائِبٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ


لَا؟ وَكَيْفَ إنْ اشْتَرَيْت نَصِيبَ رَجُلٍ فِي نَخْلٍ وَشَرِيكُهُ فِيهَا غَائِبٌ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ النَّخْلَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الِاشْتِرَاءُ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْلَعَ مَا اشْتَرَى؛ لِأَنَّ لِلشَّرِيكِ فِيهِ النِّصْفَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَائِعَ نَفْسَهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْلَعَ حِصَّتَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ مَا لَيْسَ لَهُ. أَلَا تَرَى أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُقَاسِمَ شَرِيكَهُ النَّخْلَ وَحْدَهَا عَلَى أَنْ يَقْلَعَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَاسِمَهُ النَّخْلَ وَالْأَرْضَ جَمِيعًا فَيَصْنَعُ فِي نَخْلِهِ مَا شَاءَ، فَإِمَّا أَنْ يُقَاسِمَهُ النَّخْلَ وَحْدَهَا وَيَتْرُكَ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا فَيَقْلَعَ نَخْلَهُ أَوْ يَتْرُكَ نَخْلَ صَاحِبِهِ فِي الْأَرْضِ، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّى اشْتَرَيْت نَقْضَ دَارٍ عَلَى أَنْ أَقْلَعَهُ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ، أَيَكُونُ لِمُشْتَرِي النَّقْضِ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ النَّقْضِ عَلَى الْبَائِعِ مِمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِذَا رَدَّهُ، أَيَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ فِي هَذَا النَّقْضِ شُفْعَةٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُسْتَحِقَّ لَيْسَتْ لَهُ شُفْعَةٌ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَبِعْ الْأَرْضَ، إنَّمَا بَاعَ النَّقْضَ وَحْدَهُ وَالْأَرْضُ أَرْضُهُ، فَلَا تَكُونُ لَهُ فِي النَّقْضِ شُفْعَةٌ. وَإِنَّ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَ النَّقْضَ بِالْقِيمَةِ، إنَّمَا ذَلِكَ رَجُلٌ بَاعَ نَقْضَ دَارِهِ كُلَّهُ عَلَى أَنْ يَقْلَعَهُ الْمُشْتَرِي، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الْأَرْضَ دُونَ الْبِنَاءِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَنَا أَقْلَعُ، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: أَنَا أُعْطِيَك قِيمَةَ بُنْيَانِك، إنَّ ذَلِكَ لِلْمُسْتَحِقِّ وَيُعْطِيهِ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ وَلَكِنْ يُعْطِيهِ قِيمَتَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ وَجْهِ أَنَّهُ شَفِيعٌ فِي هَذَا، وَلَكِنْ مِنْ وَجْهِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا ضَرَر وَلَا ضِرَارَ» فَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ نَقْضِهِ فَلَيْسَ عَلَى الْمُشْتَرِي الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَقْلَعَ النَّقْضَ ضَرَرٌ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ نَخْلًا لَهُ فِي أَرْضِهِ عَلَى أَنْ يَقْلَعَهُ الْمُشْتَرِي، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الْأَرْضَ دُونَ النَّخْلِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى مُشْتَرِي النَّخْلِ قِيمَةَ النَّخْلِ مَنْقُوضًا، وَالْبَيْعُ جَائِزٌ فِيمَا بَيْنَ مُشْتَرِي النَّخْلِ وَبَيْنَ الْبَائِعِ وَيُقَالُ لِلْمُسْتَحِقِّ ادْفَعْ قِيمَةَ النَّخْلِ إلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْمُشْتَرِي اقْلَعْ نَخْلَك. فَهَذَا وَالنَّقْضُ فِي هَذَا الْوَجْهِ سَوَاءٌ.
وَهَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَرَسَ فِي أَرْضِ رَجُلٍ لَا يَظُنُّهَا إلَّا لَهُ، فَاسْتَحَقَّهَا أَوْ اكْتَرَى أَرْضًا سِنِينَ فَانْقَضَتْ سُنُوهُ، كَانَ مُسْتَحِقُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْأَرْضِ الَّذِي أَكْرَاهَا بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ شَجَرِهِ، إلَّا أَنَّهُ فِي الْكِرَاءِ يَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ شَجَرِهِ مَقْلُوعًا، وَفِي الَّذِي غَرَسَ وَلَا يَظُنُّهَا إلَّا لَهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَتَهُ غَيْرَ مَقْلُوعٍ؛ لِأَنَّهُ غَرَسَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرْضَ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ شَجَرِهِ، قِيلَ لَهُ أَسْلِمْ أَرْضَك بِقِيمَتِهَا، فَإِنْ أَبَيَا جَمِيعًا، أَبَى هَذَا أَنْ يَأْخُذَ الشَّجَرَ بِقِيمَتِهَا غَيْرَ مَقْلُوعَةٍ، وَأَبَى هَذَا أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ بِقِيمَتِهَا، كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي هَذَا، هَذَا بِقِيمَةِ شَجَرِهِ وَهَذَا بِقِيمَةِ أَرْضِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.


[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الدَّارَ فَيَهْدِمُهَا أَوْ يَهْدِمُهَا رَجُلٌ تَعَدِّيًا ثُمَّ تُسْتَحَقُّ فَهَلْ يَضْمَنْ]
ْ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت دَارًا فَهَدَمْتهَا ثُمَّ بَنَيْتهَا، أَوْ هَدَمَهَا رَجُلٌ أَجْنَبِيٌّ مَنْ النَّاسِ، أَوْ تَهَدَّمَتْ مِنْ أَمْرٍ مَنْ السَّمَاءِ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهَا، أَيَكُونُ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا هَدَمَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِيمَا هَدَمَ الْمُشْتَرِي مِمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَوَسَّعَ بِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ هَدَمَ فَبَاعَ النَّقْضَ، فَإِنَّ لَهُ نِصْفَ ثَمَنِ النَّقْضِ وَيَفُضُّ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى قِيمَةِ النَّقْضِ الَّذِي بَاعَ وَعَلَى قِيمَةِ قَاعَةِ الدَّارِ، فَيَنْظُرُ إلَى النَّقْضِ الَّذِي بَاعَ كَمْ هُوَ مِنْ الدَّارِ ثُلُثٌ أَوْ رُبُعٌ أَوْ نِصْفٌ، فَيَكُونُ لَهُ فِيمَا بَقِيَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالشُّفْعَةِ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ حِصَّةِ الثَّمَنِ، وَيَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ النَّقْضِ مِنْ قِيمَةِ الْعَرْصَةِ كَمْ كَانَ مِنْهَا، فَيُفَضُّ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ يَأْخُذُ الْعَرْصَةَ بِاَلَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ حِصَّةِ الثَّمَنِ.
قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ هَدَمَهَا إنْسَانٌ ظُلْمًا فَلَمْ يَأْخُذْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ ثَمَنًا حَتَّى اسْتَحَقَّ هَذَا نِصْفَ الدَّارِ، فُضَّ الثَّمَنُ عَلَى مَا هُدِمَ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ مِنْهُ، ثُمَّ أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِمَا يُصِيبُهَا مِنْ حِصَّةِ الثَّمَنِ، ثُمَّ أَتْبَعَ الْمُشْتَرَى الْغَاصِبَ بِنِصْفِ قِيمَةِ مَا قَلَعَ وَكَانَ لَهُ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا بَاعَ وَأَتْبَعَهُ الْمُسْتَحِقُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ كَانَ تَرَكَ لِلْهَادِمِ قِيمَةَ مَا هَدَمَ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا هَذَا الْمُسْتَحِقُّ؟ قَالَ: فَلِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْهَادِم نِصْفُ قِيمَةِ ذَلِكَ وَسَقَطَتْ عَنْهُ حِصَّةُ الْمُشْتَرِي. قُلْت: فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا، أَيَرْجِعُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ؟
قَالَ: لَا.
قَالَ: وَلَيْسَ مَا انْهَدَمَ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ مِمَّا لَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا هُدِمَ فَبَاعَهُ أَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ أَوْ هَدَمَهُ هَادِمٌ عَلَى وَجْهِ الظُّلْمِ، فَقَدْ صَارَ مَا هُدِمَ ضَامِنًا لِلْمُشْتَرِي فَجَرَى عِنْدِي مَجْرَى الْبَيْعِ. قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَهَبَهُ لِرَجُلٍ ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهُ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْمُسْتَحِقِّ: إنْ شِئْت فَاتْبَعْ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ وَإِلَّا فَاطْلُبْ الْعَبْدَ، فَإِنْ وَجَدْته أَخَذْته وَلَا شَيْءَ لَك عَلَى الْمُشْتَرِي الْوَاهِبِ. قُلْت: وَالنِّصْفُ الَّذِي اسْتَحَقَّ وَالنِّصْفُ الَّذِي يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ سَوَاءٌ عِنْدَك وَسَوَاءٌ مَسْأَلَتِي فِي النَّقْضِ؟
قَالَ: نَعَمْ. ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَهْدِمْ مَا هَدَمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي، لَا فِي النِّصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّ وَلَا فِي النِّصْفِ الَّذِي أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ هَدَمَ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ لَهُ مِلْكٌ وَلَيْسَ بِغَاصِبٍ وَلَا مُتَعَدٍّ.

[الشُّفْعَةُ فِيمَا وُهِبَ لِلثَّوَابِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت شِقْصًا لِي فِي دَارٍ عَلَى عِوَضٍ، أَوْ تَصَدَّقْت بِهِ عَلَى عِوَضٍ، أَوْ أَوْصَيْت بِهِ عَلَى عِوَضٍ، أَتَكُونُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا كُلُّهُ بَيْعٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَفِيهِ الشُّفْعَةُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ تَصَدَّقَ عَلَى عِوَضٍ فَهُوَ بَائِعٌ. قُلْت


وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ فِي جَمِيعِ هَذَا بِقِيمَةِ الْعِوَضِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدِ الْوَاهِبِ لَمْ يَدْفَعْهَا بَعْدُ، أَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ وَهَبَ الدَّارَ عَلَى عِوَضٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْعِوَضِ، إنْ كَانَ عَرَضًا وَإِنْ كَانَ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ وَرِقًا أَوْ ذَهَبًا أَخَذَهَا بِذَلِكَ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِحِنْطَةٍ أَوْ بِشَعِيرٍ أَوْ زَيْتٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الطَّعَامِ أَوْ الْإِدَامِ، أَخَذَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَبِمِثْلِ كَيْلِهِ وَبِمِثْلِ صِنْفِهِ قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ هِبَتَهُ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ قَالَ: وَإِنْ كَانَ إنَّمَا وَهَبَ الدَّارَ عَلَى عِوَضٍ يَرْجُوهُ وَلَمْ يُسَمِّهِ، فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ إلَّا بَعْدَ الْعِوَضِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت شِقْصًا فِي دَارٍ عَلَى ثَوَابٍ أَرْجُوهُ، أَيَكُونُ لِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ وَيَرْجِعَ فِيهَا مَنْ قَبْلِ أَنْ يُثَابَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا أَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِقِيمَتِهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا. وَإِنْ هُوَ أَثَابَهُ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا فَيَأْخُذَهَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ عَلَى حَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ بِنَمَاءٍ وَلَا نُقْصَانٍ، فَلِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يَأْخُذَهَا إذَا لَمْ يَثِبْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِقِيمَتِهَا، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الَّذِي وُهِبَتْ لَهُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى ثَوَابٍ إنْ كَانَتْ الدَّارُ لَمْ تَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا؟
قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ غَيْرَ الدَّارِ، فَوَهَبَ حَيَوَانًا أَوْ غَيْرَهُ فَهُوَ سَوَاءٌ أَيْضًا مِثْلَ مَا وَصَفْت لَك. وَإِنَّمَا يُقَالُ لِصَاحِبِ الدَّارِ: خُذْهَا إنْ شِئْت وَلَا شَيْءَ لَك غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَقْبَلَ مَا أَثَابَك بِهِ إنْ كَانَ أَثَابَك بِأَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُثِبْك بِشَيْءٍ لَمْ يُجْبَرْ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى ثَوَابٍ، إلَّا أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى رَدِّ الْهِبَةِ إنْ كَانَتْ لَمْ تَتَغَيَّرْ، فَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَغَيَّرَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَا رَبِّ الْهِبَةِ، فَإِنْ كَانَتْ تَغَيَّرَتْ الدَّارُ أُجْبِرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا عَلَى مَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، وَيُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ الْآنَ بِالشُّفْعَةِ أَوْ دَعْ إذَا قَضَى عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ بِقِيمَتِهَا. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَهَا لَهُ رَجُلٌ جَاءَ الثَّوَابَ، فَتَغَيَّرَتْ الدَّارُ فِي يَدَيَّ الْمَوْهُوبِ لَهُ، ثُمَّ أَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِأَكْثَرَ مَنْ قِيمَةِ الدَّارِ أَضْعَافًا، أَيُقَالُ لِلشَّفِيعِ خُذْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَوْ دَعْ أَوْ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يَأْخُذَهَا بِجَمِيعِ مَا أَثَابَهُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَهَبُونَ الْهِبَاتِ لِلثَّوَابِ رَجَاءَ أَنْ يَأْخُذُوا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ مَا أَعْطُوا، وَإِنَّمَا رَجَعُوا إلَى الْقِيمَةِ حِينَ تَشَاحُّوا بَعْدَ تَغْيِيرِ السِّلْعَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْهِبَةَ لَوْ كَانَتْ عَلَى حَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ رُدَّتْ إلَّا أَنْ يُمْضِيَهَا الْوَاهِبُ بِغَيْرِ شَيْءٍ. وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَ النَّاسِ هِبَةُ الثَّوَابِ إنَّمَا يَطْلُبُونَ بِهَا كَفَافَ الثَّمَنِ لَمَا وَهَبَ أَحَدٌ لِثَوَابٍ، وَلَحَمَلَهَا عَلَى وَجْهِ السُّوقِ فَانْتَقَدَ الثَّمَنَ، وَلَكِنَّهُمْ رَجَوَا الْفَضْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْفَضْلِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت، شِقْصًا فِي دَارٍ رَجَاءَ الثَّوَابِ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُهَا السَّاعَةَ بِالْقِيمَةِ أَيَكُونُ ذَلِكَ لِلشَّفِيعِ؟
قَالَ


قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً رَجَاءَ الثَّوَابِ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالشُّفْعَةِ إلَّا بَعْدَ الثَّوَابِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَوْصَيْت أَنْ يُبَاعُ شِقْصٌ لِي مَنْ دَارٍ مَنْ فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا فَلَمْ يَقْبَلْ الْمُوصَى لَهُ بِالْبَيْعِ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي لَا أَرَى لَهُ الشُّفْعَةَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ رَجُلٌ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ بِعْت شِقْصِي هَذَا مِنْ فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا إنْ قَبِلَهُ، فَيَقُولُ: لَا أَقْبَلُ، فَلَا تَكُونَ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ مِنْ الرَّجُلِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ: إنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِهِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي أَوْ يَدَعَ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ؟
قَالَ: الْخِيَارُ إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ فَهَذَا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ.

[بَابُ الْهِبَةِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت هِبَةً لِغَيْرِ الثَّوَابِ وَلَا لِرَجَاءِ الثَّوَابِ، فَعَوَّضَنِي مِنْهَا فَقَبِلْت عِوَضَهُ، أَيَكُونُ هَذَا بَيْعًا وَتَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ الْهِبَةُ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ لِلرَّحِمِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ، لَا يُرِيدُ بِهَا ثَوَابًا ثُمَّ أَثَابَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ فِيهِ قَضَاءٌ مِنْ الْقَاضِي، فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِصَدَقَةٍ، فَأَثَابَهُ الَّذِي تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِثَوَابٍ، ثُمَّ أَتَى الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُ ثَوَابَهُ وَقَالَ: إنِّي ظَنَنْت أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُنِي، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَلْزَمُنِي فَأَنَا أَرْجِعُ فِيهِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ، وَإِنْ فَاتَ لَمْ أَرَ عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئًا. فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ثَوَابَهُ إذَا وَجَدَهُ، فَإِنَّ مَسْأَلَتَك أَنَّهُ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَطَوَّعَ بِهِ الْوَاهِبُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ فِيهِ ثَوَابٌ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ كَانَ لِابْنِي وَابْنِي صَغِيرٌ فِي عِيَالِي - عَلَى عِوَضٍ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْهِبَةُ وَتَكُونُ فِيهَا الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ حَابَى الْأَبُ الْمَوْهُوبَ لَهُ، أَتَجُوزُ مُحَابَاتُهُ فِي مَالِ ابْنِهِ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْعِوَضِ أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الشِّقْصِ الَّذِي وَهَبَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ. قَالَ: لَا تَجُوزُ مُحَابَاتُهُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ فِي مَالِ ابْنِهِ. قُلْت: وَكَيْفَ يَصْنَعُ بِهَذَا الشِّقْصِ الَّذِي حَابَى فِيهِ الْأَبَ، أَيَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ مِنْهُ شَيْءٌ وَيُرَدُّ كُلُّهُ. قُلْت: وَلِمَ رَدَدْته كُلَّهُ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَبِ مَالَ ابْنِهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ وَابْتِغَاءِ الْفَضْلِ لَهُ، فَإِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ مَا وَهَبَ الْأَبُ وَلَا مَا حَابَى وَلَا مَا تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَلَا مَا أَعْتَقَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَبُ مُوسِرًا فِي الْعِتْقِ


وَحْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ فِي الْعِتْقِ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ فِي مَالِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْهِبَةِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا.

قُلْت: أَرَأَيْت الْوَصِيَّ إذَا وَهَبَ شِقْصًا فِي دَارِ الصَّبِيِّ لِلثَّوَابِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ رَبَاعَ الْيَتَامَى إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، مِثْلَ السُّلْطَانِ يَكُونُ جَارًا لَهُ أَوْ الرَّجُلِ الْمُوسِرِ يَكُونُ جَارًا لِهَذَا الْيَتِيمِ، فَيُعْطِيه بِنَصِيبِهِ مِنْ الدَّارِ أَوْ بِدَارِهِ أَوْ بِقَرْيَتِهِ أَوْ بِحَائِطِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا، مِمَّا يَعْرِفُ أَنْ بِيعَهَا غَبَطَهُ فِي ذَلِكَ وَنَظَرَ لِلصَّبِيِّ، أَوْ يَكُونُ لَيْسَ فِي غَلَّتِهَا مَا يَحْمِلُهُ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَجُزْ. فَمَسْأَلَتُك إنْ كَانَ الَّذِي وَهَبَ لَهُ عَلَى عِوَضٍ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَلِلشَّفِيعِ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَمَا كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ فَلَيْسَ يَجُوزُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبَ الْمُكَاتَبَ شِقْصًا لَهُ فِي دَارٍ عَلَى ثَوَابٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: هَذَا بَيْعٌ، وَهُوَ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَكُنْ يُحَابِي عِنْدَ مَالِكٍ، وَتَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَمَا وَصَفْت لَك. قُلْت: وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ هَذَا بَيْعًا فَهُوَ مِنْ التِّجَارَةِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا، فَبِيعَ الشِّقْصُ الْآخَرُ بَيْعًا بَتَلَهُ بَائِعُهُ بِغَيْرِ خِيَارٍ، لِمَنْ الشُّفْعَةُ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى الشُّفْعَةَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ قَبِلَ الْبَيْعَ، وَكَانَ أَوْلَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا اشْتَرَى صَاحِبُهُ. وَإِنْ رَدَّ أَيْضًا الَّذِي كَانَ لَهُ الْخِيَارُ الْبَيْعَ، كَانَ بَائِعُهُ أَوْلَى بِالشُّفْعَةِ فِيمَا بَاعَ صَاحِبُهُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت دَارًا عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا، فَانْهَدَمَتْ الدَّارُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرُدَّهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَك أَنْ تَرُدَّهَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْك فِيمَا انْهَدَمَ مِنْهَا شَيْءٌ. قُلْت: وَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَوْ رَدَّهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، فَكَذَلِكَ إذَا انْهَدَمَتْ فَرَدَّهَا فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا أَيْضًا.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَزَوَّجْت عَلَى شِقْصٍ فِي دَارٍ أَوْ خَالَعْتُ امْرَأَتِي عَلَى شِقْصٍ مَنْ دَارٍ، أَتَكُونُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، مِثْلُ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ. قُلْت: فَإِنْ صَالَحْت مِنْ دَمِ عَمْدٍ كَانَ قَدْ وَجَبَ عَلَيَّ بِشِقْصٍ لِي فِي دَارٍ، أَتَكُونُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَبِمَاذَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ فِي دَمِ الْعَمْدِ الشِّقْصَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ؟
قَالَ: أَمَّا فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ قَالَ لِي مَالِكٌ: يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَتِهِ.
قَالَ: وَأَرَى الدَّمَ الْعَمْدَ مِثْلَ ذَلِكَ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الدَّمُ خَطَأً فَصَالَحَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شِقْصٍ لَهُ فِي دَارٍ؟
قَالَ: يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِالدِّيَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخَذَهَا بِهِ هَذَا الَّذِي وَجَبَ لَهُ الدَّمُ إنَّمَا أَخَذَ الشِّقْصَ بِمَالٍ قَدْ وَجَبَ لَهُ وَهِيَ الدِّيَةُ. قُلْت:


وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي مِثْلَ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الشُّفْعَةِ إذَا اشْتَرَيْت الدَّارَ بِالدَّرَاهِمِ فَكَذَلِكَ هَذَا، إنَّمَا أَخَذَهَا بِالدِّيَةِ، وَالدِّيَةُ دِرْهَمٌ أَوْ دَنَانِيرُ إلَّا أَنِّي أَرَى إنْ كَانَ الَّذِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِبِلِ، أَخَذَ الدَّارَ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْإِبِلِ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ أَخَذَ مِنْهُ الذَّهَبَ، وَأَنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ أَخَذَ مِنْهُ الْوَرِقَ، وَتُقْطَعُ عَلَى الشَّفِيعِ نُجُومًا كَمَا كَانَتْ تُقْطَعُ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، إنْ كَانَتْ الدِّيَةُ كَامِلَةً فَفِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ كَانَتْ الثُّلُثَيْنِ فَفِي سَنَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ ثُلُثَ دِيَةٍ فَفِي سَنَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ نِصْفَ دِيَةٍ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: أَرَى اجْتِهَادَ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى. فَقُلْنَا لَهُ: أَلَا تَكُونُ فِي سَنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: مَا أَجِدُ فِيهِ حَدًّا، وَلَكِنْ أَرَى اجْتِهَادَ الْإِمَامِ يَسَعُهُ، فَأَرَى لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِمِثْلِ مَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الدِّيَةُ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ إذَا كَانَ النِّصْفُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا آخُذُ بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ، فِي سَنَتَيْنِ تُقْطَعُ نِصْفُ الدِّيَةِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اسْتَأْجَرْت إبِلًا إلَى مَكَّةَ بِشِقْصٍ لِي فِي دَارٍ فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، بِمَ يَأْخُذُهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهَا بِمِثْلِ كِرَاءِ الْإِبِلِ إلَى مَكَّةَ. قُلْت: وَيَكُونُ فِي مِثْلِ هَذَا شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَكَفَّلْت بِنَفْسِ رَجُلٍ فَغَابَ الْمَكْفُولُ بِهِ، فَطَلَبَنِي الَّذِي تَكَفَّلْت لَهُ بِهِ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَصَالَحْتُهُ مِنْ الْكَفَالَةِ الَّتِي تَكَفَّلْت لَهُ عَلَى شِقْصٍ فِي دَارٍ؟ فَقَالَ: إذَا عَلِمَ مَا الدَّيْنُ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ تَكَفَّلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ الْمَالُ الَّذِي عَلَى الْمَكْفُولِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ، فَهَذَا حِينَ تَكَفَّلَ بِنَفْسِ هَذَا الرَّجُلِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْمَالِ. فَإِذَا صَالَحَ وَقَدْ عَرَفَا الْمَالَ الَّذِي عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ بِنَفْسِهِ فَالصُّلْحُ جَائِزٌ، وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالدَّيْنِ الَّذِي كَانَ لِلْمَكْفُولِ لَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ الشِّقْصُ الدَّيْنَ الَّذِي كَانَ لَهُ. قُلْت: وَبِمَ يَرْجِعُ الَّذِي دَفَعَ الشِّقْصَ عَلَى الَّذِي تَكَفَّلَ عَنْهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ إلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، إنْ شَاءَ دَفَعَ إلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ، وَإِنْ شَاءَ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ الدَّارِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الدَّارِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَنِ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا الدَّيْنُ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ إنَّمَا غَرِمَ عَنْهُ هَذَا فَقَطْ، فَالْمَكْفُولُ عَنْهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ، هَذَا رَأْيِي، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَالَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَصْلُحُ الصُّلْحُ فِيهِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَكَفَّلْت بِنَفْسِ رَجُلٍ وَلَمْ يُذْكَرْ مَا عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ مَنْ الْمَالِ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْكَفَالَةُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ غَابَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ وَطَلَب الْمَكْفُولُ لَهُ هَذَا الْكَفِيلَ بِمَا كَانَ لَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنَ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَخَذَ بِبَيِّنَتِهِ حَقَّهُ. قُلْت: وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ وَادَّعَى أَنَّ لَهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْكَفِيلَ عَلَى عِلْمِهِ، أَيَكُونُ


لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ نَكِلَ عَنْ الْيَمِينِ هَذَا الْكَفِيلُ؟
قَالَ: يَحْلِفُ الْمَكْفُولُ لَهُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ صَالَحْت مَنْ قَذَفَ لِرَجُلٍ عَلَى شِقْصٍ لِي فِي دَارٍ فَدَفَعْته إلَيْهِ، أَيَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ وَتَكُونُ فِيهِ الشُّفْعَةُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى الصُّلْحَ فِي هَذَا جَائِزًا؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ لَا عَفْوَ فِيهَا إذَا بَلَغَتْ السُّلْطَانَ، فَلَا يَصْلُحُ فِيهَا الصُّلْحُ عَلَى مَالٍ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى السُّلْطَانِ، إنَّمَا فِيهَا الْعَفْوُ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ بَلَغَتْ السُّلْطَانَ أُقِيمَ الْحَدُّ. وَلَا يُعْرَفُ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. وَكَذَلِكَ الْمُحَارِبُ إذَا أَخَذَهُ قَوْمٌ وَلَهُمْ قِبَلَهُ دَمٌ قَدْ قَتَلَ وَلِيَّهُمْ، فَأَخَذُوهُ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ، فَلَيْسَ عَفْوُهُمْ عَفْوًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالِحُوهُ مِنْ الدَّمِ عَلَى مَالٍ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ وَالْمَالُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَا عَفْوَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَإِنْ بَلَغُوا السُّلْطَانَ. قُلْت: تَحْفَظُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَجَّنِي رَجُلٌ مُوضِحَتَيْنِ وَاحِدَةً عَمْدًا وَأُخْرَى خَطَأً فَصَالَحْته مِنْ ذَلِكَ عَلَى شِقْصٍ لَهُ فِي دَارٍ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِدِيَةِ مُوضِحَةٍ خَطَأً وَبِنِصْفِ قِيمَةِ الشِّقْصِ، لِأَنِّي قَسَمْتُ الشِّقْصَ عَلَى الْمُوضِحَتَيْنِ، فَصَارَ نِصْفٌ هَهُنَا وَنِصْفٌ هَهُنَا، فَصَارَ مَا صَارَ لِلْخَطَأِ مِنْ ذَلِكَ مَالًا، وَمَا صَارَ مِنْ ذَلِكَ لِلْعَمْدِ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ، وَإِنَّمَا صَارَ لِلْعَمْدِ نِصْفُ الشِّقْصِ. وَهَذَا مِثْلُ مَا أَخْبَرْتُك مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَفِي جِرَاحِ الْعَمْدِ: لَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ، إنَّمَا هُوَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَالَ لِي مَالِكٌ: لَيْسَ فِيهِ دِيَةٌ، إنَّمَا هُوَ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، كَانَ فِيمَا صَارَ لِلْعَمْدِ قِيمَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ

[الشُّفْعَةُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْبَيْعَ الْفَاسِدَ، هَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ فِي الدُّورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ: وَفِي الدُّورِ لَا أَرَى الْفَوْتَ فِيهَا وَإِنْ تَطَاوَلَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا الْفَوْتُ فِي الدُّورِ الْهَدْمُ وَالْبُنْيَانُ، فَإِذَا تَفَاوَتَتْ بِهَدْمٍ أَوْ بُنْيَانٍ كَانَتْ عَلَى الْمُشْتَرِي الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ رَدَّهَا. فَأَرَى الْآنَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِمَا لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ مِنْ الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ الْآنَ بَيْعًا لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهَا، وَإِنْ كَانَ أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِيهَا بُنْيَانًا لَمْ يَأْخُذْهَا حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ مَعَ الْقِيمَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْهَدَمَتْ لَمْ يُوضَعْ لِلشَّفِيعِ مِنْ قَبْلِ الْهَدْمِ شَيْءٌ، وَقِيلَ لَهُ خُذْهَا بِقِيمَتِهَا الَّتِي لَزِمْت الْمُشْتَرِيَ أَوْ دَعْ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ فُسِخَ الْبَيْعُ، وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى الشَّفِيعِ شُفْعَتَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَصِيرُ صَفْقَتُهُ مِثْلَ صَفْقَةِ الْمُشْتَرِي، وَصَفْقَةُ الْمُشْتَرِي


وَقَعَتْ فَاسِدَةً، فَكَذَلِكَ تَقَعُ صَفْقَةُ الشَّفِيعِ، وَكَمَا تُرَدُّ صَفْقَةُ الْبَائِعِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ تُرَدَّ صَفْقَةُ الْمُشْتَرِي.

قُلْت: فَلَوْ اشْتَرَاهَا مُشْتَرٍ بَيْعًا فَاسِدًا ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ بَيْعًا صَحِيحًا؟ فَقَالَ: لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ، إنْ شَاءَ بِالْبَيْعِ الثَّانِي وَهُوَ الْبَيْعُ الصَّحِيحُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
قَالَ: فَإِنْ قَالَ: أَنَا آخُذُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، قُلْنَا: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ أَوْ يَدَعَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُشْتَرِي الِاشْتِرَاءَ الْفَاسِدَ فَوْتٌ، فَلِذَلِكَ جَازَ الْبَيْعُ الثَّانِي وَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ بِالْبَيْعِ الثَّانِي. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا: مَنْ بَاعَ بَيْعًا حَرَامًا كَانَ لَا يُقَرُّ عَلَى حَالٍ، وَيُفْسَخُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ فِي يَدِهِ بَاعَهُ بَيْعًا حَلَالًا.
قَالَ مَالِكٌ: يَنْفُذُ الْبَيْعُ الثَّانِي وَلَا يُرَدُّ وَيَتَرَادَّانِ - الْبَائِعُ الْأَوَّلُ وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ - الثَّمَنَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضَ، فَعَلَى هَذَا رَأَيْت مَسْأَلَتَك فِي الشُّفْعَةِ. وَإِنَّمَا رَأَيْت لِلشَّفِيعِ أَنْ لَا يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَخَذَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ كَانَ ذَلِكَ مَفْسُوخًا، فَيَرُدُّ حِينَئِذٍ إلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَيُفْسَخُ بَيْعُ الْآخَرِ الصَّحِيحِ، فَلَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ، إنْ طَلَب أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ أَوْ يَدَعَ وَيَتَرَادَّانِ الْأَوَّلَانِ الْقِيمَةَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي اسْتَحْسَنْت هَذَا عَلَى مَا أَخْبَرْتُك مِنْ قَوْلِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ وَالدَّارُ بِعَيْنِهَا لَمْ تَفُتْ بِبِنَاءٍ وَلَا بِهَدْمٍ، فَأَمَّا إذَا فَاتَتْ بِالْبِنَاءِ أَوْ بِالْهَدْمِ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ إنْ شَاءَ بِالْقِيمَةِ الَّتِي لَزِمْت الْمُشْتَرِي، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ، وَهِيَ إذَا فَاتَتْ فَإِنَّمَا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا تُرَدُّ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَقَدْ لَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ فِيهَا حَتَّى كَأَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَرَادَّ - الْبَائِعُ الْأَوَّلُ وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ - الْبَيْعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَالشِّقْصُ مَنْ الدَّارِ فِي يَدَيَّ الْمُشْتَرِي الثَّانِي الَّذِي اشْتَرَى اشْتِرَاءً صَحِيحًا، فَقَدِمَ الشَّفِيعُ بَعْدَمَا تَرَادَّا الثَّمَنَ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَغَرِمَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ الْقِيمَةَ لِلْبَائِعِ، فَقَدِمَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: ذَلِكَ لِلشَّفِيعِ، يَأْخُذُ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ الَّذِي اشْتَرَى الدَّارَ شِرَاءً صَحِيحًا، لَوْ أَصَابَ بِالدَّارِ عَيْبًا بَعْدَمَا تَرَادَّ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ الثَّمَنَ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَتَرَاجَعَا إلَى الْقِيمَةِ بِقَضَاءِ قَاضٍ أَوْ بِغَيْرِ قَضَاءِ قَاضٍ،



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #264  
قديم 04-01-2026, 07:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 251الى صــ 260
الحلقة(264)





فَأَرَادَ هَذَا الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَنْ يَرُدَّ الدَّارَ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ بِالْعَيْبِ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ صَحَّ فِيمَا بَيْنَهُمَا بِالْقِيمَةِ الَّتِي تَرَاجَعَا إلَيْهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ إنَّمَا يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ، فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ الَّذِي رُدَّتْ عَلَيْهِ بِهِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالْقِيمَةِ الَّتِي كَانَ أَخَذَهَا مِنْهُ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اكْتَرَى دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَتَعَدَّى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، فَضَلَّتْ مِنْهُ الدَّابَّةُ فَضَمَّنَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ قِيمَةَ الدَّابَّةِ وَقَبَضَ الْقِيمَةَ، ثُمَّ أَصَابَ

الْمُتَعَدِّي بَعْدَ ذَلِكَ الدَّابَّةَ بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، فَأَرَادَ رَبُّهَا أَنْ يَسْتَرِدَّهَا وَيَرُدَّ الثَّمَنَ عَلَى الْمُتَعَدِّي قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ضَمِنَ الْقِيمَةَ لَهُ وَنَفَّذَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَيْعٌ قَدْ تَمَّ بَيْنَهُمَا، فَكَذَلِكَ مَا فَسَّرْت لَك مِنْ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ إذَا تَرَاجَعَا إلَى الْقِيمَةِ.

قُلْت: أَرَأَيْت مَا كَانَ مَنْ الْآجَامِ وَالْغِيَاضِ، أَتَكُونُ فِي ذَلِكَ شُفْعَةٌ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا فَفِيهَا الشُّفْعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا الشُّفْعَةُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا فِي أَرْضٍ وَشِقْصًا فِي عَيْنٍ مِنْ رَجُلٍ، وَالْعَيْنُ لِتِلْكَ الْأَرْضِ وَشِرْبُ تِلْكَ الْأَرْضِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ، أَوْ كَانَ مَوْضِعُ الْعَيْنِ بِئْرًا تَشْرَبُ الْأَرْضُ مِنْهَا، فَاشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ الْأَرْضِ وَبِئْرِهَا، فَغَار مَاءُ الْبِئْرِ أَوْ مَاءُ الْعَيْنِ، ثُمَّ أَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ دَعْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْبُنْيَانِ مَا قَدْ أَخْبَرْتُك لَوْ احْتَرَقَ أَوْ انْهَدَمَ أَوْ هَدَمَهُ الْمُشْتَرِي لِيَبْنِيَهُ، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَدَعُ وَكَذَلِكَ هَذَا

[الشُّفْعَةُ فِيمَا انْهَدَمَ وَبَلِيَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت دَارًا فَهَدَمْتهَا ثُمَّ بَنَيْتهَا، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهَا فَأَرَادَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ؟ قَالَ: يُقَالُ لَهُ ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ لَك، وَأَمَّا فِي النِّصْفِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ فَيُقَالُ لِلْمُسْتَحِقِّ ادْفَعْ إلَيْهِ نِصْفَ قِيمَةِ بُنْيَانِهِ أَيْضًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِهَذَا الْمُشْتَرِي الَّذِي بَنَى ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ نِصْفِ الدَّارِ بِغَيْرِ بُنْيَانٍ إنْ كَانَ هَدَمَ الْبُنْيَانَ كُلَّهُ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِمَا هَدَمَ؛ لِأَنَّهُ هَدَمَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ وَهُوَ رَأْيِي.

[تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ بِثَمَنٍ وَبِغَيْرِهِ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ رَجُلٌ: يَا فُلَانُ اشْتَرِ هَذَا النِّصْفَ مَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَقَدْ سَلَّمْت لَك شُفْعَتِي وَأَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ. فَاشْتَرَاهَا ثُمَّ طَلَب شُفْعَتَهُ وَقَدْ كَانَ سَلَّمَهَا لَهُ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَلَيْسَ تَسْلِيمُهُ، وَإِنْ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ بِشَيْءٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْطَعُ شُفْعَتَهُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي مَالًا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ الشُّفْعَةَ - وَذَلِكَ قَبْلَ عُقْدَةِ الْبَيْعِ - كَانَ هَذَا الْمَالُ مَرْدُودًا وَلَا يَحِلُّ لَهُ هَذَا الْمَالُ وَيَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فِي رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ فِيهَا شِقْصًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ، فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَإِنَّهُمْ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْمُشْتَرِي لِلْمُسْتَحِقِّ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ بَيْتًا مِنْ الدَّارِ بِمَا يُصِيبُهُ


مِنْ قَدْرِ الثَّمَنِ عَلَى مَا اشْتَرَى بِهِ الدَّارَ.
قَالَ مَالِكٌ: تُقَوَّمُ الدَّارُ جَمِيعُهَا وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ عَلَيْهَا، فَمَا أَصَابَ ذَلِكَ الْبَيْتَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِذَلِكَ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَكَّلْت وَكِيلًا يَطْلُبُ لِي شُفْعَتِي فَسَلَّمَهَا، أَيَكُونُ تَسْلِيمُهُ جَائِزًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَ إنَّمَا فَوَّضَ إلَيْهِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُ، إنْ رَأَى غِبْطَةً أَخَذَ لَهُ وَإِنْ رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ سَلَّمَ، فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ شُفْعَتَهُ وَلَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ فَقَطْ فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.

[تَسْلِيمُ الْوَالِدِ وَالْوَصِيِّ شُفْعَةَ الصَّغِيرِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت شُفْعَةَ الصَّغِيرِ إنْ سَلَّمَهَا الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصَّغِيرِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ؟
قَالَ: فَالْقَاضِي يَنْظُرُ لَهُ. قُلْت: فَإِنْ سَلَّمَ الْقَاضِي شُفْعَتَهُ؟
قَالَ: إذَا رَأَى لَهُ الْقَاضِي أَنْ يُسَلِّمَ شُفْعَتَهُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الصَّغِيرِ فِي رَأْيِي.

[الشَّرِكَةُ فِي شِرَاءِ الدُّورِ وَأَخْذِ الْمُقَارِضِ الشُّفْعَةَ بِمَالِ الْقِرَاضِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَكَ شَرِيكَانِ شَرِكَةَ مُفَاوَضَةٍ فِي اشْتِرَاءِ الدُّورِ وَبَيْعِهَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا دَارًا قَدْ اشْتَرَيَاهَا فَطَلَب شَرِيكُهُ الشُّفْعَةَ؟
قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْمُفَاوَضَةَ فِي الدُّورِ، فَإِنْ نَزَلَ هَذَا وَتَفَاوَضَا فِي شِرَاءِ الدُّورَ وَبَيْعِهَا فَبَاعَ أَحَدُهُمَا، فَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ مِثْلَ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُتَفَاوِضَيْنِ فِي الِاشْتِرَاءِ وَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إذَا بَاعَ جَازَ بَيْعُهُ عَلَى شَرِيكِهِ، وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَرُدَّ. فَهَذَا إذَا بَاعَ فَقَدْ بَاعَ صَاحِبُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ عَلَى صَاحِبِهِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ مَالًا قِرَاضًا فَأَتَى إلَى شِقْصٍ مِنْ دَارٍ أَنَا فِيهَا شَرِيكٌ، فَاشْتَرَى ذَلِكَ الشِّقْصَ فَأَرَدْت أَنْ آخُذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَك؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَالْمُشْتَرِي نَفْسُهُ شَفِيعُهَا وَرَجُلٌ آخَرُ، فَطَلَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْآخَرُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَيْضًا، يَضْرِبُ الْمُشْتَرِي وَالرَّجُلُ الْآخَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي بِقَدْرِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الدَّارِ، وَلَا يَضْرِبُ الْمُشْتَرَى بِمَا اشْتَرَى، وَلَكِنْ يَضْرِبُ بِقَدْرِ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الدَّارِ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ فِيمَا اشْتَرَى.

قُلْت: أَرَأَيْت رَبَّ الْمَالِ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِمَّا فِي يَدَيَّ الْمُقَارِضِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُقَارَضِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا مُضَارِبًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَهَذَا الْمُضَارِبُ هُوَ شَفِيعٌ فِي الدَّارِ الَّتِي اشْتَرَى، فَأَرَادَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فَقَالَ رَبُّ الْمَالِ: لَيْسَ لَك أَنْ تَأْخُذَ


بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّك أَنْتَ اشْتَرَيْت وَفِيهِ فَضْلٌ فَلَا شُفْعَةَ لَك فِي ذَلِكَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْمُقَارِضِ رَجُلٌ آخَرُ شَرِيكٌ فِي الدَّارِ لَمْ يَبِعْ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَا اشْتَرَى هَذَا الْمُقَارِضُ بِالشُّفْعَةِ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ شَارَكَهُ هَذَا الْمُقَارِضُ؛ لِأَنَّ الْمُقَارِضَ شَفِيعٌ مَعَهُ. فَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَ شَرِيكِهِ فِي الشُّفْعَةِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَرِيكٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُبْطِلُ شُفْعَتَهُ عِنْدِي.

[شُفْعَةُ الْعَبِيدِ وَالْمُكَاتَبِينَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ، هَلْ لَهُ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ. قُلْت: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ؟
قَالَ: سَيِّدُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ لِعَبْدِهِ بِالشُّفْعَةِ أَخَذَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ.
قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فَبِيعَتْ أَرْضٌ، وَهَذَا الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ شَفِيعُهَا، فَطَلَبَ الْعَبْدُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَسَلَّمَ الْمَوْلَى الشُّفْعَةَ؟
قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَأَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وَلِفَضْلٍ قَدْ تَبَيَّنَ فِي الَّذِي يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ، فَلَيْسَ تَسْلِيمُ السَّيِّدِ هَهُنَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى الْعَبْدِ وَعَلَى الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَرَى تَسْلِيمَ السَّيِّدِ جَائِزًا عَلَيْهِ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت أَرْضًا وَالْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ شَفِيعُهَا، فَسَلَّمَ الْعَبْدُ شُفْعَتَهُ وَطَلَبَ سَيِّدُهُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: تَسْلِيمُهُ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْغَرِيمِ إذَا سَلَّمَ الشُّفْعَةَ وَفِيهَا فَضْلٌ فَيَأْبَى ذَلِكَ الْغُرَمَاءُ وَلَيْسَ فِي مَالِهِ وَفَاءٌ.
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لِلْغُرَمَاءِ وَتَسْلِيمُهُ جَائِزٌ.

قُلْت: أَرَأَيْت الْمُكَاتَبَ، هَلْ لَهُ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَلَّمَ شُفْعَةً وَقَالَ مَوْلَاهُ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ سَيِّدِهِ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيمَا هُوَ أَقْوَى مِنْ هَذَا، فَلَمْ يَرَ لَهُ فِيهِ شُفْعَةً. وَذَلِكَ فِي رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَقَعَتْ لَهُ شُفْعَةٌ مُرْبِحَةٌ كَثِيرَةُ الْفَضْلِ، فَقَالَ غُرَمَاؤُهُ: خُذْ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّ لَنَا فِيهَا فَضْلًا وَدَيْنُهُ كَثِيرٌ يَغْتَرِقُ مَالَهُ، وَقَالَ الْغَرِيمُ: لَا أُرِيدُ الشُّفْعَةَ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ هَهُنَا حُجَّةٌ، إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَهَذَا يُبَيِّنُ لَك أَمْرَ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ.

[شُفْعَةُ الْمَرْأَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ امْرَأَةً سَلَّمَتْ شُفْعَةً وَجَبَتْ لَهَا وَأَبَى زَوْجُهَا ذَلِكَ؟
قَالَ: تَسْلِيمُهَا


جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهَا تَقُولُ لَا أَشْتَرِي وَهِيَ أَحَقُّ بِمَالِهَا أَنْ لَا تَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَاشْتِرَاؤُهَا وَبَيْعُهَا جَائِزٌ - رَضِيَ بِذَلِكَ زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَرْضَ - إلَّا أَنْ تُحَابِيَ فِي بَيْعِهَا وَاشْتِرَائِهَا فَيَأْبَى زَوْجُهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهَا. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهَا وَلَا سَفِيهَةٍ فِي عَقْلِهَا، فَبَاعَتْ وَاشْتَرَتْ فَحَابَتْ، أَيَكُونُ لِأَحَدِ مِنْ النَّاسِ - وَالِدٍ أَوْ غَيْرِهِ - أَنْ يَرُدَّ مُحَابَاتَهَا مَا خَلَا زَوْجَهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إلَّا لِلزَّوْجِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِ جَمِيعِ مَالِهَا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ الثُّلُثِ لَمْ يَجُزْ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَرَدَّ جَمِيعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَإِنْ أَعْطَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا مَالَهَا كُلَّهَا جَازَ ذَلِكَ لِزَوْجِهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ سَفِيهَةٍ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ مِنْ عَطِيَّةِ ذَاتِ الزَّوْجِ عَطِيَّتَهَا لِغَيْرِ الزَّوْجِ. قُلْت: هَلْ تُورَثُ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى عَلَى عِوَضٍ، أَيَجُوزُ هَذَا؟ وَهَلْ تَكُونُ الدَّارُ لِمَنْ أَعْمَرَهَا وَلِوَرَثَتِهِ وَيَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، وَلَا يَجُوزُ هَذَا وَيُفْسَخُ؛ لِأَنَّ هَذَا اكْتَرَى حِصَّتَهُ مِنْ الدَّارِ حَيَاةَ هَذَا الْمُتَكَارِي، فَلَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَى عِنْدَ مَالِكٍ مَرْجِعُهَا إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ اسْتَغَلَّ هَذَا الْمُعَمِّرُ، رَدَّ مَا اسْتَغَلَّ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ كَانَ مِنْ صَاحِبِهَا وَكَانَتْ الْأُجْرَةُ فَاسِدَةً، وَيَكُونُ عَلَيْهِ إجَارَةُ مَا سَكَنَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِدَارٍ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ، فَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سِنِينَ، أَنَّ الَّذِي أَنْفَقَ عَلَيْهِ يَغْرَمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَمَا اسْتَغَلَّ الَّذِي قَبَضَ الدَّارَ فَهُوَ لَهُ وَلَا يُقَاصُّهُ صَاحِبُ الدَّارِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لِلدَّارِ فَصَارَ الْكِرَاءُ لَهُ بِالضَّمَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَتَفْسِيرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الصَّدَقَةِ هَهُنَا، إنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ. وَأَمَّا مَسْأَلَتُك فِي الْعُمْرَى فَلَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ الْعُمْرَى إنَّمَا ضَمَانُهَا مِنْ رَبِّهَا الَّذِي أَعْمَرَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا.

قُلْت: أَرَأَيْت الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالدَّارِ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ حَيَاتَهُ، إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ سِنِينَ ثُمَّ غَرِقَتْ الدَّارُ وَاحْتَرَقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ حَتَّى صَارَتْ بَحْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُونَ؟
قَالَ: يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى رَبِّ الدَّارِ، وَيَأْخُذُ رَبُّ الدَّارِ مِنْ هَذَا الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ قِيمَةَ دَارِهِ يَوْمَ قَبَضَهَا هَذَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَاتَتْ فِي يَدَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ الِاشْتِرَاء الْفَاسِدِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا شِرَاءً فَاسِدًا فَانْهَدَمَتْ فِي يَدَيْهِ أَوْ احْتَرَقَتْ كَانَ ضَامِنًا لِقِيمَتِهَا، وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ عَلَى بَائِعِهِ؟ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ كُلِّهَا. قُلْت: وَتَجُوزُ الْهِبَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مَقْسُومَةً؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْضًا وَنَخْلًا وَقُرًى وَشَفِيعُهَا وَاحِدٌ وَهِيَ فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ؟
قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعُ، وَلَمْ أَذْكُرُ اخْتِلَافَ الْبُلْدَانِ. فَلَوْ كَانَ هَذَا


إذَا كَانَ فِي بُلْدَانٍ مُخْتَلِفَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ، لَكَانَ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَأْخُذَ النَّخْلَ دُونَ الدُّورِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخْتَلِفٌ، هَذَا يُقَسَّمُ عَلَى حِدَةٍ وَهَذَا يُقَسَّمُ عَلَى حِدَةٍ. قُلْت: أَرَأَيْت الشُّفْعَةَ فِي دُورِ الْقُرَى وَدُورِ الْمَدَائِنِ، أَهِيَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا اخْتَلَفَ هَذَا فِيمَا أَعْلَمُ عِنْدَنَا وَكُلُّ هَذَا عِنْدَنَا مَحْمَلٌ وَاحِدٌ فِيهِ الشُّفْعَةُ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ صَفْقَةُ الِاشْتِرَاءِ بِمِصْرَ وَشَفِيعُهَا مَعِي بِمِصْرَ. فَأَقَمْنَا زَمَانًا لَا يَطْلُبُ شُفْعَةً، أَيَكُونُ هَذَا قَطْعًا لِشُفْعَتِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْغَائِبُ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا قَدِمَ لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُ الشُّفْعَةُ لِطُولِ غَيْبَتِهِ وَلَيْسَ هَذَا بِغَائِبٍ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ هَذَا لَمَّا قَدِمَ إفْرِيقِيَّةَ طَلَبَ الشُّفْعَةَ وَقَالَ: إنَّمَا كُنْت تَرَكْت أَنْ آخُذَ بِالشُّفْعَةِ بِمِصْرَ، لِأَنِّي لَمْ أُرِدْ أَنْ أَنْقُدَ مَالِي إلَّا حَيْثُ أَقْبِضُ الدَّارَ. قَالَ: لَا يَكُونُ قَوْلُهُ ذَلِكَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ فِي الدُّورِ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ غَائِبَةً. فَهَذَا إذَا كَانَ الْأَوَّلُ نَقَدَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ غَائِبَةً حَتَّى يَنْقُدَ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ لَمْ يَنْقُدْ وَكَانَ الثَّمَنُ إلَى أَجَلٍ أَخَذَ بِمِثْلِ مَا أَخَذَ بِهِ صَاحِبُهُ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مَلِيٍّ أَتَى بِحَمِيلٍ مَلِيٍّ.

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَكَّلْت وَكِيلًا يَقْبِضُ شُفْعَتِي فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنِّي قَدْ سَلَّمْت شُفْعَتِي؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى هَذَا هَهُنَا شَاهِدًا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَعَهُ، وَيُسَلِّمُ بِمَا اشْتَرَى وَلَا تَكُونُ لِلشَّفِيعِ شُفْعَةٌ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ نَكِلَ الْمُشْتَرِي عَنْ الْيَمِينِ أَيَحْلِفُ الْآخِذُ بِالشُّفْعَةِ أَنَّهُ مَا أَسْلَمَهَا وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ بِطَلَبِ شُفْعَتِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَالْمُشْتَرِي غَائِبٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ وَيُمَكَّنُ مِنْ الْوَكَالَةِ وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالْمُشْتَرِي غَائِبٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ، أُمْكِنَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَغِيبِ الْمُشْتَرِي عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ قَدْ اشْتَرَيْت هَذَا الشِّقْصَ مَنْ هَذِهِ الدَّارِ مِنْ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ صَاحِبُ ذَلِكَ الشِّقْصِ غَائِبٌ فَقَامَ الشَّفِيعُ فَقَالَ أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ، أَتَرَى أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَى إلَّا بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ادَّعَى الِاشْتِرَاءَ إنْ أَتَى رَبُّ الدَّارِ فَقَالَ لَمْ أَبِعْهُ الدَّارَ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ كِرَاءَ مَا سَكَنَ وَيَأْخُذَ دَارِهِ، وَإِنْ قَضَى لِهَذَا بِالشُّفْعَةِ فَأَتَى رَبُّ الدَّارِ فَقَالَ لَمْ أَبِعْ دَارِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا الَّذِي قَضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْئًا فِيمَا سَكَنَ؛ لِأَنَّهُ سَكَنَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَكُونُ لِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَ مَا سَكَنَ هَذَا الَّذِي أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الَّذِي ادَّعَى الِاشْتِرَاءَ أَيْضًا. فَهَذَا الْقَاضِي إذَا قَضَى بِالشُّفْعَةِ هَهُنَا، كَانَ قَدْ أَبْطَلَ حَقًّا لِرَبِّ الدَّارِ فِي كِرَاءِ مَا سَكَنَ هَذَا الَّذِي ادَّعَى الشِّرَاءَ فِي الدَّارِ بِالضَّمَانِ الَّذِي يَضْمَنُهُ، وَلَا تَكُونُ لَهُ شُفْعَةٌ إلَّا أَنْ تَقُومَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الشِّرَاءِ.


[فِي شَهَادَةِ ذَوِي الْقَرَابَةِ فِي الْوَكَالَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ أَبِي أَوْ أُمِّي أَوْ ابْنِي أَوْ جَدَّتِي أَوْ جَدِّي أَوْ ابْنَتِي أَوْ زَوْجَتِي، أَتَجُوزُ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ عَلَى وَكَالَتِي إذَا أَنَا وَكَّلْت أَوْ وَكَّلَنِي غَيْرِي؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى شَهَادَتَهُمْ جَائِزَةً بِمَا وَكَّلَهُ غَيْرُهُ وَأَرَاهَا جَائِزَةً إذَا وَكَّلَ هُوَ غَيْرَهُ.

قُلْتُ: هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْوَكَالَةِ فِي طَلَبِ الشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْأَمْوَالِ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي لَوْ شَهِدْنَ عَلَيْهِ أَنْفُسُهُنَّ جَازَتْ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْوَكَالَةِ فِي شَيْءٍ لَوْ شَهِدْنَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدْنَ عَلَى عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ قَتْلٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُنَّ عَلَيْهِ، فَهُنَّ إذَا شَهِدْنَ عَلَى الْوَكَالَةِ فِي ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُنَّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا فِي الشُّفْعَةِ فَشَهَادَتُهُنَّ جَائِزَةٌ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُنَّ لَوْ شَهِدْنَ عَلَى أَنَّهُ شَفِيعٌ جَازَ ذَلِكَ، أَوْ شَهِدْنَ عَلَى أَنَّهُ سَلَّمَ شُفْعَتَهُ جَازَ ذَلِكَ. أَوْ شَهِدْنَ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ بِأَنَّ هَذَا شَفِيعُ هَذِهِ الدَّارِ جَازَ ذَلِكَ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ تَزْكِيَةُ النِّسَاءِ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، لَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ أَنْ يُزَكِّينَ النِّسَاءَ وَلَا الرِّجَالَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ التَّزْكِيَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُنَّ فِي شَهَادَةٍ عَلَى مَالٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.

قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ دَارًا أَنَا شَفِيعُهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ آخُذَ بِالشُّفْعَةِ لِغَيْرِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ دَارٍ، فَقَامَ شَرِيكُهُ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ لِغَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْأَخْذَ لِنَفْسِهِ، فَأَمَّا لِغَيْرِهِ فَلَا، فَهَذَا يُشْبِهُ عِنْدِي مَا سَأَلْتَ عَنْهُ

[فِي الْحَاضِرِ يُوَكِّلُ عَلَى طَلَبِ شُفْعَتِهِ وَالْمُخَاصَمَةِ]
ِ قُلْتُ: أَيَجُوزُ أَنْ أُوَكِّلَ مَنْ يَطْلُبُ شُفْعَتِي وَأَنَا حَاضِرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُخَاصِمُ عَنْهُ وَهُوَ حَاضِرٌ.
قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا خَاصَمَ رَجُلًا حَتَّى نَظَرَ الْقَاضِي فِي أَمْرِهِمَا وَيُوَجِّهُ أَمْرَهُمَا وَتَحَاجَّا عِنْدَ الْقَاضِي، ثُمَّ حَلَفَ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُخَاصِمَ صَاحِبَهُ وَأَرَادَ أَنْ يُوَكِّلَ؟
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ شَتَمَهُ أَوْ أَسْرَعَ عَلَيْهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ إنْ مَرِضَ أَوْ أَرَادَ سَفَرًا أَوْ غَزْوًا أَوْ حَجًّا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ إلْدَادًا بِصَاحِبِهِ وَلَا قَطْعًا لَهُ فِي خُصُومَتِهِ، رَأَيْتُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ.
قُلْتُ لَهُ: أَفَيَكُونُ هَذَا الْمُسْتَخْلَفُ عَلَى حَجَّةِ الْأَوَّلِ؟
قَالَ: نَعَمْ وَيُحْدِثُ مِنْ الْحَجَّةِ مَا شَاءَ.
قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي يُوَكِّلُ هَذَا مَا أَقَامَ مِنْ بَيِّنَتِهِ


الَّذِينَ شَهِدُوا لَهُ عَلَى الَّذِي وَكَّلَ هَذَا الْوَكِيلَ جَائِزَة وَكُلُّ مَا كَانَ قَدْ أَوْقَعَ مِنْ حُجَّةٍ عَلَى خَصْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُوَكِّلَ هَذَا ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى هَذَا الْمُوَكَّلِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَكَّلْت وَكِيلًا عَلَى خُصُومَتِي وَأَنَا حَاضِرٌ فَقَالَ خَصْمِي لَا أَرْضَى؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ خَصْمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي تَوَكَّلَ إنَّمَا تَوَكَّلَ لِيَضُرَّ بِهَذَا الْخَصْمِ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكُلُّ وَكَالَةٍ كَانَتْ مِمَّنْ يَتَوَكَّلُ بِهَا أَوْ يُوَكِّلُ بِهَا إضْرَارًا فَلَا يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبْتَاعَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا دَعَاهُ إلَى ذَلِكَ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ عَنَتَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا عَلِمَ بِذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ لَا يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَاعَ شِقْصًا لَهُ فِي دَارٍ وَلَهَا شُفَعَاءُ، بَعْضُهُمْ غُيَّبٌ وَبَعْضُهُمْ حُضُورٌ أَوْ كُلُّهُمْ غُيَّبٌ إلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ حَاضِرٌ مَنْ الشُّفَعَاءِ، فَطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ أَوْ يَدَعُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي لَا أَدْفَعُ إلَيْهِ إلَّا قَدْرَ حِصَّتِهِ مِنْ شُفْعَتِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إذَا طَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ وَأَرَادَ أَخْذَ جَمِيعِ ذَلِكَ فَذَلِكَ لَهُ، لَيْسَ لِهَذَا أَنْ يَمْنَعَهُ وَلَيْسَ لِلَّذِي طَلَب الشُّفْعَةَ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ إذَا أَبَى ذَلِكَ الْمُشْتَرِي.
قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَ بِجَمِيعِ الشُّفْعَةِ فَقَدِمَ وَاحِدٌ مِنْ الْغُيَّبِ؟
قَالَ: يُقَالُ لَهُ خُذْ نِصْفَ مَا فِي يَدِي صَاحِبِك مِنْ الشُّفْعَةِ، وَتَكُونُ الشُّفْعَةُ بَيْنَكُمَا وَإِلَّا فَلَا شُفْعَةَ لَك.
قُلْتُ: وَكُلُّ مَنْ قَدِمَ مِنْ الْغُيَّبِ مِنْ الشُّفَعَاءِ يَدْخُلُ مَعَهُمْ، فَيَكُونُ مَعَهُمْ فِي الشُّفْعَةِ بِالسَّوِيَّةِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ بَلَغَ فَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُ قَدْرَ حِصَّتِي مِنْ الشُّفْعَةِ وَأَدْعُ مَا سِوَى ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ مَعَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ فِي الشُّفْعَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُ بِقَدْرِ حِصَّتِي مِنْ الشُّفْعَةِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

[أَخْذُ الْوَصِيِّ بِالشُّفْعَةِ لِلْحَبَلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، أَيَأْخُذُ لِلْحَبَلِ بِالشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَأْخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يُولَدَ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ فِي رَأْيِي، فَكَذَلِكَ لَا شُفْعَةَ لَهُ إلَّا بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَبَعْدَ الِاسْتِهْلَالِ صَارِخًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، هُمَا شَرِيكَانِ فِي الدَّارِ، بَاعَ الْمُسْلِمُ حِصَّتَهُ مِنْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مِنْ مُسْلِمٍ، أَيَكُونُ لِشَرِيكِهِ النَّصْرَانِيِّ فِي ذَلِكَ شُفْعَةٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا.


[فِي عَبْدِ النَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ وَسَيِّدُهُ غَائِبٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ النَّصْرَانِيَّ وَمَوْلَاهُ نَصْرَانِيٌّ، أَسْلَمَ الْعَبْدُ وَسَيِّدُهُ غَائِبٌ، أَيُبَاعُ عَلَى سَيِّدِهِ أَمْ يَنْتَظِرُ سَيِّدَهُ حَتَّى يَقْدُمَ؟
قَالَ: إنْ كَانَ غَيْبَةُ السَّيِّدِ قَرِيبَةً نَظَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُعَجِّلْ فِي بَيْعِهِ، لَعَلَّ سَيِّدَهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ فَيَكُونَ الْعَبْدُ لَهُ عَلَى حَالِهِ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا بَاعَهُ السُّلْطَانُ وَلَمْ يَنْتَظِرْهُ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَمَةً؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي نَصْرَانِيٍّ تَزَوَّجَ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ النَّصْرَانِيَّةُ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا زَوْجُهَا.
قَالَ مَالِكٌ: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ الزَّوْجِ قَرِيبًا اُسْتُؤْنِيَ بِالْمَرْأَةِ وَكَتَبَ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، لَعَلَّهُ يَكُونُ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْمَرْأَةِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً لَمْ يَأْمُرْهَا أَنْ تَنْتَظِرَهُ، وَلَهَا أَنْ تُنْكَحَ مَكَانَهَا إنْ أَحَبَّتْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجَتْ وَلَمْ تَنْتَظِرْهُ؛ لِأَنَّ غَيْبَتَهُ كَانَتْ بَعِيدَةً، فَقَدِمَ الزَّوْجُ وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَ فِي مَغِيبِهِ قَبْلَهَا؟
قَالَ: إذَا أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا زَوْجُهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ بَنَى بِهَا زَوْجُهَا الثَّانِي فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّتِي تُسْلِمُ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ وَقَدْ كَانَ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا: إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً سُئِلَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً أَنْتَظَرَتْهُ فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَإِنْ قَدِمَ زَوْجُهَا وَقَدْ تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا الثَّانِي وَقَدْ كَانَ إسْلَامُهُ قَبْلَ إسْلَامِهَا أَوْ فِي عِدَّتِهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا، وَإِنْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا وَقَدْ كَانَ إسْلَامُهُ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَك فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا.
قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا؟
قَالَ: رَآهُ مِثْلَ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الَّتِي يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا فَتَعْلَمُ بِطَلَاقِهِ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا فَلَا تَعْلَمُ بِرَجْعَتِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، أَنَّهُ إنَّ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا زَوْجُهَا هَذَا الثَّانِي فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ أَدْرَكَهَا بَعْدَمَا بَنَى بِهَا زَوْجُهَا الثَّانِي فَلَا سَبِيلَ لِلْأَوَّلِ إلَيْهَا، فَكَذَلِكَ هَذِهِ فِي إسْلَامِهَا.

[اشْتَرَى شِقْصًا فَبَنَاهُ مَسْجِدًا ثُمَّ أَتَى الشَّفِيعُ]
فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فَبَنَاهُ مَسْجِدًا ثُمَّ أَتَى الشَّفِيعُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْتُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَقَاسَمْتُ شَرِيكِي وَبَنَيْتُهُ مَسْجِدًا، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَأَرَادَ رَدَّ قِسْمَتِي وَأَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَيَهْدِمَ الْمَسْجِدَ، أَلَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ بِيعَ هَذَا الشِّقْصُ كَانَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فَلَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِمَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَهُوَ مِدْيَانٌ، فَقَامَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَبَاعُوا عَلَيْهِ مَا اشْتَرَى، أَوْ مَاتَ فَبَاعَ ذَلِكَ وَرَثَتُهُ لِلْغُرَمَاءِ، ثُمَّ أَتَى الشَّفِيعُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ الصَّفْقَةَ الْأُولَى، أَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ فَيَبِيعُهَا مِنْ غَيْرِهِ وَيَبِيعُهَا ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ آخَرَ، ثُمَّ يَأْتِي الشَّفِيعُ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَيَّ صَفْقَةٍ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك.


قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ كَانَ لَهُ طَرِيقٌ فِي دَارٍ فَبِيعَتْ الدَّارُ، أَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا.

[بَيْع الْمَسْجِد]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَهُ أَوْ عَلَى غَيْرِ ظَهْرِ بَيْتٍ، عَلَى أَرْضِهِ وَلَمْ يَبْنِهِ عَلَى بَيْتِهِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْحَبْسِ، أَرَأَيْتَ مَنْ حَبَسَ عَرْصَةً لَهُ أَوْ بَيْتًا لَهُ فِي الْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَيَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ، فَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ عِنْدِي مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْحَبْسِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا كَانَ بِنَاؤُهُ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ وَالْإِبَاحَةِ لِلنَّاسِ.

[الشُّفْعَةُ فِي الْجِدَارِ وَالسُّفْلِيُّ يَكُون لِرَجُلٍ عُلُوّهُ وَلِآخَرَ سُفْلُهُ هَلْ بَيْنَهُمَا شُفْعَةٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ جِدَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، الْجِدَارُ بَيْنَ دَارِي وَدَارِهِ، أَنَا وَهُوَ فِي الْجِدَارِ شَرِيكَانِ، بِعْتُ نَصِيبِي مِنْهُ، أَيَكُونُ شَرِيكِي فِيهِ شَفِيعًا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ شَفِيعٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ جِدَارِي، وَإِنَّمَا لَهُ عَلَيْهِ مَوَاضِعُ خَشَبٍ، فَبِعْتُ الْجِدَارَ، أَيَكُونُ شَفِيعًا بِمَوَاضِعِ الْخَشَبِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الشَّرِكَةِ فِي أَصْلِ الْأَرْضِ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَرِيكِهِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ عَوَالِيَ لِي وَتَحْتَهُ سُفْلِيٌّ لِغَيْرِي، أَوْ بِعْتُ سُفْلِيًّا لِي وَعَلَيْهِ عَوَالِي لِغَيْرِي، أَتَكُونُ لِبَعْضِهِمْ الشُّفْعَةُ فِيمَا بَاعَ صَاحِبُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ .
قَالَ: لَا شُفْعَةَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقَّهُ مَا هُوَ وَحَيْثُ هُوَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى مُسْلِمٌ مِنْ ذِمِّيٍّ أَرْضَ خَرَاجٍ وَشَفِيعُهَا مُسْلِمٌ، أَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ وَتَكُونُ فِيهَا الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُبَاعُ أَرْضُ الذِّمِّيِّ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ أُخِذَتْ عَنْوَةً.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ أَرْضَ صُلْحٍ عَلَيْهَا خَرَاجٌ، بَاعَ أَرْضَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مِنْ نَصْرَانِيٍّ وَشَفِيعُهَا مُسْلِمٌ، أَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ وَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي هَذَا الْبَيْعُ وَلَا أَرَاهُ جَائِزًا إنْ اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي خَرَاجًا يُؤَدِّيهِ عَنْ الْأَرْضِ، وَإِنْ اشْتَرَى وَلَا خَرَاجَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى فِيهَا حِينَئِذٍ الشُّفْعَةَ، وَلَا يَنْبَغِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَبِيعَ رَجُلٌ أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي كُلَّ عَامٍ شَيْءٌ يَدْفَعُهُ فِي خَرَاجِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ الصُّلْحِ: إنَّ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوا أَرْضَهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجًا يُتْبَعُ بِهِ فَلَا يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ يَكُونُ الْخَرَاجُ عَلَى الْبَائِعِ وَيَسْقُطُ عَنْ


الْمُشْتَرِي فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَأَصْلُ هَذَا فِيمَا سَمِعْنَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، أَنَّ أَهْلَ الصُّلْحِ يَبِيعُونَ أَرْضَهُمْ مِمَّنْ أَحَبُّوا بِمَنْزِلَةِ أَمْوَالِهِمْ، وَلَا جِزْيَةَ عَلَى مَنْ اشْتَرَى ذَلِكَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ سَقَطَتْ الْجِزْيَةُ عَنْهُ وَعَنْ أَرْضِهِ، وَهُوَ يُتْبَعُ بِمَا صَالَحَ عَلَيْهِ. فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ وَيَبِيعُ مِنْ أَرْضِهِ وَمِنْ مَالِهِ مَا شَاءَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: فَأَمَّا أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُشْتَرِي خَرَاجَهَا فَلَا يَحِلُّ.

[فِيمَنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَنَخْلًا فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ النَّخْلِ]
الشُّفْعَةُ فِي الْجِدَارِ وَالسُّفْلِيُّ يَكُون لِرَجُلٍ عُلُوّهُ وَلِآخَرَ سُفْلُهُ هَلْ بَيْنَهُمَا شُفْعَةٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت أَرْضًا وَنَخْلًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ النَّخْلِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرُدَّ جَمِيعَ صَفْقَتِي وَالْأَرْضُ أَرْضُ النَّخْلِ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ النَّخْلِ شَيْئًا يَسِيرًا تَافِهًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا اشْتَرَى، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. وَيُوضَعُ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا يُصِيبُ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ النَّخْلِ، وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى جَمِيعِ مَا اشْتَرَى، فَيُوضَعُ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ مَا صَارَ لِهَذَا الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدَيْهِ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ النَّخْلِ شَيْئًا كَثِيرًا، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ يَتَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ وَيَأْخُذَ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا اُسْتُحِقَّ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ عَلَى حِدَةٍ وَالنَّخْلُ عَلَى حِدَةٍ، فَاشْتَرَى الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ النَّخْلِ؟
قَالَ: يَنْظُرُ فِي الَّذِي اشْتَرَى، فَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ النَّخْلِ هُوَ وَجْهُ مَا اشْتَرَى وَفِيهِ كَانَ يَرْجُو الْفَضْلَ وَلِمَكَانِ هَذَا الَّذِي اُسْتُحِقَّ اشْتَرَى جَمِيعَ صَفْقَةِ الْأَرْضِ وَمَا بَقِيَ مِنْ النَّخْلِ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وَجْهُ مَا اشْتَرَى وَلَا فِيهِ طَلَبُ الْفَضْلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ النَّخْلِ بِمَا يُصِيبُ النَّخْلَ مِنْ الثَّمَنِ إذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ النَّخْلِ هُوَ أَكْثَرَ النَّخْلِ، وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ التَّافِهُ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ النَّخْلِ، كَانَ لَهُ أَنْ يُرْجِعَ مَا يُصِيبُ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ وَلَمْ يُفْسَخْ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْعِ.

[فِيمَنْ اشْتَرَى دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَاسْتُحِقَّ شَيْءٌ مِنْ أَحَدِهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَاسْتُحِقَّ شَيْءٌ مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ، وَالدَّارُ الَّتِي اُسْتُحِقَّ بَعْضُهَا لَيْسَتْ وَجْهَ مَا اشْتَرَيْت؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِيمَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الدَّارِ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا تَافِهًا يَسِيرًا لَا ضَرَرَ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْ شِرَائِهِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِحِصَّةِ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الدَّارِ فِي الثَّمَنِ. وَإِنْ كَانَ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الدَّارِ هُوَ أَكْثَرُ تِلْكَ الدَّارِ وَفِيهِ ضَرَرٌ، رُدَّتْ تِلْكَ الدَّارُ وَحْدَهَا وَرَجَعَ فِي الثَّمَنِ بِحِصَّةِ تِلْكَ الدَّارِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الدَّارَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الَّتِي اُسْتُحِقَّ أَكْثَرُهَا لَيْسَتْ وَجْهَ مَا اشْتَرَى. قَالَ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #265  
قديم 04-01-2026, 07:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 261الى صــ 270
الحلقة(265)





مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ الَّتِي هِيَ جُلُّ مَا اشْتَرَى، وَلَهَا اشْتَرَى الدَّارَ الْأُخْرَى وَفِيهَا الْفَضْلُ جُلِّهَا أَوْ مَا فِيهِ الضَّرَرُ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الدَّارَيْنِ جَمِيعًا، يَرُدُّ جَمِيعَ بَيْعِهِ وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهَا شَيْئًا يَسِيرًا تَافِهًا لَا ضَرَرَ فِيهِ، رَدَّ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهَا وَيَرْجِعُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ بَقِيَّةَ الدَّارِ وَلَا الدَّارَ الْأُخْرَى، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت دَارًا وَشَفِيعُهَا حَاضِرٌ، فَغَابَ الشَّفِيعُ فَأَقَامَ فِي غَيْبَتِهِ سِنِينَ عَشْرًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمَ يَطْلُبُ الشُّفْعَةَ، أَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؟
قَالَ: إنْ كَانَ خُرُوجُهُ فِي غَيْبَتِهِ بِحَدَثَانِ اشْتِرَائِهِ وَفِيمَا لَوْ قَامَ كَانَتْ لَهُ فِيهِ شُفْعَةٌ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ غَيْبَةً قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَأْتِي إلَّا فِي مِثْلِ مَا تَنْقَطِعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ سَفَرًا يَرْجِعُ فِي مِثْلِهِ فَيُدْرِكُ فِيهِ شُفْعَتَهُ، فَحَبَسَهُ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يُعْذَرُ بِذَلِكَ، رَأَيْتَهُ عَلَى شُفْعَتِهِ وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ تَارِكًا لِشُفْعَتِهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا تَنْقَطِعُ شُفْعَةُ الْغَائِبِ لِغَيْبَتِهِ. قَالَ: وَهَذَا يَقُولُ إنَّمَا خَرَجْتُ لِسَفَرِي وَلَمْ تَنْقَطِعْ شُفْعَتِي فِي الْأَيَّامِ الَّتِي خَرَجْتُ فِيهَا، وَخَرَجْتُ وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَرْجِعَ وَخَرَجْتُ وَلَسْتُ تَارِكًا لِشُفْعَتِي وَأَنَا فِي مَغِيبِي عَلَى شُفْعَتِي، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ شُفْعَتَهُ لَمْ تَنْقَطِعْ عِنْدَنَا إلَى الْيَوْمِ الَّذِي طَلَبَ فِيهِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالِ.
قُلْتُ: وَلَا نُبَالِي أَشْهَدَ حِينَ خَرَجَ فِي سَفَرِهِ أَنَّهُ عَلَى شُفْعَتِهِ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ، هُوَ عِنْدَك سَوَاءٌ وَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ سَوَاءٌ.

[فِيمَنْ ادَّعَى فِي دَارٍ فَصُولِحَ عَلَى دَرَاهِمَ وَلَمْ يُسَمِّ الدَّعْوَى كَمْ هِيَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت فِي دَارٍ دَعْوَى، فَصَالَحَنِي الَّذِي ادَّعَيْت فِي دَارِهِ هَذِهِ الدَّعْوَى عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إلَيَّ وَلَمْ أُسَمِّ دَعْوَايَ مَا هِيَ لَا ثُلُثًا وَلَا رُبُعًا لَا نِصْفًا، أَيَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ وَتَكُونُ فِي الدَّارِ الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا الصُّلْحُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ جَعَلَ الصُّلْحَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهِ لِمَجْهُولٍ كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ الْمَجْهُولِ إذَا كَانَ يَعْرِفُ مَا يَدَّعِي مِنْ الدَّارِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُسَمِّيَهُ ثُمَّ يَصْطَلِحَانِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ عَلَى مَا أَحَبَّا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا فَالصُّلْحُ فَاسِدٌ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إلَّا أَنْ يَكُونَا لَا يَعْرِفَانِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ الصُّلْحُ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَهْلَكُ وَيَتْرُكُ دُورًا وَرَقِيقًا وَمَاشِيَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ، فَيُرِيدُ وَرَثَتُهُ أَنْ يُصَالِحُوا الْمَرْأَةَ عَلَى مِيرَاثِهَا مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ قَدْ عَرَفَتْهُ الْمَرْأَةُ وَعَرَفَهُ الْوَرَثَةُ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يُعْرَفُ فَالصُّلْحُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الصُّلْحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إلَّا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ.

[فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا بِشِقْصٍ هَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا سَنَةً بِحَظِّي مَنْ هَذِهِ الدَّارِ، أَتَكُونُ هَذِهِ الدَّارُ شُفْعَةً أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: فِيهَا الشُّفْعَةُ.
قُلْتُ: فَبِكَمْ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ؟
قَالَ: يَأْخُذُهَا بِقِيمَةِ الْإِجَارَةِ؟
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، الْإِجَارَةُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، فَإِذَا كَانَتْ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ فَالشُّفْعَةُ فِيهَا إذَا اشْتَرَيْتَ الدَّارَ، فَالْإِجَارَةُ بِمَنْزِلَةِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ بِالْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ، تَكُونُ فِي الدَّارِ الشُّفْعَةُ بِقِيمَةِ الْإِجَارَةِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ بِعْتُ حَظِّي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ بِسُكْنَى دَارٍ أُخْرَى أَتَكُونُ فِيهَا الشُّفْعَةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَهُ الشُّفْعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت فِي دَارٍ سُدُسَهَا وَذَلِكَ حَظُّ رَجُلٍ فِي تِلْكَ الدَّارِ، فَجَحَدَنِي فَصَالَحْتُهُ عَلَى أَنْ أَسْلَمْت لَهُ شِقْصًا فِي دَارٍ أُخْرَى عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ لِي هَذَا السُّدُسَ الَّذِي ادَّعَيْته فِي يَدَيْهِ، أَتَكُونُ فِيهِمَا جَمِيعًا الشُّفْعَةُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا، وَلَكِنْ أَرَى الشُّفْعَةَ فِي الشِّقْصِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَعْوَى، وَأَمَّا السُّدُسُ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي؛ فَلَا أَرَى فِيهِ الشُّفْعَةَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمُدَّعِي يَقُولُ إنَّمَا أَخَذْتُ حَقًّا كَانَ لِي وَلَمْ أَشْتَرِهِ فَيُؤْخَذُ مِنِّي بِالشُّفْعَةِ، وَتَكُونُ فِي الشِّقْصِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَعْوَى الشُّفْعَةِ، يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَةِ السُّدُسِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّ الَّذِي أَخَذَ الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ دَفَعَ هَذَا السُّدُسَ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ الدَّعْوَى، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّ السُّدُسَ الَّذِي دَفَعَ ثَمَنُ هَذَا الشِّقْصِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ. وَلَا يُمْنَعُ الشَّفِيعُ مِنْ أَخْذِ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ هَذَا الشِّقْصِ؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ قَدْ اشْتَرَاهُ وَثَمَنُهُ السُّدُسَ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ. وَأَمَّا مُدَّعِي السُّدُسِ الَّذِي أَخَذَهُ فَيَقُولُ أَنَا لَمْ أَشْتَرِ هَذَا السُّدُسَ، وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ أَخَذْتُ حَقِّي وَصَالَحْتُ فِي شِقْصِي الْآخَرِ لَمَّا جَحَدَنِي هَذَا السُّدُسَ، فَافْتَدَيْتُهُ بِهَذَا الشِّقْصِ الَّذِي دَفَعْتُهُ مِنْ مَالِي، فَلَا يَكُونُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ مِنْ السُّدُسِ شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ بِشِرَاءِ هَذَا السُّدُسِ.

[فِيمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ دَابَّتَهُ فَصَالَحَ عَلَى شِقْصٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ دَابَّتِي فَصَالَحْتُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى شِقْصٍ لَهُ فِي دَارٍ، فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، بِكَمْ يَأْخُذُهَا؟
قَالَ: بِقِيمَةِ الدَّابَّةِ.
قُلْتُ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ فِي قِيمَةِ الدَّابَّةِ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الدَّابَّةِ.
قُلْتُ: وَلَا يُقَالُ لَهُ هَهُنَا صِفْ الدَّابَّةَ؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يَشْتَرِي الدَّارَ بِالْعَرَضِ فَيَفُوتُ الْعَرَضُ: إنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُشْتَرِي وَيُقَالُ لِلشَّفِيعِ خُذْ بِذَلِكَ أَوْ دَعْ وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ يُقَالُ لَهُ صِفْ، قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ قِيمَةُ ذَلِكَ الْعَرَضِ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ فِيهِ كَاذِبٌ لَيْسَ ذَلِكَ قِيمَةً لِذَلِكَ


الْعَرَضِ؟
قَالَ: لَا يُصَدَّقُ، وَإِذَا أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْآخَرِ بِالشُّفْعَةِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ

[فِي حَوْزِ وَلِيِّ اللَّقِيطِ مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى اللَّقِيطِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ اللَّقِيطَ إذَا تُصُدِّقَ عَلَيْهِ بِصَدَقَةٍ أَوْ وُهِبَتْ لَهُ هِبَةٌ، أَيَكُونُ الَّذِي هُوَ فِي حِجْرِهِ الْقَابِضَ لَهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُ لَهُ السُّلْطَانُ نَاظِرًا وَلَا وَصِيًّا قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلِ بِصَدَقَةٍ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ غَائِبٌ، فَيَقُولُ هَذَا الَّذِي تَصَدَّقَ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ: اقْبِضْ لِفُلَانٍ صَدَقَتَهُ، فَيَدْفَعُهَا إلَيْهِ وَيَحُوزُهَا هَذَا الْأَجْنَبِيُّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الْغَائِبِ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْغَائِبُ بِمَا تَصَدَّقَ هَذَا عَلَيْهِ وَلَا بِمَا حَازَ لَهُ هَذَا الرَّجُلُ الْآخَرُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ عِنْدِي هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذْت عَبْدَ الرَّجُلِ غَصَبْتُهُ إيَّاهُ فَاشْتَرَيْتُ بِهِ شِقْصًا فِي دَارٍ، أَتَكُونُ فِيهِ الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَلَمْ يَفُتْ فَلَا شُفْعَةَ فِي الدَّارِ، فَإِذَا فَاتَ الْعَبْدُ حَتَّى تَجِبَ عَلَى آخِذِهِ قِيمَتُهُ، فَالشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ يَوْمَ اشْتَرَى بِهِ الدَّارَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ بَيْنَهُمَا حِينَ لَزِمَ الْمُتَعَدِّيَ قِيمَةُ الْعَبْدِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت شِقْصًا فِي دَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ غَصَبْتُهَا مَنْ رَجُلٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ثُمَّ طَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ؟
قَالَ: لَهُ الشُّفْعَةُ وَالشِّرَاءُ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِثْلُهَا وَلِرَبِّهَا الَّذِي اسْتَحَقَّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ بَائِعِ الدَّارِ إنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ فِي هَذَا لَا تُشْبِهُ الْعُرُوضَ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَرَاهِمِهِ بِعَيْنِهَا أَخَذَهَا وَرَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمِثْلِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ وَلَا يُنْقَضُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مَنْ دَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَتَى الشَّفِيعُ يَطْلُبُ بِالشُّفْعَةِ فَقَالَ الْمُشْتَرِي بَنَيْتُ فِيهَا هَذَا الْبَيْتَ وَهَذَا الْبَيْتَ وَكَذَّبَهُ الشَّفِيعُ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُدَّعٍ فِيمَا بَنَى وَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا.

[فِيمَنْ اشْتَرَى عَرْصَةً ثُمَّ اشْتَرَى نَقْضَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت عَرْصَةً فِي دَارٍ فِيهَا بُنْيَانٌ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ لِرَبِّ الدَّارِ وَلَمْ أَشْتَرِ مِنْهُ النَّقْضَ، ثُمَّ اشْتَرَيْت بَعْدَ ذَلِكَ النَّقْضَ أَوْ اشْتَرَيْت مِنْهُ النَّقْضَ أَوَّلًا، ثُمَّ اشْتَرَيْت الْعَرْصَةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، أَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي الْعَرْصَةِ وَالنَّقْضِ جَمِيعًا أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، تَكُونُ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ فِي النَّقْضِ وَفِي الْعَرْصَةِ فِيهِمَا جَمِيعًا فِي الْعَرْصَةِ بِمَا اشْتَرَاهَا بِهِ الْمُشْتَرِي وَالنَّقْضِ بِالْقِيمَةِ قَائِمًا.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلْتَ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ فِي النَّقْضِ، وَإِنَّمَا صَفْقَةُ النَّقْضِ غَيْرُ صَفْقَةِ الْعَرْصَةِ؟
قَالَ: جَعَلْتُ الشُّفْعَةَ فِي الْعَرْصَةِ وَقُلْتُ


لِلشَّفِيعِ خُذْ النَّقْضَ مِنْهُ بِقِيمَتِهِ صَحِيحًا وَلَا تَأْخُذْ النَّقْضَ بِمَا اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى الْعَرْصَةَ وَحْدَهَا ثُمَّ أَحْدَثَ فِيهَا بُنْيَانًا، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ حَتَّى يَدْفَعَ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتَكَ. وَهَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُكَ بِهِ فِيمَا أَحْدَثَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْبُنْيَانِ فِيمَا اشْتَرَى، هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَعَلَى هَذَا قِسْتُ مَسْأَلَتَكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَهَبَ لِي رَجُلٌ شِقْصًا فِي دَارٍ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ، أَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إنَّهُ لَمْ يَهَبْ لِلثَّوَابِ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ عَلَى رَجُلٍ بِشِقْصٍ لَهُ فِي دَارٍ، فَقَالَ الشَّفِيعُ لِمَالِكٍ: إنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَاعَهُ فِي السِّرِّ أَوْ أَعْطَاهُ ثَوَابًا وَأَشْهَدَ لَهُ بِالصَّدَقَةِ لِيَقْطَعَ شُفْعَتِي، فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَلِّفَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ؟
قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الرَّجُلُ رَجُلَ صِدْقٍ وَلَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا عَلَى مِثْلِ هَذَا أُحْلِفَ لَهُ وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ.

[فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فَتَصَدَّقَ بِهِ ثُمَّ أَتَى الشَّفِيعُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مَنْ دَارٍ مَنْ رَجُلٍ فَتَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ قَامَ الشَّفِيعُ فَأَرَادَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، أَتُنْتَقَضُ الصَّدَقَةُ وَيَأْخُذُ شُفْعَتَهُ بِصَفْقَةِ الْبَيْعِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ تُنْتَقَضُ الصَّدَقَةُ وَيَأْخُذُ الشُّفْعَةَ بِصَفْقَةِ الْبَيْعِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ غَيْرَ مَقْسُومَةٍ، بِعْتُ أَنَا طَائِفَةً مِنْهَا بِغَيْرِ أَمْرِ شَرِيكِي، فَقَدِمَ شَرِيكِي، وَاَلَّذِي بِعْتُ أَنَا مِنْ الدَّارِ هُوَ نِصْفُ الدَّارِ إلَّا أَنَّ الَّذِي بِعْتُ هُوَ نِصْفٌ بِعَيْنِهِ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا بَاعَ وَيَدْفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي نِصْفَ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ الْمُشْتَرِي فَذَلِكَ لَهُ، وَهَذَا النِّصْفُ الثَّمَنُ الَّذِي يَدْفَعُ إنَّمَا هُوَ مِنْ حِصَّةِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي حِصَّتِهِ هُوَ إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَفَلَا يُقَاسِمُ هَذَا الَّذِي لَمْ يَبِعْ شَرِيكَهُ الَّذِي بَاعَ، فَإِنْ صَارَ هَذَا النِّصْفُ الَّذِي بَاعَهُ الْبَائِعُ فِي حَظِّهِ جَازَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَإِنْ صَارَ فِي حَظِّ صَاحِبِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ هَذَا هَكَذَا، وَلَكِنَّ الَّذِي لَمْ يَبِعْ يَأْخُذُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ الَّذِي بَاعَ بِشُفْعَتِهِ وَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ إذَا لَمْ يُجِزْهُ هُوَ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ لِأَنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي أَخَذَ شُفْعَتَهُ قَدْ دَفَعَ إلَى الْمُشْتَرِي نِصْفَ ثَمَنِهِ وَهُوَ حِصَّةُ الْبَائِعِ، وَيُقَاسِمُهُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ مِنْ الدَّارِ إنْ شَاءَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ نَخْلَةً بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ بِعْتُ نَصِيبِي مِنْهَا، أَتَكُونُ لِصَاحِبِي الشُّفْعَةُ فِيهَا أَمْ لَا؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَا أَرَى فِي هَذِهِ الشُّفْعَةَ لِأَنَّهَا بِمَا لَا يَنْقَسِمُ.

قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى امْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى، فَحَلَفَ لِلْأُولَى بِطَلَاقِ الثَّانِيَةِ إنْ آثَرَ الثَّانِيَةَ عَلَيْهَا ثُمَّ إنَّهُ طَلَّقَ الْأُولَى أَلْبَتَّةَ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تَطْلُقُ الثَّانِيَةُ أَيْضًا لِأَنَّهُ حِينَ طَلَّقَ الْأُولَى فَقَدْ آثَرَ الثَّانِيَةَ عَلَيْهَا.


[كِتَابُ الْقِسْمَةِ الْأَوَّلُ] [مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِ]
ُ مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْمِيرَاثِ قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي بِعْتُ مُورَثِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَلَمْ أُسَمِّ مَا هُوَ أَخُمُسٌ أَمْ عُشْرٌ أَمْ رُبُعٌ أَمْ نِصْفٌ، أَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْبَيْعِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ تَصَدَّقَ بِمِيرَاثِهِ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ وَهَبَهُ وَلَمْ يُخْبِرْ مَا هُوَ أَثُلُثٌ أَوْ رُبُعٌ أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْنَا دَارَيْنِ وَنَحْنُ أَشْرَاكٌ كَثِيرٌ، فَبِعْتُ نَصِيبِي مَنْ هَذِهِ الدَّارِ مِنْ أَحَدِ الْوَرَثَةِ بِنَصِيبِهِ مَنْ الدَّارِ الْأُخْرَى وَلَمْ أُسَمِّ عِنْدَ الْبَيْعِ مَا نَصِيبِي وَلَا سَمَّاهُ هُوَ لِي أَيْضًا، إلَّا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مَا هُوَ وَعَرَفَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثْت فِي دَارٍ سُدُسًا أَوْ رُبُعًا أَوْ خُمُسًا، فَبِعْتُ مُورَثِي مَنْ الدَّارِ مَنْ رَجُلٍ وَلَمْ أُسَمِّ عِنْدَ عُقْدَةِ الْبَيْعِ أَنَّ ذَلِكَ خُمُسٌ وَلَا رُبُعٌ وَلَا سُدُسٌ، وَقَدْ عَرَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي مَا مِيرَاثُ الْبَائِعِ مَنْ الدَّارِ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ عَرَفَ الْمُشْتَرِي مَا مُورَثُ الْبَائِعِ وَلَمْ يَعْرِفْ الْبَائِعُ مَا مُورَثُهُ مِنْ الدَّارِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا جَهِلَ أَحَدُهُمَا كَمْ ذَلِكَ مِنْ الدَّارِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ الْبَيْعِ.

[مَا جَاءَ فِي التَّهَايُؤِ فِي الْقَسْمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ اقْتَسَمْنَاهَا عَلَى أَنْ أَخَذْت أَنَا الْغُرَفَ وَأَخَذَ هُوَ الْأَسَافِلَ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ رَضُوا بِأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمْ بَيْتًا مَنْ الدَّارِ وَعَلَى أَنْ يَكُونَ لِلْآخَرَيْنِ بَقِيَّةُ الدَّارِ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ


فِي الْقَسْمِ؟
قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِي الْقُرْعَةِ بِالسِّهَامِ.

[مَا جَاءَ فِي شِرَاءِ الْمَمَرِّ وَقِسْمَةِ الدَّارِ عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ عَلَى أَحَدِهِمْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي قَاسَمْتُهُ فَأَخَذْتُ طَائِفَةً وَأَخَذَ هُوَ طَائِفَةً عَلَى أَنَّ الطَّرِيقَ لِي، إلَّا أَنَّ لَهُ فِي الطَّرِيقِ الْمَمَرَّ فَصَارَ الطَّرِيقُ لِي وَلَهُ الْمَمَرُّ فِيهِ، أَيَجُوزُ هَذَا الْقَسْمِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مَمَرَّهُ فِي دَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَقَبَةِ الْبُنْيَانِ شَيْئًا، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمَا.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الدَّارِ وَأَحَدُهُمَا يَجْهَلُ حَظَّهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارَيْنِ وَرِثَهُمَا رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا قَدْ عَرَفَ مُورَثَهُ مَنْ الدَّارَيْنِ وَالْآخَرُ يَجْهَلُ مُورَثَهُ مِنْهُمَا، فَرَضِيَا بِأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا مُورَثَهُ مَنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ النِّصْفَ وَمِنْ الْأُخْرَى الثُّلُثَ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِهِ بِقِيمَتِهِمَا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرْأَةِ تُصَالَحُ عَلَى مُورَثِهَا مِنْ الدَّارِ وَلَا تَعْرِفُ مَا هُوَ، قَالَ مَالِكٌ: الصُّلْحُ بَاطِلٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ تَرَاضَيْنَا عَلَى أَنِّي جَعَلْت لَهُ طَائِفَةٍ مِنْ الدَّارِ، عَلَى أَنْ جَعَلَ لِي الطَّائِفَةَ الْأُخْرَى، فَرَجَعَ أَحَدُنَا قَبْلَ أَنْ تُنْصَبَ الْحُدُودُ بَيْنَنَا؟
قَالَ: ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُمَا وَلَا يَكُونُ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ هَذَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَقْرِحَةً مُتَبَايِنَةً بَيْنَ قَوْمٍ شَتَّى أَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا قَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمْ لَنَا فِي الْأَقْرِحَةَ كُلِّهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ اجْمَعْ لَنَا نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ قَرِيبَةً مِنْ بَعْضٍ وَكَانَتْ فِي الْكَرْمِ سَوَاءً، قُسِّمَتْ كُلُّهَا وَجُمِعَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ كَانَتْ الْأَقْرِحَةُ مُخْتَلِفَةً وَكَانَتْ قَرِيبَةً، قُسِمَ كُلُّ قَرِيحٍ عَلَى حِدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَقْرِحَةُ فِي الْكَرْمِ سَوَاءً إلَّا أَنَّهَا مُتَبَايِنَةٌ مُتَبَاعِدَةٌ مَسِيرَةَ الْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ، قُسِمَ كُلُّ قَرِيحٍ عَلَى حِدَةٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْقَوْمِ يَرِثُونَ الْحَوَائِطَ وَالدُّورَ وَيَكُونُ بَيْنَهُمْ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ. قَالَ: أَرَى أَنْ تُقَسَّمَ الْحَوَائِطُ وَتِلْكَ الدُّورُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ.

[قِسْمَةُ الْقُرَى]
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْقُرَى بَيْنَهُمْ وَرِثُوهَا أَوْ اشْتَرَوْهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اجْمَعْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مَكَان وَاحِدٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمْ لَنَا فِي كُلِّ


قَرْيَةٍ مِنْهَا وَأَعْطِ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا نَصِيبَهُ مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ. قَالَ: إنْ كَانَتْ الْقُرَى مُتَقَارِبَةً، وَهِيَ فِي رَغْبَةِ النَّاسِ فِيهَا وَنَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ سَوَاءٌ، جُمِعَتْ تِلْكَ الْقُرَى كُلُّهَا فِي الْقَسْمِ، فَقُسِّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الْقُرَى مُتَبَاعِدَةً مُتَبَايِنَةً مَسِيرَةَ الْيَوْمِ وَنَحْوِهِ وَالْيَوْمَيْنِ، وَهِيَ فِي رَغْبَةِ النَّاسِ فِيهَا سَوَاءٌ وَفِي حِرْصِ النَّاسِ عَلَيْهَا وَفِي نَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ تُقَسَّمَ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلَى حِدَةٍ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الدُّورِ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ.

[قِسْمَةُ الدُّورِ بَيْنَ نَاسٍ شَتَّى]
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ بَيْنَ قَوْمٍ شَتَّى فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا الدُّورَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمْ حَظِّي فِي كُلِّ دَارٍ مِنْ الْقَرْيَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ اجْمَعْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ سَوَاءً فِي نَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيهَا وَفِي مَوْضِعِهَا، قُسِّمَتْ وَجُمِعَ لِكُلِّ إنْسَانٍ حَظُّهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ مُتَفَاوِتَةً مُخْتَلِفًا نَفَاقُهَا عِنْدَ النَّاسِ وَمَوْضِعُهَا كَذَلِكَ، فَلَمْ يُجْمَعْ لِكُلِّ إنْسَانٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ الْقَاسِمُ كُلَّ دَارٍ مِنْهَا إذَا كَانَتْ صِفَتُهَا وَاحِدَةً فِي رَغْبَةِ النَّاسِ وَنَفَاقِهَا وَمَوْضِعِهَا، فَتُقْسَمُ هَذِهِ كُلُّهَا قَسْمًا وَاحِدًا وَيُنْظَرُ إلَى مَا اخْتَلَفَ مِنْ الدُّورِ فَيُقْسَمُ ذَلِكَ عَلَى حِدَةٍ، فَيُعْطَى كُلُّ إنْسَانٍ حَظَّهُ مِنْ ذَلِكَ قِيلَ، وَإِنْ اتَّفَقَتْ دَارَانِ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ جَمَعَهُمَا فِي الْقَسْمِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.

[فِي قِسْمَةِ قَرْيَةٍ فِيهَا دُورٌ وَشَجَرٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَرِثْت أَنَا وَأَخٌ لِي قَرْيَةً مَنْ الْقُرَى فِيهَا دُورٌ وَشَجَرٌ وَأَرْضٌ بَيْضَاءُ فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ، كَيْفَ نُقَسِّمُ ذَلِكَ بَيْنَنَا؟
قَالَ: أَمَّا دُورُ الْقَرْيَةِ فَتُقَسَّمُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ فِي قِسْمَةِ الدُّورِ، وَأَمَّا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فَتُقَسَّمُ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي قَسْمِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ وَصَفْتَ لِي فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ؟
قَالَ: يُنْظَرُ إلَى مَا كَانَ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي الْكَرْمِ وَالنَّفَاقِ عِنْدَ النَّاسِ وَتَقَارُبِ مَوْضِعِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، جُمِعَ لَهُ هَذَا كُلُّهُ فَيُجْعَلُ نَصِيبُ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْأَرْضُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا أُعْطِيَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ فِي كُلِّ أَرْضٍ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا مِثْلُ الدُّورِ وَالنَّخْلِ.
قَالَ: وَمَا حَدُّ قُرْبِ الْأَرْضِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ؟
قَالَ: لَمْ يَحُدَّ لَنَا مَالِكٌ فِيهِ حَدًّا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى الْمِيلَ وَمَا أَشْبَهَهُ قَرِيبًا فِي الْحَوَائِطِ وَالْأَرَضِينَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّجَرَ الَّتِي هِيَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَخَوَيْنِ، كَيْفَ يَقْسِمُهَا مَالِكٌ بَيْنَهُمَا وَهِيَ مِنْ


أَنْوَاعِ الْأَشْجَارِ: تُفَّاحٌ وَرُمَّانٌ وَخَوْخٌ وَأُتْرُجٌّ وَأَنْوَاعُ الْفَاكِهَةِ مُخْتَلِطَةٌ فِي جِنَانٍ وَاحِدٍ، أَوْ كَانَتْ الْأَجِنَّةُ كُلَّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى إنْ كَانَتْ الْأَشْجَارُ مُخْتَلِطَةً فِي حَائِطٍ وَاحِدٍ كَمَا وَصَفْتَ لِي قُسِمَ الْحَائِطُ، وَجُمِعَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ عَلَى الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَجِنَّةُ، التُّفَّاحُ جِنَانٌ عَلَى حِدَةٍ وَالرُّمَّانُ جِنَانٌ عَلَى حِدَةٍ وَكُلُّ نَوْعٍ جِنَانٌ عَلَى حِدَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، قُسِّمَ بَيْنَهُمْ كُلُّ جِنَانٍ عَلَى حِدَةٍ عَلَى الْقِيمَةِ وَأُعْطِيَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَظُّهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي النَّخْلِ يَكُونُ فِي الْحَائِطِ مِنْهُ الْبَرْنِيُّ وَالصَّيْحَانِيُّ وَاللَّوْنُ وَالْجُعْرُورُ وَأَنْوَاعُ التَّمْرِ، رَأَيْتُهُ يُقَسَّمُ عَلَى الْقِيمَةِ وَيُعْطَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُجْمَعُ لَهُ حَظُّهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْحَائِطِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا يَصِيرُ فِي حَظِّ هَذَا مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ وَمَا يَصِيرُ فِي حَظِّ هَذَا مِنْ أَلْوَانِ التَّمْرِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ غَائِبٍ، أَتَى رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَارِثُ هَذِهِ الدَّارِ مَعَ الْغَائِبِ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي مِنْهُ الْبَيِّنَةَ وَاَلَّذِي كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ غَائِبٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، إلَّا أَنِّي سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ هَذَا عَنْهُ أَنَّ الدُّورَ لَا يُقْضَى عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا وَهُمْ غُيَّبٌ وَهُوَ رَأْيِي.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْبَتُهُ تَطُولُ، فَيَنْظُرُ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ مِثْلُ مَنْ يَغِيبُ إلَى الْأَنْدَلُسِ أَوْ طَنْجَةَ فَيُقْسَمُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الطَّوِيلِ، فَأَرَى أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ وَيَقْضِيَ بِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْوَرَثَةُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ وَرِثُوا هَذِهِ الدَّارَ عَنْ أَبِيهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْغَائِبَ الَّذِي هَذِهِ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي. فَأَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ مِثْلَ مَا يُسَافِرُ النَّاسُ وَيَقْدَمُونَ، كَتَبَ الْوَالِي إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ أَوْ يَقْدَمَ فَيُخَاصِمَهُمْ. وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ طَلَبُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْغَائِبِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِ لِبُعْدِ الْبِلَادِ، رَأَيْتُ أَنْ يَقْضِيَ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُقِيمُ الْقَاضِي وَكِيلًا لِهَذَا الْغَائِبِ يَقُومُ لَهُ بِحُجَّتِهِ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَا أَعْرِفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ لِلْغَائِبِ، وَلَكِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ لَهُ خَلِيفَةً.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّارُ صَبِيًّا صَغِيرًا، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، هَلْ يَسْتَخْلِفُ الْقَاضِي لِهَذَا الصَّبِيِّ خَلِيفَةً؟
قَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ مَالِكًا وَلَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا رَأَيْتُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَائِلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَسْتَخْلِفُ لَهُ الْقَاضِي خَلِيفَةً وَلَا أَرَى ذَلِكَ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الثِّمَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ أَرْضٌ وَشَجَرٌ وَنَخْلٌ وَفِي الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ ثِمَارٌ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ وَالثِّمَارَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُقَسَّمُ الثِّمَارُ مَعَ الْأَصْلِ وَكَذَلِكَ


الزَّرْعُ لَا يُقَسَّمُ مَعَ الْأَرْضِ، وَلَكِنْ تُقَسَّمُ الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ وَتُقَرُّ الثَّمَرُ وَالزَّرْعُ حَتَّى يَحِلَّ بَيْعُهُمَا، فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُمَا فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَبِيعُوا الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ ثُمَّ يَقْتَسِمُوا الثَّمَنَ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ فَذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا يُقَسَّمُ الزَّرْعُ فَدَادِينَ وَلَا مُزَارَعَةً وَلَا قَتًّا وَلَا يُقَسَّمُ إلَّا كَيْلًا، وَأَمَّا الثَّمَرُ مِنْ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ فِيهِ: إذَا طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ وَاحْتَاجَ أَهْلُهُ إلَى قِسْمَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَجُدُّوا كُلُّهُمْ فَلَا أَرَى أَنْ يَقْتَسِمُوهُ، وَإِنْ كَانُوا يُرِيدُونَ أَنْ يَأْكُلُوهُ رُطَبًا كُلُّهُمْ أَوْ يَبِيعُوهُ رُطَبًا كُلُّهُمْ فَلَا أَرَى أَنْ يَقْتَسِمُوهُ وَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يُثْمِرَ وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ، وَاخْتَلَفَتْ حَوَائِجُهُمْ، أَوْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبِيعَ وَبَعْضُهُمْ أَنْ يُيَبِّسَ، رَأَيْتُ أَنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ بِالْخَرْصِ إذَا وَجَدُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَنْ يَعْرِفُ الْخَرْصَ.
قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَالْفَاكِهَةُ وَالرُّمَّانُ وَالْفِرْسِكُ وَمَا أَشْبَهَهُ؟
قَالَ: لَا يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ وَإِنْ احْتَاجَ أَهْلُهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ الْخَرْصُ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا مَضَى الْخَرْصُ فِي النَّخْلِ وَالْعِنَبِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَالِكًا رَخَّصَ فِي قَسْمِ الْفَوَاكِهِ بِالْخَرْصِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ فَأَبَى أَنْ يُرَخِّصَ فِيهِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْبَقْلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْت بَقْلًا أَيَصْلُحُ لَنَا أَنْ نُقَسِّمَهُ؟
قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ قَسْمَ الثِّمَارِ بِالْخَرْصِ وَقَالَ: هُوَ مِمَّا لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَجُوزُ فِيهِ الْخَرْصُ لَجَازَ فِي الثِّمَارِ، فَالْبَقْلُ أَبْعَدُ مِنْ الثِّمَارِ فِي الْخَرْصِ، فَلَا أَرَى أَنْ يُقَسَّمَ حَتَّى يُجَدَّ وَيُبَاعَ فَيَقْتَسِمُونَ ثَمَنَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ جُلَّ الثِّمَارِ مِنْ التُّفَّاحِ وَالْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ وَالْأُتْرُجِّ وَالْمَوْزِ وَمَا أَشْبَهَهُ، لَا بَأْسَ بِهِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا بَأْسَ بِالْقُرْطِ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ. فَلَمَّا لَمْ يُجَوِّزْ لِي مَالِكٌ فِيمَا يُجَوِّزُ مِنْ الثِّمَارِ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ أَنْ يُقَسَّمَ ذَلِكَ بِالْخَرْصِ، كَرِهْتُ أَنْ يُقَسَّمَ الْبَقْلُ الْقَائِمُ بِالْخَرْصِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْفَاكِهَةُ الْخَضْرَاءُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ فِي أَثْمَانِهَا فِي الزَّكَاةِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا، وَلَا بَأْسَ فِي تَفَاضُلِهَا بَيْنَهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ.

قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ فَدَّانٍ كُرَّاثٍ بِفَدَّانَيْ كُرَّاثٍ أَوْ سَرِيسٍ أَوْ خَسٍّ أَوْ سِلْقٍ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهِ عِنْدَ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ يُجَدَّا مَكَانَهُمَا وَيَقْطَعَا ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الثَّمَرَةَ قَدْ طَابَتْ بِقَمْحٍ يَدْفَعُهُ إلَيْهِ أَوْ بِثَمَرَةٍ يَابِسَةٍ يَكْتَالُهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ صِنْفِهَا، أَوْ ثَمَرَةً فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِثَمَرَةٍ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ سِوَى النَّخْلِ وَكُلٌّ قَدْ طَابَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَجُدَّا مَا فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَدَّ أَحَدُهُمَا وَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَجُدَّ الْآخَرُ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِحِنْطَةٍ فَدَفَعَ الْحِنْطَةَ وَتَفَرَّقَا قَبْلَ أَنْ يَجُدَّ مَا فِي رُءُوسِ


النَّخْلِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، فَكَذَلِكَ الْبَقْلُ عِنْدِي مِثْلُ هَذَا، وَاَلَّذِي أَخْبَرْتُكَ مِنْ الثِّمَارِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَمَائِهَا وَشَجَرِهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَرِثُوا قَرْيَةً لَهَا مَاءٌ وَشَجَرٌ، وَرِثُوا أَرْضَهَا وَمَاءَهَا وَشَجَرَهَا وَشِرْبَهَا، لِأَحَدِهِمْ الثُّلُثُ وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ وَلِلْآخَرِ النِّصْفُ، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا؟
قَالَ: تُقْسَمُ الْأَرْضُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهَا، وَيَكُونُ لَهُمْ فِي شِرْبِهِمْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْهُ، وَكُلُّ قَوْمٍ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي قَلْدٍ مِنْ الْأَقْلَادِ فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَشُرَكَاؤُهُ دُنْيَةً أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ مِنْ سَائِرِ شُرَكَائِهِ فِي الْمَاءِ.
قُلْتُ: وَالدِّنْيَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ هُمْ أَهْلُ وِرَاثَةٍ يَتَوَارَثُونَ دُونَ شُرَكَائِهِمْ؟
قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ قَدْ قُسِّمَتْ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَقْتَسِمُوا الْمَاءَ، فَبَاعَ رَجُلٌ حَظَّهُ مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَبِعْ الْأَرْضَ، كَانَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ نَخْلٍ بَيْنَ قَوْمٍ اقْتَسَمُوهَا وَلَهَا بِئْرٌ وَتَرَكُوا الْبِئْرَ عَلَى حَالِهَا يَسْقُونَ بِهَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ حَظَّهُ مِنْ الْأَرْضِ وَتَرَكَ حَظَّهُ مِنْ الْبِئْرِ لَمْ يَبِعْهُ مَعَهُ، ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ إنْسَانٍ فَقَالَ شَرِيكُهُ فِي الْبِئْرِ أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: الْبِئْرُ الَّتِي لَا شُفْعَةَ فِيهَا مَا هِيَ؟
قَالَ: هِيَ هَذِهِ الَّتِي إذَا قُسِمَتْ النَّخْلُ وَتُرِكَتْ الْبِئْرُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، فَالْعُيُونُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يُقْسَمْ النَّخْلُ، فَإِذَا بَاعَ رَجُلٌ حَظَّهُ مِنْ الْمَاءِ إنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي نَخْلٍ يَسِيرٍ حَظُّهُ مِنْهَا يَسِيرٌ وَلَهُمْ نَبْعُ مَاءٍ، فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَبِيعَ حَظَّهُ مِنْ الْمَاءِ مِنْ رَجُلٍ وَهُوَ الْقَلِيلُ الْحَظِّ وَلَا يَبِيعَ النَّخْلَ. قَالَ: أَرَى شُرَكَاءَهُ فِي الْمَاءِ أَحَقَّ بِالشُّفْعَةِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ]
ُ قُلْتُ: فَهَلْ تُقَسِّمُ الْوَرَثَةُ الزَّرْعَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ عَلَى أَنْ يَحْصُدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مَكَانَهُ؟
قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ يُسْتَطَاعُ أَنْ يُعْدَلَ بَيْنَهُمَا بِالتَّحَرِّي فِي الْقَسْمِ جَازَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُقَسَّمُ عَلَى التَّحَرِّي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَاهُ عَلَى أَنْ يَحْصُدَاهُ فَحَصَدَ أَحَدُهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ حَتَّى صَارَ حَبًّا قَالَ: تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ عَلَى الَّذِي حَصَدَهُ قِيمَةُ مَا حَصَدَ مِنْ الزَّرْعِ، وَيَكُونُ هَذَا الزَّرْعُ الَّذِي اُسْتُحْصِدَ بَيْنَهُمَا يَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا حَبًّا وَيَقْتَسِمَانِ أَيْضًا الْقِيمَةَ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: فِي الْقَصَبِ وَالتِّبْنِ إذَا قُسِمَ عَلَى التَّحَرِّي فَذَلِكَ جَائِزٌ فَرَأَيْتُ قِسْمَةَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ عَلَى التَّحَرِّي جَائِزًا فِي رَأْيِي.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #266  
قديم 04-01-2026, 07:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 271الى صــ 280
الحلقة(266)





فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ حَتَّى يَصِيرَ حَبًّا فَقَدْ فَسَدَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ هَهُنَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، وَلَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَبِيعَ حِصَّتَهُ مِنْ هَذَا الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ عَلَى أَنْ يَتْرُكَهُ مُشْتَرِيهِ حَتَّى يَصِيرَ حَبًّا، فَلَمَّا كَانَ هَذَا فِي الْبَيْعِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، كَانَ أَيْضًا فِي الْقِسْمَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَسَمَاهُ عَلَى التَّحَرِّي عَلَى أَنْ يَحْصُدَاهُ وَهُوَ بَقْلٌ ثُمَّ تَرَكَاهُ جَمِيعًا حَتَّى صَارَ حَبًّا، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ وَيَصِيرُ جَمِيعُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا يَقْتَسِمَانِهِ كَيْلًا، وَهَذَا رَأْيِي مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْبَلَحِ الْكَبِيرِ وَالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرَدْنَا أَنْ نَقْتَسِمَ بَلَحًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَرِثْنَاهُ أَوْ اشْتَرَيْنَاهُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْبَلَحُ كَبِيرًا وَاخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا فِي ذَلِكَ، أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَأْكُلَ الْبَلَحَ وَأَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَبِيعَ الْبَلَحَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ عَلَى الْخَرْصِ يُخْرَصُ بَيْنهمَا إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَ الْبَلَحَ الْكِبَارَ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ. قَالَ: وَلَا أَرَى أَنْ يُبَاعَ الْبَلَحُ إذَا كَانَ كَبِيرًا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. قَالَ: وَكَذَلِكَ فِي الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَا ذَلِكَ عَلَى الْخَرْصِ فِيمَا بَيْنَهُمَا إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ، وَجَعَلَ مَالِكٌ الْبَلَحَ الْكَبِيرَ فِي الْبَيْعِ مِثْلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَلَحُ الْكَبِيرُ فِي الْقِسْمَةِ مِثْلَ الْبُسْرِ وَالرُّطَبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا هَذَا الْبَلَحَ الْكَبِيرَ بِالْخَرْصِ وَخُرِصَ بَيْنَهُمَا، عَلَى أَنْ يَجُدَّهُ أَحَدُهُمَا لِيَأْكُلَهُ وَأَرَادَ الْآخَرُ أَنْ يَبِيعَهُ، أَمَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا بَيْعَ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ لَيْسَ يَدًا بِيَدٍ؟
قَالَ: إذَا اقْتَسَمَاهُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَخُرِصَ بَيْنَهُمَا، إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ مُخْتَلِفَةً وَعَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الَّذِي لَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الَّذِي لَهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا الْقَسْمِ، وَإِنْ لَمْ يَجُدَّ الَّذِي حَاجَتُهُ إلَى الْأَكْلِ إلَّا بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، مَا لَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى يُزْهِيَ وَقِسْمَتُهُمَا بِالْخَرْصِ إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا قَبْضٌ. وَالْخَرْصُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي حَاجَتُهُ إلَى الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرُّطَبِ إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بِالْخَرْصِ، ثُمَّ يَجُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الرُّطَبِ كُلَّ يَوْمٍ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْبَلَحُ الْكِبَارُ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا هَذَا الْبَلَحَ الْكَبِيرَ بِالْخَرْصِ وَكَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى الْبَلَحِ مُخْتَلِفَةً، فَجَدَّ وَاحِدٌ وَتَرَكَ الْآخَرُ حِصَّتَهُ حَتَّى أَزْهَى، أَوْ تَرَكَا جَمِيعًا حِصَّتَهُمَا حَتَّى أَزْهَى النَّخْلُ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَوْ تَكُونُ الْقِسْمَةُ جَائِزَةً؟
قَالَ: تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا إنْ تَرَكَاهُ جَمِيعًا حَتَّى أَزْهَى أَوْ تَرَكَهُ أَحَدُهُمَا وَجَدَّ الْآخَرُ.
قُلْتُ: وَلِمَ نُقِضَتْ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: لِأَنَّهُ بَيْعُ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ. أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا ابْتَاعَ نِصْفَ نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِنِصْفِ مَا صَارَ لَهُ مِنْ الْبَلَحِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُبْتَاعَ الْبَلَحُ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا عَلَى

أَنْ يُتْرَكَ حَتَّى يُزْهِيَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَاهُ بَعْدَمَا أَزْهَى وَحَاجَتُهُمَا إلَى مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ مُخْتَلِفَةٌ فَتَرَكَاهُ حَتَّى أَثْمَرَ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا تُنْتَقَضُ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمْ فِيهِ يُتْمِرُ وَاحِدٌ وَيَجُدُّ آخَرُ وَيَبِيعُ آخَرُ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ اشْتَرَى رُطَبًا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى يُتْمِرَ، لَمْ يُنْتَقَضْ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ أَيْضًا عِنْدِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْت مِثْلَ تَمْرِ إفْرِيقِيَةَ، فَإِنَّهُمْ يَجُدُّونَهُ بُسْرًا إذَا بَدَا قَبْلَ أَنْ يُرَطَّبَ، ثُمَّ يَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَتَتَمَّرَ عَلَى ظُهُورِ الْبُيُوتِ وَفِي الْأَنَادِرِ، أَرَأَيْت إنْ اقْتَسَمَاهُ بَعْدَمَا جَدَّاهُ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا اقْتَسَمَاهُ كَيْلًا.
قُلْتُ: وَلَا يُخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ لَيْسَ مِثْلًا بِمِثْلٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَفَّ وَانْتَقَصَ لَا يُدْرَى أَيَكُونُ ذَلِكَ سَوَاءً أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الرُّطَبَ كُلَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا اقْتَسَمَاهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ نُقْصَانَ ذَلِكَ كُلِّهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ.
قُلْتُ: وَيُصْلَحُ الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ، رَأَيْتُ أَنَا أَنَّهُ جَائِزٌ إذَا اقْتَسَمَاهُ، ثُمَّ جَفَّ بَعْد ذَلِكَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصَارَ تَمْرًا فَذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ أَيْضًا مَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ لِأَنَّهُ الرُّطَبُ بِالرُّطَبِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَاهُ بَلَحًا صِغَارًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا اقْتَسَمَاهُ عَلَى التَّحَرِّي اجْتَهَدَا حَتَّى خَرَجَا مِنْ وَجْهِ الْمُخَاطَرَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا الْبَلَحُ الصَّغِيرُ عَلَفٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ بَقْلٌ مِنْ الْبُقُولِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اقْتَسَمَاهُ وَفَضَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ فَضَلَهُ بِذَلِكَ.

وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِبَلَحِ نَخْلَةٍ بِبَلَحِ نَخْلَتَيْنِ، عَلَى أَنْ يَجُدَّاهُ مَكَانَهُمَا إذَا كَانَ الْبَلَحُ صَغِيرًا.
قُلْتُ: وَتَجُوزُ قِسْمَتُهُمَا هَذَا الْبَلَحَ وَحَاجَتُهُمَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ يَجُوزُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى الْبَلَحِ سَوَاءً؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُشْبِهُ الرُّطَبَ بِالرُّطَبِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْبَقْلِ وَالْعَلَفِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمَا هَذَا الْبَلَحَ فَلَمْ يَجُدَّاهُ حَتَّى صَارَ بَلَحًا كِبَارًا لَا يُشْبِهُ الرُّطَبَ، أَيُنْتَقَضُ الْقَسْمُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَأَحَدُهُمَا قَدْ فَضَلَ صَاحِبَهُ فِي الْقِسْمَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا اقْتَسَمَاهُ عَلَى تَفَاضُلٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى إنْ كَانَا اقْتَسَمَاهُ بَيْنَهُمَا عَلَى غَيْرِ تَفَاضُلٍ، وَكَانَ إذَا كَبِرَ يَتَفَاضَلُ فِي الْكَيْلِ، فَأَرَاهُ مَفْسُوخًا، وَإِلَّا لَمْ أَرَهُ مَفْسُوخًا إلَّا أَنْ يُزْهِيَ قَبْلَ أَنْ يَجُدَّاهُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَجُدَّ أَحَدُهُمَا أَوْ يَكُونَا قَدْ جَدَّا، إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ بَقِيَ لَهُ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ شَيْءٌ لَمْ يَجُدَّهُ حَتَّى أَزْهَى. قَالَ: وَإِذَا أَكَلَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ مَا صَارَ لَهُ فِي الْقَسْمِ، وَأَكَلَ الْآخَرُ نِصْفَ مَا صَارَ لَهُ فِي الْقَسْمِ، أَيُنْتَقَضُ الْقَسْمُ فِي نِصْفِ مَا أَكَلَ الَّذِي أَكَلَ جَمِيعَ مَا صَارَ لَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ نِصْفَ قِيمَةِ مَا صَارَ لَهُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ هَذَا الَّذِي أَزْهَى فِيمَا بَيْنَهُمَا أَيْضًا؟
قَالَ: وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ إذَا اقْتَسَمَاهُ بَقْلًا عَلَى أَنْ يَحْصُدَاهُ فَتَرَكَاهُ حَتَّى أَفْرَكَ أَوْ تُرِكَ بَعْضُهُ


حَتَّى أَفْرَكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ مَالِكٍ فِي الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ حِينَ يَقُولُ: يَقْتَسِمَانِهِ بِالْخَرْصِ إذَا وُجِدَ مَنْ يَخْرُصُ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ مُخْتَلِفَةً، وَقَالَ ذَلِكَ فِي الْعِنَبِ أَيْضًا. لِمَ قَالَهُ؟ وَمَا فَرَّقَ بَيْنَ هَذَا إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفَةً؟
قَالَ: لِأَنَّ الْخَرْصَ عِنْدَ مَالِكٍ كَيْلٌ إذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَيْهِ، فَإِذَا اتَّفَقَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ الرُّطَبِ لَمْ يَقْتَسِمَاهُ إلَّا كَيْلًا؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إلَى هَذَا الرُّطَبِ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى أَنْ يَبِيعَا ذَلِكَ جَمِيعًا، قِيلَ لَهُمَا بِيعَا ثُمَّ اقْتَسِمَا الثَّمَنَ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بُدٌّ مِنْ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بِالْخَرْصِ، وَيُجْعَلُ الْخَرْصُ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ، فَلَا يَكُونُ الْخَرْصُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ حَاجَتُهُمَا إلَى ذَلِكَ وَاحِدَةً، كَانَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَهُمَا فَلَا يَقْتَسِمَانِهِ إلَّا بِالصَّاعِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْعَبِيدِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبِيدَ، هَلْ يُقْتَسَمُونَ وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ.

[مَا جَاءَ فِي قَسْمِ اللَّبَنِ فِي الضُّرُوعِ وَالصُّوفِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ]
ِ قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْقَسِمَ اللَّبَنُ فِي ضُرُوعِ الْمَاشِيَةِ، مِثْلُ غَنَمٍ بَيْنِي وَبَيْنَ شَرِيكِي نَقْتَسِمُهَا لِلْحَلْبِ يَحْلِبُ وَأَحْلِبُ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الْقَسْمَ عَلَى الْمُخَاطَرَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ فَضَّلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ؟
قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ، وَكَانَ إنْ هَلَكَتْ الْغَنَمُ الَّتِي فِي يَدِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا رَجُلٌ تَرَكَ فَضْلًا لِصَاحِبِهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْمُقَاسَمَةِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْقَسْمِ لِأَنَّهُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ.

قُلْتُ: فَهَلْ يُقَسَّمُ الصُّوفُ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَا يَجُزَّانِهِ بِحَضْرَتِهِمَا وَإِلَى أَيَّامٍ قَرِيبَةٍ، يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ إلَيْهِ، فَإِنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَيْرٌ.

[فِي قِسْمَةِ الْجِذْعِ وَالْمِصْرَاعَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ وَالثِّيَابِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجِذْعَ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَدَعَا أَحَدُهُمَا إلَى قِسْمَتِهِ إلَى أَنْ يُقْطَعَ بَيْنَهُمَا وَأَبَى ذَلِكَ صَاحِبُهُ؟ فَقَالَ: لَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ لَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْجِذْعُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْبَابُ؟


قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْمِصْرَاعَانِ وَالْخُفَّانِ وَالنَّعْلَانِ، هِيَ مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ لَكَ فِي الثَّوْبِ وَالْخُفَّيْنِ وَالْمِصْرَاعَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْمُلَفَّقَةُ مِنْ الْعِرْقِيِّ وَالْمَرْوِيِّ وَالْمُلَفَّقِ هُوَ عِنْدَكَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّاعِدَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ وَالذِّرَاعَيْنِ؟
قَالَ: لَا تُقْسَمُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّحَا، هَلْ تُقَسَّمُ آخُذُ أَنَا حَجَرًا وَصَاحِبِي حَجَرًا؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِذَلِكَ، فَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ تُقَسَّمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْفَصُّ وَالْيَاقُوتَةُ وَاللُّؤْلُؤَةُ وَالْخَاتَمُ؟
قَالَ: نَعَمْ، هَذَا كُلُّهُ سَوَاءٌ لَا يُقْسَمُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، إذَا اجْتَمَعَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ شَيْءٌ كَثِيرٌ يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، أَتَجْمَعُهُ كُلَّهُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ فَتَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ، أَمْ تَجْعَلُ كُلَّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ بَيْنَهُمْ؟
قَالَ: بَلْ يُجْعَلُ كُلُّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَحْمِلُ الْقِسْمَةَ فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَتَاعَ إذَا كَانَ خَزًّا أَوْ حَرِيرًا أَوْ دِيبَاجًا أَوْ قُطْنًا أَوْ كَتَّانًا أَوْ صُوفًا، أَيَجْمَعُهُ فِي الْقَسْمِ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا كَثِيرًا يَحْمِلُ الْقِسْمَةَ عَلَى حِدَةٍ؟
قَالَ: هَذِهِ الثِّيَابُ كُلُّهَا تُجْمَعُ فِي الْقِسْمَةِ إذَا كَانَ لَا يَحْمِلُ أَنْ يُقْسَمَ كُلُّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَ هَذَا الْمَتَاعِ فِرَاءٌ؟
قَالَ: الْفِرَاءُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الثِّيَابِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهَا بُسُطٌ وَوَسَائِدُ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُجْمَعَ هَذَا مَعَ الْبَزِّ وَالثِّيَابِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَتَاعٌ سِوَى الْبَزِّ. قَالَ: وَالْبَزُّ أَيْضًا إذَا كَانَ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِمَّا سَأَلْتَ عَنْهُ مَا يَحْمِلُ الْقِسْمَةَ عَلَى حِدَتِهِ قَسْمُهُ عَلَى حِدَةٍ. قَالَ: وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ وَهَذَا رَأْيِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْغِرَارَتَيْنِ، أَيُقْسَمَانِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ؟
قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ فَسَادًا إنْ قُسِّمَ لَمْ أَقْسِمْهُ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِيهِ فَسَادٌ قَسَمْتُهُ مِثْلُ النَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَبْلَ، هَلْ يُقَسَّمُ إذَا أَبَى ذَلِكَ أَحَدُهُمَا؟
قَالَ: لَا يُقَسَّمُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْخُرْجُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمِحْمَلَ، هَلْ يُقَسَّمُ إذَا أَبَى أَحَدُهُمَا ذَلِكَ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِيهِ إلَى الْمَضَرَّةِ وَنُقْصَانِ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانُ الثَّمَنِ وَمَضَرَّةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا يُقَسَّمُ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَا.

[فِي قِسْمَةِ الْجُبْنَةِ وَالطَّعَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجُبْنَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، أَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ. تُقَسَّمُ وَإِنْ أَبَى أَحَدُهُمَا لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَنْقَسِمُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الطَّعَامِ: إنَّهُ يُقَسَّمُ، فَأَرَى هَذِهِ الْجُبْنَةَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ.

[فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَالْعُيُونِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْمًا وَرِثُوا أَرَضِينَ وَعُيُونًا كَثِيرَةً، فَأَرَادُوا قِسْمَةَ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ


نَجْمَعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا نَصِيبَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَنْ الْعُيُونِ وَالْأَرَضِينَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَعْطِنِي نَصِيبِي مَنْ كُلِّ عَيْنٍ وَمَنْ كُلِّ أَرْضٍ؟
قَالَ: إذَا اسْتَوَتْ الْعُيُونُ فِي سَقْيِهَا الْأَرْضَ وَاسْتَوَتْ الْأَرْضُ فِي الْكَرْمِ، وَكَانَتْ قَرِيبًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ حَتَّى لَا يَكُونَ اخْتِلَافًا بَيِّنًا شَدِيدًا، قَسَّمْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعُيُونُ فِي سَقْيِهَا الْأَرْضَ وَغَزْرِهَا وَاخْتَلَفَتْ الْأَرْضُ فِي كَرْمِهَا، قَسَّمْتُ كُلَّ أَرْضٍ وَعُيُونَهَا عَلَى حِدَةٍ، بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ عِنْدَ مَالِكٍ.

[فِي بَيْعِ النَّخْلِ بِالنَّخْلِ وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يُزْهِ]
ِ قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَبِيعَ نَخْلًا لِي فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يُزْهِ وَهُوَ طَلْعٌ بَعْدُ، بِنَخْلٍ لِرَجُلٍ فِيهَا ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يُزْهِ أَوْ هُوَ طَلْعٌ بَعْدُ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْجِنَانَيْنِ أَوْ الْحَائِطَيْنِ، يَبِيعُ أَحَدُهُمَا جِنَانَهُ أَوْ حَائِطَهُ مِنْ النَّخْلِ بِجِنَانِ صَاحِبِهِ أَوْ بِحَائِطِ صَاحِبِهِ مِنْ النَّخْلِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا ثَمَرٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا ثَمَرٌ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا كَانَ فِي إحْدَاهُمَا ثَمَرَةٌ وَالْأُخْرَى لَيْسَ فِيهَا ثَمَرٌ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ ثَمَرَةُ الْحَائِطَيْنِ بَلَحًا أَوْ طَلْعًا أَوْ بُسْرًا أَوْ رُطَبًا أَوْ تَمْرًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ إذَا اشْتَرَطَا الثَّمَرَةَ مَعَ الْأَصْلِ. قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ الْحَائِطَ وَفِيهِ الثَّمَرُ لَمْ يُؤَبَّرْ بَعْدُ، بِقَمْحٍ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ، فَإِذَا اشْتَرَطَا الثَّمَرَةَ مَعَ الْأَصْلِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ تَبَايَعَا الْأَصْلَيْنِ بِغَيْرِ ثَمَرَتِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، إذَا كَانَتْ ثَمَرَتُهُمَا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ كَانَتْ بَلَحًا أَوْ بُسْرًا أَوْ رُطَبًا. وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَتُهُمَا لَمْ تُؤَبَّرْ فَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يَتَبَايَعَاهُمَا عَلَى حَالٍ، لَا إنْ كَانَتْ ثَمَرَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَائِطَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَلَا إنْ كَانَتْ تَبَعًا لِلْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ تَبَعًا لِلْأَصْلِ فَهُوَ بَيْعُ ثَمَرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ بِثَمَرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ فَهُوَ الثَّمَرُ بِالثَّمَرِ إلَى أَجَلٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَبَعًا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَبِيعَ حَائِطًا وَفِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ فَيَسْتَثْنِي ثَمَرَهُ، فَإِذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُبَايِعَ صَاحِبَهُ حَائِطَهُ بِحَائِطِهِ وَيَحْبِسَ ثَمَرَتَهُ، لِأَنَّهُ اسْتَثْنَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَةُ أَحَدِهِمَا قَدْ أُبِّرَتْ وَثَمَرَةُ الْآخَرِ لَمْ تُؤَبَّرْ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ إحْدَاهُمَا بِصَاحِبَتِهَا إذَا كَانَتْ الَّتِي قَدْ أُبِّرَتْ لِصَاحِبِهَا، فَإِنْ اسْتَثْنَاهَا صَاحِبُ الثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ فَلَا يَحِلُّ.
قُلْتُ: فَأَصْلُ مَا كَرِهَ مَالِكٌ مِنْ هَذَا، أَنَّ النَّخْلَ إذَا كَانَ فِيهَا طَلْعٌ أَوْ بَلَحٌ أَوْ بُسْرٌ أَوْ رُطَبٌ أَوْ تَمْرٌ، لَمْ يَصْلُحْ أَنْ تُبَاعَ تِلْكَ النَّخْلُ بِمَا فِي رُءُوسِهَا بِشَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ، وَيَجُوزُ بِالدَّرَاهِمِ وَبِالْعُرُوضِ كُلِّهَا؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يَجُدَّا مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَيَتَقَابَضَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، فَيَكُونَ ذَلِكَ جَائِزًا بِالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ.


[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الثَّمَرِ مَعَ الشَّجَرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْنَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا وَفِيهَا ثَمَرٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ أَوْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَهُوَ طَلْعٌ بَعْدُ، فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ النَّخْلَ وَمَا فِي رُءُوسِهَا أَوْ الشَّجَرَ وَمَا فِي رُءُوسِهَا؟
قَالَ: يُقَسَّمُ النَّخْلُ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يُقَسَّمُ مَا فِي رُءُوسِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَا نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُقَسِّمَ النَّخْلَ وَمَا فِي رُءُوسِهَا مِنْ الرُّطَبِ بَيْنَنَا، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ حَاجَتُنَا إلَى الرُّطَبِ؟
قَالَ: يُقَسَّمُ إذًا بَيْنَهُمَا إذَا كَانَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، تُقَسَّمُ الْأَرْضُ عَلَى الْقِيمَةِ وَمَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالْخَرْصِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَقْيُ نَخْلَةٍ وَإِنْ كَانَتْ ثَمَرَتُهَا لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّهُ مَنْ بَاعَ ثَمَرًا كَانَ عَلَى صَاحِبِ النَّخْلِ سَقْيُ الثَّمَرَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ ثَمَرِي فِي حَائِطِكَ كَانَ عَلَيْكَ سَقْيُ الْأَصْلِ، فَيُجْمَعُ مِنْ الْأَصْلِ لِكُلِّ رَجُلٍ حَقُّهُ فِي مَوْضِعٍ، وَيَكُونُ حَقُّهُ فِي الثَّمَرَةِ حَيْثُ وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ ذَلِكَ لَهُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ.

قُلْتُ: فَإِنْ وَرِثْنَا نَخْلًا فِيهَا بَلَحٌ أَوْ طَلْعٌ، فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ النَّخْلَ وَالْبَلَحَ؟
قَالَ: أَمَّا الْبَلَحُ وَالطَّلْعُ فَلَا يُقَسَّمُ عَلَى حَالٍ إلَّا أَنْ يَجُدَّاهُ أَوْ يُقَسِّمَا الرِّقَابَ بَيْنَهُمَا وَيَتْرُكَا الْبَلَحَ وَالطَّلْعَ حَتَّى يَطِيبَ، ثُمَّ إنْ أَرَادَا أَنْ يُقَسِّمَاهُ إذَا طَابَ اقْتَسَمَاهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْبَلَحِ.
قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقْتَسِمَا الْبَلَحَ فِي النَّخْلِ؟
قَالَ أَرَأَيْتَ الزَّرْعَ، أَيَصْلُحُ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ مَعَ الْأَرْضِ إذَا وَرِثَا الزَّرْعَ وَالْأَرْضَ جَمِيعًا؟
قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَالْأَرْضُ وَالزَّرْعُ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ وَالْبَلَحِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَزْهَى مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ قَسَّمَهُ مَالِكٌ بَيْنَهُمَا بِالْخَرْصِ. قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّرْعَ إذَا حُصِدَ وَصَارَ حَبًّا قَسَمَاهُ بَيْنَهُمَا بِالْكَيْلِ، وَالْخَرْصُ فِي ثَمَرَةِ النَّخْلِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ لَيْسَ فِيهِ خَرْصٌ وَالنَّخْلُ فِيهَا الْخَرْصُ، فَإِذَا طَابَ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا بِالْخَرْصِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْفَوَاكِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّجَرَ غَيْرَ النَّخْلِ، هَلْ يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ مَا فِي رُءُوسِهَا إذَا طَابَ وَقَدْ وَرِثْنَاهَا وَمَا فِي رُءُوسِهَا؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَ: لَا يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَسَّمُ بِالْخَرْصِ إلَّا الْعِنَبُ وَالنَّخْلُ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الثِّمَارِ إلَّا فِيهِمَا جَمِيعًا، فَجَعَلَ مَالِكٌ الْخَرْصَ فِيهِمَا إذَا طَابَ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الثِّمَارِ، وَإِنْ لَمْ يَطِبْ النَّخْلُ وَالْعِنَبُ فَلَا يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا بِالْخَرْصِ، وَإِنَّمَا يُقَسَّمُ إنْ أَرَادَا ذَلِكَ أَنْ يَجُدَّاهُ ثُمَّ يُقَسِّمَانِهِ كَيْلًا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ وَرَثَةً وَتَرَكَ دَيْنًا عَلَى رِجَالٍ شَتَّى وَتَرَكَ عُرُوضًا لَيْسَتْ بِدَيْنٍ، فَاقْتَسَمَا، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا الدَّيْنَ عَلَى أَنْ يَتَّبِعَ الْغُرَمَاءَ، وَأَخَذَ الْآخَرُ الْعُرُوضَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: إذَا كَانَ الْغُرَمَاءُ حُضُورًا وَجُمِعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي


الْبُيُوعِ، أَنَّهُ قَالَ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَشْتَرِيَ دَيْنًا عَلَى غَرِيمٍ غَائِبٍ إذَا كَانَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: هَلْ تُقَسَّمُ الدُّيُونُ عَلَى الرِّجَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَقْتَسِمُونَ مَا كَانَ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَلَا يُقَسِّمُ الرَّجُلُ؛ لِأَنَّ هَذَا يَصِيرُ ذِمَّةً بِذِمَّةٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. وَبَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: الذِّمَّةُ بِالذِّمَّةِ مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ أَهْلِ الْمِيرَاثِ ثُمَّ يَدَّعِي أَحَدُهُمَا الْغَلَطَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اقْتَسَمَ أَهْلُ الْمِيرَاثِ، فَادَّعَى أَحَدُهُمْ الْغَلَطَ وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ؟
قَالَ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ إذَا ادَّعَى الْغَلَطَ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ، أَوْ يَتَفَاحَشُ حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ غَلَطٌ لَا يُشَكُّ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الثَّوْبَ مُرَابَحَةً، ثُمَّ يَأْتِي الْبَائِعُ فَيَدَّعِي وَهْمًا عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ، أَوْ يَأْتِيَ مِنْ رَقْمِ الثَّوْبِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْغَلَطِ، فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، فَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى الْغَلَطَ فِي قَسْمِ الْمِيرَاثِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا فَادَّعَى بَعْضُهُمْ الْغَلَطَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، أَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ بَاعَ ثَوْبًا فَادَّعَى الْغَلَطَ يَقُولُ أَخْطَأْتُ، أَوْ بَاعَهُ مُرَابَحَةً فَيَقُولُ أَخْطَأْتُ إنَّهُ لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ أَمْرٍ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ ثَوْبَهُ ذَلِكَ لَا يُؤْخَذُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْقِسْمَةَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَى أَحَدُهُمْ الْغَلَطَ فِي قَسْمِ الْمَوَارِيثِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُونَ ذَلِكَ، أَيُحَلِّفُهُمْ لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمْنَا أَثْوَابًا وَرِثْنَاهَا، فَأَخَذْتُ أَنَا أَرْبَعَةً وَأَخَذَ صَاحِبِي سِتَّةً، ثُمَّ ادَّعَيْت أَنَّ ثَوْبًا مِنْهَا لِي فِي قِسْمَتِي وَأَنْكَرَ صَاحِبِي ذَلِكَ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ بَيْنَنَا أَمْ تُحَلِّفُهُ وَتَكُونُ الْقِسْمَةُ جَائِزَةً؟
قَالَ: أُحَلِّفُهُ وَتَكُونُ الْقِسْمَةُ جَائِزَةً.
قُلْتُ: وَلِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي ادَّعَى الثَّوْبَ الَّذِي فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، قَدْ أَقَرَّ بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ يَدَّعِي ثَوْبًا مِمَّا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، فَلَا يُصَدَّقُ، وَالْقِسْمَةُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ تُشْبِهُ مَا يَتَقَاسَمُ النَّاسُ عَلَيْهِ وَحَلَفَ شَرِيكُهُ عَلَى الثَّوْبِ وَلَا شَيْءَ لَهُ فِيهِ.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلْتَ الْقَوْلَ قَوْلَ مَنْ فِي يَدَيْهِ الثَّوْبُ مَعَ يَمِينِهِ، وَأَنْتَ تَقُولُ لَوْ أَنِّي بِعْتُ عَشَرَةَ أَثْوَابٍ مِنْ رَجُلٍ، فَلَمَّا قَبَضَهَا جِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ إنَّمَا بِعْتُكَ تِسْعَةَ أَثْوَابٍ وَغَلِطْتُ بِالْعَاشِرِ فَدَفَعْتُهُ إلَيْكَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ اشْتَرَيْتُ الْعَشَرَةَ كُلَّهَا، وَالْأَثْوَابُ قَائِمَةٌ بِأَعْيَانِهَا أَنَّ الْبَيْعَ يُنْتَقَضُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، فَالْقِسْمَةُ لِمَ لَا تَجْعَلُهَا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: لَا تَكُونُ الْقِسْمَةُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إذَا قَبَضَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا صَارَ لَهُ وَحَازَهُ، لَمْ يَجُزْ قَوْلُ شَرِيكِهِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا يَجُوزُ لَمْ يَشَأْ رَجُلٌ قَعَدَ بَعْدَمَا تَقَاسَمَ أَصْحَابُهُ أَنْ يَفْسَخَ الْقِسْمَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ إلَّا فَعَلَ ذَلِكَ. وَالْبَيْعُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ نِصْفَهَا أَوْ رُبُعَهَا، وَكَذَلِكَ فِي الْجَارِيَةِ وَكَذَلِكَ فِي الثِّيَابِ. وَالْقِسْمَةُ إذَا تَحَاوَزَا فَالْقَوْلُ فِي الَّذِي حَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا


قَوْلُهُ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ صَاحِبِهِ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْنَا الْبَيِّنَةَ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي ادَّعَيْتُهُ، أَقَمْتُ أَنَا الْبَيِّنَةَ صَارَ لِي فِي الْقِسْمَةِ وَأَقَامَ صَاحِبِي أَيْضًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، لِمَنْ يَكُونُ؟
قَالَ: إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ فِي يَدَيْهِ الثَّوْبُ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: وَالْغَنَمُ بِمَنْزِلَةِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ الثِّيَابِ إذَا اقْتَسَمَاهَا فَادَّعَى أَحَدُهُمَا غَلَطًا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ سَوَاءٌ.

[مَا جَاءَ فِي الرَّجُلَيْنِ يَقْتَسِمَانِ الدَّارَ فَيَدَّعِي أَحَدُهُمَا بَيْتًا بَعْدَ الْقَسْمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمْنَا دَارًا فَاخْتَلَفْنَا فِي بَيْتٍ مِنْ الدَّارِ وَلَيْسَ ذَلِكَ الْبَيْتُ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنَّا فَادَّعَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا وَفُسِخَتْ الْقِسْمَةُ كُلُّهَا بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ أَوْ كَانَ قَدْ حَازَ ذَلِكَ الْبَيْتَ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِنْ أَبَى الْيَمِينَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا جُعِلَ الْبَيْتُ لِصَاحِبِهِ الْآخَرِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ، وَلَا يَكُونُ لَهُ الْبَيْتُ إذَا أَبَى صَاحِبُهُ الْيَمِينَ إلَّا بَعْدَمَا يَحْلِفُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَمَّا مَا أَخْبَرْتُكَ بِهِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ مَالًا وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ، فَيُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ احْلِفْ وَابْرَأْ فَيَنْكُلُ عَنْ الْيَمِينِ، أَيُقْضَى بِالْمَالِ عَلَيْهِ أَمْ يَقُولُ السُّلْطَانُ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ، وَإِلَّا لَمْ يَقْضِ لَهُ بِشَيْءٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْضِيَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ يَعْرِفُ أَنَّ لَهُ رَدَّ الْيَمِينِ عَلَى صَاحِبِهِ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ، فَهَذَا يُشْبِهُ مَا أَخْبَرْتُكَ مِنْ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْبَيْتِ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ فِي الْقِسْمَةِ.

[مَا جَاءَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي حَدِّ الْقِسْمَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْحَدِّ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي الدَّارِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا الْحَدُّ مِنْ هَهُنَا وَدَفَعَ عَنْ جَانِبِهِ إلَى جَانِبِ صَاحِبِهِ، وَقَالَ صَاحِبُهُ بَلْ الْحَدُّ مِنْ هَهُنَا وَدَفَعَ عَنْ جَانِبِهِ إلَى جَانِبِ صَاحِبِهِ؟
قَالَ: إنْ كَانَا قَسَمَا الْبُيُوتَ عَلَى حِدَةٍ وَالسَّاحَةَ عَلَى حِدَةٍ، تَحَالَفَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ وَفُسِخَتْ الْقِسْمَةُ فِي السَّاحَةِ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تُفْسَخْ الْقِسْمَةُ فِي الْبُيُوتِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا إنَّمَا هُوَ فِي الْحَدِّ وَفِي السَّاحَةِ وَهَذَا كُلُّهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ. وَإِنْ كَانَا قَسَمَا فِي الْبُيُوتِ وَالسَّاحَةِ قَسْمًا وَاحِدًا، تَرَاضَيَا بِذَلِكَ فُسِخَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا كُلُّهَا؛ لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ وَاحِدَةٌ اخْتَلَفَا فِيهَا.


[فِي قِسْمَةِ الْوَصِيِّ مَالَ الصِّغَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، هَلْ يُقَسِّمُ مَالَ الصِّغَارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ إذَا لَمْ يَتْرُكْ الْمَيِّتُ إلَّا صِبْيَانًا صِغَارًا، وَأَوْصَى بِهِمْ وَبِتَرِكَتِهِ إلَى هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقَسِّمَ الْوَصِيُّ مَالَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَلَا يُقَسِّمُ مَالَ الصِّغَارِ بَيْنَهُمْ إذَا كَانُوا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ، إلَّا السُّلْطَانُ إنْ رَأَى ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ. قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: لَا يُقَسِّمُ بَيْنَ الْأَصَاغِرِ أَحَدٌ إلَّا الْقَاضِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَوْصَى رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ وَتَرَكَ صِبْيَانًا صِغَارًا وَأَوْلَادًا كِبَارًا، أَلَيْسَ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُقَاسِمَ الْوَرَثَةَ الْكِبَارَ لِلصِّغَارِ بِغَيْرِ أَمْرِ قَاضٍ؟ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ، وَسُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ حَلَفَتْ لَتُقَاسِمَنَّ إخْوَتَهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يُقَاسِمُوهَا. فَقَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي حَتَّى يَبْعَثَ مَنْ يُقَسِّمُ بَيْنَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَاسَمَ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَاضِي الْكِبَارَ لِلصِّغَارِ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ وَالْإِصَابَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَاسَمَ الْوَصِيُّ أَوْ الْقَاضِي هَؤُلَاءِ الْكِبَارَ لِلصِّغَارِ فَوَقَعَتْ سُهْمَانُ الْأَصَاغِرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ وَأَخَذَ الْكِبَارُ حَظَّهُمْ وَبَقِيَ حَظُّ الْأَصَاغِرِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ فَهَلْ يُجْمَعُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُجْمَعُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، وَيَكُونُ سَهْمُ كُلِّ صَغِيرٍ مِنْهُمْ حَيْثُ وَقَعَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُجْمَعُ حَظُّ اثْنَيْنِ فِي الْقَسْمِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قِسْمَةَ الْوَصِيِّ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَكِبَارٌ، أَتَجُوزُ عَلَى هَذَا الْغَائِبِ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَصِيِّ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَا يُقَسِّمُ لِهَذَا الْغَائِبِ إلَّا السُّلْطَانُ. وَإِنْ قَسَّمَ لِهَذَا الْغَائِبِ الْوَصِيُّ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

قُلْتُ: هَلْ يَبِيعُ الْوَصِيُّ الْعَقَارَ عَلَى الْيَتَامَى أَمْ لَا؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ يُجَاوِرُهُ فَيُعْطِيَهُ الثَّمَنَ الْكَثِيرَ الْمَرْغُوبَ فِيهِ، وَقَدْ أَضْعَفَ لَهُ فِي الثَّمَنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ لَيْسَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَا يَحْمِلُ الْيَتِيمَ فِي نَفَقَةِ الْيَتِيمِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ رَأَيْتُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَبِيعَ. وَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْيَتِيمِ إنْ كَبِرَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَصِيبَ الْغَائِبِ إذَا قَاسَمَ السُّلْطَانُ لَهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِنَصِيبِهِ وَفِي يَدِ مَنْ يَتْرُكُهُ؟
قَالَ: يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ لِلْغَائِبِ، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْوَصِيِّ يَنْظُرُ بِالدَّيْنِ وَفِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ قَالَ: إذَا كَانَ الْوَرَثَةُ كِبَارًا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا مِثْلُهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ فِي حَظِّ الْكِبَارِ شَيْءٌ أَنْ يَقُولَ: يُتْرَكُ نَصِيبُ هَذَا الْكَبِيرِ الْغَائِبِ فِي يَدِي حَتَّى يَقْدَمَ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ لِلْغَائِبِ السُّلْطَانُ.

[فِي الْمُسْلِمِ إذَا أَوْصَى إلَى الذِّمِّيِّ وَقَسَمَهُ مَجْرَى الْمَاءِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسْلِمَ إذَا أَوْصَى إلَى ذِمِّيٍّ، أَتَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَنْ أَوْصَى إلَى مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ وَالْمُوصَى إلَيْهِ مَسْخُوطٌ لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهُ،


فَهَذَا مِمَّنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ.

قُلْتُ: هَلْ يُقَسَّمُ مَجْرَى الْمَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَقُولُ يُقَسَّمُ مَجْرَى مَاءٍ، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا جَوَّزَهُ، وَمَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يُقَسَّمَ مَجْرَى الْمَاءِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا أَرْضًا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي أَرْضِ صَاحِبِهِ، وَبَعْضُهُمْ إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى هَذَا يَبْقَى لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى أَرْضِهِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا، وَلَا أَرَى هَذَا مِنْ قِسْمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَجُوزُ. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ مَا يُشْبِهُ هَذَا.

[الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ النَّخْلَةُ فِي أَرْضِ رَجُلٍ أُقْلِعَتْ فَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ مَكَانَهَا غَيْرَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي نَخْلَةً فِي أَرْضِ رَجُلٍ قَلَعَهَا الرِّيحُ أَوْ قَلَعْتُهَا أَنَا نَفْسِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَغْرِسَ مَكَانَهَا نَخْلَةً أُخْرَى؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَسَأَلَهُ عَنْهَا أَهْلُ الْمَغْرِبِ فَقَالَ: ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ مَكَانَهَا زَيْتُونَةً أَوْ جَوْزَةً، أَوْ يَغْرِسَ فِي مَوْضِعِ أَصْلِ تِلْكَ النَّخْلَةِ نَخْلَتَيْنِ أَوْ شَجَرَتَيْنِ مِنْ سِوَى النَّخِيلِ، أَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ فِي مَوْضِعِ نَخْلَتِهِ، مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِثْلُ نَخْلَتِهِ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ الْأَشْجَارِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَصْلِ تِلْكَ النَّخْلَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَغْرِسَ مَا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ انْتِشَارًا وَأَضَرَّ بِالْأَرْضِ مِنْ نَخْلَتِهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّ هَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَغْرِسَ فِي مَوْضِعِ نَخْلَتِهِ مِثْلَهَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ نَخْلَةً فِي أَرْضِ رَجُلٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَجُدَّهَا، فَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ لَا أَتْرُكُك تَتَّخِذَ فِي أَرْضِي، طَرِيقًا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ الذَّهَابِ إلَى نَخْلَتِهِ لِيَجُدَّهَا أَوْ لِيُصْلِحَهَا. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ قَدْ زَرَعَ أَرْضَهُ كُلَّهَا، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرِقَ زَرْعَهُ إلَى نَخْلَتِهِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُمْنَعَ الْمَمَرَّ إلَى نَخْلَتِهِ، وَلَا أَرَى أَنْ يَضُرَّ صَاحِبُ النَّخْلَةِ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي الْمَمَرِّ إلَى نَخْلَتِهِ، إنَّ لَهُ أَنْ يَمُرَّ وَيَسْلُكَ إلَى نَخْلَتِهِ هُوَ وَمَنْ يَجُدُّ لَهُ وَيَجْمَعُ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ نَفَرًا مِنْ النَّاسِ يُفْسِدُونَ عَلَيْهِ زَرْعَهُ فِيمَا يَتَوَاطَئُونَ بِهِ مِنْ الذَّهَابِ إلَى نَخْلَتِهِ وَالرُّجُوعِ. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ فِي وَسَطِ أَرْضِ الرَّجُلِ، فَزَرَعَ الرَّجُلُ مَا حَوْلَ أَرْضِ صَاحِبِهِ مِنْ أَرْضِهِ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْوُسْطَى أَنْ يَخْرِقَ زَرْعَ هَذَا الرَّجُلِ إلَى أَرْضِهِ بِبَقَرِهِ وَمَاشِيَتِهِ لِيَرْعَى الْخِصْبَ الَّذِي فِي أَرْضِهِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى لَهُ ذَلِكَ، وَأَرَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ مَضَرَّةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ سَلَكَ بِمَاشِيَتِهِ فِي زَرْعِ هَذَا إلَى أَرْضِهِ أَفْسَدَ عَلَيْهِ زَرْعَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى لَهُ أَنْ يَدْخُلَ يَحْتَشَّ خِصْبَ أَرْضِهِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #267  
قديم 04-01-2026, 07:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 281الى صــ 290
الحلقة(267)





قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ نَهْرًا لِي يَمُرُّ فِي أَرْضِ قَوْمٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَغْرِسُوا حَافَّتَيْ النَّهْرِ مَنْ أَرْضِهِمْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا.
قُلْتُ: فَإِنْ غَرَسُوا وَاحْتَاجَ صَاحِبُ النَّهْرِ إلَى أَنْ يُلْقِيَ طِينَهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ طِينَهُ فِي حَافَّتَيْ النَّهْرِ فِي أَرْضِ هَذَا الرَّجُلِ وَأَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى شَجَرِهِ؟
قَالَ: إنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى الشَّجَرِ، مُنِعَ مِنْ أَنْ يَطْرَحَ ذَلِكَ عَلَى الشَّجَرِ. وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى طَرْحِهِ إلَّا عَلَى الشَّجَرِ لِكَثْرَةِ الطِّينِ وَكَثْرَةِ الشَّجَرِ بِحَافَّتَيْ النَّهْرِ، وَلَا يَكْفِيهِ إلْقَاءُ الطِّينِ فِيمَا بَيْنَ الشَّجَرِ؛ رَأَيْتُ أَنْ يَطْرَحَ عَلَى الشَّجَرِ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ. وَذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْأَنْهَارُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يُلْقَى طِينُهَا عَلَى حَافَّتَيْ النَّهْرِ. قَالَ: وَلِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ سُنَّةٌ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ عَلَى سُنَّتِهِمْ عِنْدَهُمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَقَدْ تَرَكَ دُورًا وَرَقِيقًا، وَصَاحِبُ الدَّيْنِ غَائِبٌ، فَاقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ مَالَ الْمَيِّتِ جَهِلُوا أَنَّ الدَّيْنَ يَخْرُجُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَقَبْلَ الْمِيرَاثِ، أَوْ جَهِلُوا أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا حِينَ اقْتَسَمُوا ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا حِينَ اقْتَسَمُوا؟
قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ الْقِسْمَةُ حَتَّى يُخْرَجَ الدَّيْنُ إذَا أُدْرِكَ مَالُ الْمَيِّتِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَدَارًا وَدَيْنًا. قَالَ: أَرَى أَنْ يُبَاعَ مِنْ الدَّارِ قَدْرُ الدَّيْنِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الْوَرَثَةُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ إلَّا أَنْ يُخْرِجَ الدَّيْنَ مِنْ عِنْدِهِمْ الْوَرَثَةُ، فَتَكُونُ الدَّارُ دَارَهُمْ لَا تُبَاعُ عَلَيْهِمْ وَيَقْتَسِمُونَهَا بَيْنَهُمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَرَثَةَ الَّذِينَ جَهِلُوا أَنَّ الدَّيْنَ يَخْرُجُ قَبْلَ الْمِيرَاثِ، أَوْ جَهِلُوا أَنَّ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا، إنْ كَانُوا قَدْ اقْتَسَمُوا الْمِيرَاثَ فَأَتْلَفَ بَعْضُهُمْ مَا صَارَ لَهُ وَبَقِيَ فِي يَدِ بَعْضِهِمْ الَّذِي أَخَذَ مِنْ الْمِيرَاثِ، فَقَدِمَ صَاحِبُ الدَّيْنِ، كَيْفَ يَأْخُذُ دَيْنَهُ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ دَيْنِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ الَّذِي أَدْرَكَ فِي يَدِ هَذَا الْوَارِثِ الَّذِي لَمْ يُتْلِفْ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِلْغَرِيمِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ مَا أَدْرَكَ فِي يَدَ هَذَا الْوَارِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ الَّذِي فِي يَدِ هَذَا الْوَارِثِ، فَلْيَأْخُذْ مِقْدَارَ دَيْنِهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُطْرَحُ هَذَا الدَّيْنُ، وَلَا يُحْسَبُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ.
وَيُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ مِمَّا بَقِيَ فِي يَدِ هَذَا الَّذِي أَخَذَ الْغَرِيمُ مِنْهُ مَا أَخَذَ وَمَا أَتْلَفَ الْوَرَثَةُ مِمَّا أَخَذُوا، فَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ مَالَ الْمَيِّتِ. فَيُنْظَرُ إلَى مَا بَقِيَ فِي يَدِ هَذَا، فَيَكُونُ لَهُ وَيَتْبَعُ جَمِيعَ الْوَرَثَةِ بِمَا بَقِيَ لَهُ مِنْ تَمَامِ حَقِّهِ مِنْ مِيرَاثِهِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّيْنِ إنْ بَقِيَ لَهُ شَيْءٌ، وَيَضْمَنُ الْوَرَثَةُ مَا أَكَلُوا أَوْ اسْتَهْلَكُوا مِمَّا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا مَاتَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْأَمْتِعَاتِ أَصَابَتْهَا الْجَوَائِحُ مِنْ السَّمَاءِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذَا، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الْقِسْمَةَ كَانَتْ بَاطِلَةً إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ جَعَلَ فِي قَوْلِهِ هَذَا الْمَالَ مَالَ الْمَيِّتِ عَلَى حَالِهِ، وَجَعَلَ الْقِسْمَةَ بَاطِلَةً لَمَّا قَالَ مَا أَصَابَتْ الْجَوَائِحُ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا مَاتَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ، فَضَمَانُهُ مِنْ

جَمِيعِهِمْ؛ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ لِلدَّيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا جَنَى عَلَيْهِ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَ الدَّيْنُ ثُمَّ لَحِقَ الدَّيْنُ؟
قَالَ: يَتَّبِعُونَ جَمِيعًا صَاحِبَ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِجَمِيعِهِمْ يَوْمَ جَنَى عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ. وَكَانَتْ الْقِسْمَةُ فِيهِ بَاطِلَةً، وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَا بَاعُوا مِمَّا قَبَضُوا مِنْ قِسْمَتِهِمْ مِمَّا لَمْ يُحَابُوا فِيهِ، فَإِنَّمَا يُؤَدُّونَ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعُوا بِهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ قِيمَةُ تِلْكَ السِّلَعِ يَوْمَ قَبَضُوهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَعْطَى الْقَاضِي أَهْلَ الْمِيرَاثِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَتَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ كَفِيلًا بِمَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ فِي هَذَا الْمَالِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ كَفِيلًا، وَيَدْفَعُ إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ بِلَا كَفِيلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَسَمَ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضَ؛ لِأَنَّ قِسْمَةَ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ اقْتَسَمُوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي وَهُمْ رِجَالٌ.

[فِي الْوَارِثِ يَلْحَقُ بِالْمَيِّتِ بَعْدَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا رَجُلًا فَاقْتَسَمُوا مِيرَاثَهُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَارِثُ هَذَا الْمَيِّتِ مَعَهُمْ، وَقَدْ أَتْلَفَ بَعْضُهُمْ مَا أَخَذَ مَنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَأَدْرَكَ بَعْضَهُمْ وَفِي يَدَيْهِ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَوْ بَعْضُ مَا أَخَذَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؟ .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتْبَعُ هَذَا الْوَارِثُ الَّذِي قَدِمَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَارِثُ هَذَا الْمَيِّتِ جَمِيعَهُمْ، وَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ مَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ مِيرَاثِهِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى هَذَا الَّذِي بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مَالُ الْمَيِّتِ إلَّا مِقْدَارَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ مِيرَاثِهِ إذَا فَضَضْتُ مِيرَاثَهُ عَلَى جَمِيعِ الْوَرَثَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ هَذَا الَّذِي لَمْ يُتْلِفْ مَا فِي يَدَيْهِ مِقْدَارَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتَّبِعُ فِيهِ الْوَرَثَةَ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، أَمْلِيَاءَ كَانُوا أَوْ عُدَمَاءَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا فَقُسِّمَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، ثُمَّ قَدِمَ قَوْمٌ فَأَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنٍ لَهُمْ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ، وَقَدْ أَعْدَمَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ أَخَذُوا دَيْنَهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدِمُوا فَأَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنًا أَنْ يَتْبَعُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِمْ إذَا فُضَّ دَيْنُهُمْ عَلَى جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ اقْتَضَوْا دَيْنَهُمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحَاصَّةِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَلَيْسَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنًا أَنْ يَأْخُذُوا مَا وَجَدُوا فِي يَدِ هَذَا الْغَرِيمِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَمْ يُتْلَفْ مَا اُقْتُضِيَ مِنْ دَيْنِهِ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَ مِنْ هَذَا مِقْدَارَ مَا يَصِيرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَيَتْبَعُونَ بَقِيَّةَ الْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ مَا يَصِيرُ لَهُمْ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مِمَّا اُقْتُضِيَ مِنْ حَقِّهِ.
وَكَذَلِكَ أَبَدًا إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى مَالِ الْمَيِّتِ الَّذِي أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ، وَيُنْظَرُ إلَى دَيْنِ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ وَدَيْنِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ دَيْنَهُمْ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ مَالُ الْمَيِّتِ بِالْحِصَصِ. فَمَا صَارَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا عَلَى الْمَيِّتِ الدَّيْنَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا


أُولَئِكَ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ اقْتَضَوْا دَيْنَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِهَؤُلَاءِ، وَلَا يَتْبَعُونَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا بِمَا أَخَذَ مِنْ الْفَضْلِ عَلَى حَقِّهِ فِي الْمُحَاصَّةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَا وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ، فَيَقْسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ، وَلَكِنْ يَأْخُذُونَ مِنْهُ مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَيَتْبَعُونَ الْعَدِيمَ وَالْمَلِيَّ بِمَا يَصِيرُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَضْلِ الَّذِي أَخَذُوا حِينَ وَقَعَتْ الْمُحَاصَّةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا دَيْنَهُمْ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ مَالًا وَوَرَثَةً، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَأَخَذَ الْغُرَمَاءُ دَيْنَهُمْ وَاقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ، ثُمَّ أَتَى قَوْمٌ فَأَحْيَوْا عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنًا وَقَدْ أَتْلَفَ الْوَرَثَةُ جَمِيعَ مَا قَبَضُوا مَنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَأُعْدِمُوا أَيَكُونُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا هَذَا الدَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَتْبَعُوا هَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءَ الَّذِينَ أَخَذُوا حَقَّهُمْ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، وَالْحَقُّ الَّذِي أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ الْأَوَّلُونَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يَسْتَهْلِكُوهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوا الْغُرَمَاءَ الْأَوَّلِينَ إذَا كَانَ مَا أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ بَعْدَ الدَّيْنِ فِيهِ وَفَاءٌ لِهَذَا الدَّيْنِ الَّذِي أَحْيَا هَؤُلَاءِ الْآخَرُونَ، لِأَنَّ دَيْنَهُمْ يُجْعَلُ فِيمَا أَخَذَهُ الْوَرَثَةُ، وَلَا يُجْعَلُ دَيْنُهُمْ فِيمَا اقْتَضَى الْغُرَمَاءُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ هَهُنَا فَضْلُ مَالٍ. وَإِنَّمَا يَكُونُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا هَذَا الدَّيْنَ أَنْ يَتْبَعُوا الْوَرَثَةَ عُدَمَاءَ كَانُوا أَوْ أَمْلِيَاءَ وَلَيْسَ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِيمَا أَخَذَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ الدَّيْنِ وَفَاءٌ بِهَذَا الدَّيْنِ الَّذِي أَحْيَا هَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءُ، رَجَعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْيَوْا هَذَا الدَّيْنَ عَلَى الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ بِمَا زَادَ مِنْ دَيْنِهِمْ عَلَى الَّذِي أَخَذَتْ الْوَرَثَةُ، فَيُحَاصُّونَ الْغُرَمَاءَ بِمَا يَصِيرُ لَهُمْ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ، أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى هَذَا الْغَرِيمِ كَمْ كَانَ يُدْرِكُ أَنْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا فِي مُحَاصَّتِهِمْ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ وَفِيمَا فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ، فَيُنْظَرُ إلَى عَدَدِ الَّذِي كَانَ يُصِيبُهُ فِي مُحَاصَّتِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الَّذِي بِيَدِ الْوَرَثَةِ فَيُقَاصُّ بِهِ، فَيَتْبَعُهُمْ بِهِ وَيَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ عَلَى الْغُرَمَاءِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، يَضْرِبُ بِذَلِكَ فِي نَصِيبِهِمْ وَلَا يُحَاصُّ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ فِيمَا أَخَذُوا، وَلَكِنْ يُحَاصُّ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ.
قُلْتُ: لِمَ جَعَلَ مَالِكٌ لِهَؤُلَاءِ الْغُرَمَاءِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ اقْتَضَوْا حُقُوقَهُمْ مَا قَبَضُوا دُونَ الْغُرَمَاءِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ أَحْيَوْا الدَّيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ إذَا كَانَ وَرَثَتُهُ قَدْ أَتْلَفُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَكَانَ فِيمَا بَقِيَ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ وَفَاءٌ بِدُيُونِ الْآخَرِينَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ يُقَالُ لِلْغُرَمَاءِ الْآخَرِينَ: لَيْسَ مَغِيبُكُمْ إذَا لَمْ يُعْلَمْ بِدَيْنِكُمْ مِمَّا يُمْنَعُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْحُضُورُ مِنْ قَضَاءِ دُيُونِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْبِضُوا دُيُونَهُمْ، إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِكُمْ دُونَكُمْ، جَازَ ذَلِكَ لَهُمْ دُونَكُمْ لِأَنَّهُ كَانَ حُكْمٌ فَلَا يُرَدُّ إذَا وَقَعَ.

[فِي إقْرَارِ الْوَارِثِ بِالدَّيْنِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَرَثَةَ الْمَيِّتِ اقْتَسَمُوا مَالَ الْمَيِّتِ، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمْ بِدَيْنٍ عَلَى


الْمَيِّتِ، فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ: أَنَا أَحْلِفُ وَآخُذُ حَقِّي؟
قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يُبْطِلَ الْقِسْمَةَ بِإِقْرَارِهِ بِهَذَا الدَّيْنِ، وَلَا يَتَّهِمُهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الْقِسْمَةَ بِإِقْرَارِهِ بِهَذَا الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا نَدِمَ فِي الْقِسْمَةِ أَقَرَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، يُرِيدُ بِهِ إبْطَالَ الْقِسْمَةِ لَعَلَّهُ أَنْ يَجُرَّ إلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ مَنْفَعَةً كَبِيرَةً؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُقَالَ لِلْوَرَثَةِ إذَا حَلَفَ هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ إنْ شِئْتُمْ فَادْفَعُوا إلَيْهِ مَا اسْتَحَقَّ بِإِقْرَارِ هَذَا مَعَ يَمِينِهِ أَنْتُمْ وَهَذَا الْمُقَرُّ لَهُ بِالدَّيْنِ وَتَنْفُذُ قِسْمَتُكُمْ، وَإِلَّا أَبْطَلْنَا الْقِسْمَةَ وَأَعْطَيْنَا هَذَا دَيْنَهُ ثُمَّ قَسَمْنَا مَا بَقِيَ بَيْنَكُمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْوَرَثَةُ: نَحْنُ نُخْرِجُ مَا يُصِيبُنَا مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَقَالَ هَذَا الَّذِي أَقَرَّ: لَا أُخْرِجُ أَنَا دَيْنَهُ، وَلَكِنْ اُنْقُضُوا الْقِسْمَةَ وَبِيعُوا حَتَّى تُوَفُّوهُ حَقَّهُ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ: أَخْرِجُوا هَذَا الَّذِي يَصِيرُ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّ هَذَا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ قِيلَ لِهَذَا الَّذِي أَقَرَّ: أَعْطِ حِصَّتَكَ وَإِلَّا بِيعَ عَلَيْكَ مَا أَخَذْتَ مِنْ مِيرَاثِكَ. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَحَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقْتَسِمُوا حَتَّى يَأْخُذَهَا هَذَا الْمُقَرُّ لَهُ حَقُّهُ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ.

[فِي الْوَصِيَّةِ تَلْحَقُ الْمَيِّتَ بَعْدَ الْقِسْمَةَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا دُورًا وَرَقِيقًا وَأَرَضِينَ وَحَيَوَانًا وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَأَتَى رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ أَوْصَى لَهُ بِالثُّلُثِ، أَوْ أَتَى رَجُلٌ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَارِثٌ مَعَهُمْ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَعُرُوضًا، فَإِنَّمَا لِهَذَا الْمُوصَى لَهُ وَلِهَذَا الْوَارِثِ الَّذِي لَحِقَ، أَنْ يَتْبَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ مِنْ حَقِّهِ إذَا كَانَ مَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَى هَذَا الْمُوصَى لَهُ أَوْ إلَى هَذَا الْوَارِثِ حَقَّهُ مِمَّا فِي يَدَيْهِ، وَيَنْقَسِمُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ، فَإِنْ كَانُوا اقْتَسَمُوا كُلَّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَمْ يَجْمَعُوا الدُّورَ فِي الْقَسْمِ، فَأُعْطِيَ كُلُّ إنْسَانٍ حَقَّهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَالْأَرَضُونَ كَذَلِكَ اقْتَسَمُوهَا وَالْأَجِنَّةُ كَذَلِكَ اقْتَسَمُوهَا، فَأَرَى أَنْ تُنْتَقَضَ الْقِسْمَةُ حَتَّى يُجْمَعَ لَهُ حَقُّهُ فِي كُلِّ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ جِنَانٍ كَمَا يُجْمَعُ لَهُمْ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ قَدْرَ نَصِيبِهِ، فَيَتَفَرَّقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَكُونَ ضَرَرًا بِهِ بَيِّنًا. وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَسَمُوا الدُّورَ، فَلَمْ يُقْطَعْ لِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ نَصِيبُهُ فِي كُلِّ دَارٍ، وَلَكِنْ جُمِعَ لَهُ فَإِنَّهُ أَيْضًا لَا يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إنْسَانٍ حَقَّهُ فَيَتَفَرَّقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْتَسِمُونَ الثَّانِيَةَ فَيَجْمَعُونَ نَصِيبَهُ كَمَا جُمِعَ لَهُمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ دُورًا أَوْ عَقَارًا أَوْ عُرُوضًا وَلَمْ يَتْرُكْ دَرَاهِمَ وَلَا دَنَانِيرَ، فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ بَعْدَمَا اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ يُقَالَ لِلْوَرَثَةِ: اصْطَلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَأَخْرِجُوا وَصِيَّةَ هَذَا الرَّجُلِ وَأَقِرُّوا قِسْمَتَكُمْ بِحَالِهَا إنْ أَحْبَبْتُمْ، فَإِنْ


أَبَوْا رُدَّتْ الْقِسْمَةُ وَبِيعَ مِنْ مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ مِقْدَارُ وَصِيَّةِ هَذَا الرَّجُلِ إذَا كَانَ الثُّلُثُ يَحْمِلُ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ مَا بَقِيَ. وَإِنَّمَا جَعَلْنَا الْوَرَثَةَ هَهُنَا بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يُؤَدُّوا الدَّيْنَ الَّذِي لَحِقَ مِنْ الْوَصِيَّةِ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا رَدُّوا مَا أَخَذُوا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَبَاعُوا مِنْهُ مِقْدَارَ دَيْنِ هَذَا الْمَيِّتِ وَاقْتَسَمُوا مَا بَقِيَ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ هَذَا مَالُ الْمَيِّتِ الَّذِي وَرِثْنَاهُ فَأَخْرِجُوا مِنْهُ الدَّيْنَ وَلَا نُخْرِجُ نَحْنُ الدَّيْنَ مِنْ أَمْوَالِنَا. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ حَظَّهُ مِنْ الدَّيْنِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ نَحْنُ نُخْرِجُ الدَّيْنَ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَقَالَ أَحَدُهُمْ لَا أُخْرِجُ الدَّيْنَ مِنْ مَالِي وَلَكِنْ رُدُّوا الْقِسْمَةَ وَبِيعُوا فَأَوْفُوا الْوَصِيَّةَ، ثُمَّ اقْتَسِمُوا مَا بَقِيَ فِيمَا بَيْنَنَا.
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ هَذَا الَّذِي أَبَى، وَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ وَيَدْفَعُونَ إلَى هَذَا الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ مِنْ الْوَصِيَّةِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُونَ مَا بَقِيَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إذَا أَبَى صَاحِبُهُمْ أَنْ يَشْتَرُوا مَا فِي يَدَيْهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا لَحِقَ دَخَلَ فِي جَمِيعِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. فَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُمْ مَا قَالُوا لَقُلْنَا لِهَذَا لِذِي أَبَى: بِعْ مَا فِي يَدَيْكَ وَأَوْفِ الْغُرَمَاءَ أَوْ هَذَا الْمُوصَى لَهُ حِصَّتَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ الَّذِي لَحِقَهُ يَغْتَرِقُ مَا فِي يَدَيْهِ، وَلَعَلَّ قِسْمَتَهُمْ إنَّمَا كَانَتْ عَلَى التَّغَابُنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، أَوْ لَعَلَّهُ قَدْ أَتَتْ جَائِحَةٌ مِنْ السَّمَاءِ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ فَأَتْلَفَتْهُ، ثُمَّ لَحِقَ الدَّيْنُ أَوْ الْوَصِيَّةُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ شَيْءٌ. فَهَذَا الَّذِي يَدُلُّكَ عَلَى إبْطَالِ الْقِسْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ إذَا أَبَى هَذَا الْوَاحِدُ وَقَالَ لَا أُخْرِجُ حِصَّتِي، وَلَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُمْ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بِحِصَّتِهِمْ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي أَبَى لَوْ تَلِفَ مَا فِي يَدَيْهِ مِمَّا كَانَ أَخَذَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بِجَائِحَةٍ أَتَتْ مِنْ السَّمَاءِ، لَمْ يَضْمَنْ فَلَا تَتِمُّ الْوَصِيَّةُ وَلَا يَتِمُّ الدَّيْنُ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا بِعَيْنِهِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ رَأْيِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا لَحِقَ الْمَيِّتَ دَيْنٌ وَقَدْ اقْتَسَمَتْ الْوَرَثَةُ، أُخِذَ الدَّيْنُ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ. وَمَا تَلِفَ بِأَمْرٍ مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ مِمَّا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمْ مَا تَلِفَ فِي يَدَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ هَذَا، عَلِمْنَا أَنَّ الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَحِقَ دَيْنٌ أَوْ وَصِيَّةٌ فِي مَالِ هَذَا الْمَيِّتِ، وَقَدْ اقْتَسَمَ الْوَرَثَةُ الدُّورَ وَالرَّقِيقَ وَجَمِيعَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَقَامَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ: تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ وَنَبِيعُ فَنُوَفِّي هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ أَوْ وَصِيَّتَهُ، وَالْوَصِيَّةُ دَرَاهِمُ أَوْ كَيْلٌ مِنْ الطَّعَامِ. فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: لَا أَنْقُضُ الْقِسْمَةَ وَلَكِنْ أَنَا أُوَفِّي هَذَا الرَّجُلَ دَيْنَهُ أَوْ وَصِيَّتَهُ مِنْ مَالِي، وَلَا أَتْبَعُكُمْ بِشَيْءٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُغْتَبِطٌ بِحَظِّهِ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَوْ أَرَى ذَلِكَ لَهُ وَلَا تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ.

[فِي قَسْمِ الْقَاضِي الْعَقَارَ عَلَى الْغَائِبِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ قَرْيَةٌ بَيْنَ أَبِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مَنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ وَرِثَاهَا، فَغَابَ الرَّجُلُ وَهَلَكَ وَالِدِي فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَيُقَسِّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَتْ شَرِكَةُ أَبِي مَعَ هَذَا الْغَائِبِ مِنْ


شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقِسْمَةُ فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمْ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَيُقَسَّمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَاَلَّذِي قَالَ مَالِكٌ فِي الْغَائِبِ يُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ، إنَّمَا قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ يُسْتَأْنَى بِهِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْقَسْمِ فَيُقَسَّمُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ غَائِبًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ شَرِيكُ أَبِيهِمْ حَاضِرًا وَبَعْضُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ غُيَّبًا، أَيَقْسِمُهَا الْقَاضِي بَيْنَهُمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: يَقْسِمُهَا الْقَاضِي بَيْنَهُمْ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ.

قُلْتُ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا دُورًا وَرَقِيقًا، فَرَفَعُوا أَمَرَهُمْ إلَى صَاحِبِ الشَّرْطِ وَفِي وَرَثَةِ الْمَيِّتِ قَوْمٌ غُيَّبٌ فَيَسْمَعُ مَنْ بَيِّنَتِهِمْ فَقَسَّمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْغَائِبِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ الْقِسْمَةُ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي وَلَا أَرَيّ أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ الْمُفْتَرِقَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا الشَّجَرُ الْمُفْتَرِقَةُ، هَهُنَا شَجَرَةٌ وَهَهُنَا شَجَرَةٌ، وَرِثُوهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوهَا، كَيْفَ يَقْتَسِمُوا هَذِهِ الشَّجَرَ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَقْتَسِمُوا الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ جَمِيعًا، لِأَنَّهُمْ إنْ اقْتَسَمُوا الْأَرْضَ عَلَى حِدَةٍ وَالشَّجَرَ عَلَى حِدَةٍ، لَصَارَ لِهَذَا شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ هَذَا وَلِهَذَا شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ هَذَا. فَأَفْضَلُ ذَلِكَ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الشَّجَرُ لِمَنْ تَصِيرُ لَهُ الْأَرْضُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا دُورًا وَرَقِيقًا وَعُرُوضًا وَحَيَوَانًا، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا بِالسِّهَامِ، فَجَعَلُوا الْبَقَرَ حَظًّا وَاحِدًا، وَالْحَيَوَانَ وَالرَّقِيقَ حَظًّا وَاحِدًا، وَالدُّورَ حَظًّا وَاحِدًا، وَالْعُرُوضَ حَظًّا وَاحِدًا، عَلَى أَنْ يَضْرِبُوا بِالسِّهَامِ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا لِأَنَّهُ خَطَرٌ، وَإِنَّمَا تُقَسَّمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهُ يُقَسَّمُ كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ، الْبَقَرُ عَلَى حِدَةٍ وَالْغَنَمُ عَلَى حِدَةٍ وَالْعُرُوضُ عَلَى حِدَةٍ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ سِهَامٍ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ مَا لَا يَنْقَسِمُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْمِيرَاثُ عَبْدًا وَاحِدًا أَوْ دَابَّةً وَاحِدَةً أَوْ ثَوْبًا وَاحِدًا أَوْ سِرَاجًا أَوْ طَسْتًا أَوْ ثَوْرًا، فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ هَذَا لَا يَنْقَسِمُ وَلَكِنْ يُبَاعُ عَلَيْهِمْ جَمِيعُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ كُلُّ نَوْعٍ مِنْهُ عَلَى حِدَةٍ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى شَيْءٍ، فَيَكُونَ لَهُمْ مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ. وَأَمَّا بِالسِّهَامِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْسِمُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ.

[مَا يُجْمَعُ فِي الْقِسْمَةِ مِنْ الْبَزِّ وَالْمَاشِيَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ بَزًّا فِيهِ الْخَزُّ وَالْحَرِيرُ وَالْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ وَالْأَكْسِيَةُ


وَالْجِبَابُ، أَتَجْعَلُ هَذَا كُلَّهُ فِي الْقَسْمِ نَوْعًا وَاحِدًا أَمْ يُقَسَّمُ كُلُّ نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُجْمَعَ الْبَزُّ كُلُّهُ فِي الْقِسْمَةِ فَيُجْعَلَ نَوْعًا وَاحِدًا فَيُقْسَمَ عَلَى الْقِيمَةِ مِثْلُ الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ عِنْدَ مَالِكٍ نَوْعٌ وَاحِدٌ، وَفِيهِمْ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَالْهَرِمُ وَالْجَارِيَةُ الْفَارِهَةُ، وَهَذَا كُلُّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ فِي الْأَثْمَانِ، بِمَنْزِلَةِ الْبَزِّ أَوْ أَشَدَّ. فَقَدْ جَعَلَهُ مَالِكٌ نَوْعًا وَاحِدًا، وَالْبَزُّ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. وَالرَّجُلُ يَهْلَكُ وَيَتْرُكُ قُمُصًا وَأَرْدِيَةً وَجِبَابًا وَسَرَاوِيلَاتٍ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ يَقُولُ يُجْعَلُ السَّرَاوِيلَاتُ قَسْمًا عَلَى حِدَةٍ وَالْجِبَابُ قَسْمًا عَلَى حِدَةٍ، وَلَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ يُجْمَعُ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيمَةِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ لَوْ كَانَتْ مِنْ صُنُوفِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرُ مِنْ صُنُوفِ الْبَقَرِ، وَجَمَعْتُهَا كُلَّهَا فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيمَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي فِي الرَّقِيقِ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ وَالْبَرَاذِينَ وَالْخَيْلَ، أَتَجْمَعُ هَذَا كُلَّهُ فِي الْقِسْمَةِ؟
قَالَ: لَا يُجْمَعُ هَذَا فِي الْقِسْمَةِ بِالسِّهَامِ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا عَلَى حِدَةٍ، الْبِغَالُ عَلَى حِدَةٍ وَالْحَمِيرُ عَلَى حِدَةٍ وَالْخَيْلُ وَالْبَرَاذِينُ صِنْفٌ وَاحِدٌ عَلَى حِدَةٍ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْحُلِيِّ وَالْجَوْهَرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَتْ وَتَرَكَتْ أَخَاهَا وَزَوْجَهَا، وَتَرَكَتْ حُلِيًّا كَثِيرًا وَمَتَاعًا مَنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ مُخْتَلِفًا، كَيْفَ يَقْتَسِمُهُ الزَّوْجُ وَالْأَخُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا الْحُلِيُّ فَلَا يُقَسَّمُ إلَّا وَزْنًا، وَأَمَّا مَتَاعُ جَسَدِهَا أَوْ مَتَاعُ بَيْتِهَا فَبِالْقِيمَةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحُلِيَّ إذَا كَانَ فِيهِ الْجَوْهَرُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، فَكَانَ قِيمَةُ مَا فِيهِ مَنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوْهَرِ الثُّلُثَيْنِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الثُّلُثَ فَأَدْنَى، أَيَصْلُحُ أَنْ يُقَسَّمَ عَلَى الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟ وَالسُّيُوفُ الْمُحَلَّاةٍ الَّتِي وَرِثْنَاهَا فِيهَا مِنْ الْحُلِيِّ الثُّلُثُ فَأَدْنَى، وَقِيمَةُ النُّصُولِ الثُّلُثَانِ فَصَاعِدًا، أَيَصْلُحُ أَنْ تُقَسَّمَ السُّيُوفُ عَلَى الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْقِسْمَةِ فِي هَذَا بِالْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ السَّيْفَ إذَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْفِضَّةِ الثُّلُثُ فَأَدْنَى فَلَا بَأْسَ بِهِ بِالْفِضَّةِ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا فِي السَّيْفِ أَوْ أَكْثَرَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ عِنْدَ مَالِكٍ. وَلَا بَأْسَ بِالْفِضَّةِ وَالْعُرُوضِ بِهَذَا السَّيْفِ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَا بِسَيْفَيْنِ، فِضَّتُهُمَا أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ فِضَّةُ أَحَدِهِمَا أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ وَالْآخَرِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ، فَتَبَايَعَا بِالسَّيْفَيْنِ يَدًا بِيَدٍ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، فَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ فِي فِضَّةِ كُلِّ سَيْفٍ مِنْ تِلْكَ السُّيُوفِ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ، فَلَا خَيْرَ فِي الْقِسْمَةِ فِيهِ بِالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الْحُلِيُّ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي السُّيُوفِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ الْأَخْضَرِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثْنَا أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ فَأَرَدْنَا أَنْ نَقْتَسِمَهَا؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَقْتَسِمَانِ


الْأَرْضَ إلَّا عَلَى حِدَةٍ وَيُتْرَكُ الزَّرْعُ لَا يُقَسَّمُ.
قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقْتَسِمَا الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا، وَقَدْ جَوَّزَ بَيْعَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَطِيبَ الزَّرْعُ لِلْبَيْعِ، فَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ بَيْعَهُ، فَلِمَ لَا يُجَوِّزُ الْقِسْمَةَ فِيهِ؟
قَالَ: إنَّمَا جَوَّزَ بَيْعَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ جَمِيعًا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ كَانَ الزَّرْعُ أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ قِيمَةِ الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يُجَوِّزْ بَيْعَ ذَلِكَ بِالطَّعَامِ. وَهَذَانِ إذَا اقْتَسَمَا ذَلِكَ فَقَدْ صَارَ، إنْ اشْتَرَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ الزَّرْعِ وَالْأَرْضِ بِنِصْفِ مَا صَارَ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ، فَصَارَ بَيْعُ الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ بِالْأَرْضِ وَالزَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ هَذَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا وَرِثُوا رَجُلًا فَقَسَّمَ الْقَاسِمُ بَيْنَهُمْ الرَّقِيقَ وَالْإِبِلَ وَالدُّورَ وَالْعُرُوضَ، فَجَعَلَ السِّهَامَ عَلَى عَدَدِ الْفَرَائِضِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَخَرَجَ سَهْمُ رَجُلٍ وَالْوَرَثَةُ عَشَرَةُ رِجَالٍ، فَقَالَ بَعْضٌ مِمَّنْ بَقِيَ لَا نُجِيزُ الْقِسْمَةَ، أَوْ قَالُوا مَا عَدَلْتَ فِي هَذَا الْقَسْمِ فَارْدُدْهُ، أَوْ قَالُوا دَعْ هَذَا السَّهْمَ الَّذِي خَرَجَ لِصَاحِبِهِ وَاخْلِطْ هَذَا الَّذِي بَقِيَ فَاقْسِمْهُ بَيْنَنَا فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ فِيهِ؟
قَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ الَّذِينَ أَبَوْا وَقَالُوا اُرْدُدْ الْقِسْمَةَ، وَلَكِنْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَيَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ عَدَلَ فِي الْقِسْمَةِ أَمْضَاهُ بَيْنَهُمْ وَإِلَّا أَبْطَلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ بَعَثَ رَجُلًا يُقَسِّمُ بَيْنَ وَرَثَةٍ مَا وَرِثُوا مِنْ دُورٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَاسِمَ قَدْ جَارَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ يَنْظُرُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ جَارَ عَلَيْهِمْ أَوْ غَلِطَ رَدَّ الْقِسْمَةَ. قَالَ: وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ قَسْمَ الْقَاسِمِ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْحَاكِمِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ ثَوْبًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى الْقِسْمَةِ وَأَبَى الْآخَرُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَسَّمُ وَيُقَالُ لَهُمَا: تَقَاوَمَاهُ فِيمَا بَيْنَكُمَا أَوْ بِيعَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَتَقَاوَمَاهُ وَأَرَادَا بَيْعَهُ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ عَلَى ثَمَنٍ، فَإِنْ شَاءَ الَّذِي كَرِهَ الْبَيْعَ أَنْ يَأْخُذَهُ أَخَذَهُ وَإِلَّا بِيعَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ وَرِثَا دُورًا أَوْ عُرُوضًا، أَوْ اشْتَرَيَا ذَلِكَ فَقَسَّمَ ذَلِكَ الْقَاسِمُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا قَالَ: لَا أَرْضَى هَذَا، أَوْ كَانُوا جَمِيعًا فَلَمَّا خَرَجَ سَهْمُ أَحَدِهِمْ قَالَ: لَا أَرْضَى هَذَا، لِأَنِّي لَمْ أَظُنَّ أَنَّ هَذَا يَخْرُجُ لِي، هَلْ تَرَى هَذَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ، أَمْ يَلْزَمُهُ السَّهْمُ الَّذِي خَرَجَ لَهُ أَمْ لَا يَلْزَمُهُ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: لِمَ أَلْزَمَهُ مَالِكٌ هَذَا وَأَنْتَ لَا تُجِيزُ هَذَا فِي الْبُيُوعِ وَتَجْعَلُهُ مُخَاطَرَةً لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ أَتَى بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ أَوْ بِثَوْبَيْنِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَقْرَعَ عَلَى الثِّيَابِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَ السَّهْمُ عَلَيْهِ فَهُوَ لَازِمٌ لِلْمُشْتَرِي، فَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ، فَلِمَ جَوَّزَهُ فِي الْقِسْمَةِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عِنْدَ مَالِكٍ بِالْقُرْعَةِ لَيْسَتْ مِنْ الْبُيُوعِ، وَالْقِسْمَةُ تُفَارِقُ الْبُيُوعَ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَفِي الْقِسْمَةِ قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ شُرَكَاءُ، وَفِي الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا لِلْبَائِعِ.


[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّا وَرِثْنَا كَرْمًا وَنَخْلًا وَلَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنَّا الْكَرْمَ وَالنَّخْلَ، فَتَرَاضَيْنَا أَنَا وَصَاحِبِي عَلَى أَنْ أَعْطَيْته الْكَرْمَ وَأَخَذْت النَّخْلَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، أَوْ يَكُونَانِ قَدْ عَرَفَا الصِّفَةَ فَيَقْتَسِمَانِ عَلَى الصِّفَةِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَرَاضَيَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمَا بِالصِّفَةِ عَلَى مَا أَحَبَّا مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ عَرَفَ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ، أَوْ عَرَفَ صِفَةَ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْرِفْ الْآخَرُ ذَلِكَ؟
قَالَ: كَذَلِكَ أَيْضًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَرَ وَلَمْ يَعْرِفْ الصِّفَةَ لَا يَدْرِي مَا يَأْخُذُ وَلَا مَا يُعْطِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنْ يَكُونَا قَدْ رَأَيَا ذَلِكَ أَوْ وُصِفَ لَهُمَا، فَيَجُوزُ عَلَى مَا تَرَاضَيَا مِنْ ذَلِكَ.

[مَا جَاءَ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْخِيَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّا اقْتَسَمْنَا دُورًا وَرَقِيقًا وَعُرُوضًا عَلَى أَنَّ أَحَدَنَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَتْ تِلْكَ السِّلَعُ مِمَّا يَجُوزُ فِيهَا الْخِيَارُ عَدَدَ الْأَيَّامِ الَّتِي اشْتَرَطَ فِيهَا الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَعَلْتُ الْخِيَارَ لِهَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ، أَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْخِيَارِ فِي الرَّدِّ الَّذِي لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا خِيَارَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ لَزِمَتْهُ الْقِسْمَةُ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ لِصَاحِبِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَحْدَثَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ الْخِيَارَ شَيْئًا، أَوْ فِي الدَّارِ أَوْ هَدَمَ فِيهَا بِنَاءً أَوْ سَامَ بِهَا، أَتَلْزَمُهُ الْقِسْمَةُ وَيَبْطُلُ خِيَارُهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ إذَا اشْتَرَطَ الْمُشْتَرِي الْخِيَارَ، فَصَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا صَنَعَ هَذَا فِي الْقِسْمَةِ.

[فِي قِسْمَةِ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّهِ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَهِبَتِهِ مَالَهُ]
ُ قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ عَلَى الصَّغِيرِ الدُّورَ أَوْ الْعَقَارَ أَبُوهُ أَوْ وَصِيُّ أَبِيهِ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْعُرُوض وَجَمِيعُ الْأَشْيَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ صَبِيًّا صَغِيرًا فِي حِجْرِ أَبِيهِ وَرِثَ مِنْ أُمِّهِ مُورَثًا أَوْ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ مُورَثًا، فَقَاسَمَ الْأَبُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ فَحَابَى، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَقَدْ حَابَى الْأَبُ شُرَكَاءَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هِبَةُ الْأَبِ مَالَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِمَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ، فَكَذَلِكَ الْمُحَابَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا تَجُوزُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أُدْرِكَتْ هَذِهِ الْمُحَابَاةُ وَهَذِهِ الصَّدَقَةُ وَهَذِهِ الْهِبَةُ بِعَيْنِهَا رُدَّتْ، وَإِنْ فَاتَتْ ضَمِنَ ذَلِكَ الْأَبُ لِلِابْنِ فِي مَالِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ


إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا، فَإِنْ فَاتَ ضَمِنَ الْأَبُ ذَلِكَ فِي مَالِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ هَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ الْمُحَابَاةُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ الَّذِي ذَكَرْتُ مِمَّا فَعَلَهُ الْأَبُ فِي مَالِ ابْنِهِ، إنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَالْمُحَابَى وَالْمَوْهُوبُ لَهُ قَدْ أَتْلَفَ تِلْكَ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْمُحَابَاةَ بِعَيْنِهَا وَهُوَ مَلِيٌّ، أَيَكُونُ لِلْأَبِ إذَا غَرِمَ ذَلِكَ لِلصَّبِيِّ، أَوْ لِلصَّبِيِّ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ فَيَأْخُذَ مِنْهُ قِيمَةَ مَا أَتْلَفَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَالِهِ؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ عَدِيمًا وَقَدْ اسْتَهْلَكَ تِلْكَ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ وَالْمُحَابَاةَ، فَأَرَادَ الْأَبُ أَوْ الِابْنُ أَنْ يَتْبَعَاهُ بِقِيمَةِ مَا اسْتَهْلَكَ مِنْ ذَلِكَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ، لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ وَلَا لِلْأَبِ أَنْ يَتْبَعَا الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا الْمُحَابَى وَلَا الْمَوْهُوبَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلِابْنِ عَلَى الْأَبِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَا عَدِيمَيْنِ الْأَبُ وَالْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ؟
قَالَ: يَتْبَعُ الصَّبِيُّ أَيَّهُمَا أَيْسَرَ أَوَّلًا الْأَبُ أَوْ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلِلِابْنِ أَنْ يَتْبَعَ أَوَّلَهُمَا يُسْرًا بِقِيمَةِ مَالِهِ ذَلِكَ إنْ كَانَ الْأَبُ اتَّبَعَهُ وَإِنْ كَانَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا تَصَدَّقَ الْأَبُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ الِابْنِ وَالِابْنُ صَغِيرٌ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا لَمْ يَجُزْ وَرُدَّ، فَإِنْ فَاتَ ضَمِنَ وَلِلِابْنِ أَنْ يَتْبَعَهُ إذَا أَيْسَرَ، أَوْ يَتْبَعَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ. قَالَ: يَتْبَعُ أَيَّهُمَا شَاءَ إلَّا أَنْ يُوسِرَ الْأَبُ أَوَّلًا، فَيَقُولَ الِابْنُ أَنَا أَتْبَعُ الْأَجْنَبِيَّ وَلَا أَتْبَعُ أَبِي، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلِابْنِ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ، لَمْ يَكُنْ لِلِابْنِ أَنْ يَتْبَعَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَيَتْرُكَ الْأَبَ. قَالَ: نَعَمْ.

قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَعْتَقَ الْأَبُ غُلَامًا لِابْنِهِ صَغِيرًا فِي حِجْرِهِ جَازَ إنْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ أَعْتَقَ وَكَانَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ فِي مَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوسِرًا يَوْمَ أَعْتَقَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَرُدَّ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #268  
قديم 04-01-2026, 07:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي


اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 291الى صــ 300
الحلقة(268)





قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ زَمَانُ ذَلِكَ وَيَنْكِحَ الْحَرَائِرَ وَتَجُوزَ شَهَادَتُهُ، فَلَا أَرَى أَنْ يَرُدَّ وَيَتَّبِعُ الْأَبَ بِقِيمَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَيْسَرَ الْأَبُ أَوَّلَهُمَا فَغَرِمَ ذَلِكَ لِلِابْنِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا: فَإِنْ أَيْسَرَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَوَّلًا فَغَرِمَ ذَلِكَ لِلِابْنِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْأَبَ بِذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْأَبَ بِذَلِكَ.

[مَا جَاءَ فِي وَصِيِّ الْأُمِّ وَمُقَاسَمَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً هَلَكَتْ وَتَرَكَتْ وَلَدًا صَغِيرًا يَتِيمًا لَا وَصِيَّ لَهُ، فَأَوْصَتْ الْأُمُّ بِالصَّبِيِّ وَبِمَالِهَا إلَى رَجُلٍ وَلَهَا وَرَثَةٌ سِوَى الصَّبِيِّ فَقَاسَمَ وَصِيُّ الْأُمِّ لِهَذَا الصَّبِيِّ الَّذِي أَوْصَتْ بِهِ الْأُمُّ إلَيْهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ مِنْ وَصِيَّةِ الْأُمِّ شَيْءٌ، وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِمَّا صَنَعَ وَصِيُّ الْأُمِّ، وَلَيْسَ وَصِيُّ الْأُمِّ بِوَصِيٍّ، وَهُوَ

كَرَجُلٍ مِنْ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى الصَّبِيِّ شَيْءٌ مِنْ صَنِيعِهِ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُتْرَكُ مَالُ الْمَرْأَةِ فِي يَدَيْهِ وَقَدْ أَوْصَتْ إلَيْهِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الَّذِي تَرَكَتْ الْمَرْأَةُ تَافِهًا يَسِيرًا جَازَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ هَلَكَتْ وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ بِمَالِهَا. فَقَالَ مَالِكٌ: كَمْ تَرَكَتْ؟ قَالُوا لَهُ: خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ سِتِّينَ. قَالَ: هَذَا يَسِيرٌ وَجَوَّزَهُ فِي الْيَسِيرِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَتْ امْرَأَةٌ وَأَوْصَتْ بِثُلُثِهَا أَنْ يَنْفُذَ، وَأَوْصَتْ بِذَلِكَ إلَى رَجُلٍ أَنْ يُنْفِذَهُ؟
قَالَ: فَهُوَ وَصِيٌّ فِي ثُلُثِهَا وَذَلِكَ إلَيْهِ، تَكُونُ وَصِيَّتُهَا إلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي ثُلُثِهَا وَيُنْفِذُهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ تَرَكَتْ أُخْتَهَا وَأَخَاهَا صَغِيرَيْنِ، وَأَوْصَتْ إلَى رَجُلٍ بِهِمَا وَبِمَالِهَا وَلَا وَارِثَ لَهَا غَيْرُهُمَا؟
قَالَ: أَرَى وَصِيَّتَهَا غَيْرَ جَائِزَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهَا الَّذِي تَرَكَتْ قَلِيلًا مِثْلَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكَ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ إلَى الْمِلْكِ خَاصَّةً وَلَا يَكُونُ لَهُمَا وَصِيًّا بِذَلِكَ فِي إنْكَاحِهِمْ وَشِرَائِهِمْ وَالْمُصَالَحَةِ عَلَيْهِمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَ أَخٍ لَهُ صَغِيرًا وَهُوَ وَارِثُهُ وَمَعَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُ أَيْضًا كَبِيرٌ، فَأَوْصَى الْعَمُّ بِهَذَا الصَّبِيِّ إلَى رَجُلٍ، أَيَكُونُ وَصِيَّهُ، وَتَجُوزُ مُقَاسَمَتُهُ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ أَوْ كَانَ الْجَدُّ أَبَا الْأَبِ أَوْ كَانَ أَخًا لِهَذَا الصَّبِيِّ فَهَلَكَ فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ مِنْ وَصِيَّةِ هَؤُلَاءِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ الْوَصِيَّةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ يَجُوزُ أَمْرُهُ وَلَا صَنِيعُهُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَكَذَلِكَ وَصِيُّهُ أَيْضًا لَا يَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْهُ نَفْسِهِ.
قُلْتُ: أَفَلَا تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ مِثْلَ مَا أَجَازَ مَالِكٌ وَصِيَّةَ الْأُمِّ فِي الشَّيْءِ الْقَلِيلِ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ وَصِيَّتُهُ لِهَذَا فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
قُلْتُ: وَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَبَيْنَ الْأُمِّ؟
قَالَ: إنَّمَا اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ فِي الْأُمِّ وَلَيْسَتْ الْأُمُّ كَغَيْرِهَا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلِأَنَّ الْأُمَّ وَالِدَةٌ وَلَيْسَتْ كَغَيْرِهَا وَهُوَ مَالُهَا، وَهَذَا لَيْسَ بِمَالِهِ الَّذِي يُوصِي بِهِ لِغَيْرِهِ وَمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ وَلَكِنَّهُ اسْتِحْسَانٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْأُمَّ تَعْتَصِرُ مَا وَهَبَتْ لِابْنِهَا أَوْ ابْنَتِهَا وَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، وَالْجَدُّ وَالْأَخُ لَا يَعْتَصِرَانِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ أَيْضًا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: فَمَا يُصْنَعُ بِهَذَا الْمَالِ الَّذِي أَوْصَى بِهِ إلَى هَذَا الْوَصِيِّ الَّذِي لَا يُجِيزُ وَصِيَّتَهُ؟
قَالَ: ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ عِنْدَ مَالِكٍ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ وَيَنْظُرُ فِيهِ لِلصِّغَارِ وَيُجَوِّزُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْغَائِبِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْكَافِرِ عَلَى ابْنَتِهِ الْبَالِغِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَافِرَ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَاسِمَ عَلَى ابْنَتِهِ الْكَبِيرَةِ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَهِيَ فِي حِجْرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ إذَا أَسْلَمَتْ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ الْكَبِيرَةَ وَقَدْ أَسْلَمَتْ، رَأَيْتُ أَنْ لَا تَجُوزَ عَلَيْهَا قِسْمَتُهُ.


[فِي قِسْمَةِ الْأُمِّ أَوْ الْأَبِ عَلَى الْكِبَارِ الْغُيَّبِ وَمُقَاسَمَةِ الْأُمِّ عَلَى وَلَدِهَا]
قُلْتُ فَالْوَصِيُّ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ عَلَى الْغُيَّبِ الْكِبَارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الْوَصِيِّ يُؤَخِّرُ بِالدَّيْنِ وَفِي الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَكِبَارٌ فَيُؤَخِّرُ ذَلِكَ عَنْ الْغَرِيمِ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ. قَالَ لِي مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الصِّغَارِ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْكِبَارِ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ عَلَى الْكِبَارِ، رَأَيْنَا أَنْ لَا تَجُوزَ مُقَاسَمَتُهُ عَلَى الْغُيَّبِ إذَا كَانُوا كِبَارًا.
قُلْتُ: فَالْأَبُ يُقَاسِمُ عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ إذَا كَانَ غَائِبًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِلْأُمِّ أَنْ تُقَاسِمَ عَلَى ابْنِهَا الصَّغِيرِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ مِنْ مُقَاسَمَةِ الْأُمِّ عَلَى الصَّغِيرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْأُمُّ وَصِيَّةً.

[فِي قِسْمَةِ وَصِيِّ اللَّقِيطِ لِلَّقِيطِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لَقِيطًا فِي حِجْرِ رَجُلٍ أَوْصَى لَهُ بِوَصِيَّةٍ، أَيَجُوزُ لِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي اللَّقِيطُ فِي حِجْرِهِ أَنْ يُقَاسِمَ لِهَذَا اللَّقِيطِ؟
قَالَ: أَرَى ذَلِكَ جَائِزًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ ابْنَ أَخٍ لَهُ أَوْ ابْنَ أُخْتِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي حِجْرِهِ لَا مَالَ لَهُ فَاحْتَسَبَ فِيهِ فَأَوْصَى لَهُ بِمَالٍ فَقَامَ فِيهِ وَقَاسَمَ لَهُ وَبَاعَ لَهُ لَمْ أَرَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمِدَ إلَى أَخٍ لَهُ يَمُوتُ، فَيَثِبُ عَلَى مَالِهِ وَوَلَدِهِ فَيَقْبِضُ ذَلِكَ بِغَيْرِ خِلَافَةٍ مِنْ السُّلْطَانِ، فَيَبِيعُ مِنْهُ وَيَشْتَرِي، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ.

[مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ الرَّجُلِ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَتَهُ وَهِيَ صَبِيَّةٌ صَغِيرَةٌ فَمَاتَتْ أُمُّهَا، فَوَرِثَتْ الصَّبِيَّةُ مَالًا، فَقَالَ الزَّوْجُ: أَنَا أَقْبِضُ مِيرَاثَهَا وَأُقَاسِمُ لَهَا، وَقَالَ الْأَبُ: أَنَا أَقْبِضُ مِيرَاثَهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْأَبُ أَحَقُّ بِمِيرَاثِ الصَّبِيَّةِ مَا لَمْ تَدْخُلْ بَيْتَهَا وَيُؤْنَسْ مِنْهَا الرُّشْدُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ جَارِيَةً قَدْ بَلَغَ مِثْلُهَا وَلَهَا عِنْدَ الْوَصِيِّ مَالٌ، لَمْ تَأْخُذْ مَالَهَا وَإِنْ دَخَلَتْ مَنْزِلَهَا حَتَّى يُرْضَى حَالُهَا، فَلَمَّا قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْوَصِيِّ هَذَا الَّذِي أَخْبَرْتُكَ؛ كَانَ الْأَبُ وَالْوَصِيُّ أَحَقَّ بِقَبْضِ مِيرَاثِهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَالزَّوْجُ أَيْضًا لَا حَقَّ لَهُ فِي قَبْضِ مَالِ امْرَأَتِهِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ وَلَمْ يُؤْنِسْ مِنْهَا الرُّشْدَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا مَالَهَا، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ إلَيْهَا مَالَهَا إذَا آنَسَ مِنْهَا الرُّشْدَ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ الزَّوْجِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ لَا يَقْبِضُ مَالَ امْرَأَتِهِ وَالْأَبُ وَالْوَصِيُّ النَّاظِرَانِ لَهَا وَالْحَائِزَانِ عَلَيْهَا وَإِنْ تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَتْ مَنْزِلَهَا مَا لَمْ يُرْضَ حَالُهَا وَيُجَزْ أَمْرُهَا، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ قَضَاءٌ فِي مَالِ امْرَأَتِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا وَلَا بَعْدَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الصَّبِيَّةَ، إنْ كَانَ هَلَكَ وَالِدُهَا وَلَمْ يُوصِ، ثُمَّ هَلَكَتْ أُمُّهَا وَقَدْ تَرَكَتْ مَعَ


هَذِهِ الصَّبِيَّةِ وَرَثَةً، فَأَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُقَاسِمَ لِامْرَأَتِهِ وَلَيْسَ لَهَا وَصِيٌّ وَلَا أَبٌ أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ إلَّا بِأَمْرِ الْقَاضِي.


[كِتَابُ الْقِسْمَةِ الثَّانِي] [مَا جَاءَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَقْتَسِمَانِ فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِهَا]
مَا جَاءَ فِي الشَّرِيكَيْنِ يَقْتَسِمَانِ فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِهَا قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ اقْتَسَمَا دُورًا أَوْ رَقِيقًا أَوْ أَرْضًا أَوْ عُرُوضًا، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا بِعَبْدٍ مَنْ الْعَبِيدِ عَيْبًا أَوْ بِبَعْضِ الدُّورِ أَوْ بِبَعْضِ الْعُرُوضِ الَّتِي صَارَتْ فِي حَظِّهِ عَيْبًا، كَيْفَ يَصْنَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى ذَلِكَ مِثْلَ الْبُيُوعِ وَالدُّورِ لَيْسَ فِيهَا فَوْتٌ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْعَيْبَ، هُوَ وَجْهَ مَا أَخَذَ فِي نَصِيبِهِ وَكَثْرَتَهُ، رَدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَرَجَعَ عَلَى حَقِّهِ وَرُدَّتْ الْقِسْمَةُ، إلَّا أَنْ يَفُوتَ مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هَدْمٍ يَكُونُ قَدْ هَدَمَ دَارِهِ فَبَنَاهَا فَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ كُلُّهُ فَوْتٌ. قَالَ: فَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِ هَذَا، وَأَصَابَ هَذَا الْآخَرُ عَيْبًا فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا وَيَأْخُذُ مِنْ الَّذِي فَاتَتْ الدُّورُ فِي يَدَيْهِ نِصْفَ قِيمَةِ الدُّورِ يَوْمَ قَبَضَهَا، وَتَكُونُ هَذِهِ الدُّورُ الَّتِي رَدَّهَا صَاحِبُهَا بِالْعَيْبِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ رُدَّتْ وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهَا، وَاخْتِلَافُ الْأَسْوَاقِ عِنْدَ مَالِكٍ لَيْسَ بِفَوْتٍ فِي الدُّورِ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ أَقَلَّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ الَّذِي صَارَ لَهُ رَدَّهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ الْعَيْبَ أَقَلَّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَيْسَ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَاهُ؛ رَدَّهُ وَنَظَرَ إلَيْهِ كَمْ هُوَ مِمَّا اشْتَرَى، فَإِنْ كَانَ السُّبْعَ أَوْ الثُّمُنَ رَجَعَ إلَى قِيمَةِ مَا فِي يَدَيْ أَصْحَابِهِ وَأَخَذَ مِنْهُمْ قِيمَةَ نِصْفِ سُبْعِ ذَلِكَ أَوْ نِصْفِ ثُمُنِهِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، وَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الدَّارَ ثُمَّ يَجِدُ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا، أَوْ يُسْتَحَقُّ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ عَيْبًا وَاسْتُحِقَّ مِنْ الدَّارِ الشَّيْءُ التَّافِهُ، مِثْلُ الْبَيْتِ يَكُونُ فِي الدَّارِ الْعَظِيمَةِ أَوْ النَّخَلَاتِ تَكُونُ فِي النَّخْلِ الْكَثِيرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ جُلَّ ذَلِكَ رَدَّهُ. فَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ وَالدَّارُ الْوَاحِدَةُ وَالدُّورُ الْكَثِيرَةُ إذَا أَصَابَ بِهَا عَيْبًا، سَوَاءٌ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ، إنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ الْعَيْبُ يَسِيرًا رَدَّ ذَلِكَ الَّذِي


أَصَابَ بِهِ الْعَيْبَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَيَلْزَمُهُ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِاَلَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ قِيمَةِ مَا بَقِيَ فِي يَدِهِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِمَّا فِي يَدَيْهِ فَيُشَارِكَهُ فِيهِ، فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَةُ ذَلِكَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا، كَانَ حَظُّ صَاحِبِهِ قَائِمًا أَوْ فَائِتًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ اقْتَسَمَاهُ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا فِي حَظِّهِ نَخْلًا وَدُورًا وَرَقِيقًا وَحَيَوَانًا، وَأَخَذَ الْآخَرُ فِي حَظِّهِ بَزًّا وَعِطْرًا وَجَوْهَرًا، تَرَاضَيَا بِذَلِكَ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا فِي بَعْضِ مَا صَارَ لَهُ عَيْبًا، فَأَصَابَ ذَلِكَ فِي الْجَوْهَرِ وَحْدَهُ أَوْ فِي بَعْضِ الْعِطْرِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ مَا صَارَ لَهُ فِي نَصِيبِهِ، أَوْ يَرُدَّ هَذَا الَّذِي أَصَابَ بِهِ الْعَيْبَ وَحْدَهُ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَ بِهِ الْعَيْبَ هُوَ وَجْهَ مَا صَارَ لَهُ؛ رَدَّ جَمِيعَهُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَدَّ ذَلِكَ وَحْدَهُ بِعَيْنِهِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.

[مَا جَاءَ فِي الْحِنْطَةِ يَقْتَسِمَانِهَا فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا بِحِنْطَتِهِ عَيْبًا]
قُلْتُ: قَالَ مَنْ فَخَّ بَيْنَ اثْنَيْنِ وِرْثَاهُ فَاقْتَسَمَاهُ، وَطَحَنَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فِي حِنْطَتِهِ مَنْ عَفَنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ، كَيْفَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ؟
قَالَ: يَرُدُّ صَاحِبُهُ الَّذِي لَمْ يَطْحَنْ حِنْطَتَهُ إنْ كَانَتْ لَمْ تَفُتْ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ أَخْرَجَ مَكِيلَتَهَا وَيُخْرِجُ هَذَا الَّذِي طَحَنَ حِنْطَتَهُ قِيمَةَ حِنْطَتِهِ الَّتِي طَحَنَ فَتَكُونُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا يُخْرِجُ هَذَا الَّذِي طَحَنَ حِنْطَتَهُ حِنْطَةً مِثْلَهَا مَعْفُونَةً مَعِيبَةً، فَتَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا إذَا وَجَدَ بِهَا الْمُشْتَرِي عَيْبًا وَقَدْ فَاتَتْ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهَا لَمْ يُخْرِجْ مِثْلَهَا، وَلِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى حِنْطَةً بِدَرَاهِمَ فَأَتْلَفَهَا فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي دَرَاهِمِهِ بِقَدْرِ الْعَيْبِ، وَلَا يُقَالُ لَهُ رُدَّ حِنْطَةً مِثْلَهَا مَعْفُونَةً مَعِيبَةً؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا مَعْفُونَةٍ مَعِيبَةٍ، لَمْ يُحِطْ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَالْعُرُوضُ كُلُّهَا وَالْحَيَوَانُ كَذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي قَاسَمَ صَاحِبَهُ حِنْطَتَهُ وَطَحَنَهَا فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ بَعْدَ طَحْنِ صَاحِبِهِ، إنْ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ بِنِصْفِ الْعَيْبِ لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ حِنْطَةً بِحِنْطَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ هَذَا لَا يَصْلُحُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْحِنْطَةِ الَّتِي طَحَنَهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِثْلَهَا لِأَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ، طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ فَوَجَدَ بِهَا عَيْبًا وَقَدْ فَاتَتْ عِنْدَهُ، لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُخْرِجُ مِثْلَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَاطُ بِمَعْرِفَتِهِ، وَلَوْ كَانَ يُحَاطُ بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ لَرَأَيْتُ أَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ، أَنْ يُخْرِجَ مِثْلَهَا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الطَّعَامَ الْعَفِنَ بِالطَّعَامِ الْعَفِنِ، أَيَصْلُحُ هَذَا مِثْلًا بِمِثْلٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَفَنُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَفَنُ مُتَفَاوِتًا فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْقَمْحَانِ يَكُونُ فِيهِمَا مِنْ التِّبْنِ وَالتُّرَابِ الشَّيْءُ الْخَفِيفُ فَلَا بَأْسَ بِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَوْ كَانَ


أَحَدُهُمَا كَثِيرَ التِّبْنِ أَوْ التُّرَابِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ إلَى الْمُخَاطَرَةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا، أَوْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَقِيًّا وَالْآخَرُ مَغْشُوشًا كَثِيرَ التِّبْنِ وَالتُّرَابِ، فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَا نَقِيَّيْنِ أَوْ يَكُونَ مَا فِيهِمَا مِنْ الْغَلَثِ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا صَارَ إلَى الْمُخَاطَرَةِ وَإِلَى طَعَامٍ بِطَعَامٍ وَلَيْسَ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَيْسَ هَذَا يُشْبِهُ مَا اخْتَلَفَ مِنْ الطَّعَامِ، مِثْلَ الْبَيْضَاءِ وَالسَّمْرَاءِ أَوْ الشَّعِيرِ وَالسُّلْتُ بَعْضُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا جَمِيعًا فَيَتَبَايَعَانِهِ، وَلِأَنَّ هَذَيْنِ مَغْشُوشَانِ فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ سَمْرَاءَ مَغْلُوثَةً بِشَعِيرٍ مَغْلُوثٍ، أَيَصْلُحُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْئًا خَفِيفًا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ حَشَفُ التَّمْرِ بِمَنْزِلَةِ غَلَثِ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْحَشَفَ مِنْ التَّمْرِ وَالْغَلَثَ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ وَهَذَا كُلُّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الطَّعَامَ الْمَغْلُوثَ إذَا كَانَ صُبْرَةً وَاحِدَةً، أَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِنْ صُبْرَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ لَمْ يَصْلُحْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا وَقْعُ غَلْثِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبَتِهَا. وَالْوَاحِدَةُ إذَا كَانَتْ مَغْلُوثَةً غَلْثُهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، لَا يَدْخُلُهُ مِنْ خَوْفِ الِاخْتِلَافِ وَالْمُخَاطَرَةِ مَا يَدْخُلُ الصُّبْرَتَيْنِ إذَا كَانَتَا مُخْتَلِفَتَيْنِ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ غَرْبَلَةِ الْقَمْحِ فِي بَيْعَتِهِ؟ فَقَالَ: هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ. فَأَرَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ، وَاَلَّذِي أُجِيزُهُ مِنْ الْقَمْحِ بِالْقَمْحِ أَوْ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ أَنْ يَكُونَا نَقِيَّيْنِ أَوْ يَكُونَا مُشْتَبِهَيْنِ، وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا غَلْثًا وَالْآخَرُ نَقِيًّا، وَلَا يَكُونَا إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُهُ.

قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْنَا دَارًا بَيْنَنَا فَبَنَيْتُ حِصَّتِي أَوْ هَدَمْتُهَا، فَأَصَبْتُ عَيْبًا كَانَ فِي حِصَّتِي قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَبْنِيَ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ إذَا هَدَمَ أَوْ بَنَى ثُمَّ أَصَابَ عَيْبًا، فَهُوَ فَوْتٌ وَيَرْجِعُ بِقِيمَةِ نِصْفِ الْعَيْبِ فَيَأْخُذُ بِذَلِكَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ عَلَى مَا ذَكَرْتُ لَكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَيَنْظُرُ مَا فِيهِ الْعَيْبُ فَيَرْجِعُ بِنِصْفِهِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ.

[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي عَبْدًا فَيُسْتَحَقُّ لِغَيْرِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا فَبَاعَ نِصْفَهُ مَنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ رُبُعَ جَمِيعِ الْعَبْدِ، أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ نِصْفَ هَذَا الْعَبْدِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ أَوْ رُبُعُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ الْجَمِيعَ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَبْدِ بَعْدَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهُ، وَيَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ فِي ثَمَنِ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الْعَبْدِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَى مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إذَا اسْتَحَقَّ رُبُعَ جَمِيعِ الْعَبْدِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي اشْتَرَى شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، يَأْخُذُ الْمُسْتَحِقُّ الرُّبُعَ مِنْهُمَا جَمِيعًا وَيَرْجِعُ هَذَا الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى بَائِعِهِ بِقَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ


مِنْ الْعَبْدِ مِنْ حِصَّتِهِ إنْ شَاءَ أَوْ يَرُدُّ إنْ شَاءَ، وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ عَلَى بَائِعِهِ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي هَذَا يَكُونُ مُخَيَّرًا. قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا فَبَاعَ نِصْفَهُ مَكَانَهُ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَرَضِيَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي بِالْعَيْبِ وَقَبِلَ الْعَبْدُ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ أَنَا أَرُدُّ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ نِصْفَ الْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَرُدَّ إلَّا أَنَّ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ بِالْخِيَارِ، وَيُقَالُ لَهُ اُرْدُدْ الْآنَ إنْ أَحْبَبْتُ نِصْفَ قِيمَةِ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ بَاعَ نِصْفَ الْعَبْدِ فَلَا يَرُدُّ النِّصْفَ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ الْعَيْبِ شَيْئًا أَوْ خُذْ نِصْفَ الْعَبْدِ وَادْفَعْ إلَيْهِ نِصْفَ الثَّمَنِ.

قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْت أَنَا وَصَاحِبِي عَبْدَيْنِ بَيْنَنَا، فَأَخَذْتُ أَنَا عَبْدًا وَهُوَ عَبْدًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُ الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لِي؟
قَالَ: إنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نِصْفُ عَبْدٍ، فَلَمَّا أَخَذْتَ جَمِيعَ هَذَا الْعَبْدِ وَأَعْطَيْتَ شَرِيكَكَ الْعَبْدَ الْآخَرَ، كُنْتَ قَدْ بِعْتَهُ نِصْفَ ذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لَهُ بِنِصْفِ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لَكَ، فَلَمَّا اُسْتُحِقَّ نِصْفُ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْكَ، قُسِمَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي كَانَ لَكَ وَعَلَى النِّصْفِ الَّذِي اشْتَرَيْتَهُ مِنْ صَاحِبِكَ، فَيَكُونُ نِصْفُ النِّصْفِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ نَصِيبِكَ وَنِصْفُ النِّصْفِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِكَ، فَتَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِكَ بِرُبُعِ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنٌ لِمَا اُسْتُحِقَّ مِنْ الْعَبْدِ الَّذِي فِي يَدَيْكَ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِكَ، فَتَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ لَمْ يَفُتْ فِي يَدِ صَاحِبِكَ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ فَاتَ فِي يَدِ صَاحِبِكَ كَانَ لَكَ عَلَيْهِ رُبُعُ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ، وَلَا تَكُونُ بِالْخِيَارِ فِي أَنْ تَرُدَّ نِصْفَ الْعَبْدِ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَأْخُذَ نِصْفَ عَبْدِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الدَّارِ وَالْأَرْضِ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ فَيُسْتَحَقُّ مِنْهَا الطَّائِفَةُ.
قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهَا يَسِيرًا، رَأَيْتُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الثَّمَنِ وَلَا يُنْتَقَضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى الْبَيْتَ مِنْ الدَّارِ الْجَامِعَةِ وَالنَّخْلَةَ مِنْ النَّخْلِ الْكَثِيرَةِ وَالشَّيْءَ الْيَسِيرَ مِنْ الْأَرْضِ الْكَثِيرَةِ، لَيْسَ إذَا اُسْتُحِقَّ الْفَسَادُ لَهَا، فَأَرَى أَنْ يَلْزَمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ، وَيَرْجِعُ فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ. وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ هُوَ جُلُّ الدَّارِ وَلَهُ الْقَدْرُ مِنْ الدَّارِ؛ رَأَيْتُ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الدَّارِ وَيَرْجِعَ فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَيَأْخُذَ الثَّمَنَ كُلَّهُ فَذَلِكَ لَهُ.
قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَالْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ يَشْتَرِيهَا الرَّجُلُ فَيُسْتَحَقُّ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ؟ .
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُشْبِهُ الْعَبْدُ أَوْ الْأَمَةُ عِنْدِي الدُّورَ وَالْأَرَضِينَ وَلَا النَّخْلَ؛ لِأَنَّ الْغِلْمَانَ وَالْجَوَارِيَ يُرِيدُ أَهْلُهُمْ أَنْ يَظْعَنُوا بِهِمْ وَيَطَأُ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَيُسَافِرُ الرَّجُلُ بِالْغُلَامِ، فَهُوَ فِي الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ إذَا اشْتَرَى وَاحِدًا مِنْهُمَا فَاسْتُحِقَّ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ كَانَ بِخِيَارٍ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ وَيَرْجِعَ فِي الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ


أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُ كُلَّهُ فَذَلِكَ لَهُ، فَمَسْأَلَتُكَ فِي الْقِسْمَةِ فِي الْعَبْدَيْنِ عِنْدِي تُشْبِهُ الدُّورَ وَلَا تُشْبِهُ الْعَبِيدَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ لَهُ فِي كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ، فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ الْوَطْءِ إنْ كَانَتَا جَارِيَتَيْنِ وَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ يُسَافِرَ بِهِمَا إنْ كَانَا عَبْدَيْنِ، فَلَمَّا قَاسَمَ صَاحِبَهُ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ عَبْدِهِ بِنِصْفِ صَاحِبِهِ فَاسْتُحِقَّ مِنْ نِصْفِ صَاحِبِهِ رُبُعُهُ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ نِصْفَ صَاحِبِهِ كُلَّهُ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِذَلِكَ الرُّبُعِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْهُ فِي الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لِصَاحِبِهِ إنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِرُبُعِ قِيمَةِ الْعَبْدِ الَّذِي صَارَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ قَبْضِهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْفَوْتُ فِي الْعَبِيدِ فِي مِثْلِ هَذَا: النَّمَاءُ وَالنُّقْصَانُ وَالْبَيْعُ وَاخْتِلَافُ الْأَسْوَاقِ، أَوَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي السِّلَعَ فَيَجِدُ بِبَعْضِهَا عَيْبًا أَوْ يُسْتَحَقُّ مِنْهَا الشَّيْءُ.
قَالَ: إنْ كَانَ الَّذِي وَجَدَ بِهِ عَيْبًا أَوْ اُسْتُحِقَّ لَيْسَ هُوَ جُلَّ ذَلِكَ وَلَا كَثْرَتَهُ وَلَا مِنْ أَجَلِهِ اشْتَرَى؛ رَدَّهُ بِعَيْنِهِ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ فِيمَا بَقِيَ. فَكَذَلِكَ هَذَا الْعَبْدُ، لَيْسَ الرُّبُعُ جُلَّ مَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا فِيهِ طَلَبُ الْفَضْلِ، فَلَمَّا قَالَ مَالِكٌ هَذَا فِي هَذَا، وَقَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إذَا اشْتَرَاهُ كُلَّهُ مِنْ رَجُلٍ لِأَنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُسَافِرَ بِهِ وَلِأَنَّ لَهُ فِي الْجَارِيَةِ أَنْ يَطَأَهَا إذَا اشْتَرَاهَا، فَإِذَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا الْقَلِيلُ رَدَّهَا إنْ أَحَبَّ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حُجَّةٌ أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُهَا؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ انْقَطَعَتْ عَنْهُ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْوَطْءِ وَالْأَسْعَارِ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، وَأَمَّا الَّذِي قَاسَمَ صَاحِبَهُ فَأَخَذَ فِي نِصْفِ عَبْدِهِ الَّذِي كَانَ لَهُ نِصْفَ عَبْدِ صَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ شَرِيكًا فَاسْتُحِقَّ الرُّبُعُ مِنْ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ حَظِّ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْجَارِيَةَ إنَّمَا يَرُدُّهُمَا فِي هَذَا إلَى الْحَالِ الْأُولَى، وَقَدْ كَانَ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي الْحَالِ الْأُولَى قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُسَافِرَ بِهِمَا وَلَا يَطَأَ الْجَارِيَةَ. فَالْعَبِيدُ إذَا كَانُوا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فَاقْتَسَمُوهُمْ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْ بَعْضِهِمْ بَعْضُ مَا فِي يَدَيْهِ، إنَّمَا يُحْمَلُونَ مَحْمَلَ السِّلَعِ وَالدُّورِ إذَا اُشْتُرِيَتْ فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ كَثِيرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانَ تَافِهًا يَسِيرًا لَا قَدْرَ لَهُ لَمْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ بِمَا يُصِيبُهُ عَلَى قَدْرِ مَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَهَذَا فِي الْقِسْمَةِ فِي الْعَبِيدِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ وَهُمَا فِي الْقِيمَةِ سَوَاءٌ لَا تَفَاضُلَ بَيْنَهُمَا فَاسْتُحِقَّ مِنْهُمَا وَاحِدٌ لَمْ يَرُدَّ الثَّانِي مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ أَحَدَهُمَا لِصَاحِبِهِ، فَكَذَلِكَ النِّصْفُ حِينَ اشْتَرَى لَمْ يَشْتَرِ الرُّبُعَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ لِلرُّبُعِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُسْتَحَقَّ، فَيَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ يَرُدُّهُ بِهَا أَوْ يَقُولُ كُنْتُ أُسَافِرُ بِالْعَبْدِ أَوْ أَطَأُ الْجَارِيَةَ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَعِي شَرِيكٌ فَتَكُونُ لَهُ حُجَّةٌ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ لَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَلَا فِي هَذَا الْوَجْهِ الْآخَرِ حُجَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَى


صَاحِبِهِ بِرُبُعِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَ فَبِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.

[مَا جَاءَ فِي اسْتِحْقَاقِ بَعْضِ الصَّفْقَةِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَيْت عَشَرَةَ أَعْبُدٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ قِيمَةُ كُلِّ عَبْدٍ مِائَةُ دِينَارٍ فَاسْتُحِقَّ مِنْ الْعَبِيدِ تِسْعَةُ أَعْبُدٍ وَبَقِيَ مِنْهُمْ عِنْدِي عَبْدٌ وَاحِدٌ فَأَرَدْتُ رَدَّهُ، أَيَكُونُ لِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، تَرُدُّ إذَا اُسْتُحِقَّ جُلُّ السِّلْعَةِ الَّتِي مِنْهَا تَرْجُو الْفَضْلَ وَالرِّبْحَ أَوْ كَثْرَتَهُ، وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى اسْتِوَاءِ قِيمَةِ الْمَتَاعِ وَلَا تَفَاوُتِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الصَّفْقَةُ دَارًا وَعَبْدًا وَدَابَّةً وَثَوْبًا وَجَوْهَرًا وَعِطْرًا، فَأَصَابَ بِأَكْثَرِ هَذِهِ الصُّنُوفِ عَيْبًا أَوْ اُسْتُحِقَّ أَكْثَرُهَا، وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا فِي الثَّمَنِ قَرِيبٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَلَيْسَ مِنْ هَذِهِ الصُّنُوفِ شَيْءٌ اُشْتُرِيَ الصِّنْفُ الْآخَرُ لِمَكَانِهِ وَلَا فِيهِ طَلَبُ الْفَضْلِ، وَلَكِنْ طَلَبَ الْفَضْلَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ إذَا كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمَتَاعِ، أَوْ الَّذِي يَرْجُو فِيهِ النَّمَاءَ وَالْفَضْلَ.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي اقْتَسَمْنَاهَا فَأَخَذْتُ أَنَا رُبُعَهَا مِنْ مُقَدَّمِهَا وَأَخَذَ صَاحِبِي ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا مِنْ مُؤَخَّرِهَا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ، فَإِذَا جَازَ فِي الْبُيُوعِ جَازَ فِي الْقِسْمَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدَيْ هَذَا الَّذِي أَخَذَ الرُّبُعَ نِصْفُ مَا فِي يَدَيْهِ، كَيْفَ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ؟
قَالَ: يَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَخَذَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الدَّارِ مِنْ مُؤَخَّرِ الدَّارِ بِقِيمَةِ رُبُعِ مَا فِي يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ الْأَرْبَاعِ نِصْفُ مَا فِي يَدَيْهِ أَوْ ثُلُثُهُ فَعَلَى هَذَا يُعْمَلُ فِيهِ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ.
قُلْتُ: وَلَا تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الْقِسْمَةُ لَا تُنْتَقَضُ فِيمَا إذَا كَانَ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَافِهًا يَسِيرًا، فَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ جُلُّ مَا فِي يَدَيْهِ، فَأَرَى الْقِسْمَةَ تُنْتَقَضُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ إنَّمَا تُحْمَلُ مَحْمَلَ الْبُيُوعِ، وَلِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ لِمَنْ اُسْتُحِقَّ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا بِعْتُكَ نِصْفَ مَا فِي يَدَيْكَ بِنِصْفِ مَا فِي يَدَيَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَيْعٍ إنَّمَا هُوَ مُقَاسَمَةٌ. فَإِذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ التَّافِهُ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ ضَرَرٌ لِمَا يَبْقَى فِي يَدَيْهِ ثَبَتَتْ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلَمْ تُنْتَقَضْ، وَيَرْجِعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ ضَرَرًا لِمَا يَبْقَى فِي يَدَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ رَدَّهُ كُلَّهُ وَرَجَعَ فَقَاسَمَ صَاحِبَهُ الثَّانِيَةَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ نَصِيبُ صَاحِبِهِ فَيُخْرِجَ الْقِيمَةَ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي أَسْمَعُكَ تَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ إذَا اُسْتُحِقَّ الْقَلِيلُ لَمْ تُنْتَقَضْ الْقِسْمَةُ وَإِذَا اُسْتُحِقَّ الْكَثِيرُ اُنْتُقِضَتْ الْقِسْمَةُ، مَا حَدُّ هَذَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الدَّارَ فَيُسْتَحَقُّ النِّصْفُ مِنْهَا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ الدَّارِ الثُّلُثُ؟
قَالَ: لَمْ يَجِدْ لَنَا


مَالِكٌ فِي الثُّلُثِ شَيْئًا أَحْفَظُهُ، وَلَكِنِّي أَرَى الثُّلُثَ كَثِيرًا وَأَرَى أَنْ يَرُدَّ الدَّارَ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ ثُلُثِ الدَّارِ فَسَادٌ عَلَى الْمُشْتَرِي.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْغَنَمِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بِالْقِيمَةِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ وَرِثْنَا أَنَا وَأَخٌ لِي عِشْرِينَ شَاةً فَأَخَذْتُ أَنَا خَمْسُ شِيَاهٍ تُسَاوِي مِائَةً وَأَخَذَ أَخِي خَمْسَةَ عَشَرَ تُسَاوِي مِائَةً، أَيَصْلُحُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ اقْتَسَمُوا الْغَنَمَ عَلَى الْقِيمَةِ إذَا كَانَ بِالسِّهَامِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَوْا عَلَى أَمْرٍ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِمَّا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا شَاةٌ، أَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُنْتَقَضَ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الشَّاةُ الْمُسْتَحَقَّةُ هِيَ خُمْسُ مَا فِي يَدَيْهِ رَجَعَ عَلَى أَخِيهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ خُمْسِ مَا فِي يَدَيْهِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا جُلُّ حِصَّتِهِ مِنْ الْغَنَمِ؟
قَالَ: نَعَمْ، تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ إذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا هُوَ جُلُّ حِصَّتِهِ وَفِيهِ رَجَاءُ الْفَضْلِ وَالنَّمَاءِ.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يَرِثُونَ الْحَائِطَ مِنْ النَّخْلِ فَيَقْتَسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمُوا الثَّمَرَ فَيَفْضُلَ بَعْضُهُمْ فِي الْكَيْلِ لِرَدَاءَةِ مَا يَأْخُذُ مِنْ التَّمْرِ، وَلَا أَنْ يَأْخُذَ مِثْلَ مَكِيلَةِ مَا يَأْخُذُ أَصْحَابُهُ مِنْ التَّمْرِ إلَّا أَنَّ تَمْرَ أَصْحَابِهِ أَجْوَدُ، فَيَأْخُذُهُ لِمَوْضِعِ جَوْدَةِ ثَمَرَةِ أَصْحَابِهِ دَرَاهِمَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ هَذَا، وَلَكِنْ يَتَقَاوَمُونَ الْأَصْلَ، كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يَتَرَادُّونَ هَذَا الْفَضْلَ إنْ كَانَ بَيْنَهُمْ فَضْلٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى بِحِنْطَةٍ وَدَرَاهِمَ وَآخَرُ بِحِنْطَةٍ وَدَرَاهِمَ فَتَبَادَلَا بِهَا، وَإِنْ كَانَ الْكَيْلُ وَاحِدًا وَوَزْنُ الدَّرَاهِمِ وَاحِدًا، فَلَا خَيْرَ فِيهِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْحِنْطَةِ وَالدَّرَاهِمِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ]
ِ قُلْتُ: فَإِنْ وَرِثْت أَنَا وَأَخِي ثَلَاثِينَ إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَاقْتَسَمْنَاهَا، فَأَخَذْتُ أَنَا عِشْرِينَ إرْدَبًّا مِنْ الْحِنْطَةِ وَأَخَذَ أَخِي عَشَرَةَ أَرَادِبَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْقَمْحُ مُخْتَلِفًا سَمْرَاءُ وَمَحْمُولَةٌ أَوْ نَقِيَّةٌ وَمَغْلُوثَةٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَهَذَا مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِي التَّمْرِ. وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ مِنْ صُبْرَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَقَاوَةٍ وَاحِدَةٍ وَصِنْفٍ وَاحِدٍ لَا يُؤْخَذُ أَوَّلُهُ لِلرَّغْبَةِ فِيهِ وَيُهْرَبُ مِنْ رَدَاءَةِ آخِرِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ عَشَرَةَ أَرَادِبَ وَأَعْطَى أَخَاهُ عَشَرَةَ أَرَادِبَ ثُمَّ بَقِيَتْ عَشَرَةُ أَرَادِبَ بَيْنَهُمَا وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، فَأَخَذَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّلَاثِينَ دِرْهَمًا حِصَّةَ أَخِيهِ مِنْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ أَرَادِبَ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ هَذَا بِطَعَامٍ وَهَذَا بِطَعَامٍ وَدَرَاهِمَ فَيَكُونُ فَاسِدًا، وَإِنَّمَا كَانَ الْقَمْحُ



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #269  
قديم 04-01-2026, 07:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي



بَيْنَهُمَا فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَآخُذُ أَنَا هَذَا الْقَمْحَ، أَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَآخُذُ نَصِيبَكَ مِنْ هَذَا الْقَمْحِ رُبُعَهُ أَوْ نِصْفَهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا، وَهَذَا فِيمَا فَضَلَ بَعْدَ حِصَّتِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

قُلْتُ: فَلَوْ وَرِثْنَا أَنَا وَأَخٌ لِي مِائَةَ إرْدَبٍّ مِنْ حِنْطَةٍ وَمِائَةَ إرْدَبٍّ مَنْ شَعِيرٍ، فَأَخَذْتُ أَنَا سِتِّينَ إرْدَبًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَأَرْبَعِينَ إرْدَبًّا مَنْ شَعِيرٍ، وَأَخَذَ أَخِي سِتِّينَ إرْدَبًّا مَنْ شَعِيرٍ وَأَرْبَعِينَ إرْدَبًّا مَنْ حِنْطَةٍ، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ الَّتِي أَخَذَ أَحَدُهُمَا هِيَ مِثْلُ مَا أَخَذَ شَرِيكُهُ، وَمَا زَادَ عَلَى الَّذِي أَخَذَ شَرِيكُهُ فَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ بَادَلَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ؟ قَالَ: وَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْقَوْمِ يَرِثُونَ الْحُلِيَّ مِنْ الذَّهَبِ، فَتَقُولُ أُخْتُهُمْ اُتْرُكُوا إلَيَّ هَذَا الْحُلِيَّ وَأَنَا أُعْطِيكُمْ وَزْنَ حَقِّكُمْ مِنْ هَذَا الْحُلِيِّ ذَهَبًا.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَزَنْتَ ذَلِكَ لَهُمْ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ وَرِثْنَا حِنْطَةً وَقُطْنِيَّةً اقْتَسَمْنَا ذَلِكَ أَنَا وَأَخِي أَخَذْتُ أَنَا الْحِنْطَةَ وَأَعْطَيْتُ أَخِي الْقُطْنِيَّةَ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ، فَإِنْ كَانَ زَرْعًا قَدْ بَلَغَ وَطَابَ لِلْحَصَادِ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُحْصَدَ كُلُّهُ مَكَانَهُ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ حِنْطَةً وَقُطْنِيَّةً، وَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَقْتَسِمَاهُ زَرْعًا حَتَّى يَحْصُدَاهُ وَيَدْرُسَاهُ وَيَقْتَسِمَاهُ بِالْكَيْلِ.

[مَا جَاءَ فِي الْقَوْمِ يَقْتَسِمُونَ الدُّورَ فَتُسْتَحَقُّ حِصَّةُ أَحَدِهِمْ وَقَدْ بَنَى]
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْنَا دَارًا بَيْنَنَا فَبَنَى أَحَدُنَا فِي نَصِيبِهِ الْبُنْيَانَ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نِصْفُ نَصِيبِ الَّذِي بَنَى بِعَيْنِهِ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا بَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ فَذَلِكَ فَوْتٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ نِصْفُ نَصِيبِ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يَبْنِ فِي نَصِيبِهِ شَيْئًا، كَانَ ذَلِكَ فَوَاتًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَيُقَالُ لِلَّذِي بَنَى أَخْرِجْ قِيمَةَ مَا صَارَ لَكَ وَيَرُدُّ هَذَا كُلَّ مَا فِي يَدَيْهِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ الْقِيمَةَ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ كَثِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا تُرِكَتْ الْقِسْمَةُ وَرَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ فِي قِيمَةِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ رُبُعَ مَا فِي يَدَيْهِ رَجَعَ بِثَمَنِ قِيمَةِ نَصِيبِ صَاحِبِهِ الَّذِي بَنَى نَصِيبَهُ وَكَانَ نَصِيبُهُ فَوْتًا.
قُلْتُ: وَالدَّارَانِ وَالدَّارُ الْوَاحِدَةُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؟
قَالَ نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ أَرْضًا وَاحِدَةً فَاقْتَسَمُوهَا فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهَا، أَوْ أَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَهُوَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمْنَا أَرْضَيْنِ فَأَخَذْتُ أَنَا أَرْضًا وَأَخَذَ صَاحِبِي أُخْرَى، فَغَرَسَ أَحَدُنَا فِي أَرْضِهِ وَبَنَى، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَ الْأَرْضِ الَّتِي صَارَتْ لِهَذَا الَّذِي غَرَسَ وَبَنَى؟
قَالَ: يُقَالُ لِهَذَا الْمُسْتَحِقِّ ادْفَعْ إلَى هَذَا الَّذِي غَرَسَ قِيمَةَ غِرَاسَتِهِ وَبُنْيَانِهِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي اسْتَحْقَقْتَهَا، وَإِلَّا دَفَعَ إلَيْكَ قِيمَةَ أَرْضِكَ بَرَاحًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ

فِي أَرْضِكَ غَاصِبًا وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ الَّذِي قَاسَمَهُ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ أَرْضِهِ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْقِسْمَةَ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ اُسْتُحِقَّ رُبُعُ مَا فِي يَدَيْهِ رَجَعَ بِقِيمَةِ ثَمَنِ مَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ وَلَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ فِي الدَّارِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ أَوْ قَدْ فَاتَتْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَانْظُرْ أَبَدًا إلَى مَا اُسْتُحِقَّ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقَدْرِ نِصْفِ ذَلِكَ فِيمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ يَكُونُ بِهِ شَرِيكًا لَهُ فِيمَا فِي يَدَيْهِ إذَا لَمْ يَفُتْ، وَإِذَا كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ تَافِهًا يَسِيرًا رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ شَرِيكًا لِصَاحِبِهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَالدَّارُ إذَا اقْتَسَمَاهَا فَبَنَى أَحَدُهُمَا فِي نَصِيبِهِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ نَصِيبُهُ وَقَدْ بَنَاهُ أَوْ نِصْفُهُ يُقَالُ لِلْمُسْتَحِقِّ: إنْ شِئْتَ فَادْفَعْ إلَى هَذَا قِيمَةَ بُنْيَانِهِ أَوْ خُذْ مِنْهُ قِيمَةَ أَرْضِكَ بَرَاحًا فِي قَوْلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعَبِيدُ وَالدُّورُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا اُسْتُحِقَّ جُلُّ مَا فِي يَدَيْهِ رَدَّ الْجَمِيعَ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْأَقَلُّ مِمَّا فِي يَدَيْهِ لَمْ يَرُدَّ إلَّا مَا اُسْتُحِقَّ وَحْدَهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ حِصَّةِ الثَّمَنِ، فَالْقِسْمَةُ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمَا جُلُّ نَصِيبِهِ رَجَعَ بِقَدْرِ نِصْفِ ذَلِكَ فَشَارَكَ بِهِ صَاحِبَهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ تَافِهًا يَسِيرًا رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَلَا يُشَارِكُ بِهِ صَاحِبَهُ فِي حَظِّهِ الَّذِي فِي يَدَيْهِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ. وَتَفْسِيرُهُ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِائَةَ إرْدَبٍّ مِنْ حِنْطَةٍ فَيُسْتَحَقُّ خَمْسُونَ مِنْهَا.
قَالَ مَالِكٌ: يَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْبِسَ مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ فَذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ الدَّارَانِ وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَصَابَ بِخَمْسِينَ إرْدَبًّا مِنْهَا عَيْبًا أَوْ ثُلُثَ ذَلِكَ الطَّعَامِ أَوْ رُبُعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ مِنْ طَيِّبِهِ، وَيَرُدَّ مَا أَصَابَ فِيهِ الْعَيْبَ، إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَرُدَّ الْجَمِيعَ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.

[قِسْمَةُ الدُّورِ الْكَثِيرَةِ يُسْتَحَقُّ بَعْضُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا]
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ عِشْرُونَ دَارًا تَرَكَهَا وَالِدِي مِيرَاثًا بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي فَاقْتَسَمْنَاهَا، فَأَخَذْتُ أَنَا عَشْرَةَ دُورٍ فِي نَاحِيَةٍ وَأَخَذَ أَخِي عَشَرَةً فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى تَرَاضَيْنَا بِذَلِكَ وَاسْتَهَمْنَا عَلَى الْقِيمَةِ، فَاسْتُحِقَّتْ دَارٌ مَنْ الدُّورِ الَّتِي صَارَتْ لِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْبُيُوعِ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْ نَصِيبِهِ أَوْ أَصَابَ بِهَا عَيْبًا هِيَ جُلُّ مَا فِي يَدَيْهِ مِنْ هَذِهِ الدُّورِ وَأَكْثَرُ هَذِهِ الدُّورِ ثَمَنًا رُدَّتْ الْقِسْمَةُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَيْسَ كَذَلِكَ رَدَّهَا وَحْدَهَا وَرَجَعَ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهَا مِنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يَرْجِعُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ، أَيَضْرِبُ بِذَلِكَ فِي كُلِّ دَارٍ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ تُقَوَّمُ الدُّورُ فَيَنْظُرُ كَمْ قِيمَتُهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى الدَّارِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ كَمْ كَانَتْ مِنْ الدُّورِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدَيْ الَّذِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ عُشْرًا أَوْ


ثُمُنًا أَوْ تُسْعًا رَجَعَ فَأَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ قِيمَةَ نِصْفِ عُشْرِ مَا فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَصَابَ عَيْبًا بِدَارٍ مِنْهَا قُسِمَتْ هَذِهِ الْمَعِيبَةُ وَمَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
قُلْتُ: وَالدَّارُ الْوَاحِدَةُ فِي هَذَا مُخَالِفَةٌ فِي الْقِسْمَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِلدُّورِ الْكَثِيرَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الدَّارَ الْوَاحِدَةَ يَدْخُلُ فِيهَا الضَّرَرُ عَلَيْهِ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَسْكُنَ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ أَنْ يَرُدَّ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْوَاحِدِ يَشْتَرِي فَيُسْتَحَقُّ نِصْفُهُ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَهُ. وَإِذَا كَانَتْ دُورًا كَثِيرًا فَإِنَّمَا تُحْمَلُ مَحْمَلَ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي جُمْلَةِ الرَّقِيقِ وَجُمْلَةِ الدُّورِ وَجُمْلَةِ الْمَتَاعِ إذَا اُسْتُحِقَّ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى مَا بَقِيَ فَيَكُونُ مِثْلَ الدَّارِ.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ جَارِيَتَيْنِ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ، أَخَذْت أَنَا وَاحِدَةً وَأَعْطَيْته أُخْرَى، فَوَطِئَ صَاحِبِي جَارِيَتَهُ فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهَا بَعْدَمَا وَلَدَتْ؟ قَالَ: يَأْخُذُ الْجَارِيَةَ وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا وَيَرْجِعُ هَذَا الَّذِي اُسْتُحِقَّتْ فِي يَدَيْهِ عَلَى صَاحِبِهِ فَيُقَاسِمُهُ الْجَارِيَةَ الْأُخْرَى إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ فَاتَتْ، فَإِنْ فَاتَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ اخْتِلَافِ أَسْوَاقٍ أَوْ شَيْءٍ مِمَّا يَفُوتُ بِهِ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبْضِهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ رَجُلٌ جَارِيَتَهُ عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ وَقَدْ كَانَتْ سُرِقَتْ مِنْهُ فَثَبَتَ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا وَلَكِنْ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ، وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ أَنَا أَنَّهُ يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ مَنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَمَا فَاتَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ فِي يَدِ هَذَا الْمُشْتَرِي، أَيَكُونُ الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْمُشْتَرِي قِيمَةَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَاتَتْ فِي يَدَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ ثَمَنَهَا مِنْ الْبَائِعِ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ بِعَيْنِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَالَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ اخْتِلَافِ أَسْوَاقٍ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا أَوْ يَأْخُذُ ثَمَنَهَا مِنْ بَائِعِهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ ثَمَنُهَا عُرُوضًا أَوْ حَيَوَانًا وَقَدْ حَالَتْ بِالْأَسْوَاقِ أَوْ بِنَمَاءٍ أَوْ بِنُقْصَانٍ؟
قَالَ: فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعُرُوضَ مِنْ يَدِ بَائِعِ الْجَارِيَةِ زَادَتْ الْعُرُوض أَوْ نَقَصَتْ لَا حُجَّةَ لِلْبَائِعِ فِي زِيَادَةِ الْعُرُوضِ وَلَا نُقْصَانِهَا لِأَنَّهَا ثَمَنُ جَارِيَتِهِ.
قَالَ: وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ مِنْ رَجُلٍ، فَوَجَدَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ بِالسِّلْعَةِ الَّتِي أَخَذَ مِنْ صَاحِبِهِ عَيْبًا فَرَدَّهَا وَقَدْ حَالَتْ الْأَسْوَاقُ فِي الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْعَيْبَ وَفِي الْأُخْرَى، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا الْعَيْبَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأُخْرَى، وَلَكِنْ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي لَمْ يَجِدْ بِجَارِيَتِهِ عَيْبًا كَانَ ضَامِنًا لَهَا فَعَلَيْهِ نُقْصَانُهَا وَلَهُ نَمَاؤُهَا، وَاَلَّذِي وَجَدَ بِجَارِيَتِهِ عَيْبًا لَمْ يَرْضَ بِهَا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا لِلْعَيْبِ الَّذِي أَصَابَ بِهَا، فَإِذَا رَدَّهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا زَادَ فِي الْجَارِيَةِ الْأُخْرَى


الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي فِي يَدِ صَاحِبِهِ لِصَاحِبِهِ كَانَ عَلَيْهِ النُّقْصَانُ أَيْضًا.
قُلْتُ: فَقَوْلُ مَالِكٍ الَّذِي يُؤْخَذُ بِهِ فِي مُسْتَحِقِّ الْجَارِيَةِ الَّتِي قَدْ وَلَدَتْ عِنْدَ سَيِّدِهَا، لِمَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَأْخُذُهَا وَلَكِنْ يَأْخُذُ قِيمَتَهَا، وَقَدْ قَالَ فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي حَالَتْ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ: إنَّ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَهَا بِعَيْنِهَا، مَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: لِأَنَّ الْوِلَادَةَ إذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةُ مِنْ سَيِّدِهَا، إنْ أُخِذَتْ مِنْ سَيِّدِهَا الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ كَانَ ذَلِكَ عَارًا عَلَى سَيِّدِهَا الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ وَعَلَى وَلَدِهَا، وَهَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّهَا إذَا أُعْطِيَ قِيمَتَهَا فَقَدْ أُعْطِيَ حَقَّهُ، فَإِنْ أَبَى فَهَذَا الضَّرَرُ وَيُمْنَعُ ذَلِكَ. قَالَ: وَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَالِكٍ الْآخِرِ، فَأَنَا آخُذُ بِقَوْلِهِ الْقَدِيمِ يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ لَا أُرِيدُ الْجَارِيَةَ وَأَنَا أُرِيدُ قِيمَتَهَا، وَقَالَ سَيِّدُ الْجَارِيَةِ الَّتِي وَلَدَتْ عِنْدَهُ لَا أَدْفَعُ لِهَذَا الْمُسْتَحِقِّ شَيْئًا وَلَكِنْ يَأْخُذُ جَارِيَتَهُ، أَيُجْبِرُهُ مَالِكٌ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يُجْبِرُهُ مَالِكٌ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَتَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا، وَذَلِكَ رَأْيِي إذَا أَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُجْبَرُ عَلَى دَفْعِ قِيمَتِهَا وَقِيمَةِ وَلَدِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يَأْخُذُ قِيمَةَ جَارِيَتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا وَلَدَتْ عِنْدَهُ، أَيَوْمَ اشْتَرَاهَا أَوْ يَوْمَ حَمَلَتْ أَوْ يَوْمَ اسْتَحَقَّهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا مُسْتَحِقُّهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَتْبَعَ الَّذِي وَلَدَتْ عِنْدَهُ بِقِيمَتِهَا دَيْنًا، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ إنْ هِيَ هَلَكَتْ بِقِيمَتِهَا مَا كَانَ لَهُ فِي وَلَدِهَا قِيمَةٌ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ يَسْتَحِقُّهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا يَوْمَ يَسْتَحِقُّهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ قِيمَةِ وَلَدِهَا الَّذِينَ هَلَكُوا شَيْءٌ.
قُلْتُ: فَهَذَا الْمُسْتَحِقُّ لِلْجَارِيَةِ الَّتِي وَلَدَتْ، أَيَكُونُ لَهُ عَلَى الْوَاطِئِ مِنْ الْمَهْرِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْمَهْرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ نَعَمْ.

[أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَاله فَأَخَذَ فِي وَصِيَّته ثُلُث دَار فَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ بَعْدَ الْبِنَاء]
قُلْتُ: فَلَوْ أَوْصَى رَجُلٌ لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ فَأَخَذَ فِي وَصِيَّتِهِ ثُلُثَ دُورِ الْمَيِّتِ فَبَنَى ذَلِكَ، ثُمَّ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدَيْهِ مُسْتَحِقٌّ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْمُسْتَحِقِّ ادْفَعْ قِيمَةَ بُنْيَانِ هَذَا الْمُوصَى لَهُ أَوْ خُذْ قِيمَةَ أَرْضِكَ بَرَاحًا.
قُلْتُ: فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ وَقَدْ أَنْفَقَ الْمُوصَى لَهُ فِي بُنْيَانِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ الَّتِي أَخَذَ لِأَنَّ أَسْوَاقَ الْبُنْيَانِ حَالَتْ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا خَسِرَ فِي قِيمَةِ الْبُنْيَانِ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُمْ أَعْطَوْهُ فِي ثُلُثِهِ مَا لَيْسَ لَهُمْ فَغَرُّوهُ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
قُلْتُ: فَتُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ؟
قَالَ: نَعَمْ تُنْتَقَضُ الْقِسْمَةُ فِي الدُّورِ، وَيَقْسِمُونَ ثَانِيَةً وَيَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثُلُثَ دُورِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا مِثْلُ قَوْلِ


مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ إلَّا أَنْ تَفُوتَ الدُّورُ فِي يَدِ الْوَرَثَةِ بِبَيْعٍ أَوْ بُنْيَانٍ، فَيَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضُوا الدُّورَ بِالْقَسْمِ فَيَقْتَسِمُونَ الْقِيمَةَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ الْوَصِيَّةِ وَالْمَوَارِيثِ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الدُّورُ وَقَدْ فَاتَتْ فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ بِهَدْمٍ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلْمُوصَى لَهُ خُذْ ثُلُثَ هَذِهِ الدُّورِ مَهْدُومَةً وَثُلُثَ نَقْضِهَا، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِمْ فِيمَا نَقَضَ الْهَدْمُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونُوا بَاعُوا مِنْ النَّقْضِ شَيْئًا، فَيَكُونُ لَهُ ثُلُثُ مَا بَاعُوا بِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ لَا قِيمَةٌ وَلَا غَيْرُهَا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ اشْتَرَى دَارًا فَهَدَمَهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ أَحَبَّ مُسْتَحِقُّهَا أَنْ يَأْخُذَهَا مَهْدُومَةً بِحَالِهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى كَانَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةٌ وَلَا غَيْرُهَا فِيمَا تَقَدَّمَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى: إنْ كَانَ هَذَا الْمُشْتَرِي الَّذِي هَدَمَ بَاعَ مِنْ نَقْضِهَا شَيْئًا فَأَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ أَخْذَ الدَّارِ مَهْدُومَةً، كَانَ لَهُ ثَمَنُ الَّذِي بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ ثَمَنُ شَيْئِهِ.

قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى رَجُلٌ جَارِيَةً فَعَمِيَتْ عِنْدَهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، أَيَكُونُ لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُشْتَرِيَ قِيمَتَهَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ. إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِحَالِهَا أَوْ يَأْخُذَ ثَمَنَهَا مِنْ الْبَائِعِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ.

قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ دَارًا فَاحْتَرَقَتْ ثُمَّ أَتَى صَاحِبُهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَوْ أَدْرَكَ رَجُلٌ فِيهَا شُفْعَةً، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى صَاحِبِهَا الَّذِي احْتَرَقَتْ فِي يَدَيْهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهَا أَوْ يُسَلِّمَهَا وَيَتْبَعَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ، وَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ مُحْتَرِقَةً أَوْ يَدَعَهَا لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ.

[مَا جَاءَ فِي النَّقْضِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالْعَرْصَةُ لَيْسَتْ لَهُمَا فَيَقْتَسِمَانِهِ]
ِ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ نَقْضًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَالْعَرْصَةُ لَيْسَتْ لَهُمَا، فَأَرَادَا أَنْ يَقْتَسِمَا نَقْضَهَا عَلَى الْقِيمَةِ ثُمَّ يَسْتَهِمَا أَوْ يَتَرَاضَيَا عَلَى شَيْءٍ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى هَذَا جَائِزًا لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ النَّقْضِ وَأَبَى صَاحِبُهُ، أَيُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعُرُوضِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَا أَنْ يَهْدِمَا النَّقْضَ وَصَاحِبُ الدَّارِ غَائِبٌ، أَيَكُونُ لَهُمَا أَنْ يَهْدِمَاهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى: إنْ أَرَادَا أَنْ يَهْدِمَاهُ وَصَاحِبُ الدَّارِ غَائِبٌ أَنْ يَرْفَعَا ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَيَنْظُرُ السُّلْطَانُ لِلْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ أَفْضَلَ لِلْغَائِبِ أَنْ يُعْطِيَهُمَا قِيمَةَ النَّقْضِ وَيَأْخُذَ النَّقْضَ لَهُ فَعَلَ ذَلِكَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُخَلِّيَهُمَا وَنَقْضَهُمَا خَلَّاهُمَا وَذَلِكَ، وَمَا صَنَعَ السُّلْطَانُ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الْغَائِبِ.
قُلْتُ: فَمِنْ أَيْنَ يَنْقُدُ الثَّمَنَ إنْ رَأَى أَنْ يَأْخُذَ لَهُ؟
قَالَ: يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَالسُّلْطَانُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: فَإِنْ نَقَضَا وَلَمْ يَرْفَعَا ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ أَيَكُونُ عَلَيْهِمَا لِذَلِكَ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا وَيَقْتَسِمَانِهِ بَيْنَهُمَا.

قُلْتُ: فَإِنْ أَذِنْت لِرَجُلٍ يَبْنِي فِي عَرْصَةٍ لِي وَيَسْكُنُ وَلَمْ أُوَقِّتْ لَهُ، كَمْ يَسْكُنُ سَنَةً وَلَا شَهْرًا،


أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ بَنَى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهِ قَالَ رَبُّ الْعَرْصَةِ اُخْرُجْ عَنِّي؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَكَنَ مَا يَرَى مِنْ طُولِ السِّنِينَ مَا يَكُونُ سُكْنَى فِيمَا أَذِنَ لَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ ذَلِكَ مَنْقُوضًا إنَّ أَحَبَّ، أَوْ قَالَ لَهُ خُذْ بُنْيَانَكَ وَلَا شَيْءَ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ سَكَنَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ أَوْ الْعَشْرَ سِنِينَ فَقَالَ رَبُّ الْعَرْصَةِ اُخْرُجْ عَنِّي؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ إذَا سَكَنَ الْأَمْرُ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي الْبُنْيَانِ لِيَسْكُنَ مِقْدَارَ هَذِهِ السِّنِينَ لِكَثْرَةِ مَا أَنْفَقَ فِي بُنْيَانِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِذَا أَخْرَجَهُ، أَيُعْطِيهِ قِيمَةَ نَقْضِهِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَبُّ الْعَرْصَةِ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَدْفَعَ إلَى صَاحِبِ النَّقْضِ قِيمَةَ نَقْضِهِ الْيَوْمَ حِينَ يُخْرِجُهُ مَنْقُوضًا، وَفِي أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَقْلَعَ نَقْضَهُ. وَلَيْسَ لِصَاحِبِ النَّقْضِ إذَا قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْعَرْصَةِ أَنَا أَدْفَعُ إلَيْكَ قِيمَةَ نَقْضِكَ أَنْ يَقُولَ لَا أَقْبَلُ ذَلِكَ وَلَكِنِّي أَقْلَعُ، وَإِنَّمَا الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَى صَاحِبِ الْعَرْصَةِ.

قُلْتُ: فَإِذَا أَذِنَ رَجُلٌ لِرَجُلَيْنِ أَنْ يَبْنِيَا عَرْصَةً لَهُ وَيَسْكُنَاهَا فَبَنَيَاهَا، فَأَخْرَجَ أَحَدُهُمَا بَعْدَمَا قَدْ سَكَنَ مِقْدَارَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ إذَا أَعْطَاهُ الْعَرْصَةَ لِيَبْنِيَ فَيَسْكُنَ مِقْدَارَ مَا سَكَنَ، كَيْفَ يُخْرِجُهُ رَبُّ الْعَرْصَةِ، أَيُعْطِيهِ قِيمَةَ نِصْفِ النَّقْضِ، أَمْ يَقُولُ رَبُّ الْعَرْصَةِ النَّقْضَ، أَمْ لَا يَكُونُ رَبُّ الْعَرْصَةِ فِي هَذَا مُخَيَّرًا لِأَنَّ صَاحِبَ النَّقْضِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُقْلِعَ نَقْضَهُ لِأَنَّ لَهُ فِيهِ شَرِيكًا؟
قَالَ: إنْ كَانَ يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقْسَمَ النَّقْضُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، فَيَكُونُ نَصِيبُ هَذَا عَلَى حِدَةٍ وَنَصِيبُ هَذَا عَلَى حِدَةٍ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُقَالُ لِلَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّ الْعَرْصَةِ اُخْرُجْ عَنِّي يُقَالُ لَهُ اقْلَعْ نَقْضَكَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّ الْعَرْصَةِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا يُسْتَطَاعُ الْقِسْمَةُ فِي هَذَا النَّقْضِ، قِيلَ لِلشَّرِيكَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْلَعَ هَذَا الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّ الْعَرْصَةِ اقْلَعْ نَقْضَكَ، فَلْيَتَرَاضَ الشَّرِيكَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَمْرٍ يَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمَا. إمَّا أَنْ يَتَقَاوَمَاهُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَبِيعَانِهِ وَإِنْ بَلَغَ الثَّمَنُ فَأَحَبَّ الْمُقِيمُ فِي الْعَرْصَةِ أَنْ يَأْخُذَهُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ بِشُفْعَتِهِ، وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ فِي رَجُلَيْنِ بَنَيَا فِي رُبُعٍ لَيْسَ لَهُمَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّقْضِ فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِشُفْعَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ لَهُ بِشُفْعَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَا هُوَ بِالْأَمْرِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَكِنِّي أَرَى ذَلِكَ لَهُ، فَالشَّرِيكَانِ عِنْدِي بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الطَّرِيقِ وَالْجِدَارِ]
ِ قُلْتُ: هَلْ يُقْسَمُ الطَّرِيقُ فِي الدَّارِ إذَا أَبَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ؟ قَالَ: لَا يُقْسَمُ ذَلِكَ عِنْدَ


مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَالْجِدَارُ، هَلْ يُقْسَمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَأَبَى الْآخَرُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى: إنْ كَانَ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ وَكَانَ يَنْقَسِمُ رَأَيْتُ أَنْ يَنْقَسِمَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لِهَذَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ وَلِهَذَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ؟ كَيْفَ يَقْتَسِمُهُ هَذَانِ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ جُذُوعُ هَذَا مِنْ هَهُنَا وَجُذُوعُ هَذَا مِنْ هَهُنَا، لَا يَسْتَطِيعَانِ قِسْمَةَ هَذَا الْحَائِطِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا رَأَيْتُ أَنْ يَتَقَاوَمَانِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْحَمَّامِ وَالْآبَارِ وَالْمَوَاجِلِ وَالْعُيُونِ]
ِ قُلْتُ: فَالْحَمَّامُ، أَيُقْسَمُ إذَا دَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إلَى الْقِسْمَةِ وَأَبَى ذَلِكَ شَرِيكُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ يُقْسَمُ.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ وَالْحَائِطِ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِمَا، وَمَالِكٌ يُقَسِّمُ الْحَمَّامَ وَفِيهِ ضَرَرٌ وَلَا يُقَسِّمُ الطَّرِيقَ وَالْحَائِطَ وَفِيهِ ضَرَرٌ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْحَمَّامَ ` ` عَرْصَةٌ، وَالطَّرِيقَ وَالْحَائِطَ لَيْسَتْ لَهُمَا كَبِيرُ عَرْصَةٍ، فَإِنَّمَا يُقْسَمَانِ عَلَى غَيْرِ ضَرَرٍ. فَإِذَا وَقَعَ الضَّرَرُ لَمْ يُقْسَمَا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا جَمِيعًا الْوَرَثَةُ إنْ كَانُوا وَرِثُوا ذَلِكَ عَلَى قَسْمِ ذَلِكَ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَيْضًا فِي الْحَمَّامِ: إنْ كَانَ فِي قِسْمَتِهِ ضَرَرٌ أَنْ لَا يُقَسَّمَ وَأَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِمْ.

قُلْتُ: فَهَلْ يُقَسَّمُ الْآبَارُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَهَلْ تُقَسَّمُ الْمَوَاجِلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فَنَعَمْ وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ إنْ اقْتَسَمَاهُ، وَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا جَلَّ عَلَى حِدَةٍ يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا.
قُلْتُ: فَهَلْ تُقْسَمُ الْعُيُونُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ أَنَّ الْعُيُونَ تُقْسَمُ أَوْ الْآبَارَ إلَّا عَلَى الشِّرْبِ، يَكُونُ لِكُلِّ قَوْمٍ حَظُّهُمْ مِنْ الشِّرْبِ مَعْلُومٌ، فَأَمَّا قِسْمَةُ أَصْلِ الْعُيُونِ أَوْ أَصْلِ الْبِئْرِ فَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ أَحَدًا قَالَ يُقْسَمُ، وَلَا أَرَى أَنْ تُقْسَمَ إلَّا عَلَى الشِّرْبِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ النَّخْلَةِ وَالزَّيْتُونَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ نَخْلَةً وَزَيْتُونَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ، هَلْ يَقْتَسِمَانِهِمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: إنْ اعْتَدَلَتَا فِي الْقِسْمَةِ وَتَرَاضَيَا بِذَلِكَ قَسَمْتُهُمَا بَيْنَهُمَا، يَأْخُذُ هَذَا وَاحِدَةً وَهَذَا وَاحِدَةً. وَإِنْ كَرِهَا لَمْ يُجْبَرَا عَلَى ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتَا لَا يَعْتَدِلَانِ فِي الْقِسْمَةِ تَقَاوَمَاهُمَا بَيْنَهُمَا أَوْ يَبِيعَانِهِمَا بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا الشَّجَرَتَانِ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، وَالشَّجَرَةُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الثَّوْبِ أَوْ الْعَبْدِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّوْبِ بَيْنَ النَّفَرِ إنَّهُ لَا يُقْسَمُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لَا يُقَسَّمُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ وَقَالَ صَاحِبُهُ لَا أَبِيعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْبَرُ الَّذِي لَا يُرِيدُ الْبَيْعَ عَلَى الْبَيْعِ، فَإِذَا قَامَتْ السِّلْعَةُ عَلَى ثَمَنٍ، قِيلَ لِلَّذِي لَا يُرِيدُ الْبَيْعَ إنْ شِئْتَ فَخُذْ وَإِنْ


شِئْتَ فَبِعْ مَعَ صَاحِبِكَ وَالنَّخْلَةُ كَذَلِكَ، فَإِنْ بَاعَ فَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِهِ فِيهَا.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ الْقَلِيلَةِ وَالدُّكَّانِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ]
ِ قُلْتُ: فَإِذَا كَانَتْ أَرْضًا قَلِيلَةً بَيْنَ أَشْرَاكٍ كَثِيرَةٍ، إنْ اقْتَسَمُوهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَمْ يَضُرَّ مَا فِي حَظِّ أَحَدِهِمْ إلَّا الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، أَتُقْسَمُ بَيْنَهُمْ هَذِهِ الْأَرْضُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ. وَمَنْ دَعَا إلَى الْقَسْمِ مِنْهُمْ قُسِمَتْ الْأَرْضُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَدْعُ إلَى ذَلِكَ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ دُكَّانٌ فِي السُّوقِ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، دَعَا أَحَدُهُمَا إلَى الْقِسْمَةِ وَأَبَى صَاحِبُهُ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ الْعَرْصَةُ أَصْلُهَا بَيْنَهُمْ، فَمَنْ دَعَا إلَى الْقِسْمَةِ قُسِمَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا فِي جَوْفِ دَارٍ، الدَّارُ الدَّاخِلَةُ لِقَوْمٍ وَالْخَارِجَةُ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وَلِأَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ الْمَمَرُّ فِي الْخَارِجَةِ، فَأَرَادَ أَهْلُ الْخَارِجَةِ أَنْ يُحَوِّلُوا بَابَهُمْ فِي مَوْضِعٍ سِوَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَأَبَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ ذَلِكَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَأَرَى إنْ كَانُوا أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوهُ إلَى جَنْبِ بَابِ الدَّارِ الَّذِي كَانَ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ، رَأَيْتُ أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يُحَوِّلُوا بَابَهُمْ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الدَّارِ لَيْسَ فِي قُرْبِ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ بَابُ الدَّارِ، فَلَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ إنْ أَبَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الدَّارِ الْخَارِجَةِ أَنْ يُضَيِّقُوا بَابَ الدَّارِ وَأَبَى عَلَيْهِمْ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُضَيِّقُوا الْبَابَ، وَلَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَنَا وَهُوَ شَرِيكَانِ فِيهَا لَمْ تُقْسَمْ وَإِلَى جَانِبِهَا دَارٌ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَفْتَحَ بَابَ الدَّارِ الَّتِي لِي فِي الدَّارِ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَ شَرِيكِي وَأَبَى شَرِيكِي ذَلِكَ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَكَ.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابَ دَارِكَ هُوَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَرِيكِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْكَ لِأَنَّكُمَا لَمْ تَقْسِمَاهَا بَعْدُ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُقَسِّمَ، فَقُلْتُ اجْعَلُوا نَصِيبِي فِي هَذِهِ الدَّارِ إلَى جَنْبِ دَارِي حَتَّى أَفْتَحَ فِيهِ بَابًا قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَقَالَ: لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ هَذَا، وَلَكِنْ تُقْسَمُ الدَّارُ عَلَى الْقِيمَةِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، ثُمَّ يُضْرَبُ بَيْنَهُمَا بِالسِّهَامِ، فَإِنْ صَارَ لَهُ الْمَوْضِعُ الَّذِي إلَى جَنْبِ دَارِهِ فَتَحَ فِيهِ بَابَهُ إنْ شَاءَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَإِنْ وَقَعَ نَصِيبُهُ فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ أَخَذَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ.

قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ قَوْمٍ اقْتَسَمُوهَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ هَذَا طَائِفَةً وَهَذَا طَائِفَةٍ فَوَقَعَتْ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، أَتَكُونُ الْأَجْنِحَةُ لَهُ؟
قَالَ: إذَا وَقَعَتْ الْأَجْنِحَةُ فِي حَظِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلْتَ الْأَجْنِحَةَ لِلَّذِي صَارَتْ لَهُ تِلْكَ النَّاحِيَةُ، وَالْأَجْنِحَةُ إنَّمَا هِيَ


فِي هَوَاءِ الْأَفْنِيَةِ، فَلَمَّا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَاحِيَةً كَانَ فِنَاءُ هَذِهِ الدَّارِ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهِ، وَالْأَجْنِحَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْفِنَاءِ؟
قَالَ: الْأَجْنِحَةُ إذَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الدَّارِ، وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْفِنَاءِ وَصَارَتْ خَزَائِنَ لِلدَّارِ، فَلَمَّا اقْتَسَمُوا عَلَى أَنْ أَعْطَوْا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ، كَانَتْ الْأَجْنِحَةُ لِلَّذِي أَخَذَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي فِيهَا الْأَجْنِحَةُ، وَإِنَّمَا الْأَجْنِحَةُ خَزَائِنُ لِحِصَّتِهِ وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِنَاءً، وَهَذَا رَأْيِي.

[الرَّجُلَيْنِ يَقْتَسِمَانِ الْجِدَارَ عَلَى أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَاهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَأَخَذَ هَذَا طَائِفَةً وَأَعْطَى طَائِفَةً صَاحِبَهُ، عَلَى أَنْ أَعْطَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عَبْدًا أَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ أَوْ عُرُوضًا نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، وَكَيْفَ لَمْ يَضْرِبْ لِلَّذِي يُعْطِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِعَيْنِهِ أَجَلًا؟ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا مَوْصُوفًا فَلَا يَصْلُحُ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ لِذَلِكَ أَجَلًا، يَجُوزُ مِنْ هَذَا مَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ وَيَفْسُدُ مِنْ هَذَا مَا يَفْسُدُ فِي الْبَيْعِ. قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ وَالْآخَرُ طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ عَلَى أَنْ يَزِيدَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَنَانِيرَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اقْتَسَمَاهَا فِيمَا بَيْنَهُمَا فَأَخَذَ هَذَا طَائِفَةً وَهَذَا طَائِفَةً، عَلَى أَنْ يَتَصَدَّقَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِصَدَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ أَوْ يَهَبَ لَهُ هِبَةً مَعْرُوفَةً؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ.

قُلْتُ: فَلَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ مَمَرَّهُ فِي دَارِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَقَبَةِ الدَّارِ شَيْئًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبَيْتِ الصَّغِيرِ يَكُونُ بَيْنَ قَوْمٍ فَيَكُونُ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إذَا قُسِمَ أَيُقْسَمُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ وَإِنْ كَانَ فِي نَصِيبِ أَحَدِهِمْ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ قُسِمَ بَيْنَهُمْ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] سُورَةُ النِّسَاءِ فَالْقَلِيلُ النَّصِيبُ فِي هَذَا وَالْكَثِيرُ النَّصِيبُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، يُقْسَمُ عَلَيْهِمْ إذَا طَلَبُوا الْقِسْمَةَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَلِيلِ النَّصِيبِ وَلَا إلَى كَثِيرِ النَّصِيبِ.
قُلْتُ: فَإِذَا دَعَا وَاحِدٌ مِنْ الشُّرَكَاءِ إلَى الْقِسْمَةِ وَشَرِكَتُهُمْ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَأَبَى بَقِيَّتُهُمْ الْقِسْمَةَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ دَعَا مِنْهُمْ إلَى الْقِسْمَةِ وَكَانَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِمَّا يُقْسَمُ قُسِمَ مِنْ رَقِيقٍ أَوْ دَوَابّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ لِي مَالِكٌ: كَانَ ذَلِكَ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ وَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَنَا لَا أَبِيعُ وَقَالَ بَقِيَّتُهُمْ نَحْنُ نَبِيعُ.
قَالَ: يُبَاعُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَيْهِ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى مَا أَحَبُّوا أَوْ كَرِهُوا إلَّا


أَنْ يُرِيدَ الَّذِينَ كَرِهُوا الْبَيْعَ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ بِمَا يُعْطُونَ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ.

[مَا جَاءَ فِي أَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ وَأَجْرِ الْقُسَّامِ عَلَى مَنْ هُوَ]
َ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ يَكْرَهُ مَالِكٌ أَرْزَاقَ الْقُضَاةِ وَالْعُمَّالِ؟
قَالَ: أَمَّا الْعُمَّالُ فَكَانَ يَقُولُ: إذَا عَمِلُوا عَلَى حَقٍّ فَلَا بَأْسَ بِأَرْزَاقِهِمْ، وَأَمَّا أَرْزَاقُ الْقُضَاةِ فَلَمْ أَرَ مَالِكًا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ قُسَّامَ الْمَغَانِمِ، أَيَصْلُحُ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَيْهَا أَجْرًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي قُسَّامِ الْقَاضِي: لَا أَرَى أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى الْقَسْمِ أَجْرًا، فَقُسَّامُ الْمَغَانِمِ عِنْدِي لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ أَجْرًا.
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَرْزَاقَ الْقُسَّامِ وَجَوَّزَ أَرْزَاقَ الْعُمَّالِ؟
قَالَ: لِأَنَّ أَرْزَاقَ الْقُسَّامِ إنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَأَرْزَاقَ الْعُمَّالِ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إنْ جَعَلَ لِلْقُسَّامِ أَرْزَاقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ إذَا جَعَلَ لِلْقُسَّامِ أَرْزَاقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ أَشْيَاءُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ مِمَّا يَنُوبُهُمْ، يَبْعَثُ فِيهَا السُّلْطَانُ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى السُّلْطَانِ يُرْزَقُونَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرَ قَوْمٌ قَاسِمًا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ دَرَاهِمَ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا.
قَالَ: وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْقَوْمِ يَكُونُ لَهُمْ عِنْدَ الرَّجُلِ الْمَالُ فَيَسْتَأْجِرُونَ رَجُلًا يَكْتُبُ بَيْنَهُمْ الْكِتَابَ وَيَسْتَوْثِقُ لَهُمْ جَمِيعًا، عَلَى مَنْ تَرَى جَعْلَ ذَلِكَ؟
قَالَ: أَرَاهُ بَيْنَهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَرَى عَلَى الَّذِي يُوضَعُ عَلَى يَدَيْهِ الْمَالُ شَيْئًا وَإِنَّمَا الْمَالُ لِهَؤُلَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْثِقُ لَهُ وَإِنَّمَا هَذَا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ فَيَطْلُبُ بَعْضُهُمْ الْقَسْمَ وَلَا يَطْلُبُ بَعْضُهُمْ الْقَسْمَ، فَيَسْتَأْجِرُونَ الرَّجُلَ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ طَلَبَ وَعَلَى مَنْ لَمْ يَطْلُبْ، وَإِنَّمَا وَجْهُ مَا رَأَيْتُ مَالِكًا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْعَلَ الْقَاضِي لِلْقُسَّامِ أَرْزَاقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ أَهْلُ الْمَغْنَمِ نَحْنُ نَرْضَى أَنْ يُعْطَى هَذَا الْقَاسِمُ عَلَى أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَنَا؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا.
قَالَ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ مَالِكًا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْإِمَامُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ السُّوقِ وَيَرْزُقَهُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ. فَهَذَا الَّذِي كَرِهَ وَقَالَ إنَّمَا يَحْمِلُ هَذَا الْإِمَامُ، فَأَمَّا إنْ رَضُوا عَلَى أَنْ يُعْطُوا مَنْ يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ مَغْنَمَهُمْ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.

[فِيمَنْ دَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا يَحْمِلُهُمْ الثُّلُثُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْرَعُ بَيْنُهُمْ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَإِنْ دَبَّرَهُمْ جَمِيعًا؟
قَالَ مَالِكٌ: مَا دَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ وَفِي الْمَرَضِ عَتَقَ مِنْهُمْ مَبْلَغُ الثُّلُثِ، وَمَا دَبَّرَ مِنْهُمْ جَمِيعًا فِي مَرَضٍ كَانَ أَوْ فِي




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #270  
قديم 04-01-2026, 07:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,815
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي




اسم الكتاب: المدونة الكبرى
للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي
عن الإمام عبد الرحمن بن قاسم العتقي
الفقه المالكى
المجلد الرابع
من صــ 311الى صــ 320
الحلقة(270)



صِحَّةٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ تَدْبِيرُ بَعْضِهِمْ قَبْلَ بَعْضٍ، فَإِنَّهُمْ يُعْتَقُ مِنْهُمْ جَمِيعًا مَا حَمَلَ الثُّلُثُ، لَا يَبْدَأُ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ صَاحِبِهِ، إنْ أَعْتَقَ مِنْهُمْ أَنْصَافَهُمْ عَتَقَ مِنْهُمْ أَنْصَافَهُمْ كُلَّهُمْ أَوْ ثُلُثَهُمْ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِمْ، وَيَبْقَى مَا بَقِيَ مِنْهُمْ رَقِيقًا، وَعَلَى هَذَا يُحْسَبُونَ، وَمَا دَبَّرَ بَعْضَهُمْ قَبْلَ بَعْضٍ فِي صِحَّةٍ كَانَ أَوْ فِي مَرَضٍ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، يُبْدَأُ بِالْمُدَبَّرِ فِي الصِّحَّةِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَكُلُّ مَا كَانَ فِي الصِّحَّةِ عَلَى مَا كَانَ فِي الْمَرَضِ وَيُبْدَأُ بِمَا دُبِّرَ فِي الْمَرَضِ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُشْبِهُ الْعِتْقُ التَّدْبِيرَ فِي الْقُرْعَةِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَهُ وَالثُّلُثُ يَحْمِلُ مِنْهُمْ عَبْدَيْنِ وَنِصْفًا؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَعْتِقُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ مِنْهُمْ بِالسِّهَامِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُقَوَّمُونَ ثُمَّ يُضْرَبُ بَيْنَهُمْ بِالسِّهَامِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْقِيمَةِ، ثُمَّ يُضْرَبُ بِالسِّهَامِ فَيُنْظَرُ إلَى الَّذِي خَرَجَ السَّهْمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ وَحْدَهُ كَفَافَ الثُّلُثِ وَالِاثْنَانِ الْبَاقِيَانِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ مَا حَمَلَ الثُّلُثُ وَرُقَّ مِنْهُ مَا بَقِيَ وَرُقَّ صَاحِبَاهُ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ السَّهْمُ هُوَ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ جَمِيعُهُ ثُمَّ ضُرِبَ السَّهْمُ فِي الِاثْنَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ السَّهْمُ هُوَ أَقَلُّ مِنْ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ عَتَقَ كُلُّهُ وَعَتَقَ مِنْ الْآخَرِ الْبَاقِي تَمَامُ الثُّلُثِ وَرُقَّ مِنْهُ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ السَّهْمُ هُوَ أَكْثَرُ مِنْ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْهُ تَمَامُ الثُّلُثِ وَرُقَّ مَا بَقِيَ مِنْهُ، وَصَاحِبُهُ كُلُّهُ رَقِيقٌ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ فَسَّرَ لِي مَالِكٌ كَمَا فَسَّرْتُ لَكَ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ الثِّيَابِ لَا يَنْقَسِمُ أَوْ مِنْ الدَّوَابِّ أَوْ مِنْ الرَّقِيقِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ لِي مَالِكٌ: رَأْسَانِ بَيْنَ عَشَرَةِ رِجَالٍ أَوْ ثَوْبٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَهَذَا لَا يَنْقَسِمُ.
قُلْتُ: وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْقِيمَةِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى الْقِيمَةِ ثُمَّ يُضْرَبُ بِالسِّهَامِ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الدَّارِ بِالْأَذْرُعِ عَلَى السِّهَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِي فَاقْتَسَمْنَاهَا مُذَارَعَةً، ذَرَعْنَا نِصْفَهَا فِي نَاحِيَةٍ وَنِصْفَهَا فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يُضْرَبَ بَيْنَنَا بِالسِّهَامِ، فَحَيْثُمَا خَرَجَ سَهْمُ أَحَدِنَا أَخَذَهُ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا سَوَاءً وَقَسَمَاهَا بِالذِّرَاعِ سَوَاءً، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَا هَذَا بِالسِّهَامِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ مُخْتَلِفَةً بَعْضُهَا أَجْوَدُ مِنْ بَعْضٍ فَقَسَمَاهَا بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَا عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخَاطَرَةٌ لَا يَدْرِي أَحَدُهُمَا أَيَخْرُجُ سَهْمُهُ عَلَى الْجَيِّدِ أَمْ عَلَى الرَّدِيءِ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الدَّارُ كُلُّهَا سَوَاءً فَقَسَمَاهَا، فَجَعَلَا فِي نَاحِيَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَضْرِبَا عَلَى ذَلِكَ بِالسِّهَامِ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مُخَاطَرَةٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ رَضِيَا أَنْ يُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ طَائِفَةً مِنْ الدَّارِ وَبَعْضُ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ بَعْضٍ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ؟
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ مُخَاطَرَةٌ.
قُلْتُ: وَلَا تَجُوزُ فِي قَوْلِ

الْقِسْمَةِ بِالسِّهَامِ إلَّا أَنْ يَقْسِمَا الدَّارَ عَلَى قِيمَةِ عَدْلٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى قِيمَةِ الْعَدْلِ إذَا كَانَ أَصْلُ الْقِسْمَةِ الْقُرْعَةَ.

[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الدُّورِ وَالسَّاحَةِ وَالْمُرْفَقِ بِالسَّاحَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّارَ تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ لَهُمْ سَاحَةٌ وَلَهَا بُنْيَانٌ، كَيْفَ يَقْتَسِمُونَهَا؟ أَيَقْتَسِمُونَ الْبُنْيَانَ عَلَى حِدَةٍ وَالسَّاحَةَ عَلَى حِدَةٍ، أَمْ يَقْتَسِمُونَ الْبُنْيَانَ وَلَا يَقْتَسِمُونَ السَّاحَةَ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ السَّاحَةُ عَلَى حِدَةٍ لَمْ يَقْتَسِمُوا الْبُنْيَانَ وَلَا يَقْتَسِمُونَ السَّاحَةَ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَتْ السَّاحَةُ، إذَا قُسِمَتْ مَعَ الْبُنْيَانِ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حِصَّتِهِ مِنْ السَّاحَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَمَرْبِطِ دَوَابِّهِ وَمَرَافِقِهِ، فَإِنْ كَانَتْ هَكَذَا قُسِمَتْ السَّاحَةُ وَالْبُنْيَانُ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَتْ السَّاحَةُ إذَا قُسِمَتْ مَعَ الْبُنْيَانِ لَا يَكُونُ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَحَوَائِجِهِ، أَوْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِقِلَّةِ نَصِيبِهِ مِنْ السَّاحَةِ لَا يَكُونُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ السَّاحَةِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ فِي مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَمَرَافِقِهِ، وَكَانَ بَقِيَّتُهُمْ يَكُونُ فِي نَصِيبِهِمْ مَا يَرْتَفِقُونَ بِهِ، فَلَا تُقْسَمُ السَّاحَةُ وَتُتْرَكُ السَّاحَةُ بَيْنَهُمْ وَيُقْسَمُ الْبِنَاءُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمْ قَلِيلَ النَّصِيبِ، فَكَانَ الَّذِي يَصِيرُ لَهُ مِنْ السَّاحَةِ قَدْرَ مَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ وَقَدْرَ طَرِيقِهِ فَقَطْ، وَبَقِيَّتُهُمْ يَصِيرُ حَظُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ السَّاحَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَأَرَادُوا الْقِسْمَةَ؟
قَالَ: لَا تُقْسَمُ السَّاحَةُ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ النَّصِيبِ إنْ اقْتَسَمُوا لَمْ يَرْتَفِقْ بِأَكْثَرَ مِنْ الْمَدْخَلِ وَالْمَخْرَجِ وَهُمْ يَرْتَفِقُونَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا مُرْتَفَقُ السَّاحَةِ بَيْنَهُمْ كُلِّهِمْ الْقَلِيلُ النَّصِيبِ وَالْكَثِيرُ النَّصِيبِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الِانْتِفَاعِ بِالسَّاحَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَبْنِيَ فِي السَّاحَةِ بِنَاءً كَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.

[فِي قِسْمَةِ الْبُيُوتِ وَالْغُرَفِ وَالسُّطُوحِ]
ِ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ دَارًا لَهَا غُرَفٌ وَبُيُوتٌ سُفْلٌ، وَلِلْغُرَفِ سَطْحٌ وَلِلْبُيُوتِ سَاحَةٌ بَيْنَ يَدَيْهَا فَاقْتَسَمُوا الْبُنْيَانَ عَلَى الْقِيمَةِ، أَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْغُرَفِ أَنْ يَرْتَفِقَ بِسَاحَةِ الدَّارِ؟
قَالَ: نَعَمْ، لِصَاحِبِ الْغُرَفِ أَنْ يَرْتَفِقَ بِالسَّاحَةِ أَسْفَلَ الدَّارِ فِيمَا قَالَ مَالِكٌ لَنَا، كَمَا يَرْتَفِقُ صَاحِبُ الْبُيُوتِ السُّفْلَ وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ السُّفْلِ أَنْ يَرْتَفِقَ بِسَطْحٍ بَيْنَ يَدَيْ الْغُرْفَةِ، إنَّمَا الْمُرْفَقُ فِي سَاحَةِ الدَّارِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي السُّطُوحِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّطْحَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ الْغُرَفِ إذَا أَرَادَ الْقُسَّامُ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْبُنْيَانَ بَيْنَهُمْ، أَيُقَوِّمُونَ السَّطْحَ فِيمَا يُقَوِّمُونَ مِنْ الْبُنْيَانِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ نَعَمْ، يُقَوِّمُونَ السَّطْحَ فِيمَا يُقَوِّمُونَ مِنْ الْبُنْيَانِ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ لَيْسَ بِسَاحَةٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَكُلُّ مَا لَيْسَ مِنْ السَّاحَةِ فَلَا بُدَّ


لِلْقُسَّامِ مِنْ أَنْ يُقَوِّمُوهُ وَيُدْخِلُوهُ فِي الْقِسْمَةِ، يُقَوِّمُونَ الْغُرْفَةَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ الْمُرْفَقِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ خَشَبَ هَذَا السَّطْحِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْ هَذِهِ الْغُرْفَةِ، عَلَى مَنْ يُقَوِّمُونَ خَشَبَ السَّطْحِ هَؤُلَاءِ الْقُسَّامُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ تَحْتَ هَذَا السَّطْحِ بَيْتٌ جَعَلَ الْقُسَّامُ قِيمَةَ خَشَبِ هَذَا السَّطْحِ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تَحْتَهُ، وَاَلَّذِي سَقْفُهُ هَذَا السَّطْحُ جُعِلَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.

قُلْتُ: فَلَوْ كَانَتْ غُرْفَةٌ فَوْقَ بَيْتٍ، فَأَرَادَ الْقُسَّامُ أَنْ يَقْتَسِمُوا الْبُنْيَانَ، كَيْفَ يُقَوِّمُونَ خَشَبَ سَقْفِ هَذَا الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ خَشَبُ الْغُرْفَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ خَشَبُ سَقْفِ الْبَيْتِ الَّذِي فَوْقَهُ غُرْفَةٌ مَعَ الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ وَلَا يُقْسَمُ مَعَ الْغُرْفَةِ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ إنْ انْكَسَرَتْ خَشَبَةٌ مِنْ سَقْفِ هَذَا الْبَيْتِ وَفَوْقَهَا غَرْفَةٌ لِغَيْرِهِ، كَانَ عَلَى رَبِّ هَذَا الْبَيْتِ الْأَسْفَلِ إصْلَاحُ هَذِهِ الْخَشَبَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُصْلِحَهَا لِأَنَّ فَوْقَهَا غُرْفَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ هَذَا الْبَيْتُ الَّذِي فَوْقَهُ غُرْفَةٌ لِغَيْرِ رَبِّ الْبَيْتِ إذَا رَثَّتْ حِيطَانُ الْبَيْتِ، كَانَ عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ السُّفْلِيِّ إصْلَاحُ الْحِيطَانِ لِئَلَّا تَنْهَدِمَ غُرْفَةُ الْأَعْلَى.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ أَنْ يُدَعِّمَ عُلُوَّهُ حَتَّى يَبْنِيَ صَاحِبُ السُّفْلِيِّ سَقْفَهُ وَيَفْرُغَ مِنْهُ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ السُّفْلِيِّ أَنْ يَبْنِيَ سُفْلِيَّةً إلَّا بِمَا كَانَ مَبْنِيًّا قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى صَاحِبِ الْعُلُوِّ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فَإِذَا انْهَدَمَتْ الْغُرْفَةُ فَسَقَطَتْ عَلَى الْبَيْتِ فَهَدَمَتْهُ، أُجْبِرَ رَبُّ الْبَيْتِ السُّفْلِيِّ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ بَيْتَهُ لِصَاحِبِ الْغُرْفَةِ حَتَّى يَبْنِيَ صَاحِبُ الْغُرْفَةِ غُرْفَتَهُ، فَإِنْ أَبَى صَاحِبُ السُّفْلِيِّ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتَهُ أُجْبِرَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ بَيْتَهُ مِمَّنْ يَبْنِيهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَاهُ مُشْتَرٍ عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ فَقَالَ لَا أَبْنِيهِ؟ فَقَالَ: يُجْبَرُ أَيْضًا عَلَى أَنْ يَبْنِيَهُ أَوْ يَبِيعَهُ أَيْضًا مِمَّنْ يَبْنِيهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبَيْتَ إذَا كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ إذَا قُسِمَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، أَيُقْسَمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْسَمُ لِأَنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى يَقُولُ: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] سُورَةُ النِّسَاءِ قُلْتُ: فَيَكُونُ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَلِيلِ النَّصِيبِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَسْكُنَهُ أَوْ يَرْتَفِقَ مِنْ السَّاحَةِ فِي حَوَائِجِهِ، بِمِثْلِ مَا يَرْتَفِقُ بِهِ الْكَثِيرُ النَّصِيبِ فِي حَوَائِجِهِ؟
قَالَ: إنْ سَكَنَ مَعَهُمْ فَلَهُ أَنْ يَرْتَفِقَ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ مَعَهُمْ فَأَرَادَ أَنْ يَرْتَفِقَ بِالسَّاحَةِ وَهُوَ سَاكِنٌ فِي دَارٍ أُخْرَى فَأَرَى ذَلِكَ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَنْقَسِمُ مِنْ الدُّورِ وَالْمَنَازِلِ وَالْأَرَضِينَ وَالْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِي قِسْمَتِهِ الضَّرَرُ وَلَا يَكُونُ فِيمَا يُقْسَمُ مِنْهُ مُنْتَفَعٌ، فَأَرَى أَنْ يُبَاعَ وَيُقْسَمَ ثَمَنُهُ عَلَى الْفَرَائِضِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَهَذَا ضَرَرٌ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ نَصِيبُ أَحَدِهِمْ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى سُكْنَاهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ الدَّارِ شُرَكَاؤُهُ نَحْنُ نَقْسِمُ السَّاحَةَ وَجَمِيعَ الْبُنْيَانِ لِيَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِنَصِيبِهِ مِنْ السَّاحَةِ، يَبْنِي وَيَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ. وَقَالَ الْقَلِيلُ النَّصِيبِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الْبُنْيَانِ مَا يُسْكَنُ لَا تَقْتَسِمُوا السَّاحَةَ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى إذَا كَانَ هَذَا هَكَذَا لَا تُقْسَمُ عَلَيْهِ السَّاحَةُ وَتُتْرَكُ عَلَى حَالِهَا.

قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا


عَنْ رَجُلٍ هَلَكَ وَتَرَكَ وَلَدًا وَامْرَأَةً وَتَرَكَ أَرْضًا وَدُورًا؟
قَالَ مَالِكٌ: تُقَسَّمُ الدُّورُ وَالْأَرْضُ أَثْمَانًا، فَيُضْرَبُ لِلْمَرْأَةِ بِثُمُنِهَا فِي إحْدَى النَّاحِيَتَيْنِ، وَيُضْرَبُ لِلْوَرَثَةِ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى وَلَا يُضْرَبُ لَهَا بِثُمُنِهَا وَسَطَ الْأَرْضِ وَلَا وَسَطَ الدَّارِ.
قُلْتُ: وَكَيْفَ يُضْرَبُ لَهَا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ؟
قَالَ: تُقَسَّمُ الدَّارُ أَثْمَانًا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الثُّمُنَيْنِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ الَّذِي مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ وَاَلَّذِي مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَيُسْهَمُ لِلْمَرْأَةِ عَلَيْهِمَا وَلَا يُسْهَمُ إلَّا عَلَيْهِمَا، فَأَيُّ الطَّرَفَيْنِ خَرَجَ لِلْمَرْأَةِ أَخَذَتْهُ الْمَرْأَةُ وَضُمَّ مَا بَقِيَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَيُقْسَمُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ أَيْضًا.

[فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْدِثَ فِي أَرْضِهِ حَمَّامًا أَوْ فُرْنًا أَوْ رَحًى]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ لِي عَرْصَةٌ إلَى جَانِبِ دُورِ قَوْمٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُحْدِثَ فِي تِلْكَ الْعَرْصَةِ حَمَّامًا أَوْ فُرْنًا أَوْ مَوْضِعًا لِرَحًا فَأَبَى عَلَيَّ الْجِيرَانُ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُونِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ مَا يُحْدِثُ ضَرَرًا عَلَى الْجِيرَانِ مِنْ الدُّخَانِ وَمَا أَشْبَهَهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوكَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ جَارِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا ضَرَرًا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ حَدَّادًا فَاِتَّخَذَ فِيهَا كِيرًا أَوْ اتَّخَذَ فِيهَا أَفْرَانًا يَسِيلُ فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، أَوْ اتَّخَذَ فِيهَا أَرْحِيَةً تَضُرُّ بِجُدْرَانِ الْجِيرَانِ أَوْ حَفَرَ فِيهَا آبَارًا أَوْ كَنِيفًا قُرْبَ جُدْرَانِ جِيرَانِهِ مَنَعْتَهُ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ هَذَا فِي الدُّخَانِ وَغَيْرِهِ.

قُلْتُ: هَلْ تَرَى التَّنُّورَ ضَرَرًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى التَّنُّورَ خَفِيفًا.

قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ دَارُ الرَّجُلِ إلَى جَنْبِ دَارِ قَوْمٍ، فَفَتَحَ فِي غُرْفَتِهِ كُوًى أَوْ أَبْوَابًا يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى دُورِ جِيرَانِهِ، أَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.

[فِي قِسْمَةِ الدُّورِ وَالرَّقِيقِ إذَا كَانَتْ الْقِيمَةُ وَاحِدَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دُورًا، وَرَقِيقًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَوَّمُوا الرَّقِيقَ فَكَانَتْ قِيمَةُ الرَّقِيقِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَوَّمُوا الدُّورَ فَكَانَتْ قِيمَةُ الدُّورِ أَيْضًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَرَادَا أَنْ يَجْعَلَا الرَّقِيقَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الدُّورِ وَالرَّقِيقِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ هَذَا.
قُلْتُ: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْمُخَاطَرَةِ.
قُلْتُ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا مُخَاطَرَةً، وَقِيمَةُ الرَّقِيقِ أَلْفُ دِينَارٍ وَقِيمَةُ الدُّورِ أَلْفُ دِينَارٍ؟
قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ سَوَاءً لِأَنَّ هَذَيْنِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ، الدُّورُ غَيْرُ الرَّقِيقِ وَالرَّقِيقُ غَيْرُ الدُّورِ، فَإِنَّمَا تَخَاطَرَا عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ سَهْمُهُ عَلَى الرَّقِيقِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الدُّورِ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا. وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يَقْسِمُوا الدُّورَ عَلَى حِدَةٍ وَالرَّقِيقَ عَلَى حِدَةٍ.
قُلْتُ: لِمَ كَرِهْتَ هَذَا فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ، وَأَنْتَ تُجِيزُهُ فِيمَا هُوَ مِثْلُ هَذَا الدَّارِ تَكُونُ


بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ الدَّارَيْنِ تَكُونَانِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ - هُمَا فِي الْمَوْضِعِ وَالنَّفَاقِ سَوَاءٌ عِنْدَ النَّاسِ - فَقَسَمَهَا الْقَاسِمُ عَلَى الْقِيمَةِ، وَكَانَ بُنْيَانُ إحْدَى الدَّارَيْنِ ضِعْفَ بُنْيَانِ الْأُخْرَى فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّ بُنْيَانَهَا قَدْ رَثَّ وَبُنْيَانَ الْأُخْرَى أَحْسَنُ وَأَطْرَى، فَقَسَمَهَا الْقَاسِمُ عَلَى الْقِيمَةِ فَجَعَلَ مَكَانَ الْبُنْيَانِ الْمُرْتَفِعِ ضِعْفَهُ مِنْ الْبُنْيَانِ الرَّثِّ، أَوْ قَسَمَ الدَّارَ الْوَاحِدَةَ الَّتِي بَيْنَهُمَا فَكَانَتْ نَاحِيَةٌ مِنْ الدَّارِ قَدْ تَقَادَمَ بُنْيَانُهَا وَرَّثَ وَنَاحِيَةٌ مِنْ الدَّارِ الْأُخْرَى جَدِيدَةَ الْبُنْيَانِ، فَصَارَ الْبُنْيَانُ الَّذِي تَقَادَمَ فِي الْقَسْمِ ضِعْفَ الْبُنْيَانِ الْجَدِيدِ، فَضَرَبَا عَلَى ذَلِكَ بِالسِّهَامِ فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ. وَأَنْتَ تُجِيزُهُ. فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَا وَمَا بَيْنَ الرَّقِيقِ وَالدُّورِ، وَهَذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ خَاطَرَ بِالْبُنْيَانِ الْجَدِيدِ؟
قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِثْلَ الرَّقِيقِ وَالدُّورِ؛ لِأَنَّ الرَّقِيقَ يُقْسَمُ عَلَى حِدَةٍ وَالدُّورَ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الدُّورُ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ أَنَّ نَاحِيَةً مِنْهَا حَسَنَةُ الْبُنْيَانِ وَنَاحِيَةً أُخْرَى دُونَ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِلْقَاسِمِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَقْسِمَ عَلَى الْقِيمَةِ وَيَجْعَلَ حَظَّ كُلِّ إنْسَانٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَيُسْهِمَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُهُ فِي الْبُنْيَانِ الْجَدِيدِ أَخَذَهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ خَرَجَ فِي غَيْرِ الْجَدِيدِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا، وَذَلِكَ فِي الرَّقِيقِ وَالدُّورِ، يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَقْسِمَ الرَّقِيقَ عَلَى حِدَةٍ وَالدُّورَ عَلَى حِدَةٍ، وَأَمَّا الدُّورُ وَالرَّقِيقُ فَذَلِكَ مِنْ الْمُخَاطَرَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَ هَوَاهُمَا جَمِيعًا فِي الدُّورِ، فَجَعَلَا الرَّقِيقَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا فَكَأَنَّهُمَا تَخَاطَرَا فِيمَا هَوَاهُمَا فِيهِ؟ قُلْتُ: فَإِنْ تَرَاضَى هَذَانِ فِي الدُّورِ وَالرَّقِيقِ فَأَخَذَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الدُّورَ وَالْآخَرُ الرَّقِيقَ؟
قَالَ: فَذَلِكَ جَائِزٌ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ قُرْعَةٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَرِثَا رَقِيقًا وَدَنَانِيرَ، فَجَعَلَا الرَّقِيقَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدَّنَانِيرَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَقِيمَةُ الرَّقِيقِ مِثْلُ الدَّنَانِيرِ سَوَاءٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَتْ دُورًا وَدَنَانِيرَ فَجَعَلَا الدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ وَالدَّنَانِيرَ فِي نَاحِيَةٍ. أَوْ كَانَتْ دُورًا وَثِيَابًا فَجَعَلَا الدُّورَ فِي نَاحِيَةٍ وَالثِّيَابَ فِي نَاحِيَةٍ - وَقِيمَةُ الدُّورِ وَالثِّيَابِ سَوَاءٌ - أَوْ كَانَتْ ثِيَابًا وَحَيَوَانًا قِيمَةُ الْحَيَوَانِ مِثْلُ قِيمَةِ الثِّيَابِ - فَجَعَلَا الثِّيَابَ فِي نَاحِيَةٍ وَالْحَيَوَانَ فِي نَاحِيَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى ذَلِكَ - وَقِيمَةُ الْحَيَوَانِ وَقِيمَةُ الثِّيَابِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ الصِّنْفَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا دَخَلَهُ الْمُخَاطَرَةُ وَالْغَرَرُ إلَّا أَنْ يَقْتَسِمَا ذَلِكَ بِغَيْرِ الْقُرْعَةِ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا، جَازَ أَنْ يَقْتَسِمَا ذَلِكَ بِالْقُرْعَةِ إذَا عَدَلَا الْقَسْمَيْنِ فِي الْقِيمَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.

[فِي الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا فِي زُقَاقٍ نَافِذٍ أَوْ غَيْرِ نَافِذٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ زُقَاقًا نَافِذًا أَوْ غَيْرَ نَافِذٍ، فِيهِ دُورٌ لِقَوْمٍ شَتَّى، فَأَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ لِدَارِهِ بَابَيْنِ يَفْتَحُ ذَلِكَ فِي الزُّقَاقِ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَ بَابَ دَارِهِ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ السِّكَّةِ فَمَنَعَهُ أَهْلُ السِّكَّةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحْدِثَ بَابًا حِذَاءَ بَابِ دَارِ


جَارِهِ أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ السِّكَّةُ غَيْرَ نَافِذَةٍ؛ لِأَنَّ جَارَهُ يَقُولُ قَدْ كَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ مِنْ السِّكَّةِ الَّذِي هُوَ حِيَالُ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَ فِيهِ بَابًا لِدَارِكَ، لِي فِيهِ مُرْتَفَقٌ، أَفْتَحُ بَابِي فَأَنَا فِي سُتْرَةٍ، وَأُقَرِّبُ حُمُولَتِي إلَى بَابِ دَارِي فَلَا أُؤْذِي أَحَدًا، وَلَا أَتْرُكُكَ تَفْتَحُ حِيَالَ بَابِ دَارِي أَوْ قُرْبَ ذَلِكَ فَتَتَّخِذَ عَلَيَّ فِيهِ الْمَجَالِسَ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا. فَإِذَا كَانَ هَذَا ضَرَرًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ مَا يَضُرُّهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً فَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ مَا شَاءَ وَيُحَوِّلَ بَابَهُ إلَى أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ.
قُلْتُ: وَإِذَا كَانَتْ السِّكَّةُ نَافِذَةً، فَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُهُ.

قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ دَارَيْنِ، أَحَدُهُمَا فِي جَوْفِ الْأُخْرَى - الدَّارُ الدَّاخِلَةُ لِقَوْمٍ شَتَّى وَالْخَارِجَةُ لِغَيْرِهِمْ - إلَّا أَنَّ لِأَهْلِ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ الْمَمَرَّ فِي هَذِهِ الدَّارِ الْخَارِجَةِ وَالطَّرِيقُ لَهُمْ فِيهَا، فَاقْتَسَمَ أَهْلُ الدَّارِ الدَّاخِلَةِ دَارَهُمْ بَيْنَهُمْ فَأَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ مَا اقْتَسَمُوا أَنْ يَفْتَحَ فِي حِصَّتِهِ بَابًا إلَى الدَّارِ الْخَارِجَةِ، لِأَنَّ لَهُمْ فِيهَا الْمَمَرَّ. وَقَالَ صَاحِبُ الدَّارِ الْخَارِجَةِ: لَا أَتْرُكُكُمْ تَفْتَحُونَ هَذِهِ الْأَبْوَابَ عَلَيَّ وَإِنَّمَا لَكُمْ الْمَمَرُّ عَنْ مَوْضِعِكُمْ الَّذِي كَانَ؟
قَالَ: لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا بَابًا إلَى الدَّارِ الْخَارِجَةِ إلَّا الْبَابَ الَّذِي كَانَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقْتَسِمُوا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْخَلِيجِ الَّذِي أَمَرَّهُ فِي أَرْضِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ دَارًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ اقْتَسَمَاهَا - وَلِرَجُلٍ فِي جَنْبِهِمْ دَارٌ لَصِيقَةُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ - فَاشْتَرَى هَذَا الرَّجُلُ النَّصِيبَ الَّذِي هُوَ مُلَاصِقُهُ فَفَتَحَ بَابًا فِي هَذَا النَّصِيبِ وَأَحْدَثَ الْمَمَرَّ - مَمَرَّ دَارِهِ فِي طَرِيقِ هَذَا النَّصِيبِ - فَأَبَى عَلَيْهِ صَاحِبُ النَّصِيبِ الْآخَرِ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ إذَا كَانَ إنَّمَا جَعَلَ فِي النَّصِيبِ الَّذِي اشْتَرَى لِيَرْتَفِقَ بِذَلِكَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِمَّنْ سَكَنَ مِنْ وَلَدِهِ وَيَتَوَسَّعَ بِالنَّصِيبِ وَيَكُونَ مَمَرُّهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا سِكَّةً نَافِذَةً لِلنَّاسِ يَدْخُلُونَ مِنْ بَابِ دَارِهِ يَتَحَرَّفُونَ إلَى النَّصِيبِ وَيَمُرُّونَ فِي النَّصِيبِ إلَى مَخْرَجِ النَّصِيبِ حَتَّى يَتَّخِذَ مَمَرًّا شِبْهَ الْمَمَرِّ فِي الزُّقَاقِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ حِينَ سَأَلْتُهُ عَنْهَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْكَنَ مَعَهُ غَيْرَهُ أَوْ آجَرَ الدَّارَ، أَيَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَمُرُّوا فِي النَّصِيبِ كَمَا كَانَ لَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَإِنَّمَا رَأَيْتُ مِنْ كَرَاهِيَةِ مَالِكٍ أَنْ يَجْعَلَهَا سِكَّةً نَافِذَةً فَقَطْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمُوا الْبُنْيَانَ بِالْقِيمَةِ وَالسَّاحَةَ مُذَارَعَةً، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ السَّاحَةُ مِمَّا تَحْمِلُ الْقِسْمَةَ، أَوْ كَانَتْ السَّاحَةُ كُلُّهَا سَوَاءً وَتَسَاوَوْا فِي الذَّرْعِ فِيمَا بَيْنَهُمْ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَاضِلَةً فَلَا أَرَى ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نُقَسِّمُ السَّاحَةَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُقَسِّمُ السَّاحَةَ، وَفِي السَّاحَةِ فِي نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَيَرْتَفِقُ بِهِ؟
قَالَ: تُقَسَّمُ السَّاحَةُ إذَا كَانَتْ بِحَالِ مَا وَصَفْتَ لِي عِنْدَ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَيَجُوزُ أَنْ نَقْسِمَ بَيْتًا


بَيْنِي وَبَيْنَ شَرِيكِي مُذَارَعَةً ثُمَّ نَسْتَهِمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَا شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ مُسَاهَمَةً إذَا كَانَ أَحَدُ النَّصِيبَيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ هَذَا يَكُونُ مُخَاطَرَةً. وَأَمَّا إذَا كَانَ غَيْرَ مُسَاهَمَةٍ يَأْخُذُ هَذَا نَاحِيَةً وَهَذَا نَاحِيَةً تَرَاضِيًا بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

[فِي قَسْمِ الدَّارِ الْغَائِبَةِ وَقَسْمِ الْوَصِيِّ عَلَى الْكَبِيرِ الْغَائِبِ وَالصِّغَارِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَارًا وَرِثْنَاهَا عَنْ رَجُلٍ - وَالدَّارُ غَائِبَةٌ عَنَّا بِبَلَدٍ مَنْ الْبُلْدَانِ - وَقَدْ وُصِفَتْ لَنَا الدَّارُ وَبُيُوتُهَا وَمَا فِيهَا مَنْ سَاحَتِهَا، فَأَرَدْنَا أَنْ نَقْسِمَهَا عَلَى صِفَةِ مَا وَصَفُوهَا لَنَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا نَاحِيَتَهُ وَمَوْضِعَهُ وَمَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْبُنْيَانِ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا؛ لِأَنَّ الدَّارَ الْغَائِبَةَ قَدْ تُبَاعُ بِالصِّفَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، فَإِذَا جَازَ الْبَيْعُ فِيهَا جَازَتْ الْقِسْمَةُ فِيهَا.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ دُورًا وَعَقَارًا وَأَمْوَالًا وَلَمْ يُوصِ، وَتَرَكَ وَرَثَةً كُلُّهُمْ غُيَّبٌ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا حَاضِرًا مَنْ الْوَرَثَةِ، فَأَرَادَ هَذَا الْحَاضِرُ أَنْ يَقْسِمَ هَذِهِ الدُّورَ وَالرِّبَاعَ وَالْعُرُوضَ وَيَأْخُذَ حَقَّهُ مَنْ الْعُرُوضِ وَنَصِيبَهُ مَنْ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَيُوَكِّلُ السُّلْطَانُ وَكِيلًا يَقْسِمُ لِلْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ جَمِيعًا، فَمَا صَارَ لِلْغَائِبِ عَزَلَهُ لَهُ السُّلْطَانُ وَأَحْرَزَهُ لَهُ.
قَالَ: وَعَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ سَأَلْتُ مَالِكًا فَقَالَ مِثْلَ مَا قُلْتُ لَكَ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ قَدْ أَوْصَى - وَالْوَرَثَةُ غُيَّبٌ كُلُّهُمْ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَأَرَادَ الْحَاضِرُ أَنْ يَقْسِمَ نَصِيبَهُ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَيَكُونُ الْوَصِيُّ هَهُنَا بِمَنْزِلَةِ السُّلْطَانِ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ الْغُيَّبُ كِبَارًا كُلُّهُمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسِمَ الْوَصِيُّ لَهُمْ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى يُقَاسِمَهُ لَهُمْ. وَإِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ الْغُيَّبُ صِغَارًا كُلُّهُمْ جَازَتْ مُقَاسَمَةُ الْوَصِيِّ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.

قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ حَلَفَتْ لِإِخْوَتِهَا لَتُقَاسِمَنَّهُمْ دَارًا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهَا إخْوَتُهَا: أَمَّا إذَا حَلَفْت فَنَحْنٌ نُقَاسِمُكِ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تَرْفَعَ هَذَا إلَى السُّلْطَانِ فَيَقْسِمُ لَهَا.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ هَذَا؟
قَالَ: خَوْفًا مِنْ الدُّلْسَةِ فَتَحْنَثُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَ كَبِيرٌ مِنْ الْوَرَثَةِ غَائِبًا وَجَمِيعُ الْوَرَثَةِ صِغَارٌ وَهُمْ حُضُورٌ عِنْدَ الْوَصِيِّ، أَيَقْسِمُ الْوَصِيُّ الدَّارَ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا: لَا يَقْسِمُ الْوَصِيُّ لِلْغَائِبِ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَقْسِمُهَا بَيْنَهُمْ وَيَعْزِلُ نَصِيبَ الْكَبِيرِ فَيَحُوزُهُ لَهُ.

قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الصِّغَارُ غُيَّبًا وَالْكَبِيرُ حَاضِرًا، فَأَرَادَ الْكَبِيرُ أَنْ يُقَاسِمَ الْوَصِيَّ، أَوْ الْوَصِيُّ أَرَادَ أَنْ يُقَاسِمَ الْكَبِيرَ لِلْأَصَاغِرِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْكَبِيرُ حَاضِرًا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَغِيبِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ حَاضِرًا. قَالَ: وَهَذَا رَأْيِي.

قُلْتُ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْحَمَّامِ وَالْجِدَارِ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، أَيُقْسَمُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْحَمَّامِ يَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ: إنَّهُ يُقْسَمُ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْجِدَارِ


شَيْئًا.
قُلْتُ: لِمَ جَوَّزَ مَالِكٌ قِسْمَةَ الْحَمَّامِ، وَهُوَ إذَا قُسِّمَ بَطَلَ الْحَمَّامُ إذَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ حِصَّتَهُ مِنْهُمَا؟
قَالَ: هُوَ مِثْلُ الْبَيْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْتَ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ الْكَثِيرِ، وَهُمْ إنْ اقْتَسَمُوهُ لَمْ يَصِرْ فِي حَظِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُسْكَنُ وَلَا يَصِيرُ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ، فَكَذَلِكَ الْحَمَّامُ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِالثُّلُثِ وَتَرَكَ دُورًا وَعَقَارًا وَتَرَكَ وَرَثَةً غُيَّبًا، فَأَرَادَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أَنْ يَقْسِمَ وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْوَارِثِ، يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيُوَكِّلُ رَجُلًا يَقْسِمُ مَالَ الْمَيِّتِ، وَيُعْطِي السُّلْطَانُ هَذَا الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ حَقَّهُ وَيَحُوزُ ذَلِكَ.

قُلْتُ: أَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ هُوَ أَوْلَى بِمَا بَيْنَ يَدَيْ بَابِ بَيْتِهِ مَنْ السَّاحَةِ فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ عِنْدِي.
قَالَ: وَلَا يَطْرَحُ فِي السَّاحَةِ بَيْنَ يَدَيْ بَابِ غَيْرِهِ الْحَطَبَ وَالْعَلَفَ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ سَعَةٌ عَنْ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ احْتَاجَ إلَى طَرْحِ ذَلِكَ فِي السَّاحَةِ وَوَضْعِ بَعْضِ ذَلِكَ عَلَى بَابِ غَيْرِهِ طَرَحَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِمَنْ يَطْرَحُ ذَلِكَ عَلَى بَابِهِ ذَلِكَ، فَيُمْنَعَ مِنْ أَنْ يَضُرَّ بِغَيْرِهِ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا الْبُنْيَانَ وَسَاحَةَ الدَّارِ، أَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَتْرُكَ الطَّرِيقَ لَا يَعْرِضُ فِيهَا لِصَاحِبِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، تُقَرُّ الطَّرِيقُ عَلَى حَالِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ اقْتَسَمَاهَا عَلَى أَنْ يَصْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَابًا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَلَا يَتْرُكَا طَرِيقًا وَرَضِيَا بِذَلِكَ؟
قَالَ: فَالْقِسْمَةُ جَائِزَةٌ، وَلَا يَكُونُ لَهُمَا طَرِيقٌ يَرْتَفِقَانِ بِهِ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنْ يَأْخُذُ هَذَا حِصَّتَهُ فَيَصْرِفُ بَابَهُ حَيْثُ شَاءَ إذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَصْرِفُ بَابَهُ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

أَرَأَيْتَ إنْ قَسَمَا الْبُنْيَانَ ثُمَّ قَسَمَا السَّاحَةَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَذْكُرَا الطَّرِيقَ أَنَّهُمَا يَرْتَفِقَانِ بِهِ بَيْنَهُمَا وَلَا يَرْتَفِقَانِ الطَّرِيقَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَسَمَا الدَّارَ عَلَى هَذَا فَصَارَ بَابُ الدَّارِ فِي حِصَّةِ أَحَدِهِمَا، أَتَرَى هَذَا قَطْعًا لِلطَّرِيقِ بَيْنَهُمَا، أَوْ تَأْمُرُ الَّذِي صَارَ بَابُ الدَّارِ لِغَيْرِهِ أَنْ يَفْتَحَ فِي نَصِيبِهِ بَابًا لِأَنَّ بَابَ الدَّارِ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ وَقَدْ رَضِيَ بِذَلِكَ؟
قَالَ: إذَا لَمْ يَذْكُرَا فِي قِسْمَتِهِمَا أَنْ يَجْعَلَ أَحَدُهُمَا، وَلَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَخْرَجَهُ مِنْ الدَّارِ فِي حِصَّتِهِ يَفْتَحُ فِي نَصِيبِهِ بَابًا، فَأَرَى الطَّرِيقَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَالِهَا، وَبَابُ الدَّارِ الَّذِي صَارَ لَهُ فِي حِصَّتِهِ، وَلَكِنَّ الْمَمَرَّ لَهُمَا جَمِيعًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ شَرِيكَهُ الَّذِي قَاسَمَهُ مِنْ الْمَمَرِّ فِي ذَلِكَ. قَالَ: وَلَا أَحْفَظُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اقْتَسَمَا دَارًا بَيْنَهُمَا، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا دُبُرَ الدَّارِ وَأَعْطَى صَاحِبَهُ مُقَدَّمَ الدَّارِ عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ فِي حِصَّةِ صَاحِبِهِ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا شَرَطَا وَرَضِيَا إذَا كَانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَصْرِفُ إلَيْهِ بَابَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوْضِعٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَالَ. مَالِكٌ فِيهَا، وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْمٍ اقْتَسَمُوا دَارًا عَلَى أَنْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ غُرَفًا عَلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ فِي الدَّارِ فَكَرِهَ ذَلِكَ. وَكَانَ لَيْسَ لِلْغُرَفِ طَرِيقٌ يَصْرِفُ إلَى ذَلِكَ. وَقَالَ: لَا يَجُوزُ.


ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ لَهَا طَرِيقٌ يُفْتَحُ بَابُهَا إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ

[اخْتِلَافِ الْوَرَثَةِ فِي قِسْمَةِ الدُّورِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دُورًا بَيْنَ قَوْمٍ شَتَّى أَرَادُوا أَنْ يَقْتَسِمُوا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اجْعَلُوا نَصِيبِي فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ بَقِيَّتُهُمْ: بَلْ يُجْعَلُ نَصِيبُكَ فِي كُلِّ دَارٍ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الشُّرَكَاءِ يُرِيدُونَ قَسْمَ دُورِهِمْ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ الدُّورُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ رَأَيْتُ أَنْ يَجْعَلَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ فِي دَارٍ يَجْمَعُ نَصِيبَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَلَا يُفَرِّقُ أَنْصِبَاءَهُمْ فِي كُلِّ دَارٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَوَاضِعُهَا مُخْتَلِفَةً مِمَّا تَشَاحَّ النَّاسُ فِيهَا لِلْعُمْرَانِ أَوْ لِغَيْرِ الْعُمْرَانِ، رَأَيْتُ أَنْ تُقْسَمَ كُلُّ دَارٍ عَلَى حِدَتِهَا. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ - وَأَرَاهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ وَتَرَكَ دُورًا وَكَانَ وَرَثَتُهُ فِي دَارٍ مِنْ دُورِهِ كَانُوا يَسْكُنُونَهَا، وَدُورُهُ الَّتِي تَرَكَ سَوَاءٌ كُلُّهَا فِي مَوَاضِعِهَا وَفِي تَشَاحِّ النَّاسِ فِيهَا، فَتَشَاحَّ الْوَرَثَةُ فِي الدَّارِ الَّتِي كَانُوا يَسْكُنُونَهَا، أَنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ هَذِهِ الدَّارُ وَيُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهَا نَصِيبٌ إذَا كَانَتْ الدُّورُ الَّتِي تَرَكَ الْمَيِّتُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ الَّذِي الدَّارُ فِيهِ الَّتِي يَسْكُنُونَهَا، ثُمَّ يَقْسِمُ مَا بَقِيَ مِنْ الدُّورِ فَيَجْعَلُ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي دَارٍ تَجْمَعُ نَصِيبَهُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ إذَا كَانَتْ الدُّورُ فِي نَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ وَتَشَاحِّ النَّاسِ عَلَى مَوَاضِعِهَا سَوَاءً، وَكَانَ بَعْضُهَا قَرِيبًا مِنْ بَعْضٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ رَأْيِي.
قُلْتُ: فَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ، تَكُونُ الدَّارُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَالدَّارُ الْأُخْرَى فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى مِنْ الْمَدِينَةِ، إلَّا أَنَّ مَوَاضِعَهَا وَرَغْبَةَ النَّاسِ فِيهَا فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ وَتَشَاحُّ النَّاسِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ سَوَاءٌ؟
قَالَ: فَهَاتَانِ يُجْمَعُ نَصِيبُ كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنْ إحْدَى الدَّارَيْنِ وَلَا يَقْسِمُ نَصِيبَهُ فِي هَذِهِ وَهَذِهِ؛ لِأَنَّ الدَّارَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْمَوَاضِعِ وَالنَّفَاقِ عِنْدَ النَّاسِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى افْتِرَاقِ الدَّارَيْنِ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ إذَا كَانَتَا بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ الْمَيِّتُ دُورًا بَعْضُهَا هِيَ سَوَاءٌ فِي مَوَاضِعِهَا وَنَفَاقِهَا عِنْدَ النَّاسِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَكَ، بَعْضُهَا لَيْسَتْ سَوَاءٌ، أَتُجْمَعُ هَذِهِ الدُّورُ الَّتِي مَوَاضِعُهَا عِنْدَ النَّاسِ فِي النَّفَاقِ سَوَاءٌ، فَيُقْسَمُ لِكُلِّ إنْسَانٍ حِصَّتُهُ مِنْهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَيُنْظَرُ إلَى كُلِّ دَارٍ مِمَّا تَرَكَ الْمَيِّتُ لَيْسَتْ فِي الْمَوَاضِعِ سَوَاءً، فَتُقْسَمُ عَلَى حِدَةٍ فَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْهَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَتْ الدَّارُ بَيْنَ قَوْمٍ، شَيْءٌ لِأَحَدِهِمْ فِيهَا الْخُمُسُ وَلِآخَرَ فِيهَا الرُّبُعُ وَلِآخَرَ السُّبْعُ، كَيْفَ تُقْسَمُ هَذِهِ الدُّورُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى سَهْمِ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَإِذَا قُسِمَتْ عَلَى سَهْمِ أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا، أَيُعْطَى سَهْمُهُ حَيْثُمَا خَرَجَ، أَمْ يُجْعَلُ.


سَهْمُهُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ إذَا تَرَكَ امْرَأَتَهُ وَعُصْبَتَهُ: إنَّهُ يُضْرَبُ لِلْمَرْأَةِ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَيُضَمُّ نَصِيبُ الْعُصْبَةِ إلَى شِقٍّ وَاحِدٍ.
قَالَ مَالِكٌ وَلَا يُجْمَعُ نَصِيبُ اثْنَيْنِ فِي الْقَسْمِ وَإِنْ أَرَادَا ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُقْسَمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتُهُ عَلَى حِدَةٍ.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَرَكَ الرَّجُلُ أُخْتَهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ، كَيْفَ تُقْسَمُ هَذِهِ الدَّارُ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْسَمُ عَلَى أَقَلِّهِمْ سَهْمًا. قَالَ: وَيُجْمَعُ حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ وَلَا يُفَرَّقُ. قَالَ: وَتَفْسِيرُ هَذَا عِنْدِي، أَنَّ الدَّارَ تُقْسَمُ عَلَى أَقَلِّهِمْ سَهْمًا، أَوْ الْأَرْضُ إنْ كَانَتْ أَرْضًا، فَيُضْرَبُ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، فَإِنْ تَشَاحَّ الْوَرَثَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ أَوَّلًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ اضْرِبْ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ الْآخَرِ أَوَّلًا، ضَرَبَ الْقَاسِمُ بِالسِّهَامِ عَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَعَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ يَخْرُجُ السَّهْمُ فَإِنَّهُ يَضْرِبُ عَلَيْهِ أَوَّلًا، وَيَأْخُذُ سِهَامَهُمْ فَيَضْرِبُ عَلَى هَذَا الطَّرَفِ، فَأَيُّ سَهْمٍ خَرَجَ مِنْ سِهَامِهِمْ إنْ كَانَتْ الِابْنَةُ أَوْ الْأُخْتُ أَوْ الْأُمُّ أَوْ الْمَرْأَةُ ضَمَّ إلَى سَهْمِهَا هَذَا بَقِيَّةَ حَقِّهَا حَتَّى يُكْمِلَهُ فِي مَوْضِعِهَا ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ يَضْرِبُ أَيْضًا سِهَامَ مَنْ بَقِيَ، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فِي الطَّرَفَيْنِ ضَرَبَ الْقَاسِمُ أَيْضًا بِالسِّهَامِ عَلَى الطَّرَفَيْنِ، فَعَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ خَرَجَ السَّهْمُ ضَرَبَ بِسِهَامِهِمْ عَلَيْهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا أَكْمَلَ لَهَا بَقِيَّةَ نَصِيبِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْهُنَّ اثْنَانِ وَتَشَاحَّا عَلَى الطَّرَفَيْنِ، لَمْ يَنْظُرْ إلَى قَوْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَضَرَبَ الْقَاسِمُ عَلَى أَيِّ الطَّرَفَيْنِ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَرَبَ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَقَدْ ضَرَبَ لَهُمَا جَمِيعًا فِي الطَّرَفَيْنِ وَهَذَا رَأْيِي.

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ السِّهَامُ لَا تَعْتَدِلُ فِي الْقَسْمِ إلَّا أَنْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ فِي الْحِسَابِ، فَيَصِيرُ سَهْمُ أَحَدِهِمْ لَا يَعْتَدِلُ حَتَّى يُضَعَّفَ إلَى عَشَرَةِ أَسْهُمٍ، فَإِذَا ضُرِبَ عَلَيْهِ بِالسِّهَامِ فَخَرَجَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْعَشَرَةِ ضُمَّتْ التِّسْعَةُ إلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ وَهَذَا رَأْيِي.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 442.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 436.98 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]