تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ - الصفحة 20 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4564 - عددالزوار : 1383114 )           »          5 حاجات خلى بالك منها قبل شراء شفاط المطبخ.. احذر من مستوى الضوضاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          طريقة عمل كيك آيس كريم بخطوات بسيطة.. لو عندك حد عيد ميلاده قرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          كيف تجعل طفلك يتمتع بشخصية مستقلة؟.. 5 خطوات هتساعدك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          وصفات طبيعية لعلاج تقشر اليدين.. خليهم زى الحرير وأنعم كمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          جددى إطلالتك الكلاسيكية بـ 5 رسومات عيون مميزة ومناسبة للصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          إزاى تستغلى الصيف والحر وتخسرى وزنك الزائد؟.. 4 خطوات هتساعدك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          طريقة عمل تشيز كيك الزبادى بالفراولة بدون فرن.. حلوى خفيفة وسريعة التحضير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          5 أطعمة تحافظ على رشاقة جسمك وزيادة كولاجين بشرتك.. خليها فى روتينك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          طريقة عمل سلطة المانجو والأفوكادو مع صوص الليمون.. انتعاش فى لقمة صغيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-01-2022, 09:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (189)

سُورَةُ الإسراء(6)
صـ 31 إلى صـ 35

وتشوف الشارع تشوفا شديدا للحرية والإخراج من الرق ، فأكثر أسباب ذلك ، كما أوجبه في الكفارات من قتل خطأ وظهار ويمين وغير ذلك ، وأوجب سراية العتق ، وأمر بالكتابة في قوله : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا [ 24 \ 33 ] ، ورغب في الإعتاق ترغيبا شديدا ، ولو فرضنا - ولله المثل الأعلى - أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق ، وتشنع في ذلك على دين الإسلام قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم ، وتسدي إليه جميع أنواع الإحسان ، ودبر عليها ثورة [ ص: 31 ] شديدة يريد بها إسقاط حكمها ، وعدم نفوذ كلمتها ، والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها ، التي يظهر لها أن بهما صلاح المجتمع ، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شر قتلة ، ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه ، فهو أشد سلبا لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل ، والكافر قام ببذل كل ما في وسعه ليحول دون إقامة نظام الله الذي شرعه ليسير عليه خلقه ، فينشر بسببه في الأرض الأمن والطمأنينة ، والرخاء والعدالة ، والمساواة في الحقوق الشرعية ، وتنتظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [ 16 \ 90 ] فعاقبه الله هذه المعاقبة بمنعه التصرف ، ووضع درجته وجريمته تجعله يستحق العقوبة بذلك .

فإن قيل : إذا كان الرقيق مسلما فما وجه ملكه بالرق ؟ مع أن سبب الرق الذي هو الكفر ومحاربة الله ورسله قد زال ؟

فالجواب : أن القاعدة المعروفة عند العلماء وكافة العقلاء : أن الحق السابق لا يرفعه الحق اللاحق ، والأحقية بالأسبقية ظاهرة لا خفاء بها ، فالمسلمون عندما غنموا الكفار بالسبي ثبت لهم حق الملكية بتشريع خالق الجميع ، وهو الحكيم الخبير ، فإذا استقر هذا الحق وثبت ، ثم أسلم الرقيق بعد ذلك كان حقه في الخروج من الرق بالإسلام مسبوقا بحق المجاهد الذي سبقت له الملكية قبل الإسلام ، وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحق المتأخر عنه ، كما هو معلوم عند العقلاء ، نعم ، يحسن بالمالك ويجمل به أن يعتقه إذا أسلم ، وقد أمر الشارع بذلك ورغب فيه ، وفتح له الأبواب الكثيرة كما قدمنا ، فسبحان الحكيم الخبير : وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم [ 6 \ 115 ] ، فقوله صدقا أي في الإخبار ، وقوله : وعدلا ; أي في الأحكام . ولا شك أن من ذلك العدل : الملك بالرق وغيره من أحكام القرآن :


وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم : القصاص ; فإن الإنسان إذا غضب وهم بأن يقتل إنسانا آخر فتذكر أنه إن قتله قتل به ، خاف العاقبة فترك القتل ، فحيي ذلك الذي كان يريد [ ص: 32 ] قتله ، وحيي هو ، لأنه لم يقتل فيقتل قصاصا ، فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله كثرة كما ذكرنا ، قال تعالى ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب لعلكم تتقون [ 2 \ 179 ] ، ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها ، ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديما وحديثا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله ; لأن القصاص رادع عن جريمة القتل . كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفا . وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة ; لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول ، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس ، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع . كله كلام ساقط ، عار من الحكمة ; لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل ، فإذا لم تكن العقوبة رادعة فإن السفهاء يكثر منهم القتل ، فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل .
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم : قطع يد السارق المنصوص عليه بقوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو سرقت فاطمة لقطعت يدها " .

وجمهور العلماء على أن القطع من الكوع ، وأنها اليمنى . وكان ابن مسعود وأصحابه يقرءون " فاقطعوا أيمانهما " .

والجمهور أنه إن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى ، ثم إن سرق فيده اليسرى ، ثم إن سرق فرجله اليمنى ، ثم يعزر . وقيل : يقتل ، كما جاء في الحديث : " ولا قطع إلا في ربع دينار أو قيمته أو ثلاثة دراهم " كما هو معروف في الأحاديث .

وليس قصدنا هنا تفصيل أحكام السرقة وشروط القطع ، كالنصاب والإخراج من حرز ، ولكن مرادنا أن نبين أن قطع يد السارق من هدي القرآن للتي هي أقوم . وذلك أن هذه اليد الخبيثة الخائنة ، التي خلقها الله لتبطش وتكتسب في كل ما يرضيه من امتثال أوامره واجتناب نهيه ، والمشاركة في بناء المجتمع الإنساني ، فمدت أصابعها الخائنة إلى مال الغير لتأخذه بغير حق ، واستعملت قوة البطش المودعة فيها في الخيانة والغدر ، وأخذ أموال الناس على هذا الوجه القبيح ، يد نجسة قذرة ، ساعية في الإخلال بنظام المجتمع ، إذ لا نظام له بغير المال ، فعاقبها خالقها بالقطع والإزالة ; كالعضو الفاسد الذي يجر الداء لسائر البدن ، فإنه يزال بالكلية إبقاء على البدن وتطهيرا له من المرض ، ولذلك فإن قطع اليد يطهر السارق من دنس ذنب ارتكاب معصية السرقة ، مع الردع البالغ [ ص: 33 ] بالقطع عن السرقة ; قال البخاري في صحيحه : " باب الحدود كفارة " ، حدثنا محمد بن يوسف ، أخبرنا ابن عيينة عن الزهري ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس ، فقال : " بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، ولا تسرقوا ، ولا تزنوا " وقرأ هذه الآية كلها " فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارته ، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه " . اه هذا لفظ البخاري في صحيحه ، وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح : " فهو كفارته " نص صريح في أن الحدود تطهر المرتكبين لها من الذنب .

والتحقيق في ذلك ما حققه بعض العلماء : من أن حقوق الله يطهر منها بإقامة الحد ، وحق المخلوق يبقى ، فارتكاب جريمة السرقة مثلا يطهر منه بالحد ، والمؤاخذة بالمال تبقى ; لأن السرقة علة موجبة حكمين : وهما القطع والغرم . قال في مراقي السعود :


وذاك في الحكم الكثير أطلقه كالقطع مع غرم نصاب السرقة


مع أن جماعة من أهل العلم قالوا : لا يلزمه الغرم مع القطع ; لظاهر الآية الكريمة : فإنها نصت على القطع ولم تذكر غرما .

وقال جماعة : يغرم المسروق مطلقا ، فات أو لم يفت ، معسرا كان أو موسرا ، ويتبع به دينا إن كان معسرا .

وقال جماعة : يرد المسروق إن كان قائما . وإن لم يكن قائما رد قيمته إن كان موسرا ، فإن كان معسرا فلا شيء عليه ، ولا يتبع به دينا .

والأول مذهب أبي حنيفة . والثاني مذهب الشافعي وأحمد . والثالث مذهب مالك . وقطع السارق كان معروفا في الجاهلية فأقره الإسلام .

وعقد ابن الكلبي بابا لمن قطع في الجاهلية بسبب السرقة ، فذكر قصة الذين سرقوا غزال الكعبة فقطعوا في عهد عبد المطلب ، وذكر ممن قطع في السرقة عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم ، ومقيس بن قيس بن عدي بن سهم وغيرهما ، وأن عوفا السابق لذلك ، انتهى .

وكان من هدايا الكعبة صورة غزالين من ذهب ، أهدتهما الفرس لبيت الله الحرام ، كما عقده البدوي الشنقيطي في نظم عمود النسب بقوله :


ومن خباياه غزالا ذهب أهدتهما الفرس لبيت العرب


[ ص: 34 ] وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : وقد قطع السارق في الجاهلية ، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة ، فأمر الله بقطعه في الإسلام ، فكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم ، وقطع أبو بكر يد اليمني الذي سرق العقد . وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة اه .

قال مقيده عفا الله عنه : ما ذكره القرطبي رحمه الله من أن المخزومية التي سرقت فقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها أولا هي مرة بنت سفيان خلاف التحقيق ، والتحقيق أنها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل ، الذي كان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، قتل أبوها كافرا يوم بدر ، قتله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، وقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها وقع في غزوة الفتح ، وأما سرقة أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد ابنة عم المذكورة ، وقطع النبي صلى الله عليه وسلم يدها ففي حجة الوداع ، بعد قصة الأولى بأكثر من سنتين .

فإن قيل : أخرج الشيخان في صحيحيهما ، وأصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم ، وفي لفظ بعضهم قيمته ثلاثة دراهم . وأخرج الشيخان في صحيحيهما ، وأصحاب السنن غير ابن ماجه وغيرهم من حديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم " كان يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا ، مع أنه عرف من الشرع أن اليد فيها نصف الدية ، ودية الذهب ألف دينار . فتكون دية اليد خمسمائة دينار ، فكيف تؤخذ في مقابلة ربع دينار ؟ وما وجه العدالة والإنصاف في ذلك .

فالجواب : أن هذا النوع من اعتراضات الملحدين الذين يؤمنون بالله ورسوله ، هو الذي نظمه المعري بقوله :


يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار


وللعلماء عنه أجوبة كثيرة نظما ونثرا ; منها قول القاضي عبد الوهاب مجيبا له في بحره ورويه :


عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري


وقال بعضهم : لما خانت هانت . ومن الواضح : أن تلك اليد الخسيسة الخائنة لما [ ص: 35 ] تحملت رذيلة السرقة وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجن والأترجة ، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل ، الذي تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى .

وقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة : ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن ، بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل . فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة هذه العقوبة العظيمة اه .

فانظر ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق ، والتنزه عما لا يليق ، وقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا يدل على أن التشريع السماوي يضع درجة الخائن من خمسمائة درجة إلى ربع درجة ، فانظر هذا الحط العظيم لدرجته بسبب ارتكاب الرذائل .

وقد استشكل بعض الناس قطع يد السارق في السرقة خاصة دون غيرها من الجنايات على الأموال ، كالغصب ، والانتهاب ، ونحو ذلك .

قال المازري ومن تبعه : صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها ، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها ، من الانتهاب والغصب ، ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها ، وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر ، ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد ، ثم لما خانت هانت ، وفي ذلك إثارة إلى الشبهة التي نسبت إلى أبي العلاء المعري في قوله :


يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار


فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله :


صيانة العضو أغلاها وأرخصها حماية المال فافهم حكمة الباري


وشرح ذلك : أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدي ، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال ، فظهرت الحكمة في الجانبين ، وكان في ذلك صيانة من الطرفين .

وقد عسر فهم المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة وبين النهب ونحوه على بعض منكري القياس ، فقال : القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى ; فإن الغصب أكثر هتكا للحرمة من السرقة ، فدل على عدم اعتبار القياس ، لأنه إذا لم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 17-02-2022, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (191)

سُورَةُ الإسراء(8)
صـ 41 إلى صـ 45



ومن هدي القرآن للتي هي أقوم بيانه أنه كل من اتبع تشريعا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه ، فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح ، مخرج عن الملة الإسلامية ، ولما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم : الشاة تصبح ميتة من قتلها ؟ فقال لهم : " الله قتلها " فقالوا له : ما ذبحتم بأيديهم حلال ، وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون إنه حرام ! فأنتم إذن أحسن من [ ص: 41 ] الله ؟ أنزل الله فيهم قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون [ 6 \ 121 ] وحذف الفاء من قوله : إنكم لمشركون يدل على قسم محذوف على حد قوله في الخلاصة :


واحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم


إذ لو كانت الجملة جوابا للشرط لاقترنت بالفاء على حد قوله في الخلاصة أيضا :
واقرن بفا حتما جوابا لو جعل شرطا لأن أو غيرها لم ينجعل


فهو قسم من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك ، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين ، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة بقوله : ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين [ 36 \ 60 ] لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته ، وقال تعالى : إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا [ 4 \ 117 ] ، أي ما يعبدون إلا شيطانا ، وذلك باتباعهم تشريعه . وقال : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم الآية [ 6 \ 137 ] ، فسماهم شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى ، وقال عن خليله : ياأبت لا تعبد الشيطان الآية [ 19 \ 44 ] ، أي بطاعته في الكفر والمعاصي ، ولما سأل عدي بن حاتم النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا الآية [ 9 \ 31 ] ، بين له أن معنى ذلك أنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم ، والآيات بمثل هذا كثيرة .

والعجب ممن يحكم غير تشريع الله ثم يدعي الإسلام ; كما قال تعالى : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا [ 4 \ 60 ] ، وقال : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون [ 5 \ 44 ] ، وقال : أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين [ 6 \ 114 ] .
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم هديه إلى أن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع ، وأن ينادى بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام ، [ ص: 42 ] لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك ، ورجلك بساقك ، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " . ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ تنبيها على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه ، كقوله تعالى : ولا تخرجون أنفسكم من دياركم الآية [ 2 \ 84 ] ، أي لا تخرجون إخوانكم ، وقوله : لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا [ 24 \ 12 ] ، أي بإخوانهم على أصح التفسيرين ، وقوله : ولا تلمزوا أنفسكم الآية [ 49 \ 11 ] ، أي إخوانكم على أصح التفسيرين ، وقوله : ولا تأكلوا أموالكم بينكم الآية [ 2 \ 188 ] ، أي لا يأكل أحدكم مال أخيه ، إلى غير ذلك من الآيات ، ولذلك ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " .

ومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقية هي الدين ، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية : قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم [ 58 \ 22 ] ، إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر ، وقوله : والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض الآية [ 9 \ 71 ] ، وقوله : إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم [ 49 \ 10 ] ، وقوله : فأصبحتم بنعمته إخوانا الآية [ 3 \ 103 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

فهذه الآيات وأمثالها تدل على أن النداء برابطة أخرى غير الإسلام كالعصبية المعروفة بالقومية لا يجوز ، ولا شك أنه ممنوع بإجماع المسلمين .

ومن أصرح الأدلة في ذلك : ما رواه البخاري في صحيحه قال : باب قوله تعالى : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون [ 63 \ 8 ] ، حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان قال : حفظناه من عمرو بن دينار ، قال : سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول : كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ! وقال [ ص: 43 ] المهاجري : يا للمهاجرين ! فسمعها الله رسوله قال : " ما هذا " ؟ فقالوا : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " دعوها فإنها منتنة " الحديث . فقول هذا الأنصاري : يا للأنصار ، وهذا المهاجري : يا للمهاجرين هو النداء بالقومية العصبية بعينه ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : " دعوها فإنها منتنة " يقتضي وجوب ترك النداء بها ; لأن قوله : " دعوها " أمر صريح بتركها ، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما تقرر في الأصول ; لأن الله يقول : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ 24 \ 63 ] ، ويقول لإبليس : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [ 7 \ 12 ] فدل على أن مخالفة الأمر معصية . وقال تعالى عن نبيه موسى في خطابه لأخيه : أفعصيت أمري [ 20 \ 93 ] ، فأطلق اسم المعصية على مخالفة الأمر : وقال تعالى : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم [ 33 \ 36 ] فدلت الآية على أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم مانع من الاختيار ، موجب للامتثال ، لا سيما وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالترك بقوله : " فإنها منتنة " ، وحسبك بالنتن موجبا للتباعد لدلالته على الخبث البالغ .

فدل هذا الحديث الصحيح على أن النداء برابطة القومية مخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن فاعله يتعاطى المنتن ، ولا شك أن المنتن خبيث ، والله تعالى يقول : الخبيثات للخبيثين الآية [ 24 \ 26 ] ، ويقول : ويحرم عليهم الخبائث [ 7 \ 157 ] وحديث جابر هذا الذي قدمناه عن البخاري أخرجه أيضا مسلم في صحيحه قال رحمه الله : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وأحمد بن عبدة الضبي ، وابن أبي عمر ، واللفظ لابن أبي شيبة ، قال ابن عبدة : أخبرنا ، وقال الآخرون : حدثنا سفيان بن عيينة قال : سمع عمرو جابر بن عبد الله يقول : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ، فقال الأنصاري : يا للأنصار ! وقال المهاجري : يا للمهاجرين ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما بال دعوى الجاهلية ! " قالوا : يا رسول الله ، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار . فقال : " دعوها فإنها منتنة . " الحديث .

وقد عرفت وجه دلالة هذا الحديث على التحريم ، مع أن في بعض رواياته الثابتة في الصحيح التصريح بأن دعوى الرجل : " يا لبني فلان " من دعوى الجاهلية . وإذا صح بذلك [ ص: 44 ] أنها من دعوى الجاهلية فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى الجاهلية " . وفي رواية في الصحيح : " ليس منا من ضرب الخدود ، أو شق الجيوب ، أو دعا بدعوى الجاهلية " ، وذلك صريح في أن من دعا تلك الدعوى ليس منا ، وهو دليل واضح على التحريم الشديد ، ومما يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم : " من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " هذا حديث صحيح ، أخرجه الإمام أحمد من طرق متعددة عن عتي بن ضمرة السعدي ، عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، وذكره صاحب الجامع الصغير بلفظ " إذا سمعتم من يعتزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا " وأشار لأنه أخرجه أحمد في المسند ، والنسائي وابن حبان ، والطبراني في الكبير ، والضياء المقدسي عن أبي رضي الله عنه ، وجعل عليه علامة الصحة . وذكره أيضا صاحب الجامع الصغير بلفظ " إذا رأيتم الرجل يتعزى . . " إلخ ، وأشار إلى أنه أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي ، وجعل عليه علامة الصحة . وقال شارحه المناوي : ورواه عنه أيضا الطبراني ، قال الهيثمي : ورجاله ثقات ، وقال شارحه العزيزي : هو حديث صحيح . وقال فيه الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني في كتابه ( كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ) قال النجم : رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله عنه . ومراده بالنجم : الشيخ محمد نجم الدين الغزي في كتابه المسمى ( إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن ) فانظر كيف سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء " عزاء الجاهلية " وأمر أن يقال للداعي به " اعضض على هن أبيك " أي فرجه ، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية ، فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء ، وشدة بغض النبي صلى الله عليه وسلم له .

واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية : أبو جهل ، وأبو لهب ، والوليد بن المغيرة ، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة .

وقد بين تعالى تعصبهم لقوميتهم في آيات كثيرة ; كقوله : قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا الآية [ 5 \ 104 ] وقوله : قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا الآية [ 2 \ 170 ] ، وأمثال ذلك من الآيات .

واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفا - في منع النداء برابطة غير الإسلام ، كالقوميات والعصبيات النسبية ، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية ، فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي : أنه نداء [ ص: 45 ] إلى التخلي عن دين الإسلام ، ورفض الرابطة السماوية رفضا باتا ، على الله أن يعتاص من ذلك روابط عصبية قومية ، مدارها على أن هذا من العرب ، وهذا منهم أيضا مثلا . فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفا من الإسلام ، واستبدالها به صفقة خاسرة ، فهي كما قال الراجز :
بدلت بالجمة رأسا أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا

كما اشترى المسلم إذ تنصرا


وقد علم في التاريخ حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده كما لا يخفى .

وقد بين الله جل وعلا في محكم كتابه : أن الحكمة في جعله بني آدم شعوبا وقبائل هي التعارف فيما بينهم ، وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره ، وكل قبيلة على غيرها ، قال جل وعلا : ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ 49 \ 13 ] ، فاللام في قوله : لتعارفوا لام التعليل ، والأصل لتتعارفوا ، وقد حذفت إحدى التاءين ; فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله : وجعلناكم شعوبا وقبائل [ 49 \ 13 ] ، ونحن حين نصرح بمنع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية ، ونقيم الأدلة على منع ذلك ، لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبية لا تمت إلى الإسلام بصلة ، كما نفع الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب ، وقد بين الله جل وعلا أن عطف ذلك العم الكافر على نبيه صلى الله عليه وسلم من منن الله عليه ، قال تعالى : ألم يجدك يتيما فآوى [ 93 \ 6 ] ، أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب .

ومن آثار هذه العصبية النسبية قول أبي طالب فيه صلى الله عليه وسلم :


والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا


كما قدمنا في سورة هود .

وقد نفع الله بتلك العصبية النسبية شعيبا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، كما قال تعالى عن قومه : قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك [ 11 \ 91 ] .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 22-01-2022, 09:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (190)

سُورَةُ الإسراء(7)
صـ 36 إلى صـ 40


وجوابه : أن الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لإيرادها ، وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب الأحكام . اه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري .

قال مقيده عفا الله عنه : الفرق بين السرقة وبين الغصب ونحوه الذي أشار إليه المازري ظاهر ، وهو أن النهب والغصب ونحوهما قليل بالنسبة إلى السرقة ، ولأن الأمر الظاهر غالبا توجد البينة عليه بخلاف السرقة ، فإن السارق إنما يسرق خفية بحيث لا يطلع عليه أحد ، فيعسر الإنصاف منه ، فغلظت عليه الجناية ليكون أبلغ في الزجر ، والعلم عند الله تعالى .
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم : رجم الزاني المحصن ذكرا كان أو أنثى ، وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرا كان أو أنثى .

أما الرجم : فهو منصوص بآية منسوخة التلاوة باقية الحكم ، وهي قوله تعالى : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " .

وقد قدمنا ذم القرآن للمعرض عما في التوراة من حكم الرجم ، فدل القرآن في آيات محكمة كقوله : يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه الآية [ 5 \ 41 ] ، وقوله : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم الآية [ 3 \ 23 ] على ثبوت حكم الرجم في شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم لذمه في كتابنا للمعرض عنه كما تقدم .

وما ذكرنا من أن حكم الرجم ثابت بالقرآن لا ينافي قول علي رضي الله عنه حين رجم امرأة يوم الجمعة : " رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ; لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها .

ويدل لذلك قول عمر رضي الله عنه في حديثه الصحيح المشهور : " فكان مما أنزل إليه آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده . . . " الحديث .

والملحدون يقولون : إن الرجم قتل وحشي لا يناسب الحكمة التشريعية ، ولا ينبغي أن يكون مثله في الأنظمة التي يعامل بها الإنسان ، لقصور إدراكهم عن فهم حكم الله البالغة في تشريعه .

والحاصل : أن الرجم عقوبة سماوية معقولة المعنى ; لأن الزاني لما أدخل فرجه [ ص: 37 ] في فرج امرأة على وجه الخيانة والغدر ، فإنه ارتكب أخس جريمة عرفها الإنسان بهتك الأعراض ، وتقذير الحرمات ، والسعي في ضياع أنساب المجتمع الإنساني ، والمرأة التي تطاوعه في ذلك مثله ، ومن كان كذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة ، فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل ليدفع شره البالغ غاية الخبث والخسة ، وشر أمثاله عن المجتمع ، ويطهره هو من التنجيس بتلك القاذورة التي ارتكب ، وجعل قتلته أفظع قتلة ; لأن جريمته أفظع جريمة ، والجزاء من جنس العمل .

وقد دل الشرع المطهر على أن إدخال الفرج في الفرج المأذون فيه شرعا يوجب الغسل ، والمنع من دخول المسجد على كل واحد منهما حتى يغتسل بالماء ، فدل ذلك أن ذلك الفعل يتطلب طهارة في الأصل ، وطهارته المعنوية إن كان حراما قتل صاحبه المحصن ، لأنه إن رجم كفر ذلك عنه ذنب الزنى ، ويبقى عليه حق الآدمي ; كالزوج إن زنى بمتزوجة ، وحق الأولياء في إلحاق العار بهم كما أشرنا له سابقا .

وشدة قبح الزنى أمر مركوز في الطبائع ، وقد قالت هند بنت عتبة وهي كافرة : ما أقبح ذلك الفعل حلالا ! فكيف به وهو حرام . وغلظ جل وعلا عقوبة المحصن بالرجم تغليظا أشد من تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة ; لأن المحصن قد ذاق عسيلة النساء ، ومن كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهن ، فلما كان الداعي إلى الزنى أعظم ، كان الرادع عنه أعظم وهو الرجم .

وأما جلد الزاني البكر ذكرا كان أو أنثى مائة جلدة فهذا منصوص بقوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة الآية [ 24 \ 2 ] ; لأن هذه العقوبة تردعه وأمثاله عن الزنى ، وتطهره من ذنب الزنى كما تقدم . وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ما يلزم الزناة من ذكور وإناث ، وعبيد وأحرار " في سورة النور " .

وتشريع الحكيم الخبير جل وعلا مشتمل على جميع الحكم من درء المفاسد وجلب المصالح ، والجري على مكارم الأخلاق ، ومحاسن العادات ، ولا شك أن من أقوم الطرق معاقبة فظيع الجناية بعظيم العقاب جزاء وفاقا .
ومن هدي القرآن للتي هي أقوم : هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين ، فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإسلام : من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإسلام ، باطل لا أساس له ، والقرآن الكريم يدعو إلى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين ، ولكن ذلك التقدم في حدود الدين ، والتحلي بآدابه الكريمة ، وتعاليمه السماوية ; قال تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة الآية [ ص: 38 ] [ 8 \ 60 ] ، وقال : ولقد آتينا داود منا فضلا ياجبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا الآية [ 34 \ 10 ، 11 ] . فقوله : أن اعمل سابغات وقدر في السرد يدل على الاستعداد لمكافحة العدو ، وقوله : واعملوا صالحا يدل على أن ذلك الاستعداد لمكافحة العدو في حدود الدين الحنيف ، وداود من أنبياء " سورة الأنعام " المذكورين فيها في قوله تعالى : ومن ذريته داود الآية [ 6 \ 84 ] ، وقد قال تعالى مخاطبا لنبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم بعد أن ذكرهم : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ 6 \ 90 ] .

وقد ثبت في صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما من أين أخذت السجدة " في ص " فقال : أوما تقرأ : ومن ذريته داود - إلى قوله تعالى - أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ 6 \ 84 - 90 ] ، فسجدها داود ، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فدل ذلك على أنا مخاطبون بما تضمنته الآية مما أمر به داود ، فعلينا أن نستعد لكفاح العدو مع التمسك بديننا ، وانظر قوله تعالى : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ، فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت ، فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية ، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطور جديد ، ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين .

ومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى : وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم الآية [ 4 \ 102 ] ; فصلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الجمع بين مكافحة العدو ، وبين القيام بما شرعه الله جل وعلا من دينه ، فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح المسلح يدل على ذلك دلالة في غاية الوضوح ، وقد قال تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون [ 8 \ 45 ] ، فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر الله كثيرا عند التحام القتال يدل على ذلك أيضا دلالة واضحة ، فالكفار خيلوا لضعاف العقول أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين ، والسمات الحسنة والأخلاق الكريمة ، تباين مقابلة كتباين النقيضين كالعدم والوجود ، والنفي والإثبات ، أو الضدين [ ص: 39 ] كالسواد والبياض ، والحركة والسكون ، أو المتضائفين كالأبوة والبنوة ، والفوق والتحت ، أو العدم والملكة كالبصر والعمى .

فإن الوجود والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة ، وكذلك الحركة والسكون مثلا ، وكذلك الأبوة والبنوة ، فكل ذات ثبتت لها الأبوة لذات استحالت عليها النبوة لها ، بحيث يكون شخص أبا وابنا لشخص واحد ، كاستحالة اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة ، أو الحركة والسكون في جرم ، وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان .

فخيلوا لهم أن التقدم والتمسك بالدين متباينان تباين مقابلة ، بحيث يستحيل اجتماعهما ، فكان من نتائج ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدم ، فخسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين .

والتحقيق أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين بالنظر إلى العقل وحده ، وقطع النظر عن نصوص الكتاب والسنة إنما هي تباين المخالفة ، وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها تباين حقيقة الآخر ، ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلا في ذات أخرى ; كالبياض والبرودة ، والكلام والقعود ، والسواد والحلاوة .

فحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة ، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعها في ذات واحدة كالثلج ، وكذلك الكلام والقعود فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود ، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعدا متكلما في وقت واحد . وهكذا فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم بالنظر إلى حكم العقل من هذا القبيل ، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلا أن يكون باردا كالثلج ، والإنسان القاعد يجوز عقلا أن يكون متكلما ، فكذلك المتمسك بالدين يجوز عقلا أن يكون متقدما ، إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه ، مشتغلا في جميع الميادين التقدمية كما لا يخفى ، وكما عرفه التاريخ للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان .

أما بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى : ولينصرن الله من ينصره الآية [ 22 \ 40 ] وقوله : وكان حقا علينا نصر المؤمنين [ 30 \ 47 ] ، وقوله : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون [ ص: 40 ] [ 37 \ 171 - 173 ] وقوله : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز [ 58 \ 21 ] وقوله : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا الآية [ 40 \ 51 ] ، وقوله : قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين [ 9 \ 14 ] ، ونحو ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث .

فإن النسبة بين التمسك بالدين والتقدم ، كالنسبة بين الملزوم ولازمه ; لأن التمسك بالدين ملزوم للتقدم ، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم ، كما صرحت به الآيات المذكورة ، ومعلوم أن النسبة بين الملزوم ولازمه لا تعدو أحد أمرين : إما أن تكون المساواة أو الخصوص المطلق ; لأن الملزوم لا يمكن أن يكون أعم من لازمه ، وقد يجوز أن يكون مساويا له أو أخص منه ، ولا يتعدى ذلك ، ومثال ذلك : الإنسان مثلا ، فإنه ملزوم للبشرية الحيوانية ، بمعنى أن الإنسان يلزم على كونه إنسانا أن يكون بشرا وأن يكون حيوانا ، وأحد هذين اللازمين مساو له في الماصدق وهو البشر . والثاني أعم منه ما صدقا وهو الحيوان ، فالإنسان أخص منه خصوصا مطلقا كما هو معروف .

فانظر كيف خيلوا لهم أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين ، وأطاعوهم في ذلك لسذاجتهم وجهلهم وعمى بصائرهم ، فهم ما تقولوا على الدين الإسلامي ورموه بما هو منه بريء إلا لينفروا منه ضعاف العقول ممن ينتمي للإسلام ليمكنهم الاستيلاء عليهم ، لأنهم لو عرفوا الدين حقا واتبعوه لفعلوا بهم ما فعل أسلافهم بأسلافهم ، فالدين هو هو ، وصلته بالله هي هي ، ولكن المنتسبين إليه في جل أقطار الدنيا تنكروا له ، ونظروا إليه بعين المقت والازدراء ، فجعلهم الله أرقاء للكفرة الفجرة ، ولو راجعوا دينهم لرجع لهم عزهم ومجدهم ، وقادوا جميع أهل الأرض ، وهذا مما لا شك فيه : ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض [ 47 \ 4 ] .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 17-02-2022, 05:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (192)

سُورَةُ الإسراء(9)
صـ 46 إلى صـ 50


وقد نفع الله بها نبيه صالحا أيضا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ; كما أشار تعالى لذلك بقوله : قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون [ 27 \ 49 ] ، فقد دلت الآية على أنهم يخافون من أولياء صالح ، [ ص: 46 ] ولذلك لم يفكروا أن يفعلوا به سوءا إلا ليلا خفية . وقد عزموا أنهم إن فعلوا به ذلك أنكروا وحلفوا لأوليائه أنهم ما حضروا ما وقع بصالح خوفا منهم ، ولما كان لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك حتى قال : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد [ 11 \ 80 ] ، وقد قدمنا هذا مستوفى في " سورة هود " .

فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين ، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال ، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام ، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد ، أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارة - نعوذ بالله من طمس البصيرة - وأن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية والأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ، كما وقع من أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر " ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع ، لأنها تشمل المسلم والكافر ، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر ، كما قال تعالى : لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله الآية [ 58 \ 22 ] ، كما تقدم .

والحاصل أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة " لا إله إلا الله " ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد ، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضا ، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف ، قال تعالى : الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم [ 40 \ 7 - 9 ] . فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله ، وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم ، إنما هي الإيمان بالله جل وعلا ; لأنه قال عن الملائكة : ويؤمنون به [ ص: 47 ] [ 40 \ 7 ] فوصفهم بالإيمان . وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم : ويستغفرون للذين آمنوا [ 40 \ 7 ] ، فوصفهم أيضا بالإيمان ، فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان ، وهو أعظم رابطة .

ومما يوضح لك أن الرابطة الحقيقية هي دين الإسلام قوله تعالى في أبي لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم : سيصلى نارا ذات لهب [ 111 \ 3 ] ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : " سلمان منا أهل البيت " ، رواه الطبراني والحاكم في المستدرك ، وجعل عليه صاحب الجامع الصغير علامة الصحة ، وضعفه الحافظ الذهبي ، وقال الهيثمي فيه ، عند الطبراني كثير بن عبد الله المزني ضعفه الجمهور ، وبقية رجاله ثقات . وقد أجاد من قال :


لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب


وقد أجمع العلماء : على أن الرجل إن مات وليس له من القرباء إلا ابن كافر ، أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام ، ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر ، والميراث دليل القرابة ، فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة النسبية .

وبالجملة ، فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض ، وتربط بين أهل الأرض والسماء ، هي رابطة " لا إله إلا الله " ، فلا يجوز البتة النداء برابطة غيرها . ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم ، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى : ومن يتولهم منكم فإنه منهم [ 5 \ 51 ] ، وقوله تعالى : إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير [ 8 \ 73 ] ، والعلم عند الله تعالى .

وبالجملة ، فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاثة :

الأولى : درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات .

والثانية : جلب المصالح ، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات .

والثالثة : الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيات والتتميمات . وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها .

فالضروريات التي هي درء المفاسد إنما هي درؤها عن ستة أشياء :

[ ص: 48 ] الأول : الدين ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها ، كما قال تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله [ 2 \ 193 ] ، وفي سورة الأنفال : ويكون الدين كله لله [ الآية 39 ] ، وقال تعالى : تقاتلونهم أو يسلمون [ 48 \ 16 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " الحديث ، وقال صلى الله عليه وسلم : " من بدل دينه فاقتلوه " إلى غير ذلك من الأدلة على المحافظة على الدين .

والثاني : النفس ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها ، ولذلك أوجب القصاص درءا للمفسدة عن الأنفس ، كما قال تعالى : ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب الآية [ 2 \ 179 ] ، وقال : كتب عليكم القصاص في القتلى الآية [ 2 \ 178 ] ، وقال : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا الآية [ 17 \ 33 ] .

الثالث : العقل ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها ، قال تعالى : ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه - إلى قوله - فهل أنتم منتهون [ 5 \ 90 ، 91 ] ، وقال صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام " وقال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " ، كما قدمنا ذلك مستوفى " في سورة النحل " ، وللمحافظة على العقل أوجب صلى الله عليه وسلم حد الشارب درءا للمفسدة عن العقل .

الرابع : النسب ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها ، ولذلك حرم الزنى وأوجب فيه الحد الرادع ، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو موت ، لئلا يختلط ماء رجل بماء آخر في رحم امرأة محافظة على الأنساب ; قال تعالى : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا [ 17 \ 32 ] ، ونحو ذلك من الآيات ، وقال تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة الآية [ 24 \ 2 ] ، وقد قدمنا آية الرجم والأدلة الدالة على أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم ، وقال تعالى في إيجاب العدة حفظا للأنساب : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية [ 2 \ 228 ] ، وقال : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ 2 \ 234 ] وإن كانت عدة الوفاة فيها شبه تعبد لوجوبها مع عدم الخلوة بين الزوجين .

ولأجل المحافظة على النسب منع سقي زرع الرجل بماء غيره ; فمنع نكاح الحامل حتى تضع ، قال تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [ 65 \ 4 ] .

الخامس : العرض ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها ، فنهى [ ص: 49 ] المسلم عن أن يتكلم في أخيه بما يؤذيه ، وأوجب عليه إن رماه بفرية حد القذف ثمانين جلدة ، قال تعالى : ولا يغتب بعضكم بعضا [ 49 \ 12 ] ، وقبح جل وعلا غيبة المسلم غاية التقبيح بقوله : أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه [ 49 \ 12 ] ، وقال : ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون [ 49 \ 11 ] وقال في إيجاب حد القاذف : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا الآية [ 24 \ 4 ، 5 ] .

السادس : المال ، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها ، ولذلك منع أخذه بغير حق شرعي ، وأوجب على السارق حد السرقة وهو قطع اليد كما تقدم ، قال تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ 4 \ 29 ] ، وقال تعالى : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون [ 2 \ 188 ] ، وقال : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله الآية [ 5 \ 38 ] ، وكل ذلك محافظة على المال ودرءا للمفسدة عنه .

المصلحة الثانية : جلب المصالح ، وقد جاء القرآن بجلب المصالح بأقوم الطرق وأعدلها ، ففتح الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين ، قال تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ 62 \ 10 ] ، وقال : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ 2 \ 198 ] ، وقال : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [ 73 \ 20 ] ، وقال : بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ 4 \ 29 ] .

ولأجل هذا جاء الشرع الكريم بإباحة المصالح المتبادلة بين أفراد المجتمع على الوجه المشروع ، ليستجلب كل مصلحته من الآخر ، كالبيوع والإجارات والأكرية والمساقاة والمضاربة ، وما جرى مجرى ذلك .

المصلحة الثالثة : الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات ، وقد جاء القرآن بذلك بأقوم الطرق وأعدلها ، والحض على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات كثير جدا في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولذلك لما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت : " كان خلقه القرآن " لأن القرآن يشتمل على جميع مكارم الأخلاق ; لأن الله تعالى يقول [ ص: 50 ] في نبيه صلى الله عليه وسلم : وإنك لعلى خلق عظيم [ 68 \ 4 ] .

فدل مجموع الآية وحديث عائشة على أن المتصف بما في القرآن من مكارم الأخلاق : أنه يكون على خلق عظيم ، وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق ، وسنذكر لك بعضا من ذلك تنبيها به على غيره .

فمن ذلك قوله تعالى : وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم الآية [ 2 \ 237 ] .

فانظر ما في هذه الآية من الحض على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل ، وقال تعالى : ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا الآية [ 5 \ 2 ] ، وقال تعالى : ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى [ 5 \ 8 ] . فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق ، والأمر بأن تعامل من عصى الله فيك بأن تطيعه فيه . وقال تعالى :واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم [ 4 \ 36 ] فانظر إلى هذا من مكارم الأخلاق ، والأمر بالإحسان إلى المحتاجين والضعفاء ، وقال تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [ 16 \ 90 ] ، وقال تعالى : يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد الآية [ 7 \ 31 ] ، وقال : ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن [ 6 \ 151 ] ، وقال تعالى : وإذا مروا باللغو مروا كراما [ 25 \ 72 ] ، وقال تعالى : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [ 28 \ 55 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق ، ومحاسن العادات .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-02-2022, 05:09 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (193)

سُورَةُ الإسراء(10)
صـ 51 إلى صـ 55






ومن هدي القرآن للتي هي أقوم : هديه إلى حل المشاكل العالمية بأقوم الطرق وأعدلها ، ونحن دائما في المناسبات نبين هدي القرآن العظيم إلى حل ثلاث مشكلات ، هي من أعظم ما يعانيه العالم في جميع المعمورة ممن ينتمي إلى الإسلام ، تنبيها بها على غيرها : المشكلة الأولى : هي ضعف المسلمين في أقطار الدنيا في العدد والعدد عن مقاومة الكفار ، وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها ، فبين أن علاج الضعف عن مقاومة الكفار إنما هو بصدق التوجه إلى الله تعالى ، وقوة الإيمان به [ ص: 51 ] والتوكل عليه ; لأن الله قوي عزيز ، قاهر لكل شيء ، فمن كان من حزبه على الحقيقة لا يمكن أن يغلبه الكفار ولو بلغوا من القوة ما بلغوا .

فمن الأدلة المبينة لذلك : أن الكفار لما ضربوا على المسلمين ذلك الحصار العسكري العظيم في غزوة الأحزاب ، المذكور في قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا [ 33 \ 10 - 11 ] ، كان علاج ذلك هو ما ذكرنا ، فانظر شدة هذا الحصار العسكري وقوة أثره في المسلمين ، مع أن جميع أهل الأرض في ذلك الوقت مقاطعوهم سياسة واقتصادا ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن العلاج الذي قابلوا به هذا الأمر العظيم ، وحلوا به هذه المشكلة العظمى ، هو ما بينه جل وعلا ( في سورة الأحزاب ) بقوله : ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما [ 33 \ 22 ] .

فهذا الإيمان الكامل ، وهذا التسليم العظيم لله جل وعلا ، ثقة به ، وتوكلا عليه ، هو سبب حل هذه المشكلة العظمى .

وقد صرح الله تعالى بنتيجة هذا العلاج بقوله تعالى : ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا [ 33 \ 25 ، 26 ، 27 ] .

وهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه ، ولا يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح ، قال تعالى : ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [ 33 \ 9 ] ، ولما علم جل وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل ، ونوه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم [ 48 \ 18 ] : أي من الإيمان والإخلاص ، كان من نتائج ذلك ما ذكره الله جل وعلا في قوله : وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا [ 48 \ 21 ] ، فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا [ ص: 52 ] عليها ، وأن الله جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها ، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم .

فدلت الآية على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به ، هو السبب لقدرة الضعيف على القوي وغلبته له : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين [ 2 \ 249 ] ، وقوله تعالى في هذه الآية : لم تقدروا عليها [ 48 \ 21 ] فعل في سياق النفي ، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق ، كما تقرر في الأصول ، ووجهه ظاهر ; لأن الفعل الصناعي - " أعني الذي يسمى في الاصطلاح فعل الأمر أو الفعل الماضي أو الفعل المضارع " - ينحل عند النحويين وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن ، كما أشار له في الخلاصة بقوله :



المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن


وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة ، وهذا هو الظاهر كما حرره بعض البلاغيين ، في بحث الاستعارة التبعية .

فالمصدر إذن كامن في مفهوم الفعل إجماعا ، فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن في مفهومه ، وهو في المعنى نكرة ، إذ ليس له سبب يجعله معرفة ، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي ، وهي من صيغ العموم .

فقوله : لم تقدروا عليها [ 48 \ 21 ] في معنى : لا قدرة لكم عليها ، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة ; لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد الداخلة تحت العنوان . كما هو معروف في محله .

وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم ، ولكن الله جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها ، لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم وإن جندنا لهم الغالبون [ 37 \ 173 ] .

المشكلة الثانية : هي تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والجراح وأنواع الإيذاء ، مع أن المسلمين على الحق ، والكفار على الباطل .

وهذه المشكلة استشكلها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فأفتى الله جل وعلا فيها ، وبين السبب في ذلك بفتوى سماوية تتلى في كتابه جل وعلا .

وذلك أنه لما وقع ما وقع بالمسلمين يوم أحد : فقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن [ ص: 53 ] عمته ، ومثل بهما ، وقتل غيرهما من المهاجرين ، وقتل سبعون رجلا من الأنصار ، وجرح صلى الله عليه وسلم ، وشقت شفته ، وكسرت رباعيته ، وشج صلى الله عليه وسلم .

استشكل المسلمون ذلك ، وقالوا : كيف يدال منا المشركون ونحن على الحق وهم على الباطل ؟ فأنزل الله قوله تعالى : مبين أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [ 3 \ 165 ] .

وقوله تعالى : قل هو من عند أنفسكم ، فيه إجمال بينه تعالى بقوله : ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا - إلى قوله - ليبتليكم [ 3 \ 152 ] .

ففي هذه الفتوى السماوية بيان واضح ; لأن سبب تسليط الكفار على المسلمين هو فشل المسلمين ، وتنازعهم في الأمر ، وعصيانهم أمره صلى الله عليه وسلم ، وإرادة بعضهم الدنيا مقدما لها على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد أوضحنا هذا في سورة " آل عمران " ومن عرف أصل الداء عرف الدواء ، كما لا يخفى .

المشكلة الثالثة : هي اختلاف القلوب الذي هو أعظم الأسباب في القضاء على كيان الأمة الإسلامية ، لاستلزامه الفشل ، وذهاب القوة والدولة ، كما قال تعالى : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [ الآية 8 \ 46 ] .

وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة " الأنفال " .

فترى المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا يضمر بعضهم لبعض العداوة والبغضاء ، وإن جامل بعضهم بعضا فإنه لا يخفى على أحد أنها مجاملة ، وأن ما تنطوي عليه الضمائر مخالف لذلك .

وقد بين تعالى في سورة " الحشر " أن سبب هذا الداء الذي عمت به البلوى إنما هو ضعف العقل ; قال تعالى : تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى [ 59 \ 14 ] ، ثم ذكر العلة لكون قلوبهم شتى بقوله : ذلك بأنهم قوم لا يعقلون [ 59 \ 14 ] ، ولا شك أن داء ضعف العقل الذي يصيبه فيضعفه عن إدراك الحقائق ، وتمييز الحق من الباطل ، والنافع من الضار ، والحسن من القبيح ، لا دواء له إلا إنارته بنور الوحي ; لأن نور الوحي يحيا به من كان ميتا ويضيء الطريق للمتمسك به ، فيريه الحق حقا والباطل باطلا ، والنافع نافعا ، والضار ضارا ، قال تعالى : أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك [ 6 \ 122 ] [ ص: 54 ] وقال تعالى : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [ 2 \ 257 ] ومن أخرج من الظلمات إلى النور أبصر الحق ; لأن ذلك النور يكشف له عن الحقائق فيريه الحق حقا ، والباطل باطلا ، وقال تعالى : أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم [ 67 \ 22 ] ، وقال تعالى : وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات [ 35 \ 19 - 22 ] ، وقال تعالى : مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا الآية [ 11 \ 24 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإيمان يكسب الإنسان حياة بدلا من الموت الذي كان فيه ، ونورا بدلا من الظلمات التي كان فيها .

وهذا النور عظيم يكشف الحقائق كشفا عظيما ، كما قال تعالى : مثل نوره كمشكاة فيها مصباح - إلى قوله ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم [ 24 \ 35 ] ، ولما كان تتبع جميع ما تدل عليه هذه الآية الكريمة من هدي القرآن للتي هي أقوم يقتضي تتبع جميع القرآن وجميع السنة ; لأن العمل بالسنة من هدي القرآن للتي هي أقوم ; لقوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ 59 \ 7 ] ، وكان تتبع جميع ذلك غير ممكن في هذا الكتاب المبارك ، اقتصرنا على هذه الجمل التي ذكرنا من هدي القرآن للتي هي أقوم تنبيها بها على غيرها ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا .

في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير للعلماء ، وأحدهما يشهد له قرآن .

وهو أن معنى الآية : ويدع الإنسان بالشر [ 17 \ 11 ] ، كأن يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر ، فيقول اللهم أهلكني ، أو أهلك ولدي ، فيدعو بالشر دعاء لا يحب أن يستجاب له ، وقوله دعاءه بالخير أي يدعو بالشر كما يدعو بالخير فيقول عند الضجر : اللهم أهلك ولدي ، كما يقول في غير وقت الضجر : اللهم عافه ، ونحو ذلك من الدعاء .

ولو استجاب الله دعاءه بالشر لهلك ، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى : ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم [ 10 \ 11 ] أي : لو عجل لهم الإجابة بالشر كما يعجل لهم الإجابة بالخير لقضي إليهم أجلهم ; أي لهلكوا [ ص: 55 ] وماتوا ، فالاستعجال بمعنى التعجيل .

ويدخل في دعاء الإنسان بالشر قول النضر بن الحارث العبدري : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم [ 8 \ 32 ] .

وممن فسر الآية الكريمة بما ذكرنا : ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة ، وهو أصح التفسيرين لدلالة آية يونس عليه .

الوجه الثاني في تفسير الآية : أن الإنسان كما يدعو بالخير فيسأل الله الجنة ، والسلامة من النار ، ومن عذاب القبر ، كذلك قد يدعو بالشر فيسأل الله أن ييسر له الزنى بمفسوقته ، أو قتل مسلم هو عدو له ونحو ذلك ، ومن هذا القبيل قول ابن جامع :



أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل وأسجد بالليل حتى الصباح
وأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف
يسخر لي ربة المحمل








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 17-02-2022, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (194)

سُورَةُ الإسراء(11)
صـ 56 إلى صـ 60


قوله تعالى : وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه جعل الليل والنهار آيتين ، أي علامتين دالتين على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده ، ولا يشرك معه غيره ، وكرر تعالى هذا المعنى في مواضع كثيرة ; كقوله تعالى : ومن آياته الليل والنهار [ 41 \ 37 ] ، وقوله : وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون [ 36 \ 37 ] ، وقوله تعالى : إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون [ 10 \ 6 ] ، وقوله : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب [ 3 \ 190 ] ، وقوله : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس - إلى قوله - لآيات لقوم يعقلون [ 2 \ 164 ] ، وقوله : وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون [ 33 \ 80 ] ، وقوله : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا [ 25 \ 62 ] ، وقوله : خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار [ 39 \ 5 ] ، وقوله : فالق الإصباح وجعل الليل سكنا [ ص: 56 ] والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم [ 6 \ 96 ] ، وقوله : والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها الآية [ 91 \ 1 - 4 ] ، وقوله والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى الآية [ 92 \ 1 ، 2 ] ، وقوله : والضحى والليل إذا سجى الآية [ 93 \ 1 - 2 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب [ 17 \ 12 ] يعني أنه جعل الليل مظلما مناسبا للهدوء والراحة ، والنهار مضيئا مناسبا للحركة والاشتغال بالمعاش في الدنيا ، فيسعون في معاشهم في النهار ، ويستريحون من تعب العمل بالليل ، ولو كان الزمن كله ليلا لصعب عليهم العمل في معاشهم ، ولو كان كله نهارا لأهلكهم التعب من دوام العمل .

فكما أن الليل والنهار آيتان من آياته جل وعلا ، فهما أيضا نعمتان من نعمه جل وعلا .

وبين هذا المعنى المشار إليه هنا في مواضع أخر ، كقوله : قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون [ 28 \ 71 - 73 ] .

فقوله : لتسكنوا فيه ، أي في الليل ، وقوله : ولتبتغوا من فضله [ 28 \ 73 ] ، أي في النهار ، وقوله : وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا الآية [ 78 \ 9 - 11 ] ، وقوله : وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا [ 25 \ 47 ] ، وقوله : ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله الآية [ 30 \ 23 ] ، وقوله : وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار [ 6 \ 60 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله في هذه الآية الكريمة : ولتعلموا عدد السنين والحساب [ 17 \ 12 ] ، بين فيه نعمة أخرى على خلقه ، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب ، لأنهم باختلاف [ ص: 57 ] الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام ، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة ، ويعرفون شهر الصوم ، وأشهر الحج ، ويعلمون مضي أشهر العدة لمن تعتد بالأشهر المشار إليها في قوله : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن [ 65 \ 4 ] ، وقوله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ 2 \ 234 ] . ويعرفون مضي الآجال المضروبة للديون والإجارات ونحو ذلك .

وبين جل وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر ، كقوله : هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون [ 10 \ 5 ] . وقوله جل وعلا : يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج [ 2 \ 189 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة [ 17 \ 12 ] فيه وجهان من التفسير للعلماء :

أحدهما : أن الكلام على حذف مضاف ، والتقدير : وجعلنا نيري الليل والنهار ، أي الشمس والقمر آيتين .

وعلى هذا القول ، فآية الليل هي القمر ، وآية النهار هي الشمس ، والمحو : الطمس . وعلى هذا القول : فمحو آية الليل قيل معناه السواد الذي في القمر ، وبهذا قال علي رضي الله عنه ، ومجاهد ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما .

وقيل : معنى فمحونا آية الليل [ 17 \ 12 ] ، أي لم نجعل في القمر شعاعا كشعاع الشمس ترى به الأشياء رؤية بينة ، فنقص نور القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول .

وهذا أظهر عندي لمقابلته تعالى له بقوله : وجعلنا آية النهار مبصرة [ 17 \ 12 ] ، والقول بأن معنى محو آية الليل : السواد الذي في القمر ليس بظاهر عندي وإن قال به بعض الصحابة الكرام ، وبعض أجلاء أهل العلم .

وقوله : وجعلنا آية النهار على التفسير المذكور ; أي الشمس مبصرة ، أي : ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته .

قال الكسائي : هو من قول العرب : أبصر النهار : إذا أضاء وصار بحالة يبصر [ ص: 58 ] بها ، نقله عنه القرطبي .

قال مقيده عفا الله عنه : هذا التفسير من قبيل قولهم : نهاره صائم ، وليله قائم . ومنه قوله :


لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المحب بنائم


وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير : حذف مضاف ، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب إن دلت عليه قرينة ، قال في الخلاصة : وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا

والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله : فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة [ 17 \ 12 ] ، فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما أنفسهما ، وحذف المضاف كثير في القرآن كقوله : واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها [ 12 \ 82 ] ، وقوله : حرمت عليكم أمهاتكم [ 4 \ 23 ] ; أي نكاحها ، وقوله : حرمت عليكم الميتة [ 5 \ 3 ] ، أي أكلها ، ونحو ذلك .

وعلى القول بتقدير المضاف ، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر ، فالآيات الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل .

الوجه الثاني من التفسير : أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف ، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار ، لا الشمس والقمر .

وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ ، تنزيلا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى ، وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب ، فمنه في القرآن قوله تعالى : شهر رمضان الآية [ 2 \ 185 ] ، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق ، وقوله : ولدار الآخرة الآية [ 12 \ 109 ] ، والدار هي الآخرة بعينها ، بدليل قوله في موضع آخر : وللدار الآخرة [ 6 \ 32 ] بالتعريف ، والآخرة نعت للدار ، وقوله : ونحن أقرب إليه من حبل الوريد [ 50 \ 16 ] ، والحبل هو الوريد ، وقوله : ومكر السيئ الآية [ 35 \ 43 ] ، والمكر هو السيء بدليل قوله : ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [ 35 \ 43 ] [ ص: 59 ]

ومن أمثلته في كلام العرب قول امرئ القيس :


كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل


لأن المقاناة هي البكر بعينها ، وقول عنترة في معلقته :


ومشك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم


لأن مراده بالمشك : السابغة بعينها ، بدليل قوله : هتكت فروجها ; لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك .

وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) في سورة فاطر ، وبينا أن الذي يظهر لنا : أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية ; لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب ، وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن ، وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة :


ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهما إذا ورد


ومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله :


وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف


لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل ، ومنع الإتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية ، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى . وعلى هذا الوجه من التفسير فالمعنى : فمحونا الآية التي هي الليل ، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة ، أي : جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه ، مظلما لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو ، وجعلنا النهار مبصرا ، أي تبصر فيه الأشياء وتستبان .

وقوله في هذه الآية الكريمة : وكل شيء فصلناه تفصيلا [ 17 \ 12 ] تقدم إيضاحه ، والآيات الدالة عليه في سورة " النحل " في الكلام على قوله تعالى : ونزلنا [ ص: 60 ] عليك الكتاب تبيانا لكل شيء الآية [ 16 \ 89 ] .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 17-02-2022, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (195)

سُورَةُ الإسراء(12)
صـ 61 إلى صـ 65



قوله تعالى : وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .

في قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : وكل إنسان ألزمناه طائره [ 17 \ 13 ] ، وجهان معروفان من التفسير :

الأول : أن المراد بالطائر : العمل ، من قولهم : طار له سهم إذا خرج له ، أي : ألزمناه ما طار له من عمله .

الثاني : أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة ، والقولان متلازمان ; لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يئول إليه من الشقاوة أو السعادة .

فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم : أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال ، وكلها حق ، ويشهد له قرآن ، فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن ، لأنها كلها حق ، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن .

أما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله ، فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جدا ; كقوله تعالى : ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به الآية [ 4 \ 123 ] ، وقوله : إنما تجزون ما كنتم تعملون [ 66 \ 7 ] ، وقوله تعالى : ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه [ 84 \ 6 ] ، وقوله : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها [ 41 \ 46 ] ، وقوله : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره [ 99 \ 7 ، 8 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا .

وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة ، فالآيات الدالة على ذلك أيضا كثيرة ; كقوله : هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن [ 64 \ 2 ] ، وقوله : فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة [ 7 \ 30 ] ، وقوله : فريق في الجنة وفريق في السعير [ 42 \ 7 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : في عنقه [ 17 \ 13 ] ; أي : جعلنا عمله ، أو ما سبق له من شقاوة في عنقه ، أي : لازما له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه ، ومنه قول العرب : تقلدها طوق الحمامة ، وقولهم : الموت في الرقاب ، وهذا الأمر ربقة في رقبته ، [ ص: 61 ] ومنه قول الشاعر :


اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامة


فالمعنى في ذلك كله : اللزوم وعدم الانفكاك .

وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة : ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا [ 17 \ 13 ] ، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة في كتاب يلقاه منشورا ، أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره .

وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشورا في آيات أخر ، فبين أن من صفاته : أن المجرمين مشفقون ; أي خائفون مما فيه ، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرا ليس منه شيء غائبا ، وأن الله جل وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئا ، وذلك في قوله جل وعلا : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا [ 18 \ 49 ] .

وبين في موضع آخر : أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم - وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا ، ويرجع إلى أهله مسرورا ، وأنه في عيشة راضية ، في جنة عالية ، قطوفها دانية ، قال تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا [ 84 \ 7 - 9 ] ، وقال تعالى : فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية [ 69 \ 19 - 23 ] .

وبين في موضع آخر : أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته ، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم ، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعا ، وذلك في قوله : وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا‎ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه [ 69 \ 25 - 32 ] [ ص: 62 ] أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من النار ، ومما قرب إليها من قول وعمل .

وبين في موضع آخر : أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير ، ويدعو الثبور . وذلك في قوله : وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا [ 84 \ 10 - 12 ] ، وقوله تعالى : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ 17 \ 14 ] ، يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم ، ولم يكتب عليه إلا ما عمل ; لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره ، كما قال تعالى : ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ 75 \ 13 ] .

وقد بين تعالى في مواضع أخر : أنه إن أنكر شيئا من عمله شهدت عليه جوارحه ; كقوله تعالى : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون [ 36 \ 65 ] ، وقوله : وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين [ 41 \ 23 ] ، وقوله جل وعلا : بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره [ 75 \ 14 - 15 ] ، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة .
تنبيه

لفظة " كفى " تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين :

تستعمل متعدية ، وهي تتعدى غالبا إلى مفعولين ، وفاعل هذه المتعدية لا يجر بالباء ، كقوله : وكفى الله المؤمنين القتال [ 33 \ 25 ] ، وكقوله : أليس الله بكاف عبده الآية [ 39 \ 36 ] ، وقوله : فسيكفيكهم الله الآية [ 2 \ 137 ] ، ونحو ذلك من الآيات .

وتستعمل لازمة ، ويطرد جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية كقوله في هذه الآية الكريمة كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ 17 \ 14 ] ، وقوله تعالى : وكفى بالله وكيلا ، وقوله : وكفى بالله حسيبا ونحو ذلك .

ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء ، وزعم بعض علماء العربية : أن [ ص: 63 ] جر فاعلها بالباء لازم ، والحق أنه يجوز عدم جره بها ، ومنه قول الشاعر :


عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا


وقول الآخر :


ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا


وعلى قراءة من قرأ : يلقاه ; بضم الياء وتشديد القاف مبنيا للمفعول ، فالمعنى : أن الله يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة ، فحذف الفاعل فبني الفعل للمفعول .

وقراءة من قرأ : يخرج - بفتح الياء وضم الراء مضارع خرج مبنيا للفاعل ، فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل ، وقوله كتابا حال من ضمير الفاعل ، أي ويوم القيامة يخرج هو ، أي العمل المعبر عنه بالطائر في حال كونه كتابا يلقاه منشورا . وكذلك على قراءة يخرج - بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول - فالضمير النائب عن الفاعل راجع أيضا إلى الطائر الذي هو العمل ، أي يخرج له هو ، أي طائره بمعنى عمله ، في حال كونه كتابا .

وعلى قراءة " يخرج " بضم الياء وكسر الراء مبنيا للفاعل ، فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى ، وقوله كتابا مفعول به ، أي : ويوم القيامة يخرج هو ، أي الله له كتابا يلقاه منشورا .

وعلى قراءة الجمهور منهم السبعة : فالنون في نخرج نون العظمة لمطابقة قوله : ألزمناه و كتابا مفعول به لنخرج كما هو واضح ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله جل وعلا ، أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه ، لأنه هو الذي ترجع إليه فائدة ذلك الاهتداء ، وثمرته في الدنيا والآخرة ، وأن من ضل عن طريق الصواب فعمل بما يسخط ربه جل وعلا ، أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه ، لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة ، فيخلد به في النار .

وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة ، كقوله : من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها الآية [ 41 \ 46 ] ، وقوله : من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون [ 30 \ 44 ] ، وقوله : قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بحفيظ [ 6 \ 104 ] ، وقوله : فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل [ 10 \ 108 ] ، [ ص: 64 ] والآيات بمثل هذا كثيرة جدا ، وقد قدمنا طرفا منها في سورة " النحل " .

قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى ، بل لا تحمل نفس إلا ذنبها .

فقوله : ولا تزر [ 17 \ 15 ] ، أي لا تحمل ، من وزر يزر إذا حمل ، ومنه سمي وزير السلطان ، لأنه يحمل أعباء تدبير شئون الدولة ، والوزر : الإثم ، يقال : وزر يزر وزرا ، إذا أثم . والوزر أيضا : الثقل المثقل ، أي : لا تحمل نفس وازرة ، أي : آثمة وزر نفس أخرى . أي إثمها ، أو حملها الثقيل ، بل لا تحمل إلا وزر نفسها .

وهذا المعنى جاء في آيات أخر ; كقوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى [ 35 \ 18 ] ، وقوله : ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم الآية [ 6 \ 164 ] ، وقوله : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ، إلى غير ذلك من الآيات .

وقد قدمنا في سورة " النحل " بإيضاح : أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى : وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم الآية [ 29 \ 13 ] ، ولا قوله : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم الآية [ 16 \ 25 ] ; لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم ، وأوزار إضلالهم غيرهم ; لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، كما تقدم مستوفى .
تنبيه

يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان :

الأول : ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من " أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " فيقال : ما وجه تعذيبه ببكاء غيره ، إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره ؟

السؤال الثاني : إيجاب دي الخطأ على العاقلة ، فيقال : ما وجه إلزام العاقلة الدية [ ص: 65 ] بجناية إنسان آخر ؟

والجواب عن الأول : هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين :

الأول : أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه ، كما قال طرفة بن العبد في معلقته :


إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يابنة معبد


لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه : فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر ، وذلك من فعله لا فعل غيره .

الثاني : أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه ; لأن إهماله نهيهم تفريط منه ، ومخالفة لقوله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا [ 66 \ 6 ] فتعذيبه إذا بسبب تفريطه ، وتركه ما أمر الله به من قوله : قوا أنفسكم الآية ، وهذا ظاهر كما ترى .

وعن الثاني : بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل ، ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني ; لأن الجاني لم يقصد سوءا ، ولا إثم عليه البتة فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع ، وأوجب المواساة فيها على العاقلة ، ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه ، كما أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء ، واعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان ، ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره ، قال : " وأجمع أهل السير والعلم : أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة ، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ، وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك . حتى جعل عمر الديوان .

واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به ، وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا زمن أبي بكر ديوان ، وأن عمر جعل الديوان ، وجمع بين الناس ، وجعل أهل كل ناحية يدا ، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو . انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 17-02-2022, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (196)

سُورَةُ الإسراء(13)
صـ 66 إلى صـ 70



قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا

ظاهر هذه الآية الكريمة : أن الله جل وعلا لا يعذب أحدا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة . حتى يبعث إليه رسولا ينذره ويحذره ، فيعصى ذلك الرسول ، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار .

وقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : رسلا مبشرين [ ص: 66 ] ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [ 4 \ 165 ] ، فصرح في هذه الآية الكريمة بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل ، مبشرين من أطاعهم بالجنة ، ومنذرين من عصاهم النار .

وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين ، بينها في آخر سورة طه بقوله : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى [ 20 \ 134 ] .

وأشار لها في سورة القصص بقوله : ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين [ 28 \ 47 ] ، وقوله جل وعلا : ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون [ 6 \ 131 ] ، وقوله : ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير الآية [ 5 \ 19 ] ، وكقوله : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة الآية [ 6 \ 155 - 157 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جل وعلا لا يعذب أحدا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة : " بأن لم يدخل أحدا النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل ، فمن ذلك قوله جل وعلا : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء الآية [ 67 \ 8 ، 9 ] .

ومعلوم أن قوله جل وعلا : كلما ألقي فيها فوج يعم جميع الأفواج الملقين في النار .

قال أبو حيان في " البحر المحيط " في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه : " وكلما " تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين ، ومن ذلك قوله جل وعلا : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا [ ص: 67 ] بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين [ 39 \ 71 ] ، وقوله في هذه الآية : وسيق الذين كفروا عام لجميع الكفار .

وقد تقرر في الأصول : أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم ، لعمومها في كل ما تشمله صلاتها ، وعقده في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم :


صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع


ومراده بالبيت : أن لفظة " كل ، وجميع ، والذي ، والتي " وفروعهما كل ذلك من الصيغ العموم ، فقوله تعالى : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا - إلى قوله - قالوا بلى [ 39 \ 71 ] عام في جميع الكفار ، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا ، فعصوا أمر ربهم كما هو واضح .

ونظيره أيضا قوله تعالى : والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير [ 35 \ 36 ] ، فقوله : والذين كفروا لهم نار جهنم - إلى قوله - وجاءكم النذير [ 35 \ 37 ] ، عام أيضا في جميع أهل النار ، كما تقدم إيضاحه قريبا .

ونظير ذلك قوله تعالى : وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال [ 40 \ 49 ، 50 ] ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا .

وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر ، وبهذا قالت جماعة من أهل العلم .

وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير ، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله ، وبأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى : ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما [ 4 \ 18 ] ، وقوله : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [ 2 \ 161 ] ، وقوله : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من [ ص: 68 ] أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين [ 3 \ 91 ] ، وقوله : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ 4 \ 48 ] ، وقوله : ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق [ 22 \ 31 ] ، وقوله : إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ، وقوله : قالوا إن الله حرمهما على الكافرين [ 7 \ 50 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وظاهر جميع هذه الآيات العموم ، لأنها لم تخصص كافرا دون كافر ، بل ظاهرها شمول جميع الكفار .

ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن رجلا قال : يا رسول الله ، أين أبي ؟ قال : " في النار " فلما قفى دعاه فقال : " إن أبي وأباك في النار " اه . وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضا : حدثنا يحيى بن أيوب ، ومحمد بن عباد - واللفظ ليحيى - قالا : حدثنا مروان بن معاوية ، عن يزيد - يعني ابن كيسان - عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي ، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي " ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، قالا : حدثنا محمد بن عبيد ، عن يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة قال : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله . فقال : " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي ، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي ، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت " اه ، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة .

وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول : هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم ، أو معذورون بالفترة ؟ وعقده في " مراقي السعود " بقوله :


ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع


وممن ذهب إلى أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار : النووي في شرح مسلم ، وحكى عليه القرافي في شرح التنقيح الإجماع ، كما نقله عنه صاحب " نشر البنود " .

وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] من أربعة أوجه :

الأول : أن التعذيب المنفي في قوله : وما كنا معذبين الآية ، وأمثالها من [ ص: 69 ] الآيات ، إنما هو التعذيب الدنيوي ، كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم موسى وأمثالهم ، وإذا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة .

ونسب هذا القول القرطبي ، وأبو حيان ، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور .

والوجه الثاني : أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله : وما كنا معذبين الآية ، وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل ، أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد ; لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم ، الخالق الرازق ، النافع ، الضار ، ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر ، كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [ 21 \ 65 ] ، وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده ، لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر ، كقوله : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين الآية [ 29 \ 65 ] ، وقوله : وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين الآية [ 31 \ 32 ] ، وقوله : وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه الآية [ 17 \ 67 ] ، إلى غير ذلك من الآيات ، ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم ، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند الله ; مع أن العقل يقطع بنفي ذلك .

الوجه الثالث : أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ; كإبراهيم وغيره ، وأن الحجة قائمة عليهم بذلك ، وجزم بهذا النووي في شرح مسلم ، ومال إليه العبادي في ( الآيات البينات ) .

الوجه الرابع : ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار ، كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره .

وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة ، فأجابوا عن الوجه الأول ، وهو كون التعذيب في قوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] ، إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين :

الأول : أنه خلاف ظاهر القرآن ; لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقا ، فهو أعم [ ص: 70 ] من كونه في الدنيا ، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه .

الوجه الثاني : أن القرآن دل في آيات كثيرة عن شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة ; كقوله : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى [ 67 \ 8 ، 9 ] ، وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل ، كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية .

وأجابوا عن الوجه الثاني : وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد بنفس الجوابين المذكورين آنفا ; لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن ، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه ، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا ، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح ، كما تقدم إيضاحه .

وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي ، ومال إليه العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم بأنه قول باطل بلا شك ، لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه ; لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل والقرآن ينفي هذا نفيا باتا في آيات كثيرة ، كقوله في " يس " : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون [ 36 \ 6 ] و " ما " في قوله : ما أنذر آباؤهم [ 36 \ 6 ] نافية على التحقيق ، لا موصولة ، وتدل لذلك الفاء في قوله : فهم غافلون ، وكقوله في " القصص " : وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك الآية [ 28 \ 46 ] ، وكقوله في " سبأ " وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير [ 34 \ 44 ] ، وكقوله في " الم السجدة " : أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك الآية [ 32 \ 3 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وأجابوا عن الوجه الرابع : بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع ، وهو قوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] ، وقوله : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى [ 67 \ 8 - 9 ] ، ونحو ذلك من الآيات .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17-02-2022, 05:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (197)

سُورَةُ الإسراء(14)
صـ 71 إلى صـ 75




وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله : ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما [ 4 \ 18 ] ، إلى آخر ما تقدم [ ص: 71 ] من الآيات ، بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم ، بدليل قوله : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] . وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم : إن القاطع الذي هو قوله تعالى :وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة ، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين بأن الآية عامة ، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين ، والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص ; لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور ، خلافا لأبي حنيفة رحمه الله ، كما بيناه في غير هذا الموضع .

فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم ، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلا في العموم ، كما تقرر في الأصول .

وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام ; لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف ، وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا ، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل ، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب ، فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها ، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها ، كما بينه بقوله : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل الآية [ 4 \ 165 ] ، وقوله : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى [ 20 \ 134 ] ، كما تقدم إيضاحه .

وأجاب المخالفون عن هذا : بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة ، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا ، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها ، فإن وجود علة الحكم مع فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول . بـ " النقض " تخصيص للعلة ، بمعنى أنه قصر لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام ; أي قصره على بعض أفراده بدليل ، والخلاف في النقض هل هو إبطال للعلة ، أو تخصيص لها معروف في الأصول ، وعقد الأقوال في ذلك صاحب " مراقي السعود " بقوله في مبحث القوادح :


منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم


[ ص: 72 ] والأكثرون عندهم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع والوفق في مثل العرايا قد وقع


فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض : هل هو تخصيص ، أو إبطال للعلة ، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة .

واختار بعض المحققين من أهل الأصول : أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع منع من تأثير العلة ، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة ، وإلا فهو نقض وإبطال لها ، فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعا .

فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان ، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعا من تأثير العلة في الحكم ، فلا يقال هذه العلة منقوضة ، لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة ، بل هي علة منع من تأثيرها مانع ، فيخصص تأثيرها بما لم يمنع منه مانع .

وكذلك من زوج أمته من رجل ، وغره فزعم له أنها حرة فولد منها ، فإن الولد يكون حرا ، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعا ; لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها ; لأن الغرور مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد .

وكذلك الزنى ; فإنه علم للرجم إجماعا .

فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هي الرجم ، ونعني بذلك الشرط الإحصان ، فلا يقال إنها علة منقوضة ، بل هي علة تخلف شرط تأثيرها ، وأمثال هذا كثيرة جدا ، هكذا قاله بعض المحققين .

قال مقيده عفا الله عنه : الذي يظهر : أن آية " الحشر " دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقا ، والله تعالى أعلم ، ونعني بآية " الحشر " قوله تعالى في بني النضير : ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار [ 59 \ 3 ] .

[ ص: 73 ] ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله : ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله الآية [ 59 \ 4 ] ، وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله ، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به بنو النضير ، مع الاشتراك في العلة التي هي مشاقة الله ورسوله .

فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور تخصيص للعلة لا نقض لها ، والعلم عند الله تعالى .

أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا ، فهو تخصيص للعلة إجماعا لا نقض لها ، كما أشار له في الأبيات بقوله :

والوفق في مثل العرايا قد وقع

قال مقيده عفا الله عنه : الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي : هل يعذر المشركون بالفترة أو لا ؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا ، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها ، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا ، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها ، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا ; لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل .

وإنما قلنا : إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين :

الأول : أن هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثبوته عنه نص في محل النزاع ; فلا وجه للنزاع ألبتة مع ذلك .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة ، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل ، وأن التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن ما نصه :

والجواب عما قال : أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضيف يتقوى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط ، أفادت الحجة عند الناظر فيها ، وأما قوله : إن الدار الآخرة دار جزاء ، فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال ، وقد قال تعالى : يوم يكشف عن ساق [ ص: 74 ] ويدعون إلى السجود [ 68 \ 42 ] .

وقد ثبت في الصحاح وغيرها : " أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة ، وأن المنافق لا يستطيع ذلك ، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا ، كلما أراد السجود خر لقفاه " ، وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها : " أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك منه ، ويقول الله تعالى : يابن آدم ، ما أعذرك ! ثم يأذن له في دخول الجنة " وأما قوله : فكيف يكلفهم الله دخول النار ، وليس ذلك في وسعهم ؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث . " فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر ، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والركاب . ومنهم الساعي ، ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبوا ، ومنهم المكدوس على وجهه في النار " وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا ، بل هذا أطم وأعظما

وأيضا : فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه بردا وسلاما ، فهذا نظير ذلك .

وأيضا : فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا ، يقتل الرجل أباه وأخاه ، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم ; وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل ، وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور . والله أعلم . انتهى كلام ابن كثير بلفظه .

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى أيضا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه :

ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر ، فمن أطاع دخل الجنة ، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة ، ومن عصى دخل النار داخرا ، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة .

وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها ، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة ، الشاهد بعضها لبعض .

وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة ، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ( الاعتقاد ) وكذلك غيره [ ص: 75 ] من محققي العلماء والحفاظ والنقاد . انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى ، وهو واضح جدا فيما ذكرنا .

الأمر الثاني : أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف ; لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان ، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان ، ويتفق بذلك جميع الأدلة ، والعلم عند الله تعالى .

ولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى : إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل لا يصح أن ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أوضحناه في كتابنا ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ) .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17-02-2022, 05:12 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الثالث
الحلقة (198)

سُورَةُ الإسراء(15)
صـ 76 إلى صـ 80



قوله تعالى : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ، في معنى قوله : أمرنا مترفيها [ 17 \ 16 ] ، في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير :

الأول : وهو الصواب الذي يشهد له القرآن ، وعليه جمهور العلماء أن الأمر في قوله : أمرنا هو الأمر الذي هو ضد النهي ، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره ، والمعنى : أمرنا مترفيها بطاعة الله وتوحيده ، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به : ففسقوا ، أي : خرجوا عن طاعة أمر ربهم ، وعصوه وكذبوا رسله فحق عليها القول ، أي وجب عليها الوعيد فدمرناها تدميرا ، أي أهلكناها إهلاكا مستأصلا ، وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم .

وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة ; كقوله : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء الآية [ 7 \ 28 ] . فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله : أمرنا مترفيها ففسقوا [ 17 \ 16 ] ، أي : أمرناهم بالطاعة فعصوا ، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا ; لأن الله لا يأمر بالفحشاء .

ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين [ 34 \ 34 ، 35 ] .

فقوله في هذه الآية : وما أرسلنا في قرية من نذير الآية [ ص: 76 ] [ 43 \ 23 ] ، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم : إنا بما أرسلتم به كافرون ، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم ، والآيات بمثل ذلك كثيرة .

وبهذا التحقيق تعلم : أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى أمرنا مترفيها ; أي أمرناهم بالفسق ففسقوا ، وأن هذا مجاز تنزيلا لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك ، كلام كله ظاهر السقوط والبطلان ، وقد أوضح إبطاله أبو حيان في " البحر " ، والرازي في تفسيره ، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه .

وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف ، من قولهم : أمرته فعصاني ، أي أمرته بالطاعة فعصى . وليس المعنى : أمرته بالعصيان كما لا يخفى .

القول الثاني في الآية : هو أن الأمر في قوله : أمرنا مترفيها أمرا كونيا قدريا ، أي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له ; لأن كلا ميسر لما خلق له . والأمر الكوني القدري كقوله : وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر [ 54 \ 50 ] ، وقوله : فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين [ 2 \ 65 ] ، وقوله : أتاها أمرنا ليلا أو نهارا [ 10 \ 24 ] ، وقوله : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ 36 \ 82 ] .

القول الثالث في الآية : أن " أمرنا " بمعنى أكثرنا ، أي أكثرنا مترفيها ففسقوا .

وقال أبو عبيدة : أمرنا بمعنى أكثرنا ، لغة فصيحة كآمرنا بالمد ، ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير مال امرئ مهرة مأمورة ، أو سكة مأبورة " .

قال ابن كثير : قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه ( الغريب ) : المأمورة : كثيرة النسل . والسكة : الطريقة المصطفة من النخل . والمأبورة : من التأبير ، وهو تعليق الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها . ومعلوم أن إتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على أن أمر بفتح الميم مجردا عن الزوائد ، متعد بنفسه إلى المفعول ، فيتضح كون أمره بمعنى أكثر ، وأنكر غير واحد تعدي أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول ، وقالوا : حديث سويد بن هبيرة المذكور من قبيل الازدواج ، كقولهم : الغدايا والعشايا ، وكحديث " ارجعن مأزورات غير مأجورات " ; لأن الغدايا لا يجوز ، وإنما ساغ [ ص: 77 ] للازدواج مع العشايا ، وكذلك مأزورات بالهمز فهو على غير الأصل ; لأن المادة من الوزر بالواو ، إلا أن الهمز في قوله : " مأزورات " للازدواج مع " مأجورات " ، والازدواج يجوز فيه ما لا يجوز في غيره كما هو معلوم . وعليه فقوله : " مأمورة " إتباع لقوله : " مأبورة " وإن كان مذكورا قبله للمناسبة بين اللفظين .

وقال الشيخ أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة : قوله تعالى : أمرنا [ 17 \ 16 ] ، قرأ أبو عثمان النهدي ، وأبو رجاء ، وأبو العالية ، والربيع ، ومجاهد ، والحسن : " أمرنا " بالتشديد ، وهي قراءة علي رضي الله عنه ، أي سلطنا شرارها فعصوا فيها ، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم .

وقال أبو عثمان النهدي " أمرنا " بتشديد الميم : جعلناهم أمراء مسلطين .

وقاله ابن عزيز : وتأمر عليهم تسلط عليهم . وقرأ الحسن أيضا ، وقتادة ، وأبو حيوة الشامي ، ويعقوب ، وخارجة عن نافع ، وحماد بن سلمة ، عن ابن كثير وعلي وابن عباس باختلاف عنهما : " آمرنا " بالمد والتخفيف ; أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها ، قاله الكسائي .

وقال أبو عبيدة : " آمرته - بالمد - وأمرته لغتان بمعنى أكثرته .

ومنه الحديث " خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " ; أي كثيرة النتاج والنسل ، وكذلك قال ابن عزيز : آمرنا وأمرنا بمعنى واحد ، أي أكثرنا . وعن الحسن أيضا ، ويحيى بن يعمر : أمرنا - بالقصر وكسر الميم - على فعلنا ، ورويت عن ابن عباس . قال قتادة والحسن : المعنى أكثرنا ، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد ، وأنكره الكسائي وقال : لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد ، وأصلها أأمرنا فخفف ; حكاه المهدوي .

وفي الصحاح : قال أبو الحسن : أمر ماله - بالكسر - أي كثر . وأمر القوم : أي كثروا ، قال الشاعر وهو الأعشى :


طرفون ولادون كل مبارك أمرون لا يرثون سهم القعدد


وآمر الله ماله ; بالمد . الثعلبي : ويقال للشيء الكثير أمر ، والفعل منه أمر القوم يأمرون أمرا : إذا كثروا .

قال ابن مسعود : كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا : أمر أمر بني فلان ; قال [ ص: 78 ] لبيد :


كل بني حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد
إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوما يصيروا للهلك والنكد


قلت : وفي حديث هرقل الحديث الصحيح : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ، إنه ليخافه ملك بني الأصفر ; أي كثر ، وكلها غير متعد ، ولذلك أنكره الكسائي ، والله أعلم .

قال المهدوي : ومن قرأ أمر فهي لغة ، ووجه تعدية أمر أنه شبهه بـ ( عمر ) من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة ، فعدى كما عدى عمر ، إلى أن قال : وقيل أمرناهم جعلناهم أمراء ; لأن العرب تقول : أمير غير مأمور ، أي غير مؤمر ، وقيل معناه : بعثنا مستكبريها . قال هارون : وهي قراءة أبي : بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا فيها ، ذكره الماوردي .

وحكى النحاس : وقال هارون في قراءة أبي : وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول . اه محل الغرض من كلام القرطبي .

وقد علمت أن التحقيق الذي دل عليه القرآن أن معنى الآية : أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمرنا ، فوجب عليهم الوعيد فأهلكناهم كما تقدم إيضاحه .
تنبيه

في هذه الآية الكريمة سؤال معروف ، وهو أن يقال : إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم فيقوله : أمرنا مترفيها ففسقوا فيها [ 17 \ 16 ] مع أنه ذكر عموم الهلاك لجميع المترفين وغيرهم ، في قوله : فحق عليها القول فدمرناها تدميرا [ 17 \ 16 ] يعني القرية ، ولم يستثن منها غير المترفين ؟

والجواب من وجهين :

الأول : أن غير المترفين تبع لهم ، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم ; لأن غيرهم تبع لهم ، كما قال تعالى : وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل [ 33 \ 67 ] ، وكقوله : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب الآية [ 2 \ 166 ] ، وقوله : حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا الآية [ 7 \ 38 ] ، وقوله تعالى : [ ص: 79 ] وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء الآية [ 14 \ 21 ] ، وقوله : وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار [ 40 \ 47 ] إلى غير ذلك من الآيات .

الوجه الثاني : أن بعضهم إن عصى الله وبغى وطغى ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعم الجميع ، كما قال تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ 8 \ 25 ] ، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها : أنها لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه " - وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها - قالت له : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : " نعم ، إذا كثر الخبث " وقد قدمنا هذا المبحث موضحا في سورة المائدة .
قوله تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه أهلك كثيرا من القرون من بعد نوح ; لأن لفظة كم في قوله : وكم أهلكنا [ 17 \ 17 ] خبرية ، معناها الإخبار بعدد كثير ، وأنه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده ، وأكد ذلك بقوله : وكفى بربك الآية [ 17 \ 17 ] .

وما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات أخر من أربع جهات :

الأولى : أن في الآية تهديدا لكفار مكة ، وتخويفا لهم من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها ; أي أهلكنا قرونا كثيرة من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل ، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم .

والآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة ; كقوله في قوم لوط : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [ 37 \ 137 - 138 ] ، وكقوله فيهم أيضا : إن في ذلك لآيات للمتوسمين وإنها لبسبيل مقيم [ 15 \ 75 ، 76 ] ، وقوله فيهم أيضا : ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون [ 29 \ 35 ] ، وقوله : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها [ 47 \ 10 ] ، وقوله بعد ذكره جل وعلا إهلاكه لقوم نوح ، وقوم هود ، وقوم [ ص: 80 ] صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب في سورة الشعراء : إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين [ 26 \ 8 ] ، وقوله في قوم موسى : إن في ذلك لعبرة لمن يخشى [ 79 \ 26 ] ، وقوله : إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ، وقوله : أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكناهم الآية [ 44 \ 37 ] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة عل تخويفهم بما وقع لمن قبلهم .

الجهة الثانية : أن هذه القرون تعرضت لبيانها آيات أخر ; فبينت كيفية إهلاك قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وفرعون وقومه من قوم موسى ، وذلك مذكور في مواضع متعددة معلومة من كتاب الله تعالى ، وبين أن تلك القرون كثيرة في قوله : وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا [ 25 \ 38 ] وبين في موضع آخر : أن منها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا ، وذلك في قوله في سورة إبراهيم : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله الآية [ 14 \ 9 ] . وبين في موضعين آخرين أن رسلهم منهم من قص خبره على نبينا صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من لم يقصصه عليه ، وهما قوله في سورة النساء : ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما [ 4 \ 164 ] ، وقوله في سورة المؤمن : ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله الآية [ 40 \ 78 ] .

الجهة الثالثة : أن قوله : من بعد نوح [ 17 \ 17 ] يدل على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح أنها على الإسلام ، كما قال ابن عباس : كانت بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام . نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية .

وهذا المعنى تدل عليه آيات أخر ، كقوله : كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين الآية [ 2 \ 213 ] ، وقوله : وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا الآية [ 10 \ 19 ] ; لأن معنى ذلك على أصح الأقوال أنهم كانوا على طريق الإسلام ، حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر ، فبعث الله النبيين ينهون عن ذلك الكفر ، مبشرين من أطاعهم بالجنة ، ومنذرين من عصاهم بالنار ، وأولهم في ذلك نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 341.69 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 335.81 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]