|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. الإسلام يمنع تعليم المرأة الكتابة (13) د. أحمد ناجي «لا تُنزِلوهنَّ الغُرَفَ ولا تُعلِّموهنَّ الكتابةَ وعلِّموهنَّ الغَزْلَ وسورةَ النُّورِ»، استند مثيرو هذه الشبهة إلى هذا النص الذي ورد في «المستدرك»، وادَّعوا أن الإسلام يمنع تعليم المرأة، ويُفَضل أن تبقى جاهلة أو أقرب إلى الجهل. تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها القرآن الكريم يدعو إلى العلم لقد كانت أُولى كلمات الوحي الذي خاطب الله تعالى بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق). ولقد بدأ الوحي بالأمر بالقراءة لأنها أهم وسائل تثبيت المعرفة ومتابعة حلقاتها، والقراءة إنما تكون بعد الكتابة، ومن أجل ذلك أظهر الله منته على عباده إذ علم بالقلم، فعلم الإنسان -كل الإنسان بشطريه الذكر والأنثى- ما لم يعلم. وهذه الدعوة التي دعا الله بها الإنسان إلى العلم منذ اللحظات الأولى التي بدأ بها إنزال تعاليم الإسلام أكبر برهان يدل على التسوية التامة بين شطري الإنسان الذكر والأنثى في ميدان دعوتهما إلى العلم والمعرفة(1). تعاليم الإسلام تدعو إلى تعليم المرأة وقد حرص الإسلام كل الحرص على تعليم المرأة ما تكون به عنصر صلاح وإصلاح في مجتمع إسلامي متطور إلى الكمال، متقدم إلى القوة والمجد، آمن مطمئن سعيد. ولتحقيق هذا الهدف حرص على إشراك المرأة في المجامع الإسلامية العامة الكبرى منها والصغرى، فأذن لها بحضور صلاة الجماعة، وأن تشهد صلاة الجمعة وخطبتها، ورغَّبَها في أن تشهد صلاة العيد وخطبتها حتى ولو كانت في حالة العذر الشرعي المانع لها من أداء الصلاة، وأمرها بالحج والعمرة، وحثها على حضور مجالس العلم، وخاطب الله تعالى النساء بمثل ما خاطب به الرجال، وجعلهن مندرجات في عموم خطاب الرجال في معظم الأحوال حرصاً على تعليمهن وتثقيفهن وتعريفهن أمور دينهن ومشاركتهن في القضايا العامة(2)، واقرأ إن شئت قوله تعالى: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) (الأحزاب: 35). وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخصص للنساء أيامًا يجتمعن فيها، ويعلمهن مما علمه الله، إضافة إلى الأيام التي يحضرن فيها مع الرجال، ليتعلمن من العلم ما يخصهن ويتعلق بشؤونهن مما ينفردن به عـن الرجـال بمقتضى تكوينهن الجسدي والنفسي. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بحَديثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِن نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا ممَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، قالَ: «اجْتَمِعْنَ يَومَ كَذَا وَكَذَا» فَاجْتَمَعْنَ، فأتَاهُنَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ فَعَلَّمَهُنَّ ممَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: «ما مِنْكُنَّ مِنِ امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ بيْنَ يَدَيْهَا، مِن وَلَدِهَا ثَلَاثَةً، إلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ»، فَقالتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ، وَاثْنَيْنِ»(3)، وثبت أن الشفاء بنت عبدالله المهاجرة القرشية العدوية علَّمت أم المؤمنين السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما الكتابة بإقرار من رسول الله صلى الله عليه وسلم(4)، وهذه أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما كانت من أفقه نساء العالم، كثيرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تعليم المرأة المسلمة عبر التاريخ والتاريخ الإسلامي حافل بأخبار المسلمات اللائي بلغن درجة رفيعة ومكانة عالية في العلم، فكان منهن الأديبات والشاعرات والفقيهات، فهذه أمة العزيز بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور الملقبة بـ«زبيدة» زوجة هارون الرشيد كانت عالمة، وبلغت مكانة راقية في كتابتها الأدبية، فكانت تجيد «فنّ التوقيعات»، وهو فنُّ الرد على الرسائل بأسلوب نثري بليغ وبكلمات موجزة، وكريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية رحمها الله من العالمات الكبيرات ومن نوابغ النساء في تاريخ العلم الشرعي، عاشت كريمة قرناً كاملاً وبلغت من العمر مائة عام –ولدت 363هـ، وتوفيت 463هـ– وقضت حياتها للعلم وفي العلم حتى تركت بصماتها في العلوم الإسلامية، وتركت بصمة خاصة في علم الحديث لا سيما صحيح البخاري، وكان يرحل إليها أفاضل العلماء. وزينب بنت أبـي القاسم كانت عالمة، أدركت جماعة من أعيان العلماء وأخذت عنهم، وأجازها أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري والمؤرخ ابن خلكان، وحدَّث عنها ابن هلالة، وابن نقطة، والبرزالي، والضياء، وابن الصلاح، والمرسي، وإبراهيم الصريفيني، ومحمد بن سعد الهاشمي، والصدر البكري، وابن النجار. وعائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد ابن قدامة المقدسي، سمَّعَت صحيح البخاري على حافظ العصر المعروف بالحجار، وروى عنها الحافظ ابن حجر، وانفردت في آخر عمرها بعلم الحديث. وذكر عبدالواحد المراكشي أنه كان بالربض الشرقي في قرطبة 470 امرأة يكتبن المصاحف بالخط الكوفي، وغير هؤلاء الكثيرات، فلم يكن الإسلام مانعاً لتعلم المرأة وتقدمها في حضارة الحياة العلمية والعملية، ولم يكن مجحفاً في حقها ومهينـاً لكرامتهاً كما يزعم هؤلاء المرجفون(5). نصوص النهي عن تعليم المرأة غير صحيحة أما النصوص التي استند إليها هؤلاء المرجفون في إثارتهم لهذه الشبهة، وفي القلب منها حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «لا تنزلوهن الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن المغزل وسورة النور»(6)، فهذا النص تكلم علماء الحديث في بيان ضعفه وشدّة وهنه؛ لأن في سنده محمد بن إبراهيم الشامي قال ابن الجوزي: «هذا الحديث لا يصح، محمد بن إبراهيم الشامي كان يضع الحديث»(7)، ونقل الذهبي عن الدارقطني تكذيبه(8)، وقال ابن حجر: «منكر الحديث»(9)، وقال شمس الحق العظيم آبادي: «هو منكر الحديث ومن الوضاعين»(10). وأما تصحيح الحاكم للرواية التي أخرجها فقد تَعَقَبَه الحافظ ابن حجر بقوله: «بل عبد الوهاب بن الضحاك متروك، وقد تابعه محمد بن إبراهيم الشامي عن شعيب بن إسحاق، وإبراهيم رماه ابن حبان بالوضع»(11). وقال شمس الحق آبادي: «وأحاديث النهي عن الكتابة كلها من الأباطيل والموضوعات ولم يصحح العلماء واحدًا منها، ما عدا الحاكم الحافظ أبا عبد الله، وتساهله في التصحيح معروف، وتصحيحه متعقب عليه.. ومن قال: إن البيهقي أيضًا صحح حديث النهي وتبعه جلال الدين السيوطي فهذا افتراء عظيم على البيهقي والسيوطي». وقال الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود: «أما ما يذكر من نهي النساء عن تعلم الكتابة فإن الحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حقق العلماء بطلانه فسقط الاحتجاج به، وقول الحق هو أن المرأة كالرجل في تعلم الكتابة والقراءة والمطالعة في كتب الدين والأخلاق وقوانين الصحة والتدبير وتربية العيال ومبادئ العلوم والفنون من العقائد الصحيحة والتفاسير والسير والتاريخ وكتب الحديث والفقه، كل هذا حسن في حقها، تخرج به عن حضيض جهلها، ولا يجادل في حسنه عاقل، مع الالتزام بالحشمة والصيانة وعدم الاختلاط بالرجال الأجانب»(12). فهل يحق لهؤلاء المرجفين الاحتجاج بهذه الرواية المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! ________________________________ (1) بتصرف من أجنحة المكر الثلاثة – عبد الرحمن حبنكة 1/586-587. (2) بتصرف من أجنحة المكر الثلاثة – عبد الرحمن حبنكة 1/588. (3) صحيح مسلم - رقم: 2633 - صحيح البخاري - رقم: 101. (4) أخرجه أحمد (372/6)، وأبو داود في الطب، باب: ما جاء في الرقي (3887)، والحاكم (56/4-57) وصححه، ووافقه الذهبي والألباني في السلسلة الصحيحة (178). (5) بتصرف من كتاب: "المرأة المسلمة أمام التحديات" – المؤلف: أحمد بن عبد العزيز الحصين – 1/ 62-64. (6) أخرجه الطبراني في الأوسط (34/6)، والحاكم في المستدرك (396/2)، والبيهقي في الشعب (477/2)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. (7) عقود الجمان في جواز تعليم الكتابة للنسوان لأبي الطيب شمس الحق أبادي 1/22. (8) ميزان الاعتدال في نقد الرجال - المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (ت ٧٤٨هـ) 4/445. (9) تقريب التهذيب - المؤلف: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) – 2/141. (10) عقود الجمان في جواز تعليم الكتابة للنسوان لأبي الطيب شمس الحق أبادي 1/22. (11) المرجع السابق. (12) بتصرف من كتاب «المرأة المسلمة أمام التحديات» – المؤلف: أحمد بن عبدالعزيز الحصين – 1/ 64-65.
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. المرأة شؤم (14) د. أحمد ناجي «إنَّما الشُّؤمُ في ثَلاثةٍ: في المرأَةِ والدَّارِ والدَّابَّةِ»(1)، هكذا تكون النتائج عندما تُبْتَر النصوص من سياقها، فلقد استنتج المرجفون من المستشرقين وأذيالهم من العلمانيين من هذا الحديث أن الإسلام ظلم المرأة وجعلها رمزاً للشؤم والتشاؤم! تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها بداية، يجب أن نقرر أن أعداء الإسلام ما فتئوا يثيرون الشبهات المغرضة حول الإسلام ونبي الإسلام وأحكام الإسلام، ولهم في ذلك أساليب وحِيل عجيبة، فإنهم تارة يبترون النصوص الشرعية من سياقها. فمثلاً عندما تعاملوا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن..»، تجاهلوا باقي الحديث الذي فيه: «قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها»(2)؛ وذلك للوصول إلى شبهة أن الإسلام ينتقص من عقل المرأة ويهضم حقوقها! وتارة يلوون المعاني ويلبسون على العوام دينهم فيزعمون مثلاً أن القرآن الكريم فيه آية تقول: (وترى الملائكة «حافيين» حول العرش)، والصحيح أن نص الآية هو: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الزمر: 75)، أي محيطين به، وليس «حافيين» أي غير منتعلين! وقد تناسى هؤلاء المغرضون الحاقدون أن الله تعالى تعهد بحفظ القرآن الكريم فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9). إن الشبهة التي أثارها هؤلاء حول حديث «إنما الشؤم في ثلاثة: في المرأة والدار والدابة» قد تنطلي على عوام المسلمين، والحديث ورد في صحيح البخاري كتاب «الجهاد والسير»، باب «ما يذكر من شؤم الفرس»، ورواه أيضاً مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في باب «الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم»، كما رواه الإمام الترمذي في سننه عن سالم وحمزة ابني عبدالله بن عمر عن أبيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب «ما جاء في الشؤم». بتر النصوص من سياقها عمل امتهنه المستشرقون وأذيالهم وإذا ضممنا هذه الرواية مع روايات أخرى وردت حول نفس المعنى سيتضح لنا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم على النحو التالي: - ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن كان الشؤم في شيء ففي الدار، والمرأة، والفرس»(3). - وفي الحديث: «من سعادة ابن آدم ثلاثة ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة، من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء»(4). - وفي رواية للحاكم: «وثلاثة من الشقاء المرأة تراها فتسوؤك وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفاً فإن ضربتها أتعبتك وإن تركتها لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق»، وللطبراني من حديث أسماء: «أن من شقاء المرء في الدنيا سوء الدار والمرأة والدابة»، وفيه سوء الدار ضيق ساحتها وخبث جيرانها، وسوء الدابة منعها ظهرها وسوء طبعها، وسوء المرأة عُقم رحمها وسوء خُلقها»(5). والناظر في طرق الحديث كما وردت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، يتضح له أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقصد بعض النساء سيئات الخُلق، وهذا ما أكده القرآن الكريم عندما قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (التغابن: 14)، فإن «مِنْ» في قوله تعالى: (مِنْ أَزْوَاجِكُمْ) تفيد التبعيض، وكأنه سبحانه وتعالى يربط العداوة والشقاوة والشؤم ببعض النساء وليس بكل النساء. إلا أن أصحاب الهوى من المرجفين يقولون في دعاواهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المرأة مصدراً للشؤم وسبباً له وقرينة له، متجاهلين الطرق المتعددة التي ورد بها الحديث. ومجمل طرق الحديث تزيل اللبس عن القارئ المنصف اللبيب، والحديث وردت فيه كلمة «الشؤم»، وهي مصدر في اللغة العربية، ونفهم من الحديث أنّه إن كان يمكننا التشاؤم من شيء فمن المرأة أو الدابة أو الدار، ولا مجال لفهم الحديث على أنه اعتبار لحصول التشاؤم مطلقاً من المرأة والدابة والدار، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج النساء وعاش معهن وقال صلى الله عليه وسلم: «واسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا»(6)، ورُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حبب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة»(7)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه اتخذ داراً للسكنى وركب في سفره الدواب، وعليه فإنّ الادعاء بأن المراد من الحديث تأكيد حصول التشاؤم مطلقاً من المرأة والدار والدابة، ادعاء مردود لغة وشرعاً وعقلاً تبطله طرق الحديث المتعددة، كرواية أحمد وابن حبان والحاكم عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من سعادة ابن آدم ثلاثة ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة والمسكن الصالح والمركب الصالح ومن شقاوة ابن آدم المرأة السوء والمسكن السوء والمركب السوء»(8). ولم يفهم أحد من علماء الإسلام الحديث الشريف «الشؤم في ثلاث..» إلا على أنه تخصيص لحصول التشاؤم من المرأة التي تحصل منها العداوة والفتنة، وإلا فالمرأة مُكرمة مصونة في الإسلام أماً وبنتاً وأختاً وزوجة؛ بل إن الإسلام يبشر من يعول جاريتين حتى تبلغا بالأجر العظيم والثواب الجزيل، ولنتمعن فيما أورده الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» في معرض شرحه لحديث «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، حيث كتب الإمام العسقلاني ما نصه: قال الشيخ تقي الدين السبكي: في إيراد البخاري هذا الحديث عقب حديثي ابن عمر وسهل بعد ذكر الآية في الترجمة إشارة إلى تخصيص الشؤم بمن تحصل منها العداوة والفتنة، لا كما يفهمه بعض الناس من التشاؤم بكعبها أو أن لها تأثيراً في ذلك، وهو شيء لا يقول به أحد من العلماء، ومن قال إنها سبب في ذلك فهو جاهل، وقد أطلق الشارع على من ينسب المطر إلى النوء الكُفر، فكيف بمن ينسب ما يقع من الشر إلى المرأة مما ليس لها فيه مدخل، وإنما يتفق موافقة «قضاء وقدر» فتنفر النفس من ذلك، فمن وقع له ذلك فلا يضره أن يتركها من غير أن يعتقد نسبة الفعل إليها(9). بعد هذا البيان، هل يرتدع هؤلاء المرجفون ويتوقفون عن إثارة مثل هذه الشبهات؟ نرجو ذلك. __________________________________ (1) الراوي: عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أخرجه البخاري (2858)، ومسلم (2225). (2) صحيح البخاري (304). (3) أخرجه البخاري (5094)، ومسلم (2225) عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. (4) المصدر: الترغيب والترهيب (3/ 91)، إسناده صحيح. (5) فتح الباري، ابن حجر (9/ 138). (6) جزء من حديث أخرجه البخاري (5185، 5186)، ومسلم (47، 1468). (7) الفتح السماوي (275)، خلاصة حكم المحدث: روي مرفوعاً ومرسلاً، والمرسل أشبه بالصواب. (8) شبهات حول المرأة في الإسلام، د. علي نايف الشحود (1/ 623). (9) صحيح البخاري، كتاب «النكاح» باب «ما يتقى من شؤم المرأة» (5096).
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. الملائكة تلعن المرأة عندما ترفض الفراش (15) د. أحمد ناجي إن أحكام الإسلام تُخرج المرأة من نطاق الإنسانية لتكون مجرد متاع للرجل، تلعنها الملائكة إن امتنعت عنه تحت أي ظرف، في حين أنه ليس عليه أي وزر إن هو امتنع عن معاشرة زوجته ولو من باب الإضرار بها، وللرجل أجر صدقة إن عاشر زوجته وهو مستمتع بها وهي ليس لها أجر وإن لبَّت وهي كارهة. تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها بداية، ينبغي أن نؤكد أن التشريع الإسلامي يرى أن الزواج مبني على التفاهم والمحبة والتراحم والمعاشرة الحسنة بالمعروف وإعطاء كل من الزوجين للآخر حقه، قال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19)، وقال تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 228)، وينبغي لكلا الزوجين أن يكون سِتراً ولباساً لصاحبه يعفه عن التطلع إلى ما حرم الله تعالى، وأن يقيما حياتهما على طاعة الله ومن ذلك تشاورهما في برامجهما، ولكن شرع الله حاكم عليهما ويجب التسليم له دائماً، ولا شك أن امتناع الزوجة عن موافقة زوجها في طلب الفراش معصية خطيرة يجب الحذر منها، لما توجبه من سخط الله ولعن الملائكة، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح»(1). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها»(2). ومحل هذا إذا لم يكن لديها عُذر شرعي كالصيام الواجب والمرض أو نحو ذلك، فإذا كانت المرأة معذورة شرعاً، كأن كانت مريضة لا تطيق المعاشرة مثلاً، فلا حرج عليها إن لم تجبه إلى ذلك، بل قد يحرم عليها إجابته إلى ذلك أحياناً، كأن دعاها إليه وهي حائض، أو صائمة في صيام واجب أو مُحرمة بنسك. وهنا أمر ينبغي التنبه له، هو أن الحديث ربط المعصية بغضب الزوج عند رفض الزوجة، ومن ثَم إذا تقبل الزوج عذر الزوجة فلا معصية، قال الإمام الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: قوله صلى الله عليه وسلم: «فبات غضبان عليها» المعصية منها تتحقق بسبب الغضب منه، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك فلا تكون المعصية متحققة، إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك(3). كما يجب على المسلم الاستسلام لما حكم الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم، والبعد عن الاعتراض وتحكيم العقول فيما ثبتت فيه نصوص الوحي، فقد قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) (الأحزاب: 36)، وقال تعالى: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص: 68)، وقال الله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65). وقال العلامة ابن القيم يرحمه الله تعليقاً على هذه الآية الكريمة: أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسماً مؤكداً بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يُحكموا رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع، وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها، ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفي عنهم الحرج، وهو ضيق الصدر، وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح، وتقبله كل القبول، ولم يثبت لهم الإيمان بذلك حتى ينضاف إليه مقابلة حكمه بالرضى والتسليم وعدم المنازعة، وانتفاء المعارضة والاعتراض(4). ثم إن الله تعالى جعل للمرأة حقوقاً على الرجل يجب عليه أن يسلمها لها، وأوجب عليها مقابل ذلك طاعته وتسليم نفسها له إن أرادها للفراش وكانت مستطيعة، لأن الزوج يستحق بالعقد تسليم العوض عما أصدقها وهو الاستمتاع بها، كما تستحق المرأة العوض وهو الصداق، فمتى ما طلب الرجل زوجته وجب عليها طاعته في ذلك ما لم يمنعها منه مانع شرعي، أو مانع في نفسها كمرض ونحوه، ولا يخفى على أحد أن على الرجل أن يراعي حقوق زوجته ويتقي الله تعالى فيها، فالله سبحانه وتعالى يقول: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 228)(5). عدالة الإسلام بين جحود أعدائه وجهل أبنائه وهنا نريد أن نؤكد ما قرره الشيخ الغزالي رحمه الله بأن هناك من يردد أقوالاً عن النساء لا تستحق إلا الازدراء! قال أحدهم: السفهاء هم الصبية والنساء قلت له: عمن رويت ذلك؟ عن عمدة القرية أم شيخ البدو؟ وزعم كذوب أن المرأة يساق فيها قوله تعالى: (وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ) (النحل: 76)، قلت: تلك صفة نفر من الناس رجال أو إناث محروم من المواهب عاجز عن العطاء.. ويخجلني أن هذا الوصف يكاد يطوي جماهير المسلمين في المشارق والمغارب بعد ما تخلوا عن رسالتهم ونسوا كتابهم، وعاشوا عالة على الحضارات الغالبة. إنني أحذر على الإسلام صنفين من الناس: المكذبون به، والجاهلون به، المكذبون به من أعدائه والجاهلون به من أصدقائه، وأكرر ما قلته من قبل: إنني أحارب الأدوية المغشوشة بالقوة نفسها التي أحارب بها الأمراض المنتشرة. والثغرة التي ينفذ منها أعداء الإسلام إلى بيضتنا ونحن نقاوم الغزو الثقافي هي موقف البعض من قضايا المرأة، فهم يقفون أحجاراً صلبة أمام كل الحقوق التي قررها لها الإسلام يريدون تعطيلها أو تشويهها. وقد عاصرت أياماً أنكر فيها الأزهر تعليم المرأة في الجامعة، كما علمت على وجه اليقين أن أفواجاً من الأعراب ذهبت إلى الرياض تستنكر فتح مدارس لتعليم البنات! ومع أن الدنيا تغيرت فالعلاقة بين الجنسين وحقوقها العامة والخاصة لم تأخذ بعد طريقها الصحيح، وذلك لأن بعض الناس يأبى أن يستقيم على منهج القرآن الكريم! يقول الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: 71)، هذه رابطة ولاية ووفاق بين الجنسين على مناصرة الحق ومخاصمة الباطل وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله، رابطة ولاية يتحول بها المجتمع كله إلى خلية ناشطة لها منهج وغاية فإذا نشأ عقد زواج بين مؤمن ومؤمنة فإن هذا المعنى يتأكد وتصبح العلاقة الجديدة إخاء عقيدة، وشركة أعباء، وصحبة حياة، ووحدة هدف، وتجاوب ثقافة. المجتمع الوضيع هو الذي يفهم الزواج على أنه عقد انتفاع بجسد، أو يعرفه بأنه امتلاك بضع بثمن، أو يراه شركة بين رجل تحوّل إلى ضابط برتبة مشير، لديه امرأة برتبة خفير، أين الود والتراحم والشرف والوفاء(6)؟ وفي ظل ما سبق بيانه نؤكد أن العلاقة بين المرأة وزوجها هي علاقة حب ومودة ورحمة، وليست علاقة امتلاك جسد وإذلال نفس كما يدَّعي المرجفون. ______________________________ (1) صحيح البخاري (3237)، وأخرجه مسلم (1436) باختلاف يسير. (2) أخرجه البخاري (3237) بنحوه، ومسلم (1436) واللفظ له. (3) نيل الأوطار، الشوكاني، ج6، ص362. (4) المنهج الصحيح، عبدالله بن محمد الغنيمان (1/ 15). (5) شبهات حول المرأة في الإسلام، د. علي نايف الشحود (1/ 776). (6) بتصرف من كتاب «قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة»، الشيخ محمد الغزالي (1/ 36).
__________________
|
|
#14
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. قطع الصلاة وتشبيه المرأة بالحمار والكلب! (17) د. أحمد ناجي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل»(1)، عندما قرأ المستشرقون وأذنابهم هذا الحديث انطلقوا به في التجمعات النسوية، وزعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبه المرأةَ بالحمار، والكلب الأسود، وقالوا: هل هذا كلام يخرج من نبيٍّ مرسل من عند الله؟! وهل هذا هو حال المرأة المسلمة؟! تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها وقفة مع لغويات الحديث إن الحديث الذي استند إليه هؤلاء المرجفون ليس فيه تشبيه المرأةَ بالحمار، والكلب الأسود؛ هذا التشبيه ليس في الحديث أصلًا، ولا توجد به أداة من أدوات التشبيه كما تعلمنا من لغة العرب. ومن بدهيات اللغة العربية أن المشترك في التشبيه لا يعني المساواة أو المماثلة، فحينما يقول التلميذ: «أخاف من معلمي والكلب»، فهل المعلم مثل الكلب؟! أم أن المعلم اشترك فقط مع الكلب في حالة خوف التلميذ، وليس الكلبُ مشبهاً بالمعلم أو مساوياً له أو مثله. وبنظرة سريعة نجد أنه ليس ثمة شيء في الوجود إلا وبينه وبين الأشياء الأخرى وجه شبه، ولو في بعض المعاني المطلقة، فالإنسان يشبه الجماد في كون كل منهما موجوداً مخلوقاً، ويشبه الحيوان في أوجه كثيرة، فكل منهما كائن حي يأكل ويشرب ويحيا ويموت، بل يُعَرِّفُ المناطِقَة الإنسان بأنه: حيوان ناطق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: «كل موجودين فلا بد أن يكون بينهما نوع مشابهة ولو من بعض الوجوه البعيدة ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود»(2). وقد ورد عن الصحابي عمار بن ياسر رضي الله عنهما أنه شبه فعل نفسه بفعل الدابة، فقال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة، فأجنبت فلم أجد الماء، فَتَمَرَّغْتُ في الصعيد كما تَمَرَّغُ الدابة»(3). ولم يفهم أحد من الناس أنه يقصد تشبيه نفسه بالدابة من أي وجه، إذ لا تحتمل لغة العرب ذلك أبداً. وفي ظل هذا نقول لهؤلاء: ينبغي عليكم أن تفهموا اللغة العربية أولاً قبل الخوض في هذه الشبهات الساقطة، التي تدل على جهل تام بالأسلوب العربي. فقه الحديث بالنظر في الحديث نجد أن المقصود ليس شيئاً يتعلق بالصفات السيئة لكل من الحمار والكلب، أو أن المرأة في درجة هذه الدواب، إنما المقصود الاشتراك في فعل معين، يتعلق بالصلاة؛ وهو إخراج المصلي عن خشوعه واتصاله بالله تعالى، وينبغي أن نعلم أن المرور بين يدي المصلي ممنوع في الأصل، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه»، قال أبو النضر (راوي الحديث): «لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة»(4). وقد روى البخاري ومسلم أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه كان في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس، فأراد شاب من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشاب فلم يجد مساغاً إلا بين يديه، فعاد ليجتاز، فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فنال من أبي سعيد ثم دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك، يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان»(5). قال الإمام النووي رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: قوله صلى الله عليه وسلم: «فإنما هو شيطان»، قيل: معناه إنما حمله على مروره وامتناعه من الرجوع الشيطان، وقيل: معناه يفعل فعل الشيطان؛ لأن الشيطان بعيد من الخير وقبول السنة، وقيل: المراد بالشيطان القرين كما جاء في الحديث الآخر (فإن معه القرين) والله أعلم(6). وهكذا يتضح لنا أن الحديث عام في كل من أراد أن يجتاز بين يدي المصلي؛ سواء كان رجلاً أو امرأة. والجدير بالذكر هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في نهاية الحديث: «ويقي من ذلك مثل مُؤْخِرَةِ الرحل»، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب على البعير، والمعنى: أن يضع المصلي قدر تلك الخشبة أمامه؛ سترة ووقاية من المارين أمامه؛ فهذه تمنع قطع الصلاة بمرور هؤلاء المذكورين. هل تبطل الصلاة بالمرور بين يدي المصلي؟ ذهب بعض أهل العلم في تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث، إلى أنه ليس المراد به إبطال الصلاة، وإلزام إعادتها، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بغيرها، والالتفات إليه، قال القرطبي رحمه الله: «ذلك أن المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب يروع، فيتشوش المتفكر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد، فلما كانت هذه الأمور آيلة إلى القطع، جعلها قاطعة»(7). وقال ابن رجب رحمه الله: «وأقرب التأويل: أن يقال: لما كان المصلي مشتغلاً بمناجاة الله، وهو في غاية القرب منه والخلوة به، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة، والقرب الخاص؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجة في هذه الحال، فيقطع بذلك مواد الأُنس والقرب؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي: أوجب تخلله بعداً وقطعاً لمواد الرحمة والقرب والأنس، فلهذا المعنى -والله أعلم- خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها»(8). إذًا: ليس في الحديثِ تشبيه المرأة بالحمار، أو الكلب الأسود، بل إن ما جاء في الحديث ذكر حكم شرعي، مفاده أن أكثر ما يؤدي إلى قطع الصلاة؛ المرأة حينما تمر بين يدي المصلي تقطع صلاتَه، وكذلك الحمار والكلب الأسود، وقطع الصلاة المذكور ليس قطع بطلان، ولكن قطع نقصان. فهل يرتدع المستشرقون وأذيالهم ويمتنعون عن إثارة مثل هذه الشبهات؟ ____________________________ (1) صحيح مسلم، رقم (511). (2) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، المؤلف: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، 7/569. (3) رواه البخاري (347)، ومسلم (368). (4) رواه البخاري (510). (5) رواه البخاري (487)، ومسلم (505). (6) شرح مسلم، الإمام النووي، 4/167. (7) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، المؤلف: أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، 2/109. (8) بتصرف من «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، المؤلف: زين الدين عبدالرحمن بن أحمد الشهير بابن رجب، 4/135.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 19 ( الأعضاء 0 والزوار 19) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |