الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال - الصفحة 18 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حين تعمل المَلِكَة دروب الكَسْب في ظلال العفاف (كَسْب المعاش: بين قَيْد الغرب وسَعة ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          هل عاد القرامطة؟ القرامطة الجدد: قراءة في أمشاج الفوضى وقوانين المدافعة! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          مشتت العزمات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          صبر أنصارِ الباطل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الشكر نصف الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          التوكل على الله في إصلاح قلوبنا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          مضمار رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الشتاء موعظة للمؤمنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          شواهد الأحوال! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 29-05-2025, 01:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (173) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (2)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
في الآية فوائد:
الفائدة الأولى: إثبات إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية، كما دَلَّ عليه قوله -تعالى-: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124).
والإمامة في الدِّين فضل عظيم من الله، ومِنَّة مِنْه على مَن وَفَّي في عبادة ربِّه بما وجب عليه؛ ولذا فهي صفة يشترك فيها المؤمنون مع الأنبياء، وإن كان وصف الأنبياء فيها أعلى، لكن أصل الإمامة مما يصح اتصاف المؤمنين به، كما قال الله -عز وجل-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: 24).
ومما يدعو به عباد الرحمن كما قال -تعالى- في بيان صفتهم: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: 74).
ولا يلزم من إمامة الدين تولي الحكم والسلطة، بل هي إمامة في الطاعة والعبادة، تحصل للعبد ولو لم يكن حاكمًا، وإنما يُقتدَى به في الخير؛ فإن جمع بين الأمرين -يعني الإمامة في الطاعة وحسن العبادة مع الولاية والسلطة- فهو كمال آخر، وإنما حصل للخلفاء الراشدين، ومَن سار على طريقتهم من الخلفاء العلماء العادلين، ولا يحصل ذلك لمن تولى وكان ظالمًا؛ لقول الله -سبحانه وتعالى-: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، وكذا من كان جاهلًا.
ولا تنال هذه الإمامة إلا بهذين الوصفين: العلم والعدل، وقد أخطأ مَن وصف مِن ليس بعالم ولا بعادل بأوصاف الخلفاء الراشدين، وأعطاهم حقوقهم في وجوب الطاعة في المباحات والمستحبات والمكروهات؛ فعلًا وتركًا، وإنما تجب طاعة الخلفاء الراشدين، العلماء العادلين، في الإلزام بالمباحات وتقييدها والمنع منها، وكذا في ترك المستحب وفعل المكروه، وكذا الموازنة بين الحسنات والسيئات، والمصالح والمفاسد؛ لعلمهم وعدلهم؛ فهم لا يأمرون بمباح، ولا يمنعون منه لمجرد رغباتهم، بل يعلمون أن ذلك لا يجوز لهم، وإنما قد يأمرون بمباح ويُلزِمون به، أو ينهون عنه ويمنعون منه إذا كان يترتَّب على الترك والفعل ترك واجب أو ارتكاب محظور محرَّم، ولا طريقة لمنع الواجبات وفعل المحرمات إلا بتقييد المباح أو الإلزام به.
وقد توسَّع أكثر المعاصرين ممن ينتسِبون إلى العلم، وما بلغوا معشار ما بلغ أئمة السلف في العلم؛ توسعوا في الإفتاء بحقِّ الحكام في تقييد المباح والإلزام به، والعقوبة على فعله وتركه؛ لمجرد أنهم تولوا الأمور، ويقولون: أَمَر وُلَاة الأمور بكذا... ونهوا عن كذا... دون النظر إلى أصل المسألة شرعًا: هل هي من المباحات، أم المستحبات أو المكروهات، أو الواجبات أو المحرمات، ولم ينتبهوا أن ذلك فيه تحريم للحلال أو إيجاب لما ليس بواجب، مع علمهم بعدم عِلْم هؤلاء، وعدم عدالتهم، ووقوعهم في أنواع من الظلم والعدوان التي نفى الله -عز وجل- من أجلها أن يَنَال الإمامة مَن كان مِن ذرية إبراهيم، فقال: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
وإذا كان لا تُقبَل شهادة الظالم في باقة بقل؛ فكيف فيما هو أعظم من ذلك بكثير من الولايات العامة؟!
وإنما تقبل أوامرهم فيما عُلِم أنه طاعة من الواجبات وترك المحرمات، وبسبب هذه الفتاوى غير المنضبطة في حقِّ الحاكم في تقييد المباح والإلزام به؛ حدث عبر الزمان تبديل للشريعة؛ خصوصًا مع جرأة مَن يُنسَب إلى العلم بالإفتاء بفسق المُخَالِف ولو كان مؤديًا لطاعة، وبإثمه ولو كان يفعل مباحًا، وإنما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌إِنَّمَا ‌الطَّاعَةُ ‌فِي ‌الْمَعْرُوفِ) (متفق عليه)، فحصر الطاعة في المعروف، وإنما دخل في المعروف في حقِّ العلماء العالمين العادلين أمرهم بمباح يترتب على تركه ترك واجب، أو فعل محرم، أو نهيهم عن مباح يترتب على فعله ترك واجب أو فعل محرم؛ فليست الطاعة لهؤلاء إلا في المعروف كنصِّ الحديث.
والأئمة العلماء العادلون دخل في المعروف أمرهم بمباح أو نهيهم عنه؛ لعلمهم وعدلهم، وأما غيرهم؛ فلو أمر الحاكم رجلًا بصلاة النافلة لم تصبح واجبة، ولو نهاه عنها لم تكن محرمه، ولو أن حاكمًا نهى رجلًا عن الزواج من امرأة معينة، أو قبل سنٍّ معين -له أو للمرأة-؛ لم يجب عليه الالتزام بذلك. ولو أنه أمره بطلاق امرأة لا يلزمه طلاقها لم يجب عليه التطليق، وكذلك لم يحرم عليه الزواج شرعًا قبل السن التي ذكرها مَن يقولون بحقِّ تقييد المباح!
وقد أصبح هذا الأمر وسيلة لتبديل الشريعة وتغيير أحكامها، وما أعظم ما دل عليه قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لبريرة -عندما شفع في عودتها لمغيث لشدة حبه لها- لما سألته: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ، قَالَ: (لَا، إِنَّمَا ‌أَنَا ‌شَافِعٌ) قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. (رواه البخاري).
فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-، لا يملك وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يلزمها بما ليس بلازم؛ فكيف تجعلون هذه الدرجة من الإمامة لمن عُلِم فسقه، بل تتوسعون فيها لمَن علم نفاقه أو ارتكب بعض أنواع الكفر؟!
ومَن ينتسب للعلم في بلده، يعطونه مرتبة الإمامة التي هي للخلفاء الراشدين، بل للأنبياء، بل تجاوزوا ذلك حتى قال أحدهم: "الحاكم إذا أباح الخمر فهي مباحة!"، وهذا لا شك كفر وخروج من الدِّين لاستحلال المعلوم من الدين بالضرورة تحريمه، وبعضهم غلا حتى اشترط في صحة العبادة إذن الحاكم! فصار أشبه بطريقة فرعون الذي قال: (آمنتم له قبل أن آذن لكم)، وأما أمر الدعوة إلى الله وتوحيده فقد اتخذ أمر التنظيم والترتيب، وطاعة ولاة لأمور؛ ذريعة لمنع دعوة التوحيد، واتباع منهج السلف، وأهل السنة والجماعة، ومنع الدعاة إلى الله من قول الحق والإفتاء به؛ خلافًا لما يقوله مَن يداهن في الدين، ويجامل بالباطل، ولو كان من يقول بوحدة الوجود، وعدم الفرق بين الرب والعبد، فالكل شيء واحد! وإلى الله المشتكى.
حول اغتيال إسماعيل هنية:
اللهم اغفر لعبدك إسماعيل هنية، وارحمه وعافه، واعفُ عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالثلج والماء والبَرَد، ونقِّه من الذنوب والخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم ابدله دارًا خيرًا من داره، وأهلًا خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه.
اللهم قه فتنة القبر وعذاب القبر وعذاب النار، اللهم اقبله في الشهداء، اللهم افسح له في قبره ونوِّر له فيه، واملأه عليه خضرًا إلى يوم يبعثون، اللهم دمر على اليهود ومن والاهم، ومَن أعانوا على قتله أو سمحوا به أو تآمروا عليه.
ونسأل الله -عز وجل- أن يجعل للمسلمين في فلسطين فرجًا ومخرجًا، وأن ينجي المسلمين في غزة وفي السودان، وفي كل مكان.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 29-05-2025, 01:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (174) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (3)




كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة الثانية:
قال القرطبي -رحمة الله- في تفسير قوله -تعالى-: (قَالَ ‌لَا ‌يَنَالُ ‌عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124)، في المسألة الحادية والعشرين: "استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل، مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا ينازعوا الأمر أهله، على ما تقدم من القول فيه؛ فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل؛ لقوله -تعالى-: (‌لَا ‌يَنَالُ ‌عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (قلتُ: المقصود بذلك: أن لا يولوا ابتداءً، وأما إذا طرأ عليهم الفسق؛ فلا ينعزلون بمجرده حتى يعزلهم أهل الحل والعقد، مع مراعاة المصالح والمفاسد).
قال: ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي -رضي الله عنهم-، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة (قلتُ: ورغم اتفاق العلماء على الظلم الذي وقع على أهل المدينة في واقعة الحرة وإجماعهم على أن الحسين بن علي قتل مظلومًا، وعلى أن ابن الزبير قتل مظلومًا؛ إلا أنهم يخطئون مَن خرجوا على الحاكم الظالم لأجل المفاسد التي تقع، فكان هذا اجتهادًا خاطئًا، وانعقد الاتفاق بعد ذلك على عدم الخروج؛ إلا لو كانت مفسدة الخروج أقل من مفسدة الصبر).
قال: والذي عليه الأكثر من العلماء: أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج؛ فاعلمه (قلتُ: الذي يظهر أن كلام السلف في المنع من الخروج، هو في حالة كثرة المفاسد على مفسدة الصبر، وهذا هو الأغلب الأعم، وهم لا يختلفون أنه إذا زادت المفسدة على المصلحة؛ فلا بد من ترك الذي فيه مفسدة).
قال: الثانية والعشرون: قال ابن خويز منداد: وكل مَن كان ظالمًا لم يكن نبيًّا، ولا خليفة ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا إمام صلاة، ولا يُقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة، ولا تُقبل شهادته في الأحكام، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد. وما تقدَّم من أحكامه موافقًا للصواب ماضٍ غير منقوض. وقد نص مالك على هذا في الخوارج والبغاة؛ أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجهًا من الاجتهاد، ولم يخرقوا الإجماع أو يخالفوا النصوص؛ وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم، ولم يُنقَل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم، ولا نقضوا شيئًا منها، ولا أعادوا أخذ الزكاة، ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا؛ فدلَّ على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم (قلتُ: والمقصود بذلك: ما فعلوه في أهل طاعته؛ فإنهم في عصر الصحابة -رضي الله عنهم- لم يكن لهم دولة مستقرة، وإنما كانوا ينفِّذون ذلك في أهل طاعتهم من الخوارج أمثالهم).
قال: الثالثة والعشرون: قال ابن خويز منداد: وأما أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة؛ فلذلك ثلاثة أحوال: إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذًا على موجب الشريعة؛ فجائز أخذه، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره. وإن كان مختلطًا حلالًا وظلمًا، كما في أيدي الأمراء اليوم؛ فالورع تركه، ويجوز للمحتاج أخذه، وهو كلصٍّ في يده مال مسروق، ومال جيد حلال، وقد وكَّله فيه رجل، فجاء اللص يتصدق به على إنسان فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة، وإن كان قد يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق إذا لم يكن شيء معروف بنهب، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحًا لازمًا -وإن كان الورع التنزه عنه-؛ وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها، وإنما تحرم لجهاتها. وإن كان ما في أيديهم ظلمًا صراحًا؛ فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم. (قلتُ: وهذا هو الحال الثالث فيما ذكر).
ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبًا، غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب، فهو كما لو وُجِد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق، ويُجعَل في بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد، فإذا لم يعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين" (انتهى من تفسير القرطبي، وذكرناه هنا لعظيم فائدته).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 29-05-2025, 01:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (175) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (4)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة الثالثة:
قوله -تعالى-: (‌قَانِتًا) أي: مطيعًا لله عابدًا؛ فدل على أن الإمامة في الدين لا تنال إلا بطاعة الله -عز وجل- وعبادته؛ فكثرة العبادة بمفهومها الواسع؛ لأنها اسم جامع لكلِّ ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال، والعقائد والتروك الظاهرة والباطنة، وبمفهومها الخاص بكثرة الصلاة والقيام والصيام والزكاة والصدقة والحج والعمرة، والذكر والاستغفار، وتلاوة القرآن، وغيرها - سببٌ لنيل الإمامة في الدين.
وأما من ترأس على قوم دون تحقيق الطاعة والعبادة؛ فإنها تكون إمامة دنيوية لا تغني عن صاحبها شيئًا، بل تكون مسئولية عظيمة بين يدي الله غدًا يوم القيامة، ومسألة شديدة عن كل واحدٍ من الرعية والأتباع، وكذا في الإمامة الحاصلة بالدعوة وتعليم الناس؛ فلا بد أن تكون مصحوبة بالعبادة؛ وإلا كانت إمامة شكلية وبالًا على صاحبها ليست حقيقية؛ لأن كثرة الأمراض القلبية التي تتعلق بالشهرة والجاه، وحب الرياسة، والرياء والسمعة، مرتبطة بالدعوة والتعليم ارتباطًا خطيرًا؛ إن لم تهذب وينقى القلب منها؛ صارت أعظم الضرر على صاحبها، وهو يظن نفسه من أعلى الناس مقامه، بل تمتنع الإمامة الدينية الحقيقية؛ بسبب هذه الأمراض وقلة العبادة.
الفائدة الرابعة:
قوله -تعالى-: (‌حَنِيفًا) وهو: المائل إلى الله المعرض عن غيره، فالحنيفية ملة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-؛ قال الله -عز وجل-: (‌فَأَقِمْ ‌وَجْهَكَ ‌لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم: 30-32).
وهي متضمنة لحب الله -عز وجل- والشوق إليه، والخضوع له، وهذا يستلزم كل عبادات القلب من الخوف والرجاء، والتوكل، والإنابة، والتوبة، والذكر، وإرادة وجهه والإخلاص له، والصبر على طاعته وعن معصيته، وعلى أقدار الله المؤلمة، والحب فيه لأنبيائه وأوليائه، والبغض فيه لأعدائه من الكفار والمنافقين، والشكر لنعمه، والرضا به ربًّا وإلهًا، والرضا بدينه دون ما سواه من الأديان، والرضا بنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-.
كل هذه العبادات متفرعة من الحب والخضوع، ومتلازمة معهما؛ يزول الإيمان بزوال شيء منها بالكلية، وينقص بنقصها، وأما الإعراض عمن سواه -سبحانه-؛ فهو يقتضي البراءة من الشرك وأهله، مع تركه وإبائه من نفس العبد، ومن غيره من المخلوقين؛ فلا يكون حنيفًا من أقر بصحة الشرك ولو من غيره، أو بتصحيح ملة غير ملة الإسلام، ولا يكون موحدًا من صحح عبادة غير الله، أو صحح ملة من كذب رسوله -صلى الله عليه وسلم-، بل من كذب أي نبي من الأنبياء.
ولذا كانت الدعاوى المعاصرة لمساواة الأديان، أو حتى لمساواة اليهودية والنصرانية والإسلام، دعوات كفرية شركية تنافي الحنيفية الدين الإبراهيمي الحق؛ لا المزور الكاذب، ولا يوجد شيء اسمه العائلة الإبراهيمية يضم الأديان الثلاثة، ولا يجوز أن تُبنى معابد تجمع أصحاب الأديان الثلاثة فيها، ويزعمون أنه بيت العائلة الإبراهيمية!
فنحن أبرياء من كل مَن كذَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكذب القرآن، ولا تصح عبادتهم لله -عز وجل- مع كفرهم بالقرآن العظيم، ولا يجوز لنا أن نصفها بأنها دور عبادة لله -سبحانه وتعالى-، بل هي أماكن الشرك والكفر والتكذيب لرسل الله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-؛ فلا بد لكل مسلم أن يعي هذه الحقيقة، وأن يتبرأ تبرأ تامًّا من هذه الفكرة الخبيثة -ما يسمونه بالدين الإبراهيمي والمسار الإبراهيمي والعائلة الإبراهيمية-؛ فإنها كلها خارجة عن دين الاسلام ومناقضة للحنيفية التي بُعِث بها النبي -عليه الصلاة والسلام- اتباعا لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 13-06-2025, 08:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (177) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (6)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة السادسة:
دَلَّ قوله -تعالى-: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) على عظمة منزلة الشكر عند الله -عز وجل-، وتركها من الكفر الذي يريده إبليس لأكثر البشرية؛ كما قال -تعالى- عنه: (قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ . ‌قَالَ ‌فَبِمَا ‌أَغْوَيْتَنِي ‌لَأَقْعُدَنَّ ‌لَهُمْ ‌صِرَاطَكَ ‌الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 15-17).
وقد صَدَّق ظنه فيهم باتباعهم شبهاته المضلة وشهواتهم المغوية، كما قال -تعالى-: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) (سبأ: 20)، فدَلَّت هذه الآية الكريمة على أن منزلة الخلة وهي أعظم المنازل والمقامات عند الله، لا بد وأن تتضمن الشكر، ولقد اختص الله -عز وجل- بمنزلة الخلة محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم-؛ كما قال -تعالى-: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: 125)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهِ -تَعَالَى- قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (رواه مسلم)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- هو القائل، لما قيل له في تورم قدمية وتشققهما: أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: (‌أَفَلَا ‌أَكُونُ ‌عَبْدًا ‌شَكُورًا) (متفق عليه)، وقال -سبحانه- عن نوح -أبي البشر الثاني بعد أبيهم آدم-: (‌إِنَّهُ ‌كَانَ ‌عَبْدًا ‌شَكُورًا) (الإسراء: 3).
أفبعد ذلك يأتي مَن يخترع في المنازل والمقامات وأعمال القلوب، ويجعل الشكر من منازل العوام؛ مع أنه يتضمن أعظم مراتبه، وهي شكر الله على نعمه الدينية، وهو أعظم من شكره على نعمه الدنيوية، وكلاهما واجبة الشكر.
ويجعلون مقامات الخاصة وخاصة الخاصة، الفناء بعد البقاء، والمحو بعد الصحو، والجمع بعد الفرق، والدهش والسكر والهيمان؛ ولذا يرى من وصل إلى الفناء العالم كله شيئًا واحدًا، فلا يشعر بمنعِم ولا بمنعَم عليه ولا يرى شاكرًا ولا مشكورًا!
بل بعض الزنادقة يرون أن الشاكر هو المعطي والمنعم، كما يرون أن المذكور هو الذاكر، وأن العابد هو المعبود، وأن العبد رب، والرب عبد، وأن المصلي يصلي لذاته، والوجود كله شيء واحد، وهذا المذهب الكفري -وحدة الوجود- كفر يناقض دعوة جميع الرسل والأنبياء، وما عليه الأولياء الصالحون بحق؛ فهؤلاء الزنادقة هم الذين يروِّجون لدعوة مساواة الأديان والدِّين الإبراهيمي الجديد؛ أخزاهم الله، وأحبط أعمالهم.
وأما معنى الشكر؛ فالشكر هو: شهود القلب لنعم الله -تعالى-، ومعرفة أنها منه وحده ومحبته على ذلك، وتعظيمه بها؛ لأنه بدون ذلك لا يكون شاكرًا، والذي لا يحب الله على نعمه كما يحبه على أسمائه وصفاته؛ لا يكون شاكرًا لله.
والشكر أيضًا هو: اعتراف اللسان بهذه النعم، والثناء بها على الله؛ لأنها منه، ثم انقياض الجوارح وخضوعها له -عز وجل-، وأن تصرف هذه النعمة في طاعة الله؛ إذ الإنسان لا يستطيع الحياة بدون نعم الله عليه، فكان الواجب عليه أن يصرفها في طاعته بدلًا من أن يصرِّفها في معصيته، وليتأمل العبد في حاله بدون نعم الله دون رِجْلٍ أو يدٍ، أو فَرْج، أو قلب، أو كُلية، أو أمعاء، أو مخ؛ هل يستطيع هذا الإنسان أن يستمتع بأي لذة؟! هل هناك لذة للطعام دون الجهاز الهضمي، وكذا الشراب دون التذوق، وهل يستمتع باللذة الجنسية دون فرج وسائر الدائرة العصبية والنفسية التي تستلزم الاستمتاع بها؟!
فالإنسان بدون نعمة الله -عز وجل- لا يمكن أن يستمتع بشيء، ولا أن يجد لذة من اللذات؛ أفبعد أن يعطيك الله هذه النعم تستعملها في معصيته -نسأل الله العافية-؟!
لولا الغفلة لما عصى الله عاصٍ، ولما كفر به كافر، ولكن الغفلة هي السبب؛ لأن العاصي غير مستحضر أن هذه النعم من عند الله؛ لذلك نقول: إن الشكر من أعمال القلب واللسان والجوارح، وأهل الإيمان يشكرون الله على هدايتهم للتوحيد والإيمان ونعمة الدِّين، ويشكرونه على المطعم والمشرب والملبس، وصحة البدن وقوته، وغيرها من نعم الدنيا.
وأما عامة الناس؛ فمَن يشكر الله منهم فإنه يشكره على نعم الدنيا؛ أنه أطعمهم وسقاهم، وملكَّهم الأموال، ولو تأملتَ عامة البشر باستثناء المسلمين، وأهل الكتاب؛ لوجدتَ سائر الأمم التي تبلغ أكثر من نصف العالم؛ لا يعرفون الله -عز وجل-، ولا يقرون بوجود إله معبود؛ فضلًا عن أن يشكروه على دنيا أو على دين، ونسأل الله الثبات على الإسلام حتى يتوفانا عليه وهو راضٍ عنا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 13-06-2025, 08:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (178) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (7)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة السابعة:
قال الله -تعالى-: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ)، وحقيقة الشكر كما بينَّا: شهود نعمة الله -سبحانه وتعالى- أنها منه، وتعظيمه بها، ومحبته على ذلك، ثم الثناء على الله بها باللسان، واستعمالها في طاعة الله.
وقال الله -تعالى- في عبادة الشكر: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)؛ فأمر الله -عز وجل- بذكره، وأمر -سبحانه وتعالى- بشكره، وهذا الشكر هو أن يستحضر الإنسان نعم الله بقلبه، فيشهدها نعمة من الله -عز وجل-، ويعظم ربه بها، ويثني عليه هذه النعمة في طاعة الله -عز وجل- بجوارحه، فيكون قد شكرها عملًا، كما قال -عز وجل-: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: 13).
قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأصل الشكر في وضع اللسان: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورًا بينًا. يقال: شكرت الدابة تشكر شكرًا، على وزن سمنت تسمن سمنًا إذا ظهر عليها أثر العلف، ودابة شكور: إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تأكل وتُعطَى من العلف. وفي صحيح مسلم: "حتى إن الدواب لتشكر من لحومهم، أي: لتسمن من كثرة ما تأكل منها.
وكذلك حقيقته في العبودية، وهو ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده: ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه: شهودًا ومحبة، وعلى جوارحه: انقيادًا وطاعة" (مدارج السالكين).
ومن أسماء الله الحسنى الشكور، يشكر القليل من العمل، والله شاكر عليم؛ بمعنى أنه يقبل منهم ذلك اليسير، ويكافئهم عليه أضعافًا مضاعفة؛ لأنه -سبحانه وتعالى- غفور شكور، فهو كثير الشكر، وليس الشكر هنا أنه يعظم ما أنعموا به عليه فليس هذا هو الاعتبار هنا، ولكن بمعنى أنه يقبل حمدهم وشكرهم، ويجازيهم عليه أضعافًا مضاعفة؛ فهو يقبل القليل من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، وهو يثيب الثواب الجزيل على العمل القليل، وهذه من شكره -سبحانه وتعالى-، كما في الحديث: (‌بَيْنَمَا ‌رَجُلٌ ‌يَمْشِي ‌بِطَرِيقٍ، ‌وَجَدَ ‌غُصْنَ ‌شَوْكٍ ‌عَلَى ‌الطَّرِيقِ ‌فَأَخَّرَهُ، ‌فَشَكَرَ ‌اللهُ ‌لَهُ ‌فَغَفَرَ ‌لَهُ) (متفق عليه)، فشكر الله له؛ أي: قبل منه، وظهر أثر العطاء من الله -عز وجل- على عبده أضعاف ما فعل العبد، ورضي الله عنه باليسير مما فعله.
ونهى -عز وجل- عن الكفر فقال: (وَلَا تَكْفُرُونِ) مع أن الأغلب الأعم أن يقال: "يكفر به"، فيقال: "كفر بالله"، لكن كلمة كفر هنا تتعدى بالباء وتتعدى بنفسها فيقال: "كفره وكفر النعمة" أي: لم يشكرها، و"كفر به" تستعمل في الأغلب الأعم في الكفر الناقل من الملة، وقد تستعمل في الكفر الأصغر، و"كفره" غالبًا ما تستعمل في كفر النعم، وقد تستعمل في الكفر الأكبر
ولو زال أصل الشكر بالكلية من القلب لزال الإيمان بالكلية كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وإنما عمدة عمل إبليس على إخراج العباد عن الشكر، كما قال الله -عز وجل عنه-: (‌وَلَا ‌تَجِدُ ‌أَكْثَرَهُمْ ‌شَاكِرِينَ) (الأعراف: 17)، وهذا هو ظن إبليس الذي صدق عليهم كما قال الله -عز وجل-: (‌وَلَقَدْ ‌صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ) (سبأ: 20) أي: في كونهم لا يشكرون، ولو شكروا نعمة الله -عز وجل- لقادهم ذلك إلى التوحيد والإيمان.
فشكر نعمة الله -عز وجل- هو أحد أركان الإيمان، وإذا لم يشكر الإنسان ربه -عز وجل- ولو بقلبه لم يكن مؤمنًا أصلًا، بأن رأى أن الله لم ينعم عليه، وأنه استحق ذلك بنفسه، وأن هذا كان لا بد وأن يحصل له، ولو لم يفعل الله به ذلك لظلمه، والعياذ بالله!
فمن لم يرَ فضل الله ونعمته عليه لم يكن مؤمنًا، ولم يكن مقرًّا بأنه المتفضل بالكمال والإنعام والإحسان -سبحانه وتعالى-، بل من رأى نفسه مستحقًا رغمًا على الله -عز وجل- هذه النعم لم يكن مسلمًا أصلًا، فزوال الشكر من القلب بالكلية يعني زوال العبودية بالكلية وحصول الكفر به؛ لأن الكفر ضد الشكر كما تدل عليه هذه الآية، فإذا زال الشكر بالكلية زال الإيمان بالكلية، وحصل الكفر الكامل المطلق -والعياذ بالله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 13-06-2025, 08:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (179) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (8)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة الثامنة:
قوله -تعالى-: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ) دَلَّ على أن الشكر صفة خاصة النبيين كما وصف الله -عز وجل- نوحًا بقوله: (‌إِنَّهُ ‌كَانَ ‌عَبْدًا ‌شَكُورًا) (الإسراء: 3)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قيل له في كثرة قيامة حتى تتشقق قدماه وقد غفر الله ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، قال: (‌إِنَّهُ ‌كَانَ ‌عَبْدًا ‌شَكُورًا)، فالشكر حياة القلب وأساس العبادة؛ قال الله -تعالى-: (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل: 114).
أمرنا الله أن نأكل من طيبات ما رزقنا، وأن نشكر نعمته؛ فإنما رزقنا لنشكره، وهذا من حكمة الله أن خلقنا في حاجه وأعطانا ما نسد به حاجتنا، وجعل ذلك سبيلًا إلى ما هو أعظم من تلك الحاجات.
فحاجتنا إلى شكر نعمة الله أعظم من حاجتنا إلى الهواء والطعام والشراب، ونحن والله لا نحصي ثناءً على الله؛ فكل نَفَس، وكل طعام وشراب نعمة من الله عظيمة، وشكرك نعمة الله عليك، نعمة أعظم؛ فأنت تحتاج إلى ذلك لصلاح قلبك، وحياة قلبك أعظم من حاجتك إلى الهواء والطعام والشراب.
فالشكر سبب حياة القلب؛ فلو مُنِع من البدن الهواء يموت، فكذلك لو منع من القلب الشكر يموت القلب، وأنت محتاج إلى حياة قلبك أعظم من حياة بدنك، وفي الأثر الإسرائيلي: أن داود -عليه السلام- قال: "يا رب! كيف أشكرك وشكرك نعمة تحتاج إلى شكر؟ فقال: يا داود الآن شكرتني!".
جعل الله -عز وجل- النعم ليأخذ بها قلوبنا إلى ما هو أهم، وليأخذ قلوبنا إلى نعمة أتم؛ وهي: أن نشكره على نعمته فيعطينا المزيد؛ لأن الله -عز وجل- قال: (‌وَإِذْ ‌تَأَذَّنَ ‌رَبُّكُمْ ‌لَئِنْ ‌شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7).
وما أنعم الله -عز وجل- به علينا من شكره هو نعمة جديدة؛ فإذا شهدنا ذلك شعرنا أننا لا نحصي ثناءً على الله، ويشعر العبد بعجزة عن إحصاء نعم الله وثنائه على الله؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "اللهم لك الحمد كما تقول، وخيرًا مما نقول"، وقال الله -سبحانه وتعالى- في بيان نعمة النبوة والرسالة والدِّين على البشر: (‌وَمَا ‌مُحَمَّدٌ ‌إِلَّا ‌رَسُولٌ ‌قَدْ ‌خَلَتْ ‌مِنْ ‌قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144).
وقد يتعجب المرء من ذكر الشكر في مقام موت النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قتله، وإنما يحتاج الناس إلى الصبر؛ فهو ابتلاء عظيم، ومقام نزول أعظم مصيبة بالمسلمين إذا مات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من عبادة الله هو أعظم نعمة، والمحافظة عليها والاستمرار عليها هو شكر هذه النعمة بالثبات عليها؛ ولذا ذكر الله -عز وجل- في هذا المقام عبادة الشكر؛ لأنها أساس العبادة.
ولذا قال أبو بكر -رضي الله تعالى- عنه بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- فخطب الله وأثنى عليه ثم قال: "مَن كان يعبد محمدًا؛ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلا: (‌وَمَا ‌مُحَمَّدٌ ‌إِلَّا ‌رَسُولٌ ‌قَدْ ‌خَلَتْ ‌مِنْ ‌قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)".
فمن انقلب على عقبيه بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كفر هذه النعمة ولم يشكرها، ولم يكن محقًّا في اتباعه لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فهذا المقام مقامٌ فيه صبر وشكر معًا؛ شكر نعمة الله بالدِّين، وشكر نعمة الله بالرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (آل عمران: 164)، وأن نوحِّد الله في كل وقت وفي كل حال، ونثبت على عبادة الله؛ سواء أوجدنا من يعيننا أم لم نجد، وسواء أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيًّا أم قد مات ورحل عن هذه الدنيا.
وشكر نعمة الله -عز وجل-، يستجلب للعبد رضوان الله -سبحانه وتعالى-، وهذا أعظم نعيم يحصله أهل الجنة؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ! فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ ‌رِضْوَانِي، فَلَا ‌أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا) (متفق عليه).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ ‌يَشْرَبَ ‌الشَّرْبَةَ ‌فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) (رواه مسلم).
فالله -تعالى- جعل الأرزاق سببًا للشكر، والله يرضى باليسير من العمل بأن يقول العبد بعد أن يأكل: "الحمد لله"، وإذا شرب الشربة أن يقول: "الحمد لله".
فليتأمل الإنسان كيف وصلت له هذه الشربة؟ وكيف نزلت من السماء في وقت نحن لا نعلمه؛ فلنتفكر في قطرات الماء التي نشربها: من أين أتت؟ وفي أي يوم من الأيام نزلت من السماء؟ ومتى تخلَّقَت؟ الله -عز وجل- وحده يعلم؛ تخلقت في وقت معين ثم نزلت من السماء في وقت معين، ثم سارت مسافات طويلة، ثم احتجزت مدة عند العوائق والغابات والسدود، ثم بعد ذلك سارت مدة واحتجزت إلى أن وصلت إلينا عبر مراحل كثيرة، ثم وصلت إلى هذا الصنبور، ثم فُرِّغت في الكوب ثم شربناه، فماذا فعلنا نحن في هذا كله؟!
وكل ما فعلناه نحن في هذه المراحل هو الخطوة الأخيرة؛ وهي: شرب هذا الماء؛ أما ما كان قبل ذلك فليس من تصرفنا، وكذا لو كان هذا الماء نابعًا من عيون الأرض فإنه أيضًا نزل من السماء، ثم بقي في الأرض آلاف السنين إلى أن أخرج من هذه العيون وجاء إلينا في هذه الزجاجات؛ قال الله -عز وجل-: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ . لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: 68-70).
فاللهم لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه غير مكفي ولا مودَّع، ولا مستغنٍ عنه ربنا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-07-2025, 11:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (181)

إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (10)




كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة التاسعة:
قوله -تعالى-: (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ): تضمَّن إثبات الهداية، ونسبتها إلى الله -سبحانه-؛ فالله وحده مالك القلوب، وهي كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ ‌أَزَاغَهُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (‌اللهُمَّ مُقَلِّبَ ‌الْقُلُوبِ، ‌ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
وهو -سبحانه- وحده الذي يخلق الهدى في قلب العبد، ويثبِّته عليه، والهداية أنواع؛ فمنها: الهداية العامة لجميع الكائنات بما يصلحها ويناسبها؛ قال -تعالى-: (قَالَ ‌فَمَنْ ‌رَبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى . قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) (طه: 49-51).
وقال سبحانه و-تعالى-: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى: 1-3)، فهدى كلُّ مخلوق إلى ما يناسبه في طعامه وشرابه وقوته، وكيف يأتي الذَّكر أنثاه؛ لتحصيل التناسل والتكاثر، وحفظ النوع، وهدى كل خلية داخل الحيوان، بل والنبات لما فيه استمرار حياتها وحياة صاحبها، وهذه الهداية من أعظم أدلة وجود الرب -سبحانه وتعالى- لمن تأملها.
وتأمل قطة عجماء، تشم سمكة سامة لو أكلها الإنسان لمات وليس في رائحتها إلا ما في رائحة السمك، وتجد القطة تتركها مع كونها تأكل غيرها!
وغير ذلك أضعاف مضاعفه؛ ذكر ابن القيم -رحمه الله- في كتاب "شفاء العليل" أنواعًا منها، وهي تنتشر في عالم البر والبحر، بل وعالم النبات كذلك، وعالم النجوم والفلك، فكلها تجري بتقديره وهدايته -سبحانه وبحمده- فتبًّا للجاحدين الملاحدة!
والنوع الثاني من الهداية: هداية البيان والإرشاد؛ قال -تعالى-: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد: 10)، وقال -تعالى-: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (فصلت: 17)، فهو -سبحانه وتعالى- هدى كل إنسان مكلَّف طريق الهدى، وطريق الضلالة، وهذا من خلال دعوة الرسل، وجعل في الفطرة والعهد السابق الذي أخذه والناس في ظهر أبيهم آدم ما يؤيد دعوة الرسل؛ قال الله -عز وجل-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) (الأعراف: 172)، أي: ذكرناكم بذلك على ألسنة الرسول؛ لكي لا تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين، وقال -تعالى-: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم: 30).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌كُلُّ ‌مَوْلُودٍ ‌يُولَدُ ‌عَلَى ‌الْفِطْرَةِ، ‌فَأَبَوَاهُ ‌يُهَوِّدَانِهِ، ‌أَوْ ‌يُنَصِّرَانِهِ، ‌أَوْ ‌يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) (متفق عليه).
وفي رواية في الصحيح: (مَا مِنْ مَوْلُودٍ ‌يُولَدُ إِلَّا وَهُوَ عَلَى ‌الْمِلَّةِ) (رواه مسلم)، فجعل الله -سبحانه- في العهد الأول، وفي الفطرة ما يؤيد دعوة الرسل، ويؤكد صحتها، فكأنها نسخة مركوزة في القلب، موافقة لدعوة الرسل إلى التوحيد والإقرار بالربوبية والألوهية، ثم بصحة دعوة الرسل الكرام، فإذا جاءت دعوة الرسل صادفت محلها، فمن قَبِلَها أيقن بصحتها، ومطابقتها لما في القلب، ومَن ردَّها تقطَّع قلبه، وشقي في الدنيا، وفسدت فطرته، وظن الحق باطلًا والباطل حقًّا بعد أن عَلِم الحق أول مرة: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الأنعام: 110)، فعند ذلك ظَنَّ الحقَّ باطلًا، والباطل حقًّا؛ فأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، وقامت عليه حجج الله كلها.
ومن محبته -سبحانه وتعالى- للعذر: لم يجعل ميثاق الفطرة، والميثاق يوم أَخَذَه على البشرية -وهم في ظهر آدم بعد أن استخرجهم من ظهره-، لم يجعلهما حجة مستقلة، بل جعلهما حجة بعد أن تبلغهم دعوة الرسل؛ قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (إبراهيم: 4).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَيْسَ أَحَدٌ ‌أَحَبَّ ‌إِلَيْهِ ‌الْعُذْرُ ‌مِنَ ‌اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ) (متفق عليه).
فيا خسارة مَن يكرهون العُذْر الذي يحبه الله، ويكفِّرون المسلمين دون قيام الحجة الرسالية التي يكفر مخالفها، ثم يتجرؤون على سفك الدماء المعصومة بغير حقٍّ؛ خصوصًا الذين يكفِّرون المسلمين بالعموم، بشبهات هي أوهي من بيت العنكبوت!
فأحبوا -يا عباد الله- العذر الذي يحبه الله، وجعله مرتبطًا ببلوغ دعوة الرسل، ومعرفة الكتب التي أنزلها؛ قال الله -تعالى-: (‌قُلْ ‌أَيُّ ‌شَيْءٍ ‌أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) (الأنعام: 19).
فمَن بلغه القرآن فهو المنذر؛ وإلا فهو معذور؛ إجمالًا في الإجمال -أي: إذا لم يبلغه القرآن أصلًا، ولا دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فهو معذور أَنْ لم يؤمن بها-، وتفصيلًا في التفصيل -أي: إذا لم يبلغه تفصيل ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقد آمن به مجملًا، لم يكفَّر حتى يبلغه التفصيل آية آية، وحديثًا حديثًا-.
ولما كان هذا النوع من الهداية يتم من خلال الرسل، أثبته الله لهم؛ فقال -تعالى- لنبيه محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (‌وَكَذَلِكَ ‌أَوْحَيْنَا ‌إِلَيْكَ ‌رُوحًا ‌مِنْ ‌أَمْرِنَا ‌مَا ‌كُنْتَ ‌تَدْرِي ‌مَا ‌الْكِتَابُ ‌وَلَا ‌الْإِيمَانُ ‌وَلَكِنْ ‌جَعَلْنَاهُ ‌نُورًا ‌نَهْدِي ‌بِهِ ‌مَنْ ‌نَشَاءُ ‌مِنْ ‌عِبَادِنَا ‌وَإِنَّكَ ‌لَتَهْدِي ‌إِلَى ‌صِرَاطٍ ‌مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، مع أنه -سبحانه- نَفَى عنه هداية التوفيق والإسعاد، وخَلْق الهدى في قلبِ مَن يحبُّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال له في شأن عمه أبي طالب -وقد مات على الكفر-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ) (القصص: 56).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21-07-2025, 08:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال



الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (186) دعوة إبراهيم صلى الله عليه وسلم أباه إلى التوحيد وترك الشرك (2)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -عز وجل-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا . يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا . يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا . يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا . قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا . وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا . فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا . وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) (مريم: 41-50).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا) يقول -تعالى- لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر في الكتاب إبراهيم واتله على قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته، وهو كان صديقًا نبيًّا، مع أبيه؛ كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا) أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا.
(يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ): يقول: فإن كنت من صلبك وترى أني أصغر منك؛ لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد، (فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا) أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطلوب، والنجاة من المرهوب.
(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ) أي: لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام؛ فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال -تعالى-: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) (يس: 60)، وقال: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا) (النساء: 117).
وقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا) أي: مخالفًا مستكبرًا عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تصر مثله. (يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ) أي: على شركك وعصيانك لما آمرك به، (فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك، كما قال -تعالى-: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النحل: 63).
(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا): يقول -تعالى- مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال: (أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ) يعني: إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها؛ فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنتهِ عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: (لَأَرْجُمَنَّكَ)؛ قاله ابن عباس، والسدي، وابن جريج، والضحاك، وغيرهم.
وقوله: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا): قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق: يعني دهرًا.
وقال الحسن البصري: زمانًا طويلًا. وقال السدي: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: أبدًا.
وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقتادة وعطية الجدلي وأبو مالك، وغيرهم، واختاره ابن جرير".
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13-06-2025, 08:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (180) إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (9)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة الثامنة:
قوله -تعالى-: (اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) يدل على أن الاجتباء والاصطفاء هو لله -سبحانه وتعالى-، وهذا جزء من الإيمان بالقدر؛ لأن اختيار الله -عز وجل- لأنبيائه وأوليائه هو مَنُّه وفضلُه -سبحانه وتعالى- عليهم بطاعته وبالإيمان به، وأما النبوة فاجتباء خاص.
والله -سبحانه وتعالى- اختار أنبياءَه ورسله بعلمه وحكمته، وقد وضع الأشِياء في مواضعها، وهو محض فضله -سبحانه- عليهم؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: (‌وَرَبُّكَ ‌يَخْلُقُ ‌مَا ‌يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (القصص: 68).
والخيرة في هذا الموضوع ليست بمعنى الإرادة المجردة، بل اختيار التكريم والتفضل، والتخصيص بنعم الدِّين والإيمان والنبوة؛ قال -سبحانه- لموسى -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) (طه: 13)؛ أي: اختاره الرب -سبحانه وتعالى- للرسالة والتكريم والتكليم.
وقال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ? وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء: 113).
وقال الله لعباده المؤمنين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ ‌وَافْعَلُوا ‌الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج: 77-78)؛ أي: هو -سبحانه- اجتبى عباده المؤمنين لدينه الذي لا حرج فيه عليهم، وهو ملة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- دون الأديان الأخرى: كاليهودية، والنصرانية، وغيرها، وإن انتسب أصحابها إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-.
وإنما أولياء إبراهيم هم النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون بعد أتباع إبراهيم في زمنه وعبر الزمان، كما قال -سبحانه وتعالى-: (‌إِنَّ ‌أَوْلَى ‌النَّاسِ ‌بِإِبْرَاهِيمَ ‌لَلَّذِينَ ‌اتَّبَعُوهُ ‌وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 68)، وقوله -سبحانه وتعالى-: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ)؛ أي: الله سماكم المسلمين قبل وجودكم؛ كما ذكر صفتكم في الكتب السابقة، وسماكم كما قال -تعالى-: (‌مُحَمَّدٌ ‌رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29).
وقوله -سبحانه وتعالى-: (وَفِي هَذَا) أي: وفي هذا القرآن (سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ)، وهذا بلا شك تكريم للإسلام على سائر الرسالات السماوية، وأما الأديان التي حرَّفها أصحابها؛ فليست داخلة في التفضيل أصلًا، بل مَن كذَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- من اليهود والنصارى؛ فهو كافر مخلَّد في النار طالما قد بلغته رسالته؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ‌لَا ‌يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ‌يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (رواه مسلم).
وأما التفضيل في شمول رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم- وارتفاعها على غيرها؛ فأمر لا يشك فيه مسلم بالنسبة إلى رسالات الأنبياء من قبل، ويدل على ذلك: قوله -عز وجل- لموسى -صلى الله عليه وسلم- بعد أن دعى ربه -سبحانه- ألا يهلكهم بما فعل السفهاء منهم إلى آخر دعوته؛ قال: (‌عَذَابِي ‌أُصِيبُ ‌بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف: 156-157)، وقال الله -عز وجل-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ‌وَرَضِيتُ ‌لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3).
وقد قال غير واحد من الفلاسفة -وغيرهم-: إنه بإجماع الحكماء لم يطرق العالم ناموس أعظم من الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-! فحتى هؤلاء الفلاسفة المنحرفين عن دين النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرون بأن رسالته أعظم الرسالات وتشريعه أعظم التشريعات.
فتفضيل النبي -صلى الله عليه وسلم- على كل الرسل مجمع عليه: كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌أَنَا ‌سَيِّدُ ‌النَّاسِ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ) (متفق عليه).
والمفاضلة بين الأنبياء هي باجتباء الله -عز وجل- لمن شاء؛ ليست بأهواء الناس، وليس بتنقيص نبي على نبي، مع معرفة قدر جميع الأنبياء، وأنهم أفضل من جميع الأولياء، بل هم أفضل الخليقة؛ قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ ‌خَيْرُ ‌الْبَرِيَّةِ) (البينة: 7).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: ‌يَا ‌خَيْرَ ‌الْبَرِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ -عليه السلام-) (رواه مسلم)، وكان هذا قبل أن يوحى إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه سيد الناس، فقضية التفضيل بين الأنبياء إذا كانت بالأدلة الشرعية كتفضيل محمد -صلى الله عليه وسلم-، وتفضيل إبراهيم بعده، أمرٌ لا نزاع فيه بين أهل العلم؛ دَلَّ القرآن عليه، قال الله -عز وجل-: (‌تِلْكَ ‌الرُّسُلُ ‌فَضَّلْنَا ‌بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة: 253)، وهو محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فأفضل الخليقة على الإطلاق هو محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وكما يقول إبراهيم -عليه السلام- يوم القيامة في حديث الشفاعة: (‌إِنَّمَا ‌كُنْتُ ‌خَلِيلًا ‌مِنْ ‌وَرَاءَ ‌وَرَاءَ) (رواه مسلم)، وهذه إشارة إلى منزلة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه أقرب في الخلة وبعده إبراهيم وبعده موسى -صلى الله عليهما وسلم-، كما دلت عليه أحاديث المعراج في لقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- لموسى في السماء السادسة، وفي رواية في صحيح البخاري في السماء السابعة، والجمع بينهما ممكن؛ لأنه لقيه في السادسة وصعد معه -صلى الله عليه وسلم- إلى السابعة التي فيها إبراهيم.
فالاجتباء للأنبياء خاصة محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، وإبراهيم وموسى -صلى الله عليهما وسلم-، ثابت في الكتاب والسنة، ولا مجال لإنكاره ولا مجال لنفي ذلك بمثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُخَيِّرُوا ‌بَيْنَ ‌الْأَنْبِيَاءِ) (متفق عليه)؛ فإن المقصود لا تفضلوا تفضيلًا يتضمن تنقيص بعضهم؛ كما قال: (لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّهُ ‌خَيْرٌ ‌مِنْ ‌يُونُسَ بْنِ مَتَّى) (متفق عليه)، وإنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم- لما وجد بعض أصحابه يضربون مَن قال: "والذي اصطفى موسى على البشر"، وأما أن التفضيل حاصل؛ فلا نزاع في ذلك.
وهذا من اجتباء الله -عز وجل-، وليس من عند أحدٍ دون الله، ولكل منهم فضائله الخاصة، ويشترك مع غيره في الفضائل العامة للأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وجمعنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-07-2025, 11:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (182)

إمامة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- للبشرية وبراءته من المشركين (11)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (‌إِنَّ ‌إِبْرَاهِيمَ ‌كَانَ ‌أُمَّةً ‌قَانِتًا ‌لِلَّهِ ‌حَنِيفًا ‌وَلَمْ ‌يَكُ ‌مِنَ ‌الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (النحل: 120-123).
الفائدة العاشرة:
قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) فيه: بيان نوع آخر عظيم من أنواع الهداية؛ وهي: هداية التوفيق والإسعاد، وهي خلق الله الهدى في قلب مَن شاء مِن عبادة بدرجات الهدى المختلفة، وهي تشمل هداية معرفة الحق وقبوله ومحبته، وإرادته والعزم عليه وفعله والثبات والاستمرار على ذلك، والدعوة إليه والصبر على مشاق الطريق.
فكم من أناس قامت عليهم الحجة الرسالية ثم يعرفوا الحق من الباطل، وكانوا صمًّا بكمًا عميًا؛ لا يعقلون ولا يفهمون؛ قال الله -عز وجل: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (الأنفال: 22، 23)، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَمِنْهُمْ ‌مَنْ ‌يَسْتَمِعُ ‌إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) (محمد: 16).
ثم كم مِن الناس ممن عرف الحق وفهمه، لكنه أعرض عنه ولم يجبه ولم يقبله، بل أبغضه وعاداه؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: 146)، وقال -تعالى- عن المشركين: (إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام: 33)، وقال -تعالى- عن آل فرعون: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل: 14).
ثم كم ممَّن عرف الحق وأحبه وقبله، لكنه ضعيف الحب؛ فغلبته إرادة الشهوات والإخلاد إلى الأرض، واتباع الهوى!
وكم من مبغض للباطل والمعصية والحرام، لكنه لا يستطيع أن يقاوم إرادته والرغبة فيه ولو كان محرمًا؛ فيكون كالطائر الذي نتف ريشه يحلم بالطيران، ولا يستطيع أن يطير!
ثم كم من مريد للحق محبٍّ له، لكن عزمه ضعيف، فإرادته غير مستقرة لم تبلغ درجة العزم الذي يُثَاب صاحبه ثواب الفاعل؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن أتاه الله مالًا وعلمًا: (فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ فِي مَالِهِ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ هَذَا، عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ؛ فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، ‌مَا ‌سِرْتُمْ ‌مَسِيرًا، ‌وَلَا ‌قَطَعْتُمْ ‌وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: (وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ) (متفق عليه).
فمِن الناس مَن عنده إرادة ومحبة لا يستمر عليها، حتى تصل إلى درجة العزم، ثم كم ممن عنده العزم ثم يحرم من الفعل لنقض العزائم، والعجز والكسل، وتأمل في قصة كعب بن مالك -رضي الله تعالى عنه- في قوله: "‌فَهَمَمْتُ ‌أَنْ ‌أَرْتَحِلَ ‌فَأُدْرِكَهُمْ فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي" (رواه مسلم).
ثم كم من عازم قد فعل الخير وترك الشر والحرام، ثم يثبته الله عليه؛ فبعد فعله لم يستمر على الخير فتركه، وعاد ففعل الحرام والمنكر، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور ومن الفساد بعد الصلاح؛ قال الله -تعالى-: (أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (البقرة: 266).
ثم كم من فاعل للخير مجتنب للشر ثابت على ذلك، لكنه لا يستشعر مسؤولية الدعوة إلى ذلك الخير وإبلاغ الحق للخلق، ثم تحمل الأذى والصبر عليه؛ فكم ممَّن يقول: آمنا بالله، فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله؛ ولذلك قال لقمان لابنه وهو يعظه: (‌يَا بُنَيَّ ‌أَقِمِ ‌الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: 17)، فإن مشاق الطريق وصعوباته وتضحياته قد تدفع كثيرًا من الناس إلى الابتعاد بعد القيام بالعمل بعد العلم، وبالدعوة بعد العمل، ولكن الفتنة؛ نعوذ بالله منها.
وقد جمع الله -عز وجل- لإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- كلَّ أنواع الهداية هذه، ومن بعده الأنبياء جميعًا؛ قال الله -عز وجل-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ‌فَبِهُدَاهُمُ ‌اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90).
وقد جمع الله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- من بعد إبراهيم في الزمان ما هو أكمل أنواع الهدايات التي لم يسبقه إليه إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، والأنبياء جميعًا؛ فكان سيد الناس يوم القيامة ولا فخر؛ قال الله -عز وجل-: (وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) (النساء: 113)، وقال: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا . لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) (الفتح: 1، 2).
وكل هذه الهدايات يخلقها الله بمشئيته وقدرته في قلب مَن أراد مِن عباده ويوفِّق العبد لفعلها بقلبه ولسانه وبدنه، ثم خاتمة الهدايات: الهداية إلى منازل الجنة إذا دخلوها؛ قال الله -عز وجل-: (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) (محمد: 6)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ ‌أَهْدَى ‌بِمَنْزِلِهِ ‌فِي ‌الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا) (متفق عليه).
نسأل الله أن يجعلنا من أهل هدايته وتوفيقة وإسعاده.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 185.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 179.41 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (3.17%)]