|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#3
|
||||
|
||||
|
سلسلة أفلامها الأخيرة كانت تتضمن قدرا كبيرا ومبالغا فيه من الإثارة . ولقد دفعتني الضجة التي أحدثها آخر أفلامها ، والحملة الصحفية التي شنتها الصحف المحترمة ضده إلى الذهاب إلى إحدى دور العرض لمشاهدته . ويا ليتني ما شاهدته . كان الفيلم أقذر ما رأيت في حياتي . كانت أمي تمثل فيه دور راقصة تتورط في جريمة قتل وتدخل السجن . وهنا يتحول الفيلم إلى وصف تفصيلي لما يحدث داخل سجن النساء من انحرافات وشذوذ جنسي . وكانت مشاهد الانحرافات و الشذوذ صريحة جدا وبشكل مقزز أثار عندي الغثيان والاكتئاب . وخرجت من السينما وأنا لا أدرى ماذا أفعل ؟ هل أطلق صرخاتي المكتومة في الشارع ؟! هل أهاجر إلى أبعد دولة في الكرة الأرضية؟! وعدت إلى المنزل بعد أن همت بسيارتي في كل شوارع القاهرة . وهناك وجدتها تتناول كأسا من الخمر. وحينما رأتني بادرتني بالقول : أين كنت يا حبيبتي؟ لقد قلقت عليك . فنظرت إليها وأنا أكاد أن أخنقها بعيني وصحت قائلة : كنت أشاهد آخر فضائحك! هبت واقفة وقالت : كيف تحدثيني بهذه اللهجة وأنا أمك ؟ فقلت والشرر يتطاير من عيني : ليتك لم تكوني أمي ولم أكن أبنتك . ألم يكفك استهتارك وسكرك فتقومي الآن بتمثيل فيلم رخيص يخاطب غرائز المنحرفين والشواذ ؟! لقد وضعتٍ أنفى في التراب . أنت أسوأ أم رأيتها في حياتي . رفعت أمي يدها ثم هوت بها على وجهي في صفعة قاسية . تجمدت من الذهول للحظات . وبعد أن زال الذهول شعرت أنني سأموت كمدا لو مكثت في البيت لحظة واحدة . فغادرته وتوجهت إلى مسجد قريب منه . وفى المسجد تناولت مصحفا وجلست أقرأ وأقرأ والدموع تتساقط من عيني بغزارة ، حتى بللت دموعي صفحات المصحف . كان الشعور باليأس قد استولى علىّ . ولم أفق إلا على صوت آذان المغرب . ونهضت لأقف بين الصفوف وأصلى . ووجدت الإمام يتلو في الصلاة هذه الآيات : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ....... إلى أن وصل إلى قوله تعالى : ( اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) وسرت في جسدي قشعريرة غريبة وأحسست وكأن الله عز وجل يخاطبني بهذه الآيات ليزيل ما بي من هم ويأس . نعم إنه يخاطبني ويقول : اعلمي أنه كما أحي الأرض الميتة بالغيث ، فكذلك أنا قادر على إحياء القلوب القاسية كقلب أمك ، وتطهيره بنور الإيمان . وبدأت السكينة تدب في قلبي . وعدت إلى البيت واستلقيت على الفراش ونمت كما لم أنم من قبل! *** وفى الصباح وجدتها تجلس في غرفة المعيشة . كان وجهها حزينا ونظراتها شاردة . توجهت إليها وانحنيت على يدها أقبلها . نظرت لي والدموع تملأ مقلتيها ، وقالت لي بصوت مخنوق : تقبلين يدي بعد أن ضربتك بالأمس؟ فقلت : أنت أمي ومن حقك أن تؤدبيني . فقالت : لا والله . لست أنت من يستحق التأديب . ولست أنا من يستحق ابنة طاهرة مثلك . ثم قامت وغادرت المنزل . وأدركت أن أمي ومنذ هذه اللحظة قد تغيرت . وأن قلبها بدأ يلين ، وأن نور الإيمان بدأ يتسرب إليها، فبدأت أكثف كل جهدي في دعوتها . وأخذت أحكى لها كثيرا عما يدور في دروس العلم التي أواظب عليها في المسجد ، وأدير جهاز التسجيل الموجود في غرفتي ليرتل آيات من الذكر الحكيم على مسامعها . وبدأت ألح عليها لتصطحبني إلى مجالس العلم لحضور الدروس الدينية ولو على سبيل مرافقتي فقط . حتى كانت اللحظة التي ارتدت فيها الحجاب ، حين دعوتها لحضور مجلس علم بمنزل إحدى الفنانات المعتزلات . ولم تمانع أمي ودخلت غرفتها لارتداء ملابسها ، ولم أتمالك نفسي من الفرحة عندما رأيتها وقد وضعت على رأسها طرحة بيضاء . لقد كانت الطرحة كأنها تاج من السماء توجت به نفسها . وطلبت منى في فجر ذلك اليوم أن أصلى بها . وبعد أن قرأت فاتحة الكتاب فكرت هنيهة فيما سأتلوه من آيات . ووجدت الله تعالى يهديني إلى أن أقرأ هذه الآيات : ( والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على مافعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ) وبمجرد أن تلوت هاتين الآيتين حتى وجدتها تجهش في البكاء وتنتحب . ويهتز جسدها كله من شدة الانفعال . وخشيت عليها فأتممت الصلاة واحتضنتها لأهدأ من روعها . وكالطفل المتعلق بأحضان أمه تشبثت بي . فقلت لها : سأحضر لك كوبا من عصير الليمون . فتشبثت بي أكثر وقالت : لا . أريد أن أتحدث معك وألقى بالهم الذي يرزخ فوق صدري . فقلت : حسنا يا أمى تحدثي . *** بعد تنهيدة حارقة تحدثت أمي فقالت : عندما بدأت رحلتي مع الفن كنت أبعد ما أكون عن الله . لم يكن يشدني إلى الحياة سوى المال والشهرة وقصص الحب . ومع الأيام زادت نجوميتي . لكن إحساسا غريبا بدأ ينتابني . كنت أشعر وأنا في قمة المجد بأني أيضا في قمة الوحل . كثيرا ما أحسست برغبة عارمة في أن أحمل سوطا وأجلد نفسي . وكم وقفت أمام المرآة وأنا في أبهي زينة ثم تمنيت أن أبصق على وجهي . كانت أمي تستطرد في حديثها والدموع تتهادى فوق وجنتيها . فقلت لها : إن كل دمعة تغسل ذنبا وتطهرها من خطيئة . ثم دعوتها أن تكمل حديثها فاستطردت قائلة : عندما أصابني المرض وذهبت إلى لندن لإجراء العملية ، تخيلت نفسي ألفظ آخر أنفاسي وأعود إلى القاهرة داخل صندوق جثة بلا حياة . وسألت نفسي : ماذا سأقول للملائكة في القبر وهم يسألوني عن حياتي العابثة التي لا تحكمها المقاييس المنطقية أو المعايير العقلية ؟ لكن كان عشقي لنفسي وللأضواء المبهرة أكبر من وخزات الضمير . فبمجرد أن منّ الله علىّ بالشفاء حتى عدت إلى الوحل مرة أخرى . وذات مرة استوقفني أحد الأشخاص وقال لي : أي عورة سترتها يا نجمة يا ساطعة ؟! احذري أن ينصب غضب السماء على ابنتك لتكتوي أنت بنارها ! وكأنه رماني بجمرات من جهنم . طار النوم من عيني بعد كلماته المسمومة ، وظل شبح الانتقام الإلهي يطاردني . كنت أنظر إليك وأسأل نفسي : ماذا لو أصابك لا قدر الله مكروه وأنت نور عيني ؟ بالطبع كنت سأنتحر . هكذا صنع ذلك الشخص عقدة لم تنفك عنى أبدا . كنت كلما أذهب إلى البلاتوه تقفز صورتك أمامي وأسمع كلمات ذلك الرجل كأنه ينطق بها في التو فأبكى وتقتلني الهواجس . لقد كنت أتعذب عذابا أليما يفوق احتمال البشر . حتى جاءت اللحظة التي صارحتينى فيها بسكري واستهتاري . لقد كانت لحظة رهيبة نزعت فيها القناع الذي أخدع به نفسي من على وجهي ووضعتينى أمام حقيقتي المرة . لحظتها لم أستطع أن أتحمل رؤية نفسي على حقيقتها فضربتك . وبعد أن ضربتك صرخت في نفسي : ألهذه الدرجة وصل بي الغرق في الوحل؟! ألهذه الدرجة توحشت حتى أتطاول بيدي وأؤذى قلبي وروحي وأغلى الناس عندي ؟! ماذا تبقى لي من سوء لم أفعله؟! وقلت : ياإلهى بدلا من أن أشكرك على أنك قد وهبتني ابنة صالحة لم تشب طهارتها شائبة رغم كل ما يحيط بها ، أبيع حياتي بهذا الثمن الرخيص ؟! ملعونة الأضواء . ملعونة الشاشة . ملعونة الأموال . أنا أبحث عن الطريق إلى الله . كانت كل كلمة من كلمات أمي تنبض بالصدق والإيمان ، فقلت لها بعد أن أنهت حديثها : أنا أعلم أنك راغبة حقا في الرجوع إلى الله . لكن أصارحك القول : أنا أخشى أن تخذليني مرة أخرى. فقامت وتشبثت بيدي كالغريق الذي يتعلق بحبل نجاة وقالت : لا تخافي . أنا مصممة هذه المرة على مواصلة الطريق إلى الله حتى آخر لحظة في حياتي . كل ما أرجوه منك أن تستمر مؤازرتك لي . ولقد صدقت وعدها . ولم تخذلني بعد ذلك أبدا . وأصبح شغلها الشاغل العبادة والاستغفار والعطف على الفقراء والدعاء ليلا ونهارا بأن يقبض الله روحها في شهر رمضان . وبعد عدة سنوات من اعتزالها التمثيل وفى يوم من أيام شهر رمضان المبارك انتقلت روحها الطاهرة إلى بارئها وكانت صائمة قائمة متبتلة . اللهم ارني الحق حقاً وارزقني إتباعه وارني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |