|
|||||||
| الملتقى العام ملتقى عام يهتم بكافة المواضيع |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
ومن الناس من حُرم السعادة الزوجية: حُرم السعادةَ الزوجيةَ والعيشةَ الهنيئةَ، فهوَ لا يجدُ السكن النفسي، يعيشَ في قلقٍ واضطرابٍ، وشجارٍ وخصام، كم شكا هؤلاء لنا ؟ كم شكوا حياتِهم مع أزواجِهم وفي بيوتِهم ؟ يعيشُ بدونا مودةٍ ولا رحمةٍ، بدون لذة ولا متعةٍ، وبينَه وبين زوجِه وحشةً فلما كلُ ذلك ؟ قال بعضُ السلف - اسمع يا رعاك الله - قال بعضُ السلف : ( إني لأعصِ الله فأرى ذلكَ في خلقي دابتي وزوجتي). أيها الزوجان: ربما تحُرم السعادة الزوجية والراحة النفسيةَ بسبب الذنوبِ والمعاصي منكما أو من أحدكما. انظرا إلى البيت وما فيه من وسائل فساد تغضب رب العباد. انظرا إلى حرصكما على الفرائض والطاعات والاهتمام بها والصلاة في أوقاتها. قفا مع بعضكما وستجدان أن السبب معصية الله لا شك. قال الله تعالى : (وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير). إنه ما من مشكلةٍ تقعُ بين زوجين إلا بمعصية أو ذنبٍ، فكم في البيوتِ من المحرومين بسبب معصيةِ ربِ العالمين ؟ وأقف هنا فقد سبق الحديث عن هذا الموضوع بدرسين بعنوان (السحر الحلال). ومن الناس من حُرم بر الوالدين: من المحرومين من حُرم برَ الوالدين والأنسُ بهما، والجلوسُ معهما وقضاء حوائجِهما، حُرم المسكينُ من فضلِ عبادةٍ قرنت بتوحيدِ الله عز وجل. فقد ثنى بهما فقال: ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا ). ويدل هذا على فضلهما وعظم القيام بهما، وأسمع يا من حُرمت برهما قال (صلى الله علية وآله وسلم): ( الوالدُ أوسطُ أبوابُ الجنةَ، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه)13 ويروى عن عبد اللهِ أبنُ المبارك أنه بكى لما ماتت أمهُ فقيل له فقال: ( إني لأعلمُ أن الموتَ حق، ولكن كان لي بابانِ للجنةِ مفتوحان فأغلقَ أحدُهما). والنبيُ (صلى الله علية وآله وسلم) يقول : ( رغمَ أنفُ، ثم رغمَ أنفُ، ثم رغمَ أنفُ من أدركَ أبويه عند الكبرِ أحدُهما أوكلاهما فلم يدخل الجنة ).14 وقال (صلى الله علية وآله وسلم) (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)15 ومن برهما ميتين الدعاء لهما وزيارة صديقهما وإنفاذ وعدهما. إن قصص العقوق التي نسمعها لينفطر لها الفؤاد أسى، وتذوب لها النفس حسرة. أيها المحروم برهما إن العقوق من الكبائر، بل لا يدخل الجنة عاق، ويحُرم التوفيق في الدنيا، وربما عُجلت له العقوبة، وربما ابتلي بأولاده فالجزاء من جنس العمل. أبو هريرةَ كان لا يخرج ولا يدخل حتى يسلم على أمة وكان يحملها وينزلها فقد كانت كبيرة مكفوفة. وابنُ الحنفيةَ يغسلُ رأسَ أمهُ ويمشُطُها ويقبلُها ويخدمُها. وكان علي أبنُ الحسين من أبرِ الناسِ بأمه، فكان لا يأكلُ معها فسأل فقال: ( أخاف أن تسبقَ عينُها إلى شيءٍ من الطعامِ وأنا لا أعلم به فأكلُه فأكونُ قد عققتُها). وطلبت أم مسعرٍ من ابنها ماءً في ليلةً، فجاء به إليها فوجدها نائمةً. فوقف على رأسِها حتى الصباح. وسألَ عمرُ أبنُ ذرٍ عن برِ ولده به فقال: ما مشى معيَ نهاراً قط إلا كان خلفي، ولا ليلاً قط إلا كان أمامي، ولا رقى على سطح ٍ أنا تحَته. فنستغفرَ اللهَ حالِنا مع آبائِنا، ونعوذ بالله من الحرمان. إليك أيها السامع هذه العناوين السريعة: أنقلها لك من رسالة صغيرة بعنوان (أبناء يعذبون أبناءهم قصص واقعيه). أبن يتهرب من المستشفى حتى لا يتسلم والده. آخر يتخلص من أمه فيرميها بجوار القمامة. آخر يأتي بأبيه الذي بلغ الثمانين إلى دار النقاهة ويقول خذوا أبي عندكم وإذا أردتم شيئا اصلوا علي. وآخر يبخل على أمه بمائة ريال ثمنا لخاتم أعجبها، بل أخذ الخاتم ورماه على طاولة البائع. وابنة تطرد والدة من منزلها. وأخرى غضبت لأنها علمت أن والدتها ستعيش معها. هذه عناوين لقصص واقعية، وتفاصيلها تدمي القلوب وتقرح الأكباد. فإن لله وإنا إليه راجعون. نعوذ بالله من حال هؤلاء. محرومون ومعذبون في الدنيا والآخرة. اللهم اغفر لنا ولوادينا وأجزهم عنا خير الجزاء. اللهم أعنا على برهما، اللهم ارفع درجتَهم وأسكنَهم الفردوس الأعلى برحمتك يا أرحم الراحمين. ومن الناس من حُرم حسن الخاتمة: نسأل الله حسنها، عجيبٌ حالك أيها المحروم، إنك تعلمُ أن الموتَ حقٌ، وأنه نهايةُ الجميعِ، مع ذلك تصرُ على حالِكَ وأنت تسمعُ هذه الكلماتُ مراراً وتكرارا. أيها الأخُ، أيتها الأخت، ليسَ العيبُ أن نخطأ، ولكن العيبَ الاستمرار على الخطأ. أيهما تريدُ أن تموتَ على خيرٍ أو على شر؟ أقولُ هذا لأننا نرى ونسمعُ نهايةُ بعضِ المحرومين، نسأل الله حسن الخاتمة. قال أبنُ القيم في الجواب الكافي : ( ثم أمرُ أخوفُ من ذلك وأدهى وأمر، وهوَ أن يخونَه قلبَه ولسانَه عند الاحتضارِ، والانتقال إلى الله تعالى فربما تعذرُ عليه النطق بالشهادةِ كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين مما أصابهم ذلك.. إلى قوله وسبحان الله، كم شاهد الناس من هذا عبرا، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم ). ثم ذكر رحمه الله اليوم صورا لبعضهم منها : قيل لبعضهم قل لا إله إلا الله فأخذ يهذي بالغناء. وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال كلما أردت أن أقولها فلساني يمسك عنها. ونحن اليوم نشاهد ونسمع ونقرأ صورا كثيرة لسوء الخاتمة منها: أن رجلا ذهب إلى أحد البلاد المعروفة بالفساد، وهناك في شقته شرب الخمر أعزكم الله، قارورة ثم الثانية ثم الثالثة، هكذا حتى شعر بالغثيان، فذهب إلى دورة المياه ليتقيأ. أتدري أيها المحب ماذا حدث له؟ مات في دورة المياه، ورأسه في المرحاض أعزكم الله. ومنها أن شابا كان لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، وكان لا يصلي أضاع طريق الهداية، وعندما نزلت به سكرات الموت قيل له قل لا إله إلا الله، يا لها من لحظات حرجة، كربات وشدائد وأهوال. أتدرون ماذا قال: أخذ يردد أنه كافر بها. نسأل الله حسن الخاتمة. ومنها أن شابا حصل له حادث على إحدى الطرق السريعة. فتوقف بعض المارة لإسعافه فوجدوه يحتضر والموسيقى الغربية تنبعث بقوة من مسجل السيارة. فأطفئوه وقالوا له قل لا إله إلا الله، فأخذ يسب الدين ويقول لا أريد أن أصلي، لا أريد أن أصوم ومات على ذلك والعياذ بالله. يقول أحد العاملين في مراقبة الطرق السريعة، فجأة سمعنا صوت ارتطام قوي. فإذا سيارة مرتطمة بسيارة أخرى، حادث لا يكاد يوصف، شخصان في السيارة في حالة خطيرة. أخرجناهما ووضعناهما ممددين، وأسرعنا لإخراج صاحب السيارة الأخرى فوجدناه قد فارق الحياة. عدنا للشخصين فإذا هم في حالة الاحتضار، هب زميلي يلقنهما الشهادة، لكنا اللسنتهما ارتفعت بالغناء، أرهبني الموقف، وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموت. أخذ يعيد عليهما الشهادتان وهما مستمران في الغناء، لا فائدة. ثم بدأ صوت الغناء يخفت شيئا فشيئا، سكت الأول وتبعه الثاني. فقدوا الحياة لا حراك. يقول لم أرى في حياتي موقفا كهذا، حملناهما في السيارة وقال زميلي إن الإنسان يختم له إما بخير أو بشر بحسب ظاهره وباطنه. قال فخفت من الموت، وأتعضت من الحادثه، وصليت ذلك اليوم صلاة خاشعة. قال وبعد مدة حصل حادث عجيب. شخص يسير بسيارته سيرا عاديا، وتعطلت سيارته في أحد الأنفاق المؤدية إلى المدينة. ترجل عن سيارته لإصلاح العطل في أحد العجلات. جاءت سيارة مسرعة فارتطمت بسيارته من الخلف، سقط مصابا إصابات بالغة فحملناه معنا في السيارة. أتصلنا في المستشفى لاستقباله، شاب متدين في مقتبل العمر يبدو ذلك من مظهره. عندما حملناه سمعناه يهمهم فلم نميز ما يقول، ولكن عندما وضعناه في السيارة وسرنا سمعنا صوتا مميزا. إنه يقرأ القرآن وبصوت ندي، سبحان الله، لا تقول هذا مصاب. الدم قد غطى ثيابه وتكسرت عظامه، بل هو على ما يبدو على مشارف الموت. أستمر يقرأ بصوت جميل، يرتل القرآن، فجأة سكت. التفت إلى الخلف فإذا به رافعا إصبع السبابة يتشهد ثم انحنى رأسه. قفزت إلى الخلف، لمست يده، قلبه أنفاسه لاشيء، فارق الحياة. نظرت إليه طويلا، سقطت دمعة من عيني، أخبرت زميلي أنه قد مات. أنطلق زميلي في البكاء، أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي لا تقف. أصبح منظرنا داخل السيارة مؤثرا. وصلنا إلى المستشفى، وأخبرنا كل من قابلنا عن قصته. الكثير تأثروا، ذرفت دموعهم، أحدهم بعد أن سمع قصته ذهب وقبل جبينه. الجميع أصروا على الجلوس حتى يصلى عليه. أتصل أحد الموظفين بمنزل المتوفى، كان المتحدث أخوه الذي قال عنه: أنه يذهب كل أثنين لزيارة جدته التي في القرية، كان يتفقد الأرامل واليتامى والمساكين. كانت تلك القرية تعرفه، فهو يحضر لهم الكتب والأشرطة، وكان يذهب وسيارته مملوءة بالأرز والسكر لتوزيعها على المحتاجين، حتى حلوى الأطفال كان لا ينساها. وكان يرد على من يثنيه عن السفر، ويذكر له طول لطريق، كان يرد عليه بقوله إنني أستفيد من طول الطريق بحفظ القرآن ومراجعته، وسماع الأشرطة النافعة، وإنني أحتسب إلى الله كل خطوة أخطوها. |
|
#2
|
|||
|
|||
|
يقول ذلك العامل في مراقبة الطريق: كني أعيش مرحلة متلاطمة الأمواج تتقاذفني الحيرة في كل اتجاه بكثرة فراغي وقلة معارفي، وكنت بعيدا عن الله، فلما صلينا على الشاب، ودفناه واستقبل أول أيام الآخرة، استقبلت أول أيام الدنيا، تبت إلى الله عسى أن يعفو الله عما سلف، وأن يثبتني على طاعته، وأن يختم لي بخير. انتهت القصة بتصرف من رسالة لطيفة بعنوان الزمن القادم. قلت صدق ابن القيم لرحمه الله بقوله ( وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبرا، -أي من سوء الخاتمة- والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم). أقولُ كيف يوفقُ لحسنِ الخاتمةِ من حُرم نفسَه الاستقامةَ والطاعةَ لله، فقلبُه بعيدٌ عن الله غافلٌ عنه، عبدٌ لشهوتِه وهواه، اللهم اجعل خير أعمالِنا خواتيمها، وتب علينا إن أنت التواب الرحيم. وهذا موقف آخر، قال أبو عبد الله: لا أعرف كيف أروي قصتي التي عشتها قبل فترة والتي غيرت مجرى حياتي كلها، والحقيقة أنني لم أقرر الكشف عنها إلا من خلال إحساسي بالمسؤولية اتجاه الله عز وجل، ولتحذير بعض الشباب الذي يعصي ربه، وبعض الفتيات الآتي يسعين وراء وهم زائف أسمه الحب، يقول: كنا ثلاثة من الأصدقاء يجمع بيننا الطيش والعبث، كلا بل أربعة فقد كان الشيطان رابعنا، فكنا نذهب لاصطياد الفتيات الساذجات بالكلام المعسول ونستدرجهن إلى المزارع البعيدة، وهناك يفاجئنا بأننا قد تحولنا إلى ذئاب لا ترحم، لا نرحم توسلاتهن بعد أن ماتت قلوبنا ومات فيها الإحساس. هكذا كانت أيامنا وليالينا في المزارع وفي المخيمات والسيارات وعلى الشاطئ. إلى أن جاء اليوم الذي لن أنساه، ذهبنا كالمعتاد للمزرعة، كان كل شيء جاهز الفريسة لكل واحد منا، الشراب الملعون، شيء واحد نسيناه الطعام. وبعد قليل ذهب أحدنا لشراء طعام العشاء بسيارته، كانت الساعة السادسة تقريبا عندما أنطلق. ومرت الساعات دون أن يعود، وفي العاشرة شعرت بالقلق عليه. فانطلقت بسيارتي أبحث عنه، وفي الطريق شاهدت بعض اللسنة النار تندلع على جانب الطريق، وعندما وصلت فوجئت بأنها سيارة صديقي، والنار تلتهمها وهي مقلوبة على حد جانبيها. يقول أسرعت كالمجنون أحاول إخراجه من السيارة المشتعلة، وذهلت عندما وجدت نصف جسده قد تفحم تماما، لكنه كان ما يزال على قيد الحياة. فنقلته إلى الأرض وبعدد دقيقة فتح عينيه وأخذ يهذي النار النار. فقررت أن أحمله بسيارتي وأسرع إلى المستشفى. لكنه قال لي بصوت باكي لا فائدة لن اصل، فخنقتني الدموع وأنا أرى صديقي يموت أمامي. وفوجئت به يصرخ ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ نظرت إليه بدهشة وسألته من هو ؟ قال بصوت كأنه قادم من بئر عميق، الله. أحسست بالرعب يجتاح جسدي ومشاعري وفجأة أطلق صديقي صرخة مدوية ليلفظ أنفاسه الأخيرة. ومضت الأيام لكنا صورة صديقي الراحل وهو يصرخ والنار تلتهمه: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له ؟ وجدت نفسي أتسأل وأنا ماذا سأقول له ؟ وليتساءل كل محروم ماذا سيقول لله ؟ يقول ففاضت عيناي واعترتني رعشة غريبة، وفي نفس اللحظة سمعت المؤذن لصلاة الفجر ينادي: الله أكبر، الله أكبر حيا على الصلاة. أحسست أنه نداء خاص بي يدعوني لأسدل الستار على فترة مظلمة من حياتي، يدعوني إلى طريق النور والهداية، فاغتسلت وتوضأت وطهرت جسدي من الرذيلة التي غرقت فيها لسنوات. أديت الصلاة ومن يومها لم يفوتني فرض واحد. انتهت من رسالة لطيفة بعنوان (للشباب فقط). ولعلَ الكثيرين من المحرومين يتساءلونَ أين الطريقَ وما هو العلاج ؟ وأقولُ العلاجُ ما قالهُ النبي (صلى الله علية وآله وسلم) لسفيانُ أبنُ عبد الله حينما قال يا رسولَ الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنُه أحداً غيرَك؟ فقال له الرسولُ (صلى الله علية وآله وسلم) ( قل آمنتُ بالله ثم أستقم ). فيا أيها المحروم ويا أيتها المحرومة: لنقل كما قال (صلى الله علية وآله وسلم) آمنا بالله ثم لنستقم على طاعة الله ونؤديَ طلب الله عز وجل منا. لزوم الصراط المستقيم من غير ميل عنه يمنة ولا يسرة. يظن بعض السامعين لهذا الكلام أن الاستقامةَ نفلٌ فمن أرادها كان مستقيماً ومن لم ير فلا بأس عليه. وهذا مفهومُ خاطئ، فإن كلَ مسلمٍ مطالبُ بالاستقامةِ، قال تعالى: ( فأستقم كما أمرت ومن تاب معك ). وثمرات الاستقامةِ ثمرا ت عظيمةٌ تدفع صاحبَها إليها إلى الالتزام بشرع الله ومجاهدة النفس. يقول الحق عز وجل ( إن الذين قالوا ربُنا اللهُ ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا، وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أوليائكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم ). ويقول عز وجل ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه، ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ). كم من المحرومين المعذبين ؟ كم من المعذبات المحرومات ؟ من شبابنا ورجالنا وإخواننا وأخواتنا نسأل الله لهم الهداية. لقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف حتى استقاموا على الطريقة ففتحت لهم الأرض التي يغدقون فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق. ثم حادوا عن الطريقة فسلبت منهم خيراتها استلابا. والله يقول (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ). وكلُ ما سبق أيها الحبيبُ من صورِ الحرمان إنما هو بسبب البعدُ عن الاستقامةِ، وينال الإنسان من الحرمان بقدر بعده عن طاعة الله. أخي الحبيب، أيتها الأخت الغالية، قف مع نفسِك لحظاتٍ بعيداً عن الدنيا بذهبها ومناصبِها وقصورِها اجلس مع نفسكَ بعيداً عن الأصحابِ والأولاد. أخلو بنفسك وأسألها لماذا أعيشُ ؟ وماذا أريد ؟ وما هيَ النهاية ؟ من أين أتيت ؟ وإلى أين سأذهب ؟ ولكن إياك أن تكون كذلك البائس المحروم، الشاعر النصراني الذي يقول: جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقا فمضيت وسأبقى سائرا إن شئت هذا أم أبيت كيف جئت ؟ كيف أبصرت طريقي ؟ لست أدري لست أدري. إلى أخر تلك الطلاسم والأسئلة التي يثيرها في قصيدته ( حيرة وتردد). ذهولا يشعر به المحرومون من نعمة الإيمان، أما نحن المسلمون المؤمنون فلا تقلقنا هذه الأسئلة ولله الحمد والمنة، فإننا نجد في ديننا الإجابة المفصلة عليه. إننا نجد في قرءأننا وفي أحاديث نبينا عليه الصلاة والسلام الكلام الشافي الصادق عنها. إن قرءأننا علمنا أننا نعيش لغاية وهدف: ( وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون). فهل أنت تعيش لهدف أيها الأخ الحبيب ؟ وعلمنا أن كل شيء في حياتنا إنما هو لله: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له) فهل كل شيء في حياتك لله ؟ فلا تعملُ إلا ما يرضي الله، ولا نتكلمُ إلا بما يرضي الله، فلا نرضي إلا الله ولو سخطَ الناسُ كلُهم. فنحن نردد كل لحظه : لا إله إلا الله. ونعلم أن من عاش عليها صادقا مخلصا عاش عزيزا سعيدا. وأن من مات عليها صادقا مخلصا مات شهيدا في جنة عرضها السماوات والأرض. إذا فاسمع وأعلم أيها المحروم: إن من يعيش لهدف ومبدأ يتحرك ويعمل ويركع ويسجد ويذهب ويجيء ويحرص على وقته، ولا يجعل دقيقة للفراغ، فإن الفراغ قاتل والعطالة قاتلة، وأكثر الناس هموما وغموما العاطلون الفارغون، إنك يوم تفرغ يدخل عليك الهم والغم والوساوس والهواجس، وتصبح ميدانا لألاعيب الشياطين. أيها الأخ ويا أيتها الأخت: أجعلِ الهم هما واحدا هم الآخرةِ، هم لقاء الله عز وجل، هم الوقوفِ بين يديه: ( يومئذٍ تعرضونَ لا تخفى منكم خافية ). أجعل عملَك خالصاً لوجه الله، احرص على رضاء الله، لا تنتظرَ شكراً من أحد. أيها الأخ ويا أيتها الأخت: ماذا قدمتَ لنفسك، ومذا قدمتي لنفسكي ؟ والله يقول: ( وقدموا لأنفسكم واتقوا الله وأعلما أنكم ملاقوه ) إن من ركبَ ظهرَ التفريطَ والتواني نزلَ به في دار العسرةِ والندامةِ. إذاً فأولُ العلاجٌ التفكير الجاد بطريق الاستقامة والالتزام، فكن صاحبَ هدفٍ، وكن صاحبَ مبدأ لتشعر بقيمة الحياة، وأجعل همكَ دائماً رضاء الله وحده لا رضاء غيره، وطاعةَ الله لا طاعةَ غيره. ومن العلاج وأسباب الاستقامة: إرادة الله الهداية للعبد قال تعالى: ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء ). وبعض الجهال والجاهلات يقولون: ماذا أفعل إذا لم يرد الله هدايتي؟ وأقول هذه شبهة نفسية ومدخل شيطاني لدى كثير من المحرومين، ولإجابة على هذا نقول: لا بد من فعل الأسباب فأطلب الهداية، واسعي لفعل أسبابها وجاهد النفس، وسترى إن شاء الله النتائج، وهكذا كل أمر تريده لا بد معه من فعل الأسباب. أتراك أيها المحروم إذا طلبت النجاح في الامتحان تدرس وتقرأ وتحفظ وتسهر، لو قلنا لك مثلا لا تدر ولا تقرأ ولا تسهر وإن كان الله أراد نجاحك فستنجح، أتوافق على هذا ؟ أتوافقين على هذا ؟ بالطبع لا، إذا لا بد من فعل الأسباب من ترك جلساء السوء، وترك وسائل الفساد والحرص على مجالس الصالحين وكثرة الذكر، والإلحاح بالدعاء بأن يفتح الله على قلبك، وأن يثبتك على طريق الحق. إن رسول الله (صلى الله علية وآله وسلم) كان يكثر في سجوده من قول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، فكيف بي وبك وبمن شابهنا من ضعاف الإيمان. أدعو الله بصدق وبإلحاح أن يرزقك طريق الإستقامة. وها أنت تدعو في اليوم أكثر من سبعة عشر مرة، إن كنت ممن يحافظ على الصلوات المفروضة تقول (اهدنا الصراط المستقيم )، ولكن مع الأسف بدون حضور قلب وبدون تدبر للمعنى. فأصدق مع الله بطلب الهداية، وجاهد النفس فإن الله عز وجل يقول: ( واللذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). إذا فقبل مرحلةِ الهدايةَ لا بدَ من مرحلةِ المجاهدةِ وحبس النفس عن شهواتها، تذكر حلاوةِ الصلة بينك وبين الله يهن عليك مر المجاهدةِ، اعلم إن شرابَ الهوى حلو ولكنه يورث الشرق. فاطلب الهداية من الله بصدق، واحرص على فعل أسبابها لعلك أن تشعر بالسعادة والراحة في الدنيا والآخرة. وأسباب الهداية كثيرة لعلي ألخصها لك بالنقاط التالية، واحرص على فعلها: - كن صاحب هدف وعش لمبدأ واعلم لماذا خُلقت. - اعلم أن إرادة الله فوق كل شيء، لكنها في علم الغيب، فما عليك إلا أن تحرص على الخير وفعل الأسباب للوصول إليه، مع التنبه لحيل النفس ومداخل الشيطان. - الإلحاح الشديد في الدعاء وكثرة ذكر الله. - الحرص على مصاحبة الصالحين ونبذ أهل الفسق والفجور، فإنهم لا يهدئون حتى تكون مثلهم. - مجاهدة النفس ومحاسبتها وهل أنت مستعد للموت أم لا. - أتبع السيئة الحسنة تمحوها، وكل ما وقعت بذنب أو معصية أكثر من فعل الخيرات، تصدق وأطعم المساكين، صلي ركعتين، أحسن إلى الوالدين، أحرص على كل خير، فإن الله عز وجل يقول: ( إن الحسنات يذهبن السيئات ). والرسول (صلى الله علية وآله وسلم) يقول: ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها ). - تب كل ما وقعتَ في ذنب أو معصية، وإياك، إياك من المللَ من التوبةِ ولو تبت من الذنبِ الواحدِ آلف مرةٍ، وأحذر من ضعف النفس وحيل الشيطان، فربما يحدُثك الشيطان أنك منافقٌ أو مخادعٌ لله بكثرةِ توباتك، والمهم أن تكون صادقا في التوبة والندم والإقلاع، وكلما رجعت للذنبِ بضعفٍ النفس أرجع للتوبة. قال الإمام النووي ( باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت التوبة). وأنصحك بقراءة كتاب التوبة في صحيح مسلم لترى الأحاديث في عظم رحمة الله وفرحته بتوبة عبده، وهو غني عني وعنك وعن العالمين جميعا. لكن إياك إياكَ والاغترار بسعة رحمة الله مع الإصرار على المعاصي، واعلم أن الله شديد العقاب كما أنه غفور رحيم. والخلاصة أكثر من الاستغفار والتوبة، واعلم أن خير البشر حبيبنا وقدوتنا (صلى الله علية وآله وسلم) صح عنه أنه كان يستغفر الله في اليوم سبعين مرة، وفي رواية مائة مرة. فكيف بي وبك أيها الحبيب على كثرة ذنوبنا وضعف نفوسنا. فيا أيها الحب، يا أيها الأخوة، أيتها الأخوات: لنكثر من التوبة مهما تكرر الذنب ففي الحديث المتفق عليه من حديث أبو هريرة أن الله عز وجل قال لذلك الرجل الذي تكرر منه الذنب فكرر التوبةَ فقال الُله له: ( علم عبدي أن له ربُ يغفر الذنبَ ويأخذَ به، غفرتُ لعبدي، غفرتُ لعبدي، غفرتُ لعبدي فليفعل ما شاء). وعن عقبة ابن عامر أن رجلا أتى النبي (صلى الله علية وآله وسلم) فقال : ( يا رسول الله إن أحدنا يذنب قال الرسول (صلى الله علية وآله وسلم) يكتب عليه، قال الرجلُ ثم يستغفر منه ويتوب قال يغفرُ له ويتابُ عليه، قال فيعودُ فيذنب، قال الرسولُ يكتب عليه، قال الرجل ثم يستغفر منه ويتوب، قال يغفرُ له ويتابُ عليه، قال فيعودُ فيذنب قال (صلى الله علية وآله وسلم) يكتبُ عليه ولا يملُ اللهُ حتى تملوا ). 16 فيا أخي الكريم: إياك وإهمال التوبة مهما كانت معاصيك والمهم أن تكون جادا في التوبة صادقاً فيها. أغلق أبواب الشيطان، وسد المنافذ، وافعل الأسباب وستجد أثر ذلك على قلبك. حفظك الله ورعاك من كل سوء وأعانك ووفقك للتوبة النصوح. أيها الأخ الحبيب، ويا أيتها الأخت الغالية: لستي بعيدة ، وإنك قريب جدا، إن السعادةَ بالاستقامة وأنت قريب منها، المهم أن يكون عندك العزم والهم الصادق، قال ابن القيم في الفوائد ( أخرج بالعزمِ من هذا الفناءُ الضيق المحشو بالآفاتِ إلى ذلك الفناءَ الرحبِ الذي فيه ما لا عين رأت فهناك لا يتعذر مطلوب ولا يفقد محبوب ) انتهى كلامه. فيا أيها المحب، أرجعِ إلى فطرتِك وإلى الخير في نفسك وستجد أنك قريب من الهداية والهدايةُ قريبةُ منك. فإذا استقام على الهداية ركبنا…..يخضّر فوق هضابنا الإقدام وترف أغصان السعادة فوقنا…..وتزول من اصقاعنا الأسقام إن الدنيا بأموالِها ومناصبها وقصورها لا تستاهل قطرة دمع منك، حتى ولا هما أو زفرة من زفراتك. فالرسول (صلى الله علية وآله وسلم) يقول ( الدنيا ملعونة ملعون ما فيه إلا ذكر الله وما ولاه وعالما ومتعلما) 17. والله عز وجل يقول (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب ). فيا أيها المحب: إن نفسكَ غاليةً، وربما اليومَ أو غدٍ أو بعد غد قالوا مات فلان والموتٌ حق، ولكن شتانَ بين من مات على صلاحٍ وهدايةٍ وبين من مات على فسق وغواية، فإياك والغفلة وطول الأمل والاغترارَ بالصحة. فكم من صحيح مات من غير علة……وكم من سقيم عاش حينا من الدهر ربما تضحك، وتسعد وتنام مسرورا، وقد لا تصبح: يا راقد الليل مسرورا بأوله…….إن الحوادث قد يطرقنا أسحارا فيا أيها الأخ، ويا أيتها الأخت: بادرا إلى الفضائل وسارعا إلى الصفات الحميدة والأفعال الجميلة، وكل ذلك بالأيمان الصادق بالله عز وجل. .نسأل الله عز وجل أن يتوب علينا جميعا، وأن يغفر لنا جميعا، وأن يجعلنا من الصادقين الصالحين المصلحين. اللهم تب علينا توبة صادقة نصوحا. اللهم اغفر لنا وارحمنا برحمتك يا ارحم الراحمين سبحانك اللهم وبحمدك نستغفرك ونتوب إليك. أشهد أن لا إله إلا أنت. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ………………………………………………………………… تم بحمد الله وفضله (اللهم اجعل هذا العمل خاصا لوجهك الكريم ) ……………………………………………………………….. 1//الترمذي والنسائي وأحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. 2/ صحيح مسلم 3/ أحمد والدارمي والطبراني. 4/مسلم 5/ مسلم 6/ الترمذي 7/ ابن حبان وصححه االألباني. 8/ أحمد النسائي أبن ماجة أبن حبان والحاكم وصححه. 9/ احمد الطبري وابن ابي الدنيا، وقال الإلباني اسناده جيد. 10/نتفق عليه 12/مسلم 13/ الترمذي حسن صحيح 14/مسلم 15/متفق عليه 16/ الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري، ووفقه الذهبي، وأخرجه الطبراني. 17/الترمذي مع محبتي لكم أسأل دعاءكم ***أحمد*** |
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |