|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
رجفة قلب.. ومغفرة رب الشيخ أحمد إبراهيم الجوني الخطبة الأولى الحمد لله الذي يفتح للمقبلين أبواب رحمته، ويغسل بدموع الخشية ذنوب عباده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الخوف منه أمانًا، واللجوء إليه نجاة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان أشد الناس لله خشية، وأعظمهم له رجاء، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أولي القلوب الحية والوجوه النضرة. أما بعد.. فيا عباد الله:في زمنٍ تسارعت فيه أنفاس الحياة، وكثر فيه ضجيج الماديات، رانت على القلوب غفلةٌ خفية، وتجرأت النفوس على الخطايا بجرأةٍ عجيبة. وما نبتت هذه الجرأة في القلوب إلا يوم أن نقص فيها وقود "الخوف من الله". إن الخوف من الله ليس سوطًا يطردنا من رحمته، بل هو "أمانٌ" يربط على قلوبنا في زمن الفتن، ودليلٌ يأخذ بأيدينا إلى الجنة في دار العمل هذه، التي تعقبها آخرةٌ وحساب. تأملوا معي يا عباد الله: في هذا المشهد المؤثر الذي يرويه لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ عاش قبلنا؛ غرق في ملذاته، وأسرف على نفسه بالخطايا حتى اسودّت صحائفه. لكنه عندما دنا منه الموت، استيقظ قلبه بغتة، واهتزت أركانه خوفًا من لقاء الله. جمع أولاده وقال بلسان يرتجف: "أيُّ أبٍ كنتُ لكم؟" قالوا: "خيرَ أب". فقال وصيته الغريبة: «إِذَا أَنَا مُتُّ فَاحْرِقُونِي، ثُمَّ اطْحَنُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ» (رواه البخاري ومسلم). وفي رواية: نِصْفَهُ فِي البَرِّ وَنِصْفَهُ فِي البَحْرِ. مات الرجل، ونفّذ الأبناء وصيته برًّا به؛ أُحرقت الجثة، وسُحق الرفات، وذُرَّ الرماد في مهب الريح بين بر وبحر.. ظنًّا منه في غمرة خوفه وجهله أنه قد يفوت على الله! ولكن.. من للمبعثر والمنثور إلا الذي يعلم مثقال الذرة في السموات والأرض؟ بكلمة واحدة: "كُن".. فإذا بالرماد المتفرق يتجمع، وإذا بالرجل واقفًا سويًّا بين يدي الخالق جل جلاله. سأله ربه العليم بكنونات الصدور: «مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟» فأجاب بصدق العبد المنكسر: «خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ». يا لله! لم يناقشه الحساب على ماضي ذنوبه، ولم يؤاخذه على جهله بقدرته حين ظنّ أن الرماد يفوت؛ بل نظر سبحانه إلى تلك "الرجفة" الصادقة التي هزت كيانه خوفًا من الله وتعظيمًا له سبحانه وتعالى.. فما كان من الرب الرحيم إلا أن تداركه برحمته، وغمرهُ بعفوه، فغفر له ذنوبه كلها! نعم يا عبدالله، فإن الخوف الصادق هو بوابتك لسلعة الله الغالية؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وهذا سيد الخاشعين صلى الله عليه وسلم، الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يعيش هذا الوجل حبًا وتعظيمًا، ويقول: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا...» (رواه الترمذي، وحسنه). وكان السلف الصالح يبكون؛ لا لأنهم قصروا في الطاعات، بل خوفًا ألا تُقبل منهم! يقول الحسن البصري -رحمه الله-: «إن المؤمن جمع إحسانًا وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا». وهذا معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يبكي عند موته ويسأله الناس، فيقول: «إنما هما القبضتان؛ قبضة في النار وقبضة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أنا!». أيها الأحبة، النجاة كل النجاة في دموعٍ تسيل في خلوة حياءً من الله؛ فقد سأل عقبة بن عامر رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما النجاة؟" فقال له: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ» (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وهي الدمعة ذاتها التي تظلك تحت ظل عرشه الكريم: «.. وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (متفق عليه). أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين … الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.. أما بعد: اتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الخوف الحقيقي ليس نوبة بكاءٍ عابرة تنتهي بانتهاء الخطبة، ثم نعود بعدها إلى ذنوبنا وشهواتنا. الخوف الذي يريده الله منا هو "الخوف العملي".يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «الْخَوْفُ الْمَحْمُودُ مَا حَجَزَكَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ». هو ذات الخوف الذي تجسد في نبي الله يوسف -عليه السلام- حين تهيأت له المعصية في أبهى صورها وغُلّقت الأبواب وقيل له ﴿ هَيْتَ لَكَ ﴾، فصرخ قلبه قبل لسانه: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾! الخوف الحقيقي: هو الذي يمسك لسانك عن الغيبة والنميمة والكذب حياءً من الله. الخوف الحقيقي: هو الذي يمنعك من ظلم زوجتك، أو أكل أموال الناس، أو عقوق والديك. الخوف الحقيقي: هو الذي إذا زلت فيه قدمك بالخطيئة، دفعك فورًا إلى عتبة الانكسار والتوبة، خوفًا من أن يباغتك الموت وأنت على المعصية. وكلما امتلأ قلب العبد بمعرفة الله، زادت خشيته له؛ ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾. سأل موسى -عليه السلام- ربه: "أيّ عبادك أعلم؟" قال: "أخشاهم" (رواه أبو نعيم في الحلية). فاتقوا الله يا عباد الله، وجددوا الخوف في قلوبكم، فمن خاف الله في الدنيا أمّنه يوم الفزع الأكبر، وخفف عنه كربات الموت والقبور، يوم ﴿ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾. هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (سورة الأحزاب: 56). اللهم صلِّ وسلّم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر. اللهم املأ قلوبنا تعظيمًا لك، وحياءً منك، وإقبالًا عليك. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وتوفنا وأنت راضٍ عنا يا كريم. اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وعافنا واعفُ عنا، واجعلنا من المقبولين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين. عِبَادَ اللَّهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [سورة النحل: الآية 90]، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].
__________________
|
![]() |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |