مختارات من كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" مع تعليق مختصر - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 22-09-2026, 10:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,510
الدولة : Egypt
افتراضي مختارات من كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" مع تعليق مختصر

مختارات من كتاب «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين مع تعليق مختصر» الجزء الأول

للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى

عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)

تمهيد: التفاضل بين الغني الشاكر والفقير الصابر
عُقِدت مناظرة بين فريقين: فريق يرى تفضيل الغني على الفقر، وفريق يرى العكس، حيث أدلى الفريق الثاني بأدلته في ترجيح حال الفقير الصابر على الغني الشاكر، ثم رد عليهم الفريق الأول مفنِّدين ومستدلين بما يرونه الحق.

وقد خلص الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن ميزان التفاضل الحقيقي في الإسلام هو التقوى، فقال: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب»؛ (أخرجه أبو نعيم في (حلية الأولياء) (3/ 100)، والبيهقي في (شعب الإيمان) (5137)).

فليس الغِنى في ذاته موجبًا للفضل، كما أن الفقر في ذاته ليس موجبًا للفضل؛ وإنما يكون الفضل بحسب ما يقوم بالقلب والجوارح من الإيمان والتقوى.

فالغني يُفضَّل بقدر ما يقوم به من الشكر والتقوى، والفقير يُفضَّل بقدر ما يقوم به من الصبر والتقوى. والمؤمن محتاج إلى الصبر والشكر معًا؛ إذ لا يخلو من نعمة تحتاج إلى شكر، ولا من أمر يحتاج إلى صبر.

وقد يغلب أحدهما على الآخر بحسب حال العبد؛ فالغني محتاج إلى الصبر عن المعاصي، وعلى الطاعات، ومع ذلك هو محتاج إلى شكر نعمة الغِنى. والفقير كذلك محتاج إلى الصبر على الفقر، وإلى الشكر على ما بقي له من نعم الله تعالى.

فالمدار ليس على صورة الحال، وإنما على حقيقة العبودية لله تعالى في تلك الحال.

حقيقة الصبر:
قد تقدم بيان معنى الصبر لغةً، وأما حقيقته فهو: «خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يحسُن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها».

وأصل هذه الكلمة هو: المنع والحبس؛ فالصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما.

فالصبر ليس مجرد تحمُّل الألم، وإنما هو ضبط للنفس عند ورود ما تكره، وحمل لها على ما يرضي الله تعالى.

أقوال العلماء في حقيقة الصبر:
1. الصبر تجرُّع المرارة من غير تعبيس:
قيل: «تجرع المرارة من غير تعبيس»؛ أي: أن يتحمل العبد مرارة البلاء من غير أن تظهر عليه أمارات السخط والاعتراض.

2. الصبر التباعد عن المخالفات:
وقيل: «هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرُّع غصص البلية، وإظهار الغِنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة».

فالصابر يجمع بين أمرين: ترك ما نهى الله عنه، والثبات عند نزول المكاره.

3. الصبر حسن الأدب مع البلاء:
وقيل: «الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب»، وهذا من أجمع التعريفات؛ لأن حقيقة الصبر ألَّا يحمل البلاءُ العبدَ على قول أو فعل لا يليق بالعبودية.

4. الصبر غِنى القلب عند البلاء:
وقيل: «هو الغِنى في البلوى بلا ظهور شكوى»؛ أي: أن يكون القلب مستغنيًا بالله تعالى، ثابتًا به، فلا تتحوَّل المصيبة إلى اعتراض وسخط.


5. الصبَّار ومواجهة المكاره:
«الصبار هو الذي عوَّد نفسَه الهجوم على المكاره»، فالصبر لا يكون بالتمني، وإنما بتربية النفس وتعويدها احتمالَ المكاره والثبات عندها.

الصبر في البلاء والشكر في العافية:
وقيل: «الصبر المقام على البلاء بحسن الصحبة، كالمقام مع العافية». ومعنى هذا أن لله تعالى على عبده عبوديةً في عافيته وبلائه؛ فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر، وأن يحسن صحبة البلاء بالصبر.

وهذا يبين أن العبودية لله تعالى لا تختص بحال دون حال، بل المؤمن عبدٌ لله في السراء والضراء، والعافية والبلاء.

الصبر والثبات مع الله:
وقيل: «الصبر هو الثبات مع الله سبحانه وتعالى، وتلقي بلائه بالرحب والدعة»؛ أي: أن يستقبل العبد البلاء بصدر واسع، من غير أن يستولي عليه الضيق والسخط والشكوى.

وقيل: «الصبر الثبات على أحكام الكِتاب والسُّنَّة». وهذا يشمل الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على أقداره المؤلمة.

وقيل: «الصبر ترك الشكوى». وهذا تفسير للصبر بلازمه؛ لأن من كمال الصبر أن يحبس العبد لسانَه عن الشكوى التي تدل على التسخُّط والاعتراض.

وقيل: «الصبر هو الاستعانة بالله». فالعبد لا يستقل بنفسه في الصبر، وإنما يستمد قوَّته من الله تعالى؛ ولهذا كان من أعظم أسباب الصبر صدق الالتجاء إلى الله.

وقيل: «الصبر كاسمه»؛ أي: إن حقيقته موافقة لاسمه، فهو حبس للنفس ومنع لها عمَّا لا ينبغي.

الصبر والثبات في أحوال العبد:
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «الصبر مطيَّة لا تكبو»؛ أي: إن الصبر وسيلة تُعِين العبد على السير في طريقه، وتمنعه من السقوط عند ورود المكاره.

وقيل: «الصبر ألَّا يفرق بين حال النعمة والمحنة مع سكون الخاطر فيهما».

قال ابن القيم رحمه الله: «قلت: وهذا غير مقدور ولا مأمور به».

فقد ركَّب الله الطباع على التفريق بين حال النعمة والمحنة، وليس المطلوب من العبد أن تتساوى عنده العافية والبلاء من جهة الإحساس والطبع، وإنما المطلوب أن يحبس نفسه عن الجزع والسخط.

وساحة العافية أوسع للعبد من ساحة الصبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه المشهور: «إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي».

ولا يناقض هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر». فهذا بعد نزول البلاء؛ إذ إذا نزل البلاء فليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبل نزوله فالعافية أوسع له.

حد الصبر وموقفه من الشكوى:
قال ابن القيم رحمه الله: «حد الصبر ألَّا يعترض على التقدير، فأما إظهار البلاء على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر».

فحقيقة الصبر ليست في إخفاء آثار البلاء بالكُليَّة، وإنما في عدم الاعتراض على قضاء الله وقدره.

قال الله تعالى في قصة أيوب عليه السلام: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾ [ص: 44]، مع قوله: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾ [الأنبياء: 83].

فإخبار العبد بما نزل به من الضرر لا ينافي الصبر إذا لم يكن المقصود به الاعتراض والسخط.

الشكوى نوعان:
الشكوى نوعان:
أولًا: الشكوى إلى الله تعالى
وهذه لا تنافي الصبر، بل قد تكون من كمال العبودية والافتقار إلى الله.

قال يعقوب عليه السلام: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]، ومع ذلك قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 18].

وقال أيوب عليه السلام: ﴿ مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83].

ووصفه الله تعالى بالصبر.

وقال سيد الصابرين صلى الله عليه وسلم: «اللهم أشكو إليك ضعف قوَّتي وقِلَّة حيلتي...» إلخ.

فالشكوى إلى الله هي إظهار الافتقار إليه والاستعانة به، وليست اعتراضًا عليه.

ثانيًا: الشكوى إلى الخلق
وهي شكوى المبتلى بلسان الحال أو المقال على وجه التسخُّط والجزع، فهذه لا تجامع الصبر، بل تنافيه وتضعفه.

فالفرق بين النوعين أن الأول افتقار إلى الله، والثاني قد يكون اعتراضًا على قدر الله أو جزعًا منه.

الصبر شجاعة وثبات:
وقيل: «الصبر شجاعة النفس»، ومن هنا أخذ القائل قوله: «الشجاعة صبر ساعة».

وقيل: «الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب»، فالشجاع ليس من لا يخاف ولا يتألم، وإنما الشجاع من يملك نفسه عند الخوف والألم، ويحملها على ما يرضي الله تعالى.

الصبر والجزع:
الصبر والجزع ضدان؛ ولهذا يقابل أحدهما بالآخر.

قال الله تعالى عن أهل النار: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [إبراهيم: 21].

والجزع قرين العجز وشقيقه، والصبر قرين الكيس ومادته.

فلو سُئل الجزع: من أبوك؟ لقال: العجز.

ولو سُئل الكيس: من أبوك؟ لقال: الصبر.

وهذا تصوير بليغ يبين أن الجزع لا يحل المشكلة، وإنما يزيد العبد ضعفًا وعجزًا، بينما الصبر يمنحه قوةً وبصيرةً وقدرةً على التعامُل مع البلاء.

الصبر زمام النفس:
النفس مطيَّة العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار.

والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطية؛ فإن لم يكن للمطية خطام ولا زمام شردت في كل مذهب.

وهذا من أبلغ ما قيل في بيان أثر الصبر؛ فإن النفس بطبيعتها تميل إلى العجلة، والجزع، والشهوة، والغضب، فإذا لم يضبطها الصبر اندفعت بصاحبها إلى ما لا تحمد عُقْباه.

أما إذا أمسك العبد زمام نفسه بالصبر، وألزمها طاعة الله، ومنعها من الجزع والمعصية، سارت به إلى مرضاة الله تعالى.

خلاصة:
يتبين من مجموع هذه الأقوال أن الصبر ليس مجرد احتمال الألم، وإنما هو عبودية قلبية وسلوكية تقوم على حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التسخُّط، والجوارح عن أفعال الجاهلية، والثبات على طاعة الله، والامتناع عن معصيته، وحسن الأدب مع أقداره.

ومن ثم فالصبر ليس خُلُقًا يحتاج إليه الفقير وحده، بل يحتاج إليه الغني والفقير، والصحيح والمريض، والمعافى والمبتلى؛ لأن المؤمن لا يستغني عن الصبر في حال من أحواله، كما لا يستغني عن الشكر في نعمه.

فإذا اجتمع للعبد الصبر عند البلاء والشكر عند النعماء استقامت له العبودية، وكان في جميع أحواله على خير.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم يوم أمس, 02:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,510
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" مع تعليق مختصر

مختارات من كتاب «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين مع تعليق مختصر»2

للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى

عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)




أسماء الصبر وأقسامه ومراتبه:
لما كان الصبر المحمود هو الصبر النفسي الاختياري عن إجابة داعي الهوى المذموم، كانت مراتبه وأسماؤه بحسب متعلقه.

فإن كان عن شهوة الفرج المحرمة سُمِّي عفة، وعن فضول العيش زهدًا، وعن القدر الكافي من الدنيا قناعة، وعن داعي الغضب حلمًا، وعن داعي العجلة وقارًا وثباتًا، وعن داعي الفرار شجاعة، وعن داعي الانتقام عفوًا وصفحًا، وعن داعي الإمساك جودًا، وعن داعي الطعام والشراب في وقت مخصوص صومًا.

فله عند كل فعل وترك اسم يخصه بحسب متعلقه، والاسم الجامع لذلك كله الصبر، وهذا يدل على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر.

والفرق بين الصبر والتصبُّر والاصطبار والمصابرة: أن الصبر إذا كان خُلُقًا ومَلَكةً سُمِّي صبرًا، وإن كان بتكلُّف وتمرُّن سُمِّي تصبُّرًا، فإذا تكَلَّفه العبد واستدعاه صار سجيةً له.

والاصطبار أبلغ من التصبُّر، فالتصبر مبدأ الاصطبار. وأما المصابرة فهي مقاومة الخَصْم في ميدان الصبر، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].

والصبر ضربان: بدني ونفساني، وكل منهما اختياري واضطراري؛ فالبدني الاختياري كتعاطي الأعمال الشاقة، والبدني الاضطراري كالصبر على ألم المرض والجراحات، والنفساني الاختياري كصبر النفس عن فعل ما لا يحسن فعله شرعًا ولا عقلًا، والنفساني الاضطراري كصبر النفس عن محبوبها قهرًا.

وهذه الأقسام مختصة بنوع الإنسان دون البهائم، ومشاركة للبهائم في نوعين منها، وهما صبر البدن والنفس الاضطراريان.

والجن مكلفون بالصبر على الأوامر والصبر عن النواهي.

وأما الملائكة فلهم صبر يليق بهم، وهو ثباتهم وإقامتهم على ما خُلِقوا له من غير منازعة هوًى أو شهوة.

والإنسان إذا غلب صبرُه باعثَ الهوى والشهوة التحق بالملائكة، وإنْ غلب باعثُ الهوى والشهوة صبرَه التحق بالشياطين، وإنْ غلب باعثُ طبعه من الأكل والشرب والجِماع صبرَه التحق بالبهائم.

وقد جعل الله في الإنسان قوة القبول والتعلم، فلا يزال يتكلَّف التصبُّر حتى يصير الصبر له سجيةً، وإذا أشرق عليه نورُ الهداية والنبوَّة والرسالة وقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى وداعي العقل والهدى، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله.

وخلاصة القول:
أن الصبر أصلٌ عظيمٌ تجتمع فيه كثيرٌ من مقامات الدين، وتختلف أسماؤه ودرجاته باختلاف ما يتعلَّق به. وهو ليس مجرد تحمُّل للمشاقِّ، بل مجاهدة للنفس وحمل لها على ما فيه رضا الله تعالى، حتى يصبح الصبر خُلُقًا راسخًا وسجيةً ثابتةً. وبقدر ما يقوى صبر العبد على هواه وشهوته، يقوى ثباتُه على الطاعة والاستقامة، ويكون أقربَ إلى الفلاح.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم يوم أمس, 02:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,510
الدولة : Egypt
افتراضي رد: مختارات من كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" مع تعليق مختصر

مختارات من كتاب «عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين مع تعليق مختصر» (3)

عاقب أمين آهنغر (أبو يحيى)

بيان أقسام الصبر:
الصبرُ بحسب اختلاف قوته وضعفه ومقاومته لجيش الهوى وعجزه عنه وباعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى، له ثلاث أحوال:
أحدها: أن يكون القهر والغلبة لداعي الدين، فيرد جيش الهوى مغلولًا، وهذا إنما يصل إليه بدوام الصبر، والواصلون إلى هذه الرتبة هم المنصورون في الدنيا والآخرة، وهم ﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾ [فصلت: 30]، وهم الذين تقول لهم الملائكة عند الموت: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [فصلت: 30، 31].

الحالة الثانية: أن تكون القوة والغلبة لداعي الهوى، فيسقط منازعه باعث الدين بالكُليَّة، فيستسلم البائس للشيطان وجنده، فيقودونه حيث شاءوا. وله معهم حالتان: أن يكون من جندهم وأتباعهم، وهذه حال العاجز الضعيف، أو أن يصير الشيطان من جنده، وهذه حال الفاجر القوي المتسلط والمبتدع الداعية المتبوع.

وهذه الحالة هي حالة جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء، وجند أصحابها: المكر والخداع والأماني الباطلة والغرور والتسويف بالعمل وطول الأمل وإيثار العاجل على الآجل، وهي التي قال في صاحبها النبي صلى الله عليه وسلم: «الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسهُ هَواها، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّه الْأَمانِيَّ».

الحالة الثالثة: أن يكون الحرب سجالًا ودولًا بين الجندين، فتارةً له وتارةً عليه، وتكثر نوبات الانتصار وتقل، وهذه حال أكثر المؤمنين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا.

وتكون الحال يوم القيامة موازنة لهذه الأحوال الثلاث: فمن الناس من يدخل الجنة ولا يدخل النار، ومنهم من يدخل النار ولا يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار ثم يدخل الجنة.

ومن الناس من يصبر بجهد ومشقة، ومنهم من يصبر بأدنى حمل على النفس. فمن اعتاد الصبر هابه عدوُّه، ومن عز عليه الصبر طمع فيه عدوُّه وأوشك أن ينال منه غرضه.

في ذكر أقسامه باعتبار متعلقه:
الصبر باعتبار متعلقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخَّطها.

وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبدالقادر في فتوح الغيب: «لا بُدَّ للعبد من أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يصبر عليه».

فمرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.

وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾ [لقمان: 17].

وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 22].

ثم جمع لهم سبحانه ذلك كله في أصل واحد هو الصبر، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ [الرعد: 22]، ثم ذكر لهم ما يعينهم على الصبر وهي الصلاة، فقال: ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ [الرعد: 22].

وهذان هما العونان على مصالح الدنيا والآخرة: الصبر، والصلاة، فقال تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153].

ثم ذكر سبحانه إحسانهم إلى غيرهم بالإنفاق سرًّا وعلانيةً، وحالهم إذا جُهِل عليهم وأُوذوا، أنهم لا يقابلون ذلك بمثله بل يدرءون بالحسنة السيئة، فقال: ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ [الرعد: 22]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسنَةَ تَمْحُها».

والمقصود أن هذه الآيات تناولت مقامات الإسلام والإيمان كلها، واشتملت على: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور.

وقد ذكر تعالى هذه الأصول الثلاثة في قوله: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ [آل عمران: 125]، وقوله: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ ﴾ [يوسف: 90]، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200].

فكل موضع قرنت فيه التقوى بالصبر اشتمل على الأمور الثلاثة، فإن حقيقة التقوى: فعل المأمور وترك المحظور.

خلاصة القول:
وبهذا يتبيَّن أن الصبر ملازم للعبد في جميع أحواله؛ فهو الذي يُعينه على امتثال الأوامر، ويحجزه عن المحرمات، ويثبته عند نزول المكروهات. وكلما قوي إيمانُ العبد وقويت صلته بربِّه، كان أقدر على مجاهدة هواه والثبات على الحق؛ ولذلك كان الصبرُ من أعظم ما يحتاج إليه المسلم في سيره إلى الله؛ إذ لا يستقيم له أمر دينه إلا به.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 71.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 69.37 كيلو بايت... تم توفير 2.60 كيلو بايت...بمعدل (3.61%)]