|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
جرائم باسم الدين: بين ثقافة الخضوع وضرورة التصحيح محمد حسين حسن بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. مقدمة: عندما يصبح الدين أداة للظلم: إن أعظم ما ابتُليت به الأمة الإسلامية ليس الكفرَ أو الإلحاد من الخارج، بل توظيف الدين نفسه من بعض المنتسبين إليه لتبرير الظلم والأذى والضرر، باسم البر وصلة الرحم والطاعة والصبر، فيستخدم أعظم ما أنزل الله لتحقيق أسوأ ما نهى الله عنه. والدين بريء من ذلك كله. أولًا: غياب المعروف في طاعة الناس: قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في بيعة النساء: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴾ [الممتحنة: 12]. تأمل: لم يقل ولا يعصينك فقط، بل قيد الطاعة بـالمعروف، مع أن المخاطب هو النبي المعصوم المؤيد بالوحي. لماذا؟ لتقطع الطريق على كل من يأتي بعد النبي ممن يريدون طاعة عمياء لا تسأل ولا تمحص، ليقول الله لكل جبار مستبد: لا تُطاع إلا في المعروف، ولكل مأمور مقهور: لا تطِع إلا في المعروف. فكيف بنا نحن؟ يُطاع الآباء في ظلم الأبناء، ويطاع الأزواج في قطع أرحام الزوجات، ويطاع المشايخ في تبرير الإيذاء باسم الدين؟ ثانيًا: العبودية لله لا للبشر: الإسلام دين العزة لا الذل، دين المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، دين ينهى عن تخطي رقاب المصلين لأنه أذًى، ويأمر بإماطة الأذى عن الطريق، فكيف بالأذى عن القلوب والأبدان والأعراض؟ تأمل هذه المفارقات العجيبة: • الشريعة منعت آكل الثوم والبصل من حضور الجماعة لعدم إيذاء المصلين، ولم تقل للمتأذين: اصبروا وتحملوا. • الشريعة منعت الحاج من مزاحمة الحجر الأسود إذا كان يؤذي غيره حفاظًا على عدم الأذى، ولم تقل: الحجر أعظم، تحملوا الأذى من أجله. • الشريعة نهت عن تخطي الرقاب يوم الجمعة لأنه أذى، ولم تقل: الجمعة أفضل، اصبروا على من يتخطاكم. ثم تأتي بعد ذلك فيشرع تقبل الإهانة المستمرة، والظلم المتعمد، وانتهاك الحدود الشخصية، وتدمير النفس باسم الصبر وبر الوالدين وطاعة الزوج وستر الإخوة؟ أين المنطق؟ وأين الدين؟ ثالثًا: حين يُقرأ النص في غير موضعه: كم سمعنا من يقول للمظلوم: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ [يوسف: 92]، متناسيًا أن يوسف عليه السلام قالها بعد أن جاء إخوته نادمين معترفين بخطئهم طالبين المغفرة، لا بعد أن استمروا في الظلم والإيذاء! وكم سمعنا من يقول: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190]، لمن يدفع الظلم عن نفسه، متناسيًا أن الله قال أيضًا: ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [الشورى: 41]! نعم، العفو مأجور، لكن العفو الذي يزيد الطغيان ظلمًا ليس بعفو مشروع، بل هو إعانة على الإثم؛ قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: "العفو لا يكون خيرًا إلا إذا كان فيه إصلاح، فإذا أساء إليك شخص معروف بالإساءة والتمرد والطغيان على عباد الله فالأفضل ألا تعفو". رابعًا: بر الوالدين أم طاعتهما؟ الخلط المدمر: لقد دُمرت أجيال بفهم خاطئ لرضا الوالدين، لم يعرف كثيرون الفرق بين بر الوالدين وطاعة الوالدين: · البر: هو الإحسان إليهما، ورعايتهما، وعدم عقوقهما، وصحبتهما بالمعروف. · الطاعة: تكون فيما أمراك به، ما دام في معروف. فإذا أمرك أبوك بترك الصلاة فلا تطعه، وإذا أمرك بطلاق زوجتك الصالحة بلا سبب فلا تطعه، وإذا منعك من زيارة أمك أو صلة رحمك فلا تطعه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هل تعلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتاه أب يشكو عقوق ابنه؟ فسأل الابن: ما حق الولد على أبيه؟ قال: يحسن اسمه، ويحسن اختيار أمه، ويعلمه الكتاب، قال الابن: يا أمير المؤمنين، إن أبي لم يفعل شيئًا من ذلك، فالتفت عمر إلى الأب وقال: عققت ولدك قبل أن يعقك. عمر لم ينظر إلى موقع الأب، بل نظر إلى أفعاله، فهل نحن أعلم من عمر؟ خامسًا: المؤذي في الأسرة... عدو وليس وليًّا: لقد حذرنا الله تحذيرًا صريحًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ﴾ [التغابن: 14]. نعم، عدو وليس وليًّا، فلماذا نصر على تقديس مواقع الأسرة كأنها تمنح صاحبها حصانة ضد المساءلة؟ ولماذا نتعامل مع الأب أو الأم أو الزوج أو الأخ وكأنهم فوق النقد والمحاسبة، حتى لو دمروا حياة من تحت أيديهم؟ موقعك في الأسرة ليس جواز مرور للظلم، ولن يحميك يوم القيامة من سؤال الله عن كل دمعة سببتها، وكل إهانة أذقتها، وكل حرمة انتهكتها، وكل حدود شخصية خرقتها. سادسًا: الإيذاء حرام... ولو بالكلمة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله))؛ [رواه السيوطي وحسنه]. وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 58]. الإيذاء العاطفي كالإيذاء البدني، وربما أشد ألمًا وأعمق جرحًا، وآلام النفس تُسأل عنها يوم القيامة كما تُسأل عن آلام الجسد، بل ربما أكثر، وكسر الخواطر ليس بالأمر الهين عند الله. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ فقط عن الغش والكذب والنميمة والغيبة، بل نهى عن تناجي اثنين دون الثالث لأنه يؤذي نفس الثالث، ونهى عن خطبة الرجل على خطبة أخيه لأنه يكسر قلبه، فكيف بمن يصر على إيذاء غيره يومًا بعد يوم، ويبرر ذلك باسم الدين أو القرابة أو المكانة الاجتماعية؟ سابعًا: الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا بالمكانة: عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم))؛ [رواه البخاري]. لاحظ: لم يأمرهم بالسكوت عن حقوقهم، بل أمرهم بأداء ما عليهم أولًا، ثم طلب حقوقهم من الله ثانيًا، وحديث: ((كيف يقدس الله أمةً لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم؟))، يدل على أن من علامات قبول الأمة قدسيتها أن يؤخذ للضعيف حقه من القوي. فكيف بمن يطلب منه أن يترك حقه كله، ويقبل الظلم باسم الدين؟ أهذا هو دين العزة، أم دين صنعته ثقافة الخضوع والاستبداد؟ ثامنًا: أنزل الله سورًا لأجل أذى كلمة: تأمل رحمة الله بخلقه: · أنزل سورة النور بكاملها لأن عائشة رضي الله عنها تأذت من كلمة واحدة قيلت فيها. · أنزل سورة المجادلة لأن خولة بنت ثعلبة تأذت من كلمة قالها زوجها: أنتِ عليَّ كظهر أمي. · وأنزل آية: ﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الأحزاب: 53]، لأن النبي صلى الله عليه وسلم تأذى من تصرف بعض الصحابة، فلم يقل الله له: تحمل، بل أخبره أن الله لا يستحيي من الحق، وأنزل قرآنًا يزيل الأذى. فإذا كان الله ينزل وحيًا من السماء لأجل أذى كلمة، فمن أين جاء من يقول للمتأذي: اصبر وتحمل، هذا ابتلاء، هذا من رضا الله؟ هل الابتلاء أن يظلمني إنسان متعمدًا باستمرار وبلا رادع، أم الابتلاء أن أصبر على مرض أو فقر لم يصنعه أحد بسوء نية؟ تاسعًا: وأخيرًا... جريمتنا أننا نحاول الإصلاح: العجيب أن أول من يصد المصلحين الذين يحاولون تصحيح هذه المفاهيم هم رجال الدين أنفسهم، وبنفس الأدوات: ترهيب، وتكفير، وتفسيق، وتخوين، وتبرير، وتمرير، وتدليس، وتلبيس، فيتخذون من الدين سلمًا للمنصب، ومن النصوص جدرانًا للسلطان، ومن وعظ الناس تبريرًا لبقائهم على رأس الهرم لا يتحركون ولا يحركون. كم من شيخ جريح قيل له: عيب عليك يا شيخ، عيب على دقنك؟ فظلموه وأذوه ونهبوا حقه، وإذا تكلم قيل: أنت شيخ، المفروض تصبر وتحتسب! وينسى أن الشيخ إنسان قبل أن يكون شيخًا، يحب ويكره، ويتألم ويتأذى، وله حق في الدفاع عن نفسه وكرامته وحدوده، مثل أي إنسان آخر، ليس قطعة جماد، ولا قديسًا معصومًا، ولا ملائكة مكرمة، بل هو بشر من طين يخطئ ويصيب، يؤذى ويتأذى، وله الحق في رد الأذى بقدره، وفي المطالبة بحقه كاملًا. خاتمة: بين ثقافتين: خلاصة القول: هناك ثقافتان متنافستان: الثقافة الأولى: ثقافة الانقياد الأعمى، وتقبل الأذى باسم الدين، وتقديس المواقع بغض النظر عن الأفعال، وتبرير الظلم تحت أي شعار: بر، صلة رحم، طاعة، صبر، سماحة، كرم أخلاق، وهذه الثقافة ليست من الإسلام في شيء، بل هي من تراكمات الجاهلية والاستبداد والتخلف. الثقافة الثانية: ثقافة العزة الإسلامية، التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتأخذ الحق وتعطيه، وتدفع الأذى ولا تقبله، وتحاسب الجميع على أفعالهم مهما كانت مواقعهم، وتجعل الميزان هو التقوى والعمل الصالح لا الأنساب والألقاب، وهذه هي ثقافة القرآن والسنة وفهم السلف الصالح. وإن أعظم جريمة في حق الدين هي استخدامه لكسر العباد لا لتحريرهم، لإخضاعهم لا لرفعهم، لتبرير الظلم لا لمحاربته. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه من لا يزكي نفسه، ولكن لا يسعه الصمت، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.
__________________
|
![]() |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |