سلسلة الأخلاق الإسلامية - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         وصفات طبيعية لتقشير الوجه والجسم.. من تفل القهوة لـ دقيق الشوفان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          طريقة عمل ماسك منزلى للشعر الجاف بعد التعرض للشمس والبحر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          التربية اللطيفة مش دلع.. 5 مفاهيم خاطئة يحتاج الآباء لمعرفتها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          طريقة عمل آيس كريم المانجو فى المنزل بدون ماكينة.. وصفة صيفية سهلة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          وصفات طبيعية لعلاج مشكلة قشرة الرأس.. خطواتها بسيطة وآمنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          طريقة عمل معجون أسنان طبيعى لتقوية الأسنان واستعادة لونها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          بشرتك مرهقة رغم استخدام منتجات غالية؟ 7 أخطاء يومية قد تكون السبب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          نحن والشيطان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          مشغول في العمل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          عرض كتاب: الدراسات المستقبلية وأهميتها للدعوة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى حراس الفضيلة
التعليمـــات التقويم

ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 18-09-2026, 04:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,471
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة الأخلاق الإسلامية

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. العزم والعزيمة قوة القلب التي تحوِّل المعرفة إلى عمل


  • العزيمة خُلُق إيماني وسلوكي يجمع بين وضوح الغاية وقوة القرار ومباشرة السبب والصبر حتى تمام العمل
  • لا يمدح الإسلام قوة الإرادة لذاتها وإنما يمدح العزيمة إذا اتجهت إلى الرشد والخير
  • تظهر العزيمة أول ما تظهر في المحافظة على الفرائض ولا سيما حين تزاحمها الشواغل أو يثقلها الفتور
ليس صاحب العزيمة من لا تعترضه المشقة، بل من يعرف وجهته، ويستعين بربه، ويبدأ بما يستطيع، ثم يثبت كلما دعاه الطريق إلى التراجع، والذي يغيّر الحياة حقًّا هو العزم؛ فكم من إنسان عرف الخير ولم يفعله! وأبصر الطريق ولم يسلكه! وامتلك القدرة ثم بددها التردد والتسويف! وكم من آخر بدأ بإمكانات قليلة، فلما صدق قصده، واستعان بالله، وثبت على العمل، فتح الله له أبوابًا لم تكن تخطر له على بال.
والعزيمة خُلُق إيماني وسلوكي يجمع بين وضوح الغاية، وقوة القرار، ومباشرة السبب، والصبر حتى تمام العمل، وهي لا تعني أن يندفع المرء بلا بصيرة، ولا أن يتشبث برأيه بعد ظهور خطئه؛ فالعزيمة المحمودة هي العزيمة على الرشد، يقودها العلم، وتسبقها المشورة، ويصحبها التوكل، ويحرسها الصبر.
ما العزم؟
العزم في اللغة يدل على القصد المؤكد والجد والقطع في الأمر. يقال: عزم على الشيء؛ إذا عقد قلبه عليه وقصد إمضاءه. وقال الخليل بن أحمد: «العزم ما عُقد عليه القلب من أمر أنت فاعله». وقال الراغب الأصفهاني: هو «عقد القلب على إمضاء الأمر», عليه فالعزم ليس مجرد خاطر يمر بالنفس، ولا رغبة تستحسن الخير من بعيد، وإنما هو انتقال من التمني إلى القرار، ومن القرار إلى التنفيذ، وقد تبدأ الحركة بإرادة، ثم يقوى الميل فيصير همًّا، فإذا استقر القصد وتهيأ صاحبه للعمل صار عزمًا. أما الهمة فهي مقدار ما يطلبه الإنسان وعلو غايته؛ فقد تكون همته عالية، ولكنها تظل حلمًا إن لم تسندها عزيمة.
والحزم غير العزم وإن تقاربا؛ فالحزم جودة النظر في العواقب، وضبط الأمر قبل الإقدام، والعزم قوة المضي بعد تبين الصواب. وبعبارة جامعة: الحزم يحسن الاختيار، والعزم يحسن التنفيذ. ومن كمال المؤمن أن يجمع بين بصيرة تمنعه من التهور، وإرادة تمنعه من العجز.
العزيمة التي يريدها الإسلام
لا يمدح الإسلام قوة الإرادة لذاتها؛ فقد يعزم الإنسان على باطل، أو يصر على رأي ظهر فساده، وإنما يمدح العزيمة إذا اتجهت إلى الرشد والخير؛ ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد»؛ فقيّد العزيمة بالرشد؛، لأن القوة بلا هداية قد تفسد، كما أن المعرفة بلا عزيمة تبقى عاجزة عن صناعة الأثر، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران: 159)، ترسم هذه الآية منهج القرار الراشد: لين في القيادة، وعفو واستغفار، ثم مشاورة تجمع الخبرات، ثم عزم ينهي التردد، ثم توكل يحرر القلب من الخوف. فليس العزم إلغاءً للمشورة، وليس التوكل تركًا للأسباب؛ بل إذا بُحث الأمر، واستُشير أهل الخبرة، واستخير الله، وظهر وجه الصواب، جاء وقت الإمضاء بلا تردد مستنزف.
العزم في القرآن: صبر ومسؤولية وثبات
يربط القرآن العزم بالمواقف التي تحتاج إلى قوة داخلية طويلة النفس، لا إلى حماسة مؤقتة. قال -تعالى-: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(آل عمران: 186)، فالصبر على الابتلاء، والتقوى عند الاستفزاز، والثبات أمام الأذى من أعمال القلوب الكبيرة. وفي وصايا لقمان لابنه اجتمعت العبادة والإصلاح والصبر:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(لقمان: 17).
وتبلغ قوة العزم ذروتها حين يملك الإنسان القدرة على الرد ثم يختار ما هو أزكى لقلبه وأصلح لعلاقاته: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}(الشورى: 43)، فالعفو ليس ضعفًا في الإرادة، بل قد يحتاج إلى عزيمة أشد من الانتقام؛ لأنه مقاومة لغضب النفس، وتقديم لمرضاة الله وحسن العاقبة.
ومن أجل هذا مدح الله صفوة رسله بقوة الصبر والثبات، فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35). لقد طال طريقهم، واشتد تكذيب أقوامهم، ومع ذلك لم يحملهم بطء الثمرة على اليأس، ولا الأذى على ترك الرسالة. وهذا هو الفارق بين أمنية تستعجل النتائج، ورسالة يحملها صاحبها حتى يؤدي أمانتها.
المنهج النبوي في صناعة العزيمة
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز»، يجمع هذا الحديث القصير برنامجًا كاملًا لبناء الإنسان القوي:
  • «احرص على ما ينفعك»: اختر غاية نافعة تستحق وقتك، ولا تبدد قوتك في أهداف صغيرة أو أعمال لا ثمرة لها. والحرص طاقة مركزة؛ فإذا توزعت النفس بين مقاصد كثيرة ضعفت عن بلوغ شيء منها.
  • «واستعن بالله»: لا تغتر بقدرتك ولا تعتمد على نفسك وحدها. خذ بالأسباب، واسأل ربك التوفيق والتثبيت؛ فالعبد يعزم، ولكن الله هو الذي يهب القوة ويفتح الطريق ويبارك العمل.
  • «ولا تعجز»: لا تستسلم للكسل، ولا تجعل الخوف من الفشل عذرًا لعدم البداية. وإذا فاتك شيء بعد بذل السبب، فلا تستهلك قوتك في الحسرة؛ بل تعلم، وقدّر الله حق قدره، ثم استأنف السير.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعزم في دعائه، ويعلم أصحابه أن يسألوا الله بثقة ورجاء، فقال: «إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني؛ فإنه لا مستكره له» متفق عليه. وعزم المسألة هنا هو صدق الطلب، وحضور القلب، وحسن الرجاء بالله، لا الاعتراض على حكمته أو استعجال إجابته.
مجالات العزيمة
للعزيمة مجالات متعددة تظهر فيها قوتها وأثرها؛ فهي لا تقتصر على جانب واحد من حياة الإنسان، بل تمتد إلى العبادة والعلم والعمل ومواجهة التحديات، ومن أبرز مجالاتها:
  1. العزيمة في العبادة
تظهر العزيمة أول ما تظهر في المحافظة على الفرائض، ولا سيما حين تزاحمها الشواغل أو يثقلها الفتور، وليست العزيمة أن يحمل المرء نفسه على برنامج شاق أيامًا ثم ينقطع؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» متفق عليه. إنما العزيمة أن يبني عبادة ثابتة، وأن يعود سريعًا إذا فتر، وألا يجعل العثرة إذنًا بترك الطريق.
  1. العزيمة في التوبة
من شروط التوبة الصادقة الإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه، مع رد الحقوق إلى أصحابها إن تعلق الذنب بحق آدمي. ولا يعني ذلك أن يضمن التائب لنفسه العصمة في المستقبل، بل أن يكون عند توبته صادق القلب، قاطع الصلة بأسباب المعصية. فإن غلبته نفسه بعد ذلك جدد التوبة ولم ييأس؛ لأن اليأس باب آخر من أبواب الشيطان.
  1. العزيمة في طلب العلم
العلم لا ينال بالأماني ولا بجمع الكتب وحده، وإنما بالصبر على الفهم والمراجعة والسؤال، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن يتعلم كتابة اليهود، فاجتهد حتى تعلمها في مدة وجيزة، وصار يقرأ للنبي - صلى الله عليه وسلم - كتبهم ويكتب إليهم. لم يقف عند صعوبة المهمة، بل حول التكليف إلى خطة وعمل. وهكذا طالب العلم: يحدد فنه، ويلزم منهجًا، ويصبر على بطء الثمرة، ويعرف أن التراكم الصغير يصنع بعد حين ملكة راسخة.
  1. العزيمة في الدعوة والإصلاح
الدعوة إلى الله تحتاج إلى علم وحكمة وصبر؛ لأن المصلح يتعامل مع نفوس وعادات ومصالح متشابكة، فلا تضعفه قلة المستجيبين، ولا تدفعه العجلة إلى الغلظة، ولا يحمله الأذى على ترك الرحمة، عزيمته ليست خصومة مع الناس، بل وفاء للحق ورحمة بالخلق، واقتداء بأولي العزم الذين ثبتوا من غير يأس ولا انتقام للنفس.
  1. العزيمة في المسؤولية والقيادة
صاحب العزيمة لا يكتفي بإصدار التعليمات، بل يبادر ويتحمل التبعة، وقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق الناس نحو الصوت، فتلقاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - راجعًا بعدما سبقهم واستبرأ الخبر، وهو يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا» متفق عليه، فالقائد الحق يتقدم عند الخطر، ويمنح من حوله الطمأنينة، ويجمع بين الشجاعة وحسن التقدير.



اعداد: د. ناظم المسباح





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم يوم أمس, 09:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,471
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلسلة الأخلاق الإسلامية

سلسلة الأخلاق الإسلامية .. العزم والعزيمة قوة القلب التي تحوِّل المعرفة إلى عمل(2-2)


  • العزيمة ليست هِبة مُغلّقة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون بل خُلُق ينمو بالإيمان ويتقوى بالعمل
  • الأمم مثل الأفراد لا تنهض بكثرة ما تعرف فحسب بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مؤسسات وعادات ومنجزات
استكمالا لما بدأناه في العدد الماضي عن العزم والعزيمة؛ حيث ذكرنا أنَّ العزيمة خُلُق إيماني وسلوكي يجمع بين وضوح الغاية، وقوة القرار، ومباشرة السبب، والصبر حتى تمام العمل، وهي لا تعني أن يندفع المرء بلا بصيرة، ولا أن يتشبث برأيه بعد ظهور خطئه؛ فالعزيمة المحمودة هي العزيمة على الرشد، يقودها العلم، وتسبقها المشورة، ويصحبها التوكل، ويحرسها الصبر' ثم ذكرنا العزم في القرآن الكريم، والمنهج النبوي في صناعة العزيمة، ثم ذكرنا مجالات العزيمة وهي: العزيمة في العبادة، والعزيمة في التوبة، والعزيمة في طلب العلم، والعزيمة في الدعوة والإصلاح، والعزيمة في المسؤولية والقيادة
صفات صاحب العزيمة
  • وضوح الغاية: يعرف لماذا يعمل، فيحسن ترتيب أولوياته ولا تسرقه التفاصيل عن مقصده.
  • الصدق والإخلاص: لا يطلب مجرد الصورة أمام الناس، بل يريد وجه الله والنتيجة النافعة.
  • المبادرة: لا ينتظر اكتمال الظروف؛ يبدأ بما يملك ثم يحسن ما بدأه.
  • الصبر والثبات: يتحمل بطء النتائج، ويستفيد من العثرات بدل أن يستسلم لها.
  • المرونة: يثبت على المبدأ، لكنه يغير الوسيلة إذا ظهر ما هو أصلح.
  • الشجاعة: يواجه المسؤولية، ويقول الحق بعلم وعدل وأدب.
  • المحاسبة: يراجع تقدمه، ويصحح تقصيره، ولا يخدع نفسه بالأماني.
وبهذه الصفات تجتمع الهمة والعزيمة والثبات, فالهمة ترفع سقف الغاية، والعزيمة تطلق الحركة، والثبات يحفظها حتى تنضج الثمرة، قال ابن القيم رحمه الله: «الدين مداره على أصلين: العزم والثبات»؛ فمن عرف الخير ولم يعزم عليه بقي متأخرًا، ومن عزم ثم لم يثبت انقطع في منتصف الطريق.
موانع العزيمة العجز والكسل
العاجز يتوقف لعدم القدرة، أما الكسول فيترك ما يقدر عليه تثاقلًا. وكثرة الاستجابة للكسل تصنع نفسًا تهرب من كل تكليف، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بالله من العجز والكسل. وعلاجهما أن يصغر الإنسان نقطة البداية، ويحدد أول خطوة، ويؤديها قبل أن يفتح باب المساومة مع نفسه.
التسويف وطول الأمل
«سوف» كلمة صغيرة تهدر أعمارًا كاملة؛ يؤجل بها المرء توبته، وعلمه، وصحته، ومشروعه، حتى تصبح الأعمال المتروكة أثقالًا نفسية تزيده عجزًا. والعلاج أن يحول النية إلى موعد، والموعد إلى فعل محدد، وأن يتذكر أن الفرص لا تبقى، وأن أنسب وقت للبداية هو أقرب وقت ممكن.
الخوف من الفشل ونظر الناس
قد لا يخاف الإنسان من صعوبة العمل بقدر ما يخاف من نقد الناس أو ظهور نقصه. فيختار سلامة الصورة على شرف المحاولة. والمؤمن مطالب ببذل السبب، لا بضمان النتيجة؛ فإن نجح شكر، وإن أخفق تعلم، وفي الحالين يكون قد خرج من سجن الوهم إلى ميدان التجربة.
تشتت الغايات
من أراد أن يبدأ كل شيء في وقت واحد غالبًا لا يُتم شيئًا؛ فكثرة الأهداف المفتوحة تستنزف الانتباه، وتمنح النفس شعورًا زائفًا بالحركة، والعلاج أن يختار الإنسان في كل مرحلة مقصدًا رئيسًا، ويجعل سائر أعماله خادمة له أو مؤجلة بوعي.
المعاصي والصحبة المثبّطة
المعصية تضعف حياة القلب، وتثقل الطاعة، وتبدد التركيز؛ كما إن الصحبة الفاترة تزين التأجيل وتخفض سقف الطموح، قال -تعالى-: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (المطففين: 14)، ومن أراد قوة العزم فليحرس قلبه، وليصحب من يذكره إذا غفل، ويعينه إذا فتر، ويرفعه إلى معالي الأمور.
برنامج عملي لبناء العزيمة
  1. صحّح الوجهة: اختر غاية ترضي الله وتنفعك وتنفع الناس. ليست قيمة الهدف في ضخامته، بل في صدقه ونفعه واتصاله برسالتك.
  2. استخِر واستشِر: اجمع المعلومات، واستمع إلى أهل الخبرة، ثم استخِر الله؛ فإذا ظهر وجه الصواب فلا تعد فتح القرار كل يوم بلا سبب جديد.
  3. حوّل الغاية إلى فعل: لا تقل: أريد طلب العلم، بل حدد كتابًا ووقتًا ومقدارًا. ولا تقل: أريد إصلاح صحتي، بل حدد عادة قابلة للقياس تبدأ اليوم.
  4. ابدأ بأصغر خطوة نافعة: البداية الصغيرة تكسر رهبة المهمة، وتمنح النفس دليلًا عمليًا على قدرتها. والثبات على القليل خير من اندفاع كبير ينقطع.
  5. أغلق منافذ التراجع: أبعد الملهيات، واضبط البيئة، واربط العمل بوقت ثابت، وأخبر شخصًا موثوقًا يتابعك؛ فالإرادة تقوى بالنظام ولا ينبغي أن تُستنزف في القرار نفسه كل يوم.
  6. درّب نفسك على احتمال المشقة: خصص كل يوم عملًا نافعًا تؤديه ولو لم تكن تشتهيه النفس. بهذه المجاهدة تتكون ملكة الانضباط، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (العنكبوت: 69).
  7. راجع ولا تجلد ذاتك: اسأل في نهاية الأسبوع: ماذا أنجزت؟ ما العائق الحقيقي؟ وما التعديل المطلوب؟ المحاسبة تصحح المسار، أما جلد الذات فيستهلك الطاقة من غير إصلاح.
  8. إذا تعثرت فاستأنف سريعًا: لا تجعل يومًا ضعيفًا يتحول إلى انقطاع طويل. قاعدة صاحب العزيمة: لا بأس أن أتعثر، لكن لا أختار البقاء حيث سقطت.
  9. أكثر من الدعاء: اسأل الله الثبات والعزيمة على الرشد، واستحضر أن القلوب بين يديه، وأن النجاح توفيق منه قبل أن يكون ثمرة تخطيطك.
العزم ليس قسوة على النفس
من الأخطاء أن تُفهم العزيمة على أنها استنزاف دائم للنفس أو تجاهل لحاجتها إلى الراحة. الشرع يرفض الغلو كما يرفض الكسل؛ والنفس تحتاج إلى تدرج، والجسد له حق، والراحة المنظمة تعين على الاستمرار. العزيمة ليست أن تعمل بلا توقف، بل أن تحفظ اتجاهك، وأن تجعل راحتك جزءًا من الاستعداد لا بابًا للانقطاع، ومن الأخطاء كذلك تحويل العزم إلى عناد؛ فصاحب العزيمة يرجع إلى الحق إذا تبين له خطؤه، لأن غايته ليست إثبات ذاته بل إصابة الرشد. الثبات يكون على المبادئ، أما الوسائل والآراء البشرية فتخضع للمراجعة والتصحيح.
ثمرات العزيمة
  • تقوية الصلة بالله؛ لأن العبد يجمع بين العمل والاستعانة والتوكل.
  • الثبات على الطاعة ومقاومة دواعي المعصية والفتور.
  • تحويل العلم من معلومات محفوظة إلى سلوك وأثر.
  • رفع مستوى الطموح، وحسن استثمار الوقت والقدرات.
  • اكتساب الشجاعة والمبادرة وتحمل المسؤولية.
  • الصبر على البلاء، والقدرة على استئناف الطريق بعد الإخفاق.
  • صناعة أفراد نافعين وأمّة لا تستسلم للوهن أو التبعية، والأمم، مثل الأفراد، لا تنهض بكثرة ما تعرف فحسب، بل بقدرتها على تحويل المعرفة إلى مؤسسات وعادات ومنجزات، فإذا شاعت فيها الجدية، واحترام الوقت، وإتقان العمل، والصبر على المشروعات الطويلة، تحولت الطاقات المبعثرة إلى قوة حضارية، أما إذا استبدلت العمل بالشعارات، والمحاسبة بالتسويغ، والمبادرة بانتظار الآخرين، ضعفت وإن كثرت مواردها.
ابدأ ثم اثبت
العزيمة ليست هبة مُغلّقة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون؛ بل خُلُق ينمو بالإيمان، ويتقوى بالعمل، ويترسخ بالتكرار، كل مرة تقاوم فيها التسويف، وتفي فيها بوعد قطعته لنفسك، وتنهض فيها بعد تعثر؛ فأنت تبني في داخلك إنسانًا أقوى، لا تحتقر البداية الصغيرة، ولا تجعل ضخامة الغاية سببًا للتراجع. انظر إلى ما ينفعك، واستعن بالله، وخذ أول خطوة، ثم التي تليها. وإذا وضحت لك الوجهة بعد الاستخارة والمشورة، فلا تترك التردد يستهلك عمرك: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحـِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}(آل عمران:159)، واجعل لسان حالك: سأطلب ما ينفعني، وأبذل ما أستطيع، وأستمد قوتي من ربي، وأتعلم من عثرتي، وأمضي ما دام الطريق رشدًا؛ فالمعالي لا تُنال بالتمني، وإنما بعلم يبصر، وإيمان يحرك، وعزم يبدأ، وصبر يتمم المسير.



اعداد: د. ناظم المسباح


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 68.21 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 66.07 كيلو بايت... تم توفير 2.14 كيلو بايت...بمعدل (3.13%)]