|
|
|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تدبر معي آية الطريق إلى الجنة يبدأ من هنا د. علي شومان محمد علي أبو دية الحمد لله واسع المغفرة، عظيم الرحمة، الذي فتح لعباده أبواب التوبة، ودعاهم إلى جنته قبل أن يلقوه، ووعد المتقين بدار عرضها السماوات والأرض، وجعل الفوز كل الفوز في رضوانه والقرب منه، نحمده سبحانه على نعمة الهداية، ونشكره على واسع فضله وعظيم إحسانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133، 134]. هذه الآية الكريمة من أعظم الآيات التي ترسم للمؤمن معالم الطريق إلى الجنة، وتبين له الصفات التي توصله إلى محبة الله ورضوانه. افتتحت الآية بقوله سبحانه: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾، ولم يقل: اسعوا أو امشوا؛ لأن المسارعة تدل على المبادرة وعدم التردد، وكأن الآية تنادي المؤمن: لا تؤخر التوبة، ولا تؤجل الطاعة، ولا تركن إلى طول الأمل؛ فإن الأعمار بيد الله، والفرص إذا فاتت لا تعود. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم))؛ [رواه مسلم]، فالمؤمن الصادق لا ينتظر موسمًا آخر ليصلح حاله، ولا يؤجل رجوعه إلى ربه، بل يبادر ما دام باب العمل مفتوحًا. ثم تأمل كيف وجه الله القلوب أولًا إلى المغفرة قبل الجنة، فقال: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. لأن أعظم ما يحتاجه العبد في رحلته إلى الله أن تغفر ذنوبه، فكم من عمل أفسدته معصية، وكم من طاعة حجبت بركتها ذنوب خفية لا يعلمها إلا الله! وفي قوله: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ما يملأ القلب رجاءً؛ فهو الرب الرحيم الذي يربي عباده بنعمه، ويفتح لهم أبواب رحمته وإن كثرت زلاتهم. وفي هذه الآية الكريمة مظهر جليل من مظاهر الرجاء، وهو من أعظم مقامات العبودية القلبية التي يتعبد بها المؤمن لربه، فالعبد يسير إلى الله بين الخوف والرجاء والمحبة، والرجاء الصادق هو الذي يدفع صاحبه إلى العمل والمسارعة في الطاعة، لا إلى التمني والاتكال. وتأمل كيف جمعت الآية أسباب الرجاء كلها؛ فأمرت بالمسارعة، وفتحت باب المغفرة، وأضافتها إلى الرب الرحيم، ثم بشرت بجنة عرضها السماوات والأرض، وأخبرت أنها مُعدة لأهل التقوى، فكل ذلك يملأ قلب المؤمن أملًا في فضل الله، ويبعثه على مزيد من الطاعة والإقبال عليه. ولهذا كان السلف يعدون الرجاء من أعظم ما يحيي القلوب ويقوي سيرها إلى الله، لأن من عظم رجاؤه بربه عظم سعيه فيما يرضيه. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن سعة رحمة الله فقال: ((جعل الله الرحمة مائة جزء، فأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، وأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا))؛ [متفق عليه]، فإذا كانت جميع صور الرحمة التي يشهدها الخلق في الدنيا جزءًا واحدًا، فكيف برحمة الله التي ادخرها لأهل طاعته يوم القيامة؟ ثم يرفع القرآن أنظارنا من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فيقول: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾. إنها صورة عظيمة تنقل القلب من التعلق بمتاع الدنيا المحدود إلى التطلع إلى نعيم لا يحده وصف، فالناس يتنافسون على أراضٍ ومناصب ومتاع زائل، بينما يدعوهم الله إلى جنة يبلغ عرضها السماوات والأرض. ثم يجيب القرآن عن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن: من هم أهل هذه الجنة؟ ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. ومن لطائف النظم القرآني أن الله تعالى قال: ﴿ أُعِدَّتْ ﴾ بصيغة الماضي، ولم يقل: "تُعد" أو "ستُعد"، إشعارًا بتحقق الوعد وتأكيدًا له، حتى كأن الجنة قد هيئت وفرغ من إعدادها انتظارًا لأهلها، وفي ذلك تقوية للرجاء، وبعث للشوق في قلوب المؤمنين. وتأمل أيضًا أن الله ذكر الجنة قبل تفصيل صفات أهلها، فكأن الكريم سبحانه يدعو عباده أولًا إلى دار كرامته، ثم يدلهم على الطريق الموصل إليها. وليس المعيار في ذلك كثرة المال، ولا رفعة المنصب، ولا شهرة الاسم، وإنما التقوى؛ ولذلك كان السلف يعظمون شأنها أعظم التعظيم، وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: "المؤمن أحسن الناس عملًا وأشد الناس خوفًا"، لأنه يعلم أن النجاة ليست بكثرة الأعمال وحدها، وإنما بقبولها عند الله. ثم بدأت الآية تفصل صفات هؤلاء المتقين. فأولها: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾. ينفقون في حال السعة كما ينفقون في حال الشدة، لا يمنعهم الغنى من البذل، ولا يمنعهم الفقر من العطاء، لأن قلوبهم معلقة بالخالق لا بما في أيديهم، ويوقنون أن ما عند الله خير وأبقى. ثم انتقلت الآية إلى عبادة عظيمة من عبادات القلوب فقالت: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾. ولم تقل: الذين لا يغضبون؛ لأن الغضب طبيعة بشرية، ولكن الفضل كل الفضل فيمن يملك نفسه عند ثوران الغضب. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))؛ [متفق عليه]. فكم من إنسان غلب الرجال في ميادين القوة، لكنه هزم أمام غضبه، وكم من عبدٍ صالح بلغ عند الله منزلة عظيمة لأنه انتصر على نفسه ساعة الغضب! ثم ارتقت الآية إلى منزلة أعلى فقالت: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾. فقد يكظم الإنسان غيظه وهو لا يزال يحمل في قلبه شيئًا من الألم، أما العفو فهو صفاء القلب بعد الإساءة، وترك المؤاخذة مع القدرة عليها. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا))؛ [رواه مسلم]. فالناس قد يظنون أن العفو ضعف، بينما يخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن العفو طريق العزة والرفعة عند الله. ثم جاءت القمة التي تتطلع إليها قلوب المؤمنين: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. لم يقل: والله يثيب المحسنين، أو يجازي المحسنين، بل قال: ﴿ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. فالجنة نعيم، والمغفرة نجاة، أما محبة الله فهي أشرف من ذلك كله، إذ هي الغاية التي تتطلع إليها قلوب العارفين، والمنزلة التي إذا نالها العبد هان عليه كل ما سواها. والإحسان الذي يحبه الله هو ما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور حين قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))؛ [متفق عليه]. فإذا استشعر العبد نظر الله إليه هان عليه البذل، وسهل عليه العفو، وخف عليه كظم الغيظ، لأنه لا يعمل للناس وإنما يعمل لله. إن هذه الآية ترسم طريقًا كاملًا إلى الجنة: مسارعة إلى الطاعة، وطلب للمغفرة، وتقوى في القلب، وبذل في المال، وحلم عند الغضب، وعفو عند المقدرة، ثم إحسان يبلغ بصاحبه محبة الله ورضوانه. لمسات بلاغية: ﴿وَسَارِعُوا﴾: اختيار المسارعة بدل السعي يفيد المبادرة وعدم التراخي. ﴿ مَغْفِرَةٍ ﴾: جاءت نكرة للتعظيم، أي مغفرة عظيمة واسعة. تقديم المغفرة على الجنة في قوله: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ﴾؛ لأن التخلية من الذنوب مقدمة على التحلية بالنعيم، ولأن العبد لا يبلغ الجنة إلا بعد أن تشمله مغفرة الله. ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: استدعاء لمعاني الرحمة واللطف والعناية. ﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: من أبلغ أساليب تصوير السعة والعظمة، وإذا كان العرض بهذه السعة فكيف بالطول؟ ﴿ أُعِدَّتْ ﴾: دليل على تحقق الإعداد وتهيئة الجنة لأهلها. التدرج من الإنفاق إلى كظم الغيظ إلى العفو ثم الإحسان انتقال بديع في مدارج الكمال؛ فالإنفاق إحسان بالمال، وكظم الغيظ إحسان إلى النفس، والعفو إحسان إلى الخلق، والإحسان اسم جامع لذلك كله. ختم الآية بالمحبة: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ لأن محبة الله أعظم من كل جزاء، وهي الغاية التي تتضاءل أمامها مطالب الدنيا والآخرة. إن هذه الآية ليست دعوة إلى العمل فحسب، بل هي دعوة إلى حسن الظن بالله، وقوة الرجاء في رحمته، مع صدق المسارعة إلى طاعته، فليس الرجاء في الإسلام تمنيًا مجردًا، وإنما أمل يثمر عملًا، وطمع في رحمة الله يقود إلى الاستقامة على أمره. اللهم اجعلنا من أهل مغفرتك وجنتك، ومن المتقين الذين نالوا محبتك ورضوانك، اللهم أصلح أحوال المسلمين، وانصر المستضعفين في كل مكان، وفرج عن إخواننا في فلسطين، واحقن دماء أهل السودان، وارفع عنهم البلاء والفتن، إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |