|
|
|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حيلة النفس أمام سلطان الحقيقة عبدالله بن إبراهيم الحضريتي الخطبة الأولى الحمد لله الذي أنار العقول بالوحي المبين، وهَدَى القلوب إلى صراطه المستقيم، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الغزار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الجبَّار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، إمام الهداة والأبرار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد:أيها المسلمون، عباد الله، اتقوا الله تعالى، واعلموا أن هذا القرآن الكريم لم يأتِ ليصِف لنا مجرد مشاهد تاريخية مضَتْ، بل جاء ليكشف لنا عن حقائق نفسية تتكرر في كل زمان ومكان. وإننا حين نقف مع قصة خليل الله إبراهيم- عليه السلام- مع قومه، نرى مشهدًا عجيبًا يعكس أعمق صراعات النفس البشرية حين تصطدم بالحقيقة الكاشفة. لقد أقام الخليل الحجة على قومه، فوقف الباطل مبهوتًا أمام سطوع الحق، واعترفوا بأنفسهم لحظةً، لكن هذا الاعتراف لم يَدُمْ؛ إذ يصور لنا القرآن انتكاستهم في مشهد تقشعرُّ منه الأبصار حين يقول جل جلاله: ﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء: 65]. أيها المصلون، إن هذا النكوس لم يكن مجرد حركة بدنية، بل كان تجسيدًا صارخًا لانتكاسة الفطرة، وتراجع العقل إلى وراء مخاوفه وأهوائه. يا لخسارة الإنسان حين يرى النور بعينيه ثم يختار العمى! وكم هو قاسٍ على النفس أن يلمس المرء صدق الدليل ببصيرته، لكنه حين يصطدم بإرث العادات، أو يخاف سقوط مهابته الزائفة بين الناس، ينكس رأسه في تراب التعصب والكبر! تأملوا يا عباد الله في حيلة النفس البشرية؛ فالإنسان حين تبهته الحقيقة ويعجز عن مواجهتها، لا يستسلم دائمًا، بل يلجأ إلى "صناعة التبرير" ليحمي كبرياءه، فيحيل عجز أفكاره إلى هجوم على صاحب الحق، تمامًا كما فعل قوم إبراهيم حين قفزوا فوق عجز أصنامهم وصرخوا: ﴿ حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ﴾ [الأنبياء: 68]! إنها اللحظة الخطيرة التي يتحوَّل فيها العقل من أداة للبحث عن الصواب، إلى مُحامٍ بارع يدافع عن الخطأ ويبحث له عن مسوغات وأعذار. إن الانتكاس بعد ظهور الحق ليس جهلًا يا عباد الله، بل هو أعظم أسباب الضلال؛ لأنه جحود يعقب معرفةً، وعناد يأتي بعد بيان، وحينها يصير التعصُّب للخطأ قيدًا ثقيلًا يمنع صاحبه من أن يخطو خطوةً واحدةً نحو النجاة. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم. الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:أيها المسلمون، إن رسالة هذه الآية تتجدَّد في كل يوم لتُنادي كل عقل حُرٍّ وقلب نابض: ألا تجعل من آراء الناس، أو عادات الزمان، أو رغبات النفس سجنًا لروحك، فالحق أحق أن يُتَّبع، وطلبه بإخلاص هو معيار صدقك مع ربك ومع نفسك، حتى وإن خالف هذا الحق رغباتك الدفينة أو تبعاتك الثقيلة، فإن خضوع العبد للحق هو عين عزه ورفعته، والمكابرة هي عين الذل والهوان. ولكيلا تبقى هذه المعاني خواطر في الأفق، كيف نحوِّلها إلى نبض عملي في حياتنا؟ أولًا: إذا استبان لك الدليل في أمر ما، وعرَفت الحق في مسألة، فَلَبِّ نداءه بلا تردد، ولا تُقَدِّم قول أحد على قول الله ورسوله؛ فإن بركة العلم في التعجيل بالعمل. ثانيًا: روِّض نفسك على قبول النصيحة، واجعل ميزانك صدق القول لا منزلة القائل، فإن من صغرت نفسه في عين نفسه، اتسعت رؤيته للحقيقة، واستقبل النصح بصدر رحيب. ثالثًا: إذا ما داخلَكَ غرور، أو أخذتك عزة بالنفس لتُصِرّ على خطأ، فافزع فورًا إلى رحاب الاستغفار؛ لتغسل عن قلبك كِبْر الإصرار. عباد الله، إن الارتفاع بالعقل نحو سماء الحق يحتاج إلى شجاعة، بينما الانتكاس على الرءوس هو طريق الهاوية، فاجعلوا رءوسكم مرفوعةً بالحق، وقلوبكم خاشعةً لبيانه. هذا وصلوا وسلموا على نبي الهدى... اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم طهِّر قلوبنا من الكِبْر والعناد، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، وأقم الصلاة.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |