|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#31
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (30) اسم الله (الحَسِيب) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد، قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم). - ورد ذكر اسمه -سبحانه- (الحَسِيب) في القرآن الكريم ثلاث مرات، وذلك في قوله -سبحانه-: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: 6)، وقوله -عز وجل-: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (الأحزاب: 39)، وقوله -سبحانه-: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: 86). - معنى (الحَسِيب) في حق الله -تعالى-: قال الزجاجي -رحمه الله-: "(الحَسِيب) يجوز أن يكون من حسبت الحساب، ويجوز أن يكون أحسبني الشيء إذا كفاني" (تفسير الأسماء). وقال السعدي -رحمه الله-: "والحَسِيب بمعنى الرقيب الحاسب لعباده المتولي جزاءهم بالعدل، وبالفضل، وبمعنى الكافي عبده همومه، وغمومه. وأخص من ذلك أنَّه الحَسِيب للمتوكلين: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق: 3)، أي: كافيه أمور دينه ودنياه" (توضيح الكافية الشافية). وقال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته: وهو الحَسِيب كـفـاية وحماية والحَسْبُ كافي العبدَ كُلَّ أوان الوقفة الأولى: حول المعنى الأول لاسمه -تعالى- (الحَسِيب) بمعنى الكافي والحافظ: - (الحَسِيب) الكافي لعبده التقي المتوكل عليه كفاية يصلح بها دينه ودنياه: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 64)، وقال -تعالى-: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) (الزمر: 36). - وبقدر ما يقوم به العبد من طاعة لله، ومتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم- ظاهرًا وباطنًا، تكون الكفاية والعزة والنصرة: قال -تعالى-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) (آل عمران: 173- 174). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين أُلْقِي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (رواه البخاري). وعنه -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ أَوْ يَا بُنَيَّ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، فَقَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْسِمْهُ اللَّهُ لَكَ؛ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ عَلَيْكَ؛ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْمَلْ لِلَّهِ بِالشُّكْرِ وَالْيَقِينِ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). الوقفة الثانية: حول المعنى الثاني لاسمه -تعالى- (الحَسِيب) بمعنى المحاسب: (الحَسِيب): المحاسب يحسب ما يقوم به العبد وهو أسرع الحاسبين، فحين يَرِد إليه العباد فيحاسبهم، لا يشق عليه ذلك فهو -سبحانه- يعلم عددهم وأعمالهم وآجالهم وجميع أمورهم، وقد أحصاها وعلم مقاديرها ومبالغها وهو لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة ولا أصغر منها ولا أكبر إلَّا في كتاب مبين؛ قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: 86). قال ابن جرير -رحمه الله-: "يعني بذلك جَلَّ ثناؤه: إنَّ الله كان على كل شيء مِمَّا تعملون -أيُّها الناس- من الأعمال من طاعة ومعصية، حفيظًا عليكم؛ حتى يجازيكم بها جزاءه". وقال -تعالى-: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء: 6)، قال ابن جرير -رحمه الله-: قوله: (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا): "يقول -تعالى- ذكره: وكفاك -يا محمد- بالله حافظًا لأعمال خلقه، ومحاسبًا لهم عليها"، وقال -تعالى-: (وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47). قال السعدي -رحمه الله-: "أي: عالمًا بأعمال العباد، حافظًا لها، مُثْبِتًا لها في الكتاب، عالمًا بمقاديرها ومقادير ثوابها وعقابها واستحقاقها، مُوصِلًا للعُمَّال جزاءها". وقال -تعالى-: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47). وقال -تعالى-: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (الرعد: 8- 9). الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحَسِيب): أولًا: تَرْسُخُ عقيدة أنَّ الله -سبحانه- هو (الحَسِيب) الكافي لعبده الذي لا غنى له عنه أبدًا، ولا يشاركه في ذلك أحد أبدًا، وإن ظنَّ بعض الناس أنَّ غير الله يكفيهم فهو ظن باطل، بل كل شيء لا يتم إلَّا بخلقه وأمره وتقديره -سبحانه-، وليس في الوجود شيء هو وحده كافٍ لشيء إلَّا الله -تعالى-، فإنَّه وحده كافٍ لكل شيء؛ قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) (الطلاق: 3)(1). ثانيًا: التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحَسِيب) يثمر في قلب المؤمن الخوف والوجل من الله، ومحاسبة النفس، والاستعداد لهذا الحساب بالطاعات واجتناب المحرمات ومظالم العباد؛ قال -تعالى-: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47)، وقال -تعالى-: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام: 62)، وقال -تعالى-: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: 49)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص: 26). وروي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وتزيَّنوا للعرض الأكبر". وقال ميمون بن مهران -رحمه الله-: "لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه" (الزهد لوكيع). وقد قيل: "النفس كالشريك الخَوَّان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك". ثالثًا: إذا عرف العبد أنَّ الله هو (الحَسِيب) بمعنى: الكافي؛ فإنَّه يحصل عنده ثقة بالله -تعالى- وركون إليه وتوكل عليه؛ قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال: 64)، وقال الله -تبارك وتعالى-: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ) (آل عمران: 111). والاستثناء هنا استثناء منقطع؛ لأنَّ الأذى ليس من الضرر. وقال -تعالى-: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) (الأنفال: 62). وصدق القائل: إذا كنتَ بالله مستعـصمًا فماذا يضيرك كيد العبيد وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، في قصة المرأة التي كانت ترضع صبيها، فتكلم في المهد: (... أَنَّهَا رَأَتِ امْرَأَةً يَضْرِبُونَهَا، وَيُؤْذُونَهَا فِي حَالٍ مِنَ الْمَهَانَةِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ لَهَا: تَزْنِي، فَتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ، وَيَقُولُونَ: تَسْرِقُ، وَتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ) (رواه البخاري ومسلم). وكان آخر ما قال إبراهيم -عليه السلام- حينما أُلْقِي في النار: (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (رواه البخاري). ولمَّا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ -أَيْ: إِسْرَافِيلُ- قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَاسْتَمَعَ الْإِذْنَ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ فَيَنْفُخُ) فَكَأَنَّ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لَهُمْ: (قُولُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)(2). فاللهم أنت حسبنا، وأنت مولانا، وأنت نِعْم المولى ونِعْم الحَسِيب؛ فاكفنا شر الأشرار، وكيد الفجار، وشر ما طلع عليه الليل والنهار. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) لا تظنن أنك إذا احتجت إلى طعام وشراب، وأرض وسماء، وشمس وغير ذلك، فقد احتجت إلى غيره، ولم يكن هو حسبك، فإنه هو الذي كفاك بخلق الطعام والشراب، والأرض والسماء فهو حسبك. ولا تظنن أنَّ الطفل الذي يحتاج إلى أمه، ترضعه وتتعهده فليس الله حسيبه وكافيه، بل الله كفاه إذ خلق أمه، وخلق اللبن في ثديها، وخلق له الهداية إلى التقامه، وخلق الشفقة والمودة في قلب الأم حتى مكَّنته من الالتقام، ودعته إليه وحملته عليه، فالكفاية إنَّما حصلت بهذه الأسباب، والله وحده المتفرد بخلقها، فهو وحده حسب كل أحد، وليس في الوجود شيء وحده هو حسب شيء سواه، بل الأشياء يتعلق بعضها ببعض، وكلها تتعلق بقدرة الله -تعالى-. (ينظر: المقصد الأسنى). (2) فائدة: حينما يقول الإنسان: حسبي الله، ونعم الوكيل: هل هذا دعاء، أم إخبار؟ والجواب: أنه تارة يُقصد بها الدعاء، فيكون بمعنى: أن الله ينتصر له، وينتقم مِمَّن ظلمه أو اعتدى عليه ونحوه. وتارة يقصد بها الإخبار عن كفاية الله -تعالى-، كفاية مجردة؛ أي: أنه لا يصل إليه ما يتخوفه، ولا يصل إليه منهم مكروه، الله يكفيني شرهم وأذاهم.
__________________
|
|
#32
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (31) اسم الله (الحَق) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم). - ورد اسم الله (الْحَقُّ) في عشر آيات من القرآن؛ منها: قوله -تعالى-: (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام: 62)، وقوله -تعالى-: (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (يونس: 30)، وقوله -تعالى-: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 32)، وقوله -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الحج: 6)، وقوله -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (الحج: 62). معنى الاسم في حق الله -تعالى-: - قال ابن جرير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ) (يونس: 30): "ورجع هؤلاء المشركون يومئذٍ إلى الله، الذي هو ربهم ومالكهم الحق لا شك فيه، دون ما كانوا يزعمون أنَّهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد، (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (يونس: 30)؛ يقول: وبطل عنهم ما كانوا يتخرصون من الفرية والكذب على الله بدعواهم أوثانهم أنَّها لله شركاء، وأنَّها تقربهم منه زلفى" (جامع البيان). - وقال الحليمي -رحمه الله-: "(الْحَقُّ) ما لا يسع إنكاره، ويلزم ثبوته والاعتراف به، ووجود الباري -عز ذكره- أولى ما يجب الاعتراف به، ولا يسع جحوده؛ إذ لا مثبت يتظاهر عليه من الدلائل البينة الباهرة ما تظاهرت على وجود الباري -جل جلاله-" (المنهاج في شعب الإيمان). الوقفة الأولى: الله -تعالى- هو الإله والرب (الحَق): - لا تنبغي الألوهية والربوبية إلا له -عز وجل- وحده لا شريك له، وما سواه من الآلهة والمعبودات فباطل زائل: قال -تعالى-: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ . فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس: 31- 32). وقال -تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ . لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ . وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ) (الحج: 62- 66)، فذكر الله -تعالى- في هذه الآيات -وغيرها كثير- من دلائل ألوهيته الحقة وربوبيته أمرًا عظيمًا. - وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يستفتح صلاته من الليل بذكر هذا المعنى: فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد قال: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ...) (رواه البخاري ومسلم). الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه (الحَق): أولًا: زيادة الإيمان وقوة التوحيد؛ فإنَّ مَن عَلِم أن الله هو الموجود الحق، والرب الحق والإله الحق، وكل ما سواه من الأسباب أسباب مخلوقة صادرة من مُسَبِّب الأسباب الإله الحق، قَوِيَ إيمانه ورسخ توحيده؛ قال -تعالى- من قول نبيه الخليل -عليه السلام- في محاجة قومه: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنعام: 79- 81). ثانيًا: الشعور بالغبطة والسعادة والسرور بالهداية إلى دين الإسلام الحق الذي هو دين الله، والذي من هُدِي إليه واستقام عليه اطمأنت نفسه، وانشرح صدره، وسَلِم من التشتت والاضطراب والحيرة، قال -تعالى-: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الرعد: 19). ثالثًا: الرضا والطمأنينة بما يصيب المؤمن من المصائب المؤلمة والإيمان بأنها كائنة بعلم الله -عز وجل- وإرادته وحكمته، وهي حق لا باطل فيها ولا عبث ولا ظلم؛ قال -تعالى-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد: 22- 23)، وقال -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51). رابعًا: التسليم التام لأحكام (الحَق) -سبحانه- الشرعية فيما يأمر به وينهى عنه، واليقين بأنَّ أحكام الله -تعالى- كلها حق وخير؛ لأنَّها من الله (الْحَقُّ) الحكيم العليم، قال -تعالى-: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50). خامسًا: الثقة في نصر الله -عز وجل- لدينه الحق وأوليائه الثابتين عليه، وعدم الاغترار بانتفاش الباطل في وقت من الأوقات فإنَّه ذاهب، ولكن الله -عز وجل- يبتلي به العباد، لِيُعْلَم المؤمن الصادق الثابت على الحق من المنافقين أو ضعاف الإيمان الذين يبهرهم زبد الباطل فيشكون في وعد الله -عز وجل- ونصرته لأوليائه، قال الله -عز وجل-: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) (الرعد: 17). فاللهم أرنا الحق حَقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل بَاطِلًا وارزقنا اجتنابه، وانصر الحق وأهله، واخذل الباطل وحزبه.
__________________
|
|
#33
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (32) اسما الله (الحَكَم، الحَاكِم) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرُّف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد، قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم). الوقفة الأولى: مواضع ورود اسمه -تعالى- (الْحَكَم، الْحَاكِم) ومعناه: - وَرَد اسم الله -سبحانه- (الْحَكَم) في القرآن الكريم مرة واحدة وذلك في قوله -تعالى-: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) (الأنعام: 114). وورد في السُّنَّة، فعن هانئ بن يزيد -رضي الله عنه- أنَّه وَفَدَ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع قومه، فسمعهم يُكَنُّونَه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟). فقال: إنَّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين بحكمي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟) قال قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: (فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟) قال قلت: شريح، قال: (فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). - وأمَّا (الْحَاكِم)، فقد ورد في القرآن خمس مرات بصيغة التفضيل؛ منها: قوله -تعالى-: (فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (الأعراف: 87)، وقوله -تعالى-: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود: 45)، وقوله -تعالى-: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) (يونس: 109). - معنى (الْحَكَم، الْحَاكِم) لغةً وشرعًا: قال الزجاج -رحمه الله-: "والحَكَم والحَاكِم بمعنى واحد، وأصل: (ح ك م) في الكلام: المنع، وسُمِّي الْحَاكِم حَاكِمًا؛ لأنََّه يمنع الخصمين من التظالم وحَكَمَةُ الدابة سُمِّيَت حَكَمَةً؛ لأنها تمنعها من الجماح" (تفسير الأسماء). وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-: "ويقال: حَاكِم وحُكَّام لمن يحكم بين الناس، قال الله -تعالى-: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) (البقرة: 188)، والْحَكَم: المتخصص بذلك، فهو أبلغ، وقال الله -تعالى-: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا)" (المفردات). وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "ومن أسمائه الْحَكَم العدل الذي يحكم بين عباده في الدنيا، والآخرة بعدله، وقسطه، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه، ويؤدي الحقوق إلى أهلها، فلا يدع صاحب حق إلَّا وصل إليه حقه" (الحق الواضح المبين، ص 80)(1). الوقفة الثانية: أنواع حكم (الْحَكَم، الْحَاكِم) -سبحانه-: النوع الأول: الحكم الكوني القدري: - فالحَكَم -سبحانه وتعالى- يجعل هذا عقيمًا وذاك ذا ولد، ويجعل هذا وسيمًا، وذاك دميمًا، هذا الإنسان ساق إليه بعض الشدائد، وآخر ساق إليه بعض الخير، فكل ذلك ليس للإنسان فيه قدرة ولا اختيار، وإنَّما اختاره الْحَكَم -سبحانه- وحكم به، وهو واقع لا محالة لحكم يريدها (الحَكَم، الحَاكِم) -سبحانه-؛ قال -تعالى-: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد: 41). - تأمل في حكمه القدري لترى عظيم حكمته فيما يظهر لك فقط، وما خفي علينا أكثر (إشارة مختصرة إلى قصة يوسف -عليه السلام-: بغض الإخوة وحسدهم له - إلقاؤه في البئر المهلك - بيعه رقيقًا بثمن بخس - فتنة امرأة العزيز - محنة السجن بضع سنين - ثُمَّ: منام الملك! لنيل السلطان والملك، ودعوة الناس إلى الحق، واجتماع الشمل)، (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100). النوع الثاني: الحكم الديني الشرعي التكليفي: - وهذا الذي أرسل الله به الرسل وأنزل معهم الكتب، فحكم بوجوب هذا وحرمة ذاك، هذا حكم تكليفي يُؤَاخَذ به الإنسان، وهذا من حقه أن يُتَلَقَّى بالتسليم، وترك المنازعة بل بالانقياد والإذعان والقبول: قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب: 36)، وقال -تعالى-: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: 65). - وليس لمخلوق أن يحكم أو يشرع مع (الْحَكَم، الْحَاكِم) -سبحانه-: قال -تعالى-: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (الشورى: 10). وقال -تعالى-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (يوسف: 40). وقال -تعالى-: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (الشورى: 21). النوع الثالث: الحكم الجزائي (وهو من مقتضيات اسمه -سبحانه- الحَكَم): وهو الحكم الذي يحكم به (الحَكَم العدل) بين عباده يوم القيامة بمجازاتهم على أعمالهم، والحكم بين المتخاصمين والمختلفين، وإظهار الحق ورد المظالم إلى أهلها؛ قال -تعالى-: (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (الحج: 56- 57). الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الحَكَم، الحَاكِم): أولًا: الالتزام بشريعة (الْحَكَم، الْحَاكِم) -سبحانه- ولازم هذا الالتزام الكفر بكلِّ قوانين البشر ودساتيرهم التي تعارض حكم الله وشرعه المطهر، وعدم الرضا بغير شرع الله بَدِيلًا: قال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء: 60- 61). ثانيًا: الخوف من الله -عز وجل- في هذه الدنيا، والبعد عن مظالم العباد وعدم الاعتداء على حقوقهم: لأنَّ وراء ذلك يوم الفصل والقضاء حيث يحكم (الحَكَم، الحَاكِم) -سبحانه- فيه بحكمه؛ قال -تعالى-: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (النمل: 78)، وقال -تعالى-: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47). ثالثًا: الرضا بحكم (الحَكَم، الحَاكِم) -سبحانه- والتسليم له: (فإنَّ العبد إذا علم أنَّ القاضي الذي سيحكم في نزاعه وخصومته أعدل الحاكمين، وأنَّه لا أحسن منه حُكْمًا، ولا يُظْلَم عنده أحد، اطمأنت نفسه واستسلمت لحكمه)؛ قال -سبحانه-: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (القصص: 70). وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم). فاللهم يا أحكم الحاكمين، قَدِّر لنا الخير في الدنيا والآخرة، واجعلنا من المعظِّمين لحكمك، المنقادين لشرعك. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وقال أيضًا: "والحَكَم العدل الذي إليه الحكم في كل شيء فيحكم -تعالى- بشرعه، ويبين لعباده جميع الطرق التي يحكم بها بين المتخاصمين، ويفصل بين المتنازعين، من الطرق العادلة الحكيمة، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويحكم فيها بأحكام القضاء، والقدر، فيجري عليهم منها ما تقتضيه حكمته، ويضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها، ويقضي بينهم يوم الجزاء، والحساب، فيقضي بينهم بالحق، ويحمده الخلائق على حكمه حتى من قضى عليهم بالعذاب يعترفون له بالعدل، وأنَّه لم يظلمهم مثقال ذرة" (الحق الواضح المبين، ص 80).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |