|
|||||||
| استراحة الشفاء , وملتقى الإخاء والترحيب والمناسبات هنا نلتقي بالأعضاء الجدد ونرحب بهم , وهنا يتواصل الأعضاء مع بعضهم لمعرفة أخبارهم وتقديم التهاني أو المواساة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
المنافقون: وجوه تتبدل... وحقيقة لا تتغير د. علي شومان محمد علي أبو دية قراءة في سنن الصراع بين الإيمان والنفاق في ضوء الكتاب والسنة وكلام السلف الحمد لله الواحد القهار، العزيز الجبار، مجري الأقدار، وكاشف الأسرار، الذي أظهر لعباده سبيل المؤمنين وفضح سبيل المنافقين، فجعل لهذا نورًا وبرهانًا، ولهذا ظلمةً وخذلانًا، أحمده سبحانه حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تحيي القلوب بعد مواتها، وتكشف زيف الأقنعة مهما أحكم أهل النفاق سترها، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، إمام الصادقين، وقائد الغر المحجلين، الذي جاهد المنافقين بالحجة والبيان، كما جاهد الكافرين بالسيف والسنان، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:فإن أخطر ما تُبتلى به الأمم ليس دائمًا عدوها الظاهر المكشوف؛ فإن العدو الظاهر تُعرف رايته، ويحذر جانبه، وتتهيأ النفوس لمواجهته، لكن البلاء الأعظم، والداء الأخفى، إنما هو في أولئك الذين يظهرون الولاء ويبطنون العداء، ويتكلمون بلسان الناصحين، بينما قلوبهم منطوية على الشك والخذلان والطعن في دين الله وأهله. إنه النفاق... ذلك المرض الذي وصفه الله بأنه آفة القلوب، وقرين الكذب والجبن والخيانة والتثبيط؛ فقال سبحانه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ [البقرة: 8 - 10]. قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «المرض: النفاق». وقال مجاهد بن جبر رحمه الله: «مرض الشك والريب». ولذلك كان المنافقون أشد خطرًا على الأمة من الكفار الصرحاء؛ لأن الكافر يقف خارج الصف، أما المنافق فيندس داخله، يلبس لباس الإيمان، ويتكلم بلسان الغيرة والنصيحة، بينما قلبه ممتلئ بالريبة والخذلان والشماتة بالمؤمنين. وقد قال الله تعالى فيهم: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾ [المنافقون: 4]. ولم يقل: “أعداء”، بل قال: ﴿ الْعَدُوُّ ﴾؛ مبالغةً في خطرهم، لأن ضررهم خفي متغلغل. النفاق لا يتغير... وإن تغيرت الوجوه والشعارات: من أعجب ما يلفت النظر في القرآن والسنة وكلام السلف: أن المنافقين، على اختلاف العصور، يتكلمون بلغة واحدة، ويعترضون بالاعتراضات نفسها، ويظهرون الذرائع ذاتها، حتى كأن قلوبهم خرجت من مشكاة واحدة. قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله مستشهدًا بقول الله تعالى في وصف المنافقين: ﴿ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ [الأحزاب: 19]: «وهذا السلق بالألسنة الحادة يكون بوجوه: فتارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بسببكم؛ فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم... وتارة يقولون: أنتم الذين أصررتم علينا بالقيام بهذا والثبات عليه... وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو، وقد غر هؤلاء دينهم... وتارة يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم والناس معكم...». فتأمل كيف كشف شيخ الإسلام بهذا الكلام حقيقةً تتكرر عبر القرون؛ فالمنافق لا يتغير وإن تغيرت لغته وشعاراته، إنه الوجه نفسه الذي حكاه القرآن: يخذل عند الشدائد، ويطعن عند المحن، ويلقي تبعة البلاء على أهل الإيمان، ثم يلبس ثوب الحكمة والعقل والحرص على الناس. فإذا ارتفعت راية الحق قال: "هذا تهور". وإذا ثبت المؤمنون قال: "هذا غرور". وإذا ضحى أهل الإيمان قال: "أنتم السبب فيما وقع". وإذا طغى الظالم وجه سهامه إلى المظلومين لا إلى الظالمين. وهكذا تبقى كلمات المنافقين واحدة، مهما اختلفت العصور والأسماء؛ لأن المصدر واحد، كما قال تعالى: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [البقرة: 118]. المنافقون في القرآن: جبن عند الشدائد وجرأة على المؤمنين: لقد رسم القرآن صورة المنافقين بدقة مدهشة، فكشف تناقضهم، وفضح اضطراب قلوبهم، فقال سبحانه: ﴿ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ [الأحزاب: 19]. جبناء عند المواجهة... مرتعشون عند الفتن... لكنهم إذا زال الخطر أطلقوا ألسنتهم في المؤمنين طعنًا واتهامًا وسخرية. قال عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «السلق: الوقيعة والطعن باللسان». وفي غزوة أحد، لما أصابت المسلمين المصيبة، قال المنافقون: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ [آل عمران: 168]. وفي غزوة الأحزاب قالوا: ﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 12]. وقالوا للمؤمنين: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ [الأحزاب: 13]، فرارًا من المواجهة وتعللًا بالأعذار. بل بلغ بهم الأمر أن يسخروا من أهل الإيمان أنفسهم، فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 13]. وهكذا كانت تهمة المؤمنين عبر التاريخ: مرةً يقال عنهم: متشددون. ومرة: لا يفهمون الواقع. ومرة: يجرون الأمة إلى الهلاك. ومرة: يعيشون الأوهام. لكن الحقيقة التي لا تتغير أن أهل النفاق يرون الثبات تهورًا، ويرون العزة تطرفًا، ويرون التمسك بالوحي سذاجةً وغرورًا؛ لأنهم يقيسون الأمور بمنطق الخوف والمصلحة العاجلة، لا بمنطق الإيمان واليقين. الصراع بين الإيمان والنفاق... سنة باقية إلى قيام الساعة: إن المعركة الحقيقية التي تمتد عبر التاريخ ليست مجرد صراع سياسي أو عسكري، وإنما هي في جوهرها صراع بين الحق والباطل، بين الإيمان والنفاق، بين الصدق والخداع، بين القلوب الموقنة والقلوب المرتابة. ولهذا كان القرآن يعرض قصص المنافقين لا بوصفها أحداثًا من الماضي، بل باعتبارها سننًا متكررة تتجدد كلما تجددت معركة الإيمان. قال تعالى: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ [النساء: 89]. فالمنافق لا يحتمل رؤية المؤمن ثابتًا معتزًّا بدينه؛ لأن ثبات المؤمن يفضح اضطرابه الداخلي، ويكشف خواء يقينه. وقال سبحانه: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [العنكبوت: 11]. فالشدائد ليست عبثًا؛ إنها غربال إلهي يكشف حقائق النفوس، ويميز الصادق من المدعي، والثابت من المتلون. قال الحسن البصري رحمه الله: «ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق». وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأل حذيفة رضي الله عنه: «أنشدك بالله، هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟» وما ذاك إلا لأن المؤمن يخاف على قلبه من الزيغ، أما المنافق فيعيش مطمئنًّا إلى نفسه، معجبًا بعقله، متكبرًا على أهل الإيمان. واقع الأمة اليوم... والصوت القديم بعبارات جديدة: والمتأمل في واقع الأمة اليوم يرى بوضوح عجيب أن الكلمات القديمة نفسها تُعاد بثياب جديدة. فإذا دافع المظلوم عن أرضه وعرضه، قيل: "أنتم سبب الدمار". وإذا ثبت أهل الحق على مبادئهم، قيل: "أنتم لا تفهمون الواقع". وإذا دعا العلماء والدعاة إلى العزة والتمسك بالدين، قيل: "هذا تشدد وتطرف". وإذا ارتفعت أصوات المستضعفين تطالب بحقها، خرج من يلوم الضحية ويعتذر للجلاد. إنها اللغة نفسها التي حكاها القرآن عن المنافقين. ولا يعني ذلك التسرع في اتهام الناس بالنفاق الأكبر؛ فالحكم على القلوب إلى الله، والنفاق الاعتقادي له ضوابطه الشرعية التي قررها أهل العلم. لكن الواجب أن يحذر المؤمن من أخلاق المنافقين: من التثبيط، والخذلان، والطعن في أهل الحق، والسخرية من الثبات، والانبهار بالظالمين، وقياس الأمور دائمًا بمنطق الخوف المجرد من الإيمان. فكم من إنسان يظن نفسه ناصحًا، وهو يردد من حيث يشعر أو لا يشعر كلمات قالها المنافقون من قبل! الثبات... علامة أهل الإيمان: أما أهل الإيمان، فإنهم يعلمون أن طريق الحق محفوف بالابتلاء، وأن النصر لا يُولد من الترف، وإنما يولد من الصبر والثبات والتضحية. قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]. وقال سبحانه: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]. فهذه هي الفاصلة الكبرى بين المؤمن والمنافق: المؤمن تزيده الشدائد يقينًا وثباتًا، والمنافق تزيده خوفًا واعتراضًا وارتيابًا. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وطهر صدورنا من النفاق والرياء والشك والخذلان، واجعل سرائرنا خيرًا من علانيتنا، ولا تجعل في قلوبنا ميلًا إلى الباطل أو خذلانًا لأهل الحق. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأعلِ بفضلك كلمة الحق والدين، واجمع كلمة الأمة على الهدى واليقين، وردها إلى كتابك وسنة نبيك ردًّا جميلًا. اللهم كن لعبادك المستضعفين في فلسطين، وفي كل أرض يظلم فيها المؤمنون. اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وانصرهم على من ظلمهم وبغى عليهم، واشفِ جرحاهم، وارحم شهداءهم، وفك حصارهم، وأبدل خوفهم أمنًا، وضعفهم قوة، وذلهم عزًّا يا رب العالمين. اللهم عليك بالظالمين المعتدين، فإنهم لا يعجزونك، وأرِنا فيهم عجائب قدرتك، واشفِ صدور قوم مؤمنين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |