آداب الطريق - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الدين والحياة.. تكامل أم استغناء؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          مستقبل غامض (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          السعادة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          ضحولة مفرطة لآمال مغرقة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          شُعَب العلم في حياة المسلمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          لا حرج أن نعطي المريض من الزكاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          كان ناظرًا للوقف وانشغل عنه حتى تعطل ! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          كفارة اليمين أن يُعطى المسكين نصف صاع من قوت البلد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          ليس على الأولاد صلاة للوالدين بعد الوفاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الفرق بين الإسراف والكرم والسخاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 18-09-2026, 01:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,943
الدولة : Egypt
افتراضي آداب الطريق

آدَابُ الطَّرِيقِ

د. محمد حرز

الحَمْدُ للهِ الخَلاَّقِ العَلِيمِ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ جَعَلَ الأَخْلاَقَ مِنَ الإِيمَانِ، وَجَعَلَ سُوءَهَا مِنَ العِصْيَانِ، فَأَمَرَ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وَنَهَى عَنْ سُوئِهِ، وَرَفَعَ قَدْرَ مَنْ تَخَلَّقُوا بِمَحَاسِنِ الأَخْلاَقِ، فَأَنَالَهُمْ أَعْلَى المَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ؛ دَلَّتْ شَرَائِعُهُ وَأَوَامِرُهُ عَلَى أُلُوهِيَّتِهِ، كَمَا دَلَّتْ أَفْعَالُهُ وَأَقْدَارُهُ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ؛ فَهُوَ الرَّبُّ المَعْبُودُ، وَمَا سِوَاهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَعَثَهَ اللهُ تَعَالَى لِيُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ، فَبَصَّرَ النَّاسَ بِهَا، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا، وَدَعَاهُمْ إِلَيْهَا، وَرَغَّبَهُمْ فِيهَا، وَنَهَاهُمْ عَنْ ضِدِّهَا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَاسْتَمْسِكُوا بِدِينِ الإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، فَإِنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102]. عِبَادَ اللَّهِ: ((الآدابُ الإسلاميةُ في ضوءِ القرآنِ الكريمِ والسُّنَّةِ النبويةِ)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ، تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ الرَّصِينِ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ المُؤَثِّرِ، نُقَدِّمُهَا لِحَضْرَاتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ؛ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الآدَابِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الإِسْلَامُ، رَاجِينَ مِنَ اللهِ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِنَيْلِ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَنْ تَكُونَ مِنَ الأَسْبَابِ الْمُنْجِيَةِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَالسَّبِيلِ إِلَى مُزَاحَمَةِ الأَكَابِرِ وَالصَّالِحِينَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَنْ تُسَاهِمَ فِي تَرْبِيَةِ النُّفُوسِ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَأَدَبٍ جَمِيلٍ. وَلِنَأْخُذَ مِنْ أَنْوَارِهَا مَا يُضِيءُ لَنَا دُرُوبَ الْحَيَاةِ، وَنَسْتَنْشِقَ مِنْ عِبَرِهَا عِطْرًا يُحْيِي النُّفُوسَ وَالْقُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ.


عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا: (آدَابُ الطَّرِيقِ).
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
أَوَّلًا: مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ حَقِّ الطَّرِيقِ؟
ثَانِيًا: كَيْفَ نَتَأَدَّبُ فِي الطُّرُقَاتِ؟
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي رِعَايَةِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ!


أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: آدَابِ الطَّرِيقِ، وَخَاصَّةً الطُّرُقَاتُ مَكَانٌ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَاخْتِلَاطِهِمْ، وَلِلْإِسْلَامِ فِيهَا آدَابٌ، بَيَّنَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، َوخَاصَّةً ونحن نَعِيشُ زَمَانًا ضَعُفَ فِيهِ الْوَعْيُ بِهَذَا الْحَقِّ، وَأَصْبَحْنَا نُشَاهِدُ صُوَرًا مُؤْلِمَةً مِنَ التَّجَاوُزَاتِ الَّتِي تُؤْذِي النَّاسَ وَتُفْسِدُ سَكِينَةَ الْمُجْتَمَعِ.فَكَمْ مِنْ إِزْعَاجٍ وَضَوْضَاءَ تَمْلَأُ الطُّرُقَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكَمْ مِنْ مَظَاهِرَ تُخَالِفُ الْحَيَاءَ وَالْمُرُوءَةَ، وَتُؤْذِي الْمَارَّةَ وَتُنَافِي قِيَمَ دِينِنَا وَأَخْلَاقِنَا. وَكَمْ نَرَى مِنْ عَدَمِ احْتِرَامِ الْكِبَارِ، وَإِهْمَالِ حُقُوقِ النِّسَاءِ، وَالتَّعَرُّضِ لَهُنَّ بِالنَّظَرِ أَوِ الْقَوْلِ أَوِ السُّلُوكِ، وَلَا احْتِرَامَ لِلنِّسَاءِ، وَمُعَاكَسَاتٌ وَحَالَاتُ تَحَرُّشٍ عَلَى مَرْأًى وَمَسْمَعٍ مِنَ الْجَمِيعِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.


تَصَرُّفَاتٌ مُحَرَّمَةٌ، يَرْفُضُهَا الشَّرْعُ وَتَأْبَاهَا الْفِطَرُ السَّلِيمَةُ، وخَاصَّةً وَإِنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ مَكَانًا لِلْعَبَثِ أَوِ الْإِيذَاءِ، بَلْ هُوَ مِرْآةُ أَخْلَاقِ الْمُجْتَمَعِ، وَمَيْدَانٌ يُظْهِرُ مَدَى الْتِزَامِنَا بِتَعَالِيمِ دِينِنَا. فَمَنْ حَفِظَ حَقَّ الطَّرِيقِ، حَفِظَ حُقُوقَ النَّاسِ، وَسَاهَمَ فِي نَشْرِ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَ أَبْنَاءِ الْمُجْتَمَعِ. وخَاصَّةً مَا نَرَاهُ الآنَ وَنُشَاهِدُهُ فِي الطُّرُقَاتِ يَا سَادَةُ لَا يُرْضِى الله جَلَّ وَعَلَا، وَمِنْ ذَلِكَ: السَّيْرُ عَكْسَ الاتِّجَاهِ، وَقِيَادَةُ السَّيَّارَاتِ بِرُعُونَةٍ مِمَّا يَتَسَبَّبُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الحَوَادِثِ المُرُورِيَّةِ، وَاسْتِخْدَامُ التِّلِفُونِ المَحْمُولِ دُونَ أَيِّ انْتِبَاهٍ لِلطَّرِيقِ أَوْ لِلْقِيَادَةِ، وَالمُسَابَقَاتُ فِي الشَّارِعِ بَيْنَ السَّيَّارَاتِ وَالمُوتُوسِيكْلَاتِ مِمَّا يُهَدِّدُ حَيَاةَ المُوَاطِنِينَ.

أَوَّلًا: مَاذَا تَعْرِفُ عَنْ حَقِّ الطَّرِيقِ؟
أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ عُنِيَ الْإِسْلَامُ بِحَقِّ الطَّرِيقِ عِنَايَةً عَظِيمَةً، وَجَعَلَ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهِ جُزْءًا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَمَالِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ مِرْفَقٌ عَامٌّ يَشْتَرِكُ النَّاسُ جَمِيعًا فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَتَظْهَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ السُّلُوكِ الْحَضَارِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ.


وَمَنْ تَأَمَّلَ هَدْيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَدَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى تَنْظِيمِ الْعِبَادَاتِ، بَلْ أَرْسَتْ مَنْظُومَةً مُتَكَامِلَةً تَحْفَظُ لِلنَّاسِ أَمْنَهُمْ وَكَرَامَتَهُمْ وَرَاحَتَهُمْ فِي طُرُقَاتِهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَحَذَّرَتْ مِنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ أَوِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى حُقُوقِهِمْ. وَمِنْ آدَابِ الْإِسْلَامِ الَّتِي حَرَصَ عَلَى الِالْتِزَامِ بِهَا وَغَرْسِهَا فِي النَّاشِئَةِ وَالشَّبَابِ: آدَابُ الطَّرِيقِ، بِاعْتِبَارِهَا أَهَمَّ الْفَضَائِلِ فِي تَكْوِينِ نَفْسٍ سَوِيَّةٍ، وَتَعْوِيدِهَا عَلَى شُكْرِ النِّعْمَةِ وَعَدَمِ إِهْدَارِهَا، وَاحْتِرَامِ مَشَاعِرِ الْآخَرِينَ وَمَحَارِمِهِمْ.


إِنَّ رِعَايَةَ الطَّرِيقِ، وَأَدَاءَ حَقِّهِ، وَالِالْتِزَامَ بِآدَابِهِ، مِنْ أَوْضَحِ مَا اعْتَنَى بِهِ دِينُنَا الْحَنِيفُ، فِي مَظْهَرٍ حَضَارِيٍّ، وَسُلُوكٍ مُتَحَضِّرٍ، وَأَدَبٍ عَالٍ، وَخُلُقٍ سَامٍ، جَاءَ لِيَرْقَى بِالْمُسْلِمِينَ، وَيُهَذِّبَ مَسَالِكَهُمْ، وَيَحْمِلَهُمْ إِلَى مُسْتَوًى مِنَ الْحَضَارَةِ مُنْذُ قَبْلِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا.


آدَابُ دِينِنَا فِي هَذَا عَالِيَةٌ، وَالْأَخْلَاقُ فِي الْإِسْلَامِ فَاضِلَةٌ، جَاءَتْ لِتُهَذِّبَ مَسَالِكَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَحْمِلَهُمْ إِلَى مُسْتَوًى مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَالشُّعُورِ نَحْوَ الْآخَرِينَ، وَرِعَايَةِ حُقُوقِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ. وَإِنَّكَ لَتَعْجَبُ أَنْ تَكُونَ مِثْلُ هَذِهِ الْآدَابِ وَالتَّوْجِيهَاتِ فِي مَنْهَجِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَا تَرَى الْتِزَامًا، بَلْ تَرَى فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاقِعِ إِهْمَالًا وَتَقْصِيرًا. فَمُدُنُ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَاهُمْ وَطُرُقُهُمْ وَمَسَالِكُهُمْ مَعَ الْأَسَفِ تَزْخَرُ بِالْمُعَوِّقَاتِ، وَتَمْتَلِئُ بِالْمُؤْذِيَاتِ وَالْمُزْعِجَاتِ؛ مِنْ مَرْكَبَاتٍ عَاطِلَةٍ، وَأَتْرِبَةٍ مُتَرَاكِمَةٍ، وَبَقَايَا وَمُخَلَّفَاتٍ، مَعَ حُفَرٍ مُهْمَلَةٍ، وَأَحْجَارٍ مُلْقَاةٍ. لَا يُكَلِّفُ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ أَنْ يَضَعَ الشَّيْءَ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُبْعِدَ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ إِخْوَانِهِ، قِيَامًا بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَابْتِغَاءَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ مِنَ الرَّبِّ الْكَرِيمِ. وَتَأَمَّلُوا قَوْلَ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: « لَوْ عَثَرَتْ دَابَّةٌ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ، لَظَنَنْتُ أَنِّي مَسْؤُولٌ عَنْهَا؛ لِمَ لَمْ أُمَهِّدْ لَهَا الطَّرِيقَ؟»، فَهَذَا فِي تَمْهِيدِ الطَّرِيقِ لِلدَّوَابِّ، فَمَا بَالُكَ بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ!


إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُذَكِّرُ عِبَادَهُ نِعَمَهُ، وَيُعَرِّفُهُمْ بِهَا؛ لِكَيْ يَشْكُرُوهُ عَلَى هَذِهِ الْأَنْعُمِ، وَيُثْنُوا بِهَا عَلَيْهِ ثَنَاءً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، فَهُوَ أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ.


نِعَمُ اللَّهِ مُتَعَدِّدَةٌ، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا (إِبْرَاهِيم: 34)، وَمِنْ تِلْكُمُ النِّعَمِ مَا بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنِ امْتِنَانِهِ عَلَى عِبَادِهِ بِأَنْ سَخَّرَ لَهُمْ مَا يَرْكَبُونَ وَيَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَيَقْضُونَ بِهِ حَوَائِجَهُمْ، وَيَقْطَعُونَ بِهِ الْمَسَافَاتِ الْعَظِيمَةَ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ تَوْفِيقِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ *وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (يس: 71 – 73).


إِذًا فَكَوْنُ بَعْضِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ لِلرُّكُوبِ نِعْمَةٌ تَحْتَاجُ أَنْ نَشْكُرَ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً، ثُمَّ قَالَ: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (النحل: 8)، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ سَيَخْلُقُ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا يَجُولُ بِفِكْرِهِمْ، وَلَا يَتَصَوَّرُهُ حَالُهُمْ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ قُدْرَتِهِ جَلَّ وَعَلَا، وَقَدْ خَلَقَ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَأَتَتِ الْعَجَائِبُ، فَسُبْحَانَ الْخَالِقِ لِكُلِّ شَيْءٍ.


وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا قَالَ لَنَا أَيْضًا: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (الزخرف: 12 – 14)، وَقَالَ: ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ۚ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (النحل: 7).


وَإِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا وُجُودَ هَذِهِ الْمَرْكَبَاتِ، أَعْنِي السَّيَّارَاتِ الَّتِي هَيَّأَهَا اللَّهُ وَسَخَّرَهَا، وَأَلْهَمَ خَلْقًا مِنْ خَلْقِهِ لِاخْتِرَاعِهَا وَتَكْوِينِهَا، ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (الصافات: 96)، هَذِهِ الْمَرَاكِبُ الَّتِي هِيَ بِمُتَنَاوَلِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ، يَقُودُهَا الْعَاقِلُ وَالسَّفِيهُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ. أَجَلْ، إِنَّهَا فِي مُتَنَاوَلِ الْفَرْدِ، مَلَأَتِ الْبِلَادَ وَالْبَرَّ. هَذِهِ النِّعْمَةُ الْعَظِيمَةُ، هَلْ شَكَرْنَا اللَّهَ عَلَيْهَا؟! وَهَلْ حَسُنَ اسْتِعْمَالُنَا لَهَا أَمْ سَاءَ الِاسْتِعْمَالُ، وَذَهَبَ الشُّكْرُ، وَقَلَّ الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ؟! إِنَّ شُكْرَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْرٌ مُتَعَيِّنٌ، فَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَسَّرَهَا وَهَيَّأَهَا، وَإِنَّ حُسْنَ اسْتِعْمَالِهَا لَمِنْ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْنَا، فَكَمْ مِنْ مُحْسِنٍ لِاسْتِعْمَالِهَا، وَكَمْ مِنْ مُسِيءٍ لِاسْتِعْمَالِهَا.


وشَرِيعَتُنَا الْغَرَّاءُ تَهْدِفُ إِلَى الرُّقِيِّ بِالْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ إِلَى مَعَالِي الْأُمُورِ وَسُمُوِّ الْأَخْلَاقِ، وَتَنْأَى بِأَفْرَادِهِ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ سَيِّئٍ أَوْ عَمَلٍ مَشِينٍ، وَتُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَمَعُ مُتَآلِفًا مُتَحَابًّا، تَرْبِطُ بَيْنَ عَنَاصِرِهِ الْأُخُوَّةُ وَالْمَوَدَّةُ، فَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.وَكَيْفَ لَا؟ وَلَقَدِ اهْتَمَّ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِالطُّرُقِ، وَجَعَلَهَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا[نُوح: ١٩-٢٠]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا[طَهَ: ٥٣]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «مَهْدًا، أَيْ: قَرَارًا تَسْتَقِرُّونَ عَلَيْهَا، وَتَقُومُونَ وَتَنَامُونَ عَلَيْهَا، وَتُسَافِرُونَ عَلَى ظَهْرِهَا، ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا أَيْ: جَعَلَ لَكُمْ طُرُقًا تَمْشُونَ فِي مَنَاكِبِهَا، فَامْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِتَيْسِيرِ السُّبُلِ وَالطُّرُقِ، وَجَعَلَهَا مِنْ أَسْبَابِ عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَاسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ.أعلى النموذج


أسفل النموذج

ثَانِيًا: كَيْفَ نَتَأَدَّبُ فِي الطُّرُقَاتِ؟


أَيُّهَا السَّادَةُ:دَعَانَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُطَهَّرَةُ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَحُسْنِ التَّعَامُلِ، وَإِعْطَاءِ الطَّرِيقِ حَقَّهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة: ٨٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣].


وَكَمَالُ الأَخْلاَقِ مِنْ كَمَالِ الإِيمَانِ، وَنَقْصُهَا مِنْ نَقْصِ الإِيمَانِ؛ وَالنَّاسُ شُرَكَاءُ فِي طُرُقِهِمُ الَّتِي يَسِيرُونَ فِيهَا، فَكَانَ لِهَذِهِ الطُّرُقِ حُقُوقٌ تَحْفَظُ عَلَى النَّاسِ أَخْلاَقَهُمْ، وَتُدِيمُ الأُلْفَةَ وَالمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ، وَهَذِهِ الحُقُوقُ جَاءَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ"، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟! قَالَ: "غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لا يَحِلُّ إيذاءُ المُسلِمِ وإلحاقُ الضَّرَرِ به، صَغيرًا كان أو كبيرًا، وقد راعَتِ الشَّريعةُ الإسلامِيَّةُ المُطهَّرةُ حُقوقَ الجَميعِ ومَصالِحَهم.


وفي هذا الحديثِ يُحذِّرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ المُسلِمينَ مِن الجُلوسِ علَى الطُّرقاتِ؛ على المَساطِبِ أو الأرائكِ، أو الكَراسيِّ أو الفُرُشِ؛ لأنَّ الجُلوسَ علَى الطُّرُقاتِ يُؤدِّي -في الأغلبِ- إلى أذيَّةِ النَّاسِ، وذلك بإحراجِهم بمُلاحقتِهم بالنَّظَراتِ، أو تَضييقِ الطَّريقِ عَليهِم، إلى غيرِ ذلك، ولأنَّ الجالِسَ في الطَّريقِ قدْ يَتعرَّضُ للفِتنةِ، أو يُعرِّضُ غَيرَه لها، وغَيرُ ذلِك مِن المَفاسِدِ، فلمَّا قالوا للرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ما لنا بُدٌّ منها»، أيْ: لا غِنى لنا عنها؛ لأنَّها مُجتمَعاتُنا وأندِيَتُنا التي نَتحدَّثُ فيها بشُؤونِنا، ونَتذاكَرُ في مَصالِحِنا مِن أُمورِ الدِّينِ ومَصالحِ الدُّنيا، ونُرَوِّحُ عن نُفوسِنا بالمُحادَثةِ في المُباحِ، ويُسَرِّي بَعضُنا عن بَعضٍ؛ فتَرْكُها يَشُقُّ عَلينا، وكأنَّهم فَهِموا مِن كَلامِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه للتَّحذيرِ، وليس للنَّهيِ الصَّريحِ، أو أنَّ النَّهيَ للتَّنزيهِ، ولا يُرادُ به التَّحريمُ؛ لأنَّهم لم يَعهَدوا مِن الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَحريمَ نافعٍ، ولا إباحةَ ضارٍّ، أو أنَّ النَّهيَ لمَعنًى مُتَّصِلٍ بالمَجالسِ، لا لنَفسِها وذاتِها، وقد يُمكِنُهم مُجانَبةُ هذا المعنى الَّذي مِن أجْلِه كانَ النَّهيُ، وإلَّا فإنَّ الصَّحابةَ رَضيَ اللهُ عنهم أسرَعُ النَّاسِ إجابةً لأوامرِ اللهِ ورَسولِه؛ ولذلك كانتْ مُراجَعتُهم للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ استِفسارًا على ما فَهِموه منه، وليس مُعارَضةً له -حاشَاهُمْ-، ولو عَلِموا أنَّ النَّهيَ عَزْمةٌ مِن العَزَماتِ ما راجَعوهُ، ولَبادَروا إلى الامتِثالِ مُباشرةً، فأجابَهُم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما يدُلُّ على أنَّ النَّهيَ ليس لذاتِ المَجالِسِ، وإنَّما هو مِن أجْلِ حُقوقِ الطَّريقِ التي يَتعرَّضُ لها الجالِسُ؛ فقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «فإذا أبيتُم إلَّا المَجالِسَ فأعطُوا الطَّريقَ حَقَّها» تَأكيدًا لِما للطَّريقِ مِن آدابٍ وحُقوقٍ، فسَأَلوه سُؤالَ المُسترشِدِ عن حَقِّها، فأجابَهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بقَولِه: «غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذَى، ورَدُّ السَّلامِ، وأمْرٌ بالمَعروفِ، ونَهيٌ عنِ المُنكَرِ».. فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَضَّ الْبَصَرِ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الطَّرِيقِ، فَانْتَبِهْ يَا مَنْ تَجْلِسُ عَلَى الطُّرُقَاتِ وَتَنْظُرُ إِلَى الْفَتَيَاتِ وَإِلَى النِّسَاءِ، فَإِنَّكَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَأَنْتَ عَلَى طَرِيقِ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَقَالَ: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) [النور: 30]. فَالنَّظَرُ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ الْإِنْسَانِ، وَمَدْخَلٌ كَبِيرٌ لِلشَّيْطَانِ، مُدَمِّرٌ لِلْقَلْبِ وَالْأَرْكَانِ، يُدْخِلُهُ النِّيرَانَ، وَيُبْعِدُهُ عَنِ الْجِنَانِ، فَالْبُعْدُ عَنْهُ خَيْرٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. بَلِ النَّظَرُ إِلَى النِّسَاءِ فِتْنَةٌ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ حَامٍ وَلَا مَانِعٌ، مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ، وَمَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَشَرٌّ مُسْتَطِيرٌ، وَبَلَاءٌ كَبِيرٌ. بَلْ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا أَعْلَمُ دَاءً قَدْ فَشَا فِي الْأُمَّةِ، وَدَخَلَ فِي كُلِّ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، كَدَاءِ الرِّبَا، وَكَدَاءِ النَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ! وَصَدَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذْ يَقُولُ، كَمَا فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِ أَحَدٌ إِلَّا أَكَلَ الرِّبَا، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيُكَذِّبُهُ». وَلِذَلِكَ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ، فَقَالَ: اصْرِفْ بَصَرَكَ». بَلْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ». فَالنَّظَرُ بَرِيدُ الزِّنَا، يَا رَبِّ سَلِّمْ! وَهُوَ سَبَبُ كُلِّ بَلَاءٍ وَشَرٍّ.

كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَؤُهَا مِنَ النَّظَرِ
وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا
فَتْكَ السِّهَامِ بِلَا قَوْسٍ وَلَا وَتَرِ


وَمِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ: كَفُّ الأَذَى، وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ تَتَنَاوَلُ كُلَّ أَذًى بِالقَوْلِ أَوِ الفِعْلِ أَوِ الإِشَارَةِ، أَوْ حَتَّى مُجَرَّدِ النَّظَرِ، وَمِنْهُ أَذَى النَّاسِ بِالسَّيَّارَاتِ، وَتَرْوِيعُهُمْ بِهَا، وَالاعْتِدَاءُ عَلَى حُقُوقِهِمْ؛ كَمَنْ يَتَجَاوَزُهُمْ وَهُمْ مُنْتَظِمُونَ صَفًّا عِنْدَ إِشَارَةٍ أَوْ فِي زِحَامٍ، فَيَحْشُرُهُمْ بِسَيَّارَتِهِ، وَيَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ وَيُعَطِّلُهُمْ؛ فَهَذَا مِنَ الأَذَى فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ))؛ [رواه مسلم]. وَكَيْفَ لَا؟ وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا سَيِّدُ الرِّجَالِ صلى الله عليه وسلم؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ»؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَكَيْفَ لَا؟ وإِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجِنَانِ يَا سَادَةُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ»؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَيْفَ لَا؟ وَمَلْعُونٌ مَطْرُودٌ مِنْ رَحْمَةِ الرَّحْمَنِ مَنْ يُؤْذِي النَّاسَ بِالطُّرُقَاتِ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ آذَى المُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ». وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا المَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: البَرَازَ فِي المَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ».


وَمِنْ حُقُوقِ الطَّرِيقِ: رَدُّ السَّلاَمِ؛ لِأَنَّ مَنْ جَلَسَ بِطَرِيقٍ يَمُرُّ بِهِ المَارَّةُ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (النساء: 86)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ»؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَلِلْأَسَفِ نَرَى كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَا يُلْقُونَ السَّلَامَ إِلَّا عَلَى مَنْ يَعْرِفُونَ، أَمَّا مَنْ لَا يَعْرِفُونَهُ فَلَا يُلْقُونَ عَلَيْهِ السَّلَامَ، بَلْ رُبَّمَا لَا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ السَّلَامَ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»؛ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ]. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ، لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا لِلْمَعْرِفَةِ»؛ (رَوَاهُ أَحْمَدُ)


وَمِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ الوَارِدِ فِي الحَدِيثِ: الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وَهُوَ فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ؛ فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ مَنْ جَلَسَ فِي الطُّرُقَاتِ أَنْ يَرَى بَعْضَ المُنْكَرَاتِ؛ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْهَى أَصْحَابَهَا عَنْهَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُ مُؤَدِّيًا لِحَقِّ الطَّرِيقِ؛ فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ أَمَرَ بِالمَعْرُوفِ وَدَعَا مَنْ مَعَهُ وَمَنْ يَرَاهُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فِي المَسْجِدِ؛ فَذَلِكَ مِنَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْ أَدَاءِ هَذَا الحَقِّ فَلاَ يَجْلِسْ فِي الطَّرِيقِ؛ لِئَلاَّ يَأْثَمَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: ١١٠]. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». وَالتَّهَاوُنُ فِي قَضِيَّةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مِنَ الطَّامَّاتِ الَّتِي تُسَبِّبُ غَضَبَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الْمَائِدَةِ: ٧٨-٧٩].


وَمِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ: التَّوَاضُعُ فِي الْمَشْيِ، وَعَدَمُ التَّكَبُّرِ عَلَى النَّاسِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يَمْشِيَ الْإِنْسَانُ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا؛ أَيْ: مَشْيًا لَيِّنًا رَفِيقًا، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [الْفُرْقَانِ: ٦٣]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الْإِسْرَاءِ: ٣٧]. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»؛ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].


وَمِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ: حُسْنُ الكَلاَمِ؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- يُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ، وَكَمْ يَتَعَلَّمُ الأَطْفَالُ فِي الطُّرُقِ مِنْ أَلْفَاظٍ بَذِيئَةٍ فَاحِشَةٍ؛ بِسَبَبِ إِهْدَارِ هَذَا الحَقِّ مِنْ حُقُوقِ الطَّرِيقِ! فَيَتَعَلَّمُونَ اللَّعْنَ وَالسَّبَّ وَالشَّتْمَ، وَأَلْفَاظًا جِنْسِيَّةً خَادِشَةً لِلْحَيَاءِ، وَيَقُولُونَهَا وَقَدْ لاَ يَفْهَمُونَ مَعَانِيَهَا.


وَمِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ: عَدَمُ التَّعَدِّي عَلَى الطُّرُقاتِ بِالبِناءِ وَتَضْيِيقِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ، وَهَذَا الأَمْرُ لَيْسَ بِالسَّهْلِ وَلَا بِاليَسِيرِ، وَإِنَّمَا عِقَابُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى عَظِيمٌ وَعَسِيرٌ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنْ أَرْضٍ - أَيْ: قَدْرَهُ - طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».. وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ».


وَعَنْ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ مُرَّةَ الثَّقَفِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: « مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا، كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا إِلَى الْمَحْشَرِ». أَلَا فَلْنَتَّقِ اللهَ، وَلْنَتَأَدَّبْ بِآدَابِ دِينِنَا، وَلْنَجْتَنِبْ مَا نُهِينَا عَنْهُ؛ فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِي التَّأَدُّبِ بِآدَابِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْهَلَاكَ وَالشَّقَاءَ وَالْخُسْرَانَ فِي الْإِعْرَاضِ عَنْ دِينِ اللهِ تَعَالَى؛ ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ (الحشر: 7) أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 18-09-2026, 01:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,943
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آداب الطريق

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …


أَمَّا بَعْدُ:
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي رِعَايَةِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ!
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ رِعَايَةَ حُقُوقِ الطَّرِيقِ لَيْسَتْ أَمْرًا شَكْلِيًّا، بَلْ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الْإِيمَانِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَمَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ الْحَضَارَةِ وَالرُّقِيِّ. فَالْمُسْلِمُ الْحَقُّ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَبَبًا فِي رَاحَةِ النَّاسِ وَسَلَامَتِهِمْ، لَا فِي إِزْعَاجِهِمْ أَوْ إِضْرَارِهِمْ.فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي طُرُقَاتِنَا، وَلْنَجْعَلْهَا أَمَاكِنَ آمِنَةً نَظِيفَةً، نَرْعَى فِيهَا حُقُوقَ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، وَالْمَاشِي وَالرَّاكِبِ، وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ كُلَّ مَا نَفْعَلُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ مَحْسُوبٌ عَلَيْنَا.وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»؛ فَلْنَكُنْ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، سَاعِينَ فِي نَشْرِ النَّظَافَةِ وَالْأَمَانِ وَالْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ فِي مُجْتَمَعِنَا. فَإِنَّ إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ عَمَلٍ يُحَقِّقُ الْخَيْرَ وَيَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنِ النَّاسِ هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ. فَلْنَرْعَ حُقُوقَ الطَّرِيقِ، وَلْنَحْفَظْ لِلنَّاسِ أَمْنَهُمْ وَرَاحَتَهُمْ؛ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاقْتِدَاءً بِهَدْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.


فَإِنَّ الطَّرِيقَ نِعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَرِعَايَةُ حُقُوقِهِ مِنْ شُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ. فَلْنَحْرِصْ عَلَى إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَعَدَمِ إِلْقَاءِ الْمُخَلَّفَاتِ فِيهِ، وَاحْتِرَامِ حُقُوقِ الْمَارَّةِ، وَالِالْتِزَامِ بِآدَابِ السَّيْرِ وَقَوَاعِدِ الْمُرُورِ؛ لِنَكُونَ قُدْوَةً فِي حُسْنِ السُّلُوكِ وَالْأَخْلَاقِ. فَإِنَّ الطَّرِيقَ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَخُلُقِيٌّ، يَدُلُّ عَلَى وَعْيِ الْإِنْسَانِ وَحُسْنِ تَعَامُلِهِ مَعَ غَيْرِهِ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ سَبَبًا فِي أَذًى يُصِيبُ النَّاسَ، أَوْ عَقَبَةٍ تُعِيقُ حَرَكَتَهُمْ، بَلْ يَكُونُ عَوْنًا لَهُمْ، حَرِيصًا عَلَى سَلَامَتِهِمْ وَرَاحَتِهِمْ.


وَمِنْ حَقِّ الطَّرِيقِ أَنْ نَحْفَظَهُ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْذِي النَّاسَ، وَأَنْ نَسْتَعْمِلَ الْمَرْكَبَاتِ بِأَمَانَةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ، وَأَنْ نَلْتَزِمَ بِأَنْظِمَةِ السَّيْرِ؛ حِفْظًا لِلْأَرْوَاحِ وَالْمُمْتَلَكَاتِ، وَتَحْقِيقًا لِمَقْصَدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ النَّفْسِ وَرِعَايَةِ مَصَالِحِ النَّاسِ.


فَإِنَّ مَنْ رَعَى حُقُوقَ الطَّرِيقِ فَقَدْ رَعَى حُقُوقَ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ أَزَالَ عَنْهُمُ الْأَذَى فَقَدْ قَدَّمَ عَمَلًا مِنْ أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ. فَالطَّرِيقُ لَيْسَ مَلْكًا لِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ هُوَ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الْجَمِيعُ، وَالْإِخْلَالُ بِهِ إِضْرَارٌ بِالْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ.وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ نَظَافَةٍ وَرَحْمَةٍ وَنِظَامٍ، لَا يَرْضَى بِالْفَوْضَى وَلَا بِإِيذَاءِ الْآخَرِينَ، بَلْ يَدْعُو إِلَى كُلِّ مَا يُحَقِّقُ الْأَمْنَ وَالطُّمَأْنِينَةَ وَالْمَحَبَّةَ بَيْنَ النَّاسِ.فَاحْرِصُوا ـ رَحِمَكُمُ اللَّهُ ـ عَلَى أَنْ تَكُونُوا مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَأَنْ تَجْعَلُوا مِنْ طُرُقَاتِكُمْ مَجَالًا لِإِظْهَارِ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ الْحَقَّ يَحْمِلُ دِينَهُ وَقِيَمَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَكُونُ فِيهِ.وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَبْلُغُ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ مَنْزِلَةً عَظِيمَةً عِنْدَ اللَّهِ، فَرُبَّ أَذًى أَمَاطَهُ عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ كَانَ سَبَبًا فِي رِضْوَانِ اللَّهِ عَنْهُ، وَرُبَّ أَذًى تَرَكَهُ فِي الطَّرِيقِ كَانَ سَبَبًا فِي إِثْمٍ وَضَرَرٍ.


فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ فِي طُرُقَاتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ، وَإِمَاطَةَ الْأَذَى، وَمُسَاعَدَةَ الْمُحْتَاجِ، وَإِرْشَادَ الضَّالِّ، وَكُلَّ عَمَلٍ يَنْفَعُ النَّاسَ؛ كُلُّهَا أَعْمَالٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا الْعَبْدُ إِذَا ابْتَغَى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى.


واعْلَمُوا أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الطَّرِيقِ مِنْ شُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ إِهْمَالَهُ وَالتَّعَدِّيَ عَلَى حُقُوقِ النَّاسِ فِيهِ مِنْ ضَيَاعِ الْأَمَانَةِ وَنَقْصِ الْإِيمَانِ. فَالْمُسْلِمُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَشْعِرُ رَقَابَةَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَفْعَلُهُ مَكْتُوبٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ. فَلْنَجْعَلْ طُرُقَاتِنَا شَاهِدَةً عَلَى أَخْلَاقِنَا، وَلْنَحْرِصْ عَلَى نَشْرِ الْوَعْيِ بَيْنَ أَهْلِنَا وَأَبْنَائِنَا بِأَهَمِّيَّةِ رِعَايَةِ حُقُوقِ الطَّرِيقِ، وَلْنُرَبِّ أَنْفُسَنَا وَمَنْ حَوْلَنَا عَلَى الْإِيجَابِيَّةِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي يَحْتَرِمُ طُرُقَاتِهِ وَمَرَافِقَهُ هُوَ مُجْتَمَعٌ يَعْرِفُ قِيمَةَ الْأَخْلَاقِ وَالْحَضَارَةِ.


فَاللَّهَ اللَّهَ فِي حُقُوقِ الطَّرِيقِ، لَا نُؤْذِ أَحَدًا، وَلَا نُهْمِلُ نِعْمَةً، وَلْنَكُنْ دُعَاةً إِلَى الْخَيْرِ بِأَخْلَاقِنَا وَأَفْعَالِنَا، حَتَّى تَكُونَ طُرُقَاتُنَا شَاهِدَةً عَلَى رُقِيِّ الْمُجْتَمَعِ وَحُسْنِ تَمَسُّكِهِ بِتَعَالِيمِ الْإِسْلَامِ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 89.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 87.38 كيلو بايت... تم توفير 2.13 كيلو بايت...بمعدل (2.38%)]