|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مسألة خلع النعل في المقابر! أحمد فتح الله الشيخ أولا: الحديث الذي عليه مدار الحكم: عن بشيرِ ابنِ الخصاصيَّةِ قال: (كنتُ أمشي مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فمَرَّ على قبورِ المسلمينَ، فقال: لقَدْ سَبَقَ هؤلاءِ شَرًّا كثيرًا، ثم مَرَّ على قبورِ المشركينَ، فقال: لقد سَبَقَ هؤلاءِ خيرًا كثيرًا، فحانت منه التفاتَةٌ، فرأى رجلًا يمشي بين القُبورِ في نَعْلَيهِ، فقال: يا صاحِبَ السِّبتيَّتينِ أَلْقِهِما). [أخرجه أبو داود (3230)، والنسائي (2048) واللفظ له، وابن ماجه (1568)، وأحمد (20787)]. ثانيًا: معنى الحديث قصة الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي في المقابر، فرأى رجلًا يمشي بين القبور وعليه نعلان من نوع السِّبتيّة، وهما نعلان مصنوعان من جلدٍ مدبوغ، فقال له: «يا صاحبَ السِّبتيَّتَين ألقِهما». فالمقصود بـ «ألقهما»: يعني اخلع نعليك. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينهَ الرجل عن دخول المقبرة، ولم ينهه عن المشي فيها، وإنما تعلقت الملاحظة بالمشي بين القبور بالنعلين. ثالثًا: لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ هنا موضع الخلاف بين الفقهاء وأهل العلم: الحنابلة حملوا الأمر على كراهة المشي بين القبور بالنعلين من غير حاجة، واستأنسوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على الرجل فعله وأمره بخلع نعليه، فدل ذلك على كراهة هذا الأمر. لكن الجمهور ـ الحنفية والمالكية والشافعية ـ لم يجعلوا الحديث دالًا على الكراهة على وجه العموم، وحملوا الأمر على معنى يتعلق بخصوص الحال أو الأدب، ولذلك لم يقولوا بكراهة لبس النعل في المقبرة مطلقًا. ومن المهم هنا أن نفهم أن مجرد وجود أمر نبوي لا يعني دائمًا أن الحكم النهائي هو الوجوب؛ فدلالة الأمر على الوجوب هي الأصل عند الأصوليين، لكن قد توجد قرائن تصرفه عن الوجوب إلى الندب أو غيره. رابعًا: ما خصوصية مذهب الحنابلة هنا؟ المعتمد عند الحنابلة أن المشي بين القبور بالنعلين مكروه إذا لم تكن هناك حاجة. أما إذا احتاج الإنسان إلى النعل، فلا كراهة. ومن أمثلة الحاجة: وجود الشوك أو الحجارة المؤذية. شدة الحر أو شدة البرد. خشية النجاسة. وجود حشرات أو ما يؤذي القدم. كون المقبرة غير ممهدة بحيث يتضرر الإنسان بالمشي حافيًا. فالمسألة عندهم ليست: «هل الحذاء حرام في المقبرة؟». بل: هل يشرع للداخل إلى المقبرة أن يخلع نعليه ويمشي حافيًا بين القبور إذا لم تكن هناك حاجة؟ وهذا فرق مهم جدًا لابد من العلم به. خامسًا: هل المقصود احترام القبور؟ يمكن أن يقال إن من الحِكَم المحتملة في ذلك مراعاة حرمة المقابر وتعظيمها، لكن لا ينبغي الجزم بأن هذه هي العلة القطعية التي من أجلها صدر الحديث. فالحديث نفسه لا يقول: «اخلع نعليك تعظيمًا للقبور»، وإنما الذي ثبت هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الرجل يمشي بنعليه بين القبور فقال له: «ألقهما». ولهذا ينبغي التفريق بين: الحكم الثابت بالنص وهو ما فهمه الحنابلة من كراهة ذلك. وبين: الحكمة المحتملة كاحترام المقابر ومراعاة حرمتها. سادسًا: المقابر في عصرنا هنا تظهر أهمية تحقيق المناط. فالمقابر اليوم ليست على صورة واحدة. هناك مقبرة قديمة ترابية، يمشي الإنسان فيها فوق التراب والحصى، وقد تكون مليئة بالشوك والحشرات. وهناك مقبرة حديثة ممراتها مرصوفة، أو مغطاة بالبلاط أو الأسمنت، والقبور محددة، وقد يكون المشي فيها بالحذاء هو المعتاد، بل قد يتضرر الإنسان لو خلع حذاءه. في الحالة الثانية، لا يصح أن نعامل الأمر وكأن الإنسان يمشي في أرض المقبرة القديمة نفسها التي وردت فيها الواقعة. فإذا كان خلع الحذاء سيؤدي إلى أذى أو مشقة، دخل ذلك في الحاجة التي استثناها الفقهاء. بل حتى على القول الحنبلي نفسه: لا كراهة مع الحاجة. فلو ان رجلًا دخل مقبرة في شهر أغسطس، والأرض شديدة الحرارة، وفيها حصى وشوك. هل نقول له: «يجب أن تخلع حذاءك لأن هذه هو السنة»؟ الجواب: لا. حتى الحنابلة الذين قالوا بالكراهة استثنوا الحاجة، وشدة الحر والأذى من أوضح صور الحاجة. أما رجل يمشي في مقبرة ترابية آمنة، ولا يوجد ما يؤذيه، ولا يحتاج إلى حذائه، فهنا يظهر محل تطبيق القول الحنبلي. سابعًا: هل يلزم كل من يدخل المقبرة أن يخلع حذاءه؟ الجواب: لا. هذه نقطة مهمة جدًا؛ لأن الكلام قد يوهم بعض الناس أن خلع النعل واجب. والصواب أن المسألة خلافية: الجمهور: لا يرون كراهة المشي بالنعل في المقابر. الحنابلة: يكرهونه بلا حاجة. ومع الحاجة: لا كراهة عند الحنابلة. لذلك لا يصح أن يُنكر على شخص دخل المقبرة بنعليه ويقال له: «أنت خالفت السنة» بإطلاق. بل يقال: هذه مسألة اختلف فيها أهل العلم، والحنابلة يستحبون ترك النعلين إذا لم توجد حاجة. وهناك أمر آخر مهم ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا صاحب السِّبتيَّتين ألقهما». وهذا يدل على أن المسألة ليست مجرد عادة اجتماعية، بل لها أصل حديثي معتبر. لكن في المقابل، لا يصح تحويلها إلى قاعدة عامة تقول: «كل من دخل المقبرة يجب أن يمشي حافيًا». فهذا أوسع من دلالة الحديث، وأوسع أيضًا من مذهب الحنابلة أنفسهم. إذا؛ المشي بين القبور بالنعلين لا يحرم عند جمهور الفقهاء، ولا يكرهونه، بينما يرى الحنابلة كراهته بلا حاجة، استنادًا إلى حديث بشير بن الخصاصية رضي الله عنه. فإذا وجدت حاجة كالشوك والحر والبرد أو خشية الأذى فلا كراهة. وفي زماننا يراعى حال المقبرة وطبيعة الأرض؛ فلا يُطلب من الإنسان خلع حذائه إذا كان في خلعه ضرر أو مشقة أو حاجة معتبرة. والأهم:أن حرمة المقبرة ثابتة، سواء مشى الإنسان حافيًا أو منتعلًا؛ فلا يجوز وطء القبور أو الجلوس عليها أو امتهانها، وهذه مسألة أخرى غير مسألة لبس النعل. والله أعلم والحمد لله رب العالمين
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |