|
|||||||
| الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (مناظرة في العقيدة الواسطية) سائد بن جمال دياربكرلي سبب كتابة المناظرة قال - رحمه الله تعالى -: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 1 - 4] وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهير له ولا معين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ الذي أرسله إلى الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وعلى سائر عباد الله الصالحين. أما بعد: فقد سُئلتُ غير مرة أن أكتب ما حضرني ذكره مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أمر الاعتقاد بمقتضى ما ورد به كتاب السلطان من الديار المصرية إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قوم من الجهمية والاتحادية والرافضة وغيرهم من ذوي الأحقاد. فأمر الأمير بجمع القضاة الأربعة قضاة المذاهب الأربعة وغيرهم من نوابهم والمفتين والمشايخ، ممن له حرمة وبه اعتداد. وهم لا يدرون ما قصد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة. فقال لي: هذا المجلس عقد لك، فقد ورد مرسوم السلطان بأن أسألك عن اعتقادك وعما كتبت به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها الناس إلى الاعتقاد، وأظنه قال: وأن أجمع القضاة والفقهاء وتتباحثون في ذلك[1]. الاعتقاد يؤخذ عن الله ورسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة فقلت: أما الاعتقاد فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني، بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة؛ فما كان في القرآن وجب اعتقاده، وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم. وأما الكتب، فما كتبت إلى أحدٍ كتابًا ابتداءً أدعوه به إلى شيء من ذلك، ولكني كتبت أجوبة أجبت بها من يسألني: من أهل الديار المصرية وغيرهم، وكان قد بلغني أنه زوّر عليَّ كتابًا إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير أستاذ دار السلطان يتضمن ذكر عقيدة محرَّفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أنه مكذوب. وكان يرد عليَّ من مصر وغيرها من يسألني عن مسائل في الاعتقاد وغيره، فأجيبه بالكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فقال: نريد أن تكتب لنا عقيدتك. فقلت: اكتبوا. فأمر الشيخ كمال الدين: أن يكتب، فكتب له جمل الاعتقاد في أبواب الصفات والقدر ومسائل الإيمان والوعيد والإمامة والتفضيل. وهو أن اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، والإيمان بأن الله خالق كل شيء من أفعال العباد وغيرها، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه أمر بالطاعة وأحبها ورضيها، ونهى عن المعصية وكرهها. والعبد فاعل حقيقة، والله خالق فعله، وأن الإيمان والدين قول وعمل يزيد وينقص، وأن لا نكفِّر أحدًا من أهل القبلة بالذنوب، ولا نخلِّد في النار من أهل الإيمان أحدًا، وأن الخلفاء بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، وأن مرتبتهم في الفضل كترتيبهم في الخلافة، ومن قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وذكرت هذا أو نحوه، فإني الآن قد بَعُدَ عهدي ولم أحفظ لفظ ما أمليته، لكنه كُتب إذ ذاك. ثم قلت للأمير والحاضرين: أنا أعلم أن أقوامًا يكذبون عليَّ، كما قد كذبوا عليَّ غير مرة. وإن أمليت الاعتقاد من حفظي، ربما يقولون كتم بعضه، أو داهن ودارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام[2]. وصف الإمام للواسطية والسبب في كتابتها هذه كان سبب كتابتها: أنه قدم علي من أرض واسط بعض قضاة نواحيها - شيخ يقال له (رضي الدين الواسطي) من أصحاب الشافعي - قدم علينا حاجًّا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناس فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتب له عقيدة تكون عمدة له ولأهل بيته. فاستعفيت من ذلك وقلت: قد كتب الناس عقائد متعددة؛ فخذ بعض عقائد أئمة السنة. فألح في السؤال وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت. فكتبت له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر، وقد انتشرت بها نسخ كثيرة في مصر، والعراق، وغيرهما. فأشار الأمير بأن لا أقرأها أنا لرفع الريبة، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعة الحاضرون يسمعونها، ويورد المورد منهم ما شاء، ويعارض فيما شاء، والأمير أيضًا: يسأل عن مواضع فيها. وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى، ما قد علم الناس بعضه، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك[3]. لما سُمِّي الإمام أحمد إمام أهل السنة وقلت أيضًا: في غير هذا المجلس: الإمام أحمد - رحمه الله - لما انتهى إليه من السنة ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما انتهى إلى غيره، وابتلي بالمحنة والرد على أهل البدع أكثر من غيره، كان كلامه وعلمه في هذا الباب أكثر من غيره، فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره. وإلا فالأمر كما قاله بعض شيوخ المغاربة - العلماء الصلحاء - قال: المذهب لمالك والشافعي، والظهور لأحمد بن حنبل. يعني أن الذي كان عليه أحمد عليه جميع أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان وإظهار الحق ودفع الباطل ما ليس لبعض[4]. بيان ما اعترض به المتنازعون بعد قراءة الواسطية وكان مجموع ما اعترض به المنازعون المعاندون، بعد انقضاء قراءة جميعها والبحث فيها، عن أربعة أسئلة: الأول: قولنا: ومن أصول الفرقة الناجية: أن الإيمان والدين قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح. قالوا: فإذا قيل إن هذا من أصول الفرقة الناجية، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلمين الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق، ومن يقول الإيمان هو التصديق والإقرار. وإذا لم يكونوا من الناجين لزم أن يكونوا هالكين. وأما الأسئلة الثلاثة: وهي التي كانت عمدتهم، فأوردوها على قولنا، وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسول الله، وأجمع عليه سلف الأمة، من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، علي على خلقه، وهو معهم أينما كانوا يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الحديد: 4]. وليس معنى قوله: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله، من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان وغير المسافر، وهو سبحانه فوق العرش، رقيب على خلقه، مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله تعالى من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته، لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة. السؤال الثاني: قال بعضهم: نقر باللفظ الوارد، مثل حديث العباس، حديث الأوعال، والله فوق العرش، ولا نقول فوق السموات، ولا نقول على العرش. وقالوا أيضا: نقول: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]، ولا نقول الله على العرش استوى، ولا نقول مستو، وأعادوا هذا المعنى مرارا، أي أن اللفظ الذي ورد يقال اللفظ بعينه، ولا يبدل بلفظ يرادفه، ولا يفهم له معنى أصلا. ولا يقال: إنه يدل على صفة لله أصلا، ونبسط الكلام في هذا في المجلس الثاني، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. السؤال الثالث: قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كون الله في السماء بكون القمر في السماء. السؤال الرابع: قالوا: قولك حق على حقيقته، الحقيقة هي المعنى اللغوي، ولا يفهم من الحقيقة اللغوية إلا استواء الأجسام وفوقيتها، ولم تضع العرب ذلك إلا لها، فإثبات الحقيقة هو محض التجسيم، ونفي التجسيم مع هذا تناقض أو مصانعة. فأجبتهم عن الأسئلة بأن قولي: اعتقاد الفرقة الناجية، هي الفرقة التي وصفها النبي بالنجاة، حيث قال: (( تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي )). فهذا الاعتقاد: هو المأثور عن النبي وأصحابه رضي الله عنهم، وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية، فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص، وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة، لفظه ومعناه، وإذا خالفهم من بعدهم لما يضر في ذلك. ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك: فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده فقد يكون ناجيًا وقد لا يكون ناجيًا، كما يقال: من صمت نجا. وأما السؤال الثاني: فأجبتهم أولا بأن كل لفظ قلته فهو مأثور عن النبي، مثل لفظ فوق السموات، ولفظ على العرش وفوق العرش، وقلت: اكتبوا الجواب. فأخذ الكاتب في كتابته، ثم قال بعض الجماعة: قد طال المجلس اليوم، فيؤخر هذا إلى مجلس آخر، وتكتبون أنتم الجواب وتحضرونه في ذلك المجلس. فأشار بعض الموافقين بأن يتمم الكلام بكتابة الجواب، لئلا تنتشر أسئلتهم واعتراضهم، وكان الخصوم لهم غرض في تأخير كتابة الجواب، ليستعدوا لأنفسهم ويطالعوا ويحضروا من غاب من أصحابهم ويتأملوا العقيدة فيما بينهم، ليتمكنوا من الطعن والاعتراض. فحصل الاتفاق على أن يكون تمام الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك. وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة، وفي نفوس كثيرٍ من الناس أمورٌ لما يحدث في المجلس الثاني، وأخذوا في تلك الأيام يتأملونها ويتأملون ما أجبت به في مسائل تتعلق بالاعتقاد، مثل المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية وغيرها[5]. اعتراف المخالفين للشيخ بالصواب وحدَّثني الثقة عنه بعد خروجه من المجلس، أنه اجتمع به وقال له: أخبرني عن هذا المجلس. فقال: ما لفلان ذنب ولا لي، فإن الأمير سأل عن شيء فأجابه عنه، فظننته سأل عن شيء آخر. وقال: قلت لهم: أنتم ما لكم على الرجل اعتراض، فإنه نصر ترك التأويل، وأنتم تنصرون قول التأويل، وهما قولان للأشعري. وقال: أنا أختار قول ترك التأويل، وأخرج وصيته التي أوصى بها، وفيها قول ترك التأويل. قال الحاكي لي: فقلت له: بلغني عنك أنك قلت في آخر المجلس - لما أشهد الجماعة على أنفسهم بالموافقة - لا تكتبوا عني نفيًا ولا إثباتًا، فلم ذاك؟ فقال: لوجهين: أحدهما: أني لم أحضر قراءة جميع العقيدة في المجلس الأول. والثاني: لأن أصحابي طلبوني لينتصروا بي، فما كان يليق أن أظهر مخالفتهم، فسكت عن الطائفتين[6]. الكلام على لفظ "الوجود" وأمرت غير مرة أن يعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعض الجماعة أن ذلك تطويل، وأنه لا يقرأ عليه إلا الموضع الذي لهم عليه سؤال، وأعظمه لفظ الحقيقة، فقرءوه عليه؛ فذكر هو بحثًا حسنًا يتعلق بدلالة اللفظ، فحسنته ومدحته عليه، وقلت: لا ريب أن الله حي حقيقة، عليم حقيقة، سميع حقيقة، بصير حقيقة، وهذا متفق عليه بين أهل السنة والصفاتية من جميع الطوائف؛ ولو نازع بعض أهل البدع في بعض ذلك، فلا ريب أن الله موجود، والمخلوق موجود، ولفظ الوجود سواء كان مقولًا عليهما بطريق الاشتراك اللفظي فقط، أو بطريق التواطؤ المتضمن للاشتراك لفظًا ومعنى، أو بالتشكيك الذي هو نوع من التواطؤ. فعلى كل قول: فالله موجود حقيقة، والمخلوق موجود حقيقة، ولا يلزم من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذور، ولم أرجح في ذلك المقام قولًا من هذه الثلاثة على الآخر؛ لأن غرضي تحصل على كل مقصودي. وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني، اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية وغيرهم، ممن عظم خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، أو لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها، لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم، بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم. فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف، أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن، من أنه الحق، حتى قال لي بعض الأكابر من الحنفية - وقد اجتمع بي -: لو قلت هذا مذهب أحمد وثبت على ذلك لانقطع النزاع[7]. حكاية الشيخ علم الدين للمناظرة في العقيدة الواسطية نقل الشيخ علم الدين: أن الشيخ - قدس الله روحه - قال: - في مجلس نائب السلطنة الأفرم - لما سأله عن اعتقاده، وكان الشيخ أحضر عقيدته "الواسطية"، قال: هذه كتبتها من نحو سبع سنين قبل مجيء التتار إلى الشام؛ فقرئت في المجلس. ثم نقل علم الدين عن الشيخ أنه قال: كان سبب كتابتها أن بعض قضاة واسط من أهل الخير والدين شكا ما الناس فيه - ببلادهم في دولة التتر - من غلبة الجهل والظلم ودروس الدين والعلم؛ وسألني أن أكتب له "عقيدة"، فقلت له: قد كتب الناس عقائد أئمة السنة؛ فألح في السؤال، وقال: ما أحب إلا عقيدة تكتبها أنت. فكتبت له هذه العقيدة - وأنا قاعد بعد العصر - فأشار الأمير لكاتبه، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، فاعترض بعضهم على قولي فيها: ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ومقصوده أن هذا ينفي التأويل الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوبًا وإما جوازًا. جواب الإمام عن ورقة أرسلت له في السجن مبينًا الحكمة من الابتلاء وأن النصر لا يكون إلا بعد الامتحان قال الإمام أبو العباس - أحمد ابن تيمية - في جواب ورقة أرسلت إليه في السجن في رمضان سنة ست وسبعمائة: الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. صلى الله عليه وآله وسلم تسليمًا. أما بعد: قد وصلت الورقة التي فيها رسالة الشيخين الجليلين، العالمين الناسكين، القدوتين. أيدهما الله وسائر الإخوان بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعلهم ممن ينصر به السلطان: سلطان العلم والحجة والبيان والبرهان، وسلطان القدرة والنصر بالسنان والأعوان. وجعلهم من أوليائه المتقين، وجنده الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن أئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان؛ والله محقق ذلك ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن. لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته من الابتلاء والامتحان، الذي يخلص الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان؛ إذ قد دل كتابه على أنه لا بد من الفتنة لكل من الداعي إلى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان. قال الله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 4]. فأنكر سبحانه على من يظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب، وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله، فقال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: 14] إلى قوله ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحجرات: 15]. وأخبر في كتابه بخسران المنقلب على وجهه عند الفتنة، الذي يعبد الله فيها على حرف، وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا. قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ ﴾ [الحج: 11] الآية، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]. وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]. وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين؛ فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين، فقال: ﴿ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: 54] الآية، وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان، الصابرون على الامتحان، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148]. فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر والشكر، كان جميع ما يقضي الله له من القضاء خيرًا له؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له )). والصابر الشكور هو المؤمن الذي ذكره الله في غير موضع من كتابه. ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشَرِّ حال، وكل واحد من السراء والضراء في حقه يفضي إلى قبيح المآل؛ فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة التي هي من محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظ الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان. فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله. والله هو المسؤول أن يثبتكم وسائر المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم عليكم نعمه الباطنة والظاهرة، وينصر دينه وكتابه وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين، الذي أمرنا بجهادهم والإغلاظ عليهم في كتابه المبين. وأنتم فأبشروا من أنواع الخير والسرور بما لم يخطر في الصدور. وشأن هذه القضية وما يتعلق بها أكبر مما يظنه من لا يراعي إلا جزئيات الأمور. ولهذا كان فيما خاطبت به أمين الرسول علاء الدين الطيبرسي أن قلت: هذه القضية ليس الحق فيها لي، بل لله ولرسوله وللمؤمنين من شرق الأرض إلى مغربها؛ وأنا لا يمكنني أن أبدل الدين، ولا أنكس راية المسلمين. ولا أرتد عن دين الإسلام لأجل فلان وفلان. نعم، يمكنني أن لا أنتصر لنفسي، ولا أجازي من أساء إلي وافترى علي، ولا أطلب حظي، ولا أقصد إيذاء أحد بحقي، وهذا كله مبذول مني، ولله الحمد، ونفسي طيبة بذلك. وكنت قد قلت له: الضرر في هذه القضية ليس علي؛ بل عليكم. فإن الذين أثاروها من أعداء الإسلام الذين يبغضونه ويبغضون أولياءه والمجاهدين عنه، ويختارون انتصار أعدائه من التتار ونحوهم. وهم دبروا عليكم حيلة يفسدون بها ملتكم ودولتكم، وقد ذهب بعضهم إلى بلدان التتار، وبعضهم مقيم بالشام وغيره؛ ولهذه القضية أسرار لا يمكنني أن أذكرها، ولا أسمي من دخل في ذلك حتى تشاوروا نائب السلطان، فإن أذن في ذلك ذكرت لك ذلك، وإلا فلا يقال ذلك له. وما أقوله فاكشفوه أنتم. فاستعجب من ذلك وقال: يا مولانا، ألا تسمي لي أنت أحدًا؟ فقلت: وأنا لا أفعل ذلك، فإن هذا لا يصلح. لكن تعرفون من حيث الجملة أنهم قصدوا فساد دينكم ودنياكم. وجعلوني إمامًا تسترًا؛ لعلمهم بأني أواليكم وأسعى في صلاح دينكم ودنياكم، وسوف إن شاء الله ينكشف الأمر. قلت له: وإلا فأنا على أي شيء أخاف؟ إن قتلت كنت من أفضل الشهداء، وكان عليَّ الرحمة والرضوان إلى يوم القيامة، وكان على من قتلني اللعنة الدائمة في الدنيا والعذاب في الآخرة، ليعلم كل من يؤمن بالله ورسوله أني إن قتلت لأجل دين الله، وإن حبست فالحبس في حقي من أعظم نعم الله علي. ووالله ما أطيق أن أشكر نعمة الله علي في هذا الحبس، وليس لي ما أخاف الناس عليه: لا أقطاعي، ولا مدرستي، ولا مالي، ولا رياستي وجاهي. وإنما الخوف عليكم إذا ذهب ما أنتم فيه من الرياسة والمال، وفسد دينكم الذي تنالون به سعادة الدنيا والآخرة. وهذا كان مقصود العدو الذي أثار هذه الفتنة. وقلت: هؤلاء الذين بمصر من الأمراء والقضاة والمشايخ إخواني وأصحابي؛ أنا ما أسأت إلى أحد منهم قط، وما زلت محسنًا إليهم، فأي شيء بيني وبينهم؟ ولكن لبَّس عليهم المنافقون أعداء الإسلام. وأنا أقول لكم - لكن لم يتفق أني قلت هذا له - إن في المؤمنين من يسمع كلام المنافقين ويطيعهم؛ وإن لم يكن منافقًا، كما قال تعالى: ﴿ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 47]، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ ﴾ [الأحزاب: 48]. يتبع
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
والنفاق له شعب ودعائم؛ كما أن للإيمان شعبًا ودعائم؛ ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان )). وفيهما أيضًا أنه قال: (( أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا ائتمن خان ))[8]. جواب الإمام لما قالوا له: فأنت تخالف الأئمة الأربعة وقلت له: هذه القضية أكبر مما في نفوسكم؛ فإن طائفة من هؤلاء الأعداء ذهبوا إلى بلاد التتر. فقال: إلى بلاد التتر؟ فقلت: نعم. هم من أحرص الناس على تحريك الشر عليكم إلى أمور أخرى لا يصلح أن أذكرها لك. وكان قد قال لي: فأنت تخالف المذاهب الأربعة، وذكر حكم القضاة الأربعة. فقلت له: بل الذي قلته عليه الأئمة الأربعة، المذاهب، وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتابًا: من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية، كلها توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها. ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه. وكان لما أعطاني الدرج، فتأملته، فقلت له: هذا كله كذب؛ إلا كلمة واحدة. وهي أنه استوى على العرش حقيقة؛ لكن بلا تكييف ولا تشبيه. قلت: وهذا هو في "العقيدة" بهذا اللفظ، بلا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. فقال: فاكتب خطك بهذا. قلت: هذا مكتوب قبل ذلك في "العقيدة"، ولم أقل: بما يناقضه؛ فأي فائدة في تجديد الخط؟ وقلت: هذا اللفظ قد حكى إجماع أهل السنة والجماعة عليه غير واحد من العلماء: المالكية والشافعية وأهل الحديث وغيرهم؛ وما في علماء الإسلام من ينكر ذلك إلا هؤلاء الخصوم[9]. اعتراف الأمير بأن الإمام على الحق وأن معارضيه على الباطل قلت: فإن هؤلاء يقولون: ما فوق العرش ربٌّ يُدعى، ولا فوق السماء إلهٌ يُعبد؛ وما هناك إلا العدم المحض والنفي الصرف، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُعرج به إلى الله تعالى، ولكن صعد إلى السماء ونزل. وأن الداعي لا يرفع يديه إلى الله. ومنهم من يقول: إن الله هو هذا الوجود؛ وأنا الله، وأنت الله، والكلب والخنزير والعذرة، ويقول: إن الله حالٌّ في ذلك. فاستعظم ذلك وهاله أن أحدًا يقول هذا. فقال: "هؤلاء"، يعني ابن مخلوف وذويه. فقلت: هؤلاء ما سمعت كلامهم ولا خاطبوني بشيء؛ فما يحل لي أن أقول عنهم ما لم أعلمه؛ ولكن هذا قول الذين نازعوني بالشام وناظروني وصرحوا لي بذلك، وصرح أحدهم بأنه لا يقبل من الرسول صلى الله عليه وسلم ما يقوله في هذا الباب مما يخالفهم. وجعل الرجل في أثناء الكلام يصغي لما أقوله ويعيه؛ لما رأى غضبي، ولهذا بلغني من غير وجه أنه خرج فرحًا مسرورًا بما سمعه مني. وقال: هذا على الحق، وهؤلاء قد ضيَّعوا الله؛ وإلا فأين هو الله؟ وهكذا يقول كل ذي فطرة سليمة. كما قاله جمال الدين الأخرم للملك الكامل لما خاطبه الملك الكامل في أمر هؤلاء، فقال له الأخرم: هؤلاء قد ضيَّعوا إلهك، فاطلب لك إلهًا تعبده. ومن المعلوم باتفاق المسلمين أن الله حيٌّ حقيقةً، عليمٌ حقيقةً، قديرٌ حقيقةً، سميعٌ حقيقةً، بصيرٌ حقيقةً، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ وإنما ينكر ذلك الفلاسفة الباطنية. فيقولون: نطلق عليه هذه الأسماء ولا نقول إنها حقيقة. وغرضهم بذلك جواز نفيها؛ فإنهم يقولون: لا حيَّ حقيقةً، ولا ميتَ حقيقةً، ولا عالمَ ولا جاهلَ، ولا قادرَ ولا عاجزَ، ولا سميعَ ولا أصمَّ. فإذا قالوا إن هذه الأسماء مجازٌ، أمكنهم نفي ذلك؛ لأن علامة المجاز صحة نفيه. فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقةً لزمه جواز إطلاق نفيه. فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقةً، فإنه يقول: ليس الرحمن على العرش استوى، كما أن من قال إن لفظ الأسد للرجل الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة، فإنه يلزمه صحة نفيه. فيقول: هذا ليس بأسد ولا بحمار، ولكنه آدمي. وهؤلاء يقولون لهم: لا يستوي الله على العرش، كقول إخوانهم: ليس هو بسميع ولا بصير ولا متكلم؛ لأن هذه الألفاظ عندهم مجاز. فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن الله سبحانه، يقابلونه بالنفي والرد؛ كما يقابله المشركون بالتكذيب؛ لكن هؤلاء لا ينفون اللفظ مطلقًا[10]. ذكر أقوال علماء الطوائف ممن حكوا مذهب السلف في مسألتي العلو والاستواء وقال الطلمنكي أحد أئمة المالكية - قبل ابن عبد البر والباجي وطبقتهما - في "كتاب الوصول إلى معرفة الأصول": أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4] ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على العرش كيف شاء. وقال أيضًا: قال أهل السنة: في قول الله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5] إن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة؛ لا على المجاز. وقال ابن عبد البر في "التمهيد" - شرح الموطأ وهو أشرف كتاب صنف في فنه - لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت لا يختلف أهل الحديث في صحته. وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إنه في كل مكان؛ وليس على العرش. قال: والدليل على صحة ما قاله أهل الحق قول الله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5] وقال: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10] وقال ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ﴾ [المعارج: 4] وقال ﴿ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ﴾ [آل عمران: 55] وذكر آيات. إلى أن قال: وهذا أشهر عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا خالفهم فيه مسلم. وهذا مثل ما ذكر محمد بن طاهر عن أبي جعفر الهمداني أنه حضر مجلس بعض المتكلمين فقال: "كان الله ولا عرش". فقال: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش. أخبرنا عن هذه الضرورات التي نجدها في قلوبنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو، لا تلتفت يمنة ولا يسرة. فضرب بيده على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني. أراد الشيخ أن إقرار الفِطَر بأن معبودها ومدعوها فوق هو أمر ضروري عقلي فطري، لم تستفده من مجرد السمع، بخلاف الاستواء على العرش - بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام - فإن هذا علم من جهة السمع. ولهذا لا تُعرف أيام الأسبوع إلا من جهة المقرين بالنبوات، فأما من لا يعرف ذلك - كالترك المشركين - فليس في لغتهم أسماء أيام الأسبوع. وهذا من حكمة اجتماع أهل كل ملة في يوم واحد في الأسبوع، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اليوم لنا، وغدا لليهود وبعد غد للنصارى )). وبسط ابن عبد البر الكلام في ذلك. إلى أن قال: وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ ﴾ [المجادلة: 7] فلا حجة فيه لهم؛ لأن علماء الصحابة والتابعين قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله. قال أبو عمر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة؛ لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئًا، ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع: الجهمية والمعتزلة والخوارج، فكلهم ينكرها؛ ولا يحمل شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم - عند من أقر بها - نافون للمعبود، والحق ما نطق به كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وهم أئمة الجماعة[11]. النهي عن تكفير أو تفسيق المعين الذي لم تقم عليه الحجة والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول، لكن قد يكون الرجل حديث عهدٍ بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة. ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة. وقد يكون الرجل لا يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا. وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (( إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له )). فهذا رجل شكَّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا[12]. فصل فيما ذكرتم من لين الكلام ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن، فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالًا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة، فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن. ومن المعلوم أن الله تعالى يقول: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، فمن كان مؤمنًا فإنه الأعلى بنص القرآن. وقال: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]، وقال: ﴿ نَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ﴾ [المجادلة: 20، 21]، والله محقق وعده لمن هو كذلك كائنًا من كان. ومما يجب أن يعلم أنه لا يسوغ في العقل ولا الدين طلب رضا المخلوقين لوجهين: أحدهما: أن هذا غير ممكن. كما قال الشافعي رضي الله عنه: رضا الناس غاية لا تدرك. فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه، ودع ما سواه ولا تعانه. والثاني: أنا مأمورون بأن نتحرى رضا الله ورسوله. كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، وعلينا أن نخاف الله، فلا نخاف أحدًا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 175]. وقال: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]، وقال: ﴿ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [النحل: 51] ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41]. فعلينا أن نخاف الله ونتقيه في الناس، فلا نظلمهم بقلوبنا ولا جوارحنا، ونؤدي إليهم حقوقهم بقلوبنا وجوارحنا، ولا نخافهم في الله فنترك ما أمر الله به ورسوله خيفة منهم. ومن لزم هذه الطريقة كانت العاقبة له، كما كتبت عائشة إلى معاوية: " أما بعد: فإنه من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس وعاد حامده من الناس ذاما، ومن التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ". فالمؤمن لا تكون فكرته وقصده إلا رضا ربه واجتناب سخطه، والعاقبة له، ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا مع أن المرسل فرح بهذه الأمور جوانيه في الباطن، وكل ما يظهره فإنه مراءاة لقرينه، وإلا فهما في الباطن متباينان. وثم أمور تعرفها خاصتهم، ويكفيك الطيبرسي قد تواتر عنه الفرح والاستبشار بما جرى، مع أنه المخاصم المغلظ عليه. وهذا سواء كان أو لم يكن. الأصل الذي يجب اتباعه هو الأول، وقول النبي: (( لا تبدءوهم بقتال وإن أكثبوكم فارموهم بالنبل )) على الرأس والعين، ولم نرم إلا بعد أن قصدوا شرنا وبعد أن أكثبونا، ولهذا نفع الله بذلك[13]. فصل ما ذكرتم من أني أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين فهذا لا يصلح ما ذكرتم من أني أطلب تفويض الحكم إلى شخص معين "فهذا لا يصلح، بل فيه ضرر على ذلك الشخص وعلي وفساد عام، وذلك أنكم تعلمون عن القاضي "بدر الدين" أني كنت من أعظم الناس موالاة له ومناصرة ومعاونة له ومدافعة لأعدائه عنه في أمور متعددة، بل ما أعلم أحدًا أكثر في مخالصة له ومعاونة. وذلك لله وحده، لا لرغبة، ولا لرهبة مني. وقطعة قوية مما حصل لي من الأذى - بدمشق وبمصر أيضًا - إنما هو بسبب انتصاري له ولنوابه: مثل الزرعي والتبريزي وغيرهما من حاشيته، وتنويهي بمحاسنه في مصر أيضًا قد عرفت بذلك؛ فإنه حزب الردى وغيره يعادوني على ذلك. والله يعلم أن منزلته عندي ومكانته من قلبي ليست قريبة من منزلة غيره، فضلًا عن أن تكون مثلها. وحاشا لله أن يشبه بدر الدين بمن فرق الله بينه وبينه من وجوه كثيرة زائدة. وفي سنن أبي داود عن (( عائشة قالت: أمرنا رسول الله أن ننزل الناس منازلهم ))[14]. فصل في أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية ومما ينبغي أن تعلمه: أن القوم مستضعفون عن المحاقة إلى الغاية - ابن مخلوف وغيره -، وقد أداروا الرأي بينهم، وعلموا أنهم عند المحاقة مقهورون متهوكون. والطيبرسي طلب مني غير مرة ترك المحاقة. فقلت له: أنا ما بغيت على أحد، ولا قلت لأحد: وافقني على اعتقادي وإلا فعلت بك، ولا أكرهت أحدًا بقول ولا عمل، بل ما كتبت في ذلك شيئًا قط إلا أن يكون جواب استفتاء بعد إلحاح السائل واحتراقه وكثرة مراجعته، ولا عادتي مخاطبة الناس في هذا ابتداء. وهؤلاء هم الذين دعوا الناس إلى ما دعوهم إليه وأكرموهم عليه؛ فيبينون للناس ما الذي أمروهم به وما الذي نهوهم عنه. فإن كانوا أمروهم بما أمرهم الله به ورسوله، فالسمع والطاعة لله ولرسوله ولمن أمر بما أمر الله به ورسوله. وإن كانوا أمروا بحق وباطل، ونهوا عن حق وباطل، وأمروا ونهوا عن أمور لا يعرفون حقيقتها، كانوا بذلك من الجاهلين الظالمين، وكان الحاكم بذلك من القاضيين اللذين في النار، ولم تجز طاعتهم في ذلك، بل تحرم. وأنا لو شئت المحاقة كانت أمور عظيمة، لكن من أنكر شيئًا مما قلته فليقل: إني أنكر كذا، ويكتب خطه بما أنكره، ويوجه إنكاره له، وأنا أكتب خطي بالجواب، ويعرض الكلامان على جميع علماء المسلمين - شرقًا وغربًا - وأنا قائل ذلك. وقد قلت قبل ذلك بدمشق: هذه الإنكارات المجملة لا تفيد شيئًا؛ بل من أنكر شيئًا فليكتب خطه بما أنكره وبحجته، وأنا أكتب خطي بجواب ذلك، ويرى أهل العلم والإيمان الكلامين؛ فهذا هو الطريق في الأمور العامة. وأما الألفاظ التي لا تكتب، فيكثر فيها التخليط والزيادة والنقصان، كما قد وقع. وقد قلت فيما قلته للطيبرسي: هذا الأمر الذي عملتموه فساد في ملتكم ودولتكم وشريعتكم، والكتاب "السلطاني" الذي كتب على لسان السلطان فيه من الكذب عليكم ومخالفة الشريعة أمور كثيرة تزيد على عشرة أوجه. وكتاب "غازان" الذي قرئ على منبر الشام أقرب إلى شريعة الإسلام من هذا الذي كتب على لسان سلطان المسلمين وقرئ على منابر الإسلام، فإذا كان بحضورهم يكتب على الكذب عليكم وعلى القضاة، ويبدل دين الإسلام، فكيف فيما سوى ذلك مما غاب عنكم؟ وكذلك أرسلت مع الفتاح إلى نائب السلطان أقول: هذا الاعتقاد عندكم، وهو الذي بحثه علماء الشام، فمن كان منكرًا منه شيئًا فليبينه[15]. لابد لمنكر المنكر من حجة وبيان ومما يجب أن يعلم أن الذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا بحجة وبيان، إذ ليس لأحد أن يلزم أحدًا بشيء، ولا يحظر على أحد شيئًا بلا حجة خاصة، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلِّغ عن الله، الذي أوجب على الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم وما لم تدركه، وخبره مصدق فيما علمناه وما لم نعلمه. وأما غيره إذا قال: هذا صواب أو خطأ، فإن لم يبين ذلك بما يجب به اتباعه، فأول درجات الإنكار أن يكون المنكر عالمًا بما ينكره وما يقدر الناس عليه. فليس لأحد من خلق الله كائنًا من كان أن يبطل قولًا أو يحرم فعلًا إلا بسلطان الحجة، وإلا كان ممن قال الله فيه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾ [غافر: 56]، وقال فيه: ﴿ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35]. هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله في بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه. بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتمًّا بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكمًا فيما اختلفوا فيه. قال الله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [البقرة: 213]. وقال تعالى: ﴿ نْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59] الآية. وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: 25]. وذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]. وإن أرادوا أن ينكروا بما شاءوا من حجج عقلية أو سمعية، فأنا أجيبهم إلى ذلك كله وأبينه بيانًا يفهمه الخاص والعام، أن الذي أقوله: هو الموافق لضرورة العقل والفطرة، وأنه الموافق للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وأن المخالف لذلك هو المخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول. فلو كنت أنا المبتدئ بالإنكار والتحديث بمثل هذا، لكانت الحجة متوجهة عليهم؛ فكيف إذا كان الغير هو المبتدئ بالإنكار؟ ﴿ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ [الشورى: 41] الآيتين ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171 - 173]﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51] [16]. طاعة أولى الأمر ما لم تكن في معصية وليس لي ولله الحمد حاجة إلى شيء معين يطلب من المخلوق، ولا في ضرر يطلب زواله من المخلوق، بل أنا في نعمة من الله سابغة ورحمة عظيمة أعجز عن شكرها. ولكن علي أن أطيع الله ورسوله، وأطيع أولي الأمر إذا أمروني بطاعة الله، فإذا أمروني بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هكذا دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه أئمة الأمة. قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف )). وأن أصبر على جور الأئمة، وأن لا أخرج عليهم في فتنة؛ لما في الصحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات فميتته جاهلية )). ومأمور أيضًا مع ذلك أن أقول - أو أقوم - بالحق حيث ما كنت، لا أخاف في الله لومة لائم، كما أخرجا في الصحيحين عن عبادة بن الصامت قال: ((بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في يسرنا وعسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول - أو نقوم - بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم )). فبايعهم على هذه الأصول الثلاثة الجامعة، وهي الطاعة في طاعة الله، وإن كان الآمر ظالمًا، وترك منازعة الأمر أهله، والقيام بالحق بلا مخافة من الخلق. والله سبحانه قد أمر في كتابه عند تنازع الأمة بالرد إلى الله ورسوله، لم يأمر عند التنازع إلى شيء معين أصلًا. وقد قال الأئمة: إن أولي الأمر صنفان: العلماء والأمراء. وهذا يدخل فيه مشايخ الدين وملوك المسلمين؛ كل منهم يطاع فيما إليه من الأمر. كما يطاع هؤلاء بما يؤمرون به من العبادات، ويرجع إليهم في معاني القرآن والحديث، والإخبار عن الله، وكما يطاع هؤلاء في الجهاد وإقامة الحد وغير ذلك: مما يباشرونه من الأفعال التي أمرهم الله بها. وإذا اتفق هؤلاء على أمر فإجماعهم حجة قاطعة، فإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة، وإن تنازعوا فالمرد إلى الكتاب والسنة[17]. [1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج3 ص160-161. [2]انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص161-163. [3] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص164. [4] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص170. [5] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص177-180. [6] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص187. [7] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص188-189. [8] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص211-216. [9] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص217. [10] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص218-219. [11] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص220-221. [12] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص231. [13] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص232-233. [14] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص234. [15] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص243-244. [16] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص245-246. [17] انظر: مجموع الفتاوى، ج3 ص249-250.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |