|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (1) بخاري أحمد عبده ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 51 - 57]. استروَحْنا - في بستانِ نفحاتٍ قرآنيَّة سابقة - من شَميم هذه الآيات، ووعَدْنا يومئذٍ بعودٍ قريب إليها، لا لِنَستفرغ شحنَتَها؛ فذلك أمْرٌ علينا عسير، ولكن لِنَخطف الْخَطْفة، ونريح الرُّوح، ونقنع منها بالقبَس، يكشف جنبات الطَّريق الْمُظْلِم لأُمَّة تتخبَّط بين لابتَيْه، وتضرب في التِّيه. والقرآن - كما نَعْلم - منحة السَّماء للأرض، يقيم الله به الكيان، ويَجْلو الوجدان، ويضع الآصار، ويحطم الأغلال، ويسوس النَّاس، ويرشد علاقات الْخَلق بالْخالق، والناس بالنَّاس. وعملية الترشيد هذه تقتضي سياحةً بين الأُمَم مع القرآن، ورصدًا لِخُطى السَّابلة، قربًا أو بعدًا عن الصِّراط، وتقتضي وقوفًا متأنِّيًا أمام صُوَر المواجهة بين الحقِّ والباطل، وأمام مظاهر العدوان على الأديان. وفي هَدْيِ هذا الترشيد يستطيع الْمُسلم أن يُقَوِّم مَن حوله، وما حوله، ثُمَّ ينهج - مع نفْسِه ومع الآخرين - نَهْجَ الله الذي ارتضاه، بلا إفراطٍ ولا تفْريط، ولا تحريف ولا تبديل، يَمْتح[1] من مَعِين الله بقوَّة، ويَفْرِي[2] فرْيَه في عبقريَّة، بلا وهنٍ ولا هوان، ودون أن يَخْشى في الله لومة لائم، أو تَمْنعه رهبةُ الناس أن يقول بِحَق إذا عَلِم؛ مصداق ما روي عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم. والمسلم من هذا المقام المرموق، الزَّاخر بالْهدايات، يَرى أعداءه قِمَاءً[3]، ويُبْصرهم - وقد انْحَسر عنهم غطاءُ الْحَقِّ - عرايا مُجرَّدين، فيُكَيِّف نفْسَه طبقًا لِما تيَسَّر مِن رؤيةٍ عميقةٍ واضحة، ويتعامل بفِطْنة ومُرونة واعية مع كلِّ الجبهات التي تتنكَّر الحق، وتكيد وتَمْكُر. من سورة المائدة: وآياتنا الْمَدنيَّة هذه تشهد بقوَّة الْمُسلمين، واكتمال مقوِّمات الاستِقْلال، والاكتفاء الذاتِيِّ فيهم، وتشهد بقدرتِهم على نبْذِ التَّبَعية والدَّوران في فلَكِ أهل الكتاب. وهي آيات من "سورة المائدة" تتضافر آياتُها؛ كي تستنفِرَ قُوَى الْمُسلم، وتقيمه مقامَ رِفْق وعِلم، ووعْيٍ وثبات، حتَّى يتعامل مع الكون والكائنات بقوَّة عاقلة، وعلى هُدى وبصيرة. و"المائدة" - فيما يُروَى - من آخر سُوَر القرآن عهدًا بالسَّماء؛ وفاقًا لِما ذَكَر الإمام أَحْمد والنَّسائيُّ، ورواه الحاكم عن جُبَير بن نُفَيْر قال: "حجَجْتُ، فدخلَتْ عليَّ عائشةُ - رضي الله عنها - فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعَم، فقالَت: أمَا إنَّها آخِرُ سورة نزلَتْ، فما وجدْتُم فيها من حلالٍ فاستَحِلُّوه، وما وجدْتُم فيها من حرامٍ فحَرِّموه". ومعنى هذا أن السورة نزلَتْ بعد شكم الأعداء، واندحار قُوَى الكفر، وتقهقرهم. والتَّقهقُر لا يعنِي الْمَوت، بل قد يكون تَحفُّزًا لوثوبٍ وشيكٍ، فلا بُدَّ أن يكون في الْحُسبان احتمالُ استجماعِهم لِقُواهم، ومُواجهَتهم الْمُسلمين من جديد بكلِّ ما جُبِلوا عليه من شراسة وغَيْظ. فلا عجب إذًا إذا حرَصَ القرآن على رسْم صورةٍ واضحةِ الْمَعالِم لأهل الكتاب، ولسائر الأعداء؛ حتَّى تظلَّ ذخيرةً للأجيال، مُنْذِرة، مذكِّرة على مرِّ الدُّهور، وحتَّى يظل المسلمون آخِذِين وضع الاستعداد، في رباطٍ إلى يوم القيامة. هذا على القول بأنَّ "المائدة" نزلَتْ بِرُمَّتِها دفعة واحدة؛ وفقًا لِما أخرجه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد قالت: "إنِّي لآخِذَةٌ بزمام العَضْباء - ناقة رسول الله - إذْ نزلَتْ عليه المائدة كلُّها، فكادت من ثقلها تدقُّ عَضُدَ النَّاقة". وظنِّي أنَّ هذا لا يَمْنع من استثناء آياتٍ نزلَتْ من قبْلِ ذلك تغطيةً لِمَواقف معيَّنة، أو رصْدًا لغليان العداوة، وذبذبات النِّفاق. وآياتنا التي نشتَمُّ منها رائحة الشَّمخة والتسلُّط، والتأثير الذي كان لأهل الكِتَاب على العرب لا يبعد أن تكون نزلَتْ منفردة، ثُمَّ نُظِمَت في عِقْد السُّورة مع باقي الآيات التي نزل بِها الرُّوح الأمينُ؛ لِتُتلى مرَّة ثانيةً في نظام السُّورة كُلِّها. من أسرار النُّزول: والآيات - على أيِّ حالٍ - تُثِير مواقِفَ ارتبطَتْ بِها، وغدَتْ من أسباب نزولِها. ولكن آيات القرآن لا تتقوقَعُ حول خصوص السَّبب، بل يعمُّ نورُها القضايا الْمُناظرة، والمواقف المشابِهَة المتجدِّدة إلى يوم القيامة، وهي في ذلك كالْمِصباح توقِدُه لحاجة في نفْسِك معيَّنة، ولكن نوره يكشف لك ما تُريد، وما لَم تُرِد. ومن المواقف التي تُواكب الآيات: 1- صورة يهود، وهم يستقبلون في قلَقٍ أنباء انتصار المسلمين بِبَدر، ويُحاولون بأكثرَ مِن أسلوبٍ النَّيلَ من روح المسلمين المعنويَّة، مُخْفِين ما اعتراهم من هَمٍّ خلْفَ ادِّعاءات، ودعايات مكثَّفة، قالوا فيما قالوا: "غرَّكم معْشَرَ المسلمين أنْ أصبْتُم رهطًا من قريش لا عِلْم لَهم بقِتال؟! أمَا لو أمرَرْنا العزيمة أن نستجمع عليكم لَم تكن لكم طاقةٌ بِنا"، ويلمس عُبادَةُ بن الصَّامت - رضي الله عنه - وكان وَلِيَّهم - في قالَتِهم تلك شرَرَ الحقد والغيظ، فيُسارع ويَخْلع ولاءهم، ويَبْرأ من حِلْفِهم، مُسْتغنيًا بالله ورسوله والمؤمنين. 2- وصورة حليفهم ووَلِيِّهم رأْسِ الْمُنافقين ابنُ أُبَيٍّ متشبِّثًا بِهم، قائمًا دونَهم، ثائرًا من أجْلِهم يوم نقَضَ بنو قَيْنقاع عهْدَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأخْفَروا ذِمَّة المسلمين. يومئذٍ يقف ابنُ أُبَيٍّ منتفضًا، ويصيح مُنْزعجًا: "يا محمَّد، أحسِنْ في موالِيَّ؛ أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع منَعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في ليلةٍ واحدة؟ إنِّي امْرُؤٌ أخشى الدَّوائر". 3- وتُطالعك صورةُ رجلَيْن كانا يَعْبدان الله على حَرْف، فانقلبا يوم فتنة أحُد، وعزم أحَدُهما على أن يطلب الْمَنَعة في كنَفِ يهوديٍّ، ولاذ الآخر بِنَصراني يبتغي عنده العِزَّة[4]. 4- وقد يَثِب إلى ذهنك وأنت تتدبَّر الآياتِ موقِفَ أبي لبابة - رضي الله عنه - وهو يُحَذِّر بني قُرَيظة من موتٍ مُحقَّق إنْ هم نزلوا على حُكْم سعْدٍ فيهم، مشيرًا إلى حَلْقِه أَنِ احذروا النَّزع[5]. بيئة الآيات: وآياتنا تَنْبض في بيئةٍ قرآنيَّة تعكس حقيقة أهل الكتاب، وتُحْصي من مواقف البَغْي والغدر والتَّحريف، ونقض المواثيق ما يُبَصِّر المسلمين، ويوقِفُهم على مواضع الدَّاء، ومكامن الْخَطر فيمن حولَهم من القُوَى الْمضادَّة التي كانت تَمِيل بشِقٍّ، وتخيل[6] عليهم بشق. وهذه المعاني تنبسط في بيئةٍ تترامى بَيْن قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 41]. وبَيْن قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾ [المائدة: 86]. والمتمعِّن يلمس مرونةَ هذه البيئة، فهي في أوَّلِها تتَّسِع، وتَمْتدُّ إلى قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 12]. والذي يجوس خلالَ هذه البيئة القرآنيَّة يروعه التَّركيزُ الشَّديد على أهل الكتاب، في تصويرٍ بليغ يَمْسح السُّطوح، ويكشف الأعماق، ويستقصي الْخَواطر، ويُجسِّم المعاني، حتَّى يروا عرايا مكشوفين، معزولين عن الهالة التي حاكها أهْلُ الكتاب حول أنفُسِهم، وكثَّفَتْها أُمِّية العرَب، وعُقْدة النَّقص، ونظرة التقدير الَّتِي كانوا ينظرون بِها إلى أصحاب الدِّيانات القديمة. في رحاب البيئة: وأنت ترى خلال هذه البيئة يدَ الله الْمَبسوطةَ بالنِّعَم تُقابَل بالكُفْران، والافتراء، والتَّحريف، ونَقْض الْمَواثيق، والعداوة الْحَمراء لكلِّ صوتٍ يَشْجب فِعالَهم، ويُعْلِن ضلالَهم، ويندِّد بالْمَزاعم الْمُفتراة. وتَعْجَب وأنت تشهد الإيمان يتحدَّى عتُوَّ الكُفْرِ، والنُّورَ يَمْحق فلولَ الظَّلام، والحقَّ يستهين بكلِّ قوى الضَّلال التي تعترض مسيرة المؤمنين الْمتحصِّنين بدينهم، الْخُبَراء بِدُنياهم، العارفين بِمُقتضيات سنن الله في الوجود، وفي هذا تربيةٌ للمؤمنين أيّ تربية! فلا يَهِنون ولا يَحْزنون، ولا يَيْئسون. وترى في البيئة تذكيرًا بالكِتابيْنِ اللَّذَين تعرَّضا للعبَث، والتَّحريف، والْمَسخ، حتَّى ابتَعَدا عن أصْلِهما، وعن الْهَدَف الذي أنزلا من أجْلِه، وهو التَّطبيق، والاحتكام، والالتزام، لا مُجرَّد التِّلاوة، أو الاستماع، أو التبَرُّك، وفي هذا التَّنْديد بِصَنيع أهل الكِتَابيْن تَحْذيرٌ للمُسْلمين أن يتَّبِعوا سَنَن مَن قبْلَهم، ويلفُّوا لفَّ من سبَقَهم. وموقف التنديد بصنيع أهل الكتابين يقتضي إشادةً بالقرآن؛ لأنَّه جاء مصدِّقًا لِما بين يدَيْه من الكتاب، ومهيمنًا عليه، في إحاطةٍ بِحَقائق الأديان تُبوِّئ هذا الكتابَ مقام الشهادة على جَميع الكتب، ما وافق القرآن منها كان حقًّا، وما لا فلا، بِمِثل هذه الْخَصائص صار للقرآنِ الْمَقامُ الأَسْمى، وتَحتَّم الالتزامُ بشِرْعة محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - التي تناسب العمر العقليَّ للبشريَّة الراشدة التي بلغَتْ أشُدَّها، واستوت، والالتزام بِمِنهاجه الذي أُسِّس على أصولٍ تربويَّة مَرِنة، تُناسب التطوُّر الإنسانِيَّ المستمِرَّ. وإذا كان لكلِّ مرحلة من مراحل النُّمو البشري شريعةٌ ملائمة ومنهاجٌ، فإنَّ كلَّ أمة من أمم هذه المراحل تستبق الخيرات بقدْر ما رُزِقت من قدرات، وأُوتيَتْ من وُسْع، ذلك قول الله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [المائدة: 48]. إلا أنَّ روح الشرائع واحدةٌ، هي مفهوم كلمة التَّوحيد: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36]. اقرأ في هذه المعاني من قول الله: ﴿ فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42]. إلى قول الله: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]. هكذا تُطَوِّق الآياتُ الأقطارَ، وتُحاصر الأفكار، وتقصُّ الآثار، وتحيط بأهل الكتاب وهم يدبُّون دبيبًا، حتَّى ينتهوا إلى شفير جهنَّم مستقَرِّ الكفرة المكذِّبين؛ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم ﴾ [المائدة: 86]. وفي أثناء ذلك تلمح استطراداتٍ تُحتِّمها الْمَواقف، أو تستدعيها الْمَعاني، أو يقتضيها كمالُ التَّصوير. يتبع،، [1] مَتح الماء: نزَحَه. [2] فَرَى الفَرْي: عمل عملاً يأخذ بالألباب. [3] قماءً: أذِلَّة صغارًا. [4] ابن جرير. [5] ابن جرير أيضًا، وفي "جامع البيان في تأويل القرآن" للطَّبَري - (10 / 398 - 399): وقد يجوز أن تكون الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبدالله بن أُبَيِّ بن سلول وحلفائهما من اليهود. ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة؛ بسبب فعْلِه في بني قُرَيظة. ويجوز أن تكون نزلَتْ في شأن الرَّجلين اللَّذَين ذكر السُّدِّيُّ أن أحدَهما همَّ باللحاق بدهلكَ اليهوديِّ، والآخَر بنصرانِيٍّ بالشأم. ولَم يَصِحَّ بواحدٍ من هذه الأقوال الثلاثة خبَرٌ تثبت بِمِثله حُجَّة، فيُسلَّم لصحته القولُ بأنه كما قيل. فإذْ كان ذلك كذلك، فالصواب أن يُحْكم لظاهر التَّنْزيل بالعموم على ما عمَّ. [6] أيْ: تتهم وتخدع.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (2) بخاري أحمد عبده ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران 102- 105]. شعار المسلم - إذن - إسلام إلى الأبد، إسلام مع كل نفس يتردد. وشياطين الإنس تؤزهم شياطين الجن بالمرصاد لهذا الدين، يصدون عنه، ويوقفون مده، ويعكرون صفوه، ويكبتون أنفاسه، ويمكرون الليل والنهار. ويرتاعون يوم يرون صحوة عارضة تسري في الجسد المسجى فيسرعون إلى معاولهم يفصمون بها العرا، ويخنقون الأنفاس، ويحطمون الخلايا التي تفيض بالحياة، وتؤذن بالنمو. وأعداء الدين رغم ما بينهم من تنافر-يجمعهم إبليس على حد أدنى، هو كراهية الإسلام. كلما رأوا حيوية منذرة، وأحسوا أن بذرة الدين توشك أن تتفتق في جذر قلوب الرجال وتتحرك في الفطر الحية التي تنعش تحت ركام الرماد المحترق تتحين لحظة الإشعاع - كلما أحسوا ذلك أخذتهم الرجفة، وداروا يرصدون الثغرات، ويرسمون للاحتواء والإجهاض، بأساليب شتى منها: 1. تعميق الخلافات بين المسلمين ولاسيما الشباب. 2. تشويه الواجهة بإلصاق التهم وترويج الشائعات. 3. دعم الجبهات المضادة التي يسوؤها انتشار المد الإسلامي. 4. اصطناع العملاء وتزويدهم بإمكانيات التسلل، والتصنت، والقمع. 5. التمكين للأقلام المأجورة كي تشكك، وتبلبل، وتطعن في المقدسات. 6. مباركة كل منابر التنفيس، ودعم مراكز الدين الموجه، وإذكاء جذوة البدعة والدروشة والخرافة. 7. مناصرة حركات الجمود التي تقوقع المسلم في دائرة ضيقة تكتم الأنفاس، وتشل القدرات، وتعوق عن الحركة، كذلك يمكر الأعداء ليسقط المسلمون ببلاهة في الشباك، ويستغرقوا في الخلافات، ويتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا مع استبداد بالرأي وغلو، وغرور وسطحية، واستغراق في رؤى وردية مع نبو في الأسلوب،وجهل بالطريقة،وغفلة عن الحكمة، والموعظة الحسنة. إن شياطين الإنس والجن لن يدعوا المؤمن ينعم بأرواح الإسلام، أو يتحسن بالأشفية التي تشع من القرآن. والحق أن القوى السفلى لا تفتأ تصد، وتكيد حتى يتدابر المسلمون فلا يلتقي بعضهم ببعض، ولا تزال تموه وتخدع حتى يحيص المسلمون فيعموا عن مهاوي الشقاق، ويصموا عن هاتف الوحدة والوفاق. والوحدة والوفاق إن رفعا فوق أرضية من تقوى الله باتا قلاعًا تهب المنعة، وتتدارك المسلم الذي يمارس قدره، ويظل يغالب أعداء النور، ويخوض غمرات الفتن، ويمضي بالدين والدنيا إلى غايتهما وهو يرتل قول الحق ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. والآية- للوهلة الأولى- تشعر بدفء الأخوة، وتوحي بجلال التآلف على منهج الله، في هدي قرآنه، وحمى عهوده، وذكر آلائه. كما توحي بأن نعمة الإخاء مقدمة على نعمة الإنقاذ بحكم كونها ذكرت قبلها وسبقتها في مقامات المن والتذكير ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ [آل عمران: 103]. وشريعة الحق بكل ما تحوي من هدى هي (حبل الله) تضوي شعاعاته في سماوات المؤمنين، وتنتشر منارات بينة،وتنتظم حصونًا منيعة تعصم،وتدرأ غوائل الأعداء. ومن هنا تعددت رؤى المفسرين لكلمة (حبل الله): 1- أولت بالعهد استرشادًا بقول الله: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران 112] بحبل أي بعهد وذمة. 2- وأولت بالقرآن استئناسًا بما رواه مسلم في صحيحه عن يزيد بن حبان قال: انطلقت أنا وحصين بن سيره، وعمر بن مسلمة إلى زيد بن أرقم. فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يازيد خيرًا كثيرًا. رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،وسمعت حديثه، وغزوت معه،وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله، فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله فينا خطيبًا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فحمد الله، وأثنى عليه ووعظ، وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحث على كتاب الله، ورغب فيه ثم قال: وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي (ثلاثًا) فقال له حصين: ومن أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر،وآل عباس. قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. ويجدر بنا هنا أن نبادر فنرد على مستشرقين يتخذون من هذا الحديث مدخلًا للطعن في عدالة الإسلام والتشكيك في مبدأ المساواة في الإسلام. ويتهمون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمحاباة وتمييز خاصته، وآله. والحق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث لم ينسب إلى أهل بيته فضلًا يميزهم عند الله أو يرفعهم على الناس. وهو - صلى الله عليه وسلم - لم يزن لهم بميزان يغاير ما يزن به لعامة المسلمين. كما أنه لم يوص لهم بدنيا زائدة ولا طلب لهم معاملة خاصة تميزهم على غيرهم. بل لم يزد على أن ذكرنا الله في أهل بيته. وذلك يقتضي ألا نحيف، وألا نحابي. أن نقيم الوزن بالقسط ولا نخسر الميزان. ولعله - صلى الله عليه وسلم - نظر بفراسة المؤمن فتصور ما سوف يحيق بأهل بيته، ولا سيما من نفوس نفست على بني هاشم شرف النبوة، وورمت أنوفها لما نالوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من ذكر. فوق أن هذاالشرف الجديد قد يورث بنى هاشم شيئًا من الزهو والتعالي الذي يثير نوازع الغيرة والحسد في نفوس غيرهم. وقد يجمح ببني هاشم هذا الشعور فيرون أن ما غمر العرب من سيادة وشرف تراث محمد - صلى الله عليه وسلم -. وهم أولى الناس بتراث محمد . مما يثير أحقادًا دفينة أو يحرك غريزة تنازع البقاء. لكل هذه المعاني كان أهل البيت عرضة للكبت والقهر والظلم وأحوج للوصية. ومما يؤيد ما ذكرنا من أن المراد بالحبل هو القرآن ما رواه الترمذي والدارمي بسند فيه ضعف. (… كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه…). والتآويل كلها تمس الخيوط التي تجدل ذلك الحبل، وتنتهي بك إلى أن حبل الله هو دين الله بكل ما في الدين من خير يعم الآخرة والدنيا. والاعتصام معناه أن تأرز إليه وتلتصق به التصاقًا يقيك ويحتويك. وإبرازًا لخطورة قضية الوفاق، وتأكيدًا لأهمية الوحدة، أتبع ضمير الجماعة في ﴿ وَاعْتَصِمُوا ﴾ بكلمة جميعًا، ثم أكد مفهوم الجملة الآمرة بجملة أخرى ناهية - ولا تفرقوا - لتبيين أن الاعتصام ينبغي أن يملأ حياة المسلمين وأن الذين التقوا في رحاب الله، وانتظموا في سلك الشريعة، وارتبطوا في هدي القرآن لا ينبغي أن ينفرط عقدهم أبدًا. والآيات بما تحمل من تأكيدات تثير كامن الفطنة، وتوقظ قوى الوعي والحذر، وتفرض على المؤمن أن يعرف سبيله ويتحسس مواقع الخطا حتى لا يقع موقعًا يوهي العرا، أو يقف موقفًا يزيل الألفة ويغري بالتنازع ويؤذن بالدمار ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينََ ﴾ [الأنفال: 46]. والاختلاف في الفروع جهد طاقة، وتنوع فهوم، فهو لا يخرق قاعدة الائتلاف مالم يؤد إلى جمود، وتعصب، وانطواء أعمى في المذهب، وتناطح ينأى بالفرقاء عن التناصح. روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم، ويسخط لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)). ومقام الاعتصام مقام رفيع. والقلوب- وإن سمت فوق الأهواء- لا تبلغ هذا المستوى إلا بتوفيق من الله ودعم منه. والله سبحانه يمتن بهذا الدعم ويذكر بنعمة الإخوة والتأليف ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران: 103]. والقرآن حين يأسو نوازع الفردية، ويعالج دواعي التنازع المختزنة في عنصر الطين، يستعين بصورتين: صورة تنتزع من ماضيهم القريب، من أمسهم الجاهلي يوم كانوا فرقًا، لكل فريق هواه، وحمية الجاهلية، فتداركهم الله بالإسلام حتى تحابوا والتقوا على كلمة سواء نظمتهم في عقد واحد، وأنقذتهم من مخاطر مودية ، فقد كانوا على شفا حفرة من النار، يتأرجحون حول شفيرها متعلقين بحبال الشرك. والله يعرض الصورة ويخرج الخطر الداهم في تمثيل تجب له القلوب ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ والبعد عن رحاب الله وتخبطهم بين آلهة شتى أورثا شقاقًا وتدابرًا وتنافرًا وتناحرًا كالأوس والخزرج مثلًا، طال بينهم الشقاق، وكثرت الوقائع حتى استنقذوا بالإسلام وتآخوا. وصدق الله: ﴿ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 62- 63]. والقلب مكمن المشاعر، ومناط الأهواء، ومستقر الخير، ومستودع الشر. لذا اختص بالذكر ((فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)) ((وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)). ونعمة التأليف بهتت يهود، ووقعت وقع الصاعقة على نفوس لا تبني إلا فوق الأشلاء، ولا تعيش إلا على الدماء. فلا غرو إذا احتالوا ومكروا رجاء أن يوقدوا من جديد نار العداوة بين المسلمين فتنقطع الأواصر ويدب الخلاف ويحل الدمار: مر رجل من يهود بمحافل الأوس والخزرج فساءه تلاقيهم، وتآلفهم فدس رجلًا يذكرهم ما كان بينهم من حروب يوم بعاث. ففعل ولم يزل ذلك دأبه حتى ورمت الأنوف واستلت السيوف، وتواعدوا إلى الحرة. وبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاهم وجعل يسكنهم ويقول: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وتلا عليهم قوله سبحانه: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران: 103] فندموا، وثابوا إلى رشدهم وتعانقوا، وطاش سهم اليهود. ونعمة التأليف تلك يمتن بها رسول الله على الأنصار يوم قسم غنائم حنين: أخرج البخاري عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم في الناس المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي. كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن. قال: لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس واديًا لسلكت وادي الأنصار وشعبها.الأنصار شعار ودثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. بمثل ذلك التصوير القرآني البليغ، وبمثل هذه المواقف النبوية الحكيمة يربي المسلمون على الوفاق ويحدون إلى معارج الهدى والعزة والخير.﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103]. وصورة أخرى تنتزع من التاريخ وتلابس من حولهم من أصحاب الديانات ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ [آل عمران 105] فبمن تعرض الآية ومن المعنيون المتوعدون؟ يتبع،،
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (3) بخاري أحمد عبده بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 102- 105]. واكبنا القرآن يزجي آيات بينة، تتهادى ذخائرها إلى الأفئدة سخاء، رخاء، ميسرة، هادية إلى خير الدارين، مشيدة حول الحياتين بروج الأمن، وقلاع المنعة والعزة. وارتدنا في هدي الآيات السهول، وجبنا الآفاق، وأمسكنا والقرآن يسد منافذ الشقاق ويمن علينا بنعمة الوفاق، ويستأنس بصورتين يعالج بهما نزعات الشقاق، ويلأم ثغر الوفاق: صورة تمسك بحجز الماضي القريب يوم كانوا في الجاهلية وكانوا، وصورة تنتزع من التاريخ وتلابس من حولهم من أصحاب الديانات. وقرأنا يومئذ قرآنًا قول الحق: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾[1]. والآية تشجب كل عمى في رائعة النهار، ولكنها بالدرجة الأولى تعرض بأهل الكتابين، وترفض مسلكهم، وتحذر من شططهم المودي، ومنهجهم المنحرف. هذا المنهج الذي كان يقض مضجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يتمثله يدب دبيبًا نحو أمته. وحين كان يتفرس القرون فيرى في دياجيرها الأمة ممسوخة، متخبطة، كابية، تنبش مهاوي الأولين. فيظل رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يحذر: ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها))؛ البخاري((لتركبن سنة من كان قبلكم حلوها ومرها))؛ أخرجه الشافعي بسند صحيح ويصدق هذا ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا، وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟ ولقد روى ابن جرير الحديث عن أبي هريرة مسبوقًا بقسم صريح (والذي نفسي بيده لتتبعن…) ثم شفع الحديث بقوله: أقرءوا إن شئتم القرآن: ﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [التوبة: 69]. كل ذلك اتباعًا للهوى، وكفرانًا بالحق، وإدلاجًا مع نوازع الكبر والحقد والحسد وإمعانًا في الضلال رغم بلجة الآيات، ووضوح البينات العقلية والشرعية التي تكفل اتحاد الوجهة، ووضوح الرؤية، وقهر النزعات. لذا ناسب أن يغلظ الله عليهم الوعيد، وأن يشير إليهم إشارة توحي بالنبذ والإقصاء. والعجب أن تصم الآذان عن كل هذه التحذيرات، وأن يسقط رءوس هذا العصر في وهدات الأولين، ويشتملوا اشتمال الصماء بكل تلك الصفات المرذولة، فينسلخوا عن حقائق العلم، ويعاقروا الأهواء، ويصيروا وفق ما أخرج ابن أبي خيثمة من طريق مكحول عن أنس - رضي الله عنه -: ((قيل يا رسول الله متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل. إذا ظهر الادهان[2] في خياركم، والفحش في شراركم،والملك في صغاركم[3] والفقه في رذالكم)). الوحدة درع غامر: والذين تجمعت فيهم تلك الخلال المقصية عن رحاب الله ينتمون إلى الطاغوت. والمؤمن إنما ينتمي إلى الله مولاه لا يتجاوزه إلى غيره. والانتماء إلى الله اطار جامع تغمره ولاية الله. فالله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، يخرجونهم من النور إلى الظلمات مصداق آية البقرة (257) التي تفرض على المؤمنين وحدة الجهة موحية بما ينبغي أن يكونوا عليه من وحدة الصف والكلمة والغاية والوسيلة. والآية إذ تفرض وحدة جهة الولاء بالنسبة للمؤمن، وإذ تثبت للكافرين تعدد الجهة، وتنوع الأولياء[4]، تقرر في الوقت نفسه أنهم أشتات تحركهم وحدة الحمأة والهوى والمهوى[5]. والله كي يسبل على المؤمنين أزر الرعاية والولاية نزل الكتاب بالحق، وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد (البقرة176) فجمع بأنوار كتبه على الصراط قلوبًا مهيأة بطبيعتها الطينية أن تذهب بددا بكل واد شعبة مصداق الأثر: أن قلب ابن آدم بكل واد شعبة فمن أتبع قلبه الشعب كلها لم يبال الله بأي واد أهلكه. ومن توكل على الله كفاه. وهو سبحانه سكن أسباب الفرقة المحتدمة التي تعتمل في الكيان بهدايات الدين التي جمعت المؤمنين على كلمة سواء فوق درب سوى ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ﴾ [البقرة: 213]. وحتى تظل حواجز الدين حصينة، وكلمة المؤمنين جامعة، جلجل نداء السماء عبر الرسالات ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه ﴾ [الشورى: 13]. وتقرر أن التفرق بعد أن وضحت المعالم،وسمق بناء الدين، وسدت ثغر إبليس بغي، وتنطع، وهوى منحرف، ولجاج داحض ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ﴾ [الشورى: 14- 17]. ويبرز سبحانه مشاهد المختلفين محاطين بالويل والحسرات مدموغين بالغفلة المفضية إلى الكفر: ﴿ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُون ﴾ [مريم: 37- 39]. وتأكيدًا لنداء الوحدة الذي تردد عبر الأديان، ووقوفًا بهذه الأمة على مرافئ اليقين خصص القرآن من بعد إجمال وساق تلك المعاني في خطاب مباشر إلى محمد - - صلى الله عليه وسلم -: ﴿ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون ﴾ [النحل: 64] ثم يخص المؤمنين من أتباع محمد بنهي عن التنازع خاص ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين ﴾ [الأنفال: 45- 46]. ويبين الله أنه سبحانه يرأب بالقرآن الصدع،ويلحم اللبنات، ويسد ما بينها من شقوق ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُون﴾ [النحل: 64]إن الشقاق مهلكة مشأمة، وإن الوفاق مرحمة ومكرمة ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 8 - 10]. الوحدة إذن درع غامر، وهي غيظ الأعداء، وكيد الشيطان. والشيطان همه أن يجرد الأمة من هذا اللباس ويعرضها في سوق النخاسة مكشوفة عارية إلا من آصار إبليس، وأغلاله ﴿ يَا بَنِي ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: 27]. اختلاف أمتي رحمة: والشيطان في دهاء يجري على بعض الألسنة قولًا منسوبًا إلى رسول الله صلى الله عليه رواه الطبراني والبيهقي بسند ضعيف[6]،وهو حديث (اختلاف أمتي رحمة) والمتمذهبون المتعصبون يلوكون هذا الحديث، ويتمادى بعضهم في الضلال فيزيد (واتفاقهم نقمة). والحق أن ما يلوكونه مخالف لمفهوم قول الله: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ [هود: 118، 119]. فالاختلاف إذن شأن من لم يتداركهم الله برحمته. ومخالف كذلك لما رواه مسلم (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) ومخالف لما رواه أحمد وأبو داود بسندهما عن أبي عامر عبد الله بن يحيى قال: (حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة قام حين صلى العصر فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، (يعني الأهواء) كلهم في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبة لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله…) إن الاختلاف مهما كان حجمه، طريق نقمة لا نعمة. ولذلك أمرنا- فيما يرويه مسلم - أن نستهدي الله دائمًا وندعوه أن يجنبنا الضلال (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) وعلمنا - مما يرويه مسلم - دعاء رسول الله فقد روت عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول إذا قام من الليل: اللهم رب جبرائيل، وإسرافيل، وميكائيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. لقد خضنا خوض فارس والروم وأهل الكتابين وأفضى ذلك إلى تعدد المنازع وأسلم للاختلاف والاقتتال ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوافَمِنْهُمْ مَنْ ءَامَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد ﴾ [البقرة: 253]. وأسلافنا قد اختلفوا بحسب ما أدى إليهم اجتهادهم، أو بحسب ما قام لديهم من دليل. ولكن لم يضلل بعضهم بعضًا، ولم يدع أحدهم أنه على صواب لا يحتمل الخطأ. واختلافهم لم يتجاوز الفروع، ولم يصطبغ بصبغة المكابرة والتعصب. والحاسم في مواقف الشطط تحكيم ما أنزل الله بحق قول الله في سورة الشورى آية 10﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ وبحق قوله في سورة النساء آية 59 ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. ولا شك أن جمع كلمة المسلمين على ما أنزل الله أوجب واجبات الأمراء. ورعاية لهذا، وإيصادًا لمنافذ الشتات حتم الإسلام الإمارة. وما أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين فصاعدًا لشأن إلا أمر منهم أميرًا وأمر بمتابعته لتنتظم الأمور، ويتجنب الاضطراب والاختلال. والإسلام درءًا لمفسدة التمزق والتدابر يوصي بالطاعة في المنشط والمكره، ويحث على الصبر وضبط النفس إلى أبعد مدى عند التعامل مع أصحاب الإمارات. روى البخاري عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة قيد شبر فمات إلا مات ميتة جاهلية)) وأخرج الترمذي عن ابن عمر انه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار)). إن ما بتنا نعانيه من تنافر وتمزق تزيين شيطان وخروج عن نطاق ولاية الرحمن إلى متاهات معتمة. ونحن حين ننصرف إلى هذه المتاهات نكون أدنى درجة من أولئك الذين عكفوا على ما لا يضر ولا ينفع، فندد الله بهم في آية ينبغي أن تظل حديث نفسك لنفسك، آية تغري بالمنهج السوي وتبين مقوماته وتحذر من تلبيس إبليس، وتقفك على صداقات السوء، وشعارات التضليل، وتعتبر كل ذلك ردة حضارية وانتكاسة عقدية ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 71 - 73] [الأنعام: 71- 73]. يتبع،، [1] لنا وقفة إن شاء الله مع قوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾. [2] النفاق. [3] صغار النفوس. [4] وذلك بجمع المبتدأ (أولياؤهم) [5] وذلك بإفراد الخبر (الطاغوت) [6] ولا يعرف له سند قوي.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (4) ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].بخاري أحمد عبده بحسٍّ مَكلوم، أعيتْه الأثقال، وأثخنتْه جراحات العقال، تسورت النفس الجدران، وعبرتْ حواجز الزمان، وخفت لأرجاء عرفة تراح روحها[1]، وتستقبل نسماتها، تسري سخاءً رخاءً، وتعكس من زهو البقاع، وبلجة[2] حجة الوداع ما تعكس، تعكس السماء وقد انفتحتْ على الأرض عشيَّة الأضحى بالخير الغَدق، فنفحت نفحة العيد، وقلدت[3] وسام الكمال لألاء، مهيب الطلعة، ثقيل التكاليف؛ ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، وسامًا يتوهَّج في بيئة قرآنيَّة تتدرج بالمسلم، فتسمو بخُلقه، وتسحَج قُواه، وتنزه هِمَّته أن يستهويَها سقطُ المتاع، كيف وقد اعْتلى وعزَّ، وتبوَّأ قمة لا ينبغي له فيها أن يَنتهب كما تَنتهب السباع بالظُّفر والمخْلَب والناب، ولا يَليق به أن يرتزق كما تَرتزق الإماء باللغو، أو باللهو، أو بالثديَين؟ في بيئة تكفل بجانبها الآخر توعية، وتبصيرًا، وشحْذًا، وإرساءً للدعائم، وتمكينًا في بروج المَنَعة والعزَّة، والنمو المطرد والكمال، هكذا تنبض آية الكمال بين حاشيتيها، وتعكس للمُثْخَنين معانيَ أخرى، معاني تفيض بالأسى والشَّجَى، وتدين أمة فرَّطتْ فانفرطتْ، وضيَّعتْ فضاعتْ، وبدَّدت التراث فجاعتْ وتسوَّلتْ، وضمرتْ فيها معاني الإيمان، فلم تعِ مغزى نداءات الإيمان الجمَّة، التي تصلصل في السورة، هاتفة مُحتفية، موجهة إلى دعائم الكمال، كاشفة مزالق الشطط، والتي احتشدتْ فاحتلَّت نحو ستة عشر موقعًا حيويًّا، تُحيط بالسورة ومطالبها: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 2]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ [المائدة: 6]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾ [المائدة: 8]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ [المائدة: 11]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ [المائدة: 35]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [المائدة: 51]، ﴿ مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ ﴾ [المائدة: 54]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: 57]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 87]... إلخ. وكلها كما ترى مطالبُ توثِّق العُرى، وتزكِّي المجتمع، وتبصِّر بالأعداء، وتحذِّر من أن نرجع القهقرى، مشرعة للمسلمين في خاصة أنفسهم، وفي معاملة من يخالطون، مرشدة لطرق المحاجة والمناقشة، والتلطُّف في ردِّ أباطيل الخصوم، ودَحْض مزاعمهم، مُبَوِّئة المسلمين مقاعد رشدٍ، ومراكز قوة، ويبلغ التلطُّف مداه حين ينادي خصوم الدعوة بصفات مُثْلى تَعتَبِر ذواتهم، وتُشبِع غرورهم، وتُهدهد من جِبِلَّة الطين الثائرة في أعماقهم: يا أهلَ الكتاب، يا أهلَ الكتاب، يا أهلَ الكتاب، نداءات تَنمُّ عن احترام الخصوم، والتلطُّف البالغ معهم. عود إلى الأزلام: والسورة قبل أن ترفعَ أذان الكمال، تعرضتْ لجملة من المحرَّمات، ثم عطفتْ عليها الاستقسام بالأزلام؛ بجامع الوهم الفاسد الذي ينتظم كلَّ هذه الانتهاكات. والاستقسام لا شك يعني الصورة التي كانتْ تُمارَس في الجاهلية؛ ابتغاء معرفة ما يخبِّئ المستقبل، بواسطة سهام كانوا يجيلونها في الأقداح، كلما أُبْهِمَ أمامهم موقفٌ أو استغلق أمرٌ، فإذا خرَج نذير الشؤم أمسكوا، وإن خرَج الآخر، مضَوا مستبشرين. والإسلام إذ يحرِّم هذا، يربي المسلم على أن يبني أمرَه على تخطيط بصير، يعتمد على حقائق، لا على وهمٍ باطل، ورجْم بالغيب، أو طرْقٍ بالحصى، أو ضرْب للرمل، أو استخارة بآيات القرآن، أو مناجاة للنجوم، واستيحاء للأبراج. ومن الاستقسام طلب ما قسمَ من رِزقٍ بواسطة الأزلام، كما يفعل نُقباء الهياكل، وسَدَنة الأقداح، الذين يتخذون إجالة الأقداح، وإشاعة الأوهام حِرفةً ومصدرَ رزقٍ. ومن هذا ما يفعله سَدَنة الأضرحة، وعَبَدَة صناديق النذور، فإنهم يروِّجون الخرافات، ويبيعون البركات، ويستقسمون للبُلْه بما لأهل القبور من كَرَامات، ومنه الارتزاق بالميسِر. ومثل هذا أن يتلاعب العلماء بما أُخِذ عليهم من مواثيق، فينقضوا أو يعرضوا، أو يكتموا أو يطوِّعوا النصوص، ويلووا أعناق الآيات؛ إرضاءً للسادة، أو تزلُّفًا للقادة، أو طلبًا لدنيا، إلى آخر أساليب هؤلاء الذين يلبسون الحقَّ بالباطل، ويكتمون الحق وهم يعلمون أن الله - سبحانه - أخَذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيينه للناس وعدم كتمانه، وأنه تهدَّد وتوعَّد كلَّ مَن يؤثِر العَرَض الحاضر على الأجل الصادق؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ [البقرة: 174- 175]. إن كل هذا استقسام، ولَعِب بالأزلام، وإهدارٌ للعِفَّة، وأكْلٌ بالثدي، والإسلام يربَأ بأهله أن تقودَهم شهوة البطن إلى التسقُّط والرمرمة، أو أن تقودهم شهوة الكسب إلى الإسفاف والإجحاف والمأثمة، أو أن تغلبَهم كَبوة الفكر، فيسقطوا أسْرى الدجَل والشعارات، ويتداولوا في أسواق النخاسة، ويُعللوا بما تعلل به الأطفال، ويُشغلوا بما تُشْغَل به الدواجن والأنعام. وضحايا الأزلام والأوهام كانوا يرون ذلك السَّفه معرفة، ويتخذونه دينًا، والمنتفعون من ورائهم يزيِّفون لهم هذا الرأي الساقط؛ ليدينوا إلى الأبد دينَ الزيف، وليظلوا - ما عاشوا - نهبَ الأنياب والمخالب والأضراس، فالصلة - كما نرى - وثيقة بين هؤلاء وبين أحبار السوء المرابطين في ساحات الاستبداد، يشترون بآيات الله ثمنًا قليلاً، ويكتمون الحقَّ، أو يلبسونه بالباطل، ويضفون الشرعية على أباطيل المستبدين، وينقضون بذلك غزْلَ الإسلام من بعد قوة أنكاثًا، ويحلون عُرى الإسلام عروةً عروة. وَهَلْ ضَيَّعَ الدِّينَ إِلاَّ المُلُوكُ ![]() وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا ![]() لبنة الكمال وكمال اللبنة: بمثل هذه اللمسات الرقيقة يصقل القرآن كِيان المسلمين؛ حتى يظل مَجلوًّا مُرهفًا، يعكس من أضوائه على الناس، وتنعكس على صفحته ما يرسله العالم من سِني الحضارة، وإشارات العلم، وما يبثه من عِبَر وحِكم، ونُذر وبُشْريات. وبين هدايات السماء، وآيات الله التي تمض [4] خلال الكون متكاملة متفاعلة، بينها يترعرع المسلم، وتنمو الأمة، وتقوم الدولة، وتحيا الضمائر، وتقوى العلائق، وتعظم الروابط التي تصِل الفرد بربِّه، وبالناس على هدًى وبصيرة. وتحقُّق هذا المستوى الرفيع في ظلِّ التفاعل بين الدين والدنيا، هو الكمال الذي ينبغي أن يدفع إلى مزيد من الكمال، إلى مزيد من التمسك بقِيَم الدين، إلى مزيد من التعامل مع سُنن الله في الكون، إلى مزيد من صلابة العود، ورحابة الأُفق، وسماحة الْخُلق، وجميل المعرفة، وعَظَمة الإعداد، وكلها معانٍ تغذي الكِيان، وتوطِّئ للكمال. والإسلام بما استودع من قوًى وكمالات لَبِنةُ الكمال في صَرْح الأديان، وهو الحلقة الخاتمة في سلسلة الدعوات الطويلة التي استهدفتْ تعبيد العباد لربِّ العباد وحْدَه لا شريك له، ولعلَّ ذلك مفاد حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله، إلاَّ موضع لَبِنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلاَّ وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)). وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمثِّل بدينه القويم الجامع لبنة الكمال في صرْح الأديان، فإن فريضة الحج تمثِّل كمال تلك اللبنة، وذلك: 1- باعتبارها خامسَ الأركان، وغلاق الدائرة، والدائرة إذا استحكمتْ حلقاتها، ولدت النور، وأورثتِ الحركة، وبشَّرت بالخير والكمال. 2- وباعتبارها في قمة الأعمال التي تزكِّي النفس، وتطهِّر اليد والأرْدَان، وذلك مصداقًا لِمَا رُوي في الصحاح عن أبي هريرة، قال: سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي العمل أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله ورسوله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))، قيل: ثم ماذا؟ قال: ((حج مبرور))؛ متفق عليه. ولِمَا رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص، قال: لَمَّا جعَل الله الإسلامَ في قلبي، أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلتُ: ابْسط يمينك لأبايعك، فبَسَط يمينه، فقبضتُ يدي، فقال: ((ما لك يا عمرو؟))، قلتُ: أردتُ أن أشترطَ، فقال: ((تشترط ماذا؟))، قلتُ: أن يغفرَ لي، قال: ((أمَا علمتَ يا عمرو أنَّ الإسلام يهدِم ما كان قبله، وأنَّ الهجرة تهدِم ما كان قبلها، وأنَّ الحج يهدِم ما كان قبله؟)). والحج بحكم هذا المقام، وبمقتضى ما يلازمه من كَبَدٍ، فريضةُ الأقوياء الكُمَّل، الذين تَفيض أكنافهم حركة وقُدرة، واقتحامًا للعقبة، وانضباطًا وصبرًا، وحُسْن سياسة في معاملة الناس، ولا شك أن المؤمن الذي يخالط الناس ويَصبِر على أذاهم، خيرٌ من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم؛ وَفْق ما رواه الترمذي وأحمد - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم. إيحاء كلمة (الناس): ولعلَّ القرآن الكريم في استعماله كلمة المؤمنين أو صفة الإيمان، حين فرض الصلاة[5]، والزكاة[6]، والصوم[7]، وكلمةَ (الناس) حين أوْجَب فريضة الحج؛ ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ﴾ [آل عمران: 97] - أراد أن يوحي بتميُّز الحج؛ ذلك لأن كلمة (ناس) من مادة "ن و س"، التي توحي بالكثرة، وتنبئ عن الحركة والحيويَّة، والحج بما يلابسه من حركة وظَعْنٍ، وإقامة وكَبَدٍ، ولِمَا يستتبع من بيْع وشراء، وإجارة وإسكان، ولتظاهر بلاد كثيرة وأطراف متعددة على تغطية متطلبات الموسم، وتوفير إمكانات الحج، لكلِّ ذلك ولغير ذلك كانتْ كلمة الناس مناسبة للمقام. عرض الأقوياء، وعرض الأذلة: والحق أنَّ الإسلام إذ يستنفر للحج إنما ينثر كِنانته، ويستعرض جيشه، ويختبر قوَّته، ويدِّرب جُنده على الزحف والكبد، وتحمُّل التقلُّبات، والصبر على اللأواء[8]، والله - سبحانه وتعالى - يبارك فيالق الحج وكتائب الإسلام حين يفدون حُنفاء أنقياء، ويحتشدون في الساحات أسوياء أقوياء، ويدينهم ويُعرِض عنهم حين يَرِدون أذلَّة ضعافًا، متدابرين مُنتهَبِين، متورِّمي الأقْفية من طول ما صُفِعوا، متقرِّحي الأدبار من طول ما رُكِلوا ودِيسوا. إنَّ الله لا يرضى لأصفيائه إلاَّ أن يكونوا في بروج الرفعة والهيمنة والسمو؛ ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]. إن الحج بمعانيه التي تفيض حركة وقُدرة ورَحابة، كان مُتنزَّل تلك الآيات الكريمة التي تزخَر بالمجد، وتَنبض بالحياة في سورة المائدة سامته رابئة[9] عن المزالق، والمساقط والشهوات. ولقد روعتْ مُعطيات آية الكمال طوائف يهود؛ جاء رجل منهم - فيما يرويه مسلم وغيره - إلى عمر بن الخطاب، فقال: "يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا أنزلتْ معشرَ يهود، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: وأيُّ آية؟ قال: اليوم أكملتُ، فقال عمر: إنني لأعلم اليوم الذي أُنزلتْ فيه، والمكان الذي أنزلتْ فيه، نزلتْ على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة، في يوم جمعة"، وعرفة عيد، والجمعة عيد، فالله - سبحانه - جمَع بهذه الآية على المسلمين ثلاثة أعياد: عيد يوم عرفة، وعيد الجمعة، وعيد الكمال، ولقد راع عمرَ - رضي الله عنه - تفاعُلُ هذه الأعياد، وتدبَّرَ مغْزَى الكمال الذي أُعْلِن فبكى، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما يُبكيك؟)) قال: أبكاني أنَّا كنَّا في زيادة من أمرِ ديننا، فأمَّا إذ كَمل، فإنه لَم يكمُلْ شيء إلاَّ نقَص، فقال: ((صدقتَ))؛ رواه ابن جرير. ومثل عمر - رضي الله عنه - حين يُحلِّل هذا التحليل الدقيق، يَفطن إلى ما وراء ذلك من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أدَّى الرسالة، وبلَّغ الغاية، وليس بعد ذلك إلا الرحيل، فقد انتقَل - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى بعد يوم عرفة ذلك بواحدٍ وثمانين يومًا؛ رواه ابن جرير. وتدافعت القوى، ودالت الأيام، واهتزَّتْ معايير المسلمين؛ ليبدأ الإسلام رحلة القهقرى، ليعودَ كما بدأ؛ فطوبَى للغُرباء. يتبع،، [1] تجد ريحها. [2] البلجة: الإشراق. [3] قلدت: منحت، وألبست. [4] تلمع. [5] ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]. [6] ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾ [إبراهيم: 31]. [7] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ [البقرة: 183]. [8] الشدة. [9] مرتفعة.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (5) بخاري أحمد عبده حقيقة الإيمان في الإسلام[1] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 150 - 152]. البيئة القرآنية: النسق القرآني يشكِّل جانبًا من جوانب الإعجاز في القرآن، فالآية من القرآن غالبًا ما تحيا في بيئة قرآنية متماسكة العُرى، متشابهة المعالِم، متلاقية الآيات، يُمسك بعضها بعضًا، وتدور حول محور واحد، في تكامل معنوي تَسري خلاله رُوح واحدة. وآياتنا تَنبض بالحياة في بيئة قرآنية ينطوي محيطها على: 1- تصور إسلامي واضح لأبعاد الإيمان، ودعوة إلى إيمان شامل لا انفصام لعُراه، مع أخْذٍ بالحجز، وإقامة لحواجز معنويَّة تَقي من الخروج عن دائرة الإيمان إلى دوائر الكفر والضلال والضياع، وذلك قول الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136]. 2- وتنديد بكل مَن اخترَق نطاق الإيمان، وجاوَز أبعاده - من كافرين ومنافقين - وتشديد للنكير، وتهديد ووعيد، ثم تعرية فاضحة للمنافقين؛ حتى ينكشفوا - بكل عوراتهم، وألاعيبهم وأساليبهم - للمؤمنين، فيتبيَّن المؤمنون بُعْدَ ما بينهم وبين أولئك، واستحالة موالاتهم ومداناتهم، وذلك قول الله: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 138- 139]، إلى قول الله: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ [النساء: 142]، إلى قول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 144]، إلى قول الله: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ [النساء: 145]. 3- ثم ثناء على المؤمنين جميل، ووعْد بالثواب الجزيل؛ جزاءَ أن استكملوا دعائم الإيمان، واحتواهم شموله؛ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 146]. وأُبادِر فأذكر أن المقام المحمود الذي وُعِد به المؤمنون جزاءٌ وِفَاق؛ لاشتمالهم رحابة الإسلام التي تَسَع الأوَّلين والآخرين، وتستخلص من كلِّ روافد السماء خلاصة دَسِمة، وتُراثًا حملوا مسؤولية وعْيه والحِفاظ عليه، والذَّود عنه، والانتقال به عبر الأجيال زكيًّا طاهرًا. وهذه الأعباء جعلت المسلمين أكبر مسؤولية، وأكبر درجات وأكبر تفضيلاً؛ مصداق ما رواه البخاري عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بقاؤكم فيما سلَف قبلكم من الأُمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أُوتي أهل التوراةِ التوراةَ، فعملوا حتى إذا انتصَف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتي أهل الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر ثم عجزوا، فأُعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أُوتينا القرآنَ، فعملنا إلى غروب الشمس فأُعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابَيْن: أي ربَّنا، أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثرَ عملاً؟ قال الله: هل ظلمتُكم من أجْركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضْلي أُوتيه مَن أشاء)). هذه هي خصائص البيئة القرآنية لآياتنا: توضيح للمعالِم، وذَرْعٌ للأبعاد، وكشْفٌ للنقب، ثم يعود القرآن لحقيقة الإيمان يؤكِّدها، ويُجلي عناصرها، ويقطع بذلك الطريق على المتكلفين الخرَّاصين؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [النساء: 150]. والآيات - كما تلمس - واضحة تجود بالقِرى؛ مصداق قول الله: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴾ [الواقعة: 77]. وتبوح بفحواها، وتُعطي بلا إجهاد؛ مصداق قول الله: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]. وتدَّخر بعد ذلك كنوزًا: إيحاءات، وسلاسل من المعاني المتداعية، وخلفيات للمتدبِّرين؛ مصداق قول الله: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [محمد: 24]. غاية الآيات: 1- تقرير أنَّ الكفر بنبي كفر بالرُّسل قاطبة، وكُفر بالله الذي اعتمَد الرسل. 2- وتهديد مَن كفَر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - من أهل الكتاب، واتخذ موقفًا مبتدعًا، وسبيلاً غير سبيل المؤمنين، تفضي إلى المتاهة، والانسلاخ عن كلِّ دين، والتنكُّر لكل رسول. والحق أنَّ الرسل تراجمةُ الوحي، والصِّلة بين الله والناس، وهم إخوة لعلات، أو حلقات في سلسلة واحدة، وجَحْدُهم، أو جحْد أحدهم كفرٌ بالشرائع، وتمرُّد على مقتضيات العبوديَّة، وانقطاع عن الله الذي صدَّقهم بخَلْق المعجزات على أيديهم، ولا شكَّ أن فقدان حلقة يفصل الدائرة، ويقطع التيار، كما أنَّ سقوط لَبِنة إيذانٌ بالانهيار، وإنذار بالدَّمَار. ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حجر الزاوية، ولَبِنة الكمال في صرْح الأديان، ودينه هو القمة التي استهدفتْها مسيرة الأنبياء، ونُكرانه رِدَّة وكُفران بالكمال، فالإيمان بكل عناصره وحدة مُحكمة العُرى، سبيله النظر المجرد عن الهوى. والذي يُمعن النظر في تراث المرسلين، وفيما جاء به خاتَمُهم محمد - صلى الله عليه وسلم - يلمس الملامح المشتركة، ويتبيَّن السَّعة التي تُميِّز الإسلام، ويرى وضوح الدليل، وقوة البرهان، والحق الذي يصدِّق ما معهم؛ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴾ [البقرة: 91]. لا واسطة إذًا بين الإيمان والكفر، فلا غَرابة إذا رأينا الآيات تلصقُ أولئك الذين فرقوا، فآمنوا ببعض، وكفروا ببعض - بالكفر المحقق، بأسلوب يُزيل التوهُّم، ويقطع الطريق على كل مُحتال، بأسلوب مؤكَّد بجملته الاسميَّة، وبالإشارة التي توحي بالإبعاد والطرْد، وبضمير الفصل وبـ(أل) الدال على كمال الكفر؛ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ﴾ [النساء: 151]. والآيات وهي تدعو نظائرها، وتستحضر المعاني التي تدور في فَلكها - تربي المؤمنين على أن يتخذوا منهجَ النظرة الكلية العميقة التي تستهدي بالحقائق، وتنفذ إلى الدقائق، وتُنبئ عن عِلمٍ، وتَحسم قضية حيويَّة كقضيَّة الإيمان. أدعياء الإسلام: هكذا تنبعث الهدايات من الآيات، ولكن القلوب المحجوبة يَغشاها خبثٌ كخبث الحديد، مصدره قوم يهدون بغير الهدْي، تعرف منهم وتُنكر، وآخرون دُعاة على أبواب "جهنم"، مَن أجابَهم إليها، قذفوه في النار، وكل هؤلاء يتعثرون في أذيال المتربة النفسيَّة، ومشاعر الهزال والقَمَاءة والنقْص. وهم في مِحنتهم النفسية لا يجدون إلاَّ الإسلام، يفرغون عليه أدواءَهم، ويخصفون من قرآنه على سوءَات السياسة، وعورات المجتمع، ويلوكون في افتتان زبد المستشرقين، يحرفون كَلِمه، ويلوون مُحْكَمه، ويُفتنون بِمُتَشَابهه. مرة تعتصر الآيات التي تحتم الحكم بما أنزل الله، وتلوي أعناقَها جهة السراب ليًّا بألسنتهم وطعنًا في الدين، ومرة تكره آيات التكافُل، حتى تلد مفاهيم اشتراكيَّتهم، ومرة تطوع للحرب، ومرة تحشد للسلام وللتسامح، والتعايش السلمي، أولئك أدعياء الإسلام، أُميون لا يعلمون الكتاب إلا أَمَانِي[2]، وإن هم إلاَّ يظنون، يشترون الضلالة، ويريدون أن تضلوا السبيل، والله أعلم بأعدائكم، وكفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا. أخلاق العبيد: وآفة الإسلام أدعياء الإسلام: الْتَاثَتْ أرواحُهم بذلِّ السنين، وأحدقتْ بها عقدُ النقص، ومشاعر اليأس، وحكمتْها أخلاقُ العبيد، فراحوا يهرفون بما لا يعرفون، ويمتشقون[3] من دينهم مزقًا؛ لتبسطَ تحت الأقدام، ينشدون بذلك العزَّة، فلا يجنون إلا خزْيًا على خِزْي، وعريًّا فوق عريّ. ومثل هذا الصنيع المتذبذب بين الإسلام والكفر، يفتُّ في عَضُد المسلمين، ويشد عضد أولئك الذين يكفرون بالله ورُسله، ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. ولهذه الصلة الوثيقة بين أخلاق العبيد التي تحرِّك الأدعياء، وحميَّة الكفر التي تُغري القوى المضادة بالإسلام، كان التنديد الطويل بالمنافقين وأهوائهم، وأخلاقهم ودوافعهم غرضًا مهمًّا، ووتدًا من أوتاد البيئة القرآنيَّة التي تَنبض فيها الآيات التي نعالجها؛ إذ لا انفصام بين النفاق وأخلاق العبيد، ولا نزاع في أنَّ سرَّ العداوة المستشرية بين المسلمين ومِلَّة الكفر هو الإسلام ذاته، وأن أحبَّ القَرَابين إلى القوى المضادة للإسلام، هو تمييع أصول الدين، وإهدار قِيَمه، وزلزلة دعائمه، ووقف تيَّاره، وتشويه جلاله باسم السماحة، أو باسم السياسة، أو باسم العلمانية، أو العقلانية وحرية النظر والفِكر. وأدعياء الإسلام - بحاسة النفاق - يعرفون ذلك، فهم يدورون في هذا المجال، ويقرِّبون قَرَابين تأكلها النار، لتقول: هل مِن مزيد. وكيف تتقبَّل أو تشبع والله يقول: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]. ويقول: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 105]؟ وفلسفة الأدعياء أنَّ الْمِلل الأخرى تفوقنا في العَدد، والعُدَد، والقُدرات، وأنَّ الإسلام مقارنة بهم هزيلٌ ضئيل، فلا مَفرَّ من أنْ يُمالئ ويُصانع، ويُداهن، ويَلوذ بالأكتاف. والقرآن الذي شخَّص أدواء الكافرين وبيَّن نهمهم، شجَب دوافع الْحَمقى من المسلمين، ووضَع أُسس معامَلة الْمِلل الكافرة، ونفَّرَ من مشاعر الوهن والهوان، التي تُنذر بالخسار، وتُسلم للارتداد، وتعوق عن الجهاد، وذلك في آيات توحي بأن فقدان الثقة بالإسلام رِدَّة، والافتتان بالكافرين افتتانًا يؤدي إلى الذوبان فيهم رِدَّة، وذلك قول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ [المائدة: 51 - 52]. البقية في اللقاء القادم - إن شاء الله. [1] نلفت الأنظار إلى ما نُشر قريبًا من هُراء تحت عنوان: "الإسلام والأديان" في جريدة الأخبار. [2] الأماني: التلاوة، والافتعال، والأكاذيب، وما يُتمَنَّى. [3] يقتطعون.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |