|
|
|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#2
|
||||
|
||||
|
وأما عن الخلاف في مسألة قطع الصلاة، فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن مرور شيء بين المصلي والسترة لا يقطع الصلاة ولا يفسدها، أيا كان، ولو كان بالصفة التي توجب الإثم على المار، وقال الحنابلة مثل ذلك، إلا أنهم استثنوا الكلب الأسود البهيم فرأوا أنه يقطع الصلاة، ولهم روايات أخرى في المسألة وننبه إلى أنه لا يوجد أحد من العلماء المعتبرين يتعمد ترك حديث ثابت عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مقدمة كتابه «رفع الملام عن الأئمة الأعلام»: وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ -الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ قَبُولًا عَامًّا- يَتَعَمَّدُ مُخَالَفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ؛ دَقِيقٍ وَلَا جَلِيلٍ. فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ اتِّفَاقًا يَقِينِيًّا عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَعَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ, إلَّا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. وَلَكِنْ إذَا وُجِدَ لِوَاحِدِ مِنْهُمْ قَوْلٌ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ بِخِلَافِهِ, فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ. وَجَمِيعُ الْأَعْذَارِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: أَحَدُهَا: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَهُ. وَالثَّانِي: عَدَمُ اعْتِقَادِهِ إرَادَةَ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ. وَالثَّالِثُ: اعْتِقَادُهُ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَنْسُوخٌ. وَهَذِهِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ تَتَفَرَّعُ إلَى أَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ. ثم ذكرها رحمه الله. هل شبه الإسلام المرأة بالكلاب؟؟ يمكننا أن نجيب هذا المعترض أو صاحب الشبهة من خلال تذكيره بأمور أساسية لا بد من مراعاتها في فهم هذا الموضوع والتدقيق فيه: أولا: ليس ثمة شيء في الوجود إلا وبينه وبين الأشياء الأخرى وجه شبه، ولو في بعض المعاني المطلقة، فالإنسان يشبه الجماد في كون كل منهما موجودا مخلوقا، ويشبه الحيوان في أوجه كثيرة، فكل منهما كائن حي يأكل ويشرب ويحيا ويموت، بل يُعَرِّفُ المناطِقَة الإنسان بأنه: «حيوان ناطق». وكذلك بين الإنسان والنبات أوجه شبه كثيرة من جهة حياة كل منهما، وإثماره، وحاجته للغذاء، ونحو ذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "كل موجودين فلابد أن يكون بينهما نوع مشابهة ولو من بعض الوجوه البعيدة ورفع ذلك من كل وجه رفع للوجود" [بيان تلبيس الجهمية] ولا يعرف عن العقلاء والمفكرين أن أحدا عد كل أوجه الشبه السابقة عيبا في الإنسان يستوجب الذم والقدح فيه ؛ فهي أوجه شبه إما محمودة، وإما أنها خلقية لا توصف بمدح ولا ذم. ثانيا: التشبيه في اللغة والمنطق يشتمل على أربعة أركان: المشبَّه، والمشبَّه به، ووجه الشبه، وأداة التشبيه. وإذا طلبنا الحكم على تشبيه معين هل نعده ذما أو مدحا، فإن من الخلل الاقتصار في النظر على (المشبَّه به)، بل لا بد من النظر في (وجه الشبه) أيضا. وقد ورد عن بعض الصحابة تشبيه فعل نفسه بفعل الدابة، كما قال عمار بن ياسر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ" [البخاري، ومسلم] .ولم يفهم أحد من الناس أنه يقصد تشبيه نفسه بالدابة من كل وجه، تشبيها مذموما لا قدر الله، إذ لا تحتمل لغة العرب ذلك أبدا. إذن فلا بد من فهم اللغة العربية التي هي لغة القرآن والسنة، قبل الخوض في هذه الشبهات الساقطة، التي تدل على جهل تام بالأسلوب العربي. ولا بد من التدقيق في وجه الشبه قبل الاتهام بأن التشبيه ذم للمرأة مطلقا أو قدح لجنس النساء. ثالثا:من نظر في الحديث المقصود في سؤال السائل، وهو حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) [مسلم]، علم أن (وجه الشبه) المقصود ليس شيئا يتعلق بالصفات السيئة لكل من الحمار والكلب، أو أن المرأة في درجة هذه الدواب والعياذ بالله، فهذا من ساقط الظن وتافه القول، وعائشة -رضي الله عنها- لم تقصد ذلك مطلقا عندما سمعت هذا الحديث فقالت: "شَبَّهْتُمُونَا بِالحُمُرِ وَالكِلاَبِ" [البخاري] وإنما (وجه الشبه) المراد هنا هو: مجرد الاشتراك في فعل معين، يتعلق بالصلاة؛ وهو إخراج المصلي عن خشوعه واتصاله بالله سبحانه وتعالى، وعائشة رضي الله عنها لا توافق على أن مرور المرأة يخرج الصلاة عن هيئتها الخاشعة لله سبحانه، وخالفها في ذلك كثير من الصحابة الكرام. وينبغي أن نتنبه إلى أن أصل المرور بين يدي المصلي، وتأثر صلاة المصلي بمن يمر من أمامه، كائنا ما كان المار، رجلا أو امرأة، إنسانا أو حيوانا هذا كله ممنوع من حيث الأصل ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام في منع الجميع من هذا الفعل المذموم: (لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً. [البخاري] بل روى البخاري، ومسلم: "أن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ كان فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ، فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنْ الْأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ، يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) قال النووي -رحمه الله-: "قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) قَالَ الْقَاضِي: قِيلَ: مَعْنَاهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى مُرُورِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ الرُّجُوعِ الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يَفْعَلُ فِعْلَ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ بَعِيدٌ مِنَ الْخَيْرِ وَقَبُولِ السُّنَّةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّيْطَانِ الْقَرِينُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ( فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينُ ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ " انتهى [شرح مسلم] ومن الواضح هنا: أن هذا الحديث عام في كل من أراد أن يجتاز بين يدي المصلي، وأن قصة أبي سعيد هذه: لا مدخل للنساء فيها البتة!! رابعا: إذا كان المرور بين يدي المصلي ممنوعا كله، سواء في ذلك الرجل أو المرأة، وإذا كان ذلك يؤثر أيضا في صلاته؛ فقد ذهب بعض أهل العلم في تأويل القطع المذكور في هذه الأحاديث، إلى أنه ليس المراد به إبطال الصلاة، وإلزام إعادتها، وإنما المراد به القطع عن إكمالها والخشوع فيها بالاشتغال بها، والالتفات إليها. قال القرطبي -رحمه الله-: "ذلك أن المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب يروع، فيتشوش المتفكر في ذلك حتى تنقطع عليه الصلاة وتفسد، فلما كانت هذه الأمور آيلة إلى القطع، جعلها قاطعة". [المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم] وقال ابن رجب رحمه الله، بعد ما ذكر نحوا من هذا التأويل: "وأقرب من هذا التأويل: أن يقال: لما كان المصلي مشتغلا بمناجاة الله، وهو في غاية القرب منه والخلوة به، أمر المصلي بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصة، والقرب الخاص؛ ولذلك شرعت السترة في الصلاة خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجة في هذه الحال، فيقطع بذلك مواد الأنس والقرب؛ فإن الشيطان رجيم مطرود مبعد عن الحضرة الإلهية، فإذا تخلل في محل القرب الخاص للمصلي: أوجب تخلله بعدا وقطعا لمواد الرحمة والقرب والأنس. فلهذا المعنى - والله اعلم - خصت هذه الثلاث بالاحتراز منها، وهي:المرأة ؛ فإن النساء حبائل الشيطان، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنما توصل الشيطان إلى إبعاد آدم من دار القرب بالنساء. والكلب الأسود: شيطان، كما نص عليه الحديث. وكذلك الحمار؛ ولهذا يستعاذ بالله عند سماع صوته بالليل، لأنه يرى الشيطان. فلهذا أمر -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالدنو من السترة، خشية أن يقطع الشيطان عليه صلاته، وليس ذلك موجبا لإبطال الصلاة وإعادتها، والله أعلم؛ وإنما هو منقص لها، كما نص عليه الصحابة، كعمر وابن مسعود، كما سبق ذكره في مرور الرجل بين يدي المصلي، وقد أمر النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بدفعه وبمقاتلته، وقال: (إنما هو شيطان)، وفي رواية: أن معه القرين؛ لكن النقص الداخل بمرور هذه الحيوانات التي هي بالشيطان أخص: أكثر وأكثر، فهذا هو المراد بالقطع، دون الإبطال والإلزام بالإعادة. والله اعلم" ["فتح الباري" لابن رجب] خامسا: ليس من الإنصاف ولا من العدل في شيء: أن يعمد الباحث، أيا ما كان دينه، ومذهبه، إلى نص منفرد، مشتبه، يحتمل من الدلالات، ما لا علاقة له بموضوع نظره وبحثه، ثم يجعله طعنا في دين كامل متكامل التشريعات والآداب، كدين الإسلام، متعاميا عن عشرات النصوص والأصول التي تكرم المرأة في ذلك الدين، بما لم يكرمها غيره من الأديان ولا الشرائع ولا القوانين. فعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قالت، قَالَ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَال) [الترمذي، وصححه الألباني في "صحيح ابي داود"] قال الخطابي: "وقوله النساء شقائق الرجال؛ أي نظائرهم وأمثالهم في الخلق والطباع، فكأنهن شققن من الرجال... وفيه من الفقه... أن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء إلا مواضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيها" [معالم السنن] واستدل أهل العلم بهذا الحديث على أن الأصل أن ما يجب للذكور يجب للإناث، وما يجوز للذكور يجوز للإناث ولا يفرق بينهما إلا بنص. ولهذا القرآن يخاطب المرأة كما يخاطب الرجل والنصوص على هذا كثيرة. كقوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل:97]. وكقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:35] من أراد أن يمر من أمام المصلي، فهذا لا يخلو من أحوال: 1- أن يمر بين يدي المصلي، يعني في المنطقة التي بين سجوده ووقوفه، فهذا محرم، بل هو كبيرة من الكبائر، كما قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه). قال أبو النضر – وهو أحد الرواة -: لا أدري أقال: أربعين يوما أو شهرا أو سنة. [البخاري، ومسلم عن أبي جهيم رضي الله عنه. وهنا لا فرق بين أن يكون له سترة أو لا يكون له سترة. 2- أن يمر في المنطقة التي من بعد موضع سجوده، وهذه لها حالان: الأولى: أن يكون المصلي يتخذ سترة، فهنا يجوز المرور من خلف السترة، لقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن فليخط خطا ثم لا يضره من مر بين يديه) [أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، قال ابن حجر في البلوغ:ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن]. وعن طلحة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل ولا يبالي من مر وراء ذلك) [مسلم] الثانية: أن لا يتخذ سترة، فهنا ليس له إلا موضع سجوده، وهذا الأقرب من أقوال أهل العلم، ويجوز لمن أراد أن يجتاز أن يمر فيما يلي موضع سجوده، وذلك لأن النهي الوارد في الحديث إنما هو في المرور بين يدي المصلي، وما يلي موضع سجوده ليس بين يدي المصلي. قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- بعد أن ذكر اختلاف العلماء في المسافة التي يمنع المصلي أحداً أن يمر فيها أمامه: "وأقرب الأقوال: ما بين رجلين وموضع سجوده، وذلك لأن المصلي لا يستحق أكثر مما يحتاج إليه في صلاته، فليس له الحق أن يمنع الناس مما لا يحتاجه". [الشرح الممتع] وهذا كله فيما لو كان منفردا أو إماما، أما لو كان مأموما، فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه. قال البخاري رحمه الله: «باب سترة الإمام سترة لمن خلفه». وعن ابن عباس قال: أقبلت راكبا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي. [البخاري، ومسلم] ومن أقوال أهل العلم أن مكة وغيرها سواء لعموم الأدلة، ولا يوجد ما يخرج مكة من هذا العموم، وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين. [الشرح الممتع] واستثنى جماعة من أهل العلم المسجد الحرام، فرخصوا للناس المرور فيه بين يدي المصلي، وذهبوا إلى أن مرور المرأة وغيرها بين يدي المصلي لا يقطع صلاته.قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني»: "ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، وروي ذلك عن ابن الزبير وعطاء ومجاهد. قال الأثرم: قيل لأحمد: الرجل يصلي بمكة، ولا يستتر بشيء؟ فقال: قد روي عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه صلى ثم ليس بينه وبين الطُّوَّاف سترة. قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها، كأنّ مكة مخصوصة. وقال ابن أبي عمار: رأيت ابن الزبير جاء يصلي، والطُّوَّاف بينه وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه، فينتظرها حتى تمر، ثم يضع جبهته في موضع قدمها. رواه حنبل في كتاب «المناسك». وقال المعتمر: قلت لطاووس: الرجل يصلي - يعني بمكة - فيمر بين يديه الرجل والمرأة؟ فإذا هو يرى أن لهذا البلد حالا ليس لغيره من البلدان، وذلك لأن الناس يكثرون بمكة لأجل قضاء نسكهم، ويزدحمون فيها، فلو مَنَع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس" انتهى باختصار. وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله: لقد وجدت حديثا مثبتا وهذا نصه: إذا كان أحدكم في صلاة، فمر أمامه حمار أو كلب أسود أو امرأة فإن صلاته باطلة إذا كان نص الحديث صحيحا فما رأيكم في الذين يصلون في الحرم الشريف وتمر النساء أمامهم وهن طائفات؟ فأجاب: "الحديث صحيح يقول النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يقطع صلاة المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود) رواه الإمام مسلم في صحيحه، فإذا مر بين يدي المصلي أو بينه وبين سترته كلب أسود أو حمار أو امرأة، كل واحد يقطع صلاته. هكذا جاء الحديث عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو الأصح من أقوال أهل العلم وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، منهم من يؤوله على أن المراد قطع الثواب، أو قطع الكمال. ولكن الصواب أنها تقطع الصلاة وأنها تبطل بذلك. لكن ما يقع في المسجد الحرام معفو عنه عند أهل العلم؛ لأن في المسجد الحرام لا يمكن للإنسان أن يتقي ذلك بسبب الزحام ولاسيما في أيام الحج فهذا مما يعفى عنه في المسجد الحرام ويستثنى من عموم الأحاديث، فما يقع من مرور بعض النساء أو الطائفات بين يدي المصلين في المسجد الحرام لا يضرهم وصلاتهم صحيحة: النافلة والفريضة، هذا هو المعتمد عند أهل العلم" [فتاوى الشيخ باز] وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز المرور بين يدي المصلي في المسجد؟فأجابوا: يحرم المرور بين يدي المصلي، سواء اتخذ سترة أم لا، لعموم حديث: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه) واستثنى جماعة من الفقهاء من ذلك الصلاة بالمسجد الحرام، فرخصوا للناس في المرور بين يدي المصلي؛ لما روى كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حيال الحجر والناس يمرون بين يديه، وفي رواية عن المطلب أنه قال: رأيت رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا فرغ من سبعه جاء حتى يحاذي الركن بينه وبين السقيفة فصلى ركعتين في حاشية المطاف وليس بينه وبين الطواف أحد. وهذا الحديث وإن كان ضعيف الإسناد غير أنه يعتضد بما ورد في ذلك من الآثار، وبعموم أدلة رفع الحرج لأن في منع المرور بين يدي المصلي بالمسجد الحرام حرجا ومشقة غالبا" [فتاوى اللجنة الدائمة] لكن لا ينبغي التساهل في أمر السترة، ولو مع الزحام، ما دام الأمر ممكنا. كما لا ينبغي التساهل في المرور بين يدي المصلي إلا عند الاضطرار لذلك. فقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما حكم من يمرون أمام المصلين خاصة في الحرم من النساء والرجال ويقطعون الصلاة؟ فأجاب: "أما الرجال فإنهم لا يقطعون الصلاة، لكن الإنسان مأمور بأن يردهم، وأما النساء فالمرأة البالغة تقطع الصلاة إذا مرت بينك وبين سترتك، أو بينك وبين موضع سجودك إذا لم يكن لك سترة سواءً في الحرم أو في غير الحرم، إلا إذا كان الإنسان لم يتيسر له مكان إلا في مكان مرور الناس مثل عند الأبواب فهذا للضرورة لا تنقطع صلاته؛ لأنه لو أخذ يرد الناس لكثرت الحركة في صلاته فأبطلتها. السائل: لكن ما الحكم إذا ساروا من بعيد قليلاً؟ الشيخ: إذا ساروا من بعيد من وراء موضع سجوده فهذا لا يضر" [لقاء الباب المفتوح]
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |