|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تمكين المرأة المعيلة.. استحقاق شرعي ومطلب مجتمعي كريم الدسوقي حين نكتب عن المرأة المعيلة في عالمنا العربي والإسلامي لا نكتب عن رقم في جداول الإحصاء، بل عن مركز ثقل لنسبة وازنة من عموم الأسر في مجتمعاتنا، تحمل مسؤوليات النفقة والتربية، وهو ما تكشفه أرقام الإحصاءات الرسمية، الأمر الذي يفرض واقعاً فقهياً جديداً على المستوى الاجتماعي، يتمثل في استحقاقات شرعية تتجاوز النظرة التقليدية لحقوق النساء المكفولة بكفالة الإنفاق عليهن من أوليائهن. ففي مصر، تشير بيانات جهاز الإحصاء لعام 2015م إلى أن النساء يرأسن نسبة 18% من الأسر، وفي فلسطين بلغت نسبة الأسر التي ترأسها إناث نحو 12% عام 2023م بحسب التقرير السنوي «المرأة والرجل في فلسطين» (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2023م). كما سجل التعداد العام في الأردن قرابة 12–13% للأسر التي ترأسها إناث عام 2015م، وفق إحصاء دائرة الإحصاءات العامة الأردنية لعام 2015م، وتؤكد اللجنة الاقتصادية والاجتماعية للأمم المتحدة لغربي آسيا (الإسكوا)، في تقريرها عن المرأة في المنطقة العربية لعام 2020م، أن هذه الأسر أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية، خاصة عند تداخل عوامل الفقر والبطالة وضعف شبكات الحماية. هذه الصورة التي تقدمها الأرقام تكمن وراءها قصصاً من الكفاح، وتفتح في الوقت ذاته باباً أمام نقاش فقهي جاد حول: ما الذي يمكن للمجتمع والدولة ومؤسسات الوقف والزكاة أن تفعله عملياً تجاه النساء المعيلات؟ والإجابة عن هذا السؤال تنطلق في منظورنا الإسلامي من مبدأين متلازمين، هما: الواجب الجماعي في كفاية الضعفاء، والتضامن العملي لا الخطابي، مصداقاً لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) (المائدة: 2)، وقوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ) (التوبة: 60)، وكلاهما محدد لمصارف الزكاة بما يشمل الفقراء والمساكين والغارمين، وهي أبواب تنطبق في كثير من الأحيان على الأسر التي تعيلها نساء. وفي السُّنة الشريفة، يرد المعيار الأخلاقي للتكافل بوضوح، فـ«الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (رواه مسلم، 2699)، وغيرها من الوصايا النبوية التي تضع تمكين المرأة المعيلة في إطار الواجب الشرعي، وليس الرفاه الاجتماعي، حسب تصنيف الثقافة الغربية. فتمكين المعيلات من صميم الواجب الشرعي والسياسة العامة الرشيدة، ولذا فإن التحويلات النقدية الموجهة للأسر الأشد هشاشة تمثل مستوى من أدوات الحماية الاجتماعية فيما أرى، شريطة أن تتسم بالاستهداف الجيد والتكامل مع التمكين الاقتصادي. تأمين الأسرة أظهرت تقييمات أممية خلال جائحة كورونا أن الأسر التي تعيلها نساء في الأردن مثلاً كانت أكثر عرضة لفقدان مصادر الدخل واضطراب الأمن الغذائي مقارنة بغيرها، ما جعل شبكات الأمان النقدية ضرورة عاجلة لا ترفاً اجتماعياً، وفي ضوء ذلك أميل إلى تفضيل تصميم برامج نقدية مشروطة جزئياً بالتعليم والصحة، مع إعطاء المرأة المعيلة صفة «المدفوع له» مباشرة لتعزيز قدرتها التفاوضية داخل الأسرة، وهو توجه سبق أن تبنته برامج عربية معروفة وإن اختلفت تفاصيلها. ورغم مركزية الدعم النقدي، فإن سياسات النفقة الشرعية وآليات إنفاذها لا تقل أهمية؛ إذ يتحول تقصير المعيل القانوني إلى عبء اجتماعي يُحمل للمرأة، وهنا تبرز تجارب منها «صندوق تأمين الأسرة» في مصر، التي قدمت نموذجاً عملياً لضمان صرف النفقة للمستحقات بانتظام ثم السعي لاستردادها قانونياً من الملزم بها. إن تعميم صناديق مماثلة إقليمياً في عالمنا العربي والإسلامي، مع تسريع دوائر التنفيذ الأسري، من شأنه أن يحقق مقصداً شرعياً في إيصال الحق إلى مستحقه وتخفيض كلفة التقاضي على النساء المعيلات، وإن كان ذلك يظل غير كاف، إذا لم يقترن بتفعيل آليات الوقف والزكاة. فالزكاة والوقف أداتان شرعيتان يمكن تحديثهما بآليات معاصرة دون إخلال بمقاصدهما، ومن الواقع، فإن تطوير صندوق الزكاة الأردني لبرامج التمكين الإنتاجي للأسر الفقيرة، بما يتضمن تمويل مشاريع صغيرة للأرامل والمطلقات، يمكن أن يمثل نموذجاً استرشادياً جيداً. فهذا النمط في المزج بين الإعانة الفورية والاستثمار المنتج ينسجم مع مقصد الاستغناء عن السؤال ويستحق التوسيع عبر «قرض حسن دوار» وأوقاف نقدية مخصصة للنساء المُعيلات، بحيث تظل الأصول موقوفة ويعاد تدوير العائد لتمويل دفعات جديدة. وهنا يجدر التذكير بالقاعدة النبوية النورانية: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة» (رواه مسلم، 2699)، فالتيسير المالي كفالة معنوية ومادية في آن واحد. عوائق الرعاية لكن التمكين الاقتصادي لا يمكن أن يزدهر في فراغ مؤسسي، إذ تظهر أدبيات منظمة العمل الدولية في المنطقة العربية لعام 2022م أن عوائق الرعاية، وبخاصة توفر خدمات حضانة ميسورة، تقف بين نساء كثيرات وسوق العمل، وتؤثر بحدة أكبر على المعيلات منهن؛ ولذا فإن إنشاء حضانات مرخصة داخل الأحياء، ومدعومة من البلديات أو صناديق الزكاة والوقف، يمثل عاملاً رئيساً لتمكين يرفع مشاركة النساء المعيلات ويخفض انقطاعهن عن العمل، وهو ما يدعم استمرار استقرار أسرهن. ويكتمل ذلك بتدخلات صغيرة الأثر كبيرة العائد، منها توفير نقل عام آمن وميسور، وجداول عمل مرنة، وتأمينات اجتماعية تُراعي العمل غير المنظم الذي تنشط فيه آلاف النساء المعيلات، وهي السياسات التي تحتاج أيضاً إلى عدسة التمييز الإيجابي في أوضاع اللجوء والنزاعات. فقد وثقت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لعام 2015م ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء بين اللاجئين السوريين وتعرضها لمستويات أعلى من الفقر والاعتماد على إستراتيجيات تكيف ضارة؛ وهو ما يعزز أولوية مشروعات منها تحويلات الطوارئ النقدية للنساء المعيلات ودعم الريادة المنزلية متناهية الصغر للنساء، مع توجيه الزكاة والوقف في بلدان الجوار لتغطية فجوات الحماية الاجتماعية للمعيلات بعيداً عن المقاربات الإغاثية قصيرة الأجل. وإزاء ذلك، لا تمكين بلا بيانات دورية مصنفة بحسب الجنس وحالة رئاسة الأسرة، ولعل تقارير «الإسكوا» ودوائر الإحصاء الوطنية تظهر الطريق، ولكن الحاجة ماسة إلى مسوح تتبع ترصد أثر البرامج على دخل المرأة المعيلة واستقرارها المالي وقدرتها على الادخار والاقتراض الآمن، فالإسناد العلمي هنا يقي صانع القرار من الانحيازات ويجعل التمويل، بما فيه الزكاة والوقف، يتجه إلى ما يحقق أثراً قابلاً للتحقق، لا ما يبدو جميلاً على الورق. وبهذا التوازن بين الواجب الشرعي وأدوات السياسة، نمنح المرأة المعيلة ما تستحقه من فرصة عادلة، ومساراً آمناً يدعم الاعتماد على الذات، وهو ما يمثل ترجمة عملية للتوجيه النبوي الشريف: «خيركم خيركم لأهله» (سنن الترمذي، 3895، وحسنه الألباني)، وقد باتت مجتمعاتنا في حاجة ماسة إلى مثل هذه الترجمات العملية في ظل واقع اجتماعي لم يعد فيه دعم النساء المعيلات ترفاً ترفيهياً أو فضلاً اختيارياً.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |