الخلال النبوية - الصفحة 2 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         ديمقراطية أبناء الصحراء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          نحو عرب مسلمين جدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الحوار الحضاري (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          عن التعصب عند قبور الأولياء وفي مدرجات الملاعب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          القراءة التي تصنع التخلف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          كلمة الدكتور علي أبو زيد في تأبين العلامة مازن المبارك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          وفاة الإمام محمد بن جرير الطبري سنة عشر وثلاثمئة 310 هـ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          نفحات قرآنية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 29 )           »          بلاغة أسلوب الحوار التعليمية في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم أخلاقا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 11-09-2026, 12:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (11)



الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل




كرم النبي صلى الله عليه وسلم


الحمد لله الرحيم الجواد، الكريم الوهاب؛ "يَدُه مَلْأَى لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ" نحمده على ما هدى وكفى، ونشكره على ما منع وما أعطى ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ {الشُّورى:27} وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ ﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{الزخرف: 84- 85}وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أدبه ربه فأحسن تأديبه، وعلمه فأحسن تعليمه، فكان القرآن خلقه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ{القلم: 4} صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتعلموا القرآن، وتأدبوا بآداب الإسلام؛ فإن الله تعالى قد رضيه لنا دينا، ولم يقبل غيره شرعة ومنهاجا ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ ﴾ {آل عمران:85}.

أيها المسلمون:
من دلائل صدق محمد عليه الصلاة والسلام ما أُعطي من الخصائص والخلال التي تفوق الطبع البشري، وتستعصي على التدريب والرياضة، ولم يظهر منها تصنع ولا تكلف؛ فهو صلى الله عليه وسلم الرحيم الذي عرف الناس رحمته، وهو الأمين الذي عرفوا أمانته، وهو الكريم الذي عرفوا كرمه، وهكذا في كل صفاته التي نقلت عنه.

وإذا كان الكرم من أعلى المحاسن، وهو ستر المعايب فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع خصال الكرم كلها، وأتى بأعلاها وأحسنها، وبقي أثر كرمه من بعده لم ينقطع أبدا، وكان ما بذل أنفع بذل وأبقى لمبذول له. ولم تسمع الناس بخصلة من خصال الكرم فذكروها إعجابا بها إلا وفي سيرته عليه الصلاة والسلام ما هو أعجب منها. وصفت خديجة رضي الله عنها شيئا من كرمه فقالت له: «إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ» رواه الشيخان.

وقد رأى ابن عباس رضي الله عنهما كرماء، وسمع قصص الكرماء، وعرف أحوالهم، وحفظ أخبارهم، فلما وصف النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ» متفق عليه. وقال أنس رضي الله عنه «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ» رواه مسلم.

يقول ذلك ابن عباس وأنس وهما عايشاه ورأياه، ويعرفان عن الكرم والكرماء ما يملأ بطون الكتب. ومع ذلك يطلقان إطلاقا جازما «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ» ليشمل لفظ الناس كل إنسان.

هنا.. وهنا فقط يتلاشى كل كرم بشري فيصير أمام كرم النبي صلى الله عليه وسلم لا شيء.

اشتهر حاتم طي بالكرم حتى غدا مثلا عليه فمن مَدح أحدا بالكرم قال: أكرم من حاتم. ومن أعجب أخباره المروية أنه مر به ثلاثة فنحر لكل واحد منهم ناقة، فقال أحدهم: إنما أردنا اللبن، وكانت تكفينا بكرة إذا كنت لا بدّ متكلفا لنا شيئا، فقال حاتم: قد عرفت، ولكنّي رأيت وجوها مختلفة، وألوانا متفرقة، فظننت أن البلدان غير واحدة، وأردت أن يَذكر كلّ واحد منكم ما رأى إذا أتى قومه، فقالوا فيه أشعارا امتدحوه بها وذكروا فضله، فعقر نوق أبيه كلها لهم جزاء مدحهم له... هذا فعل أشهر العرب في الكرم، وفعل ما فعل ليُذكر ويُشهر وقد نال ما طلب، فضار يضرب بكرمه المثل. وقد جاء في مسند الإمام أحمد عن عَدِىِّ بْنَ حَاتِمٍ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: "إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ، يَعْنِي الذِّكْرَ".

وفي مقابل هذه الصورة من الكرم الحاتمي نرى شيئا من كرم النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا يبلغه أحد من البشر:
فمن كرمه عليه الصلاة والسلام: أنه لا يرد سائلا قط، قال جَابِرٌ رضي الله عنه: «مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ لَا» رواه الشيخان.

ومن كرمه عليه الصلاة والسلام: أنه لا يستعظم ما أعطى ولا يستكثره؛ قال أَنَسٌ رضي الله عنه: "مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ "رواه مسلم.

فمن من الكرماء قد نُقل في سيرة كرمه أنه بذل لأحد واديا مملوءا غنما لا يردها إلا جبل في أولها وجبل في آخرها؟!
ولعلم الناس بكرمه عليه الصلاة والسلام اجتمعوا عليه يريدون غنائم حنين، قال جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رضي الله عنه: «فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلاَ كَذُوبًا، وَلاَ جَبَانًا» رواه البخاري. والعِضَاهُ كل شجر له شوك. فلنتخيل إبلا وغنما بعدد الشجر، يُقسم الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه سيقسمها بين الناس ولا يبقي منها شيئا، فأي كرم هذا؟!

وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ...» رواه الشيخان.

ومن كرمه عليه الصلاة والسلام: أنه لا يقتصر في عطائه على من يسأله، بل يبادر بتفريق ما يأتيه من مال ولو لم يُسأل، قال أنس رضي الله عنه: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَدَّخِرُ شيئاً لِغَدٍ» رواه الترمذي وصححه ابن حبان.

وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا يَسُرُّنِي أَنْ لاَ يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاَثٌ، وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ» رواه البخاري.

لنتخيل جبلا مثل أحد ذهبا يفرقه صاحبه في ثلاث ليال فقط. فأي كرم هذا؟!
إنه يفرق ما يأتيه على الفور، ولا يقول أمسكه لعلي أحتاج، أو لعل صاحب حاجة يأتيني وليس عندي شيء، وهذا غاية الكرم، وأعلى التوكل، فإذا نسي شيئا من مال عنده فما ظنكم أنه فاعل؟!

عَنْ عُقْبَةَ بن عامر رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، فَقَالَ: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ -أي ذهب- عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» رواه البخاري.

ومن كرمه عليه الصلاة والسلام: أنه يعطي من يحب ومن لا يحب، بل أجزل العطاء لقوم ناصبوه العداء، ورفعوا في وجهه السلاح، وصدوا عن دعوته، وأخرجوه من بلدته. ما أعطاهم إلا لينقذهم من النار، فلم ينتقم منهم بقتلهم، ولم ينتصر منهم بتركهم على كفرهم، ولم يكلهم إلى ضعف إيمانهم، بل أغرقهم بالمال ليطرد وحشتهم، ويروض شيطنتهم، ويمكن الإيمان من قلوبهم، فكان كرمه كرما على كرم على كرم، لا يبلغ مبلغه بشر غيره.

وفي الوقت الذي أعطى فيه المؤلفة قلوبهم الأموال العظيمة أكرم المؤمنين حقا بتزكيتهم، والشهادة بإيمانهم، وهو أعظم كرم بقي لهم، ففني المال وأهله، وبقيت تزكيته لمن زكى، ونحن الآن نذكرها بعد هذه القرون الطويلة من صدورها، ذكر عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمَالٍ -أَوْ سَبْيٍ- فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ» قال عمرو: فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ» رواه البخاري.

فرح عمرو بهذه التزكية وقدمها على المال العظيم الذي حازه المؤلفة قلوبهم؛ لأنها تزكية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن كرمه عليه الصلاة والسلام: أنه يشتري الشيء من صاحبه ويزيد في ثمنه؛ ليجزل عطاءه، فإذا قبض الثمن أعطاه سلعته التي اشترى، فعاد بالثمن والسلعة عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَاشْتَرَى مِنِّي بَعِيرًا، فَجَعَلَ لِي ظَهْرَهُ حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا قَدِمْتُ أَتَيْتُهُ بِالْبَعِيرِ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، وَأَمَرَ لِي بِالثَّمَنِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لَحِقَنِي، قَالَ: قُلْتُ: لَعَلَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، دَفَعَ إِلَيَّ الْبَعِيرَ، وَقَالَ: " هُوَ لَكَ "، فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَعْجَبُ، قَالَ: فَقَالَ: اشْتَرَى مِنْكَ الْبَعِيرَ، وَدَفَعَ إِلَيْكَ الثَّمَنَ، وَوَهَبَهُ لَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: "نَعَمْ" رواه أحمد.

ومن كرمه عليه الصلاة والسلام: أنه إن سُئل لباسا عليه وهو محتاج إليه بذله لسائله ولا يتوانى في ذلك، ولا يسأله لماذا يريد لباسه، عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ، فِيهَا حَاشِيَتُهَا... قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلاَنٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا، مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ، وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لاَ يَرُدُّ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ، مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ» رواه البخاري.

هذا جزء من كرم المصطفى صلى الله عليه وسلم، لا يدانيه كرم بشر مهما بلغ كرمه، فضلا عن أن يماثله ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ {القلم:4}.

بارك الله لي ولكم في القرآن...

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾{البقرة:281}.

أيها المسلمون:
كرم الرسل عليهم السلام يختلف عن كرم غيرهم، وكرم النبي صلى الله عليه وسلم لا يقاس بكرم أحد من البشر؛ لأنه قد بذل أعظم شيء يُبذل، وتحمل في بذله كل المخاطر، وكل الأذى؛ فكاد أن يقتل فيما بذل غير مرة، وهُجِّر من بلده بسبب ما بذل، وعُذب أصحابه به وجوعوا وحوصروا، وهو مصر على بذل الدين للناس.

إن بذل كريم من الكرماء قد يبلغ ذبح ناقته التي يركبها، أو فرسه التي يدخرها، أو شاته التي يحلبها، وقد يجود الكريم بنفسه لدفع مظلمة عن مظلوم. وكل من جاد بمال أو متاع فإنما جاد بشيء يفنى، وانتفاعه به ينتهي ولا يبقى، وصاحبه الذي انتفع بجوده يموت، فهو كرم يبقى معه الذكر الحسن.

أما جود النبي صلى الله عليه وسلم بالدين فهو جود يبقى انتفاع صاحبه به ولا يفنى، وعاقبته خير في الدنيا وفي الآخرة؛ ولذا كانت الموعظة أفضل الصدقة؛ لأن نفعها يبقى والمال يفنى.

لقد أكرمنا النبي صلى الله عليه وسلم بالدين الصحيح فعلمنا إياه، ومما علمنا من الدين أن نكرم غيرنا، ونجود بما في أيدينا؛ ليخلف الله تعالى علينا، وقد كان الكرماء قبل الإسلام يبذلون ما يبذلون لأجل الدنيا إما طلبا للشهرة أو لسعادة يجدها الكريم حينما يكرم غيره، وليس لأجل الله تعالى. وفرق بين من جاد لأجل الله تعالى ومن جاد لأجل الدنيا؛ لأن من جاد لأجل الله تعالى مع حبه لما جاد به؛ كان في قلبه من تعظيم الله تعالى ومن الإيمان بالغيب ما ترخص معه الدنيا، وتهون معه الأموال، وتصغر معه المدائح، وهذا أعظم الكرم.

وكثير من كرم الناس اليوم مخالف للشرع، ويراد به الرياء والسمعة، حتى تقال في الكريم أشعار، وتسمع بكرمه الناس. وربما تعدى إلى السرف المذموم في الولائم الباذخة بأنواع الأطعمة، التي إذا أشبع باذلها نهمته من مدائح الناس رمى بها في البراري أو في النفايات، وفي أقطار الأرض مسلمون يتضورون جوعا، ويعانون بؤسا وظلما وحرمانا. ولتسلبن هذه النعم ممكن يستهين بها، ويجعلها ميدانا للمفاخرة والرياء والسمعة، وسيعود ما ابتغى من المدح ذما عليه، وهذه سنة الله تعالى في أهل الإسراف؛ لأنه سبحانه لا يحب المسرفين.

فلنتأس بالنبي عليه الصلاة والسلام في صفة الكرم، وأن نضع بذلنا في موضعه الصحيح، نبتغي بذلك مرضاة الله تعالى، لا مدائح الناس وأقوالهم؛ فإن ما كان لله تعالى يبقى، وما كان للناس يذهب.

وصلوا وسلموا على نبيكم...





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #12  
قديم 11-09-2026, 12:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (12)



الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل






أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى

الحمد لله خالق الخلق ومدبرهم، ومرسل الرسل ومؤدبهم، وهادي المؤمنين ومبشرهم، فالهداية منه سبحانه وإليه، والجزاء والثواب عليه ﴿ وَهُوَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآَخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص:70]. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وسعت رحمته العالمين، وعم إحسانه ولطفه المخلوقين، واختص بنوره وهداه المؤمنين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ أكثر الخلق معرفة بالله تعالى وقرباً منه، وتوكلاً عليه، وعبوديةً له، ويقينا به، حتى قال "أَمَا وَاللهِ، إِنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَخْشَاكُمْ لَهُ" صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وراقبوه فلا تعصوه؛ فإن المعاصي مورثة الهم والغم، وجالبة العقوبات والنقم، ورافعة الخيرات والنعم ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم:7].

أيها الناس:
من تأمل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ في أوصافه ودلائل نبوته؛ هاله ما فيها من اتصافه بحسن الخلق، وما طبع عليه من كمال الأدب، وهو أمر شهد له به أصحابه رضي الله عنهم كما شهد له به أعداؤه، وعرفه الناس عنه قبل البعثة وبعدها، وكان يخالط الناس ويواجههم، ويستقبل الوفود ويستضيفهم، ويزدحم الناس عليه في المواسم والمواقف، وربما آذوه بالإلحاح في الطلب؛ فما حفظت عنه كلمة تعاب، ولا نقل عنه فعل يُنتقد، وكان يقابل جهل الجاهلين بالحلم والعفو والإحسان.

ولا عجب في ذلك؛ إذ كان يتمثل كلام الله تعالى في أقواله وأفعاله، ويتأدب بآدابه وأخلاقه، قال سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَتْ: " كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4] "رواه أحمد.

وفي هذا المعنى يقول ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: "لَيْسَ مِنْ مُؤَدِّبٍ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى أَدَبُهُ، وَإِنَّ أَدَبَ اللَّهِ تَعَالَى الْقُرْآنُ".

فمن تخلق بأخلاق القرآن فقد تخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون أخلاق المؤمن قربا وبعدا من أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم بحسب قربه وبعده من أخلاق القرآن.

وكان للنبي صلى الله عليه وسلم شأن عجيب في الأدب مع الله تعالى، وأراد من أتباعه أن يسيروا سيرته، وأن يتأسوا به في أدبه مع ربه عز وجل.

والتوحيد الذي جاء به، والنهي عن الشرك، والتزام الشرائع الربانية، كل أولئك من الأدب مع الله تعالى؛ لأن الشرك والمعاصي تنافي الأدب معه سبحانه.

وإذا تجاوزنا ذلك إلى بعض المواقف التي يظهر فيها أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه سبحانه رأينا أعجب العجب؛ ففي سورة النجم ذكر الله تعالى الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وما حباه الله تعالى من الآيات والكرامات، كما نوه سبحانه بأدب النبي صلى الله عليه وسلم أثناء المعراج، قال الله تعالى ﴿ وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى ﴾ [النَّجم:13-18].

لنتأمل - عباد الله - هذه المنزلة التي بلغها النبي صلى الله عليه وسلم، حين عُرج به إلى السماء، فرأى من آيات الله تعالى الكبرى ما رأى، ورأى سدرة المنتهى التي غشيها ألوان عجز النبي صلى الله عليه عن وصفها من حسنها، ودخل الجنة فرأى فيها حبايل اللؤلؤ، ورأى ترابها المسك، وانتهى إلى مقام لم يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وكلمه الله تعالى فأوحى إليه ما أوحى... في هذا المقام العظيم، وفي هذا الموضع المهيب، لم يتجاوز بصر النبي صلى الله عليه وسلم ما أُمر بالنظر إليه؛ أدبا مع الله تعالى، رغم أن الموقف يدعوه إلى تجاوز ذلك؛ فهي الجنة، وهي السماء السابعة وما فوقها، وهي سدرة المنتهى وجمالها، وهي أعلى المنازل، وأشرف المقامات. يصف الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام؛ مخبرا عن أدبه معه عز وجل، وهو أدب فاق كل أدب، فقال سبحانه ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما زاغ يمينا ولا شمالا ولا طغى، ولا جاوز ما أُمر به.

وهذا كمال الأدب منه عليه الصلاة والسلام، أن قام مقاما أقامه الله تعالى فيه، ولم يقصر عنه، ولا تجاوزه، ولا حاد عنه، وهذا أكمل ما يكون من الأدب العظيم، الذي فاق فيه الأولين والآخرين، فإن الإخلال يكون بأحد هذه الأمور: إما أن لا يقوم العبد بما أُمر به، أو يقوم به على وجه التفريط، أو على وجه الإفراط، أو على وجه الحيدة يمينا وشمالا، وهذه الأمور كلها منتفية عنه صلى الله عليه وسلم.

وأدب آخر مع الله تعالى ظهر من النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج؛ إذ لما فرضت عليه الصلوات خمسين صلاة، وأشار عليه موسى عليه السلام بمراجعة ربه عز وجل يسأله التخفيف على أمته، فراجعه حتى صارت خمسا في الفعل وخمسين في الأجر، أشار عليه بعد ذلك بمراجعته لتخفيفها، قال عليه الصلاة والسلام مخبرا عن ذلك:"فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي"، وفي رواية قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا مُوسَى، قَدْ وَاللَّهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ" رواه الشيخان. والحياء من الله تعالى أدب معه عز وجل.

ومن أدب الرسول عليه الصلاة والسلام مع ربه سبحانه: كثرة ثنائه عليه في كل مناسبة، ولما كان أهل الجاهلية يفتتحون خطبهم بذكر مآثرهم أو مآثر آبائهم وقبائلهم؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله تعالى والثناء عليه؛ أدبا مع الله تعالى أن يُذكر شيء قبل اسمه سبحانه، أو يثنى على أحد من خلقه قبله عز وجل، قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: "كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ..." رواه مسلم.

وكتب السنة مملوءة بإخبار الصحابة رضي الله عنهم عن خطبه عليه الصلاة والسلام، يصدرها الصحابي بقوله:"فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ... ".

وحتى في حال المصيبة يتأدب مع الله تعالى ويثني عليه؛ إعلانا برضاه عنه، ولَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ، قَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابه:"اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي، فَصَارُوا خَلْفَهُ صُفُوفًا..." ثم أخذ يثني ثناء طويلا على الله تعالى.

ومن أدبه مع الله تعالى: أنه صلى الله عليه وسلم علَّم أصحابه رضي الله عنهم استفتاح الدعاء بالثناء على الله تعالى، فعن فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ رضي الله عنه قال: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَجِلَ هَذَا"، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: - أَوْ لِغَيْرِهِ - "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ" رواه أبو داود.

فلنتعلم - عباد الله - الأدب مع الله تعالى من أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه سبحانه، فهو أسوتنا في تعظيم ربنا تبارك وتعالى ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب:21].
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم...

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281].

أيها المسلمون: من اقتفاء أثر الرسول عليه الصلاة والسلام في الأدب مع الله تعالى أن يُثنى عليه سبحانه إذا ذكر، وقد انتشر بين كثير من الكُتاب والمؤلفين والمتحدثين أنهم يذكروا اسم الله تعالى مجردا بلا ثناء عليه، فتجد تكرار ذكره عز وجل في المقالة أو المحاضرة أو الكتاب عشرات المرات وربما مئات أو ألوف فلا يذيل اسمه سبحانه بالتسبيح أو التمجيد أو التبريك أو نحوه من عبارات الثناء عليه سبحانه، مع أن كثيرا منهم يتحرز من ذكر اسم النبي عليه الصلاة والسلام مجردا، والله تعالى أولى أن يعظم ويثنى عليه.

ومن سوء الأدب مع الله تعالى أن يُمتهن اسمه بإلقاء الكتب أو الصحف التي فيها اسمه سبحانه، أو افتراشها، أو وطؤها. أو كتابة اسمه سبحانه على أقمصة ترمى وتوطأ ويُدخل بها في دورات المياه، وربما لوثت بالقذر عياذا بالله تعالى من ذلك، وأشد منه أن يفعل ذلك بآيات من كتابه عز وجل.

ومن أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه سبحانه وتعالى: نهيه الشديد عن الغلو فيه، ورفعه فوق منزلته التي بوأها الله تعالى إياها، أو صرف شيء من العبودية له؛ كما يفعله المفتونة قلوبهم، المبتدعة في دينهم، ممن يستغيثون بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو يتوسلون به، أو يصرفون له شيئا من العبادة، وهذا مما يبغضه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه من أشد أنواع سوء الأدب مع الله تعالى؛ ولذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" رواه البخاري. وذلك أن النصارى ألهوا المسيح عليه السلام، وتجاوزوا به منزلته فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يكونوا مثلهم.

وفي كل عام يحتفل كثير من المسلمين بحادثة الإسراء والمعراج في آخر رجب، مع أنه لم يثبت وقوعها في رجب، ويأتون بأنواع من الضلال والبدع في احتفالاتهم التي قد تصل إلى حد سوء الأدب مع الله تعالى بالشرك به سبحانه، ودعاء غيره مما لا يرضاه النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يقبله لأمته، كما لا يقبل الغلو في مديحه، والمبتدعة يقيمون هذه الاحتفالات بلا برهان ولا دليل إلا هوى في نفوسهم، وخداعا للعوام منهم، وهذا من أعظم الضلال، وأشد الغش للناس؛ لأنه غش لهم في دينهم وعبادتهم، ولو كانت هذه الاحتفالات خيرا لفعلها النبي وصحبه الكرام ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ ﴾ [الحشر:7].

وصلوا وسلموا على نبيكم...




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #13  
قديم 11-09-2026, 12:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (13)
أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس
إبراهيم بن محمد الحقيل

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 1 - 3]، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الشَّرَائِعَ فِيهَا مَصَالِحُ الْعِبَادِ فِي حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ، وَعَلَّمَهُمْ فِيهَا أَحْسَنَ أَخْلَاقِهِمْ وَأَجْمَلَ آدَابِهِمْ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صَبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 138]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَدَّبَهُ رَبُّهُ سُبْحَانَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فَتَخَلَّقَ بِهِ، فَكَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَحِبُّوا رَسُولَهُ وَاتَّبِعُوهُ؛ فَلَا نَجَاةَ وَلَا فَلَاحَ إِلَّا بِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتِّبَاعِهِ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 31]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
أَيُّهَا النَّاسُ: حُسْنُ الْأَخْلَاقِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ وَلِذَا كَمَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا كَمَا قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَدْ لَازَمَهُ عَشْرَ سَنَوَاتٍ فِي خِدْمَتِهِ فَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِهِ.
وَمِنْ جَمِيلِ الْعِشْرَةِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ؛ تَحَرِّي الْأَدَبِ مَعَ النَّاسِ. وَإِذَا كَانَ الْبِرُّ يُبْذَلُ لِلْوَالِدَيْنِ، وَالصِّلَةُ تَكُونُ لِلرَّحِمِ، وَحُسْنُ الْعِشْرَةِ يُصْرَفُ لِلزَّوْجِ وَالْوَلَدِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَسَعُهُمُ التَّأَدُّبُ مَعَهُمْ فِي الْقَوْلِ وَفِي الْفِعْلِ. وَالْمُهَذَّبُونَ مِنَ النَّاسِ فِي أَلْفَاظِهِمْ، الْمُؤَدَّبُونَ فِي أَفْعَالِهِمْ؛ مَحَلُّ مَحَبَّةٍ وَتَوْقِيرٍ وَاحْتِرَامٍ مِنَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَحْتَرِمُونَ مَنْ يَحْتَرِمُهُمْ، وَيَزْدَرُونَ مَنْ يَزْدَرِيهِمْ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ضَرَبَ أَعْظَمَ الْأَمْثِلَةِ فِي الْأَدَبِ وَاحْتِرَامِ النَّاسِ، وَيَجِبُ أَنْ تَتَعَلَّمَ أُمَّتُهُ الْأَدَبَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَدَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِأَنَّ فِي تَعَلُّمِ الْأَدَبِ مِنْهُ؛ تَأَسِّيًا بِهِ، وَعَمَلًا بِسُنَّتِهِ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي وَصْفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ صِغَرِهِ، وَتَوَلَّى تَأْدِيبَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ. وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ بِهِ حَتَّى كَرَّهَ إِلَيْهِ أَحْوَالَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَمَاهُ مِنْهَا، فَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا، كُلُّ ذَلِكَ لُطْفٌ بِهِ، وَعَطْفٌ عَلَيْهِ، وَجَمْعٌ لِلْمَحَاسِنِ لَدَيْهِ».
وَأَدَبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ النَّاسِ كَثِيرٌ جِدًّا، وَحُفِظَ فِي سُنَّتِهِ أَدَبُهُ مَعَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَفِي مَجَالَاتٍ عِدَّةٍ، وَمُنَاسَبَاتٍ كَثِيرَةٍ:
فَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِئْذَانِ: مَا حَكَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ: «فَإِنْ أُذِنَ لَهُ وَإِلَّا انْصَرَفَ».
وَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُنَاجَاةِ وَالْمُصَافَحَةِ: مَا رَوَاهُ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُنَحِّي رَأْسَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأْسَهُ، وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ، حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مُجَالَسَتِهِ لِلنَّاسِ: أَنَّهُ يُعَامِلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ جُلَسَائِهِ بِحَسَبِ حَالِهِ، فَيَتَبَسَّطُ مَعَ مَنْ يَتَبَسَّطُ مَعَهُ، وَيَسْتَحِي مِمَّنْ يَسْتَحِي مِنْهُ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: أَلَا أَسْتَحِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ، إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ: أَنَّهُ إِذَا تَبِعَهُ أَحَدٌ إِلَيْهَا يَسْتَأْذِنُ صَاحِبَ الدَّعْوَةِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ وَهُوَ نَبِيٌّ وَالصَّحَابَةُ يَلْتَمِسُونَ رِضَاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْأَدَبِ مَعَهُمْ؛ رَوَى أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ، كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُوعَ، فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا، أَتَأْذَنُ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ صَانِعِ الطَّعَامِ: أَنَّهُ إِنْ عَافَهُ وَلَمْ يُعْجِبْهُ لَمْ يَنْتَقِدْهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلَّا تَرَكَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْأَطْفَالِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُهْدِرُ حَقَّهُمْ بِحَضْرَةِ الْكِبَارِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟، فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَدِّ الْهَدِيَّةِ: أَنَّهُ يُبَيِّنُ سَبَبَ رَدِّهَا؛ لِئَلَّا يَقَعَ فِي نَفْسِ مُهْدِيهَا شَيْءٌ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ، أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَدَبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَصْحِيحِ الْأَخْطَاءِ: أَنَّهُ لَا يُوَاجِهُ صَاحِبَ الْخَطَأِ بِلَا حَاجَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لِعِلْمِهِ بِكَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ؛ كَمَا رَوَى أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَلَى رَجُلٍ صُفْرَةً فَكَرِهَهَا، قَالَ: لَوْ أَمَرْتُمْ هَذَا أَنْ يَغْسِلَ هَذِهِ الصُّفْرَةَ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَكَادُ يُوَاجِهُ أَحَدًا فِي وَجْهِهِ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَلِذَا كَثِيرًا مَا كَانَ يَقُولُ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا».
تِلْكُمْ كَانَتْ مَوَاقِفَ مِنْ أَدَبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ النَّاسِ، وَهِيَ مَوَاقِفُ تُثْبِتُ أَدَبَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ الْجَمِيعِ، وَهُوَ لَنَا قُدْوَةٌ؛ فَلْنَتَأَسَّ بِهِ فِي مُعَامَلَتِهِ لِلنَّاسِ، وَلْنَتَأَدَّبْ بِأَدَبِهِ، وَنَلْتَزِمْ هَدْيَهُ؛ فَفِي ذَلِكَ حَسَنَةُ الدُّنْيَا وَحَسَنَةُ الْآخِرَةِ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 21].
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ...
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ الْأَدَبَ مَعَ النَّاسِ طَاعَةٌ يُؤْجَرُ الْمُحْتَسِبُ فِيهَا كَمَا يُؤْجَرُ عَلَى صَلَاتِهِ وَزَكَاتِهِ وَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ «اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الْتِزَامُ الْخِلَالِ النَّبَوِيَّةِ، وَالتَّخَلُّقُ بِالْآدَابِ الْمَرْعِيَّةِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ عَظِيمِ الْأَجْرِ؛ فَإِنَّهُ بَرِيدٌ إِلَى قُلُوبِ النَّاسِ يُحَبِّبُهُمْ فِي صَاحِبِهِ، فَيُحِبُّونَهُ وَيَأْلَفُونَهُ وَيَأْنَسُونَ بِمَجْلِسِهِ، وَيَشْرُفُونَ بِصُحْبَتِهِ؛ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حُسْنِ خُلُقِهِ، وَعَظِيمِ أَدَبِهِ. وَالْإِنْسَانُ يَأْخُذُ مِنَ النَّاسِ بِحُسْنِ أَدَبِهِ، وَحُلْوِ مَنْطِقِهِ، وَطَلَاقَةِ وَجْهِهِ، مَا لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ بِعُبُوسِهِ وَتَجَهُّمِهِ وَسُوءِ أَدَبِهِ وَقَبِيحِ لَفْظِهِ. وَالتَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ فِي الْأَخْلَاقِ وَالْآدَابِ كَمَا يَكُونُ فِي الْعِبَادَاتِ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ.
وَالْمُتَأَسِّي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُثْبِتٌ مَحَبَّتَهُ، مُلْتَزِمٌ شَرِيعَتَهُ، مُصَدِّقٌ خَبَرَهُ، لَا يُغَيِّرُ وَلَا يُبَدِّلُ حَتَّى يَلْقَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْحَوْضِ فَيَشْرَبُ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا.
وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَحْتَفِلُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بِحَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ، ظَانِّينَ أَنَّهَا وَقَعَتْ فِي آخِرِ رَجَبٍ، مُخَالِفِينَ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ فِي ذَلِكَ، وَهَدْيَ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَطَرِيقَةَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَعْلَامِهِمْ عَبْرَ الْقُرُونِ. رَغْمَ أَنَّ حَادِثَةَ الْإِسْرَاءِ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِهَا فِي رَجَبٍ، وَرَغْمَ أَنَّ الِاحْتِفَالَ بِهَا مُحْدَثٌ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَرْضَاهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَرْضَاهُ صَحَابَتُهُ الْكِرَامُ، وَلَا التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا يَرْضَاهُ أَئِمَّةُ الْفِقْهِ الْأَرْبَعَةُ وَلَا تَلَامِذَتُهُمُ الْكِبَارُ. أَحْدَثَهُ الْمُبْتَدِعَةُ، وَتَبِعَهُمْ فِيهِ العَامَّةُ بِجَهْلٍ، وَأَيَّدَهَا الْمُحَارِبُونَ لِلْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْبِدَعَ تَنْقُلُ النَّاسَ مِنَ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ إِلَى دِينٍ مُزَوَّرٍ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَلَا يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِي خَاطَبَنَا فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الْحَشْرِ: 7].
فَحَذَارِ -عِبَادَ اللَّهِ- مِنَ الْبِدَعِ، وَإِنْ زَيَّنَهَا الْمُزَوِّرُونَ، وَزَخْرَفَهَا الْمُنْحَرِفُونَ، وَيَكْفِي فِي بَيَانِ بُطْلَانِهَا احْتِفَاءُ الْمُحَارِبِينَ لِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا، وَتَرْوِيجُهُمْ لَهَا، وَثَنَاؤُهُمْ عَلَى أَصْحَابِهَا، وَبَثُّ شَعَائِرِهَا الْبِدْعِيَّةِ فِي إِعْلَامِهِمُ الَّذِي يُحَارِبُ شَعَائِرَ اللَّهِ تَعَالَى غُدْوَةً وَعَشِيًّا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يُونُسَ: 81].
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #14  
قديم 11-09-2026, 12:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (14)
بكاء النبي صلى الله عليه وسلم
إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ مُسْدِي النِّعَمِ وَمُتَمِّمِهَا، وَبَاسِطِ الْخَيْرَاتِ وَمُتَابِعِهَا، وَدَافِعِ النِّقَمِ وَرَافِعِهَا؛ نَحْمَدُهُ بِأَسْمَائِهِ وَأَوْصَافِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلَائِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ خَلَقَ الْخَلْقَ فَدَبَّرَهُمْ، وَصَوَّرَ عِبَادَهُ فَأَحْسَنَ صُوَرَهُمْ، وَقَسَّمَ بَيْنَهُمْ أَخْلَاقَهُمْ كَمَا قَسَّمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَدَّبَهُ رَبُّهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، وَأَثْنَى عَلَى أَخْلَاقِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[الْقَلَمِ: 4]، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ فَلَا تَعْصُوهُ، وَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ الْقُرْآنِ، وَتَأَدَّبُوا بِآدَابِ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اصْطَفَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَهُمْ قُدْوَةً لِلْبَشَرِ أَجْمَعِينَ.
وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُوتِيَ مِنَ الْخِلَالِ أَحْسَنَهَا، وَمِنَ الصِّفَاتِ أَعْلَاهَا، وَمِنَ الْآدَابِ أَرْفَعَهَا، مَعَ رِقَّةٍ فِي قَلْبِهِ، وَخَشْيَةٍ لِرَبِّهِ، وَرَأْفَةٍ بِأُمَّتِهِ، وَخُشُوعٍ فِي صَلَاتِهِ؛ مِمَّا يُثِيرُ أَشْجَانَهُ، وَيُهَيِّجُ مَشَاعِرَهُ، فَتَفِيضُ بِالدَّمْعِ عَيْنُهُ، وَقَدْ رَأَى ذَلِكَ مِنْهُ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَحَفِظُوا مَوَاقِفَ مِنْ بُكَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَنَقَلُوهَا إِلَيْنَا؛ لِنَقْتَفِيَ أَثَرَهُ، وَنَتَأَسَّى بِهِ.
كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ؛ حَيْثُ مُنَاجَاتُهُ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَمِمَّا حُفِظَ مِنْ بُكَائِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الشِّخِّيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمِنْ بُكَائِهِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ...» صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَبَكَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ غَزْوَةِ بَدْرٍ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ الْمِقْدَادِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا إِلَّا نَائِمٌ، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ.
وَلَمَّا قَبِلَ فِدَاءَ الْأَسْرَى فِي بَدْرٍ وَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَكَى خَوْفًا مِنَ الْعَذَابِ، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «غَدَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَإِذَا هُمَا يَبْكِيَانِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا يُبْكِيكَ أَنْتَ وَصَاحِبَكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنَ الْفِدَاءِ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ-...» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَبَكَى فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ خَوْفًا عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ فِي السُّجُودِ نَحْوَ ذَلِكَ وَجَعَلَ يَبْكِي فِي سُجُودِهِ وَيَنْفُخُ وَيَقُولُ: رَبِّ لَمْ تَعِدْنِي هَذَا وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ، رَبِّ لَمْ تَعِدْنِي هَذَا وَأَنَا فِيهِمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَخَوْفُهُ عَلَى أُمَّتِهِ جَعَلَهُ يُكْثِرُ الدُّعَاءَ لَهُمْ، وَيَبْكِي لِأَجْلِهِمْ يَطْلُبُ نَجَاتَهُمْ، فَجَزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنَّا وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 36]، الْآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الْمَائِدَةِ: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلَا نَسُوءُكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَيَبْكِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّسَاءِ: 41]، قَالَ: حَسْبُكَ الْآنَ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ». رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ».
وَيَبْكِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِقَّةً وَرَحْمَةً فِي مَوْتِ بَعْضِ أَوْلَادِهِ أَوْ أَصْحَابِهِ؛ كَبُكَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَوْتِ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَجَاءَ فِيهِ: «... ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَبَكَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَوْتِ ابْنِ ابْنَتِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: «شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ...» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ ابْنَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فِي احْتِضَارِ وَلَدِهَا... «فَأَتَاهَا فَوُضِعَ الصَّبِيُّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا؟ قَالَ: إِنَّهَا رَحْمَةٌ، وَضَعَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمِنْ بُكَائِهِ عَلَى مَوْتِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ...، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: قَدْ قَضَى، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَوْا، فَقَالَ: أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَبَكَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُهَدَاءَ مُؤْتَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَبَكَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَنِينًا إِلَى أُمِّهِ وَشَوْقًا إِلَيْهَا؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ...» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
تَلْكُمُ كَانَتْ مَوَاقِفَ حُفِظَتْ مِنْ بُكَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ وَعِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ خُشُوعًا وَخَشْيَةً، وَبَكَى رَحْمَةً بِأُمَّتِهِ وَشَفَقَةً عَلَيْهَا، وَبَكَى عَلَى فَقْدِ أَحْبَابِهِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَصْحَابِهِ. فَصَلَوَاتُ رَبِّنَا وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].
أَيُّهَا النَّاسُ: الْبُكَاءُ لَا يَعِيبُ الرِّجَالَ إِذَا كَانَ عَنْ رَحْمَةِ وَشَفَقَةِ وَرِقَّةِ قَلْبٍ. وَغِلْظَةُ الْقَلْبِ مَذْمُومَةٌ، وَمَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَالرَّحْمَةُ صِفَةٌ مَحْمُودَةٌ، اتَّصَفَ بِهَا الرَّحْمَنُ سُبْحَانَهُ، «وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَعْلَى الْبُكَاءِ وَأَفْضَلُهُ مَا كَانَ خُشُوعًا وَخَشْيَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ غَالِبُ بُكَاءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: 58].
وَأَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 83]، وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: 107-109].
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا بُكَاءً فَتَبَاكَوْا، لَوْ تَعْلَمُونَ الْعِلْمَ لَصَلَّى أَحَدُكُمْ حَتَّى يَنْكَسِرَ ظَهْرُهُ، وَلَبَكَى حَتَّى يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
وَمِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #15  
قديم 11-09-2026, 12:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (15)
حزن النبي صلى الله عليه وسلم على صدود قومه
إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ، الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ؛ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ ابْتِلَاءٍ لِأَوْلِيَائِهِ، وَتَمْحِيصًا لِعِبَادِهِ، وَدَارَ غُرُورٍ لِأَعْدَائِهِ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ[آلِ عِمْرَانَ: 185]، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ التَّائِبِينَ، وَنَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ، وَنَلُوذُ بِهِ فَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ جَعَلَ ابْتِلَاءَهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَامَةً عَلَى مَحَبَّتِهِ لَهُمْ «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ»، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ ابْتُلِيَ فِي اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُبْتَلَ بِهِ أَحَدٌ مِثْلَهُ؛ حَتَّى قَالَ: «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ» صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الِابْتِلَاءَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا جَادَّةُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الْبَلَاءِ طَرِيقُ الْمُوَفَّقِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[آلِ عِمْرَانَ: 142].
أَيُّهَا النَّاسُ: مَرَّتْ فَتَرَاتٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِنَ فِيهَا حُزْنًا شَدِيدًا عَلَى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ، وَعَلَى تَعْذِيبِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَقَتْلِهِمْ، وَعَلَى فِقْدَانِ النَّصِيرِ مِنَ الْبَشَرِ، وَعَلَى عُسْرِ الْعَيْشِ وَشَظَفِهِ وَشِدَّتِهِ، وَسُجِّلَ فِي سِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ مَوَاقِفُ كَثِيرَةٌ لِحُزْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ.
وَكَانَ أَوَّلَ حُزْنٍ أَصَابَهُ بَعْدَ الْبَعْثَةِ وَأَشَدَّهُ وَأَعْظَمَهُ: حُزْنُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فُتُورِ الْوَحْيِ بَعْدَ نُزُولِهِ عَلَيْهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ لَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «... لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا أُوذِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ حَيًّا أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً، حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَحَرِيُّ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ يَوْمٌ لَا يَقْرَأُ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ أَنْ يَحْزَنَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِنَ عَلَى فَتْرَةِ الْوَحْيِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِيَدِهِ!! فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ الْوَحْيَ فِي كُلِّ وَقْتٍ لِيَتَغَذَّى بِهِ قَلْبُهُ، وَتَهْتَدِيَ بِهِ نَفْسُهُ، وَيَصْلُحَ بِهِ حَالُهُ، ثُمَّ يُقَصِّرَ فِي ذَلِكَ، فَلَا يَحْزَنَ عَلَى تَقْصِيرِهِ؟!
وَلَمَّا دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ إِلَى الْإِيمَانِ كَذَّبُوهُ، فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ الْحُزْنِ؛ لِعِلْمِهِ بِعَاقِبَةِ الْمُكَذِّبِينَ؛ وَلِأَنَّهُ يُرِيدُ لَهُمُ الْإِيمَانَ وَعَاقِبَتَهُ مِنَ الْفَلَاحِ وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ؛ حَتَّى خَاطَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُخَفِّفُ عَلَيْهِ حُزْنَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ[الْأَنْعَامِ: 33]. بَلْ كَادَ حُزْنُهُ عَلَى تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ أَنْ يُهْلِكَهُ، حَتَّى نَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِهْلَاكِ نَفْسِهِ بِشِدَّةِ الْحُزْنِ ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ[فَاطِرٍ: 8]، وَالْمَعْنَى: لَا تَغْتَمَّ بِكُفْرِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[الشُّعَرَاءِ: 3]، وَفِي ثَالِثَةٍ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا[الْكَهْفِ: 7]. أَيْ: مُهْلِكُهَا غَمًّا وَأَسَفًا عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ أَجْرَكَ قَدْ وَجَبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَؤُلَاءِ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ خَيْرًا لَهَدَاهُمْ، وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ إِلَّا لِلنَّارِ، فَلِذَلِكَ خَذَلَهُمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا، فَإِشْغَالُكَ نَفْسَكَ غَمًّا وَأَسَفًا عَلَيْهِمْ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ لَكَ.
فَهَلْ تَعْلَمُونَ -عِبَادَ اللَّهِ- أَحَدًا أَشَدَّ نُصْحًا لِأُمَّتِهِ، وَشَفَقَةً عَلَيْهَا مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِآبَائِنَا هُوَ وَأُمَّهَاتِنَا، كَادَ أَنْ يَمُوتَ أَسَفًا عَلَى ضَلَالِ مَنْ ضَلَّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يُؤْذُونَهُ وَيُعَذِّبُونَ أَتْبَاعَهُ؟!
وَحَرِيُّ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَحْزَنَ لِكُفْرِ الْكَافِرِينَ، وَنِفَاقِ الْمُنَافِقِينَ، وَمَعْصِيَةِ الْعَاصِينَ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ الْخَيْرَ لِلْبَشَرِيَّةِ جَمِيعِهَا، وَيَكْرَهُ الشَّرَّ لَهُمْ، وَلَا خَيْرَ أَعْظَمُ مِنَ الْإِيمَانِ؛ فَإِنَّهُ سَعَادَةٌ فِي الدُّنْيَا، وَفَوْزٌ أَكْبَرُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا شَرَّ أَشَدُّ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ؛ فَهُوَ شَقَاءٌ فِي الدُّنْيَا، وَعَذَابٌ دَائِمٌ فِي الْآخِرَةِ؛ فَأَهْلُ الْإِيمَانِ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ.
لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْزَنُ أَشَدَّ الْحُزْنِ عَلَى مُسَارَعَةِ الْكُفَّارِ فِي كُفْرِهِمْ، وَيَخْشَى ضَرَرَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُمْ يَفْتِنُونَ النَّاسَ بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَكَمْ قَذَفُوا مِنَ الشُّبُهَاتِ لِتَشْكِيكِ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِيمَانِهِمْ، وَرَدِّ الْمُقْبِلِينَ عَلَى الْإِيمَانِ عَنْ إِقْبَالِهِمْ، وَتَثْبِيتِ أَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى كُفْرِهِمْ؟! وَكَمْ عَذَّبُوا الْمُؤْمِنِينَ فِي مَكَّةَ وَعَلَى صُخُورِهَا؟ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يُحْزِنُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ عَاقِبَةَ كُفْرِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ عَائِدٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا دِينَهُ شَيْئًا ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[آلِ عِمْرَانَ: 176].
وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ وَالْيَهُودُ أَشَدَّ خَطَرًا عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ مِنْ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ يَكِيدُونَ لِلْأُمَّةِ مِنْ دَاخِلِهَا؛ وَلِأَنَّ الْيَهُودَ أَقْدَرُ عَلَى قَذْفِ الشُّبُهَاتِ وَالتَّشْكِيكِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ الْمُنْغَمِسِينَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ. وَهُمُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَّوْرَاةَ، وَأَخْفَوْا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَرْسَلُوا جَوَاسِيسَهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَنْقُلُونَ مَا سَمِعُوا فَيُكَذِّبُونَهُ عِنْدَ أَتْبَاعِهِمْ، وَيَقْذِفُونَ فِيهِ شُبُهَاتِهِمْ لِصَدِّ النَّاسِ عَنْهُ، فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْزَنُ لِذَلِكَ أَشَدَّ الْحُزْنِ؛ حِرْصًا عَلَى هِدَايَةِ النَّاسِ كُلِّهِمْ، وَخَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَخَشْيَةً مِنْ تَأْثِيرِ الْمُضِلِّينَ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ بِصَدِّهِمْ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ نَبِيٍّ حِينَ يَخَافُ عَلَى مَنْ يُعَادُونَهُ الْعَذَابَ، وَيَرْجُو لَهُمُ الْهِدَايَةَ، وَيَخَافُ عَلَى أَتْبَاعِهِمْ مِنْ عَدَمِ قَبُولِ الْإِيمَانِ بِسَبَبِهِمْ، فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكُمُ الْحُزْنِ، وَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمْ لَنْ يَهْتَدُوا؛ لِفَسَادِ قُلُوبِهِمْ، وَأَنَّ الْعَذَابَ يَنْتَظِرُهُمْ، وَكَانَ هَذَا الْبَيَانُ الرَّبَّانِيُّ بِصِيغَةِ النِّدَاءِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّسَالَةِ؛ لِيَكُونَ أَقْوَى فِي الْبَيَانِ؛ وَلِتَعْظِيمِ جَنَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِثْبَاتِ رِسَالَتِهِ وَلَوْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ الْمُعَانِدُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ[الْمَائِدَةِ: 41].
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُلْهِمَنَا رُشْدَنَا، وَأَنْ يَكْفِيَنَا شُرُورَ أَنْفُسِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ دُعَاةِ الْحَقِّ، وَهُدَاةِ الْخَلْقِ، وَأَنْ يَرُدَّ عَنَّا كَيْدَ الْكَائِدِينَ، وَمَكْرَ الْمَاكِرِينَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ؛ فَإِنَّ فِي التَّقْوَى نَجَاةً مِنَ الْحُزْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ الْحُزْنُ الْأَبَدِيُّ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْ صَاحِبِهِ ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[الْأَعْرَافِ: 35 - 36].
أَيُّهَا النَّاسُ: كَانَتْ تَعْتَرِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْوَالٌ مِنَ الْحُزْنِ، وَيُصِيبُهُ أَنْوَاعٌ مِنْهُ؛ فَكَانَ يَحْزَنُ بِسَبَبِ افْتِرَاءِ الْمُكَذِّبِينَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، فَيُسَلِّيهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ مَقَامٍ يَحْزَنُ فِيهِ بِآيَاتٍ تُثَبِّتُهُ وَتَرْبِطُ عَلَى قَلْبِهِ، وَتَجْلُو حُزْنَهُ ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[يُونُسَ: 65]، أَيْ: وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُ الْمُكَذِّبِينَ فِيكَ، وَقَدْحُهُمْ فِي دِينِكَ؛ فَإِنَّ أَقْوَالَهُمْ لَا تُعِزُّهُمْ، وَلَا تَضُرُّكَ شَيْئًا ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يُؤْتِيهَا مَنْ يَشَاءُ، وَيَمْنَعُهَا مِمَّنْ يَشَاءُ.
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْزَنُ عَلَى مَا يَحِيكُونَهُ مِنْ مَكْرٍ، وَمَا يُدَبِّرُونَهُ مِنْ كَيْدٍ ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَيَضِيقُ صَدْرُهُ بِذَلِكَ، فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ الْحُزْنِ، وَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ؛ فَالْقَدَرُ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ لَا بِأَيْدِيهِمْ، وَقُدْرَتُهُ فَوْقَ قُدْرَتِهِمْ، وَقُوَّتُهُ تَغْلِبُ قُوَّتَهُمْ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ مُحِيطٌ بِمَكْرِهِمْ ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ[النَّحْلِ: 127].
وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْزَنُ لِمَا يَرَى مِنْ حُسْنِ مَعَايِشِهِمْ، وَبَسْطِ الدُّنْيَا عَلَيْهِمْ، رَغْمَ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ الْحُزْنِ ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ[الْحِجْرِ: 88]؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا حَصَّلُوهُ مِنْ زُخْرُفِهَا؛ فَإِنَّمَا هُوَ فِتْنَةٌ لَهُمْ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى[طه: 131].
وَيَسْتَفِيدُ الْمُؤْمِنُ مِنْ نَهْيِ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحُزْنِ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ بِأَنْ لَا يَحْزَنَ حُزْنًا شَدِيدًا يَفْتِكُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يُقْعِدُهُ عَنِ الْعَمَلِ لِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، كَمَا لَا يَفُتُّ فِي عَضُدِهِ أَوْ يُضْعِفُ قُوَّتَهُ اتِّهَامَاتُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ؛ فَقَدْ جَرَى ذَلِكَ وَأَكْثَرُ مِنْهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَسَلَّحَ بِالصَّبْرِ فِي مُوَاجَهَةِ افْتِرَاءَاتِهِمْ وَادِّعَاءَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ. وَلَا يَغْتَرَّ بِعُلُوِّ الْكُفَّارِ وَسَبْقِهِمْ فِي مَجَالَاتِ الدُّنْيَا رَغْمَ عِنَادِهِمْ وَاسْتِكْبَارِهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فِتْنَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ، وَمَكْرِهِ سُبْحَانَهُ بِهِمْ، وَالْإِمْدَادِ لَهُمْ فِي غَيِّهِمْ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُمْ لَمْ يُفْلِتْهُمْ.
وَإِذَا حَزِنَ الدُّعَاةُ عَلَى وَاقِعِ النَّاسِ الْمُؤْلِمِ، وَبُعْدِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَزِنَ قَبْلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا حَزِنُوا عَلَى أَقْوَالِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَمَكْرِهِمْ بِهِمْ فَإِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَزِنَ قَبْلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا حَزِنُوا عَلَى تَمَكُّنِ دُوَلِ الْكُفَّارِ فِي الْأَرْضِ، وَسَبْقِهِمْ فِي عُلُومِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَزِنَ قَبْلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَذَهَبَ كُفْرُ الْكَافِرِينَ وَمَكْرُهُمْ، وَعَزَّ الْإِسْلَامُ وَانْتَشَرَ، وَبَلَغَتْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْجَاءَ الْأَرْضِ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَ وَأَحْكَمَ حِينَ نَهَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شِدَّةِ الْحُزْنِ.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #16  
قديم 11-09-2026, 12:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (16)
حزن النبي صلى الله عليه وسلم على أحبته
إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاءِ:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ ابْتَلَاهُ لِيُكَفِّرَ عَنْهُ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتِ؛ فَإِنَّ الِابْتِلَاءَاتِ كَفَّارَاتٌ، وَتَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ فَيَبْتَلِيهِ اللَّهُ تَعَالَى لِيَرْفَعَهُ إِلَيْهَا. وَأَكْرَمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى نَبِيُّهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلِذَا ابْتُلِيَ بِمَا لَمْ يُبْتَلَ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ فَكَانَ الِابْتِلَاءُ مُضَعَّفًا عَلَيْهِ، وَكَانَ أَلَمُهُ أَشَدَّ مِنْ أَلَمِ غَيْرِهِ، وَكَانَ حُزْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ حُزْنِ غَيْرِهِ، وَذَاقَ الْيُتْمَ مُنْذُ وِلَادَتِهِ، وَلَازَمَتْهُ الِابْتِلَاءَاتُ الْعَظِيمَةُ مُنْذُ طُفُولَتِهِ إِلَى وَفَاتِهِ.
وَبَعْدَ بِعْثَتِهِ وَصَدْعِهِ بِالدَّعْوَةِ اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، وَمَاتَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ زَوْجُهُ وَعَمُّهُ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَامُ عَامَ الْحُزْنِ؛ لِثِقَلِ الْمُصِيبَتَيْنِ عَلَيْهِ، فَحَزِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ الْحُزْنِ عَلَى مَوْتِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، ثُمَّ حَزِنَ عَلَى مَوْتِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ أُمَّ أَوْلَادِهِ، وَهِيَ الْمُوَالِي النَّصِيرُ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، وَهِيَ الْمُؤَيِّدُ لِدَعْوَتِهِ، وَثَبَّتَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا حِينَ فَزِعَ مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ. وَكَانَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ الْمُحَامِيَ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَرُدُّ عَنْهُ أَذَى قُرَيْشٍ وَمَكْرَهَا بِهِ.
وَحِينَ مَاتَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَتَتْهُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَاكَ قَدْ دَخَلَتْكَ خَلَّةٌ لِفَقْدِ خَدِيجَةَ، فَقَالَ: أَجَلْ؛ أُمُّ الْعِيَالِ، وَرَبَّةُ الْبَيْتِ، فَقَالَتْ: أَلَا أَخْطُبُ عَلَيْكَ؟، قَالَ: بَلَى، أَمَا إِنَّكُنَّ مَعْشَرَ النِّسَاءِ أَرْفَقُ بِذَلِكَ، فَخَطَبَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَبَنَى بِسَوْدَةَ، وَعَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ حَتَّى بَنَى بِهَا حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ» رَوَاهُ مُرْسَلًا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ.
قَالَ إِمَامُ السِّيَرِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «لَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا. فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهَا: لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ». وَيَقُولُ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ».
وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ أَذَى الْمُشْرِكِينَ فِي عَامِ الْحُزْنِ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ يَدْعُو أَهْلَهَا لَعَلَّهُ يَجِدُ اسْتِجَابَةً مِنْهُمْ، فَآذَوْهُ وَرَدُّوا دَعْوَتَهُ، فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
ثُمَّ حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أَصْحَابِهِ فِي أُحُدٍ، فَقَدْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سَبْعُونَ، مِنْهُمْ عَمُّهُ حَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الَّذِي كَانَ إِسْلَامُهُ عِزًّا لِلْإِسْلَامِ وَقُوَّةً، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَفُجِعَ بِمَقْتَلِهِ، وَفِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ قَالَ: لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا! مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطُّ أَغْيَظَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا»، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أُحُدٍ سَمِعَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ فَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ...» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَبَعْدَ أُحُدٍ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ أُصِيبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قُتِلُوا غَدْرًا فِي بِئْرِ مَعُونَةَ، فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَى سَرِيَّةٍ مَا وَجَدَ عَلَى السَّبْعِينَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، كَانُوا يُدْعَوْنَ الْقُرَّاءَ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَتَلَتِهِمْ» وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَفُجِعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَفِيهِمْ مَوْلَاهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَشَاعِرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ: «أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا شَدِيدًا، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «لَمَّا قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَحَزِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْتِ أَوْلَادِهِ؛ فَمَاتَ أَبْنَاؤُهُ الثَّلَاثَةُ: الْقَاسِمُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَإِبْرَاهِيمُ وَهُمْ صِغَارٌ، وَمَاتَ ثَلَاثٌ مِنْ بَنَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَهُنَّ زَيْنَبُ وَرُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ، فَذَاقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُزْنَ عَلَى سِتَّةٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الَّتِي مَاتَتْ بَعْدَهُ بِأَشْهُرٍ، وَفِي حُزْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
وَحَزِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْتِ ابْنِ بِنْتِهِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَصَبِيُّهَا فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ «فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. فَكُلُّ مَحْزُونٍ وَمَهْمُومٍ وَمَوْجُوعٍ فِي فَقْدِ حَبِيبٍ أَوْ تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَالْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ فَلَهُ أُسْوَةٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَلَقَدْ كَانَ يَحْزَنُ عَلَى فَقْدِ أَحِبَّتِهِ، وَكَانَ يَتَّقِي اللَّهَ تَعَالَى فِي حُزْنِهِ، وَيُقَابَلُ الْقَدَرَ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ.
نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ أَصَابَهَا بِالْمِحَنِ وَالْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ؛ لِيَمِيزَ خَبِيثَهَا مِنْ طَيِّبِهَا، وَلِيُصَفِّيَهَا مِنْ أَدْعِيَائِهَا؛ فَلَا يَبْقَى عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ إِلَّا مَنْ صَحَّ مُعْتَقَدُهُ، وَخَلُصَتْ نِيَّتُهُ، وَحَسُنَ مَقْصِدُهُ، فَلَا يُرِيدُ بِدِينِهِ إِلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.
وَأُمَّةُ الْإِسْلَامِ هِيَ أَكْرَمُ الْأُمَمِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلِذَا ابْتُلِيَتْ بِمَجْمُوعِ مَا ابْتُلِيَتْ بِهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ، وَزَادَتْ عَلَيْهِ؛ لِيَعْظُمَ أَجْرُهَا، وَيَكْثُرَ خَيْرُهَا، وَتَعْلُوَ مَنْزِلَتُهَا؛ فَيَكُونَ أَفْرَادُهَا أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ.
وَقَدِ ابْتُلِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمَّتِهِ مُنْذُ جَهْرِهِ بِالدَّعْوَةِ، فَعُذِّبَ أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ، وَفُتِنُوا فِي دِينِهِمْ، وَابْتُلِيَتْ أُمَّتُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَزَالُ تُبْتَلَى وَتُفْتَنُ فِي دِينِهَا، وَتُعَذَّبُ بِسَبَبِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَيَتَكَالَبُ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ وَيَتَآمَرُونَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
فَمَا يُصِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِسَبَبِ دِينِهَا وَعَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهَا مِنَ الْحِصَارِ وَالتَّجْوِيعِ وَالْإِفْقَارِ، وَالتَّشْرِيدِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ، وَالْقَتْلِ وَالتَّعْذِيبِ وَالْآلَامِ كَفَّارَةٌ لَهُمْ، وَرِفْعَةٌ فِي الدَّرَجَاتِ.
وَالْهَدْيُ النَّبَوِيُّ هُوَ الْحُزْنُ لِمُصَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّأَلُّمُ لِأَجْلِهِمْ، كَمَا حَزِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَبِئْرِ مَعُونَةَ وَمُؤْتَةَ، وَنُصْرَةُ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَصَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَعَا عَلَى قَتَلَةِ الْقُرَّاءِ شَهْرًا كَامِلًا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ «كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» وَ«كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #17  
قديم 11-09-2026, 12:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (17)
ثبات النبي صلى الله عليه وسلم
إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَأَقَامَ حُجَّتَهُ عَلَى الْعَالَمِينَ، وَقَطَعَ مَعَاذِيرَ الْمُعْتَذِرِينَ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ التَّائِبِينَ، وَنَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ؛ فَهُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ، الْحَلِيمُ الْعَلِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ دَلَّتْ دَلَائِلُ الْخَلْقِ وَالشَّرْعِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَبَرْهَنَتْ أَفْعَالُهُ عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ هَادِيًا وَمُعَلِّمًا، وَبَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاثْبُتُوا عَلَى دِينِكُمْ فَإِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَا سَعَادَةَ لَكُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَّا بِهِ، وَلَا نَجَاةَ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا بِالْمُوَافَاةِ عَلَيْهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 132]، فَاللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا عَلَى دِينِ الْحَقِّ إِلَى الْمَمَاتِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَبَاتٌ عَلَى الْحَقِّ عَجِيبٌ، وَإِصْرَارٌ عَلَى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ، وَمِنْ سِيرَتِهِ يَتَعَلَّمُ الْمُؤْمِنُونَ الثَّبَاتَ؛ فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِمَامُ الثَّابِتِينَ عَلَى الْحَقِّ، وَلَهُمْ فِي ثَبَاتِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ. آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ فَلَمْ يَتَرَاجَعْ عَنْ دَعْوَتِهِ، وَسَاوَمُوهُ فَلَمْ يَتَنَازَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَغْرَوْهُ بِمَا يُغْرَى بِهِ الْأَكَابِرُ مِنَ النَّاسِ فَمَا تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَكَانَ ثَابِتًا ثُبُوتَ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي، بَلْ لَوْ تَزَحَزْحَتِ الْجِبَالُ عَنْ مَقَارِّهَا لَمَا تَزَحْزَحَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دَعْوَتِهِ.
وَلَجَأَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ لِيُسْكِتَهُ لِمَا لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَضْلِ، فَقَدْ رَبَّاهُ مَعَ أَوْلَادِهِ، قَالَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يُؤْذِينَا فِي نَادِينَا وَفِي مَسْجِدِنَا، فَانْهَهُ عَنْ أَذَانَا، فَقَالَ: يَا عَقِيلُ: ائْتِنِي بِمُحَمَّدٍ، فَذَهَبْتُ فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ بَنِي عَمِّكَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُؤْذِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَفِي مَسْجِدِهِمْ، فَانْتَهِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: فَحَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: مَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ لَكُمْ ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَسْتَشْعِلُوا لِي مِنْهَا شُعْلَةً. قَالَ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: مَا كَذَبَنَا ابْنُ أَخِي، فَارْجِعُوا» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى.
وَذَاتَ مَرَّةٍ طَمِعَ أَحَدُ كُبَرَائِهِمْ فِي أَنْ يَلِينَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَصَلُّبِهِ، وَيَحْرِفَهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ؛ فَهَذَا دِينُ اللَّهِ تَعَالَى يَحْمِلُهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «أَنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ لَهُمْ: دَعُونِي حَتَّى أَقُومَ إِلَيْهِ أُكَلِّمَهُ فِإِنِّي عَسَى أَنْ أَكُونَ أَرْفَقَ بِهِ مِنْكُمْ. فَقَامَ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، أَرَاكَ أَوْسَطَنَا بَيْتًا، وَأَفْضَلَنَا مَكَانًا، وَقَدْ أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ مَا لَمْ يُدْخِلْ رَجُلٌ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَهُ، فِإِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَالًا فَذَلِكَ لَكَ عَلَى قَوْمِكَ أَنْ يُجْمَعَ لَكَ حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ شَرَفًا فَنَحْنُ نُشَرِّفُكَ حَتَّى لَا يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِكَ أَشْرَفَ مِنْكَ، وَلَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كَانَ هَذَا عَنْ مُلِمٍّ يُصِيبُكَ فَلَا تَقْدِرُ عَلَى النُّزُوعِ مِنْهُ بَذَلْنَا لَكَ خَزَائِنَنَا حَتَّى نُعْذَرَ فِي طَلَبِ الطِّبِّ لِذَلِكَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حم السَّجْدَةِ) حَتَّى مَرَّ بِالسَّجْدَةِ فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُتْبَةُ مُلْقٍ يَدَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهَا، ثُمَّ قَامَ عُتْبَةُ مَا يَدْرِي مَا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ مُقْبِلًا قَالُوا: لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ بِوَجْهٍ غَيْرِ مَا قَامَ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَدْ كَلَّمْتُهُ بِالَّذِي أَمَرْتُمُونِي بِهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ كَلَّمَنِي بِكَلَامٍ لَا وَاللَّهِ مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ مِثْلَهُ قَطُّ، وَمَا دَرَيْتُ مَا أَقُولُ لَهُ. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ فَأَطِيعُونِي الْيَوْمَ وَاعْصُونِي فِيمَا بَعْدَهُ، وَاتْرُكُوا الرَّجُلَ وَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ بِتَارِكٍ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ؛ فَإِنْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ يَكُنْ شَرَفُهُ شَرَفَكُمْ، وَعِزُّهُ عِزَّكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْهِ تَكُونُوا قَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
فَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ تَوَقُّفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دَعْوَتِهِ قَدَّمُوا عَرْضًا آخَرَ لِمُسَاوَمَتِهِ فِي دِينِهِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ عَرْضٌ جَيِّدٌ فِي حَالِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَفَضَهُ؛ فَاجْتَمَعَ جَمْعٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: «يَا مُحَمَّدُ، هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ، وَتَعْبُدُ مَا نَعْبُدُ، فَنَشْتَرِكُ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمَّا نَعْبُدُ كُنَّا قَدْ أَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَا نَعْبُدُ خَيْرًا مِمَّا تَعْبُدُ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنْهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الْكَافِرُونَ: 1-6].
وَبَلَغَ مِنْ ثَبَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ صَارَ يُهَدِّدُهُمْ وَهُوَ وَحْدَهُ، لَا يَخْشَى مِنْهُمْ؛ حَتَّى هَابُوهُ وَخَافُوا مِنْهُ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «حَضَرْتُهُمْ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا قَالُوا: قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي، حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ، قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمُ الثَّانِيَةَ، غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى، ثُمَّ مَرَّ بِهِمُ الثَّالِثَةَ، فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ: تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ، فَأَخَذَتِ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنَ الْقَوْلِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، انْصَرِفْ رَاشِدًا، فَوَاللهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَفِي عَزْمِهِ وَإِصْرَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرُ قَالَ لَهُمْ حِينَ رَدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ وَقَدْ جَاءَ مُعْتَمِرًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي -يَعْنِي: رَقَبَتَهُ- وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أَمْرَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَصَلَوَاتُ رَبِّنَا وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مَا دَامَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
وَلْنَتَعَلَّمْ -عَبَادَ اللهِ- مِنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ، وَالدَّعْوَةَ إِلَيهِ، وَالصَّبْرَ عَلَى الأَذَى فِيهِ؛ فَإِنَّ عَاقَبَةَ ذَلِكَ نَصْرٌ فِي الدُّنْيَا، وَفَوزٌ أَكْبَرُ فِي الآخِرَةِ.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ، وَأَيْقِنُوا أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [هُودٍ: 17].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يُلَاحَظُ فِي الْمَوَاقِفِ الآنِفِ ذِكْرُهَا قُوَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِصْرَارُهُ عَلَى دَعْوَتِهِ، وَعَدَمُ تَنَازُلِهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ؛ مِمَّا أَقْنَعَ أَبَا طَالِبٍ بِمَوْقِفِهِ فَرَدَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ عَلَى أَعْقَابِهِمْ.
وَيَظْهَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا فِي مَوْقِفِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ مِنْ سَادَةِ قُرَيْشٍ وَحُكَمَائِهِمْ؛ فَإِنَّهُ ذَهَبَ لِمُحَاوَرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ حُزْمَةٌ مِنَ الْعُرُوضِ الْمُغْرِيَةِ الَّتِي ظَنَّ عُتْبَةُ أَنَّهُ يُثْنِي بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ دَعْوَتِهِ، وَبَعْدَ مُحَاوَرَتِهِ إِيَّاهُ، رَجَعَ إِلَى سَادَةِ قُرَيْشٍ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَعْوَتِهِ.
كُلُّ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ مِنْ أَئِمَّةِ الْكُفْرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُوقِنَ بِالْحَقِّ، الثَّابِتَ عَلَيْهِ، الْمُتَمَسِّكَ بِهِ، يَخْضَعُ لَهُ النَّاسُ وَيَحْتَرِمُونَهُ وَلَوْ كَانُوا يُعَادُونَهُ، وَيَتَنَازَلُونَ هُمْ عَنْ مَبَادِئِهِمْ؛ لِأَنَّهَا بَاطِلٌ اخْتَرَعُوهُ فَسَهُلَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا؛ رَجَاءَ أَنْ يَتَنَازَلَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ؛ وَلِذَا سَاوَمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يَعْبُدُوا إِلَهَهُ سَنَةً، وَيَعْبُدَ آلِهَتَهُمْ سَنَةً، وَقَدْ يَبْدُو هَذَا الْعَرْضُ مُغْرِيًا فِي ظِلِّ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّةِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ سُورَةَ (الْكَافِرُونَ) تَرُدُّ هَذِهِ الْمُسَاوَمَةَ الْهَزِيلَةَ الَّتِي يَخْضَعُ فِيهَا الْحَقُّ لِشَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ؛ وَذَلِكَ لِأنَّ الْبَاطِلَ هَزِيلٌ وَلَوْ كَانَ أَصْحَابُهُ يَمْلِكُونَ الْعَدَدَ وَالْعُدَّةَ، وَكَانَ الْعَالَمُ كُلُّهُ مَعَهُمْ، وَالْحَقُّ أَقْوَى وَلَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ.
وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ مُشَاهَدَةٌ فِي عَالَمِ الْيَوْمِ؛ فَرَغْمَ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ، وَقِلَّةِ حِيلَتِهِمْ، وَهَوَانِهِمْ عَلَى أُمَمِ الْكُفْرِ، وَرَغْمَ اجْتِمَاعِ الْكُفَّارِ بِشَتَّى مِلَلِهِمْ، وَمَعَهُمُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُرْتَدُّونَ ضِدَّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، تَشْوِيهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَوَصْفًا لَهُ بِأَبْشَعِ الْأَوْصَافِ، وَاتِّهَامِ الْمُسْلِمِينَ بِشَتَّى التُّهَمِ الْمُنَفِّرَةِ مِنْهُمْ وَمِنْ دِينِهِمْ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَنْتَشِرُ وَيَقْوَى، وَحِيَلَ الْأَعْدَاءِ تَنْقَطِعُ، وَعُقُولَهُمْ تَكَادُ تَطِيشُ مِمَّا يَرَوْنَ. وَفِي كُلِّ يَوْمٍ لَهُمْ مَكْرٌ وَعَمَلٌ وَكَيْدٌ ضِدَّ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَزِيدُ ذَلِكَ الْإِسْلَامَ إِلَّا قُوَّةً وَانْتِشَارًا، وَلَا جَوَابَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ الْحَقُّ، فَهَزَمَ هَذَا الْحَقُّ مَجْمُوعَ بَاطِلِهِمْ الْمُرَكَّبِ مِنَ الدِّيَانَاتِ الْمُحَرَّفَةِ وَالْوَثَنِيَّةِ، وَالْمَذَاهِبِ الْمَادِّيَّةِ الْمُخْتَرَعَةِ، وَسَيَهْزِمُهُمُ الْإِسْلَامُ، وَمَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا الثَّبَاتُ عَلَى دِينِهِمْ مَهْمَا كَانَتِ التَّبِعَاتُ. وَإِنَّ دِينًا حَمَلَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَبَعْدَ بِضْعِ سَنَوَاتٍ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَتْبَاعِ عَشَرَاتُ الْأُلُوفِ، ثُمَّ بَعْدَ قَرْنٍ مِئَاتُ الْأُلُوفِ، وَبَسَطَ سُلْطَانَهُ عَلَى الْأَرْضِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَرْنًا؛ لَحَقِيقٌ أَنْ يَعُودَ كَمَا كَانَ، وَيَنْتَشِرَ فِي أَصْقَاعِ الْأَرْضِ، وَيُعِيدَ بَسْطَ سَيْطَرَتِهِ عَلَى قَارَّاتِهَا كُلِّهَا، وَبَوَادِرُ ذَلِكَ وَاضِحَةٌ لِلْمُتَبَصِّرِينَ الْمُوقِنِينَ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: 171 - 173]، فَهِيَ كَلِمَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ سُبْحَانَهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ ذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #18  
قديم 12-09-2026, 05:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (18)
رفض المساومة على الدين
إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، نَحْمَدُهُ حَمْدَ الشَّاكِرِينَ، وَنَسْتَغْفِرُهُ اسْتِغْفَارَ التَّائِبِينَ، وَنَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ؛ فَقَدْ جَادَ عَلَيْنَا بِالدِّينِ الْقَوِيمِ، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، وَالرَّسُولِ الْأَمِينِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَا حَاجَةَ لَهُ فِي عِبَادِهِ، وَلَا غِنَى لِعِبَادِهِ عَنْهُ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، فَكَانَ أَمَانًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَحُجَّةً عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ مَهْمَا كَانَتِ التَّبِعَاتُ، وَالتَّزَوُّدِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ؛ فَإِنَّ الْمَوْعِدَ قَرِيبٌ، وَإِنَّ الْحِسَابَ عَسِيٌر، وَإِنَّ جَزَاءَ الثَّابِتِينَ عَلَى الْإِيمَانِ خُلْدٌ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: 20].
أَيُّهَا النَّاسُ: فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عِبَرٌ وَعِظَاتٌ، وَفِي قِرَاءَتِهَا وَمُدَارَسَتِهَا تَرْقِيقٌ لِلْقُلُوبِ، وَتَثْبِيتٌ لِلدِّينِ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْيَقِينِ؛ فَهِيَ سِيرَةُ خَيْرِ الْبَشَرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمِنْهَا نَتَعَلَّمُ الثَّبَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَمُقَارَعَةَ أَهْلِ الْبَاطِلِ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، فَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ.
وَفِي مَوْقِفٍ حُفِظَ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ نَرَى كَيْفَ جَادَلَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَاوَمُوهُ عَلَى دِينِهِ، وَأَغْرَوْهُ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا، وَوَضَعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَطْلُبُهُ النَّاسُ مِنْ مَتَاعٍ زَائِلٍ لِيَتَخَلَّى عَنْ دَعْوَتِهِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَغْتَرَّ بِدُنْيَاهُمْ وَلَا بِمَا عَرَضُوهُ عَلَيْهِ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ دَاعِيَةٌ إِلَى الْحَقِّ، يُرِيدُ هِدَايَةَ الْخَلْقِ، وَلَيْسَ دَاعِيَةً لِنَفْسِهِ يُرِيدُ حُظُوظَهَا. ثُمَّ لَمَّا عَجَزُوا عَنْ إِغْرَائِهِ انْتَقَلُوا إِلَى مُحَاوَلَةِ تَعْجِيزِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ كَانَ ثَابِتًا عَلَى الْحَقِّ، لَا يُجِيبُ مَطَالِبَهُمْ، وَلَا يَفْتُرُ عَنْ دَعْوَتِهِمْ، وَيَجْتَهِدُ فِي بَذْلِ النُّصْحِ لَهُمْ.
نَقَلَ ابْنُ إِسْحَاقَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ جَمْعًا مِنْ سَادَةِ الْمُشْرِكِينَ: «اجْتَمَعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إِلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعْذَرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ: إِنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَيْكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيعًا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ بَدَا لَهُمْ فِي أَمْرِهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا، يُحِبُّ رُشْدَهُمْ وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ، حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا قَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِنُعْذَرَ فِيكَ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وَعِبْتَ الدِّينَ، وَسَفَّهْتَ الْأَحْلَامَ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ، فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إِلَّا وَقَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَطْلُبُ مَالًا، جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينَا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ بِمَا يَأْتِيكَ بِهِ رِئْيًا تَرَاهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ -وَكَانُوا يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنَ الْجِنِّ: الرِّئْيَ- فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ، بَذَلْنَا أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، أَوْ نُعْذَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بِي مَا تَقُولُونَ، مَا جِئْتُكُمْ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا مَا عَرَضْنَا عَلَيْكَ، فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَضْيَقَ بِلَادًا، وَلَا أَقَلَّ مَالًا، وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، فَسَلْ رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، وَيَبْسُطْ لَنَا بِلَادِنَا، وَلْيُفَجِّرْ لَنَا فِيهَا أَنْهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يَبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخًا صَدُوقًا، فَنَسْأَلُهُمْ عَمَّا تَقُولُ، حَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ؟ فَإِنْ صَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ، وَصَدَّقُوكَ صَدَّقْنَاكَ، وَعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا بِهَذَا بُعِثْتُ، إِنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنَ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، فَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ لَنَا هَذَا، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، فَسَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ، وَاسْأَلْهُ فَلْيَجْعَلْ لَكَ جِنَانًا وَكُنُوزًا وَقُصُورًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَيُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتَّى نَعْرِفَ فَضْلَ مَنْزِلَتِكَ مِنْ رَبِّكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، مَا أَنَا بِالَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا، وَمَا بُعِثْتُ إِلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، قَالُوا: فَأَسْقِطِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسَفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إِنْ شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ لَكَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ فَعَلَ بِكُمْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ، وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ، فَيَتَقَدَّمُ إِلَيْكَ، وَيُعَلِّمُكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرُكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا إِذْ لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتَنَا بِهِ، فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، أَعْذَرْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، أَمَا وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا بَلَغْتَ مِنَّا حَتَّى نُهْلِكَكَ أَوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهُنَّ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا. فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ، وَقَامَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ عَاتِكَةَ فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُوا فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا مَنْزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ فَلَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تُعَجِّلَ مَا تُخَوِّفُهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَوَاللَّهِ لَا أُومِنُ لَكَ أَبَدًا، حَتَّى تَتَّخِذَ إِلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا تَرْقَى فِيهِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى تَأْتِيَهَا، وَتَأْتِيَ مَعَكَ بِنُسْخَةٍ مَنْشُورَةٍ مَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَظَنَنْتُ أَلَّا أُصَدِّقَكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِهِ حَزِينًا أَسِيفًا لِمَا فَاتَهُ مِمَّا كَانَ يَطْمَعُ فِيهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ إِيَّاهُ. فَلَمَّا قَامَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إِلَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا، وَشَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَسَبِّ آلِهَتِنَا، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ قَدْرَ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ، فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ فَضَخْتُ رَأْسَهُ بِهِ»فَحَفِظَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَبَقِيَ دِينُ اللَّهِ تَعَالَى ظَاهِرًا مَنْصُورًا، فَالْحَمْدُ اللَّه حَمْدًا كَثِيرًا.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَتَأَسَّوْا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَبَاتِهِ وَدَعْوَتِهِ وَعِبَادَتِهِ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 21].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يُلَاحَظُ فِي مُسَاوَمَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُحَاوَرَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُحَاوَلَةِ إِغْرَائِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَنَازَلْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ دَعْوَتِهِ، وَلَمْ يَفْتَتْ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِحُجَّةِ تَحْبِيبِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ، فَيَزِيدُ فِيهِ شَيْئًا يُرْضِيهِمْ، أَوْ يَحْذِفُ مِنْهُ مَا لَا يُرِيدُونَ، بَلْ كَانَ مُبَلِّغًا أَمِينًا فِيمَا بَلَّغَ، صَادِعًا بِالْحَقِّ مَهْمَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؛ وَلِذَا عَجَزَ الْمُشْرِكُونَ عَنْ إِغْرَائِهِ كَمَا انْقَطَعُوا فِي مُحَاوَلَتِهِمْ تَعْجِيزَهُ بِطَلَبَاتِهِمْ؛ إِذْ بَلَّغَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ رَسُولٌ يُبَلِّغُ رِسَالَةَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلدَّاعِيَةِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى هِدَايَةِ النَّاسِ، وَلَكِنْ لَا يَتَنَازَلُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ أَوْ دَعْوَتِهِ لِإِرْضَائِهِمْ وَتَحْبِيبِهِمْ فِي الدِّينِ؛ لِأَنَّ الدِّينَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ لَهُ لِيَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا شَاءَ.
وَيَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمُحَاوَرَةِ رَحْمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُشْرِكِينَ رَغْمَ أَذَاهُمْ لَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْأَلْ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ مَا طَلَبُوا، وَلَوْ سَأَلَهُ سُبْحَانَهُ لَأَجَابَهُ، ثُمَّ إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا أَهْلَكَهُمْ، فَاخْتَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ، وَتَكْرَارَ دَعْوَتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ، فَإِذَا لَمْ يَهْتَدُوا أَخْرَجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ هُمْ مُؤَهَّلُونَ لِلْهِدَايَةِ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ إِذْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ هَؤُلَاءِ الصَّنَادِيدِ الْمُسْتَكْبِرِينَ عِبَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى صَالِحُونَ.
هَذَا؛ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الزَّمَنِ لَا يَعْرِفُونَ مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا احْتِفَالَاتٍ بِهِجْرَتِهِ وَمَوْلِدِهِ وَإِسْرَائِهِ، تُنْشَدُ فِيهَا الْقَصَائِدُ الْمُغَالِيَةُ فِي مَدْحِهِ وَإِطْرَائِهِ، الْمُخَالِفَةُ لِدِينِهِ وَسُنَّتِهِ؛ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالْخَيْرُ كُلُّ الْخَيْرِ فِي اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ صَحَابَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَهَذِهِ الِاحْتِفَالَاتُ الْبِدْعِيَّةُ لَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهَا، مَعَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى لِفِعْلِهَا فِي زَمَنِهِ، وَلَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَلَا التَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا الْأَئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ، وَإِنَّمَا أَحْدَثَهَا الْمُبْتَدِعَةُ الْبَاطِنِيُّونَ بَعْدَ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ، فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ -عِبَادَ اللَّهِ- مِنَ الِاغْتِرَارِ بِهَا، وَلَوْ كَثُرَ الْوَاقِعُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْكَثْرَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى الْحَقِّ، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الْأَنْعَامِ: 116]، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 31].
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #19  
قديم 12-09-2026, 05:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (19)
تثبيت المؤمنين
إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النِّسَاءِ: 1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِذَا عَلَا قَدْرُ الْمَرْءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَمُلَ دِينُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَصَلُحَ حَالُهُ، وَكَانَ ظَاهِرُهُ كَبَاطِنِهِ. وَذَلِكَ الَّذِي يُصَاحَبُ وَيُخَالَطُ؛ لِيَقْتَبِسَ الْمَرْءُ مِنْهُ بَعْضَ مَا عِنْدَهُ. وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَكْمَلُ الْبَشَرِ فِي هَذَا الْبَابِ؛ وَلِذَا حَثَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى التَّأَسِّي بِهِمْ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الْأَنْعَامِ: 90].
وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ حَيَاتَهُ بَعْدَ الْبِعْثَةِ ثَابِتًا عَلَى دِينِهِ، وَمُثَبِّتًا لِأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَكَانَ يَغْرِسُ فِي قُلُوبِهِمُ الثِّقَةَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَيُؤَكِّدُ لَهُمْ أَنَّ وَعْدَهُ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ آتٍ لَا مَحَالَةَ؛ مَهْمَا كَانَ ظَاهِرُ الْحَالِ مُخَالِفًا لِذَلِكَ.
وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ كَانَ أَهْلُ الْإِيمَانِ فِي مَكَّةَ مُسْتَضْعَفِينَ مُسْتَضَامِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِهِمْ يُصَبِّرُهُمْ وَيُثَبِّتُهُمْ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ أَحْوَالَ الْمُعَذَّبِينَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأَهْلِهِ، وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: أَبْشِرُوا آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
يَا لَهَا مِنْ بُشْرَى عَظِيمَةٍ مِمَّنْ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ بِالْبَشَائِرِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ يَاسِرًا وَزَوْجَهُ سُمَيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَاتَا تَحْتَ التَّعْذِيبِ فِي مَكَّةَ، وَلَمْ يُدْرِكَا الْهِجْرَةَ وَالنَّصْرَ وَالْفُتُوحَ، فَوَعَدَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ، وَهُوَ وَعْدٌ مَا أَطْيَبَهُ. وَلَمْ يَعِدْهُمْ بِالنَّصْرِ وَالْفُتُوحِ كَمَا وَعَدَ خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ الَّذِي أَدْرَكَ الْهِجْرَةَ وَالْفُتُوحَ، كَمَا قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلَمَّا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْجِهَادَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْبَتَ النَّاسِ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى، وَكَانَ يُثَبِّتُ أَصْحَابَهُ بِخُطَبِهِ وَدُعَائِهِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقُبَيْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ بَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّبَاتَ فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَزَرَعَ فِيهِمُ الثِّقَةَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى حِينَ حَدَّدَ لَهُمْ مَصَارِعَ الْمُشْرِكِينَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالْأَمْسِ، يَقُولُ: هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ عُمَرُ: فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَئُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَمَّا الْتَقَى الْجَمْعَانِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي أُحُدٍ حِينَ انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، بَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكُونَ فَثَبَتَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَّتَ أَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ، أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي الْخَنْدَقِ حِينَ تَحَزَّبَتِ الْأَحْزَابُ، وَزَاغَتِ الْأَبْصَارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ؛ ثَبَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ فَوَعَدَهُمْ فِي ذَلِكُمُ الْمَوْقِفِ الْعَصِيبِ بِكُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، حَتَّى قَالَ الْمُنَافِقُونَ: «يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ فَتْحَ قُصُورِ الشَّامِ وَفَارِسَ، وَأَحَدُنَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَاوِزَ رَحْلَهُ، هَذَا وَاللَّهِ الْغُرُورُ»، وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 12].
وَفِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ حِينَ كَمَنَ الْعَدُوُّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَرَمَاهُمْ بِالنِّبَالِ، فَوَلَّى أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ مُدْبِرِينَ؛ ثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثُلَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَثَبَّتَهُمْ فَارْتَجَزَ قَائِلًا: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، اللَّهُمَّ نَزِّلْ نَصْرَكَ»، قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ؛ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَيْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ، فَقَالَ عَبَّاسٌ -وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-: فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ... فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ فَإِذَا الْقِتَالُ عَلَى هَيْئَتِهِ فِيمَا أَرَى، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَمْ يَكُنْ تَثْبِيتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْتَصِرًا عَلَى التَّثْبِيتِ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى، بَلْ كَانَ يُثَبِّتُهُمْ فِي كُلِّ أَمْرٍ يُفْزِعُهُمْ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَأَنْ يُثَبِّتَ بِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ الْمُصْلِحِينَ الْمُفْلِحِينَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَتَأَسَّوْا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ، وَتَثْبِيتِ النَّاسِ عَلَيْهِ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 21].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ نُصْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِمَا يَقَعُ مِنَ الْفِتَنِ وَتَبْدِيلِ الدِّينِ، وَأَمَرَهُمْ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ مَهْمَا كَثُرَ الزَّائِغُونَ، وَتَسَاقَطَ الْمُتَسَاقِطُونَ، وَمَهْمَا كَانَتِ الْمِحَنُ وَالِابْتِلَاءَاتُ وَالْمُغْرِيَاتُ؛ فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلثَّابِتِينَ نَصْرٌ مُبِينٌ، وَخُلْدٌ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
وَمِنْ تَثْبِيتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ: مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ أَنْ يُغَرْبَلَ النَّاسُ غَرْبَلَةً، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ-، قَالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى خَاصَّتِكُمْ، وَتَدَعُونَ عَامَّتَكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ ثَبْيِتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ فِي أَعْظَمِ فِتْنَةٍ؛ وَهِيَ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «...غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ، إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَأَمَرَ بِالثَّبَاتِ فِي أَكْبَرِ فِتْنَةٍ؛ وَهِيَ فِتْنَةُ الدَّجَّالِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الثَّبَاتِ فِيمَا دُونَهَا مِنَ الْفِتَنِ، وَأَنَّهُ لَا عُذْرَ لِلْمُؤْمِنِ فِي عَدَمِ الثَّبَاتِ فِي أَيِّ فِتْنَةٍ أَصَابَتْهُ وَقَدْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالثَّبَاتِ، إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ، لَا مَنْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ الدُّنْيَا فَغَيَّرَ دِينَهُ لِأَجْلِهَا.
هَذَا؛ وَمِنْ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّبَاتُ عَلَى سُنَّتِهِ، وَمُجَانَبَةُ طُرُقِ الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ أَحْدَثُوا الِاحْتِفَالَاتِ بِالْهِجْرَةِ وَالْمَوْلِدِ وَالْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا يُخَالِفُ هَدْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
أَلَا فَاثْبُتُوا -عِبَادَ اللَّهِ- عَلَى هَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ، وَتَمَسَّكُوا بِسُنَّةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا تَلْتَفِتُوا لِشُبَهَاتِ الزَّائِغِينَ الضَّالِّينَ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #20  
قديم 12-09-2026, 05:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,689
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلال النبوية

الخلال النبوية (20)
شكر النبي صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل
إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَفُورِ الرَّحِيمِ، الشَّكُورِ الْحَلِيمِ؛ مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ فَبَعَثَ لَهُمْ نَبِيَّهُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كِتَابَهُ، وَهَدَاهُمْ لِدِينِهِ ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يُونُسَ: 108]، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ وَالْفَوْزَ يَوْمَ النُّشُورِ، يَوْمَ يُبَعْثَرُ مَا فِي الْقُبُورِ، وَيُحَصَّلُ مَا فِي الصُّدُورِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ، وَيَشْكُرُهُ سُبْحَانَهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، وَيَرْضَى بِقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي طَاعَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ؛ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاحْمَدُوهُ عَلَى مَا هَدَاكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ؛ فَإِنَّ شُكْرَهُ تَعَالَى دَأْبُ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: 3]، وَقَالَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النَّمْلِ: 40].
أَيُّهَا النَّاسُ: عَاشَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ شَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى، حَامِدًا لَهُ، رَاضِيًا عَنْهُ، مُبَلِّغًا دِينَهُ، صَابِرًا عَلَى الْأَذَى فِيهِ، قَانِعًا مِنَ الدُّنْيَا بِالْقَلِيلِ؛ رَغْبَةً فِي اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَلَا عُرِفَتْ سِيرَةُ بَشَرٍ كَسِيرَتِهِ، وَلَا حُفِظَتْ أَخْبَارُ نَبِيٍّ كَمَا حُفِظَتْ أَخْبَارُهُ؛ فَصَلَوَاتُ رَبِّنَا وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَشُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْإِيمَانِ عَظِيمَةٌ، لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا الْخُلَّصُ مِنَ النَّاسِ. وَسِيرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْبَارُهُ مَمْلُوءَةٌ بِتَجْسِيدِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ مِنَ الْإِيمَانِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَفِي كُلِّ شُئُونِهِ وَأَحْوَالِهِ.
وَفِي عِبَادَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ طُولًا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيُرِيدُ بِإِطَالَتِهَا شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا هَدَاهُ وَحَبَاهُ وَأَعْطَاهُ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا...» وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ.
وَإِذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحْضِرُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صَلَاتِهِ، فَيُطِيلُهَا حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ لِيُحَقِّقَ الشُّكْرَ؛ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُبَّمَا سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ السُّجُودَ مِنْ أَبْيَنِ مَظَاهِرِ الْعُبُودِيَّةِ وَالذُّلِّ وَالْحُبِّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِي (ص) وَقَالَ: «سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ: «إِذَا جَاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ أَوْ بُشِّرَ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَرَغْمَ اسْتِحْضَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي صَلَاتِهِ وَسُجُودِهِ وَعِبَادَتِهِ فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَثِيرَ الدُّعَاءِ بِالشُّكْرِ، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِينَهُ عَلَى الشُّكْرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَعَانَ الْعَبْدَ عَلَى شَيْءٍ تَحَقَّقَ لَهُ؛ فَالْأَمْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمِمَّا حُفِظَ مِنْ أَدْعِيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ...» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا جَاءَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ قَالَ: «صَحِبْتُ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ...» فَذَكَرَهُ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا اكْتَنَزَ النَّاسُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، فَاكْتَنِزُوا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتَ...» فَذَكَرَهَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُؤَالَ اللَّهِ تَعَالَى الْإِعَانَةَ عَلَى شُكْرِهِ سُبْحَانَهُ مِنَ الْكُنُوزِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَدَّخِرَهَا، وَيُحَافِظَ عَلَيْهَا، وَيُكْثِرَ مِنْهَا؛ لِيُعَانَ عَلَى تَأْدِيَةِ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِنَايَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى: أَنَّهُ كَانَ يُوصِي خَاصَّةَ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِالْأَدْعِيَةِ الَّتِي فِيهَا طَلَبُ الْإِعَانَةِ عَلَى الشُّكْرِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ، لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. فَقَدَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُقَدِّمَةٍ تُرَغِّبُ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حِفْظِ هَذَا الدُّعَاءِ، وَالْعِنَايَةِ بِهِ، وَالْحِرْصِ عَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ بِحَلِفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ يُحِبُّهُ، وَالْمُحِبُّ يَبْذُلُ النُّصْحَ لِمَنْ يُحِبُّ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْأَمِينُ النَّاصِحُ. ثُمَّ أَوْصَاهُ أَنْ يَدْعُوَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ؛ وَالدُّعَاءُ عَقِبَ التَّشَهُّدِ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ يُبَيِّنُ مَنْزِلَةَ الشُّكْرِ مِنَ الدِّينِ؛ إِذْ أَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ فَرِيضَةً أَمْ نَافِلَةً، نَهَارِيَّةً أَمْ لَيْلِيَّةً، صَلَّاهَا الْمَرْءُ مَعَ جَمَاعَةٍ أَمْ مُنْفَرِدًا. وَالصَّلَاةُ دَائِمَةٌ مَعَ الْعَبْدِ؛ فَمَا أَحْوَجَ الْعَبْدَ لِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُؤَدِّيَ شُكْرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَحَرِيٌّ بِكُلِّ مُصَلٍّ وَمُصَلِّيَةٍ أَنْ يَجْعَلُوا هَذَا الدُّعَاءَ مِنْ صَلَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِخَاصَّةِ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمِنْ أَدْعِيَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّارًا» وَهَذِهِ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ فِي الشُّكْرِ، أَيِ: اجْعَلْنِي كَثِيرَ الشُّكْرِ عَلَى النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ.
وَمَعَ كَثْرَةِ شُكْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّهِ تَعَالَى يُقِرُّ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يُبْلَغُ شُكْرَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ إِذْ سَمِعَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يُنَاجِي رَبَّهُ فِي سُجُودِهِ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالشُّكْرِ وَالصَّبْرِ وَالرِّضَا، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَأَسَّوْا بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الْأَحْزَابِ: 21].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مِنْ حِرْصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يُعَلِّمُ أُمَّتَهُ ذَلِكَ، وَيُرَبِّيهِ فِيهِمْ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ الشُّكْرَ مِثْلُ الصَّبْرِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلطَّاعِمِ الشَّاكِرِ مِثْلَ مَا لِلصَّائِمِ الصَّابِرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّبْرِ أَنَّهُ نِصْفُ الْإِيمَانِ؛ فَكَانَ الْإِيمَانُ شُكْرًا وَصَبْرًا، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ؛ فَيَصْبِرُ الْعَبْدُ عَلَى مَشَقَّةِ الطَّاعَاتِ، وَيُؤَدِّيهَا بِإِحْسَانٍ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَصْبِرُ الْعَبْدُ عَنِ الْمَعَاصِي وَهُوَ يَشْعُرُ بِالْخَجَلِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ نِعَمُهُ، وَذَلِكَ الشُّعُورُ مِنْهُ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَصْبِرُ عَلَى الْمَصَائِبِ إِذَا أَصَابَتْهُ مُسْتَحْضِرًا مُعَافَاةَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فِي كُلِّ شُئُونِهِ، وَهَذَا الِاسْتِحْضَارُ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ؛ وَلِذَا عَجِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَالِ الْمُؤْمِنِ فِي تَقَلُّبِهِ بَيْنَ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَعَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُمَا ضَرُورِيَّانِ لِلْإِنْسَانِ، مُتَكَرِّرَانِ مَعَهُ؛ فَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُسْأَلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، حَمَلْتُكَ عَلَى الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ، وَزَوَّجْتُكَ النِّسَاءَ، وَجَعَلْتُكَ تَرْبَعُ وَتَرْأَسُ، فَأَيْنَ شُكْرُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.
وَدَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى وَسِيلَةٍ يُحَقِّقُ بِهَا الشُّكْرَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ...» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَلْنَتَأَمَّلْ شُكْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَرْوِيهِ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَقُولُ: «دَعَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَهْلِ قُبَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا طَعِمَ وَغَسَلَ يَدَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ، مَنَّ عَلَيْنَا فَهَدَانَا وَأَطْعَمَنَا وَسَقَانَا، وَكُلَّ بَلَاءٍ حَسَنٍ أَبْلَانَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ غَيْرَ مُوَدَّعٍ، وَلَا مُكَافَئٍ وَلَا مَكْفُورٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ مِنَ الطَّعَامِ، وَسَقَى مِنَ الشَّرَابِ، وَكَسَا مِنَ الْعُرْيِ، وَهَدَى مِنَ الضَّلَالَةِ، وَبَصَّرَ مِنَ الْعَمَى، وَفَضَّلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ خَلْقِهِ تَفْضِيلًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ.
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 234.92 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 229.07 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (2.49%)]