قصة الحروب الصليبية د .راغب السرجانى - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5425 - عددالزوار : 2843930 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5037 - عددالزوار : 2173821 )           »          الإعراض عن الله عين الخسران (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 88 )           »          في ذكر البسملة وفضائلها العظيمة وفوائدها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 79 )           »          التغني بالقرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 74 )           »          التعايش مع الآخر منهج إسلامي أصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 96 )           »          الخلال النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 26 - عددالزوار : 2351 )           »          الماء نعمة ونماء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 106 )           »          الأمن أمانة فلا تبدده الشائعات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 92 )           »          آداب الاستئذان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 97 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 10-09-2026, 11:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,786
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قصة الحروب الصليبية د .راغب السرجانى



الأمير مودود وجهاد الصلبيين-(44)

أ.د. راغب السرجاني




  1. ملخص المقال

    مودود بن التونتكين هو أول شخصية متوازنة تظهر في قصة الحروب الصليبية، هذا المقال يعرفنا به، ويذكر جزءًا من جهاده.



  1. مودود بن التونتكين هو أول شخصية متوازنة تظهر في قصة الحروب الصليبية، تجعل الجهاد في سبيل الله منهجًا واضحًا لحياتها، وتجعل قتال الصليبيين هدفًا إستراتيجيًّا لا يغيب عن الذهن، ولا يبعد عن الخاطر؛ وقد رأينا مَنْ سبقه من المجاهدين في القصَّة يُجاهد مرَّة أو مرَّتين بسبب ظرف من الظروف، أو لتكليف من السلطة الأعلى، أو لردِّ عدوان صليبي على بلاده فقط، أمَّا أن تكون قضية قتال الصليبيين هي الشغل الشاغل بصرف النظر عن الظروف، فهذا لم نَرَه إلاَّ في عهد مودود بن التونتكين، هذا مع كونه يرأس الموصل البعيدة نسبيًّا عن إمارات الصليبيين؛ مما يُثبت أنه لم يكن يفعل ذلك لتأمين إمارته فقط، ولكن إرضاءً لله، وحبًّا للجهاد في سبيله.
    جهاد مودود:
    بدأ مودود بترتيب بيته الداخلي في الموصل، وإقرار الأوضاع بعد الفتن التي مرَّت بها الإمارة في السنوات السابقة، وسار في إمارته بالعدل والرحمة[1]؛ فأحبَّه الناس حبًّا شديدًا، ودانوا له جميعًا بالطاعة، وأعلن مودود أن جهاده سيكون في سبيل الله عز وجل، وهذا جعل جنوده في حالة معنوية عالية؛ إذ أصبح الجهاد قضية شخصية لكل واحد؛ حيث إنهم جميعًا يعملون لله عز وجل، أما عندما كان الجهاد في عهود سابقة من أجل أمير معيَّن أو طاعة لأمر قادم من هنا أو هناك، فإنَّ الجنود حينها كانوا يُقاتلون بفتور، ويُدافعون بغير اكتراث، ولا يسعدون بنصر، ولا يحزنون لهزيمة، وهذه طبيعة الجيوش العلمانية التي تقاتل دون قضية، لكن مودودًا جعل القضية واضحة تمامًا في عين شعبه وجنده؛ مما ترك أثرًا إيجابيًّا رائعًا على إمارته، ظلَّ ممتدًا لعهود طويلة.

    ثم إن الخطوة التالية لمودود كانت رائعة، وتُعَبِّر عن فقه عميق لطريق النصر، وهي خطوة توحيد الجهود، وتجميع الشتات، والالتزام بالفكر الجماعي، وقد فقه التوحيد القرآني الفريد: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103]؛ ومن ثَمَّ بدأ مودود في مراسلة من حوله من الأمراء لتجميع جيوشهم تحت راية واحدة، ولهدف واحد وهو طرد الصليبيين من بلاد الإسلام.
    لقد كانت خطوة رائعة، لكن لم ينقصها إلا شيء واحد! وهو أن مودود بن التونتكين كان عملاقًا في زمان الأقزام!! فهذه الأهداف السامية، وهذه الغايات النبيلة لم تكن تشغل أمراء ذلك الزمن؛ ومن ثَمَّ لم تكن استجابتهم عالية، ومَنِ استجاب منهم لم يكن سلوكه يدلُّ على فهمه لقضية الجهاد في سبيل الله عز وجل، بل كانت المسألة عندهم واحدة من اثنتين: إمَّا رغبًا في نفع أو غنيمة، وإما رهبًا من سلطة مودود بن التونتكين أو سلطانه الأكبر السلطان محمد السلجوقي؛ ومع ذلك فقد استطاع مودود أن يُكَوِّن حلفًا من الأمراء لَفَت أنظار المسلمين إلى ضرورة التوحُّد، وأعاد إلى الجميع مبدأ تجميع الجهود.
    تكوَّن حلف إسلامي منظَّم لأول مرَّة في حروب المسلمين ضدَّ الصليبيين، وكان على رأسه مودود، ويُساعده عليه إيلغازي بن أُرْتُق أمير مَارِدِين وحصن كيفا، وهو أخو الزعيم السابق سقمان بن أُرْتُق الذي مات وهو في طريقه لنجدة طَرَابُلُس كما بَيَّنَّا قبل ذلك، وكان في حلف مودود -أيضًا- سقمان القطبي (وهو غير سقمان بن أُرْتُق بالطبع)، وهو أمير خِلاط وتبريز، كما تراسل معهم طُغْتِكِين أمير دمشق، الذي كان له -كما ذكرنا- بعض الميول الجهادية ضدَّ الصليبيين[2].
    كانت وجهة هذه الحملة واضحة؛ إذ قرَّرُوا التوجُّه صوب الرها، والغرض تحرير هذه الإمارة الإسلامية من الاحتلال الصليبي، وتحرَّكت الجيوش الإسلامية من الموصل في (شوال 503هـ= أبريل 1110م)، وفي غضون أيام قليلة وصلت الحملة العسكرية إلى حصون مدينة الرها، وهي تقع شرق نهر الفرات، وهي من أحصن القلاع في ذلك الوقت، وضرب مودود الحصار حول المدينة[3]!
    شعر بلدوين دي بورج أمير الرها بالخطر الشديد؛ ومن ثَمَّ أرسل رسالة استغاثة عاجلة إلى بلدوين الأول ملك بيت المقدس، وكان الذي يحمل الرسالة هو جوسلين دي كورتناي شخصيًّا أمير تل باشر، دلالةً على اهتمام بلدوين دي بورج بالأمر، ووصلت الرسالة إلى الملك بلدوين الأول وهو في بيروت حيث كان محاصِرًا لها آنذاك[4].
    ظلَّ الأمير مودود محاصِرًا لمدينة الرها مدَّة شهرين كاملين، وقد حاول بكل طريقة أن ينفذ من خلال استحكاماتها العسكرية؛ لكنه لم يُفلح لشدَّة حصانة المدينة، وفي هذه الأثناء كان بلدوين الأول يجمع الجيوش الصليبية للدفاع عن إمارة الرها، وبالفعل جاء بلدوين الأول بنفسه على رأس فرقة من جيشه، وجاء معه برترام أمير طَرَابُلُس، بينما رفض تانكرد أن يأتي للخصومة التي كانت بينه وبين بلدوين دي بورج أمير الرها[5].
    رأى مودود أن جيوشه ستُحصر بين جيوش الصليبيين؛ حيث ستخرج له جيوش بلدوين دي بورج، ويُغلق عليه بلدوين الأول وبرترام طريق العودة، ومن هنا آثر مودود في ذكاء حربيٍّ واضح أن ينسحب بجيشه إلى حَرَّان جنوب شرق الرها؛ تمهيدًا للانسحاب أكثر وأكثر لاستدراج الجيش الصليبي، كما حدث قبل ذلك بستِّ سنوات في موقعة البَلِيخ، وهناك في حَرَّان وافته جيوش طُغْتِكِين أمير دمشق لتزداد بذلك القوَّة الإسلامية[6].
    نظر بلدوين الأول الملك المحنَّك إلى هذه الترتيبات العسكرية ففهمها، وأدرك صعوبة التوغُّل إلى حَرَّان بجيوشهم القليلة نسبيًّا، فأرسل رسالة عاجلة إلى تانكرد يستحثُّه على القدوم بجيشه لمقابلة المسلمين في موقعة فاصلة[7]، وإزاء ضغط بلدوين الأول، اضطر تانكرد إلى الموافقة، فجاء على رأس ألف وخمسمائة فارس[8]، وعند وصوله عقد بلدوين الأول مجلس مصالحة صفَّى فيه الخلافات القديمة بين الزعيمين بلدوين دي بورج وتانكرد[9]!
    إضافةً إلى هذه التحرُّكات الواعية من بلدوين الأول تفاوض هذا الملك الخبير مع كوغ باسيل الأمير الأرمني لمدينة كَيْسُوم، وبالفعل انضمَّ إليه كوغ باسيل بفرقة من جيشه[10].
    زادت قدرات الجيش الصليبي، ولكن ذلك لم يكن خافيًا على استخبارات مودود، فقرَّر أن يُمْعِن في الانسحاب حتى يستدرج الصليبيين بعيدًا تمامًا عن حصون الرها أو تل باشر ليفتقروا إلى ملجأ في حال هزيمتهم[11]، غير أن بلدوين الأول كان يلعب هو الآخر مباراة ذكاء مع مودود، فقرأ الخطَّة ولم يندفع وراء الجيش الإسلامي، خاصةً أنه كان الحاكم السابق لإمارة الرها؛ ومن ثَمَّ فإنه يُدرك جغرافية المكان، وخطورة التوغُّل جنوبًا[12].
    في هذا الوقت ترامت أخبار للملك بلدوين الأول باحتمال هجوم عبيدي على مملكة بيت المقدس، وكذلك وردت أخبار عن تحرُّكات لرضوان ملك حلب صوب بعض القلاع المملوكة لتانكرد حول أنطاكية[13]، وقد جعلت هذه الأخبار المزعجة الصليبيين في قلق على إماراتهم؛ ومن ثَمَّ قرَّرُوا الرجوع دون القتال؛ ومع ذلك فقد رأى بلدوين الأول أنَّ ترك هذه المساحات الكبيرة من القرى والضياع والمزارع -وكلها داخلة في حدود إمارة الرها- سيُمَثِّل خطورة كبيرة على سكانها الصليبيين والأرمن؛ ومن ثَمَّ أصدر قراره بترحيل كل السكان من هذه المناطق الواقعة شرق الفرات إلى غربه؛ وذلك لتفادي هجوم المسلمين عليهم، وعليه فلن يبقى شرق الفرات إلاَّ المدينتان الكبيرتان الرها وسَرُوج[14].
    وبالفعل بدأ الترحيل السريع للسكان تمهيدًا لعودة الجيوش الصليبية إلى أماكنها، وأدرك ذلك مودود فتقدَّم بجيوشه شمالاً، والصليبيون يتراجعون في سرعة، ومع ذلك استطاع مودود أن يلحق بمؤخِّرة الجيش الصليبية، وبكثير من السكان الذين فشلوا في عملية الترحيل المفاجئة، وهذا أدَّى إلى انتصار إسلامي سريع على مؤخِّرة الصليبيين، مع امتلاك عدد كبير من الأسرى والغنائم والسلاح[15].
    لم تكن الموقعة فاصلة بالطبع؛ لأن معظم الجيوش الصليبية كانت قد عبرت نهر الفرات إلى الغرب، أو دخلت حصون الرها وسَرُوج، ومع ذلك فإنَّ الموقعة تركت عدَّة آثار إيجابية لا يمكن إغفالها.
    آثار المعركة الإيجابية:
    أولًا:
    وضعت الموقعة المسلمين على الطريق الصحيح؛ حيث كانت الراية المرفوعة هي راية الجهاد في سبيل الله.

    ثانيًا:
    كانت هذه هي الموقعة الأولى التي تجمع فيها جيوش عدَّة إمارات في جيش واحد، وخاصةً أن طُغْتِكِين شارك فيها بجيش دمشقي مع الجيوش العراقية والفارسية.

    ثالثًا:
    أدرك النصارى في هذه الموقعة أن العزيمة الإسلامية لم تمت، وأن الأُمَّة الإسلامية لم تنسَ قضية الإمارات المحتلَّة، ولا شكَّ أن هذا ترك أثرًا نفسيًّا سلبيًّا على الصليبيين.

    رابعًا:
    فَقَد الصليبيون عددًا من الأسرى والغنائم فازدادت قوَّة المسلمين.

    خامسًا:
    استطاع المسلمون السيطرة على بعض الحصون والقلاع والأراضي شرق الفرات، ولم يبقَ في شرق الفرات سوى مدينتي الرها وسَرُوج، وهما وإن كانتا في غاية الحصانة إلاَّ أنهما صارتا معزولتين فقيرتين؛ وذلك بعد سيطرة المسلمين على المزارع حولهما، ولا شكَّ أن هذا سيُضعف من إمارة الرها[16].

    وهكذا تركت هذه الحملة انطباعًا إيجابيًّا مع أنها لم تكن فاصلة، وعاد مودود إلى الموصل، بينما رجع كل أمير إلى إمارته.
    =============
    [1] ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص199.
    [2] ابن العديم: زبدة الحلب 2/154.
    [3] Albert d`Aix, p. 670.
    [4] صالح بن يحيى: تاريخ بيروت ص18.
    [5] Albert d`Aix, p. 670-672.
    [6] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص169-171.
    [7] Setton: op. cit., 1, p. 399.
    [8] Stevenson: op. cit., p. 88.
    [9] ابن العديم: زبدة الحلب 2/154.
    [10] Stevenson: op. cit., p. 88
    [11] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/143.
    [12] Matthieud`Edesse, p. 93.
    [13] ابن العديم: زبدة الحلب 2/155، 156.
    [14] ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص173، 174، Gouillaume de Tyr, p. 463 & Grousset: Hist. des Croisades 1, p. 454.
    [15] Matthieud`Edesse, p. 93-94.
    [16] Albert d`Aix, p.675.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 10-09-2026, 11:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,786
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قصة الحروب الصليبية د .راغب السرجانى

يقظة شعب-(45)

أ.د. راغب السرجاني




  1. ملخص المقال

    بدأ المسلمون يشعرون بأن الأمل ما زال موجودا وأن الواقع الأليم من الممكن أن يُغير، فما الذي حدث؟ هذا ما يوضحه د. راغب السرجاني في هذا المقال.



  1. بدأ المسلمون يشعرون هنا وهناك بأن الأمل ما زال موجودًا، وأن الواقع الأليم من الممكن أن يُغَيَّر، وشعروا في الوقت نفسه أن مودودًا يُقاتل بمفرده، وأن الجيوش المتعاونة معه ليست على نفس مستواه، فأراد المخلصون من أبناء الأُمَّة للحركة أن تتسارع، وللحميَّة أن تلتهب في صدور الرجال.
    يقظة شعب:
    قام وفد من أهل حلب، من تجارها وفقهائها وعامَّتها، وتوجَّهُوا إلى بغداد، فقد يئسوا من زعيمهم المتثاقل رضوان، وهناك التقوا مع خليفة المسلمين المستظهر بالله، ولكنه -كما نعلم- ليس خليفة بالمعنى الحقيقي، إنما هو صورة خليفة؛ ولذلك لم يكن لقدوم وفد حلب إليه أثر في قلبه أو عقله، إنما اكتفى كعادته بسؤالهم عن أحوالهم وظروفهم، وإبداء الألم والتأسِّي لما مرَّ بهم، ووعدهم بالتأييد الكامل لهم قلبيًّا لا فعليًّا! ووعد -أيضًا- أن يرفع يده بالدعاء لله أن يرفع الكربة ويُزيل الغمَّة[1]!

    إن الصورة طبيعية، وردَّ الفعل متوقَّعٌ من رجل مسكين لا حيلة له، لكنَّ أهل حلب لم يقتنعوا بهذه السخافات، إنما انطلقوا إلى أهل بغداد؛ يشرحون لهذا، ويُفَسِّرُون لذاك، ويعرضون الحالة المأساوية التي وصلت إليها أُمَّة الإسلام، ويُنَبِّهون الغافل أن الدور -وإن كانت الشام هي التي تعاني الآن- سيأتي مستقبلاً لا محالة على الجميع!
    والحمد لله أن هذه الكلمات وجدت آذانًا مصغية من أهل بغداد، ووجدت -أيضًا- عقولاً فاهمة، وقلوبًا واعية، وكان من الواضح أن أثر المدارس النظامية التي أسَّسها نظام الملك :، وأثر العلماء الذين ملئوا بغداد علمًا ونورًا، كان كبيرًا وما زال باقيًا؛ ومن ثَمَّ كانت ردَّة الفعل عند الشعب كبيرة، بل غير مألوفة في هذا الزمن! لقد نظَّم الشعب في بغداد -وهو شعب كبير- مظاهرةً ضخمة خرجت في أحد أيام الجمعة من النصف الثاني من عام (504هـ=1111م)، وكانت هذه المظاهرة تُطالب صراحة بالجهاد في سبيل الله لإخراج الصليبيين من ديار الإسلام، وتوجَّهت المظاهرة إلى مسجد السلطان قبيل الجمعة، واقتحمت الجموع المسجد، بل وذهبوا إلى المنبر في غضب بالغ، وقاموا بكسره، والتجمهر في المنطقة، وتكهرب الجو جدًّا حتى إن صلاة الجمعة لم تُقَمْ في هذا المسجد! ووصلت الأنباء إلى السلطان محمد فوعد الجموع بالجهاد لتسكين ثائرتهم، والسيطرة على الموقف، لكن مرَّ أسبوع ولم يحدث شيء، فتحرَّكت الجموع من جديد في يوم الجمعة التالي، وذهبوا هذه المرَّة إلى جامع القصر بدار الخلافة، فمنعهم حراس الباب، فاصطدموا معهم وغلبوهم، ودخلوا الجامع، وكسروا شباك المقصورة التي يجلس فيها الخليفة، وكسروا -أيضًا- المنبر، وهكذا لم تُقَمْ صلاة الجمعة في هذا المسجد كما حدث في مسجد السلطان في الجمعة الماضية، وصار واضحًا أن الأمر خطيرٌ، وأن التهاون في ذلك الأمر قد يُؤَدِّي إلى كوارث ضخمة، وهنا كان لا بُدَّ للخليفة والسلطان أن يَتَّخِذَا قرارًا حاسمًا يُنهي المشكلة؛ ولم يكن أمامهما إلاَّ أحد أمرين: إمَّا موافقة العامَّة، وتجهيز جيوش حقيقية لمقابلة الصليبيين في موقعة فاصلة، وإما استخدام سلاح القمع مع الشعب، والتهديد بالحبس والجلد والقتل، وما إلى ذلك من وسائل معروفة!
    لكن من الواضح أن الثورة كانت كبيرة، وأن الشعب كان متحدًا على هدف واحد، وأن الخطوات كانت منظَّمة ومرتَّبة؛ وكل هذا جعل الخليفة والسلطان يُعيدان حساباتهما؛ ومن ثَمَّ رضخا لقرار الشعب، وبدءا بالفعل في تجهيز جيش كبير لقتال الصليبيين، بل إن السلطان محمد جعل القيادة الاسمية لهذا الجيش لابنه مسعود، بينما أوكل القيادة الفعلية للمجاهد الحقيقي مودود بن التونتكين[2]!
    لقد كان موقف الشعب في بغداد من المواقف المؤثِّرة في التاريخ، وإذا سألنا: لماذا لم يقم الشعب في حلب أو دمشق أو حماة أو حمص بمثل هذه المظاهرات والثورات؟ لقلنا: إن الإجابة بوضوح هي أن الشعب في بغداد رُبِّي على مدار سنوات عديدة على المعاني الفاضلة من العلم والجهاد والنخوة، وشارك في هذا علماء كُثُر، لعلَّ كثيرًا منهم قد قضى نحبه في ذلك الوقت، ولم يشاهد هذه الآثار؛ ومما يُثبت هذا السبب ما ذكره ابن الأثير في كتابه الرائع الكامل في التاريخ أن هذه الثورات في بغداد كانت بصحبة «خلق كثير» من الفقهاء[3]!
    إن المسألة واضحة بينة!
    إنهم العلماء!!
    لو صلح علماء الأُمَّة صلح أمرها، ولو فسدوا فكيف نرجو صلاحًا؟! ولهذا ليس من فراغٍ أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ»[4]. وليس من فراغٍ أن يقول: «إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»[5].

    تمثيلية الاتحاد!
    وهكذا في أوائل سنة (505هـ=1111م) بدأ تجميع الجيوش الإسلامية على نطاق أوسع، وكان مركز التجمُّع هو مدينة الموصل، حيث الزعيم المجاهد مودود بن التونتكين، وحيث الشعب الفاهم الذي يُمَثِّل عماد الجيوش ومركز ثقله.

    وجاءت الجيوش من هنا وهناك، فخرج الأمير مسعود من بغداد، وخرج -أيضًا- سقمان القطبي من خِلاط وتبريز (جنوب تركيا وغرب إيران)، وإياز بن إيلغازي بن أُرْتُق من مَارِدِين، والأمير الكردي أحمديل أمير مَرَاغَة (في أَذْرَبِيجَان)، والأمير بُرْسُق أمير همذان وأولاده الأميران إيلبكي وزنكي، وأبو الهيجاء أمير إربل[6] .
    لقد كان تجمُّعًا كبيرًا حقًّا! ولكننا تعلَّمْنَا أن العبرة ليست بالأعداد، ولكن بالنوعيَّة، وفي كل هؤلاء لم نكن نرى فيهم مَنْ فهم القضية بعمق، وبذل فيها بصدق، إلا مودودًا ومَنْ معه من أهل الموصل، أما غيرهم من الأمراء فإنهم جاءوا طائعين لأمر السلطان محمد لا طائعين لأمر الله، وشتَّان!
    وخرج الجيش الكبير في شهر (المحرم 505هـ= يوليو 1111م)، وبدأ فورًا في عِدَّة عمليات شرق الفرات تستهدف إسقاط القلاع الصليبية في هذه المنطقة تمهيدًا لحصار مدينة الرها ذاتها، وبالفعل سقط عدد من المواقع الصليبية، ووصل الجيش في سهولة إلى مدينة الرها، وبدأ الحصار!
    كانت مدينة الرها على حصانتها المعهودة، بل إن الصليبيين عندما علموا بقدوم الجيش الإسلامي أمدُّوها بكثير من المؤن والغذاء لتصبر على الحصار الطويل، ولم يعزم الصليبيون قط على الخروج لحرب المسلمين، وكانت النتيجة أن شعر مودود أن الوقت يضيع بلا فائدة، فحصون المدينة أشدُّ من أن تسقط[7]!
    ماذا يفعل مودود؟!
    لقد قرَّر أن يكون واقعيًّا، وأن يفكَّ الحصار عن الرها المنيعة، ويتَّجه إلى غيرها من حصون الصليبيين، وعليه فقد غادر الجيش الرها إلى المدينة الثانية في إمارة الرها وهي مدينة تل باشر غرب الفرات، والتي كان على رأسها جوسلين دي كورتناي القائد الصليبي المشهور[8].

    وحاصر الجيش الإسلامي مدينة تل باشر حصارًا محكمًا، وحاول بكل طاقته أن يفتح أبوابها، أو أن يهدم أسوارها، لكنها كانت منيعة كالرها[9]!
    ومرَّت الأيام صعبة على المسلمين دون بادرة تغيُّر في الموقف، ولنتابع باقية الأحداث في المقالات القادمة، إن شاء الله.
    ==========================
    [1] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/141.
    [2] المصدر السابق.
    [3] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/141..
    [4] أبو داود: كتاب العلم، باب الحث على طلب العلم (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223)، وابن حبان (88)، وصححه الألباني (6297) صحيح الجامع.
    [5] الترمذي: كتاب العلم، باب فضل الفقه على العبادة (2685)، والطبراني في الكبير (7912)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه القاسم أبو عبد الرحمن وثقه البخاري وضعفه أحمد. مجمع الزوائد: 1/333، وقال الألباني: صحيح (4213) صحيح الجامع.
    [6] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/143.
    [7] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/143.
    [8] Stevenson: op. cit., p. 91.
    [9] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/144.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 72.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 70.01 كيلو بايت... تم توفير 2.17 كيلو بايت...بمعدل (3.01%)]