|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تفسير القرآن الحكيم من مقالات مجلة الإصلاح لفضية الشيخ العلامة/ محمد حامد الفقي رحمه الله إعداد ومراجعة مركز التراث والبحث العلمي فضيلة الأستاذ الشيخ/ فتحي عثمان الشيخ محمد حامد الفقي تفسير القرآن الحكيم [1] ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإسراء: 9-10].لقد جاء رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم والعَرَبُ على حالةٍ من اتِّباع الهوى والافتِراق والتنافُر والتباغُض وسُوء الأخلاق تستَدعِي الرَّحمةَ والإشْفاق، فرفَع بينهم صلَّى الله عليه وسلَّم مَنارَ القُرآن، وشرَع لهم من عذْب مَوارِده، وتلا عليهم من مُحكَم آياته، ما رفَع عن قلوبهم حُجُبَ الجهل وظُلُمات الهوى، وأحلَّهم من العِلم دارَ كَرامته وهِدايته، وطهَّر أخلاقَهم وزكَّاها حتى أصبَحت المثل الأعلى للسَّجايا الكريمة والآداب الفاضلة، ورقَّق من قلوبهم ما كان كالحجارة أو أشد قَسْوة، حتى أصبحوا - بحمْد الله - رُحَماء بينهم، تَراهُم رُكَّعًا سُجَّدًا يبتغون فضلاً من الله ورِضوانًا، وسَلَّ من قُلوبهم سَخِيمةَ العَداوة، وأطفَأ نِيران البَغضاء، وألَّف بينهم، فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا، وكانوا على شَفَا حُفرةٍ من النار فأنقذَهُم منها. فبنور ذلك العِلم وكرمِ هذه الأخلاق، ورقَّة تلك القُلوب، وتآلُف هذه الأرواح - تَبوَّأتِ الأمَّة العربيَّة من العِزِّ والسُّلطان والسَّعادة مَقعَدًا لا يَنالُه إلاَّ مَن جعَل القُرآن له إمامًا وهاديًا. القُرآن خير واعظٍ، وأفضَل مُعلِّم، تغَلغَل في نفْس العربي الذي لم يَكُنْ يعلم من الحياة إلا غنَمَه يرعاها، والجبال والقفار يَرتادُها، والحروب الأهليَّة يُوقِدُ نارها، فتكسبه جَفاءً في طبْعه وغِلظةً في نفسه، وشَراسةً في أخلاقه، فخرَّج القُرآن من ذلك البدوي جُندِيًّا باسلاً، وقائدًا محنكًا، وسياسيًّا مجربًا، ومهندسًا دقيقًا، وحاكمًا رفيقًا، وعالِمًا ضليعًا، ومؤمنًا قوَّامًا بالليل صوَّامًا بالنهار، وواعظًا مُحرِّكًا للقلوب، وأخيرًا خرَّجت جامعةُ الإسلام من تلك الأمَّة العربيَّة البدويَّة سُعاةً إلى الحياة على جَواد طرقها، وبُناةً لصُروح المدنيَّة والحضارة النافعة على أمتَنِ وأنفَعِ أسُسِها، وأساتذةً للأمم في كلِّ فنٍّ من فُنون الحياة الطيِّبة. ولِمَ لا تُخرِج جامعةُ القُرآن الكريم أولئك الهُداة المفلِحين وبانيها وواضع نظمها الحكيمُ العليم اللطيف الخبير، وأستاذُها الأعظم والقائم على تنفيذ أساليبها وتشريع مَناهِلها هو أشرف الخلق رُوحًا، وأبرُّهم قلبًا، وأزكاهم نفسًا، وأرحبهم صَدْرًا، وأهداهم سبيلاً (محمد بن عبدالله)، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا. من ثَمَّ كان أوضَح المناهج إلى الإصلاح، وأقرب الطُّرق إلى الفَلاح، وأعذب الموارد لمادَّة حَياة الأرواح - هو ذلك القُرآن الكريم والتنزيل الحكيم، الذي نزَل به الرُّوح الأمين، على قلب أشرَفِ الأنبياء وأكرم والمرسَلين؛ هُدًى ورحمة وبشرى للمؤمنين. فكان حقًّا على كلِّ ساعٍ إلى إرشاد الأمَّة الإسلاميَّة وإخراجها من ظُلمات الجهل، وضَلالات العوائد الوثنيَّة والعقائد الشركيَّة - أنْ يَقُودَها بالقُرآن ويَسُوقها بسنن مَن تنزَّل عليه الفُرقان، من قوله المؤيَّد، وعمله الموفَّق الذي حَفِظَه لنا خيارُ هذه الأمَّة وعُلَماؤها في كتبهم التي بذَلُوا قَيِّمَ حَياتهم، ونفيسَ أوقاتهم في تهذيبها وتخليصها من إلحادِ الملحِدين، وتحريف المبطِلين، وغُلوِّ الجاهلين، فإذا استَطاع الداعي الناصح أنْ يكون كذلك على بصيرةٍ من أمره، ووُفِّقَ أنْ يضع في يد أمَّته هذا السبب الأقوى - فهو الذي تُكتَب للأمَّة على يده آيةُ الفلاح، ويُنادِي عليها مُنادي الحق: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ [النصر: 1]. وهذه الصحيفة "صحيفة الإصلاح" لا همَّ لها إلا نشْر شَرائع الإسلام وتقريبها لِمُتناوَل الناس على أحسن وجْه ومن أخصر طريق، وسبيلُها في ذلك سبيلُ أشرف الأئمَّة وخير المهتدين - صلوات الله وسلامه عليه - مُتأسِّية في ذلك بسلَف هذه الأمَّة من الصحابة والتابعين والأئمَّة الراشدين - رضوان الله عليهم أجمعين. فنحن بمشيئة الله - تعالى - وحُسن مَعُونته جاعِلون لتفسير القُرآن الحكيم من هذه الصحيفة أوسَعَ مجالٍ وأرحَبَ مكان؛ ابتغاءَ أنْ ينتشر نوره في قُلوب إخواننا ليهتدوا به إلى مِثْلِ ما اهتَدَى به سلَفُنا الصالح؛ فتنهض الأمَّة من كبوتها، وتُقال العقولُ من عثرتها، ويتهيَّأ للمسلمين من حَياة العِزِّ والسعادة ما تفضَّل الله به على آبائنا الأوَّلين - رحمة الله عليهم أجمعين. والتفسير الذي ستَقُوم الصحيفة بنشْره هو فَهْمُ القُرآن من حيث هو دِين يُرشِد النَّاس إلى ما فيه سَعادتهم في حَياتهم الأولى والآخِرة. وطريقُنا إلى ذلك أنْ نستَخلِص من كَلام سلَف الأئمَّة مثْل ابن جرير وابن كثير والبغوي، وغيرهم ممَّن يَصِلُ إلى أيدينا تفسيرهم - خُلاصةً بعيدة عن الحشو والتكرار والمباحث اللفظيَّة غير المجدية، التي كثيرًا ما تصرف القارئ عمَّا في الآية من حِكمةٍ وعظةٍ، وتُبعِده عمَّا تنزَّل القُرآن له من هِداية وتَبصِرة، مُتوخِّين في ذلك الأسلوبَ السَّهل والمنهجَ المألوف الذي يتيسَّر به الانتفاعُ من ذلك التفسير، مجتهدين قَدْرَ طاقتنا في تطبيق مَواعِظ القُرآن وعِبَرِه على حَوادِث زمننا وما عليه الناسُ اليوم من تقدُّم وتأخُّر وهُدًى وضَلالة، آخِذين من العُلوم الكونيَّة الحديثة ما تدعو إليه الحاجة الماسَّة في إيضاح آيات الله، مُجانفين من ذلك ما لا يتَّفِق مع نُصوص القُرآن ولا يكون لنا فيه سلفٌ من خِيار عُلَمائنا المهتَدِين، ناظِرين إلى ما في كثيرٍ من التفاسير من قصص وإسرائيليَّات نَظَرَ الاعتدال والإنصاف، وازِنين لها بميزان المحدِّثين في الجرْح والتعديل، لا بميزان الهوى والرأي؛ فما صحَّ سنَدُه سُقناه، وما لم يصحَّ سنَدُه نبَذْناه، وهذا في الحقيقة لا فائدةَ فيه، ولا حاجةَ بنا إلى معرفته، مُعتَمِدين على حُسن مَعُونةِ الله - تعالى - راجِين من عُلَمائنا وإخواننا، بل مُعاهِدين لهم أنْ يردُّونا عمَّا نَقَعُ فيه من خطأ، وأنْ يُبيِّنوا لنا وَجْهَ الحق والصَّواب في ذلك؛ قيامًا منهم بواجب التعاوُن على البرِّ والتقوى، وخُروجًا عن إثْم السُّكوت عن باطلٍ ينتشرُ في الناس فيكون شرُّه مستطيرًا، فإنَّه ما أُصِيبَ المسلمون إلا من سُكوت عارف الحق عن بَيان حقِّه وردِّ المبطل عن باطله، والتهاون في ذلك هو الدَّاء الذي قتَل عُلومَنا، وقَضَى على حياتنا وأخلاقنا، وشرٌّ منه ألاَّ يرجع المُبطِل عن باطله، وأنْ يصرَّ عليه استكبارًا وعِنادًا بعد أنْ قامَتْ عليه الحجَّة التي لم تُبْقِ له من عُذرٍ مقبول. وإنَّنا - بمشيئة الله تعالى - نُعاهِد إخواننا أنْ يكون مبدَؤُنا الذي لا نَحِيد عنه قيدَ شَعرةٍ (الرُّجوع إلى الحقِّ خيرٌ من التَّمادِي في الباطل)، وقُدوتنا في ذلك أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - حيث يقولُ في خطبته: "فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقوِّموني"[2]، وأنْ نقبل النُّصح والحقَّ من الصغير قبلَ الكبير ما دام معتمدًا على برهانٍ من قول الله أو قول رسولِه، مُتأسِّين في ذلك بعُمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي قال: "أصابت امرأةٌ وأخطَأَ عمر"[3]. وإنَّ في هؤلاء لَخَيْرَ أُسوةٍ وأحسنَ قُدوةٍ، وفي اتِّباعهم الكرامة والعزَّة، والفضل الذي لا يعدل عنه إلا الجاهلون. ولْنُقدِّمْ بين يديْ ذلك بعضَ ما ورد في فضْل القُرآن العظيم وتفسيره ناقِلين ذلك عن الإمام الشوكاني رحمة الله عليه قال[4]: اعلَمْ أنَّ الأحاديث في فضائل القُرآن كثيرة جدًّا، ولا يتمُّ لصاحب القُرآن ما يَطلُبه من الأجر الموعود به في الأحاديث الصحيحة حتى يفهَمَ معانيه؛ فإنَّ ذلك هو الثمرة من قراءته، قال القرطبي: ينبغي له أنْ يتعلَّم أحكامَ القُرآن؛ فيفهَم عن الله مُرادَه، وما فرَض عليه؛ فينتَفِع بما يقرأ، ويعمَل بما يتلو. فما أقبَحَ حاملَ القُرآن أنْ يتلو فَضائله وأحكامه عن ظَهرِ قلبٍ وهو لا يفهَمُ معنى ما يتلوه، فكيف يعمَلُ بما لا يفهَمُ معناه؟! وما أقبح أنْ يُسأَل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل مَن هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وينبغي له أنْ يعرف المكيَّ من المدنيَّ ليُفرِّق بين ما خاطَب الله به عباده في أوَّل الإسلام، وما ندبهم إليه في آخِر الإسلام، وما فرَض عليهم في أوَّل الإسلام، وما زاد عليهم من الفرائض في آخِره... وقال أيضًا: قال عُلَماؤنا: وأمَّا ما جاء في فضل التفسير عن الصحابة والتابعين: فمن ذلك أنَّ عليَّ بن أبي طالب ذكَر جابر بن عبدالله ووصَفَه بالعلم فقال له رجلٌ: جُعِلتُ فِداك، تَصِفُ جابرًا بالعلم وأنت أنت؟ فقال: إنَّه كان يعرف تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ [القصص: 85]. وقال مجاهد: أحبُّ الخلق إلى الله أعلَمُهم بما أنزَل الله. قال الحسن: والله ما أنزل الله آيةً إلا أحبَّ أنْ تُعلَم فيمَن نزلت وما يَعنِي بها. وقال الشعبي: رحَل مسروقٌ في تفسير آيةٍ إلى البصرة، فقيل له: إنَّ الذي يُفسِّرها رحَل إلى الشام، فتجهَّز ورحَل إلى الشام حتى عَلِمَ تفسيرَها[5]. وقال إياس بن معاويةَ: مثَل الذين يقرؤون القُرآن ولا يعلَمُون تفسيرَه كمثَل قومٍ جاءهم كتابٌ من عند مليكهم ليلاً وليس عندهم مِصباحٌ فتَداخلَتْهم روعةٌ ولا يَدرُون ما في الكتاب، ومثَل الذي يعرف التفسير كمثَل رجلٍ جاءَهمْ بمصباح فقرؤوا ما في الكتاب[6]. وقال صِدِّيق حسن خان في تفسيره "فتح البيان": وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((خيرُكم مَن تعلَّم القُرآن وعلَّمَه))[7]. وعن عائشة - رضِي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((الماهِرُ بالقُرآن مع السَّفَرة الكرام البرَرَة، والذي يقرأ القُرآن ويتتَعتَعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجران))[8]. وقد وردَتْ في ذلك الباب - أيْ: فضائل القُرآن - أحاديثُ كثيرة، فأمَّا أحاديث فضائل القُرآن سورةً سورةً فلا خِلافَ بين مَن يعرف الحديثَ أنها موضوعةٌ مكذوبةٌ، وقد أقرَّ بذلك واضِعُها - أخْزاه الله - وليس بعد الإقرار شيءٌ، ولا اغترار بذِكر الزمخشري لها في آخِر كلِّ سورة، وهو قد نقَلَها عن "تفسير الثعلبي". وقد أخطَأَ مَن قال: إنَّه يجوز التساهُل في الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال؛ وذلك لأنَّ الأحكام الشرعيَّة متساوية الأقدام لا فرقَ بين واجبها ومحرَّمها ومسنونها ومكروهها ومندوبها، فلا يحلُّ إثباتُ شيءٍ منها إلا بما تقومُ به الحجَّة، وإلا فهو من التقوُّل على الله بما لم يَقُلْ، ومن التجرُّؤ على الشريعة بإدْخال ما لم يَكُنْ منها فيها، وقد تَواتَرَ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَن كذَب عليَّ متعمدًا فليَتبوَّأ مقعدُه من النار))[9]، انتهى ببعض تصرُّف. أقول: إنَّ الضعيف ليس كلُّه في درجةٍ واحدة، فكلام الشيخ صدِّيق إنما يَصدُق على ما كان شديدَ الضَّعف؛ لأنَّ في إسناده مَن يُرمَى بالكذب، وأمَّا ما كان في درجة الحسن فلا شكَّ في صحَّة الاستدلال به. [1] "مجلة الإصلاح"، العدد الأول - 15/ 2/ 1347 هـ. [2] أخرجه ابن إسحاق في "السيرة"، كما في "سيرة ابن هشام" 2/ 661، والدارقطني في "المؤتلف والمختلف"، وفي "غرائب مالك"، كما في "تخريج الأحاديث والآثار"؛ للزيلعي 2/ 406. [3] ذكره القرطبي في "تفسيره" 5/ 99. [4] "فتح القدير"1/ 13. [5] إلى هنا انتهى النقل عن الشوكاني. [6] ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 1/ 40. [7] أخرجه البخاري (5027). [8] أخرجه مسلم (798) من حديث عائشة - رضِي الله عنها. [9] أخرجه البخاري (106، 107، 1291)، ومسلم في مقدمة صحيحة (2، 3، 4) من حديث عليٍّ والمغيرة والزبير وأبي هريرة وأنس - رضي الله عنهم جميعًا.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
تفسير القرآن الحكيم من مقالات مجلة الإصلاح لفضية الشيخ العلامة/ محمد حامد الفقي رحمه الله إعداد ومراجعة مركز التراث والبحث العلمي فضيلة الأستاذ الشيخ/ فتحي عثمان بسم الله الرحمن الرحيم[1] تفسير القُرآن الحكيم قد أمَر الله سبحانه وتعالى بالاستعاذة من الشيطان الرجيم قبلَ القِراءة؛ فقال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [النحل: 98].واختلفوا بأيِّ الألفاظ تكونُ؟ وخيرها ما صحَّ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أعوذُ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمزِه ونَفخِه، ونَفثِه))، كما رواه أبو سعيدٍ الخدري[2]، قال الترمذي: هو أصحُّ شيءٍ في هذا الباب. والهمْز: الموتة، وهي الخنق، والنَّفخ: الكِبر، والنَّفث: قولُ الزور والباطل، ومعنى ((أعوذ بالله)): ألتَجِئُ إليه وأمتنع به ممَّا أخافُه وأحاذره، و((الشيطان)) من شطن بمعنى: بَعُدَ عن الرحمة؛ لأنَّه تمرَّد وتعدَّى حدوده، وهو اسمٌ لكلِّ عاتٍ من الجنِّ والإنس والحيوان، و((الرجيم)) المطرود باحتقارٍ وتصغيرٍ. والاستعاذَةُ تُطَهِّرُ القلب من كلِّ شاغِلٍ عن الله، وهي إقرارٌ بالعجز والضعف والحاجة والفقر إلى حِفظ الله ورِعايته، وإنما ينتَفِع المستعيذُ بها إذا صدَرتْ عن قلبٍ أحسَّ بحاجَتِه إلى العِياذ، وأحسن اللُّجء إلى السميع العليم. وقد افتتَحَ الله كتابَه الكريم بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، وهو قُدوَتنا وإمامُنا، فليكنْ من شأننا نحنُ أيضًا أنْ نبدأ باسم الله الكريم كلَّ أعمالنا وجميع شُؤوننا، ومعناه: أنَّنا نعمَلُ الأعمال مُتَبرِّئين من أنْ تكون باسمنا، بل هي باسم ربِّنا، ولأنَّ القوَّة التي تُعِينُنا على العمل أمدَّنا الله بها وأعطانا إيَّاها، ونحن نرجو من أعمالنا وجْه الله وإحسانه ومَثُوبته، فلولا اللهُ - تعالى - لم نقدرْ على عملٍ، ولو قدرنا فلا نعمل لولا أمره ورجاء فضله. ومعنى (البسملة) على هذا: أنَّ كلَّ ما يُقرَّر في القُرآن الذي بُدِئَ بالفاتحة كله من عند الله، وهو لله ليس لأحدٍ من الخلق فيه شيءٌ لا ابتداءً ولا غايةً. وقال ابن جرير[3]: إنَّ مَعناه في ذلك عند ابتدائه في فعْل أو قول أبتَدِئ بتسمية الله قبلَ فعلي وقبلَ قولي، وكذلك معنى قول القائل عند ابتدائه بتلاوة القُرآن: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، إنما معناه: أقرَأُ مُبتَدِئًا بتسمية الله - تعالى - أو: ابتدئ قِراءتي باسم الله. ﴿ الله ﴾ هو الذي يُؤلِّهه كلُّ شيء، ويَعبُده كلُّ مخلوق، أصله: الإله، أُسقِطت الهمزةُ التي هي فاء الاسم، فالتقت اللام التي هي عين الاسم فصارت في اللفظ لامًا واحدة مشدَّدة؛ كما في قول الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ﴾ [الكهف: 38] أصله: لكن أنا هو الله ربي. ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ اسمان مشتقَّان من الرحمة، وفرْق ما بينهما: أنَّ الرحمن هو المتَّصِف بالرحمة العامَّة الشاملة لأهل الدنيا والآخِرة، لا فرْق في ذلك بين مؤمن وكافر، وطائع وعاصٍ، وإنسان وحيوان، من الإفضال والإحسان إلى جميعهم: في البَسْطِ في الرزق، وتسخير السحاب بالغيث، وإخراج النبات من الأرض، وصحَّة الأجسام والعُقول، وسائر النِّعَمِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحصَى التي يشتَرِك فيها جميعُهم بلا تفضيل واحدٍ عن الآخَر، وفي الآخِرة سوَّى بينهم في عدله وقَضائه، فلا يظلم أحدًا منهم مِثقالَ ذرَّة. و﴿ الرحيم ﴾ هو المتَّصف بالرحمة الخاصَّة بالمؤمنين في الدُّنيا بهدايتهم وتوفيقهم إلى سبيل مَرضاته، وفي الآخِرة بالإحسان إليهم، وعظيم المثوبة برضاه، وجنات تجري من تحتها الأنهار؛ وقد قال - جلَّ شأنه -: ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]. وقال الشيخ محمد عبده: إنَّ صيغة (فعلان) تدلُّ على وَصْفٍ فعليٍّ فيه معنى المبالغة، كـ(فعَّال) وهو في استعمال اللغة للصفات العارضة؛ كعطشان، وغرثان، وغضبان، وأمَّا صِيغة (فعال) فإنها تدلُّ في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا؛ كعليم، وحليم، وجميل. فلفظ ﴿ الرحمن ﴾ يدلُّ على مَن تَصدُر عنه آثَار الرحمة بالفعل، وهي إفاضة النِّعَمِ والإحسان. ولفظ ﴿ الرحيم ﴾ يدلُّ على مَنشَأ هذه الرحمة والإحسان، وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة. ولا يُستَغنى بأحد الوصفَيْن عن الآخَر، ولا يكون الثاني مُؤكِّدًا للأوَّل، فإذا سمع العربي وصْف الله - تعالى - بالرحمن وفهم منه أنَّه المفيض للنِّعَم فعلاً لا يعتقد أنَّ الرحمة من الصفات الواجبة له دائمًا؛ لأنَّ الفعل قد ينقطع إذا كان لم يكنْ عن صفةٍ لازمةٍ ثابتة وإنْ كان كثيرًا، فعندما يسمع لفظ ﴿ الرحيم ﴾ يكمل اعتقاده على الوجه الذي يَلِيقُ بالله - تعالى - ويرضيه - سبحانه - ويعلم أنَّ لله صفةً ثابتة هي صفةُ الرحمة التي عنها يكونُ أثرها وإنْ كانت تلك الصفة على غيرِ مثال صِفات المخلوقين، ويكونُ ذِكرُها بعد ﴿ الرحمن ﴾ كذكر الدليل بعد المدلول؛ ليقوم برهانًا عليه، ا.هـ. (سورة الفاتحة) السورة: طائفة من القُرآن لها أوَّل وآخِر، وترجمةٌ باسمٍ خاصٍّ بها.وأسماء السور توقيفيَّة، وكذا ترتيبُ آيات السور؛ أي: يتوقَّف على النقل عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم. وأمَّا ترتيب السور ففيه خلاف، والراجح أنَّه من الصحابة بالاجتهاد لا التوقيف. وأسماء السور لم يُثبِتْها الصحابة في المصاحف، وإنما أثبَتَها الحجَّاج بن يوسف، كما أثبتَ الأعشار والأسباع، والنَّقط والشَّكل وغيرها؛ خوفًا على القُرآن من التحريف لَمَّا شاعَتْ العُجمَةُ في زمنه بكثْرة اختلاط العرب بغيرهم من أهل اللُّغات الأخرى. ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 1 - 7]. تُسمَّى (فاتحة الكتاب) لأنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - افتتحوا بها كتابَةَ المصحف، ولأنَّها تُفتَتح بها القراءة في الصلاة، وتُسمَّى (أم الكتاب) لأنها جمعت ما تضمَّن القُرآن الكريم من مقاصد توحيد الربوبيَّة والإلهيَّة والعبادة بأنواعها، والاعتبار بِمَن مضى من السابقين على الهدى المستقيم، فنالوا سعادة الأولى والآخِرة، فيُقتَدى بهم، أو على الصراط المعوجِّ فنالوا من عُقوبة الله وسخطه في الدُّنيا والآخِرة ما به العِبرة، وفيه العظة الكافية، فيُتنكَّب عن سبيلهم، ويُبتَعد عن خبيث أعمالهم، وهذا إجمالُ ما في القُرآن من أغراضٍ جاءت بعدُ في السُّوَرِ الأخرى مُفصَّلة مُبيَّنة على أحسن وَجْهٍ وأكمله، ليس المقصود من أنها أمُّ القُرآن كما يَذكُره جماعة من غُلاة المتصوِّفة ممَّا يسمونه بالإشارة ودلالة الحروف، فيقولون: أسرارُ القُرآن جُمِعتْ في الفاتحة، وأسرار الفاتحة جُمِعتْ في البسملة، وأسرارُ البسملة جُمِعتْ في الباء، وأسرار الباء جُمِعتْ في النُّقطة؛ فإنَّ هذا القول لا يقومُ عليه برهانٌ من صحيحِ منقول ولا صريحِ معقول، وما هو إلا اختراعٌ صدَر عن عُقول شُغِفَتْ بالغَرائب والتَّمويهات لِمَآرب وأغراض لا تتَّفِق مع ما جاء به الإسلام وكِتابه المبين، ولقد أدَّى نُشُوء ذلك عند بعض الناس إلى ذَهاب ما أُنزِل القُرآن من أجله من هداية الناس إلى الطريق الأقوم في كلِّ ما هم بحاجةٍ إليه من مَعاشِهم ومَعادِهم، وعادَ القُرآن بعد ذلك آلةً للدجَّالين والمخرِّفين الذين يُسَمُّون ذلك - كذبًا وباطلاً - بركة القُرآن، وما بركة القُرآن إلا لطائفة المؤمنين المهتَدِين بهدي القُرآن قولاً وعملاً وحكمًا، الذين جدُّوا في الحياة بما هَداهم إليه القُرآن من الأخْذ بأسبابها المشروعة، وطرقها الممهَّدة، من صِناعات واختِراعات اكتسَبُوا بها من مادَّة الحياة ما نالوا به عزَّ الدنيا وسعادةَ الآخِرة؛ ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5]. وتُسمَّى أيضًا بالسبع المثاني؛ و(المثاني) جمع مثناة، وإنما توصف بذلك لأنَّ بعضها يثني بعضًا بفُصولٍ تفصل بينها؛ فيعرف انقضاء الآية وابتداء التي تَلِيها، كما وصَفَها به - تعالى ذِكرُه - فقال: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ [الزمر: 23]، وقد يَجُوز أنْ يكون معنى (المثاني): المتكرِّرة مرَّة بعد مرَّة، أو معناها: التي استثناها الله - تعالى - لمحمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - دُون غيره من الأنبياء، وادَّخَرها له، وقيل: سُمِّيتْ بذلك لأنها يُثنَّى بها في كلِّ ركعةٍ من ركعات الصلاة، وتُعاد في كلِّ ركعة. قال أبو الهيثم: سُمِّيتْ آيات الحمد مثاني، واحدتها مثناة، وهي سبع آيات، ويجوز أنْ يكون - والله أعلم - معنى المثاني: ما أُثنِي به على الله - تبارك وتقدَّس - لأنَّ فيها حمدَ الله وتوحيدَه، وذكرَ ملكه يوم الدِّين. وقال الفراء[4] في قوله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾ [الزمر: 23]: أي: مُكرَّرا؛ كرَّر فيه الثواب والعقاب. وقد نزلت الفاتحة بمكة، وقيل: بالمدينة، وقال كثيرون: إنها أوَّل سورةٍ أُنزِلتْ بتَمامها، وقد رجَّح الشيخ محمد عبده أنها أوَّل ما نزَل على الإطلاق، ولم يستثنِ قوله - تعالى -: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [العلق: 1]، ونزع في ذلك منزعًا غريبًا في حِكمة القُرآن وفقه الدِّين، وتكلَّم بكلام حسنٍ في ذلك، لولا ما يُعكِّر عليه من الأحاديث الصحيحة التي صرَّحت تصريحًا لا مجالَ للشكِّ فيه بأنَّ أوَّل ما نزَل على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في غار حراء: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ﴾ [العلق: 1]، ولا يعدل عمَّا أفادَتْه هذه الأحاديث الصحيحة. وهي سبع آيات على أصحِّ الأقوال، ليس منها البسملة، وهي - على ما يترجَّح من مجموع ما ورَد - آيةٌ من القُرآن قائمة بنفسها جُعِلَتْ للفصْل بين السُّوَرِ، وللفقهاء في ذلك خلافٌ طويل ليس هذا موضع تنقيحه. [1] "مجلة الإصلاح"، العدد الثاني - 15/ 3/ 1347هـ. [2] أخرجه أحمد 3/ 50، وأبو داود (775)، والترمذي (242)، وقال الترمذي: وحديث أبي سعيدٍ أشهر حديثٍ في هذا الباب، وصحَّحه الألباني. [3] "تفسير ابن جرير الطبري" 1/ 51. [4] "معاني القرآن"؛ للفراء 4/ 116.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
تفسير القرآن الحكيم - الجزء الثالث الشيخ محمد حامد الفقي تفسير القُرآن الحكيم[1] بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 2 - 7].﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ الحمدُ - على المشهور - هو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، والفرق بينه وبين المدح: أنَّ الحمد لا يكون إلا على الاختياري، أمَّا المدح فيكون على الاختياري وغيره، ويكون للحيِّ والميت والجماد، والحمد فيه من التعظيم والتفخيم ما ليس في المدح، والحمد لا يكون إلا مع المحبَّة والإجلال بخلاف المدح؛ ولذلك فإنَّ المدح إخبارٌ محض، أمَّا الحمد ففيه معنى الإنشاء. أمَّا الشُّكر فهو الثَّناء على المحسن بما أولاه من المعروف، وهو لذلك خاصٌّ بالأعمال، وذلك أنْ تحمَدَ باللسان، وتعمَلَ بالجوارح والأركان، وتعتَقِد بالقلب والجنان، وظاهِرُ الكتاب والسُّنَّة يدلُّ على ذلك؛ فمنه قوله - تعالى -: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، على كلِّ حالٍ، فمَن حمد الله - تعالى - فقد شكَرَه باستعمال نعمة اللسان بالثناء على الله وذِكرِه بما يليقُ به من صِفات المحبَّة والكمال، ومَن شكَر الله - تعالى - باستعمالِه نِعَمَه فيما يحبُّ الله ويَرضَى فقد أثنَى على ربِّه؛ إذ أظهَرَ هذه النِّعمة باستعمالها، وذلك تحدُّثٌ بنعمة الله الكريم، فإذا قال العبد: "إنَّ الله على كلِّ شيء قدير" فقد حمدَه بالثناء عليه بوَصْفِه بالقُدرة على كلِّ شيء، وكذلك إذا قال: "الله عزيز حكيم" أثنى عليه، وهكذا. ولكن قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ معناه: الثناء التامُّ على الله بكلِّ أسمائه الحسنى وصِفاته العُلى، وإنما جِيءَ بالحمد مُعرَّفًا بالألف واللام ليَدُلَّ على العُموم والشُّمول لكلِّ المحامد، بخِلاف ما لو جاء بغير ذلك. ولقد حمد الله - جلَّ ذكرُه - نفسَه وأثنى عليها بما هو له أَهْلٌ، ثم علَّم عبادة ذلك وفرَض عليهم تلاوته اختِبارًا منه - جلَّ شأنُه - وابتلاءً فقال لهم: قولوا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الفاتحة: 2]، وقولوا: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، ممَّا علمهم - جلَّ ذكرُه - أنْ يقولوه وأنْ يدينوا الله بمعناه. ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الربُّ في الأصل مصدرٌ بمعنى التربية، وهي إبلاغ الشيء إلى كماله حسب استعداده، وهو في كلام العرب بمعنى: السيِّد المُطاع، وبمعنى: المصلح للشيء، وبمعنى: المالك للشيء، فربُّنا - جلَّ ثناؤه - السيد الذي لا شِبهَ له ولا مِثلَ له في سُؤدُدِه، والمصلح أمرَ خلقه بما أسبَغَ عليهم من نِعَمِه الظاهرة والباطنة، والمالك الذي له الخلق والأمر، سبحانه وتعالى عمَّا يقولُ الظالمون عُلُوًّا كبيرًا. والعالمون: جمع (عالَم) لا واحدَ له من لفظه، و(العالم) اسمٌ لكلِّ صِنْفٍ من أصْناف المخلوقات، فالإنسان عالَم، والجن عالَم، والشجر عالَم، والهواء عالَم، وعالَم الكواكب، وعالَم الملائكة، وغير ذلك كثيرٌ لا يُحصِيه إلا الله الذي هو ربُّه وسيِّده ومَلِيكه. ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [الفاتحة: 1] تقدَّم الكلام عليهما. ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4] قُرِئَ برِواياتٍ عدَّة وأشهرها ﴿ مالِك ﴾ و﴿ مَلِك ﴾، ورجَّح ابن جرير الطبري الثانية؛ لأنَّ في الإقرار له بالانفِراد بالملك إيجابًا لانفِراده بالملك وفضيلة زيادة الملك على المالك؛ إذ كان معلومًا أن لا مَلِكَ إلا وهو مالك. ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4]، الدِّين في هذا الموضع الحساب والمجازاة بالأعمال، ومن ذلك قوله: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴾ [الانفطار: 9]، وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ﴾ [الواقعة: 86]؛ أي: مجزيِّين، هو يوم القيامة، ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾ [غافر: 17]؛ والمعنى: أنَّ لله - تعالى - ملكًا خالصًا دُون جميع خلقه الذين كانوا في الدنيا مُلوكًا جَبابرة، يُنازِعونه الملك ويُدافِعونه الانفِراد بالكِبرياء والعظَمة؛ كما قال - جلَّ ذكرُه -: ﴿ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لاَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ [غافر: 16]، فأخبر أنَّه - عزَّ شأنه - المنفرِد يومئذٍ بالملك دون مُلوك الدنيا الذين صاروا يومَ الدِّين من ملكهم إلى صَغار، ومن دُنياهم إلى خَسار. وأمَّا على قراءة (مالك) فمعناه كما قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: لا يملك أحدٌ في ذلك اليوم معه حكمًا كملكهم في الدنيا، ثم قال: ﴿ لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ: 38] [2]. ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، العبادة في اللغة: من الذلَّة، يُقال: طريق مُعبَّد؛ أي: مُذلَّل. وفي الشرع: حقيقةٌ مُتكوِّنة من كَمال المحبَّة مع كَمال الخضوع والتذلُّل، فمَن أحبَّ ولدَه فليس بعابِدٍ له؛ لأنَّه لم يخضَعْ له، ومَن خضَع لملكٍ أو أميرٍ فليس بعابدٍ له لأنَّه لم يحبَّه مع هذا الخضوع، فكلُّ ما تحقَّق فيه كمالُ الحب مع كمال الخضوع فهو عبادةٌ، سواء كان قولاً أو عملاً، فالدعوى في الشدائد ولطلب الحاجات والتوكُّل والاستغاثة والنذر والحَلِف والخوف والرجاء، كلُّ هذا عبادةٌ، فمعنى ﴿ إياك نعبد ﴾: أي: نخصُّك يا ربَّ العالمين ويا مالكَ يوم الدين بكلِّ أنواع خُضوعنا القلبي وذلِّنا ومحبتنا؛ لأنَّك بصفة ربوبيَّتك للعالمين استحققت نهايةَ الخضوع والخشوع والخوف والذل، وبصفة أنَّك الرحمن الرحيم استحققت نهاية المحبَّة؛ لما نرى وتفيضُ علينا من آثار رحمتك من النِّعَمِ ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى، وبصفة ملكك ليوم الدِّين نخافُ عُقوبتَك ولا نعصيك ونرجو رضاك فنسارع إلى طاعتك. ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ الإعانة قسمان: ظاهريَّة ومعنويَّة، فالحسيَّة ما تكون بما يُدرَك ويُشاهَد بإحدى الحواس؛ كإعانة الناس بعضهم بعضًا، وفيما يثقل حمله ويعييهم أمره، فيشهَدُون من بعضهم هذه المعونة، أو بجاهِهِم، وكل أمرٍ محسوس، فهذه الاستعانةُ الظاهريَّة، وهي أمر لا بُدَّ من تبادُلِه بين الناس فيما ليس فيه معصية لله تعالى؛ قال - تعالى -: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]. أمَّا الإعانة المعنويَّة فهي: ما تكون بأسبابٍ غير مُشاهَدٍ مصدرُها، وهذه لا تكون إلا ممَّن يكون عنده من القُدرة العظيمة والرَّحمة الواسعة ما يُؤهِّله لها؛ ولذلك فلا تُطلَب إلا من الله - جلَّ شأنُه - لأنَّه هو الذي له القُدرة ما به يُعطِي العبد من القوَّة التي تُعِينُه على عمله، وله الرحمة الواسعة التي بها يتفضَّل على عبده بهذه المعونة، فالمعونة على شِفاء الأمراض تكونُ بالطبيب بتشخيص المرض ووَصْفِ العلاج ظاهريَّةً، وعلى تحقيق الشفاء ورفع الداء بذلك الدواء أو بغيره، وهذه معنويَّة حقيقيَّة. فالأولى: جاء الشرع بطلبها ممَّن يقدر عليها. والثانية جاء الشرع ببيان أنَّ طلبها من غير الله - تعالى - شرك؛ لأنَّ ذلك اعتقادٌ بأنَّ غير الله - تعالى - له من القُدرة والرحمة ما لا يصحُّ أنْ يكون إلاَّ لربِّ العالمين الرحمن الرحيم. وبهذا يتبيَّن الفَرْقُ بين الاستعانة الجائزة الشرعيَّة والاستعانة المحرَّمة الشركيَّة؛ فما يَطلُبه كثيرٌ من الناس من الموتى من حاجات، هذا من الشركيَّة لأنها من قسم المعنويَّة؛ لأنَّ الميت ليس عنده من الأسباب ما يمكنه أنْ يوصل هذه الإعانة إلى السائل الداعي من طريق محسوس؛ لأنه قد زالت كلُّ علاقةٍ بالأحياء من أهل الدنيا من هذا القَبِيل، وإنْ كان كثيرٌ من الناس يدَّعي أنَّه لم يعتقدْ في هذا الميت هذه القُدرة ولا الرحمة، فهو كاذب في دعواه، يخدعه الشيطان فيُلبِّس عليه الأمرَ حتى يُورِده بذلك مَوارِدَ الشِّرك والهلاك، يتبيَّن ذلك عندما ينذر أحدهم نذرًا لأحد أولئك الموتى ويَنهاه أحدٌ عن الوفاء بذلك النَّذر الذي هو في محاربة الله - تعالى - فإنَّك تراه يصفر صفرة الوجل ويضطرُّ ويقول: "كيف أصنع مع سيِّدي فلان وهو غيور؟". فهذا إنْ كان لا يُسمَّى شركًا فليس في الدنيا شرك، وإنْ جعلت هذه من الاستعانة الجائزة الشرعيَّة، فهذا من الخلط المفسِد، بل هو تحريفٌ للكلم عن مواضعه. قال ابن كثيرٍ[3]: وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبةٌ؛ لأنه لما أثنى على الله - تعالى - فكأنَّه تقرَّب وحضر بين يدي ربِّه - تعالى - فلذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وفي هذا دليلٌ على أنَّ أوَّل السورة خبرٌ من الله - تعالى - بالثَّناء على نفسه الكريمة بجميل صِفاته الحسنى، وإرشاده لعباده أنْ يُثنُوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصحُّ صلاةُ مَن لم يقلْ ذلك وهو قادرٌ عليه؛ كما جاء في الصحيحين عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأْ بفاتحة الكتاب))[4]، وفي "صحيح مسلم"[5] عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يقول الله - تعالى -: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدِي نصفَيْن: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ فإذا قال العبدُ: الحمد لله ربِّ العالمين، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال العبد: مالك يوم الدين، قال الله: مَجَّدني عبدي، وإذا قال العبد: إيَّاك نعبد وإياك نستعين، قال الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: اهدِنا الصراط المستقيم، قال الله: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل)). وقال ابن جريرٍ الطبري[6]: وفي أمر الله - جلَّ شأنه - عباده أنْ يقولوا: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بمعنى: مسألتهم إياه المعونة على العبادة أدل الدليل على فَساد قول القائلين بالتفويض من أهل القدَر الذين أحالوا أنْ يأمُر الله أحدًا من عبيده بأمره، أو يُكلِّفهم بعملٍ إلا بعد إعطائه المعونة على فِعله لا على تركه، ولو كان الذي قالوا من ذلك كما قالوا لبطلت الرغبة إلى الله في المعونة على طاعته؛ إذ كان - على قولهم مع وجود الأمر والنهي والتكليف - حقًّا واجبًا على الله للعبد أو إعطاؤه المعونة عليه، سأله عبده ذلك أو ترك مسألة ذلك، بل ترك إعطائه ذلك عندهم منه جور، ولو كان الأمر في ذلك على ما قالوا لكان القائل: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إنما يسأل ربه ألاَّ يجور. وفي إجماع أهل الإسلام جميعًا على تصويب قول القائل: "اللهم إنَّا نستعينك" وتخطئتهم قول القائل: "اللهم لا تجر علينا" دليلٌ واضحٌ على خطأ ما قال الذين وصفتُ قولَهم. [1] "مجلة الإصلاح"، العدد الثالث - 30/3/1347هـ. [2] انظر: الطبري في "تفسيره" 1 /65، من طريق الضحَّاك عن ابن عباس، ولم يسمَعِ التفسير منه على ما قالَه غيرُ واحدٍ؛ كشعبة وأبي حاتم وأبي زرعة وابن أبي حاتم... وغيرهم. [3] "تفسير ابن كثير" 1 /26. [4] أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394). [5] أخرجه مسلم (395). [6] "تفسير الطبري" 1 /70.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
تفسير القرآن الحكيم - الجزء الرابع الشيخ محمد حامد الفقي تفسير القُرآن الحكيم[1] قال الله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6-7]. جاء في الكتاب العزيز ﴿ هُدًى ﴾ [البقرة: 5] على ثلاثة أوجُهٍ: مُعدًّى بنفسه؛ كقوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، وقوله ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 10]، ومُعدًّى باللام؛ كقوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ﴾ [الأعراف: 43]، وقوله: ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ [يونس: 35]، ومُعدًّى بـ"إلى" كقوله: ﴿ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾ [ص: 22]. والهداية تُطلَق على معنيين: هداية بمعنى الدلالة والإرشاد؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، وقوله: ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 10]، والنجد: الطريق المرتفع؛ أي: الطريقين؛ طريق الخير، وطريق الشر. وهداية بمعنى التوفيق والسير بالفعل في الطريق؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]. وقد يُراد منها المعنيان مثل ما هنا، وهو قوله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] فإنَّ معناه: طلب الدلالة والإرشاد، والتعريف للصراط المستقيم، ثم التوفيق والإلهام للاستِقامة على ذلك الصراط والسير فيه. وفي الواقع أنَّ الثاني يستَلزِم الأول؛ لأنَّ التوفيق لا يكونُ إلا بعدَ البيان، وإنْ كان الأوَّل لا يستلزم الثاني، لأنَّه لا يلزم من وُجود الإرشاد وُجود التوفيق، وإلا لكان كلُّ مَن سمع القُرآن مهتديًا بمعنى: مُوفَّقًا ومستقيمًا، وهذا غير صحيح. قال ابن القيِّم[2] رحمه الله: وهما هِدايتان مُستقلَّتان لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما مُتضمِّنتان تعريفَ ما لم نعلَمْه من الحقِّ تفصيلاً وإجمالاً، وإلهامنا له، وجعلنا مُرِيدين لاتِّباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القُدرة لنا على القِيام بموجب الهُدَى بالقول والعمل والعزم، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوَفاة، ومن هاهنا يُعلَمُ اضطرارُ العبد إلى سُؤال هذه الدعوة فوق كلِّ ضرورة، وبطلان قول مَن يقول: إذا كنَّا مُهتَدِين فكيف نسأل الهداية؟ فإنَّ المجهول لنا من الحقِّ أضعافُ المعلوم، وما لا نريدُ فعله تَهاوُنًا وكسَلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دُونه، وما لا نقدر عليه ممَّا نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمرٌ يَفُوقُ الحصْر، ونحن مُحتاجُون إلى الهداية التامَّة، فمَن كمُلتْ له هذه الأمورُ كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدَّوام. وللهداية مرتبةٌ أخرى وهي آخِر مَراتبها، وهي الهداية يومَ القيامة إلى طريق الجنَّة، وهو الصِّراط الموصِل إليها، فمَن هُدِيَ في هذه الدار إلى صِراط الله المستقيم الذي أرسَلَ به رسُلَه وأنزَل به كتُبَه هُدِيَ هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنَّته ودار ثَوابه، وعلى قدْر ثُبوت قدَم العبْد على هذا الصراط الذي نصَبَه الله لعباده في هذه الدار يكون ثُبوت قدَمِه على الصراط المنصوب على متْن جهنَّم، وعلى قدْر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذلك الصراط، فمنهم مَن يمرُّ كالبرق، ومنهم مَن يمرُّ كالطرف، ومنهم مَن يمرُّ كالريح، ومنهم مَن يمرُّ كشدِّ الركاب، ومنهم مَن يسعى سعيًا، ومنهم مَن يمشي مشيًا، ومنهم مَن يحبو حبوًا، ومنهم المخدوش المسلم، ومنهم المكردَس في النار. فليَنظُر العبد سيره على ذلك الصراط من سَيرِه على هذا حذو القذَّة بالقذَّة جَزاءً وفاقًا: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النمل: 90]، ولينظُر الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سَيرِه على هذا الصراط المستقيم؛ فإنها الكلاليب التي بجنبتَيْ ذاك الصِّراط تخطَفُه وتعوقُه عن المرور عليه، فإنْ كثُرت هنا وقويَتْ فكذلك هنالك؛ ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، فسؤال الهداية متضمنٌ لحصول كلِّ خيرٍ والسلامة من كلِّ شر، ا.هـ. وقال ابن جرير[3]: ومعناه نظير معنى قوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، في أنَّه مسألة العبد ربَّه التوفيق للثَّبات على العمل بطاعته، وإصابة الحق والصواب فيما أمَرَه به ونهاه عنه فيما يستَقبِل من عمره دون ما قد مَضَى من أعماله وتقضى فيما سلَف من عمره... إلى أنْ قال: وفي صحَّة ذلك فسادُ قول أهل القدَر الزاعمين أنَّ كلَّ مأمور بأمرٍ أو مُكلَّف فرضًا فقد أُعطِي من المعونة عليه ما قد ارتَفعتْ معه في ذلك الفرض حاجته إلى ربِّه؛ لأنَّه لو كان الأمر على ما قالوا في ذلك لبطل معنى قول الله - جلَّ ثناؤه -: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 5-6]. ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ الصراط هو الطريق و﴿ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الإسراء: 35] الواضح الذي لا اعوجاجَ فيه ولا ميل، ثم يُستعار لكلِّ قولٍ وعمل وُصِفَ باستقامة، وللمفسِّرين في معنى ذلك أقوال: فعن عليٍّ وابن مسعود - رضي الله عنهما -: أنَّه كتاب الله - تعالى. وعن جابر بن عبدالله: أنَّه الإسلام. وعن ابن عباس: هو دين الله الذي لا عِوَجَ فيه. وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((ضرَب الله مثلاً صِراطًا مستقيمًا... والصراط الإسلام))[4]. والصراط المستقيم يجمَعُ كلَّ هذه المعاني على اعتبار أنَّه كلُّ قولٍ وعملٍ وقصْدٍ ارتَضَاه الله لعبادة وألهمهم إيَّاه، سواء من ذلك ما يكون من أمور الدنيا أو من أمور الآخِرة. فما كان من أمور الدنيا كأنْ يُوفَّق التاجر في تجارته مثلاً إلى خطَّةٍ حميدة يأتي له من ورائها الرِّبح الوافر ويسلَمُ من أكْل أموال الناس بالباطل، وكذلك الزارع يُهدَى في زراعته إلى طريقةٍ من الحِذق في الزراعة والنَّشاط في العمل والقيام بما أوجَبَ الله من الحقوق في الزرع بما يكفل له نجاحَ زراعته وجنْي الثمرات الطيِّبة من عمله، وغير ذلك. وما كان من أمور الآخِرة؛ كتوفيق العالِم إلى العلم الصحيح النافع، وأنْ ينفع به نفسَه بالعمَل به، وغيرَه بنشره وتعليمه، وكذلك توفيق المصلِّي والصائم وغير هؤلاء من العابدين أنْ يُهدوا من هذه الأعمال الصالحة إلى أكملها وأخلصها، ويُحفَظوا من العوائق والموانع الحائلة دونها. قال ابن القيم[5] رحمه الله: ولا تكونُ الطريق صراطًا حتى تتضمَّن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقُرب، وسعته للمارِّين عليه، وتعينه طريقًا للمقصود. ولا يخفى تضمُّن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة، فوصفه بالاستقامة يتضمَّن قُربه؛ لأنَّ الخطَّ المستقيم هو أقرب خط فاصل بين نقطتين، وكلَّما تعوَّج طال وبعُد، واستقامته تتضمَّن إيصاله إلى المقصود، ونصبه لجميع مَن يمرُّ عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعيُّنه طريقًا. والصراط تارَةً يُضاف إلى الله؛ إذ هو الذي شرعه ونصبه؛ كقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا ﴾ [الأنعام: 153]، وقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ ﴾ [الشورى: 52-53]. وتارَةً يُضاف إلى العباد كما في الفاتحة؛ لكونهم أهلَ سُلوكه وهو منصوبٌ لهم وهم المارُّون؛ ﴿ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [الحجر: 41] قال الحسن البصري: معناه: إليَّ مستقيم، على معنى إقامة (على) مقام (إلى)، أو على معنى أنَّه صراطٌ موصل إليَّ. وقال مجاهد: الحق يَرجِع إلى الله، وعليه طريقه لا يعرج على شيء، وهو أصحُّ ما قِيل في الآية، وقيل: (عليَّ) للوجوب؛ أي: واجبٌ عليَّ بيانُه والدلالة عليه وتعريفه. وقال الكسائي: إنَّه على التهديد والوعيد؛ مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾ [الفجر: 14]، وهو قولٌ بعيد وغير مستقيم. وقد أخبر الله تعالى أيضًا أنَّه سبحانه على الصراط المستقيم، وذلك في موضعَيْن من القُرآن الكريم: في سورة هود وسورة النحل، قال في هود: ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: 56]، وقال في سورة النحل: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: 76]. ومعنى آية هود: أنَّ الله على صراطٍ مستقيم، وهو أحقُّ مَن كان على صِراطٍ مستقيمٍ، فإنَّ أقوالَه كلَّها صدقٌ ورشدٌ وهدًى وعدلٌ وحكمةٌ: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً ﴾ [الأنعام: 115]، وأفعاله كلُّها مصالح وحكم ورحمة وعدل وخير، فالشرُّ لا يدخُل في أفعاله ولا أقواله ألبتَّة؛ لخروج الشرِّ عن الصراط المستقيم، فكيف يدخُل في أفعال مَن هو على الصراط المستقيم أو أقواله، وتأمَّل كيف ذكَر هذا عُقَيْبَ قوله: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾ [هود: 56]؛ أي: هو ربي فلا يُسلِمني إليكم تُؤذُونني بدون حقٍّ، ولا يُضيِّعني، بل ينصُرني وفاءً بوعده، وقيامًا بمقتضى عدله وحِكمته، وهو ربُّكم فلا يُسلِّطكم عليَّ ولا يُمكنكم منِّي، فإنَّ نواصيكم بيده، لا تفعَلون شيئًا إلا بمشيئته وإرادته، فإنَّ ناصيةَ كلِّ دابَّةٍ بيده، لا يمكنها أنْ تتحرَّك إلا بإذنه، ومع هذا فهو في تصرُّفه فيها وتحريكه لها ونُفوذ قضائه وقدَره فيها على صراطٍ مستقيم، لا يفعَلُ ما يفعَلُ من ذلك إلا بحكمةٍ وعدل ومصلحة، ولو سلَّطَكم عليَّ فله من الحكمة في ذلك ما له الحمدُ عليه؛ لأنَّه تسليطُ مَن هو على صراطٍ مستقيم، لا يَظلِم ولا يفعَلُ شيئًا عَبَثًا بغير حِكمةٍ. وأمَّا آية النحل فمثَلٌ ضرَبَه الله للأصنام التي لا تسمع ولا تنطق ولا تعقِل ممَّا كان يتَّخِذُه المشركون في كلِّ زمنٍ؛ من قبر ميتٍ، أو شجرةٍ كان تحتَها صالح، أو حجرٍ كان له علاقة بأحَد الصالحين، أو ميتٍ من الخلق يعتَمِدون عليها ويلتَجِئُون في الشَّدائد إليها، ويقولون: إنها تُقرِّبهم إلى الله زُلفَى وتكون واسطةً بينهم وبين ربِّهم وشافِعَة في إجابة السُّؤال وحُصول المأمول، وقد ذكَر الله في أوَّل هذه السُّورة - سُورة النحل - من ذلك قوله: ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ [النحل: 17-22]. وتلك الأوثان والأصنام عاجِزَةٌ عن أنْ تنفَع عابِدَها بشيءٍ، بل هو كلٌّ وحملٌ عليه تحتاج إلى مَن يحملها ويقيمها ويضعها ويخدمها، فكيف يُسوُّونها في العبادة مع الله الذي يأمُر بالعدل والتوحيد، وهو قادرٌ وغني ومتكلم، وهو الخالق لهم والمنعم عليهم؛ ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ [إبراهيم: 34]، وهو على صراطٍ مستقيم في قوله وفعله، فقوله صدق ورشد ونصح وهُدًى، وفعله حكمةٌ وعدل ورحمة ومصلحة؟! وقد ضرَب الله - جلَّ شأنه - لنفسِه هذا المثَل يردُّ به على المشركين الذين كانوا يَضرِبون له - سبحانه - الأمثال التي لا تليقُ بمقام رُبوبيَّته وجَلال إلهيَّته، فكانوا يقولون: إنَّ مثله كمثل الملك لا يُوصَل إليه إلا بالحجاب، ولا تُقضَى الحاجةُ منه إلا بشَفاعة الوُزَراء والوُجَهاء من أعيان مملكته وأصفياء خاصَّته؛ ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [يونس: 18]؛ يعني: أنَّ أولئك الملوك الذين تضرِبُونهم مثلاً لله لا يرَوْن ولا يسمَعُون من شُؤون مملكتهم إلا ما يصلهم من أولئك الحجَّاب والوزراء والخاصَّة، فهل الله تعالى لا يصل إليه من عِلمكم وعِلم شُؤونكم إلا ما كان بواسطة هؤلاء الموتى من الصالحين؟ ﴿ فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 74]، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: 67]. ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]، لما كان كلُّ الناس وجميع الطوائف يدَّعون أنهم سالكون للصراط المستقيم وسائرون على المنهج القويم جعَل الله تعالى لذلك الصراط علامةً تُميِّزه عن غيره وتكون كالمصباح لِمَن وُفِّق لذلك الصراط المستقيم، تَكشِف له عمَّا يضَعُه دُعاة الطرق الضالَّة والسُّبل الزائغة من عقبات يريدون بها تحويلَه عن منهجه الحقِّ إلى ما اختطوه من سُبُلِ الشهوات والشُّبهات، تلك العلامة وهذا المصباح هي القُدوة الصالحة والأسوة الطيِّبة؛ ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ [النساء: 69]. دلَّت الآية على أنَّ الناس أقسامٌ ثلاثة: المنعَم عليهم، المغضوب عليهم، الضالُّون؛ لأنَّ العبد إمَّا أنْ يكون عالمًا بالحق، أو جاهلاً به، والعالم بالحق إمَّا أنْ يعمل بموجبه أو لا، فالعالم بالحق العامل به هو المنعَم عليه؛ وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، وهو المفلح؛ قال الله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]، والعالم بالحق التارك له المتَّبِع لهواه هو المغضوب عليه، والجاهل بالحق هو الضالُّ، والمغضوب عليه ضالٌّ عن هداية العمل، والضالُّ مغضوبٌ عليه لضَلاله عن العلم الموجِب للعمل، فكلٌّ منهما ضالٌّ مغضوب عليه، ولكنَّ ترك العمل بالحق بعد معرفته أولى بالغضب وأحقُّ به، ومن هاهنا كان اليهودُ أحقَّ به، وهو متغلظ في حقِّهم؛ كقوله تعالى: ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ [البقرة: 90]. وقال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 60]. والجاهل بالحقِّ أحقُّ باسم الضلال وأولى به؛ ومن ثَمَّ وُصِفت النصارى به في قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 77] فالآيتان الأُولَيان في سِياق الخطاب مع اليهود في سُورة البقرة والمائدة، والآية الآخِرة في سِياق الخطاب مع النَّصارى في سورة المائدة. وفي "جامع الترمذي" و"صحيح ابن حبان" من حديث عَدِيِّ بن حاتم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((اليهودُ مغضوبٌ عليهم والنصارى ضلاَّل))[6]. وكلُّ حائدٍ عن السبيل وسالكٍ غير المنهج القويم فضالٌّ عند العرَب لإضلاله وجهَ الطريق؛ فلذلك سمَّى الله تعالى النَّصارى ضالِّين لخطَئِهم في الحق منهجَ السبيل، وأخذهم من الدِّين في غير الطريق المستقيم، وقال سفيان بن عُيَينة: مَن فسَد من عُلَمائنا ففيه شبهٌ من اليهود، ومَن فسَد من عِبادنا ففيه شبهٌ من النصارى. قال ابن القيم[7] - رحمه الله -: ولَمَّا كان طالب الصراط المستقيم طالبًا أمرًا أكثر الناس مُتنكِّب عنه، مُريدًا لسُلوك طريقٍ مُرافِقُه فيها في غاية النُّدرة والعِزَّة، والنُّفوس مجبولةٌ على الوحشة من التفرُّد والأنس بالمرافقة - نبَّه الله - سبحانه - على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم الذين أنعَمَ الله عليهم من النبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا. فأضاف الصراط إلى الرَّفِيق السالكين له، وهم الذين أنعَمَ الله عليهم؛ ليَزُول عن الطالب للهداية والسالك للصراط المستقيم وحشةُ تفرُّدِه عن أهْل زَمانه وبَنِي جِنسه، وليعلَمَ أنَّ رفيقه في هذا الصِّراط هم الذين أنعَمَ الله عليهم، فلا يكتَرِثْ بِمُخالَفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلُّون قدرًا وإنْ كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعضُ السلف: عليك بطريق الحق ولا تستَوحِشْ لقلَّة السالكين، وإياك وطريقَ الباطل ولا تغترَّ بكثرة الهالكين، وكلَّما استوحَشتَ في تفرُّدك فانظُر إلى الرفيق السابق واحرِصْ على اللحاق بهم، وغُضَّ الطرف عمَّن سِواهم؛ فإنهم لن يُغنُوا عنك من الله شيئًا، وإذا صاحُوا بك في طريق سَيْرِك فلا تلتَفِتْ إليهم، فإنَّك متى التفتَّ إليهم أخَذُوك وعاقوك. والقصد أنَّ في ذِكر هذا الرَّفيق ما يزيل وحشة التفرُّد، ويحثُّ على السير والتشمير على اللحاق بهم. قال ابن جرير[8] - رحمه الله -: وفي هذه الآية دليلٌ واضحٌ على أنَّ طاعة الله - جلَّ ثناؤه - لا ينالُها المطيعون إلا بإنْعام الله بها عليهم وتوفيقه إيَّاهم، أوَلاَ يسمعونه يقول: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ [الفاتحة: 7]، فأضاف كلَّ ما كان منهم من اهتداءٍ وطاعةٍ وعبادة إلى أنَّه إنعامٌ منه عليهم، ا.هـ. وقال ابن القيِّم - رحمه الله -: أضافَ النِّعمة إليه وحذَف فاعل الغضب لوجوهٍ: منها: أنَّ النِّعمة هي الخير والفضل، والغضب من باب الانتقام والعدل، والرحمة تغلب الغضب، فأضاف إلى نفسه أكمَلَ الأمرَيْن وأسبقهما وأقواهما. وهذه طريقة القُرآن في إسناد الخيرات والنِّعَمِ إليه، وحذف الفاعل في مُقابَلتهما؛ كقول مُؤمِنِي الجن: ﴿ وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴾ [الجن: 10]. وفي تخصيصه لأهْل الصِّراط المستقيم بالنِّعمة ما دَلَّ على أنَّ النِّعمة المطلَقة الموجبة للفَلاح الدائم، وأمَّا مُطلَق النِّعمة فعلى المؤمن الكافر، فكلُّ الخلق في نعمة. وهذا فصْل النِّزاع في مسألة: هل لله على الكافِرِ من نعمةٍ أو لا؟ فالنِّعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومُطلَق النِّعمة يكون للمؤمن والكافر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]. الوجه الثاني: أنَّ الله - سبحانه - هو المنفِرد بالنعمة؛ ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]، فأُضِيفَ إليه ما هو مُنفردٌ به، وإنْ أُضِيفَ إلى غيره فلكونه طريقًا ومجرى للنِّعمة. وأمَّا الغَضَبُ على أعدائه فلا يختصُّ به تعالى بل ملائكته وأنبياؤه ورسله وأولياؤه يغضَبُون لغضبه، فكان في لفظة ﴿ المغضوب عليهم ﴾ بموافقة أوليائه له من الدلالة على التفرُّد بالإنعام، وأنَّ النِّعمة المطلقة منه وحدَه هو المنفرد بها ما ليس في لفظة المنعَم عليهم. الوجه الثالث: أنَّ في حذْف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليهم وتحقيرهم وتصغير شأنهم ما ليس في ذِكر فاعل النِّعمة من إكرام المنعَم عليهم والإشارة بذِكرهم ورفع قَدرِهم ما ليس في حذفِه. وتأمَّل سرًّا بديعًا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظٍ وأخصره، فإنَّ الإنْعام عليهم يتضمَّن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح، وهي الهدى ودِين الحق، ويتضمَّن كمال الإنعام بِحُسنِ الثواب والجزاء فهذا تمام النِّعمة، ولفظ ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ يتضمَّن الأمرين، وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمَّن أيضًا أمرَيْن: الجزاء بالغضَب الذي مُوجَبُه غاية الهوان والعَذاب، والسبب الذي استحقُّوا به غضبه سبحانه فإنَّه أرحم وأرأف من أنْ يغضب بلا سببٍ ولا جنايةٍ منهم ولا ضَلال، وكأنَّ الغضب عليهم مُستلزِمٌ لضلالهم، وذكر الضالِّين مُستلزِمٌ لغضبه عليهم وعِقابه لهم، فإنَّ مَن ضلَّ استحقَّ العُقوبة التي هي مُوجِبُ ضَلالِه وغضب الله عليه، فاستلزم وصف كلِّ واحدةٍ من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبيَنَ استِلزام. وذِكْرُ الصراط المستقيم مفردًا معرَّفًا باللام والإضافة يُفِيدُ تعيُّنه واختِصاصه وأنَّه طريق واحد، وأمَّا طرق أهل الغضَب والضَّلال فإنَّه - سبحانه - يجمَعُها ويفردها؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153]، فوحَّد لفظ الصراط وسبيله وجمع السبل المخالِفة له. وقال عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنه -: خطَّ لنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم خطًّا وقال: ((هذا سبيلُ الله)) ثم خطَّ خُطوطًا عن يمينه ويساره وقال: ((هذه سُبُلٌ على كلِّ سبيلٍ شيطانٌ يدعو إليه))، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]؛ وهذا لأنَّ الطريق الموصل إلى الله طريقٌ واحد، وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يَصِلُ إليه أحدٌ إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كلِّ طريقٍ واستفتَحُوا كلَّ بابٍ فالطُّرق عليهم مسدودة والأبواب أمامهم مُغلَقة إلا من هذا الطريق الواحد، فإنَّه متَّصل بالله مُوصِل إلى الله. وقد علَّم الله عباده كيفيَّة سُؤاله، وأمرهم أنْ يُقدِّموا بين يدي دُعائِهم وسؤالهم له الثَّناءَ عليه بحمده وتمجيده، ثم ذكر عُبوديَّتهم وتوحيدهم، وهاتان وسيلتان إلى مَطلُوبهم: توسُّل إلى الله بأسمائه وصِفاته، وتوسُّل إليه بعُبوديَّته، وهاتان الوسيلتان لا يَكاد يُرَدُّ معهما دعاء، ويُؤيِّد ذلك حديثُ عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: سمع النبي صلَّى الله عليه وسلَّم رجلاً يدعو ويقول: اللهم إنِّي أسألك بأنِّي أشهد أنَّك أنت الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلدْ ولم يولدْ ولم يكن له كُفُوًا أحد، فقال: ((والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظَمِ الذي إذا دُعِيَ به أجابَ وإذا سُئِلَ به أعطى))[9]، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. فهذا توسُّل إلى الله بتوحيده والشهادة له بذلك، وثُبوت الصِّفات الحُسنَى المدلول عليها باسم الصمد، وبنفي التمثيل والتشبيه عنه بقوله: "لم يلد ولم يولد..." إلخ، والتوسُّل بالإيمان بذلك والشهادة به هو الاسم الأعظم. وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما: التوسُّل إلى الله بالحمد والثناء عليه وتمجيده، والتوسُّل إليه بعبوديَّته وتوحيده، ثم جاء سؤال أهم المطالب وأنجح الرغائب وهو الهداية بعد الوسيلتين، فالداعي به حقيقٌ بالإجابة. والله سبحانه وتعالى أعلم، ونسأل الله أنْ يجعَلَنا من المهتدين إلى صراطه المستقيم. المصدر: "مجلة الإصلاح"، العدد الرابع - 15/ 4/ 1347هـ. [1] "مجلة الإصلاح"، العدد الرابع - 15/ 4/ 1347هـ [2] "مدارج السالكين" 1/ 9. [3] "تفسير ابن جريرٍ الطبري" 1/ 72. [4] أخرجه أحمد 4/ 182 من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه مطولاً، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترغيب" (2348). [5] "مدارج السالكين" 1/ 10. [6] أخرجه الترمذي (2953، 2954)، وابن حبان (6246، 4206) من حديث عَدِيِّ بن حاتم - رضِي الله عنه - وصحَّحه الألباني. [7] "مدارج السالكين" 1/ 21. [8] "تفسير الطبري" 1/ 67. [9] أخرجه الترمذي (3475)، وصححه الألباني.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |