نماذج من سير الصالحين - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الفرق بين الاعتصام بالله والاستجارة بالنبي صلى الله عليه وسلم ! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          زكاة الحُبوب والثمار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          حكم تزكية الأموال المكتسبة من الحرام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          قضاء الصلاة الفائتة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          مسائل لا تصح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 2686 )           »          رأس الحربة حرباءة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 15 )           »          اقتضاء الصلاح الإصلاح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          البناء الأخلاقي وقابل الأيام! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          الصحوة الإسلامية والانقطاع التربوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          احتفاء الإسلام بالعلم والعلماء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 15-10-2022, 09:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,372
الدولة : Egypt
افتراضي نماذج من سير الصالحين

نماذج من سير العلماء والصالحين (1)

بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدِ رحمه الله..

د. صغير بن محمد الصغير


الخطبة الأولى
الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [1]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾[2]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [3].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أيها الأخوة: سِيَرُ العلماءِ والصالحينَ مدارسُ نَنْهَلُ من مَعِينَهَا الصَّافي العَذْبِ الزُلالِ طريقَ الحياة، وكيفيةَ عُمْرانِها بالصلاحِ والتقوى، وهي الدروبُ التي تدُّل على النجاحِ الدنيوي والأخروي، وما أجملَ طالبَ العلم حين يقرأُ ويحتذي حذوهم بالجدِ والتحصيلِ، وما أروعَ العابدَ حين يسمعُ ثمّ يُطَبِّقُ أفعالهَم، وقد قال الإمامُ أبو حنيفةَ رحمه الله: (الحكاياتُ عن العلماءِ ومحاسنِهم أحبُّ إليَّ من كثيرٍ من الفقه، لأنها آدابُ القوم) وشاهدُه من كتاب الله تعالى قوله سبحانه:﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ[4][5].

ومن السيرِ المؤثرةِ والحوادثِ التاريخية الشخصيّة التي لاتُنسى، والتي لا بُدَّ وأن تترك أثراً عظيماً في نفس متأملها سيرةُ الْإِمَامِ، الْقُدْوَةِ، شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَقِيِّ بْنُ مَخْلَدِ الْأَنْدَلُسِيّ الْقُرْطُبِيّ، الْحَافِظِ، صَاحِبِ " التَّفْسِيرِ " و" الْمُسْنَدِ " اللَّذَيْنِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا.[6] كما يقولُ الذهبي رحمه الله تعالى.

وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ. درَس وتفّقه وأخذ الحديثَ عن كبارِ علماءِ عصره، ومن شيوخه إمامُ أهل السنّة أحمدُ بنُ حنبل رحمه الله، وكان بَقِيُّ إِمَامًا مُجْتَهِدًا صَالِحًا، رَبَّانِيًّا صَادِقًا مُخْلِصًا، رَأْسًا فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَدِيمَ الْمِثْلِ، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ، يُفْتِي بِالْأَثَرِ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا.

وكان العلماءُ يَعْجَبون من كثرةِ حديثِه وعلمِه حتى قَالَ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأَنْدَلُسِيُّ: حَمَلْتُ مَعِي جُزْءً مِنْ " مُسْنَدِ " بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَأَرَيْتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغَ، فَقَالَ: مَا اغْتَرَفَ هَذَا إِلَّا مِنْ بَحْرٍ. وَعَجِبَ مِنْ كَثْرَةِ عِلْمِهِ. وقَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ: أَقْطَعُ أَنَّهُ لَمْ يُؤَلَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُ " تَفْسِيرِ " بَقِيٍّ، لَا " تَفْسِيرُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، وَلَا غَيْرُهُ.[7]
وَكَانَ وَرِعًا فَاضِلًا زَاهِدًا...

ومن روائعِ قصةِ لقْيَاهُ بالإمامِ أحمدَ رحمه الله حينما كان شاباً وسارَ من الأندلسِ إلى العراقِ على قدميه مانقلَه بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عن حفيدِ بَقِيٍّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: رَحَلَ أَبِي -يعني بقيّ- مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ، وَكَانَ رَجُلًا بُغْيَتُهُ مُلَاقَاةُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. قَالَ: فَلَمَّا قَرُبْتُ بَلَغَتْنِي الْمِحْنَةُ، وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فَاغْتَمَمْتُ غَمًّا شَدِيدًا، فَاحْتَلَلْتُ بَغْدَادَ، وَاكْتَرَيْتُ بَيْتًا فِي فُنْدُقٍ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْجَامِعَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ إِلَى النَّاسِ، فَدُفِعْتُ إِلَى حَلْقَةٍ نَبِيلَةٍ، فَإِذَا بِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ فِي الرِّجَالِ، فَقِيلَ لِي: هَذَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ. فَفُرِجَتْ لي فُرْجَةٌ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا زَكَرِيَّا: -رَحِمَكَ اللَّهُ- رَجُلٌ غَرِيبٌ نَاءٍ عَنْ وَطَنِهِ، يُحِبُّ السُّؤَالَ، فَلَا تَسْتَجْفِنِي، فَقَالَ: قُلْ. فَسَأَلْتُ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيتُهُ، فَبَعْضًا زَكَّى، وَبَعْضًا جَرَحَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، فَقَالَ لِي: أَبُو الْوَلِيدِ، صَاحِبُ صَلَاةِ دِمَشْقَ، ثِقَةٌ، وَفَوْقَ الثِّقَةِ، لَوْ كَانَ تَحْتَ رِدَائِهِ كِبْرٌ، أَوْ مُتَقَلِّدًا كِبْرًا، مَا ضَرَّهُ شَيْئًا لِخَيْرِهِ وَفَضْلِهِ، فَصَاحَ أَصْحَابُ الْحَلْقَةِ: يَكْفِيكَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- غَيْرُكَ لَهُ سُؤَالٌ.

فَقُلْتُ -وَأَنَا وَاقِفٌ عَلَى قَدَمٍ: اكْشِفْ عَنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ: أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَنَظَرَ إِلَيَّ كَالْمُتَعَجِّبِ، فَقَالَ لِي: وَمِثْلُنَا، نَحْنُ نَكْشِفُ عَنْ أَحْمَدَ؟! ذَاكَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَخَيْرُهُمْ وَفَاضِلُهُمْ. فَخَرَجْتُ أَسْتَدِلُّ عَلَى مَنْزِلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَدُلِلْتُ عَلَيْهِ، فَقَرَعْتُ بَابَهُ، فَخَرَجَ إِلَيَّ.

فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ غَرِيبٌ، نَائِي الدَّارِ، هَذَا أَوَّلُ دُخُولِي هَذَا الْبَلَدَ، وَأَنَا طَالِبُ حَدِيثٍ وَمُقَيَّدُ سُنَّةٍ، وَلَمْ تَكُنْ رِحْلَتِي إِلَّا إِلَيْكَ، فَقَالَ: ادْخُلِ الْأُصْطُوَانَ وَلَا يَقَعْ عَلَيْكَ عَيْنٌ. فَدَخَلْتُ، فَقَالَ لِي: وَأَيْنَ مَوْضِعُكَ؟ قُلْتُ: الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى. فَقَالَ: إِفْرِيقِيَّةُ؟ قُلْتُ: أَبْعَدُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، أَجُوزُ مِنْ بَلَدِي الْبَحْرَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، بَلَدِي الْأَنْدَلُسُ، قَالَ: إِنَّ مَوْضِعَكَ لَبَعِيدٌ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحْسِنَ عَوْنَ مَثْلِكَ، غَيْرَ أَنِّي مُمْتَحَنٌ بِمَا لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكَ.

فَقُلْتُ: بَلَى، قَدْ بَلَغَنِي، وَهَذَا أَوَّلُ دُخُولِي، وَأَنَا مَجْهُولُ الْعَيْنِ عِنْدَكُمْ، فَإِنْ أَذِنْتَ لِي أَنْ آتِيَ كُلَّ يَوْمٍ فِي زِيِّ السُّؤَّالِ، فَأَقُولُ عِنْدَ الْبَابِ مَا يَقُولُهُ السُّؤَّالُ، فَتَخْرُجُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَوْ لَمْ تُحَدِّثْنِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ لِي فِيهِ كِفَايَةٌ. فَقَالَ لِي: نَعَمْ، عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا تَظْهَرَ فِي الْخَلْقِ، وَلَا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ.

فَقُلْتُ: لَكَ شَرْطُكَ، فَكُنْتُ آخُذُ عَصًا بِيَدِي، وَأَلُفُّ رَأْسِي بِخِرْقَةٍ مُدَنَّسَةٍ، وَآتِي بَابَهُ فَأَصِيحُ: الْأَجْرَ -رَحِمَكَ اللَّهُ- وَالسُّؤَّالُ هُنَاكَ كَذَلِكَ، فَيَخْرُجُ إِلَيَّ، وَيُغْلِقُ، وَيُحَدِّثُنِي بِالْحَدِيثِينَ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ، فَالْتَزَمْتُ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْمُمْتَحِنُ لَهُ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ مَنْ كَانَ عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ، فَظَهَرَ أَحْمَدُ، وَعَلَتْ إِمَامَتُهُ، وَكَانَتْ تُضْرَبُ إِلَيْهِ آبَاطُ الْإِبِلِ، فَكَانَ يَعْرِفُ لِي حَقَّ صَبْرِي، فَكُنْتُ إِذَا أَتَيْتُ حَلْقَتَهُ فَسَحَ لِي، وَيَقُصُّ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قِصَّتِي مَعَهُ، فَكَانَ يُنَاوِلُنِي الْحَدِيثَ مُنَاوَلَةً وَيَقْرَؤُهُ عَلَيَّ وَأَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ.[8]اهـ.

ومن عجيبِ تَقواه ماقَالَه عنه الإمامُ الذهبيُّ رحمه الله: قَدْ ظَهَرَتْ لَهُ إِجَابَاتُ الدَّعْوَةِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ. قال: وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى بَقِيٍّ، فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنِي فِي الْأَسْرِ، وَلَا حِيلَةَ لِي، فَلَوْ أَشَرْتَ إِلَى مَنْ يَفْدِيهِ، فَإِنَّنِي وَالِهَةٌ. قَالَ: نَعَمْ، انْصَرِفِي حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ. ثُمَّ أَطْرَقَ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ جَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِابْنِهَا، فَقَالَ: كُنْتُ فِي يَدِ مَلِكٍ، فَبَيْنًا أَنَا فِي الْعَمَلِ، سَقَطَ قَيْدِي. قَالَ: فَذَكَرَ الْيَوْمَ وَالسَّاعَةَ، فَوَافَقَ وَقْتَ دُعَاءِ الشَّيْخِ. قَالَ: فَصَاحَ عَلَى الْمَرْسَمِ بِنَا، ثُمَّ نَظَرَ وَتَحَيَّرَ، ثُمَّ أَحْضَرَ الْحَدَّادَ وَقَيَّدَنِي، فَلَمَّا فَرَّغَهُ وَمَشَيْتُ سَقَطَ الْقَيْدُ، فَبُهِتُوا، وَدَعَوْا رُهْبَانَهُمْ، فَقَالُوا: أَلَكَ وَالِدَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالُوا: وَافَقَ دُعَاءَهَا الْإِجَابَةُ إلى أن قال: ثُمَّ قَالُوا: قَدْ أَطْلَقَكَ اللَّهُ، فَلَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُقَيِّدَكَ. فَزَوَّدُونِي، وَبَعَثُوا بِي..

وقد ابتلي رحمه الله عندَ السلطانِ في وقتِه، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ الْفَرَضِيِّ فِي " تَارِيخِهِ ": مَلَأَ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ الْأَنْدَلُسَ حَدِيثًا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَنْدَلُسِيُّونَ: أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأَبُو زَيْدٍ، مَا أَدْخَلَهُ مِنْ كُتُبِ الِاخْتِلَافِ، وَغَرَائِبِ الْحَدِيثِ، فَأَغْرَوْا بِهِ السُّلْطَانَ وَأَخَافُوهُ بِهِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَظْهَرَهُ عَلَيْهِمْ، وَعَصَمَهُ مِنْهُمْ، فَنَشَرَ حَدِيثَهُ وَقَرَأَ لِلنَّاسِ رِوَايَتَهُ. ثُمَّ تَلَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ، فَصَارَتِ، الْأَنْدَلُسُ دَارَ حَدِيثٍ وَإِسْنَادٍ [9]...

وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَذْكُورُ فِي " تَارِيخِهِ ": كَانَ بَقِيٌّ طُوَالًا أَقْنَى[10] ذَا لِحْيَةٍ مُضَبَّرًا[11] قَوِيًّا جَلْدًا عَلَى الْمَشْيِ، لَمْ يُرِ رَاكِبًا دَابَّةً قَطُّ، وَكَانَ مُلَازِمًا لِحُضُورِ الْجَنَائِزِ، مُتَوَاضِعًا، وَكَانَ يَقُولُ إِنِّي لَأَعْرِفُ رَجُلًا، كَانَ تَمْضِي عَلَيْهِ الْأَيَّامُ فِي وَقْتِ طَلَبِهِ الْعِلْمَ، لَيْسَ لَهُ عَيْشٌ إِلَّا وَرَقُ الْكُرُنْبِ الَّذِي يُرْمَى، وَسَمِعْتُ مِنْ كُلِّ مَنْ سَمِعْتُ مِنْهُ فِي الْبُلْدَانِ مَاشِيًا إِلَيْهِمْ عَلَى قَدَمِي.[12]

قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الْحَافِظُ: كَانَ بَقِيٌّ مِنْ عُقَلَاءِ النَّاسِ وَأَفَاضِلِهِمْ، وَكَانَ أَسْلَمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ لَقِيَهُ بِالْمَشْرِقِ، وَيَصِفُ زُهْدَهُ، وَيَقُولُ: رُبَّمَا كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ فِي أَزِقَّةِ قُرْطُبَةَ، فَإِذَا نَظَرَ فِي مَوْضِعٍ خَالٍ إِلَى ضَعِيفٍ مُحْتَاجٍ أَعْطَاهُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ.

وكان برنامجه اليومي حَسْبَ روايةِ حفيدِه عبدَالرحمن رحمهم الله يُقسِّم أَيَّامَهُ عَلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ: فَكَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ قَرَأَ حِزْبَهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ، سُدُسَ الْقُرْآنِ، وَكَانَ أَيْضًا يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَيَخْرُجُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَيَخْتِمُ قُرْبَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ.

وَكَانَ يُصَلِّي بَعْدَ حِزْبِهِ مِنَ الْمُصْحَفِ صَلَاةً طَوِيلَةً جِدًّا، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إِلَى دَارِهِ -وَقَدِ اجْتَمَعَ فِي مَسْجِدِهِ الطَّلَبَةُ- فَيُجَدِّدُ الْوُضُوءَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا انْقَضَتِ الدُّوَلُ، صَارَ إِلَى صَوْمَعَةِ الْمَسْجِدِ، فَيُصَلِّي إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ يَكُونُ هُوَ الْمُبْتَدِئَ بِالْأَذَانِ، ثُمَّ يَهْبِطُ ثُمَّ يَسْمَعُ إِلَى الْعَصْرِ، وَيُصَلِّي وَيَسْمَعُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ النَّهَارِ، فَيَقْعُدُ بَيْنَ الْقُبُورِ يَبْكِي وَيَعْتَبِرُ.

فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ أَتَى مَسْجِدَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي، وَيَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَيُفْطِرُ، وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ جِيرَانُهُ، فَيَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، ثُمَّ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتَهُ، فَيُحَدِّثُ أَهْلَهُ، ثُمَّ يَنَامُ نَوْمَةً قَدْ أَخَذَتْهَا نَفْسُهُ، ثُمَّ يَقُومُ. هَذَا دَأْبُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ.

وَكَانَ جَلْدًا، قَوِيًّا عَلَى الْمَشْيِ، قَدْ مَشَى مَعَ ضَعِيفٍ فِي مَظْلَمَةٍ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَمَشَى مَعَ آخَرَ إِلَى إِلْبِيرَةَ، وَمَعَ امْرَأَةٍ ضَعِيفَةٍ إِلَى جَيَّانَ.[13]
تُوُفِّيَ رحمه الله لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ. رحمه الله رحمةً واسعة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:
الحمد لله..
أيها الأخوة: تلك هي قُطُوفٌ وشذرات من سيرةِ هذا العالمِ العابدِ الجليلِ رحمه الله، والتي تجعلُ المرءُ يَخْجلُ من نفسهِ حينَ يُقارِنُ سيرتَه بتقصيرِه، ويَعْجَبُ من تخليدِ الله تعالى لها فها نحن نتذاكرُها بعد ألفٍ ومائتي عامٍ تقريباً، ومِنْ ألْمَعِ العِبَرِ فيها: تلك السنّةُ الكونيةُ والحكمةُ الربانيّة في تقلب أحوال الناس ِ والزمانِ مِنْ رفْعٍ وخَفْضٍ وعزٍ وذلْ ﴿ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾[14]، لكن العاقبةَ في النهاية للمتقين.

وكذلكَ من المواعظِ الناطقةِ من سيرته رحمه الله الصبرُ على الطلب، ومع أنهم رحمهم الله يقطعون الفيافيَ والمسافاتِ الطويلةَ مشياً على الأقدامِ مع قلةِ المؤونةِ وشظف العيشِ إلاّ أنهم يتلذذونَ في التحصيلِ والتحلّقِ على العلماء والمزاحمةِ بالرُّكَبِ، وهنا درسٌ عظيمٌ جداً أنّ العبادةَ والانقطاعَ لله تعالى سبيلٌ من سبلِ النجاة وقتَ الفتن، قال صلى الله عليه وسلم العبادةُ في الهرْجِ كهجرة إليّ) رواه مسلم [15].

وكذلكَ من العبرِ والفوائدِ أنّ علمَهم وتعلمَهم لم يُنْسهم قضاءَ حوائجِ الناسِ بل والسفرِ معهم على الأقدامِ لقضائها، وكذلك من الدروس صفاءُ قلوبِهم ونقاءُ نفوسهم والطاعة بالمعروف لولاة المسلمين.. وغيرُ ذلك كثير.
فاللهم اغفر لهم وارحمهم واجمعنا بهم في جناتك، واجعلنا ممن سار على نهجهم مقتفينَ سيرةَ أفضل الخلق ِ صلى الله عليه وسلم.

[1] سورة آلِ عِمْرَانَ: 102.

[2] سورة النِّسَاء: 1.

[3] سورة الْأَحْزَاب: 70، 71.

[4] سورة يوسف آية 111.

[5] الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التاريخ للسخاوي ص20.

[6] سير أعلام النبلاء ج13 ص ص: 286.

[7] سير أعلام النبلاء ج13 ص288.

[8] هذه القصة أنكرها الإمام الذهبي رحمه الله تعالى، وقد بحث الدكتور أحمد ضياء العمري صحتها في كتابه بقي بن مخلد ص39 وص40 وانتهى إلى صحة وقوعها.

[9] سير أعلام النبلاء ج13 ص289

[10] الأقنى من الأنوف: الذي ارتفع أعلاه واحدودب وسطه وضاق منخراه.

[11] المُضَّبّر: مكتنز اللحم.

[12] سير أعلام النبلاء ج13 ص292

[13] سير أعلام النبلاء ج13 ص296.

[14] سورة ال عمران آية 140

[15] رواه مسلم ج4 ص2268 برقم 2948.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; يوم أمس الساعة 10:15 PM.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم يوم أمس, 10:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,372
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نماذج من سير الصالحين

نماذج من سير الصالحين (2) أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها

د. صغير بن محمد الصغير
إن الحمد لله:
أيها الأخوة: ولا زال الحديث عن السِيَرِ أخّاّذاً، يستضيء المسلمُ بنورها في حياته وأحداثه، وتخفف عليه الحمل الثقيل في نوائب الدهور، وسير الصالحات ومجدهُن ليست بأنقصَ من سير الصالحين، فكيف إن كنّ صحابيات جليلات؟!، بل كيف إن كنّ من المهاجرات؟!، بل ومن السابقين والسابقات للإسلام، وحديثنا اليوم عن امرأة - وأيُّ امرأة؟!- جمعت المجد والعز من أطرافه كلها، علمٌ وورعٌ وزهدٌ وسخاء نفس وعبادةٌ وبر والد و طاعة زوج وإحسان وجهاد، وتذلل لله وانكسار، وتفيض منها حكمة وشجاعة وصبر جميل وحياءٌ وعفه وتمسك بالحجاب، وطول عمر وحسن عمل وخاتمة طيبة، دروس في سيرتها لا تدري معها من أين تبدأ ولا كيف تبدأ؟

فأبوها صحابيٌّ، وجدُّها صحابيٌّ، وأختها صحابيَّةٌ، وزوجها صحابيٌّ، وابنها صحابيٌّ.. وحسبُها بذلك شرفًا وفخرًا، إنها ذات النطاقين: أسماءُ بنت أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان -رضي الله عنهم أجمعين أُمُّ عَبْدِ اللهِ القُرَشِيَّةُ، التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، ثُمَّ المدنية.

أما أبوها فالصِّدِّيق خليل الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم في حياته، وخليفته من بعد مماته، وأما جدُّها فأبو عتيقٍ والد أبي بكرٍ، وأمَّا أختها فأمُّ المؤمنين عائشة الطَّاهرة المبرَّأة، وأمَّا زوجها فحواريُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الزُّبير بن العوَّام، وأمَّا ابنها فالخليفة عبد الله بن الزُّبير - رضي الله عنه - وعنهم أجمعين...

كانَتْ أَسَنَّ مِنْ إمّنا عَائِشَةَ رضي الله عنهما بِبِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وهي من السابقات للإسلام كانت هي السابعة عشر في الإسلام، وحين اشتد أذى المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن الله تعالى له بالهجرة، كانت ممن نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبيها رضي الله عنهما فلقِّبت بذات النِّطاقين لأنَّها صنعت للرَّسول صلوات الله عليه ولأبيها يوم هاجرا إلى المدينة زادًا، وأعدت لهما سقاءً، فلمَّا لم تجد ما تربطهما به شقَّت نطاقها شقَّين، فربطت بأحدهما المزود وبالثَّاني السِّقاء، فدعا لها النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام أن يبدلها الله منهما نطاقين في الجنَّة، فلقبت لذلك بذات النِّطاقين، ولقد آذاها المشركون فصبرت وتحملت، قَالَتْ رضي الله عنها: أَتَى أَبُو جَهْلٍ فِي نَفَرٍ فَخَرَجتُ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوْكِ؟ قُلْتُ: لاَ أَدْرِي وَاللهِ أَيْنَ هُوَ؟ فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ وَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً خَرَّ مِنْهَا قُرْطِي، ثُمَّ انْصرفُوا، فَمَضَتْ ثَلاَثٌ لاَ نَدْرِي أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الجِنِّ يَسْمَعُوْنَ صَوْتَهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ يَقُوْلُ:
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ♦♦♦ رَفِيْقَيْنِ قَالاَ خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعَبْدِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: كَانَتْ أَسْمَاءُ تَصْدَعُ فَتَضَعُ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا وَتَقُوْلُ: بِذَنْبِي وَمَا يَغْفِرُهُ اللهُ أَكْثَرُ. يا الله هكذا يكون حال المؤمن الصابر تذلل وانكسار واستغفار، تزوج بها الزُّبير بن العوام، وكان شابًا فقيراً ليس له خادمٌ ينهض بخدمته، أو مالٌ يوسِّع به على عياله غير فرس اقتناها.

فكانت له نعم الزَّوجة الصالحة، تخدمه وتسوس فرسه وترعاه وتطحن النَّوى لعلفه، حتَّى فتح الله عليه فغدا من أغنى أغنياء الصحابة رضي الله عنهم.

ولما أتيح لها أن تهاجر إلى المدينة فرارًا بدينها إلى الله ورسوله، كانت قد أتمَّت حملها بابنها عبد الله بن الزُّبير فلم يمنعها ذلك من تحمل مشاقِّ الرِّحلة الطَّويلة، فما إن بلغت «قُباء» حتَّى وضعت وليدها، فكبَّر المسلمون وهلَّلوا، لأنه كان أوَّل مولود يولد للمهاجرين في المدينة.

فحملته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعته في حجره، فأخذ شيئًا من ريقه وجعله في فم الصَّبيِّ، ثمَّ حنَّكه ودعا له، فكان أوَّل ما دخل في جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا حال المرأة الصالحة تهتم بزوجها و نشأة أبنائها، لأنه جنتها ونارها، ولأنهم عمادها وبقاء أثرها بعد موتها، لا كما يروجه الجهلة أو المغرضين لنساء المسلمين من الدعوات المفسدة للعلاقات الزوجية كمن يقول: اهتمي بنفسك ولن ينفعك زوج ولا ولد، المرأة أيها الأخوة حين تطيع زوجها وتهتم بنشأة أبنائها فهذا من طاعة الله عز وجبل وهو سر نجاح الحياة.

ومن برِّها وإحسانها لوالديها أنها قالت رضي الله عنها ذات مرَّة: لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مَكَّةَ حَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ جَمِيْعَ مَالِهِ خَمْسَةَ آلاَفٍ أَوْ سِتَّةَ آلاَفٍ فَأَتَانِي جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ وَقَدْ عَمِيَ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ. قالت فَقُلْتُ: كَلاَّ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْراً كَثِيْراً.

قالت: فَعَمَدْتُ إِلَى أَحْجَارٍ فَجَعَلْتُهُنَّ فِي كُوَّةِ البَيْتِ وَغَطَّيْتُ عَلَيْهَا بِثَوْبٍ ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ وَوَضَعْتُهَا عَلَى الثَّوْبِ فَقُلْتُ: هَذَا تَرَكَهُ لَنَا فَقَالَ: أَمَا إِذْ تَرَكَ لَكُم هَذَا فَنَعَمْ، تريد رضي الله عنها أن تسكن نفس الشيخ، وهذا يعطينا درساً أنّه من البر للوالد أن ينتقي الابن الأقوال ويفعل الأمور التي يراعي فيها خاطره و مشاعره، ومن برِّها أيضاً رضي الله عنها ما جاء عن ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَسْمَاءَ وَكَانَتْ أُمُّهَا يُقَالُ لَهَا: قُتَيْلَةُ جَاءتْهَا بِهَدَايَا فَلَمْ تَقْبَلْهَا حَتَّى سَأَلَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَزَلَتْ: ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [المُمْتَحَنَةُ: 8].وَفِي الصَّحِيْحِ: قَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ إِنَّ أُمِي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ - يعني مشركة- أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ"[1]. وهذا مع البر والزهد والتأكد من الحلال والحرام، فإنّ فيه درساً تربوياً أيضاً وهو ما نصت عليه الآية: ﴿ لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [المُمْتَحَنَةُ: 8].

ثم تعال أحدثك أيها الأخ المبارك عن حيائها وعفتها و طهرها، فقد روَى عُرْوَةُ عَنْهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ فرسه فكنت أسوسه وأعلفه وأدق لناضجه النوى وأستقي وأعجن وكنت أنقل النوى من أرض الزبير الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَأْسِي وَهِيَ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْماً وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَهُ نَفَرٌ فَدَعَانِي فَقَالَ: "إِخّ إِخّ" لِيَحْمِلَنِي فَاسْتَحْيَيْتُ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ. قَالَتْ: فَمَضَى.

فَلَمَّا أَتَيْتُ أَخْبَرْتُ الزُّبَيْرَ فَقَالَ: وَاللهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوْبِكِ مَعَهُ قَالَتْ: حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدُ بِخَادِمٍ فَكَفَتْنِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي.
ومع درس الحياء والعفة درس تربوي آخر للآباء في مراعاة بناتهم حتى بعد الزواج، مثل ما فعل أبوبكر رضي الله عنه مع ابنته.

ولقد كانت رضي الله عنها مفتية عالمة ومعبّرة للرؤى، روي عَنْ مُسْلِمٍ القُرِّيِّ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أُمِّ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ ضَخْمَةٌ عَمْيَاءُ نَسْأَلُهَا، عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ. فَقَالَتْ: قَدْ رَخَّصَ رَسُوْلُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيْهَا[2]. وقَالَ الوَاقِدِيُّ: كَانَ سَعِيْدُ بنُ المُسَيِّبِ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ لِلْرُّؤْيَا أَخَذَ ذَلِكَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَأَخَذَتْ، عَنْ أَبِيْهَا.

وأمّا جودها وسخاؤها فحدث ولا حرج، قال ابْنَ الزُّبَيْرِ: مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً قَطُّ أَجْوَدَ مِنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَجُوْدُهُمَا مُخْتَلِفٌ: أَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَجْمَعُ الشَّيْءَ إِلَى الشَّيْءِ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهَا وَضَعَتْهُ مَوَاضِعَهَ وَأَمَّا أَسْمَاءُ فَكَانَتْ لاَ تَدَّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ، وقَالَ مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ: كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ سَخِيَّةَ النَّفْسِ اهـ.
وكَانَتْ رضي الله عنها تَمْرَضُ المَرْضَةَ فَتَعْتِقُ كُلَّ مَمْلُوْكٍ لَهَا. فهي موقنةٌ أن الصدقة والسخاء بطيب نفس يدفع البلاء.

ومن شجاعتها جهادها في سبيل الله: فقد شهدت معركة اليرموك مع ابنها وزوجها رضي الله عنهم التي كانت وقعت عام 15 هـ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربع سنوات، بين المسلمين والروم (الإمبراطورية البيزنطية)، ويعتبرها بعض المؤرخين من أهم المعارك في تاريخ العالم لأنها كانت بداية أول موجة انتصارات للمسلمين خارج جزيرة العرب، وآذنت لتقدم الإسلام السريع في بلاد الشام.

ومن شجاعتها رضي الله عنها: ما قاله هشام بنُ عُرْوَةَ: كَثُرَ اللُّصُوْصُ بِالمَدِيْنَةِ فَاتَّخَذَتْ أَسْمَاءُ خِنْجَراً زَمَنَ سَعِيْدِ بنِ العَاصِ: كَانَتْ تَجْعَلُهُ تَحْتَ رَأْسِهَا.

ومن الأمور المهمة في سيرتها التي تحتاج إلى وقفة: حكمتها ورجاحة عقلها وعزَّتُها:
فقد قالت لابنها عبدالله عندما حاصره الحجاج وانفض القوم عنه: يَا بُنَيَّ عِشْ كَرِيْماً وَمُتْ كَرِيْماً لاَ يَأْخُذْكَ القَوْمُ أَسِيْراً.

قَالَ عُرْوَةُ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَخِي - قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ بِعَشْرِ لَيَالٍ - عَلَى أُمِّنَا وَهِيَ وَجِعَةٌ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: كَيْفَ تَجِدِيْنَكِ؟ قَالَتْ: وَجِعَةٌ. قَالَ: إِنَّ فِي المَوْتِ لَعَافِيَةً. قَالَتْ: لَعَلَّكَ تَشْتَهِي مَوْتِي فَلاَ تَفْعَلْ وَضَحِكَتْ، وَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَشْتَهِي أَنْ أَمُوْتَ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْكَ: إِمَّا أَنْ تُقْتَلَ فَأَحْتَسِبُكَ، وَإِمَّا أَنْ تَظْفَرَ فَتَقَرَّ عَيْنِي. إِيَّاكَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَى خُطَّةٍ فَلاَ تُوَافِقَ فَتَقْبَلُهَا كَرَاهِيَةَ المَوْتِ. قَالَ: وَإِنَّمَا عَنَى أَخِي أَنْ يُقْتَلَ فَيَحْزُنُهَا ذَلِكَ.

قال ابن الأثير: وخبرها مع ابنها لما استشارها في قبول الأمان لما حصره الحجاج، يدل على عقل كبير، ودين متين، وقلب صبور قوي على احتمال الشدائد. اهـ
وَكَانَ عمرها في ذلك الوقت حوالي مائة سنة.

وقيل: لَمَّا قَتَلَ الحَجَّاجُ ابْنَها عبدالله بن الزُّبَيْرِ دَخَلَ عليها وَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّه إِنَّ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ وَصَّانِي بِكِ فَهَلْ لَكِ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَتْ: لَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ وَلَكِنِّي أُمُّ المَصْلُوْبِ عَلَى رَأْسِ الثَّنِيَّةِ، وَمَا لِي مِنْ حَاجَةٍ وَلَكِنْ أُحَدِّثُكَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: "يخرج في ثفيف كَذَّابٌ وَمُبِيْرٌ". فَأَمَّا الكَذَّابُ فَقَدْ رَأَيْنَاهُ -تَعْنِي المختار- وأما المبير فأنت[3]
رضي الله عنها وعن جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعن الله من لعنهم وآذاهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله.

الخطبة الثانية
الحمد لله:
أيها الأخوة: رضي الله عن أسماء بنت أبي بكر، بدأت حياتها بشجاعة وصبر وثبات عندما كانت في مكة، وختمت حياتها في شجاعة وصبر وثبات في مكة أيضاً، فقد دخل ابن عمر المسجد الحرام وَذَلِكَ حِيْنَ صُلِبَ ابنها عبدالله بنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهم فقيل له: إِنَّ أَسْمَاءَ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ فَمَالَ إِلَيْهَا فَقَالَ مواسيًا: إِنَّ هَذِهِ الجُثَثَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا الأَرْوَاحُ عِنْدَ اللهِ فَاتَّقِي الله واصبري، فَقَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ أُهْدِيَ رَأْسُ يَحْيَى بنِ زَكَرِيَّا إِلَى بَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيْلَ.

وكانت رضي الله عنها مستجابةَ الدعوة، فعن ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَسْمَاءَ بَعْدَ مَا أُصِيْبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا صَلَبَ عَبْدَ اللهِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْنِي حَتَّى أُوتَى بِهِ فَأُحَنِّطَهُ وَأُكَفِّنَهُ، فَأُتِيَتْ بِهِ بَعْدُ فَجَعَلَتْ تُحَنِّطُهُ بِيَدِهَا وَتُكَفِّنُهُ بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهَا.

قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: مَاتَتْ بَعْدَ ابْنِهَا بِلَيَالٍ. وَكَانَ قَتْلُهُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الأُوْلَى سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ، و كَانَتْ خَاتِمَةُ المُهَاجِرِيْنَ وَالمُهَاجِرَاتِ[4]. فاللهم إنّا حُرِمنا صحبةَ نبيك صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الدنيا، فلا تحرمنا منها في الآخرة في جناتك جنات النعيم نحن ووالدينا والمسلمين.

[1] أخرجه البخاري 3/ 164برقم2620، ومسلم 2/ 696برقم1003.

[2] أخرجه أحمد 6/ 348.

[3] أصله في مسلم 4/ 1971برقم 2545.

[4] مراجع ومصادر الخطبة:
سير أعلام النبلاء للذهبي 3/ 520.
صفة الصفوة لابن الجوزي 1/ 333.
أسد الغابة لابن الأثير6/ 9.
البداية والنهاية لابن كثير 8/ 346.
صور من حياة الصحابيات للباشا ص47.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم يوم أمس, 10:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,372
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نماذج من سير الصالحين

نماذج من سير الصالحين (3)

د. صغير بن محمد الصغير


الإمام النووي رحمه الله تعالى


الحمد لله:
أيها الأخ المبارك: كلما ضعفت الهمّة، وتواردت أفكار الإحباط، وتصادمت الأوقات بين الفراغ والأولويات، ويئست القلوب، فتش في كتب تراجم أعلام الإسلام، فإن سِيَرهم والله رفعة وأي رفعة؟!، إنها مدارس وأي مدارس؟!.. يكفيك والله فخراً أنّك تنتمي لأمةٍ عجز كُتَّاب التاريخ عن إعطاء أعلامها أصدق أوصافهم من كثرتهم وبهائهم وسمّوهم، فلا أمة غيرَ أمةِ الإسلام تمتلك أمثال أولئك الرجال، بل إنّ التاريخ يتحدى أن يشُّك الإنسان في ذلك، ومعنا اليوم علمٌ من أولئك الأعلام النبلاء الذين سطّر التاريخ شيئاً من حياتهم بمداد من ذهب قبل حوالي ثمانية قرون، علمٌ عالمٌ بالحديثِ والفقه والتفسير، والعِبادة والزهد والوَرَع، والرِّجال واللغة، وهو صاحِب الكلمات النُّورانيَّة الأخَّاذة والقلم السيَّال ؛ فهو إمامُ سنَّة، وقامِعُ بدعة، فكم من أُلُوفِ الآلاف من المسلمين تعلَّموا السُّنَّة منه عبْر العصور، وهو رأسٌ في التعبُّد، والأدب الجم مع العُلَماء والمخالِفين، إنّه شيخُ الإسلام الإمامُ أبو زكريا يحيى بن شرف النَّوَوِيُّ، زاهِدُ العُلَماء وعالِم الزُّهَّاد، حتى إنَّ صدْق نيَّة هذا الإمام وإخلاصَه قد ظهر من خِلال سِيرته العَطِرة، ومن استِفادة كافَّة العُلَماء - فضلاً عن طلبة العلم - على تعدُّد مشاربهم من مؤلَّفات هذا الإمام العِملاق؛ فكتبه: كـ"رياض الصالحين"، و"التبيان"، و"المجموع"، وغيرها تُقرَأ في الدروس العلميَّة وتُنثَر دُرَرُها بين العُلَماء وطلَبَة العلم والعامَّة في كلِّ حين، وإنه لَيَجْدُرُ بنا أن نقول في حقِّه: إنَّه ما جاء بعدَه من عالمٍ ولا متعلِّم إلا وللإمام النَّوَوِيِّ - رحمه الله تعالى - في عنقه منَّة - نحسبه كذلك، ولا نزكِّي على الله أحدًا.

هذا، وقد بارَك الله - سبحانه وتعالى - له في عمره ؛ لأنَّ هذه الخيرات التي ترَكَها الواحِد مِنَّا يَعجِز - إلا من رحم الله تعالى - عن قراءَتها فكيف بتأليفها؟! وقد وفَّقه الله - تعالى - في تأليفها وعمره لم يَتجاوَز الخامسة والأربعين سنة؛ إذ إنَّ ميلاده كان عام ستمائة وإحدى وثلاثين للهجرة، ووفاته كانت عام ستمائة وست وسبعين للهجرة، ولكن فضل الله - تعالى - يُؤتِيه من يشاء. <img alt="">. لقُّب بـ: محيي الدين وكان يكره أنْ يُلَقَّب به. وكنيته: أبو زكريا.. ولم يتزوج لانشغاله بالعلم رحمه الله.<img alt="">

عاش الإمام النووي في كنف أبيه ورعايته، وكان أبوه في دنياه مستور الحال مبارَكاً له في رزقه، فنشأ الإمام النووي في ستر وخير <img alt="">، قال الشيخ ياسين الدمشقي رحمه الله: رأيتُ الشيخ محي الدين النووي، وهو ابن عشر سنين، بنوى، والصبيان يُكرِهونه على اللعب معهم، وهو يهرب منهم ويبكي لإكراههم، ويقرأ القرآن في تلك الحال، فوقع في قلبي محبته. وجعله أبوه في دكان، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآن<img alt="">.

ولما بلغ العاشرة من عمره حفظ القران وبدأ بالتفقه على بعض أهل العلم. وفي سنة ستمائة وتسع وأربعين للهجرة قَدِمَ مع أبيه إلى دمشق لطلب العلم في مدرسة دار الحديث، وسكنَ المدرسة الرواحية، وهي ملاصقة للمسجد الأموي. ثم حج بعد سنتين مع أبيه ثم رجع إلى دمشق، وهناك أكب على علمائها ينهل منهم.

كان الإمام النووي مهيبًا، قليل الضحك، عديم اللعب، يقول الحق وإن كان مرًّا، لا يخاف في الله لومة لائم، وكان الزهد والورع أهم ملامح شخصيته؛ حيث أجمعَ أصحابُ كتب التراجم أنه كان رأسًا في الزهد، قدوة في الورع، عديم النظير في مناصحة الحكام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وكان رحمه الله لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة واحدة بعد العشاء الآخرة، وكان لا يأخذ من أحد شيئا، وكان كثيرًا ما يكاتب الأمراء والوزراء، وينصحهم لما فيه خير البلاد والعباد<img alt="">. وقال الشيخ شمس الدين بن الفخر الحنبلي: كان إمامًا بارعًا حافظًا متقنًا علومًا جمة، وصنف التصانيف الجمة وكان شديد الورع والزهد تاركًا لجميع الرغائب من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من كعك وتين، وكان يلبس الثياب الرثة المرقعة ولا يدخل الحمام، وترك الفواكه جميعها ولم يتناول من الجهات درهمًا، رحمه الله تعالى<img alt="">.

كان النووي لا يضيع وقتًا في ليل أو نهار إلا في الاشتغال بالعلم، حتى في ذهابه في الطريق ومجيئه كان يشتغل في تكرار أو مطالعة، وبقي على التحصيل على هذا الوجه نحو ست سنين، ثم اشتغل بالتصنيف والمناصحة للمسلمين وولاتهم كما هي رسائله إلى الملك الظاهر <img alt="">، مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الفقه والاجتهاد على الخروج من خلاف العلماء، وكان سريع الحفظ؛ حفظ عدة كتب في مُدَدٍ وجيزة، فنال إعجاب وحبَّ أستاذه أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد المغربي، فجعلَه مُعيد الدرس في حلقته. ثم درَّسَ بدار الحديث الأشرفية، وغيرها.

وقد حدَّثَ تلميذُه علاء الدين بن العطار - على لسان النووي - عن فترة التحصيل والطلب، أنه كان يقرأ كلَّ يوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا، درسين في الوسيط، وثالثًا في المهذب، ودرسًا في الجمع بين الصحيحين، وخامسًا في صحيح مسلم، ودرسًا في اللمع لابن جنّي في النحو، ودرسًا في إصلاح المنطق في اللغة، ودرسًا في الصرف، ودرسًا في أصول الفقه، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في أصول الدين، وكان يكتبُ جميعَ ما يتعلق بهذه الدروس من شرح مشكل وإيضاح عبارة وضبط لغة.<img alt="">
وسمع منه خلق كثير من الفقهاء، وسار علمه في الآفاق، وانتفع الناس في سائر البلاد الإسلامية بتصانيفه، وأكبوا على تحصيل مؤلفاته.

تولى النووي دار الحديث الأشرفية على صغر سنّه<img alt=""> حوالي عشر سنين، وهي أشهر دار في بلاد الشام لعلم الحديث، والمتعارف عليه ألا يلي مشيختها إلا عظيم وقته في العلم، وخصوصًا علم الحديث، ومن لقب بشيخ دار الحديث، نال في العلم أجل الألقاب، وقد وليها قبل النووي: تقي الدين بن الصلاح، وشهاب الدين أبو شامة المقدسي.

وقال التاج السبكي: "قال والدي: إنه ما دخلها - أي دار الحديث الأشرفية - أعلم ولا أحفظ من المزي، ولا أورع من النووي وابن الصلاح"<img alt="">.

ومن عجيب سيرته أنه قال مرة "وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون (لابن سينا) وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أيَّامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري: من أين دخل عليَّ الداخل، فألهمني الله أن اشتغالي بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب فاستنار قلبي ورجع إلى حالي، وعدت لما كنت عليه أولاً"؛ ولعلَّ الظلمة التي أصابت قلبه مرجعها إلى أنه لم يألف الطب، أو لعلَّه استغلقت عليه مسائله. ويجوز أن يكون النووي قد تأثر - في رغبته دراسة الطب - بمقولة إمامه الشافعي: "لا أعلم علمًا - بعد الحلال والحرام - أنبلَ من الطب".<img alt="">

ومن أعاجيبه أنّه قال مرة وهو يحكي عن أوائل طلبه للعلم: وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض. يعني: كان ينام وهو جالس، ثم لا يلبث أن يستيقظ للاستمرار في طلب العلم.

وحكى البدر بن جماعة أنه سأله رحمه الله تعالى عن نومه فقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: "إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وأنتبه".
وقال البدر: وكنت إذا أتيته أزوره يضع بعض الكتب على بعض ليوسع لي مكاناً أجلس فيه.
فما كان الزائر يجد مكاناً يجلس فيه من كثرة الكتب التي يطالعها<img alt="">.

بعد هذه المسيرة الحافلة يترجل الفارس، ففي سنة ستمائة وست وسبعين للهجرة رجع الإمام النووي إلى نَوى وردَّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه، فدعا لهم وبكى، وزار أصحابه الأحياء وودّعهم، وزار والدَه وزار بيت المقدس والخليل، ثم عاد إلى نوى؛ فمرض بها، ومات في الرابع والعشرين من رجب؛ فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء<img alt="">.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾.
أقول قولي هذا وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:
الحمد لله:
أيها الأخ المبارك: لتعرف قدر هؤلاء الأفذاذ وسيرهم العطرة وقدر نفسك يكفيك أن تتأمل قولَه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

هذه مقابلة بين العامل بطاعة اللّه وغيره، وبين العالم والجاهل، وأن هذا من الأمور التي تقرر في العقول تباينُها، وعُلِمَ علماً يقينا تفاوتها، فليس المعرض عن طاعة ربه، المتبع لهواه، كمن هو قانت أي: مطيع للّه بأفضل العبادات وهي الصلاة، وأفضل الأوقات وهو أوقات الليل، فوصفه بكثرة العمل وأفضله، ثم وصفه بالخوف والرجاء، وذكر أن متعلق الخوف عذاب الآخرة، على ما سلف من الذنوب، وأن متعلق الرجاء، رحمة اللّه، فوصفه بالعمل الظاهر والباطن.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ربهم ويعلمون دينه الشرعي ودينه الجزائي، وما له في ذلك من الأسرار والحكم ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ شيئا من ذلك؟ لا يستوي هؤلاء ولا هؤلاء، كما لا يستوي الليل والنهار، والضياء والظلام، والماء والنار.

﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ إذا ذكروا ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أهل العقول الزكية الذكية، فهم الذين يؤثرون الأعلى على الأدنى، فيؤثرون العلم على الجهل، وطاعة اللّه على مخالفته، لأن لهم عقولا ترشدهم للنظر في العواقب، بخلاف من لا لب له ولا عقل، فإنه يتخذ إلهه هواه<img alt="">.
اللهم اعترفنا بذنوبنا وتقصيرنا وأنت أهل العفو والمغفرة فاعف عنا واغفر لنا.

<img alt=""> مختصر من مقال: كتبه محمود داود دسوقي خطابي، لعالم الزهاد وزاهد العلماء شيخ الإسلام النووي (631- 676هـ)
رابطه: http://www.alukah.net/culture/0/22435/

<img alt=""> المنهاج السَّوِي في ترجمة الإمام النووي للسيوطي ص25، 26.

<img alt=""> سير أعلام النبلاء للذهبي 3/4174 ط: بيت الأفكار، والإمام النووي، شيخ الإسلام والمسلمين وعمدة الفقهاء والمحدِّثين: سلسلة أعلام المسلمين عبد الغني الدقر ص.22

<img alt=""> تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين لا بن العطَّار: ت مشهور بن حسن آل سلمان ص44.

<img alt=""> ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي 3/4174 ط: بيت الأفكار، ومقال: الإمام النووي.. حياة مع العلم لراغب السرجاني في موقعه

<img alt=""> تذكرة الحفاظ للذهبي 4/176.

<img alt=""> تذكرة الحفاظ للذهبي 4/176.

<img alt=""> المراجع السابقة.

<img alt=""> سير أعلام النبلاء للذهبي 3/4174.

<img alt=""> الدارس في تاريخ المدارس، لعبد القادر النعيمي، ومقال: الإمام النووي حياة مع العلم لراغب السرجاني في موقعه

<img alt=""> فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي: ص6 - 7، والتذكرة 4/176، و مقال: الإمام النووي حياة مع العلم لراغب السرجاني في موقعه.

<img alt=""> علو الهمّة للمقدم 11/27

<img alt=""> تذكرة الحفاظ للذهبي 4/176، ومقال: الإمام النووي حياة مع العلم لراغب السرجاني في موقعه.

<img alt=""> تفسير السعدي ص720.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم يوم أمس, 10:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,372
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نماذج من سير الصالحين

نماذج من سير الصالحين (4)

د. صغير بن محمد الصغير



الإمام البخاري رحمه الله تعالى

الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾.

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أيها الإخوة: لا يزال الحديث عن سير العلماء كالطِّيب، من أصلهِ يفوح شذاه، يضفي على المسلم انشراحاً، بل وثباتاً حقًّا، ومعنا اليوم عالمٌ نطُّل على سيرته إطلالة سريعة، إنه وحدَه رحمه الله جامعةٌ تخرَّج منها: أمثالُ الإمام مسلم، والإمامِ الترمذي، والإمامِ النسائي، والإمامِ أبي حاتم، والإمامِ أبي زرعة، وابن خزيمة، وخلقٌ كثير.

قال الإمامُ ابن كثير رحمه الله: وروى الخطيب البغدادي عن محمد بن يوسف الفِرَبْرِي، أحد أكبر تلاميذ البخاري، أنه قال: «سمع الصحيح من البخاري معي نحوٌ من سبعين ألفًا»[1]، ولم يكد يشتهر بين الناس بسعة حفظه وتثبُّته وإتقانه حتى أقبل طلاب الحديث يسعون إليه ويتحلّقون حوله طلباً للرواية عنه والسماع منه، قال محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري: «كان أهل المعرفة يَعْدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شاباً لم يخرج وجهه»[2].

إنه الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزبَه الجعفي البخاري، صاحب كتاب الجامع الصحيح، المشهور باسم صحيح البخاري، الذي أجمع علماءُ أهل السنة والجماعة أنه أصح الكتب بعد القرآن الكريم وتلقته الأمة بالقبول.[3] وقد أمضى في جمعه وتصنيفه ستة عشر عاماً. قال رحمه الله: «ما وضعت في كتابي الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين»[4].

وُلِدَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَنَشَأَ فِي حِجْرِ أُمِّهِ، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ حِفْظَ الْحَدِيثِ وَهُوَ صغير، وَقَرَأَ الْكُتُبَ الْمَشْهُورَةَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ وَهُوَ صَبِيٌّ سَبْعِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ سَرْدًا. وَحَجَّ وَعَمُرُهُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ يَطْلُبُ بِهَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى سَائِرِ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي أَمْكَنَهُ الرِّحْلَةُ إِلَيْهَا، وَكَتَبَ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ شَيْخٍ، وَرَوَى عَنْهُ خَلَائِقُ وَأُمَمٌ.

وَقَدْ دَخَلَ الإمام البخاري رحمه الله بَغْدَادَ ثَمَان مَرَّاتٍ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا يَجْتَمِعُ بِالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
كَانَ الْبُخَارِيُّ يَسْتَيْقِظُ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ نَوْمِهِ فَيُورِي السِّرَاجَ، وَيَكْتُبُ الْفَائِدَةَ تَمُرُّ بِخَاطِرِهِ ثُمَّ يُطْفِئُ سِرَاجَهُ، ثُمَّ يَقُومُ مَرَّةً أُخْرَى حَتَّى كَانَ يَتَعَدَّدُ ذَلِكَ مِنْهُ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً.

وَقَدْ كَانَ أُصِيبَ بَصَرُهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَرَأَتْ أُمُّهُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَقَالَ: يَا هَذِهِ، قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَى وَلَدِكِ بَصَرَهُ بِكَثْرَةِ دُعَائِكِ، أَوْ قَالَ: بُكَائِكِ. فَأَصْبَحَ وَهُوَ بَصِيرٌ.

وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: فَكَّرْتُ الْبَارِحَةَ فَإِذَا أَنَا قَدْ كَتَبْتُ فِي مُصَنَّفَاتِي نَحْوًا مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ مُسْنَدَةً، وَكَانَ يَحْفَظُهَا كُلَّهَا.

ودَخَلَ مَرَّةً إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَاجْتَمَعَ بِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ بِهَا، فَرَكَّبُوا لَهُ أَسَانِيدَ وَأَدْخَلُوا إِسْنَادَ الشَّامِ فِي إِسْنَادِ الْعِرَاقِ، وَخَلَطُوا الرِّجَالَ فِي الْأَسَانِيدِ، وَجَعَلُوا مُتُونَ الْأَحَادِيثِ عَلَى غَيْرِ أَسَانِيدِهَا، ثُمَّ قَرَؤوهَا عَلَى الْبُخَارِيِّ، فَرَدَّ كُلَّ حَدِيثٍ إِلَى إِسْنَادِهِ، وَقَوَّمَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ وَالْأَسَانِيدَ كُلَّهَا، وَمَا تَعَلَّقُوا عَلَيْهِ بِسَقْطَةٍ فِي إِسْنَادٍ وَلَا فِي مَتْنٍ. وَكَذَلِكَ صَنَعَ بِمِائَةِ مُحَدِّثٍ فِي أَهْلِ بَغْدَادَ.

وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَحْفَظُ مَا فِيهِ مِنْ نَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأَخْبَارُ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.

وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ عُلَمَاءُ زَمَانِهِ مِنْ شُيُوخِهِ وَأَقْرَانِهِ: فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَمْ يَرَ الْبُخَارِيُّ مِثْلَ نَفْسِهِ. وَقَالَ مَحْمُودُ بْنُ النَّضْرِ أَبُو سَهْلٍ الشَّافِعِيُّ: دَخَلْتُ الْبَصْرَةَ وَالشَّامَ وَالْحِجَازَ وَالْكُوفَةَ، وَرَأَيْتُ عُلَمَاءَهَا كُلَّمَا جَرَى ذِكْرُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ فَضَّلُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ.

وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: هُوَ آيَةٌ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ.

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدُونَ الْقَصَّارُ: رَأَيْتُ مُسْلِمَ بْنَ الْحَجَّاجِ جَاءَ إِلَى الْبُخَارِيِّ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أُقَبِّلَ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الْأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَطَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ. ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ كَفَّارَةِ الْمَجْلِسِ، فَذَكَرَ لَهُ عِلَّتَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ مُسْلِمٌ: لَا يُبْغِضُكَ إِلَّا حَاسِدٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِثْلُكَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ أَرَ بِالْعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي مَعْنَى الْعِلَلِ وَالتَّارِيخِ وَمَعْرِفَةِ الْأَسَانِيدِ أَعْلَمَ مِنَ الْبُخَارِيِّ. وَكُنَّا يَوْمًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيرٍ، فَقَالَ لِلْبُخَارِيِّ: جَعَلَكَ اللَّهُ زَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: فَاسْتُجِيبَ لَهُ فِيهِ.

وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَلَوْ ذَهَبْنَا نُسَطِّرُ مَا أَثْنَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي حِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَعِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَتَبَحُّرِهِ لَطَالَ عَلَيْنَا.

وَقَدْ كَانَ الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي غَايَةِ الْحَيَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخَاءِ وَالْوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا دَارِ الْفَنَاءِ، وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ دَارِ الْبَقَاءِ. قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُطَالِبُنِي أَنِّي اغْتَبْتُهُ..

وَقَدْ كَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُصَلِّي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ خَتْمَةً، وَكَانَتْ لَهُ جِدَةٌ وَمَالٌ جَيِّدٌ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا، وَكَانَ يُكْثِرُ الصَّدَقَةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، مُسَدَّدَ الرَّمْيَةِ، شَرِيفَ النَّفْسِ، بَعَثَ إِلَيْهِ بَعْضُ السَّلَاطِينِ لِيَأْتِيَهُ حَتَّى يَسْمَعَ أَوْلَادُهُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الْحَكَمُ، إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ ذَلِكَ فَهَلُمُّوا إِلَيَّ، وَأَبَى أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِمْ فَبَقِيَ فِي نَفْسِ الْأَمِيرِ مِنْ ذَلِكَ، فَاتَّفَقَ أَنْ جَاءَهُ كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ مِنْ نَيْسَابُورَ باتهام البخاري رحمه الله بأنّه يقول: لَفْظَهُ بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ - وَكَانَ وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَبَيْنَ الْبُخَارِيِّ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ، وَصَنَّفَ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ كِتَابَ "خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ" - فَأَرَادَ أَنْ يَصْرِفَ النَّاسَ عَنِ السَّمَاعِ مِنَ الْبُخَارِيِّ، وَقَدْ كَانَ النَّاسُ يُعَظِّمُونَهُ جِدًّا، وَحِينَ رَجَعَ إِلَيْهِمْ نَثَرُوا عَلَى رَأْسِهِ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يَوْمَ دَخَلَ بُخَارَى عَائِدًا إِلَى أَهْلِهِ، وَكَانَ لَهُ مَجْلِسُ الْإِمْلَاءِ بِجَامِعِهَا، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنَ الْأَمِيرِ، فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِنَفْيِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَخَرَجَ مِنْهَا وَدَعَا عَلَى خَالِدِ بْنِ أَحْمَدَ، فِلَمْ يَمْضِ شَهْرٌ حَتَّى أَمَرَ ابْنُ طَاهِرٍ بِأَنْ يُنَادَى عَلَى خَالِدِ بْنِ أَحْمَدَ عَلَى أَتَانٍ، وَزَالَ مُلْكُهُ وَسُجِنَ فِي بَغْدَادَ حَتَّى مَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَاعدَهُ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ شَدِيدٍ. فَنَزَحَ الْبُخَارِيُّ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا: خَرْتَنْكُ. عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ سَمَرْقَنْدَ فَنَزَلَ عِنْدَ أَقَارِبَ لَهُ بِهَا، وَجَعَلَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ حِينَ رَأَى الْفِتَنَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنَا إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ».

ثُمَّ اتَّفَقَ مَرَضُهُ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ السَّبْتِ، عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْعِيدِ بَعْدَ الظُّهْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ - وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ، وَفْقَ مَا أَوْصَى بِهِ، وَحِينَ دُفِنَ فَاحَتْ مِنْ قَبْرِهِ رَائِحَةُ غَالِيَةٍ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً.[5]

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾.
أقول قولي هذا وأستغفر الله...

الخطبة الثانية:
الحمد لله..
أيها الإخوة: تلك هي قُطُوفٌ وشذرات من سيرةِ هذا العالمِ العابدِ الجليلِ رحمه الله، والتي تجعلُ المرءُ يَخْجلُ من نفسهِ حينَ يُقارِنُ سيرتَه بتقصيرِه، ويَعْجَبُ من تخليدِ الله تعالى لها، فها نحن نتذاكرُها بعد ألفٍ ومائتي عامٍ تقريباً، ومِنْ ألْمَعِ العِبَرِ فيها: تلك السنّةُ الكونيةُ والحكمةُ الربانيّة في تقلب أحوال الناس والزمانِ مِنْ رفْعٍ وخَفْضٍ وعز وذل، ﴿ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾، لكن العاقبةَ في النهاية للمتقين.

وكذلكَ من المواعظِ الناطقةِ من سيرته رحمه الله: الصبرُ على الطلب، ومع أنهم رحمهم الله يقطعون الفيافيَ والمسافاتِ الطويلةَ مشياً على الأقدامِ مع قلةِ المؤونةِ وشظف العيشِ إلاّ أنهم يتلذذونَ في التحصيلِ والتحلّقِ على العلماء والمزاحمةِ بالرُّكَبِ، وهنا درسٌ عظيمٌ جداً: أنّ العبادةَ والانقطاعَ لله تعالى سبيلٌ من سبلِ النجاة وقتَ الفتن، قال صلى الله عليه وسلم: (العبادةُ في الهرْجِ كهجرة إليّ) رواه مسلم.

ومن أبرز العبر والمواعظ: بقاء هذا العلَم واعتماد الأمة بعد الله تعالى على كتابة خلال هذه القرون الطويلة، فلله دره كم خلدّ علمُه ذكرَه، وكم من الأجور تضاعفَ عنده بسبب إخلاصه! قال ابن كثير رحمه الله: وَقَدْ تَرَكَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَعْدَهُ عِلْمًا نَافِعًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَمَلُهُ فِيهِ لَمْ يَنْقَطِعْ بَلْ هُوَ مَوْصُولٌ بِمَا أَسْدَاهُ مِنَ الصَّالِحَاتِ فِي الْحَيَاةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ، مِنْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ» الْحَدِيثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.[6]

فاللهم اغفر لهم وارحمهم واجمعنا بهم في جناتك، واجعلنا ممن سار على نهجهم مقتفينَ سيرةَ أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم.

[1] البداية والنهاية ابن كثير 11/25

[2] طبقات الشافعية الكبرى السبكي 2 /217

[3] شرح صحيح مسلم للنووي 1 /14

[4] طبقات الحفاظ للسيوطي 1 /253

[5] انتهى من البداية والنهاية لابن كثير11/ 27 بتصرف.

[6] المرجع السابق.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 109.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 106.56 كيلو بايت... تم توفير 3.09 كيلو بايت...بمعدل (2.82%)]