«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - الصفحة 53 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الدين ليس صناعة بشرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          تحديات الأزمة الاقتصادية.. رؤية إسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          الثقافة الإسلامية تخصص علمي في العلوم الإنسانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          مقرر الثقافة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          تاريخ الثقافة الإسلامية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          ثغرة خطيرة فى منصة Ruflo تتيح تنفيذ أوامر عن بعد وتسميم ذاكرة الذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          واتساب يختبر أداة لتسجيل الرسائل الصوتية من الشاشة الرئيسية على أندرويد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          الذكاء الاصطناعى فى معصمك.. كيف تفهم ساعتك الذكية جودة نومك وصحتك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          هل تفكر فى شراء أيفون؟ إليك أبرز سلبيات الانتقال من أندرويد إلى iOS (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          ماذا تعرف عن المصادقة السلوكية.. أحدث حماية لحساباتك وبياناتك وأموالك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #521  
قديم 03-08-2026, 11:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




تفسير قوله تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169- 175].

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾.

ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة ما يدل على جبن المنافقين، وحبهم للحياة، وخوفهم من الموت، وظنهم أن الحذر ينجي من القدر، وأن القتل في سبيل الله خسارة، ثم ذكر في هذه الآية وما بعدها إلى قوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، فضل الشهادة في سبيل الله، وما أعده الله للشهداء في الحياة البرزخية الكريمة عنده من ألوان النعيم الذي لا يناله سواهم، والذي يغبطهم عليه من مات على فراشه من الجبناء، إضافة إلى ما في الآيات من تعزية وتسلية للمسلمين بقتلاهم.

سبب النزول:
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أُصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نُرزق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ إلى آخر الآية»[1].

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾»[2].

قوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾، قرأ ابن عامر: «قُتِّلوا» بالتشديد.

وقرأ الباقون: ﴿ قُتلوا ﴾ بالتخفيف.

والخطاب في قوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ ﴾: للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح خطابه، والمعنى: ولا تظنن.

﴿ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: الذين قُتلوا في الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله»[3].

وهذا عام لكل من قُتل في سبيل الله في «بدر» أو في «أُحد»، أو في غير ذلك.

و﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: دينه وطريقه وشرعه.

﴿ أمواتًا ﴾: مفعول ثان لـ«تحسب»، ومفعولها الأول: الاسم الموصول ﴿ الذين ﴾؛ أي: لا تظنن الذين قتلوا في الجهاد لإعلاء كلمة الله أمواتًا، ولا يخطر ذلك ببالك.

﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾، ﴿ بل ﴾: للإضراب الانتقالي، ﴿ أَحْيَاءٌ ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، أي: بل هم أحياء، أي: بل هم - وإن ماتت أبدانهم - أحياء بأرواحهم حياة برزخية خاصة بهم، بها يحسون ويتلذذون ويتنعمون ويشعرون.

﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ بالقرب منه في دار كرامته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تَسرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل»؛ الحديث[4].

﴿ يُرْزَقُونَ ﴾: الرزق: العطاء، أي: يُعطون رزقهم في الجنة، فعن مسروق قال: سألنا عبدالله عن هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تَسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا مِن أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا»[5].

قوله تعالى: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾.

قوله: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ﴿ فَرِحِينَ ﴾: حال. والفرح: السرور، وهو دليل كمال الرضا، أي: مسرورين مغتبطين.

﴿ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ ﴾، «ما»: موصولة تفيد العموم، أي: بالذي أعطاهم الله، من ألوان النعيم، الذي لا يعلم وصفه إلا من أنعم به عليهم، حسنًا وكثرة وعظمة ولذة، من غير مكدر ولا منغِّص.

﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾، ﴿ من ﴾: للسببية، أي: بسبب تفضُّله عليهم، وزيادته لهم مما لم يستحقوه بعملهم، لكن بتفضله - عز وجل - عليهم، وبهذا جمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله.

﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾: معطوف على ﴿ فرِحين ﴾، أو على ﴿ يُرْزَقُونَ ﴾، أي: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ ﴾؛ أي: يبشر بعضهم بعضًا.

والبشارة: الإخبار بما يسر، مأخوذة من البشرة؛ لأن الإنسان إذا بشِّر بما يسرُّه استنارت بشرته.

﴿ بِالَّذِينَ ﴾؛ أي: بإخوانهم المجاهدين الذين ﴿ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾؛ أي: الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم، ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾؛ أي: من بعدهم، أي: ينتظرون قتلهم في سبيل الله ولحوقهم بهم؛ لينالوا ما نالوه من الشهادة والمنزلة الرفيعة، والثواب العظيم.

﴿ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الجملة في محل جر بدل من قوله: ﴿ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾؛ أي: بأن لا خوف عليهم؛ أي: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ بأن لا خوف عليهم، و﴿ أَلَّا ﴾ أصلها: «أن لا» أدغمت «أن» المصدرية بـ«لا» النافية.

وقوله: ﴿ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾؛ أي: فيما يُستقبل من أمرهم.

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾: معطوف على ما قبله، أي: ولا هم يحزنون على ما مضى من أمرهم، ولا على ما خلفوه وراءهم.

وبانتفاء الخوف والحزن عنهم، يتم لهم الفرح والسرور، بحصول المطلوب من النعيم الحسي والمعنوي، وزوال المرهوب من الخوف والحزن.

قوله تعالى: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

ذكر عز وجل في الآية السابقة فرح الذين قُتلوا في سبيل الله بما أعطاهم الله من فضله، واستبشارهم بالذين لم يَلحقوا بهم من إخوانهم، ثم أتبع ذلك بذكر استبشارهم بما هو أعظم؛ أي: بنعمة من الله وفضل وما ادَّخر الله لهم من عظيم الأجر.

قوله: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ الجملة: استئنافية.

﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾؛ أي: يبشر بعضهم بعضًا، ويهنِّئ بعضهم بعضًا، بنعمة من الله وتفضل وزيادة منه تعالى من النعم والفضل العظيم في جنات النعيم.

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: قرأ الكسائي بكسر همزة «إنَّ»: «وإنَّ الله» فتكون الجملة: استئنافية، وقرأ الباقون بفتحها: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ ﴾، فتكون معطوفة على «نعمة» أي: وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين؛ أي: لا يضيع ثواب أعمالهم فيتركها سُدًى، بل يشكرهم عليها وينميها لهم، ويجازيهم عليها أعظم الجزاء، وسمى ثوابهم أجرًا؛ لأن الله ضمنه وتكفل به لهم.

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.

عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لما انصرف المشركون عن أُحد وبلغوا الروحاء[6]، قالوا: لا محمدًا قتلتموه، ولا الكواعب أردفتم، وبئس ما صنعتم، ارجعوا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب الناس، فانتدبوا، حتى بلغوا حمراء الأسد[7]، وبئر أبي عتبة، فأنزل الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾»[8].

وعن عائشة رضي الله عنها: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قالت لعروة: يا بن أختي، كان أبواك منهم، الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أُحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم»، فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبوبكر والزبير»[9].

قال ابن القيم[10]: «ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لإحراز الذراري والأموال، فشقَّ ذلك عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإنْ هُمْ جنَّبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأُنحرن فيها، قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنَّبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجَّهوا إلى مكة ولما عزموا على الرجوع إلى مكة، أشرف على المسلمين أبو سفيان، ثم ناداهم: موعدكم الموسم ببدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا: نعم، قد فعلنا، قال أبو سفيان: فذلكم الموعد، ثم انصرف هو وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق، تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبدالله بن أبي: أركب معك، قال: لا. فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح الشديد والخوف، وقالوا: سمعًا وطاعة، واستأذنه جابر بن عبدالله، وقال: يا رسول الله، إني أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأذن لي أسير معك، فأذن له، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيُخذِّله، فلحقه بالروحاء - ولم يعلم بإسلامه - فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرَّقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ فقال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل؛ فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة».

قوله: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾، ﴿ الَّذِينَ ﴾: اسم موصول في محل جر صفة لـ﴿ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ في قوله: ﴿ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، وقد يكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين استجابوا لله والرسول.

ومعنى ﴿ اسْتَجَابُوا ﴾: أجابوا، والسين والتاء؛ للتأكيد والمبالغة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا، أي: أجابوا دعوة الله تعالى وانقادوا لأمره.

﴿ وَالرَّسُولِ ﴾ الواو: عاطفة، وحذف الفعل واللام من المعطوف، فلم يقل: «واستجابوا للرسول» في إشارة إلى أن الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى، كما أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لله تعالى، أي: الذين استجابوا وانقادوا لأمر الله والرسول صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الخروج، والذي أمرهم بذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى له.

و«أل» في الرسول للعهد الذهني، أي: الرسول المعهود بالأذهان محمد صلى الله عليه وسلم.

﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر عن عاصم: «القُرح» بضم القاف، وقرأ الباقون بفتحها: «القَرح»، و«ما»: مصدرية، أي: من بعد إصابة القرح لهم.

وهو ما حصل لهم في أُحد من القتل والجراح، والتعب والألم النفسي؛ حيث قُتل منهم سبعون، وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ في وجهه، وكُسرت رَباعيته، وغير ذلك.
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ﴾، أي: للذين أحسنوا بالاستجابة لله والرسول، واتباع أمر الله تعالى ورسوله.
﴿ وَاتَّقَوْا ﴾؛ أي: واتقوا الله تعالى بترك مخالفة أمر الله تعالى ورسوله.
﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾؛ أي: ثواب عظيم من حيث كمُّه وكيفه ونوعُه، وغير ذلك، لا يقدر قدرَ عظمته إلا مَن وصفه بأنه «عظيم»، وهو العظيم سبحانه وتعالى.
قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾.
لما ثَنَى معبدُ أبا سفيان ومن معه كما تقدم، مرَّ بأبي سفيان ركب من عبدالقيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولمَ؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلِّغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد جمعنا المسير إليه، وإلى أصحابه لنستأصل بقيَّتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾»[11].

قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: صفة ثانية للمؤمنين، والمراد بالناس هنا الركب الذين أوصاهم أبو سفيان من عبدالقيس فيهم نعيم بن مسعود الأشجعي.

﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ المراد بـ﴿ النَّاسَ ﴾ هنا أبو سفيان ومن معه من المشركين، ﴿ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾؛ أي: جمعوا لكم الجموع من الرجال والعدة والعتاد للكرة عليكم واستئصال بقيتكم.

﴿ فَاخْشَوْهُمْ ﴾ الفاء: عاطفة؛ لربط السبب بالمسبب، أي: فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم.

﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ﴾ الفاء: عاطفة، أي: فزادهم هذا القول إيمانًا إلى إيمانهم، ولم يَثنهم ذلك عن المضي قدمًا لما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا فإن المصائب تلو المصائب تمحص المؤمنين وتزيدهم إيمانًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141].

ولهذا لما رأى المؤمنون الأحزاب يوم الخندق قد حاصروا المدينة، قالوا: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22].

﴿ وَقَالُوا ﴾ ثقة بالله، وتوكلًا عليه.

﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ ﴾، «الحسب» بمعنى «الكافي»؛ أي: كافينا الله إياهم، وكافينا كل شيء، ومهما جمعوا لنا من جموع، فلا نخشى سوى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 64].

﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾: الوكيل: اسم من أسماء الله - عز وجل - أي: الوكيل على خلقه، ومعناه: المفوض إليه أمور خلقه القائم بمصالحهم الذي يُعتمد عليه في دفع الضر وجلب النفع، الكافي لمن توكل عليه، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم الوكيل الله، أو هو.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ، قالها إبراهيم - عليه السلام - حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [12].

وعن عائشة - رضي الله عنها - «أنها تفاخرت هي وزينب - رضي الله عنهما - فقالت زينب: زوجني الله، وزوجكنَّ أهاليكن، وقالت عائشة: أنزلت براءتي من السماء في القرآن، فسلَّمت زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت زينب: قلتِ كلمة المؤمنين»[13].

قوله تعالى: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾؛ أي: فرجعوا عائدين إلى المدينة بعد أن بلغوا حمراء الأسد، وأقاموا بها ثلاثة أيام، وبعد أن تأكدوا من رجوع أبي سفيان وأصحابه إلى مكة.

﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: حيث كفاهم من ملاقاة العدو والقتال.

﴿ وَفَضْلٍ ﴾؛ أي: وتفضُّل وزيادة من الله تعالى لهم بأن كتب لهم أجر هذه الغزوة وثوابها تامًّا دون قتال.

وفضل الله واسع، فإن من نوى عملًا وحال العذر بينه وبين ذلك العمل، فإن الله يكتب له أجر ذلك العمل تامًّا.

﴿ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾؛ أي: لم يُصبهم أي سوء، لا من قتل ولا جراح ولا أي أذى.

﴿ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم بضم الراء: «رُضوان»، وقرأ الباقون بكسرها: ﴿ رِضْوَانَ ﴾؛ أي: واتبعوا ما يرضي الله تعالى باستجابتهم لله تعالى والرسول، واستكفائهم بالله وتوكلهم عليه، فحصل لهم السلامة من ملاقاة العدو والقتال، والفوز برضوان الله تعالى بالاستجابة له وطاعته والتوكل عليه، وهو كما يقال: «غنيمة باردة».

﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾؛ أي: صاحب فضل عظيم على عباده، ومن ذلك تفضله - عز وجل - على المؤمنين بأن صرف عدوَّهم عنهم، فرجعوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وكتب لهم أجر هذه الغزوة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

قوله: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾، ﴿ إِنَّمَا ﴾: أداة حصر، وهي كافة ومكفوفة، أي: دخلت فيها «ما» النافية على «إنَّ» المؤكدة، فكفَّتها عن العمل.

والإشارة في قوله: ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إلى ما قيل لهم: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾، أو إلى من قال ذلك، أو إلى الأمرين معًا.

والخطاب للمؤمنين، والميم للجماعة.

﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾، ﴿ يُخَوِّف ﴾: ينصب مفعولين، الأول محذوف، والتقدير: يخوفكم، والمفعول الثاني: ﴿ أَوْلِيَاءَهُ ﴾؛ أي: يخوفكم أولياءه المشركين، أي: يوهمكم أنهم ذوو بأس وقوة وشدة، ويعظمهم في نفوسكم؛ لتخافوهم، وتتركوا الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب تخويف الشيطان لكم.

وأولياء الشيطان هم أتباعه وحزبه من المشركين، وأهل الكفر والمعاصي.

﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ : الفاء: رابطة لجواب شرط مقدَّر، و«لا»: ناهية، أي: فلا تخافوا أولياء الشيطان، فتتركوا الجهاد خوفًا منهم، فنواصيهم بيدي، وهم أذل وأحقرُ وأضعف من أن تخافوهم.

﴿ وَخَافُونِ ﴾؛ أي: وخافوني وحدي، فأطيعوني، ولا تخالفوا أمري، وأنا أكفيكم إياهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ [الزمر: 36].

﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾: جملة شرطية، وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي: إن كنتم مؤمنين فلا تخافوهم وخافوني؛ لأن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف غيره.

[1] أخرجه أحمد (1/ 265-266)، وأبو داود في الجهاد (2520)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 228)، والحاكم في الجهاد (2/ 88)، وفي التفسير (2/ 297).

[2] أخرجه الحاكم وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وانظر: «تفسير ابن كثير» (2/ 141).

[3] سبق تخريجه.

[4] سيأتي تخريجه بتمامه.

[5] أخرجه مسلم في الإمارة، بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (1887)، والترمذي في التفسير (301)، وابن ماجه في الجهاد (2801)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 228-229، 235).

[6] الروحاء قرية بين مكة والمدينة تبعد عن المدينة نحو ثلاثة وسبعين كيلًا.

[7] حمراء الأسد موضع على ثمانية أميال من المدينة.

[8] أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير- قوله: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ [آل عمران: 174]، (11083)، وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 816) عن عكرمة مرسلًا، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (8/ 77): «رجاله رجال الصحيح إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس».

[9] أخرجه البخاري في المغازي، باب ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [آل عمران: 172] (4077).

[10] في «زاد المعاد» (3/ 241-242)، وانظر: «بدائع التفسير» (1/ 528-529)، «جامع البيان» (6/ 240) وما بعدها، «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 121).

[11] انظر: «جامع البيان» (6/ 248)، «السيرة النبوية» لابن هشام (1/ 121)، «زاد المعاد» (3/ 242)، «بدائع التفسير» (1/ 529-530).

[12] أخرجه البخاري في التفسير (4563).

[13] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (17/ 194-195)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (6/ 25).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #522  
قديم 10-08-2026, 11:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169- 175].

1- أن من قتلوا في سبيل الله، فليسوا بأموات، بل أحياء عند ربهم حياة برزخية خاصة ولا ينبغي أن يظن بأنهم أموات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾.

2- فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله؛ لعِظم ما أعد الله لمن قتل في سبيله عنده من الرزق والفضل وألوان النعيم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ الآيات.

وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يموت له عند الله خير يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيُقتَل مرة أخرى»[1].

وعن جابر - رضي الله عنه - قال: لما قُتل أبي يوم أُحد، جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهوني، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبكيه، أو ما تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رُفع»[2].

وعنه - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما علمت أن الله أحيا أباك، فقال له: تمنَّ عليّ، فقال له: أرد إلى الدنيا، فأقتل مرة أخرى، فقال: إني قضيت الحكم، أنهم إليها لا يرجعون»[3].

وفي رواية عنه - رضي الله عنه - قال: «لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «يا جابر، ما لي أراك منكسرًا»؟ قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا ودَينًا، قال: «أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك»؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: «ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا، فقال: يا عبدي، تمنَّ عليَّ أُعطِك، قال: تحييني فأُقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون، وأنزلت هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾»[4].


3- تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال والتعرض للشهادة.

4- إثبات أن الأنبياء أحياء عند ربهم حياة برزخية بأرواحهم؛ لأنه إذا ثبت هذا للشهداء، فالأنبياء من باب أَولى؛ لأن مرتبة الأنبياء أعلى من مرتبة الشهداء، مع ما خصَّ الله تعالى به الأنبياء من تحريم أجسادهم على الأرض[5].

كما أن في الآية إبطالًا لمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره، محتجًّا بالآية، وبأن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الشهادة، ولا إشكال في أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الشهادة، والآية إنما فيها دلالة على حياة الشهداء حياة برزخية بأرواحهم فقط دون حياة أبدانهم، فكيف يستدل بها على حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره ببدنه، والصحيح أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي حياة برزخية حياة الروح فقط.

5- إثبات نعيم البرزخ، وعِظم ما أعده الله للشهداء في حياتهم البرزخية من علو درجتهم عنده في دار كرامته وقربهم منه، ورزقهم، وفرحهم واستبشارهم بمن سيلحق بهم من إخوانهم، وسلامتهم من الخوف والحزن، واستبشارهم بنعمة من الله وفضل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.

وبهذا جمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم الروح بالفرح والاستبشار، والأمن من الخوف والحزن، بين النعيم الحسي، والنعيم المعنوي، بين حصول المطلوب، وزوال المرهوب.

6- تلاقي أرواح الشهداء وتبشير بعضهم بعضًا.

7- ينبغي نسبة النعم إلى مسديها وهو الله - عز وجل - وإسناد الفضل إليه، فهو أهل الفضل سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وقوله تعالى: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، فمنه - عز وجل - جميع النعم، وهو صاحب الفضل كله.

8- تكفل الله - عز وجل - بأجر المؤمنين وضمانه لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ، فأخبر بعدم إضاعة أجرهم، وسماه «أجرًا» تأكيدًا لضمانه لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [التوبة: 120]، وقال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ [آل عمران: 195].

9- في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، مع الشهادة بإيمان هؤلاء - إشارة إلى أن كل عمل من جهاد وغيره، فهو مبني على أصل الإيمان، كما أن فيه إشارة إلى واسع رحمة الله تعالى وفضله، بعموم هذا الوعد لجميع المؤمنين مَن قَاتل أو قُتل في سبيل الله، ومن لم يُقاتل.

10- ثناء الله تعالى على الصحابة - رضي الله عنهم - باستجابتهم لله والرسول بالخروج إلى المشركين بعد أُحد مع ما هم فيه من المصاب العظيم، والإحسان والتقوى وزيادة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾.

11- أن الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ مع حذف العامل: «استجابوا»، واللام من المعطوف، وهو قوله: ﴿ وَالرَّسُولِ ﴾.

12- جواز عطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم أو وصفه على اسم الله تعالى بالواو التي تقتضي التشريك، في باب التشريع والأمر والنهي والطاعة والمعصية والاستجابة، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾.

13- أن المؤمن حقًّا يزداد بالمصائب ثباتًا ورسوخًا وإقدامًا وإيمانًا.

14- أن استجابة الصحابة - رضي الله عنهم - لله والرسول من الإحسان والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

15- عِظم ما أعدَّه الله تعالى للذين أحسنوا واتقوا من الأجر؛ لأن الله وصفه بأنه ﴿ عَظِيمٌ ، ولا يقدر عظمة هذا الأجر إلا العظيم سبحانه، وفي هذا ترغيب بالإحسان والتقوى.

16- قوة إيمان الصحابة - رضي الله عنهم - ويقينهم وتوكُّلهم على الله تعالى، وخشيتهم منه وحده، واستكفاؤهم به وحده، وعدم خشيتهم من الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾.

17- إثبات زيادة الإيمان ونقصانه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾.

18- ينبغي التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه وخشيته دون سواه، والحذر من المرجفين.

19- أن المصائب والشدائد تمحِّص الناس، وتزيد في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

20- أن الله تعالى هو الحسب والكافي وحده، فمن استكفاه كفاه، وحفظه ووقاه من جميع الشرور، ولو اجتمع عليه جميع الخلق ما نالوه بسوء؛ لقوله تعالى: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، وقوله: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.

21- أن الله - عز وجل - نعم «الوكيل» الموكول إليه شؤون خلقه، الكافي لمن توكل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾.

22- إثبات اسم الله تعالى: ﴿ الْوَكِيلُ ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

23- استحباب قول هذه الكلمة ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وبخاصة عند الغم والأمور العظيمة؛ لما لها من الأثر العظيم فقد قالها إبراهيم - عليه السلام - حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾.

فجعل الله النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وانقلب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.

24- تحصيل الصحابة - رضي الله عنهم - باستجابتهم لله والرسول، واستكفائهم بالله - عز وجل - وتوكُّلهم عليه المصلحتين معًا؛ الأولى رجوعهم بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، والثانية اتباعهم رضوان الله تعالى.

فسلموا من مُلاقاة العدو والحرب، ونالوا أجر هذه الغزوة، وفازوا باتباع رضوان الله باستجابتهم لله والرسول، ومَن اتَّبع رضوان الله أثابه الله وأكرمه.

25- نعمة الله تعالى على هؤلاء بتسليمه لهم من الحرب ولقاء العدو، وتفضُّله عليهم بأجر هذه الغزوة دون عناء أو قتالٍ.

26- إثبات صفة الرضا لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ، وهو من الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة.

27- أن الله - عز وجل - صاحب الفضل العظيم على الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾.

28- تحقير وتهوين أمر الشيطان، وإرجافه بالتخويف من أوليائه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾.
29- عداوة الشيطان للمؤمنين، ودفاعه عن أوليائه الكافرين، بتخويف المؤمنين منهم.

30- يجب ألا يخاف المؤمنون من أولياء الشيطان؛ لضعف كيده وإياهم، ويجب عليهم الخوف من الله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76].

31- أن من شرط صحة الإيمان أن لا يخاف المؤمن إلا من الله؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

[1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2795)، ومسلم في الإمارة (1877)، وأحمد (3/ 126).

[2] أخرجه البخاري في المغازي، غزوة أُحد (4080).

[3] أخرجه أحمد (3/ 361)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 231)، و«الحاكم» (2/ 119-220).

[4] أخرجه الترمذي في تفسير القرآن (3010)، وابن ماجه في المقدمة (190)، وفي الجهاد، فضل الشهادة في سبيل الله (2800)، وابن حبان (15/ 490)، والحاكم (2/ 203)، وقال الترمذي: «حسن غريب».

[5] سبق تخريجه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #523  
قديم 18-08-2026, 06:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

تفسير قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: 176 - 180].

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.

بيَّن عز وجل في الآية السابقة أن الشيطان يخوِّف أولياءه، ونهى المؤمنين عن الخوف منهم، وأمرهم بخوفه وحده، في إشارة واضحة إلى أن الشيطان وأولياءه أذل وأحقر من أن يُخاف منهم، وهذا في الدنيا، ثم أتبع ذلك بذكر ما أعد لهم في الآخرة من الخسران، والعذاب العظيم، وفي هذا تهديد لهم.

قوله: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾: قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي «يُحزِنك» من الرباعي: «أحزن»، وقرأ الباقون: ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ بفتح الياء وضم الزاي من الثلاثي: «حَزَنَ»، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، و«الحزن» الهم والغم؛ أي: لا تهتم بهم ولا تبال لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النحل: 127]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ [النمل: 70]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ﴾ [الحجر: 97، 98].

وقد كان صلى الله عليه وسلم من شدة حرصه على هداية قومه، يُحزنه الذين يسارعون في الكفر والعناد والمخالفة والشقاق، ويضيق بذلك، حتى إنه يُخشى على نفسه من الهلاك، وحتى نهاه الله تعالى عن ذلك، فقال تعالى: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 3]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 8].

﴿ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: عام في كل مَن سارع في الكفر من المنافقين والمرتدين وغيرهم، ومعنى ﴿ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾؛ أي: يسارعون إلى الدخول في الكفر ويعجلون إلى إظهاره؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ [المائدة: 41].

﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾: تعليل للنهي قبله؛ أي: ﴿ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾؛ لأنهم ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾، مهما سارعوا في الكفر، وإنما يضرون أنفسهم.

و﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ أي: لن يضروا الله أي شيء من الضرر، أي: لن يستطيعوا أن يلحقوا به أي شيء من الضرر وإن قل، كما قال تعالى في الحديث: «يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني»[1].

ولن يستطيعوا إطفاء نوره؛ لأنه - عز وجل - متم نوره ولو كره الكافرون، لا تضره - عز وجل - معصية العاصي، كما لا تنفعه طاعة المطيع؛ كما قال تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا».
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ﴾: إرادة كونية قدرية، أي: يريد الله ويشاء بحكمته بكونهم يسارعون في الكفر.

﴿ أَلَّا يَجْعَلَلَهُمْ ﴾ «أن» حرف مصدري ونصب، و«لا» نافية، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول «يريد»، والمراد بالجعل هنا: «الجعل الكوني».

﴿ حظًّا ﴾؛ أي: نصيبًا.

﴿ فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في الدار الآخرة يوم القيامة.

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، الواو: عاطفة، أي: ولهم عقاب عظيم، من حيث كيفه وكمه ونوعه، وغير ذلك، لا يقدر قدر عظمته إلا مَن وصفه بأنه عظيم، وهو العظيم سبحانه وتعالى.

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.

نهى عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحزنه الذين يسارعون في الكفر، مبينًا أنهم لن يضروا الله شيئًا ولهم عذاب عظيم، ثم أكد ذلك في هذه الآية اهتمامًا به وتقريرًا له وتأكيدًا.

قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ﴾؛ أي: إن الذين استبدلوا الكفر بالإيمان، أي: اختاروا الكفر على الإيمان.

﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾: ذكر هذا أولًا تعليلًا لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أكده هنا بالخبر استقلالًا للاهتمام به، وهو هنا أظهر في التعريض باقتصار الضرر عليهم، كأنه قيل: إنما يضرون أنفسهم.

﴿ أَلِيمٌ﴾ على وزن «فعيل» بمعنى «مفعل» أي: مؤلم موجع حسيًّا للأبدان، ومعنويًّا للقلوب.

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾.

بيَّن عز وجل في الآيتين السابقتين أن الذين كفروا لن يضروا الله شيئًا، وتوعدهم بعذاب عظيم وأليم، ثم نهاهم في هذه الآية أن يحسبوا أنما يُمليه الله لهم خير لأنفسهم، وإنما ليزدادوا إثمًا، وتوعدهم بعذاب مهين.

قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا : قرأ حمزة بتاء الخطاب: «ولا تحسبن» والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن يصلح له، وقرأ الباقون بياء الغيبة: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾.

والمعنى على قراءة الخطاب: «ولا تحسبن» أيها المخاطب، أي: ولا تظنن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم.

والمعنى على قراءة الغيبة ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ﴾؛ أي: ولا يظنن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، ويجوز أن يكون مسندًا إلى ضمير غائب، يراد به النبي صلى الله عليه وسلم وغيره؛ أي: ولا يحسبن النبي صلى الله عليه وسلم، أو ولا يحسبن أحد ﴿ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾، «أنَّ»: حرف مشبه بالفعل للتوكيد، و«ما» اسم موصول في محل نصب اسم «أنَّ»؛ أي: إن الذي نملي لهم خير، أو مصدرية، أي: إنَّ إملاءنا لهم خير.

ومعنى ﴿ نُمْلِي لَهُمْ ﴾؛ أي: نُمهلهم ونؤخِّر عقوبتهم، وقد تكلم عز وجل عن نفسه بضمير العظمة في قوله: ﴿ نُمْلِي ﴾ في الموضعين؛ لأنه العظيم سبحانه وتعالى.

﴿ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿ خَيْرٌ ﴾: خبر «أنَّ»، وهو: اسم تفضيل، ﴿ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾ متعلق بـ﴿ خَيْرٌ ﴾؛ أي: لا يحسبوا أن الإملاء لهم خير من معاجلتهم بالعقوبة؛ أي: لا يظننَّ الذين كفروا أنما إمهالنا لهم، وعدم معاجلتهم بالعقوبة خير لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 55، 56].

﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾: ﴿ إِنَّمَا ﴾ هنا للحصر، واللام في: ﴿ لِيَزْدَادُوا ﴾: للتعليل؛ أي: ما نُملي لهم إلا لأجل أن يزدادوا إثمًا إلى إثمهم، فيزداد عذابهم، ويجوز أن تكون اللام: للعاقبة؛ أي: إنما نملي لهم ونمهلهم؛ لتكون العاقبة أن يزدادوا إثمًا.

والمعنى على التقديرين أن ذلك استدراج لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 55].

﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾؛ أي: مُهين مُذِلٌّ لهم، ولكل من عذب به يهينهم ويذلهم، أي: عذاب معنوي ينصب على القلوب، لا يقل عن العذاب الحسي، والجزاء من جنس العمل؛ لأنهم إنما كفروا استكبارًا، فعوقبوا بعذاب يذلهم ويهينهم.

فوصف عذاب الكافرين في هذه الآية بأنه: ﴿ عظيم ﴾، و﴿ أليم ﴾، و﴿ مهين ﴾، فـ﴿ عظيم ﴾ من حيث كيفه وكمه ونوعه، ونحو ذلك، و﴿ أليم ﴾ مؤلم موجع حسيًّا للبدن، و﴿ مهين ﴾ مذل معنويًّا للنفس والقلب.

قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.

قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾.

في هذا- وفي ختام الآيات في قصة أحد - تأكيد لما سبق التنبيه عليه في هذه القصة، وهو حكمة الله تعالى البالغة فيما أصاب المسلمين في هذه الغزوة؛ لتمييز المؤمنين من المنافقين.

و﴿ ما ﴾ في قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: نافية، واللام في ﴿ لِيَذَرَ ﴾: لام الجحود، وينصب المضارع بعدها بإضمار «إن»، ﴿ لِيَذَرَ ﴾، أي: ليترك، أي: ما كان الله ليترك المؤمنين الخلص من النفاق، ﴿ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾، ﴿ ما ﴾ موصولة، والضمير ﴿ أَنْتُمْ ﴾ للمسلمين عمومًا بما فيهم المنافقون.

ويدل على أن المراد بـ﴿ المؤمنين ﴾ الخُلَّص منهم، وأن المراد بقوله: ﴿ أنتم ﴾ عموم المسلمين أنه لم يقل: «ليذركم على ما أنتم عليه»، ففي هذا تنبيه على أن المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين؛ ولهذا لم يقل: على ما هم عليه.

والمعنى: يمتنع شرعًا غاية الامتناع أن الله يترك المؤمنين الخلص من النفاق على الذي أنتم أيها المسلمون عليه من الالتباس والاختلاط، وعدم تميز الخبيث من الطيب.

﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾: قرأ يعقوب وحمزة والكسائي وخلف بضم الياء الأولى وتشديد الياء الأخرى: «يُميِّز»، وقرأ الباقون بفتح الياء والتخفيف «يَميْز»، و﴿ حَتَّى ﴾ للغاية، و﴿ يميز ﴾ بمعنى: يفصل؛ أي: إلى غاية أن يفصل بين الخبيث والطيب، أي: يبين ويظهر الخبيث من الطيب.

و«الخبيث» و«الطيب» من الأوصاف التي تطلق على الأعيان والأقوال والأفعال والمعتقدات.

والمراد هنا بـ«الخبيث» المنافق، و«الطيب» المؤمن، والمعنى: ما كان الله ليترك المؤمنين على الحال الذي أنتم عليه، من عدم تميُّز أهل الإيمان الخالص من أهل النفاق، حتى يميز ويظهر المؤمن الخالص من المنافق، بالابتلاء بالجهاد وغيره مما تظهر به علامات المنافق، وبما ينزله الله من الوحي على رسله.

قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ [آل عمران: 166، 167].

فقد تميَّز في أُحد، وما حصل به من مُصاب على المسلمين المؤمنين الخلَّص من المنافقين - المؤمنون الذين زادهم ما أصابهم يوم أُحد إيمانًا وتوكلًا على الله تعالى، وثباتًا، من المنافقين الذين نكصوا عن الجهاد, وخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجم نفاقهم وأظهروا ما كانوا يكتمونه.

فامتدح الله - عز وجل - المؤمنين الصادقين وأثنى عليهم، وفضح المنافقين، وهتك أستارهم، وبهذا عرف المسلمون أن بين ظهرانيهم عدوًّا أشد عليهم من الأعداء الظاهرين، وهكذا الشدائد فيها تمييز الصادق من الكاذب، والعدو من الصديق، وكما قيل:
جزى الله الشدائد كل خير
عرَفت بها عدوي من صديقي[2]




﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾، معطوف على قوله: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، و﴿ ما ﴾: نافية، واللام في ﴿ لِيُطْلِعَكُمْ ﴾: لام الجحود، والخطاب عام لجميع الخلق.

ومعنى ﴿ لِيُطْلِعَكُمْ ﴾: ليظهركم؛ أي: وما كان الله ليظهركم على الغيب، فتميزوا به الخبيث من الطيب، أي: تميزوا المؤمن الخالص من المنافق؛ لأن الإيمان والنفاق من الأمور الباطنة في الصدور والقلوب.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾، الواو: عاطفة، و«لكن»: للاستدراك، ﴿ يَجْتَبِي ﴾: يختار ويصطفي.

﴿ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ ﴿ مَن: تبعيضية، أي: من بعض رسله.


﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾ ﴿ مَن ﴾: موصولة؛ أي: الذي يشاء، فيُطلعه على الغيب الذي يريد اطلاعه عليه؛ كما قال تعالى في سورة الجن: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴾ [الجن: 26، 27]؛ أي: يطلعهم بما اقتضت حكمته أن يطلعهم عليه من الغيب بطريق الوحي تأييدًا لهم، ولهذا تضمن القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة الإخبار عن كثير من المغيبات السابقة واللاحقة وغيرها.

كما كان صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين، وقد أخبر صاحب سره حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - بأسمائهم.

﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ﴾؛ أي: حقِّقوا إيمانكم بالله تعالى بالتصديق التام بالله - عز وجل - وربوبيته وألوهيته، وأسمائه وصفاته، والانقياد التام لشرعه، والرضا والتسليم لقدره.

﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ بالتصديق بهم جميعًا، وبما جاؤوا به من الشرع من عند الله - عز وجل - والانقياد والاتباع لما جاء به خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم، وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع.

والمؤمن في حاجة دائمًا إلى الإيمان بالله ورسوله، أي: بأن يوفقه تعالى إلى الإيمان بالله ورسوله في كل لحظة، وأن يوفقه فيه ويثبته عليه، ويزيده منه، ويعينه عليه، وقد قال الله - عز وجل - للمؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [النساء: 136].

وأمرنا أن نقول في الفاتحة وفي كل ركعة من الصلاة: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ لأن المؤمن في حاجة في كل لحظة إلى أن يهديه الله الصراط المستقيم، ويهديه فيه، ويثبته عليه.

والمراد بقوله تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾: تحقيق الإيمان بالله ورسله، والانقياد لشرع الله، والرضا والتسليم لقدره.

﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا ﴾: الواو استئنافية، أي: وإن تؤمنوا وتصدقوا بقلوبكم، ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ بجوارحكم، بفعل المأمورات واجتناب المنهيات.

﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾، الفاء: رابطة لجواب الشرط، أي: فلكم ثواب عظيم، لا يقدر قدره إلا من أعطاه لكم، ووصفه بأنه عظيم، وهو العظيم سبحانه وتعالى.

وسمى عز وجل ثوابهم «أجرًا»؛ لأنه تكفل به وضمنه لهم تفضيلًا منه وكرمًا.

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.

المال هو عصب الجهاد والقتال في سبيل الله، ولهذا - والله أعلم - ختم الآيات في قصة أحد في التحذير من البخل في المال، ومنع حقوق الله تعالى فيه من الإنفاق في الجهاد وغيره.

قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ﴾ قرأ حمزة بتاء الخطاب وفتح السين: «ولا تحسبن»، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من يصلح خطابه؛ أي: ولا تظنن أيها المخاطب.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بياء الغيبة مع كسر السين: «ولا يحسِبن»، وقرأ الباقون بياء الغيبة مع فتح السين: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ ﴾؛ أي: ولا يحسبن، أي: ولا يظُننَّ هؤلاء ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾.

«البخل»: هو منع الحقوق الواجبة في المال، وهو ضد الكرم.

﴿ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾، «ما»: موصولة، أي: بالذي أعطاهم الله.

﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾؛ أي: من تفضُّله - عز وجل - وزيادته، وليس ذلك من كسبهم وكدهم، ولا باستحقاقهم ذلك على الله تعالى، وهو مال الله تعالى استخلفهم فيه؛ كما قال تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد: 7]، وقال تعالى: ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77].

وقد أحسن القائل:
وما المال والأهلون إلا ودائعُ
ولابد يومًا أن ترد الودائع[3]




﴿ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ﴿ هُوَ ﴾: ضمير فصل، عائد على «البخل» المأخوذ من قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ﴾، وهذا المقدر: مفعول أول «يحسبن»، و﴿ خَيْرًا﴾: مفعول ثان و﴿ خَيْرًا﴾: اسم تفضيل، أي: لا يظنن البخل والشح خيرًا لهم من الإنفاق والعطاء.

﴿ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾ ﴿ بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي، وفيه تأكيد لنفي كونه خيرًا، والضمير ﴿ هو ﴾ يعود إلى البخل المفهوم من قوله: ﴿ يَبْخَلُونَ﴾، و(شَرٌّ): اسم تفضيل، أي: بل هو - أي: البخل - شرٌّ لهم في دينهم ودنياهم وأخراهم، أي: البخل شر لهم من العطاء، والعطاء ليس فيه شر - من حيث الأصل - بل هو خير، ولكن الله خاطب هؤلاء بحسب اعتقادهم؛ لأنهم يظنون أنهم إذا أنفقوا افتقروا، وقد قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾ [سبأ: 39]، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نقصت صدقة من مال»[4].

﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الجملة: في موقع التعليل، لقوله: ﴿ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾، وهي وعيد وتهديد لهم.

والسين في قوله: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ﴾ للتنفيس، والدلالة على تحقُّق وقوع عذابهم وقربه، و«يطوقون» مشتق من الطَّوْق، كطوق القميص ونحوه، والتطويق: جعل الشيء طوقًا في العنق.

و«ما»: موصولة، بمعنى الذي، أي: سيطوقون الذي بخلوا به يوم القيامة.

والمعنى: سيجعل الذي بخلوا به طوقًا في أعناقهم يوم القيامة يُعذَّبون به؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَن آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني بشِدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ الآية»[5].

وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل له مال لا يؤدي حقَّ ماله، إلا جُعل له طوقًا في عُنقه شجاعٌ أقرعُ، وهو يفر منه، وهو يتبعه، ثم قرأ مصداقه في كتاب الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ الآية»[6].

والجزاء من جنس العمل، فحيث بخلوا بما آتاهم الله من فضله، ومنعوا حقَّ الله تعالى فيه، عوقِبوا وعُذِّبوا بأن جعل ذلك طوقًا في أعناقهم يوم القيامة.

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: لما كان الذي يبخل بالمال إنما يبخل به ليبقى له، بيَّن عز وجل في هذه الآية أن المال لن يبقى له، وأن له - عز وجل - ميراث السماوات والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 10].

والواو في قوله: ﴿ وَلِلَّهِ﴾: اعتراضية، و(لله): جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مبتدأ مؤخر، وقدِّم الخبر للحصر والاختصاص، أي: ولله وحده ميراث السماوات والأرض.

والجملة اعتراضية بين قوله تعالى: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَومَ القِيَامَةِ ﴾، والمعطوف عليه وهو قوله: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، والغرض منها: بيان أن المال لن يبقى لمن بخِل به، بل سينتقل منه إلى أن ينتهي إلى الله تعالى ميراث السماوات والأرض.

ولله ميراث السماوات والأرض بعد فناء سكانها وما فيها، وزوال كل ملك ومُلكه، وكل ما ملك، فيتحول ميراثهما وينتهي إلى الله - عز وجل - فتُرَد جميع الأملاك إلى مالكها الحق؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴾ [مريم: 40].

﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بياء الغيبة «يعملون»؛ أي: بما يعمل هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله.

وقرأ الباقون بتاء الخطاب: ﴿ تعملون؛ أي: بما تعملون كلكم؛ أنتم أيها المؤمنون وهؤلاء الذين يبخلون، و«ما»: موصولة، أو مصدرية، أي: والله بالذي تعملون، أو بعملكم، ﴿ خَبِيرٌ ﴾، أي: مطَّلع على أعمالكم دقيقها وجليلها، خفيها وجليها، باطنها وظاهرها.

وختم الآية بهذا واضح المناسبة؛ لأن من الناس من يملك أموالًا طائلة، ويبخل في الزكاة والحقوق فيها، والناس لا يعلمون عنه، وفي هذا الختام تذكيٌر له بأن عمله لا يخفى على العليم الخبير.

وبهذه الآية انتهى الحديث عن قصة غزوة أُحد التي بدأت بقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [آل عمران: 121].

[1] أخرجه مسلم في الزكاة (1006) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[2] انظر: «مجاني الأدب» (1/ 27)، «المنهاج الواضح للبلاغة» (2/ 121)، ويُنسب إلى الشافعي.

[3] البيت للبيد؛ انظر: «ديوانه» (ص170).

[4] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب: استحباب العفو والتواضع (2588)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري في الزكاة، إثم مانع الزكاة (1403)، والنسائي في الزكاة (282)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه أحمد (1/ 377)، والنسائي في الزكاة (2441)، والترمذي في التفسير (3012)، وقال الترمذي: «حسن صحيح».







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #524  
قديم 24-08-2026, 03:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [آل عمران: 176 - 180].

1- دفاع الله تعالى عن نبيه وتسليته له، وتشريفه وتكريمه بخطابه - عز وجل - له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ الآية.

2- حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية الناس؛ ولهذا يحزنه صلى الله عليه وسلم كفرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾؛ كما قال تعالى له: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 8].

3- ينبغي بذل الجهد في الدعوة إلى الله تعالى، وعدم الاكتراث بالمعاندين والمخالفين.

4- ذم المسارعين إلى الكفر الذي فيه هلاكهم، وكان الأجدر بهم المسارعة إلى الإيمان.

5- انتفاء الضرر عن الله تعالى، فلا تضره - سبحانه - معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعة الطائعين، ومن كفر فلا يضر إلا نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾.

6- إثبات الإرادة الكونية لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ﴾.

7- حرمان المسارعين بالكفر من النصيب في الآخرة، وتوعُّدهم بالعذاب العظيم؛ لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.

8- إثبات الدار الآخرة وما فيها من الحساب والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ﴾.

9- الإشارة إلى أن الحظ الأوفر هو حظ الآخرة، فمن حُرمه فهو المحروم والخاسر حقًّا.

10- أن الكفار لهم حظ من الدنيا؛ لمفهوم قوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ}، كما قال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: 20].

11- الجمع لهؤلاء الكفار بين عقوبتين: فوات حظهم ونصيبهم من الآخرة، والعذاب العظيم في النار، بين فوات المرغوب والمطلوب، وحصول المكروه والمرهوب.

12- بيان حكمة الله تعالى في كون هؤلاء يسارعون في الكفر، وهي ما يريده كونًا من حرمانهم من حظ الآخرة، وتعذيبهم بالعذاب الأليم.

13- تسفيه من اختاروا الكفر على الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ﴾.

14- تأكيد نفي الضرر عن الله تعالى، وأن هؤلاء لا يضرون بكفرهم سوى أنفسهم، وتوعدهم بالعذاب الأليم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.

15- أن الله يُمهل ولا يهمل، فلا ينبغي أن يُغْتر بإمهال الله تعالى لأهل الكفر والمعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ﴾.

16- استدراج الله تعالى لأهل الكفر والمعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ [القلم: 44، 45].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته»، ثم قرأ قول الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102]»[1].

17- لا ينبغي الاغترار بالنعم، فليست دليلًا على الخير والرضا مطلقًا.

18- إثبات زيادة الإثم والكفر ونقصانه؛ لقوله تعالى: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ﴾، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصانه، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.

19- الوعيد للكافرين بالعذاب المهين الذين يهينهم ويذلهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾.

20- أن الجزاء من جنس العمل، فحيث استكبَر هؤلاء الكفار عن عبادة الله تعالى، جازاهم الله بعذاب مهين يُهينهم ويذلهم، وكما يدين المرء يُدان.

21- شدة عذاب الكفار، فهو عظيم من حيث كيفُه وكمه ونوعه، وهو أليم مؤلم موجِع للأبدان حسيًّا، ومهين للقلوب والأنفس معنويًّا.

22- اقتضاء حكمة الله تعالى أنه لابد أن يميز الخبيث من الطيب؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾، وذلك بالابتلاء بالجهاد وغيره، وبالوحي من عند الله عز وجل.

23- انقسام الناس إلى خبيث وطيب، مؤمن وكافر، ومؤمن مخلص، ومنافق، وهكذا الأعمال والأقوال والأعيان، فيها خبيث وطيب.

24- أن الخبيث لا يساوي الطيب في أيِّ شيء كان، والمنافق لا يساوي المؤمن المخلص، فالمؤمن طيب طاهر والمنافق خبيث نجس.

25- أن علم الغيب مما اختص الله عز وجل به؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ﴾، فمن ادَّعى علم الغيب فهو كاذب كافر؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [النمل: 65].

26- اصطفاء الله تعالى واختياره من رسله من يشاء، وإطْلاعه إياهم على شيء من الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴾ [الجن: 26 - 28].

27- إثبات المشيئة لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾، وهي الإرادة الكونية.

28- وجوب الإيمان بالله ورسله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾.

29- فضل الإيمان والتقوى؛ لأن الله رتَّب عليهما الأجر العظيم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.

30- أن الإيمان هو الأصل وعليه تبنى الأعمال؛ لهذا قدِّم الإيمان على التقوى التي هي فعل الأوامر واجتناب النواهي، فقال: ﴿ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا ﴾.

31- تكفل الله - عز وجل - بثواب المؤمنين المتقين؛ لهذا سماه «أجرًا».

32- عظم ثواب مَن آمن واتقى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾، فلا يعلم عظم هذا الأجر إلا مَن وصفه بأنه عظيم، وهو العظيم سبحانه وتعالى.

33- أن البخل شرٌّ مَحض، وبخاصة منع الواجب في المال؛ كالزكاة والنفقة الواجبة، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ﴾.

34- لا ينبغي أن يظن أن البخل سبب للغنى وبقاء المال، وأن الإنفاق سبب للفقر وفناء المال؛ لأن هذا من الشيطان، بل العكس صحيح، فالإنفاق سبب لزيادة المال وسلامته، والبخل سبب لنقصانه وهلاكه، هذا ما دلت عليه النصوص، وشهد به الواقع.

35- تذكير أهل البخل بأن ما عندهم من مال مما تفضَّل الله به عليهم، وفي هذا توبيخ لهم على البخل به؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾.

36- الوعيد الشديد والتهديد الأكيد للذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله؛ لقوله تعالى: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾.

37- أن الجزاء من جنس العمل، فمن بخِل بما أوجبه الله عليه طوَّقه الله يوم القيامة.

38- أن لله - عز وجل - ميراث السماوات والأرض، وكل ما فيهما سينتقل وينتهي إليه - عز وجل - فلا المال يبقى لصاحبه، ولا صاحب المال يبقى لماله، والبقاء للحي القيوم، الآخر الذي لا شيء بعده؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾.

39- أن المال من الله - عز وجل - ومن فضله ابتداءً، وأن مردَّه ومرجعه إليه انتهاءً، كما أن مبدأ الخلائق منه ومحياهم منه، ومماتهم ونهايتهم إليه؛ كما قال عز وجل: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ﴾ [الحجر: 23].

40- علم الله - عز وجل - بأعمال العباد؛ دقيقها وجليلها، خفيِّها وجليها، باطنها وظاهرها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾.

وفي هذا وعدٌ لمن أحسن العمل، ووعيدٌ لمن أساء؛ لأن مقتضى علمه - عز وجل - أن يحاسب الخلائق ويجازيهم على أعمالهم خيرها وشرِّها.

[1] أخرجه البخاري (4686)، ومسلم (2583) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.











__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #525  
قديم اليوم, 05:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ...ِ ﴾


قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 181 - 185].

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾.

بعد أن أسدل الستار على قصة أُحد، محذرًا في آخرها من البخل ومتوعدًا أهله، أتبع ذلك بذكر قبائح اليهود، والذين هم ردء للمشركين والمنافقين في المدينة، وجرأتهم على الله بقولهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ إمعانًا منهم في دفع تحذيره - عز وجل - عن البخل ووعيد أهله.

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لما نزل قوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: 245]، قالت اليهود: افتقر ربك؛ يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ الآية»[1].

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «دخل أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - بيت المدراس، فوجد ناسًا من يهود كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فِنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص، اتَّق الله وأسلِم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل؛ قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعُم صاحبكم، ينهاكم عن الربا، ويعطيناه، ولو كان غنيًّا عنا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك، لضرَبت عنقك يا عدوَّ الله، فأكْذِبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟"، فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولًا عظيمًا، زعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله - جل ثناؤه - فيما قال فنحاص ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾.

وقول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 186]»[2].

وقد رُوي أنها نزلت في حيي بن أخطب.

قوله: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾: اللام واقعة في جواب قسم مقدَّر، تقديره: والله لقد سمع الله، و«قد»: حرف تحقيق، فالجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام، و«قد».

والله - عز وجل - هو أصدقُ القائلين، وخبره أصدق الأخبار؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 87]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122].

وإنما أقسم الله - عز وجل - على هذا الخبر للتأكيد والمبالغة في تهديد هؤلاء ووعيدهم.

والسمع من الصفات الذاتية الثابتة لله - عز وجل - أي: ذو سمع واسع، يسمع جميع الأقوال والأصوات، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «والذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجادله في زوجها، وما بيني وبينها إلا ساتر، فلما أسمع كلامها وقد سمع الله صوتها من فوق سبع سماوات»[3].

﴿ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾؛ أي: لقد سمع الله قول الذين قالوا هذه المقالة، من اليهود، منهم: فنحاص بن عازر، وحيي بن أخطب.

وذلك لما حذَّر عز وجل عن البخل وتوعد أهله، وحث على الصدقة، وقد جمعوا في هذه المقالة السيئة بين أمرين في غاية القبح والشناعة، الأول: وصفهم الله بالفقر، والثاني: أنهم هم الأغنياء؛ أي: إنهم أغنى من الله تعالى الله عن قولهم.

﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا: قرأ حمزة بالياء: «سيكتب»، وقرأ الباقون بالنون: ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾.

وقراءة: ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾ بضمير المتكلم؛ لأنه - عز وجل - هو الآمر لملائكته بكتابة أقوال العباد، وهذا ما بينته القراءة الثانية بالياء: «سيكتب»، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الزخرف: 80].

و﴿ ما ﴾: موصولة، أو مصدرية، أي: سنكتب أو سيكتب الذي قالوا، أو قولهم، والمعنى: ستكتب ملائكتنا الذي قالوا من الإفك والفرية على الله عز وجل، وفي هذا تهديد ووعيد لهم؛ أي: سنكتب الذي قالوا ونحاسبهم ونجازيهم عليه.

﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ قرأ حمزة برفع القتل: «وقتلُهم»، وقرأ الباقون بنصبه: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ﴾.

وهو معطوف على قوله: ﴿ مَا قَالُوا ﴾؛ أي: سنكتب قولهم وقتلهم الأنبياء، وفي عطفه على قوله: ﴿ مَا قَالُوا ﴾، ونضمه معه إيذانًا بسوابقهم القبيحة، فلا يستبعد منهم أي جُرم.

و﴿ الْأَنْبِيَاءَ ﴾ جمع «نبي»، والمراد به: ما يشمل الأنبياء والرسل.

﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في «قتلهم»، وهذا قيد كاشف؛ لأن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق.

وفائدة هذا القيد أمران؛ الأول: بيان الواقع، وأنهم يقتلون الأنبياء بغير حق، والثاني: المبالغة في التشنيع عليهم؛ حيث يقتلونهم بغير موجب لقتلهم، بل ظلمًا وعدوانًا.

﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ معطوف على ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾.

قرأ حمزة بالياء: «ويقول»، وقرأ الباقون بالنون: ﴿ وَنَقُولُ ﴾.

وفي هذا وعيد وتهديد لهم؛ أي: ونقول لهم؛ تبكيتًا وتقريعًا وإهانة لهم وتحقيرًا: ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾؛ أي: تجرَّعوه وأحسوا به وتألموا.

وهذا عذاب معنوي ينصب على القلوب مع العذاب الحسي؛ كما قال تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان: 49].

﴿ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾؛ أي: عذاب النار المحرقة؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [البروج: 10].

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾.

هذا من جملة مقول القول؛ أي: ونقول لهم: ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾، ونقول لهم: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى توبيخهم وعقابهم بقوله: ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾، والباء: للسببية، و«ما»: موصولة، أو مصدرية؛ أي: بسبب الذي قدمت أيديكم، أو بسبب تقديم أيديكم، أي: ذلك الذي عوقبتم به بسبب الذي قدمت أيديكم وعملت أنفسكم، وإنما يضاف التقديم إلى الأيدي؛ لأنها أداة البطش والعمل والأخذ والعطاء؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ [النبأ: 40].

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾: معطوف على «ما» في قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾؛ أي: ذلك بما قدمت أيديكم، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.

و(ظلام) هنا على وزن «فعَّال»، يراد بها النسبة، أي: ليس بذي ظلم للعبيد، فلا يظلم أحدًا منهم، لا بقليل ولا بكثير؛ لأنه - عز وجل - حرَّم الظلم على نفسه، قليله وكثيره، وجعله بين عباده محرمًا.

﴿ للعَبِيدِ ﴾ «العبيد» جمع «عبد»، والمراد بالعبودية هنا العبودية العامة، عبودية الخضوع والانقياد الكوني، الذي يشمل المؤمن والكافر، وجميع الخلق، فالله - عز وجل - لا يظلم أحدًا من الخلق، بل يجازي كلًّا بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بعدله.

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾.

هذا أيضًا من كذب اليهود وافتراءاتهم الباطلة على الله تعالى.

قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: في محل جر صفة لـ﴿ الَّذِينَ ﴾ في قوله: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا... ﴾.

﴿ عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾؛ أي: أمرنا وأوصانا وصية موثقة بالعهد في كتبه وعلى ألسنة رسله، ﴿ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ﴾ «أن»: حرف مصدري ونصب، و«لا»: نافية، والمصدر المؤول ﴿ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ﴾ في محل جر بـ«في» مقدرة، والتقدير: في ألا نؤمن، أي: في عدم الإيمان، والمعنى: ألا نصدق لأي رسول أيًّا كان فيما جاء به.

﴿ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾، ﴿ حَتَّى ﴾: للغاية، أي: إلى غاية أن يأتينا ﴿ بِقُرْبَانٍ: القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من الصدقات من الأطعمة والذبائح، وغير ذلك.

ومعنى ﴿ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ ﴾؛ أي: بأن يتقرب إلى الله بقربان، ثم تنزل نار من السماء، فتأكل كل هذا القربان.

وكان هذا علامة على قبول القربان، كما قال بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى عن بني آدم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 27]، قالوا: فتقبَّل من أحدهما بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه دون قربان أخيه.

وهكذا كانت الغنائم في الأمم السابقة إذا غنموا غنيمة من الكفار، جمعوها ثم نزلت نار من السماء فأكلتها، حتى أحل الله - عز وجل - الغنائم لهذه الأمة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِل لأحد قبلي»[4].

فزعموا أن الله عهِد إليهم ألا يؤمنوا ولا يصدقوا لأي رسول إلا إذا أتاهم بهذه الآية، بأن يقرب أو يقربوا قربانًا، فتأكله النار، فحصروا آية الرسل بهذا، وهذا تحكم على الله - عز وجل - وعلى رسله.

وآيات الرسل ومعجزاتهم إنما تكون على ما يناسب هداية وإصلاح أقوامهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أُوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»[5].

﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾: الأمر في قوله: ﴿ قل ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: قل لهم إظهارًا لكذبهم.

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ ﴾، ﴿ قَدْ ﴾: حرف تحقيق، ونكَّر ﴿ رُسُلٌ ﴾ للتكثير، أي: قد جاءكم رسل كثيرون.

﴿ مِنْ قَبْلِي ﴾؛ أي: من قبل مجيئي وبعثتي.

﴿ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: بالآيات والحجج والبراهين والدلائل الواضحات الشرعية والكونية التي تبين وتُبرهن على صدق رسالاتهم.

﴿ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ﴾: معطوف على البينات، أي: جاءكم رسل من قبلي بالبينات، وجاؤوكم بالذي قلتم، وهو الإتيان بقربان تأكله النار.

﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾، الفاء: رابطة لجواب شرط مقدَّر دل عليه ما بعده، أي: إن كنتم صادقين فلمَ قتلتموهم، وكان من هؤلاء الرسل الذين قتلوهم زكريا ويحيى عليهما السلام.

واللام في: «لِـمَ»: حرف جر، و«ما»: استفهامية، حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها؛ أي: فلم قتلتموهم، وقد جاؤوكم بالآيات البينات، وبالذي قلتم، والاستفهام للإنكار.

﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾؛ أي: إن كنتم صادقين في أن الله عهِد إليكم بما قلتم، وأنكم تؤمنون بالرسل إذا جاؤوكم بهذه الآية التي طلبتم.

وقد عدل هنا عن مطالبتهم بصدق مقالتهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾، إلى قوله لهم: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ من باب موافقة الخصم والتسليم له؛ لإفحامه، ودحض حجته؛ أي: إذا كنتم تزعمون أن الله عهد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد جاءكم رسلٌ من قبلي بهذه الآية التي ذكرتم، وبما هو أعظم منها من الآيات البينات، فلم كذَّبتموهم وقتلتموهم؟

فلو كنتم صادقين في طلبكم هذه الآية، لكنتم آمنتم بمن جاؤوكم من قبلي بها، وبأعظم منها؛ أي: أنكم لا تريدون تصديق الرسل، وإنما تريدون تكذيبهم، ولستم بصادقين في أن الله عهد إليكم بما ذكرتم، ولا أنكم تؤمنون بالرسول لو جاءكم بذلك.

وفي تقديم قوله: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: دلالة على أن ما جاءت به الرسل من الآيات أعظم من الآية التي طلبوها، وأن الآية التي طلبوها وهي الإتيان بقربان تأكله النار دون تلك الآيات.

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾، في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم تجاه تكذيب قومه له.

قوله: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾ الفاء: عاطفة، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والواو في ﴿ كَذَّبُوكَ لكل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمشركين وغيرهم.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #526  
قديم اليوم, 05:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 180,009
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله



﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾، الفاء: رابطة لجواب الشرط، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله: ﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾، والتقدير: فإن كذبوك فتسلَّ، أو فلا تحزن؛ فقد كذِّب رسل كثيرون من قبلك؛ أي: كذَّبهم أقوامهم، أي: فهذه سنة قديمة في الأمم مع الرسل قبلك.

وفي الآية الأخرى: ﴿ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [فاطر: 4]؛ لأن ﴿ رُسُلٌ ﴾ جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه إثبات التاء وحذفها.

﴿ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ صفة لـ: ﴿ رُسُلٌ ﴾؛ أي: فليس تكذيب أممهم لهم عن قصور بما أتوا به، أو عدم تبيُّن حجةٍ، بل قد جاؤوا ﴿ بِالْبَيِّنَات ﴾؛ أي: بالآيات البينات والحجج والبراهين الواضحات الدالة على صدقهم.

﴿ والزُّبُر ﴾: قرأ ابن عامر بإعادة الباء: «وبالزبر»، وقرأ الباقون بدونها: ﴿ والزُّبُر ﴾، وهي: جمع «زبور»، وهو «فعول» بمعنى «مفعول»، أي: مزبور، بمعنى مخطوط، وقيل: مأخوذ من «زبر»: إذا زجر.

والمراد بالزبر: كتب الأنبياء والرسل، مما يتضمن مواعظَ وزواجرَ وتذكيرًا، مثل كتاب داود عليه السلام «الزبور»؛ قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163]، وكذا الإنجيل.

﴿ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ: الواو: عاطفة، و﴿ وَالْكِتَابِ ﴾ بمعنى «المكتوب»، و«أل» فيه للجنس، أي: جنس الكتب التي أنزلها الله تعالى كالتوراة والإنجيل.

﴿ الْمُنِيرِ ﴾ صفة لـ(الكتاب)؛ أي: البيِّن الواضح الجلي، المبين للحق، المنير لطريق الهداية، الذي فيه بيان الأحكام الشرعية.

ويحتمل كون «أل»: للعهد، والمراد بـ«الكتاب»: التوراة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 44]، وقد قال تعالى عن الإنجيل: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 46]، كما قال تعالى عن القرآن الكريم: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1]، وقال تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾ [التغابن: 8]، وقال تعالى: ﴿ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 52].

والعطف في قوله: ﴿ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ منظور فيه إلى التوزيع، فبعض الرسل جاء بالزبر، وبعضهم جاء بالكتاب المنير، وكلهم جاؤوا بالبينات.

ويحتمل أن يكون العطف هنا: من عطف الصفات لا من عطف الذوات؛ أي: إن ما جاءت به الرسل مشتمل على الآيات البينات والحجج والبراهين، وعلى الزبر والمواعظ، وعلى بيان الحق للناس وإنارة الطريق لهم، وهذا حق.

قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾.

قوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ ﴿ كُلُّ ﴾ من صيغ العموم.

و﴿ نَفْسٍ: تطلق على الروح والبدن، أي: كل الأنفس ذائقة الموت؛ أي: ذائقة طعم الموت، أي: لابد أن تموت وتذوق وتتجرَّع غصص الموت وسكراته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19].

وقال صلى الله عليه وسلم وهو يجود برُوحه: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات»[6].




والمعنى: كل نفس من أنفس الإنس والجن والملائكة، وجميع ما خلق الله من الحيوانات ستموت؛ قال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27]، وقال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ [الزمر: 68].

وفي الحديث: «يا محمد، عِش ما شئت فإنك ميِّت، وأحبِب ما شئت فإنك مُفارقه»[8].





﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الواو: عاطفة، و«إنما»: أداة حصر، أي: لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة.

ومعنى: ﴿ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾؛ أي: تعطون ثواب أعمالكم وافيًا من غير نقصان يوم القيامة، وهذا لا ينافي أن ينالوا شيئًا من ثواب أعمالهم في البرزخ، كما لا ينافي أن ينالوا شيئًا من ثواب أعمالهم في الدنيا؛ لأن الإنسان يجد شيئًا من آثار عمله في الدنيا، فإن كان عمله صالحًا وجد من آثار السعادة بقدر ذلك، وإن كان عمله سيئًا وجد شيئًا من آثار ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [السجدة: 21].

وأما توفية الأجور على التمام والكمال، فإن ذلك لا يكون إلا في الآخرة.

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾: الفاء: عاطفة، و«من»: شرطية، و﴿ زُحْزِحَ ﴾: فعل الشرط، ومعنى ﴿ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾؛ أي: أُبعد ودُفع عنها ببطء وشدة ومشقة، ولو بعد جهد جهيد؛ لأن النار حُفت بالشهوات، وقيل: أُبعد عنها بسرعة وعجلة.

﴿ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ: معطوف على ما قبله.

﴿ فَقَدْ فَازَ ﴾: الفاء واقعة في جواب الشرط؛ أي: فقد أفلح وربِح كل الربح؛ لأنه نجا من المرهوب وهي النار، وحصل على المطلوب وهي الجنة؛ نسأل الله تعالى من فضله.

وهذا يحتاج إلى عمل، قال صلى الله عليه وسلم: «فمن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتَأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»[15].

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ الواو: استئنافية، و«ما»: نافية.

و﴿ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا: هذه الدار التي نحن فيها، وسُميت دنيا؛ لدنوِّها زمنًا فهي قبل الآخرة من حيث الزمن، ولدنوها وانحطاطها قدرًا، فهي لا قيمة لها بالنسبة للآخرة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء»[16].

وقال صلى الله عليه وسلم: «موضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها»[17].

﴿ إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، ﴿ إلَّا ﴾: أداة استثناء، والمتاع: ما يتمتع به ثم ينتهي، و﴿ الْغُرُورِ ﴾: الخداع، أي: وما الحياة الدنيا إلا مُتعة تغر صاحبها وتخدعه، كما قال تعالى في سورة الحديد: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: 33]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38].

وكم من أُناس اغتروا وانخدعوا فيها، وفي زينتها وزخرفها، فتحول عزهم ذلًّا وغناهم فقرًا، وفرحهم وسرورهم ترحًا وبؤسًا.

وإذا أردت أن تنظر إلى غرورها العاجل وحقارتها، فتأمل في أحوال المنوَّمين على الأَسِرَّة في المستشفيات أو في البيوت، ممن فقدوا وعيهم، أو كادوا أن يفقدوه، وارثَ لحالك، ولا تَرثَ لحالهم.






وقال الآخر:

هي الدنيا تقول بملء فيها
حذارِ حذار من بطشي وفتكي

فلا يَغْرُركمُ مني ابتسام
فقولي مضحك والفعل مبكي[21]


وقال الآخر:
هي الليالي وقاك الله صَولتَها
فضول حتى على الآساد في الأجم
كنا ملوكًا لنا في أرضنا دول
نمنا بها تحت أفنان من النعم
فأيقظتنا سهام للردى صبب
يرمى بأفجع حتف من بهن رمي[22]


وقال الآخر:
ومكلف الأيام ضد طباعها
متطلب في الماء جذوةَ نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما
تبني الرجاء على شفيرٍ هار[23]



[1] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 828)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (2/ 153).

[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 278)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 828-829).

[3] أخرجه النسائي في الطلاق، باب في الظهار (3460)، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (188).

[4] أخرجه البخاري في التيمم (335)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (521)، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (4981)، ومسلم في الإيمان (152)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري في المغازي (4449)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[7] البيت لضابئ بن الحارث، وينسب للحطيئة؛ انظر: «أمثال العرب» (ص96)، «الأغاني» (2/ 18)، «مجمع الأمثال» (2/ 223)، «المستقصى في أمثال العرب» (2/ 291)، «نهاية الأرب» (3/ 297)، «خزانة الأدب» (2/ 411)، «زهر الأكم» (3/ 22).

[8] سبق تخريجه.

[9] البيت للشاعر محمد بن صالح العثيمين، شاعر حوطة بني تميم من قصيدة مؤثرة في رثاء صديقه عبدالله العجيري، ملحقة بآخر «ديوان ابن مشرف» ص187.

[10] البيت لابن نباتة السعدي؛ انظر: «الدر الفريد» (7/ 447)، «المغني» للسيوطي (379).

[11] انظر: «الكشكول» (1/ 289)، والبيت ينسب لحسان.

[12] البيت لم ينسب لقائل؛ انظر: «الجنى الداني» (ث92)، «أوضح المسالك» (1/ 275)، «المغني» للسيوطي (612).

[13] البيت ينسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ انظر: «الإمتاع والمؤانسة» (ص347)، «العمدة في محاسن الشعر» (1/ 34).

[14] البيت لأبي الوردي؛ انظر: «ديوانه» (ص71).

[15] أخرجه مسلم في الإمارة، وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول (1844)، والنسائي في البيعة (4191)، وابن ماجه في الفتن (3956)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[16] أخرجه الترمذي في الزهد (2320)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وقال: «حديث صحيح غريب».

[17] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، فضل رباط يوم في سبيل الله (2892)، والترمذي في فضائل الجهاد (1648)، من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.

[18] البيت لأبي نواس؛ انظر: «ديوانه» (ص192).

[19] البيتان لابن مشرف؛ انظر: «ديوانه» (ص78).

[20] البيت لأبي نواس؛ انظر: «العقد الفريد» (3/ 47).

[21] البيتان لأبي الفرج الساوي؛ انظر: «أحسن ما سمعت» للثعالبي (ص53).

[22] الأبيات لأبي عبدالله العقيلي؛ انظر: «نفح الطيب» (4/ 529).

[23] البيتان لأبي الحسن التهامي؛ انظر: «ديوانه» (ص28).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 211.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 207.80 كيلو بايت... تم توفير 4.01 كيلو بايت...بمعدل (1.89%)]