|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
وشيء ثالث في صيغة الجمع بهذه الضراعة وهو: إحساس العبد بنقصه في عبادته وحده وعدم استحقاقه للتقدم بذكرها وحدها، فعلمه الله أن يتقدم بعبادة جميع العابدين بلفظة واحدة، وهذا - أيضاً- تربية من الله لعبده ضد الانعزالية، وإشعار لها بالارتباط بالمجموع كما تقدم. والثاني والستون بعد المائة: في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إشعار بالتزام عبادة الله وطاعته، وتنفيذ حكمه إلى الموت، وتأكدهما عليه كلما ازدادت معرفته بربه وعظيم آلائه، وزاد يقينه بوعده ووعيده، فإن ضراعة المؤمن إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بعدما ما ذكرناه في القاعدة السادسة والخمسين بعد المائة من معرفته بالبداءة باسمه والثناء عليه، والاعتراف العام بربويته والرجوع إليه يوم الحساب. هذه الضراعة بعد ذلك هي عهد يجدده مع ربه في هذه السورة المباركة، التي علمه إياها على حصر العبادة له وحده، متبرئاً من عبادة الهوى بأي صورة تنوعت، وبأي نحلة ظهرت، ملازماً لذلك طيلة حياته حتى يأتيه اليقين الذي هو الموت، وأن مسئوليته في إنفاذ هذا العهد من عبادة الله بكل ناحية من نواحي الحياة تزداد كلما ازدادت معلوماته من الروافد الدينية، التي فصلناها في القاعدة المذكورة وما بعدها، ويتحتم عليه الجهاد بجميع أنواعه ومتطلباته، درءاً لكل فتنة تصده عن ذلك، وزحفاً بعقيدته الروحية ليكون مرفوع الرأس. وإنه لا يسقط عنه أي نوع من أنواع العبادة مع القدرة عليه مهما عمل أو بلغ من أنواع التصوف أو علم من المكاشفات المزعومة أبداً، وإن اليقين الوارد في قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99] هو كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه إذ قال: "أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه"[16] يعني: الموت، فلا ينفك العبد من عبودية الله إلا بالموت، ومن زعم أنه يصل بشيء من أنواع التصوف إلى مقام يسقط فيه التعبد فهو زنديق كافر مناقض لما رسمه الله لعبادة في هذه السورة، ومناقض لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين لم يسقطوا عن أنفسهم من عبادة الله، ولا مثقال ذرة، بل بلغ بهم الأمر إلى بذل نفوسهم ومهجهم في سبيل الله، لم يدَّعِ أحد منهم علماً باطنياً، ولم يزعموا أن العبد هو الرب؛ لأن فيه من نواة حقيقته التي يجهلها الرسل فيما يزعم ضُلاَّل الصوفية، فإن هذا تطاول على وحي الله، وأعظم افتراء على الله وانتقاض لرسله، وأي انتقاض لرسله أفظع من زعم هؤلاء أنهم أعلم منهم وأنهم يصلون إلى درجة يسقط عنهم فيها التكليف؟ هذا كفران بسورة الفاتحة وغيرها من الوحي وكفران بمنزله ومن أنزل عليه - والعياذ بالله- وهذا من عدم تحقيق الاستعاذة بالله عن صدق من الشيطان الرجيم، من جنس الشيطان المبتعد عن الله من الجن والإنس، وكما فصلنا ذلك في باب الاستعاذة. ومن تدبر معاني هذه السورة الكريمة وأخواتها ومفسراتها من وحي الله المنزل على رسوله كتاباً وسنة، وهو صادق في استعاذته من جنس الشيطان، بابتعاده عنه ونفرته منه، استنار بأنوار التوجيه التي تهديه إلى الاستقامة على عبادة الله، والتزامها في كل ميدان من ميادين الحياة، حتى يموت على ذلك محتسباً، ولا يجعل لنفسه حرية الشهوة أو ترك العمل، دون برهان من الله بالرجوع إلى أمره وحكمه فيه، والله الموفق. الثالث والستون بعد المائة: تقديم العبادة على الاستعانة في هذه الآية الكريمة من باب تقديم الغايات على الوسائل، ذلك أن العبادة هي غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، والحكمة في ذلك التقديم هي أن المصلي وغيره من كل متلبس بالعبادة يقول: (إني شرعت في طاعتك تحقيقاً لعبادتك، فأستعين بك في إتمامها وإنجاحها على ما يرضيك) وحتى المجاهد، عليه ألا يغتر بقوة ساعده، أو قوة عتاده أو كثرة زملائه وأعوانه، بل يضرع إلى الله الذي جاهد في سبيله بهذه الآية ضراعة الصادق طالباً مدده الأعلى، الذي لا يغلبه شيء، ففي ذلك إزالة للزهو، وإفناء للحمق والكبرياء. ثم إن العبادة لما كانت له - جل وعلا- وجب تقديمها، ولما كانت الاستعانة به سبحانه وتعالى ساغ تأخيرها، قال ابن القيم رحمه الله: "والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبداً حتى يقضي العبد نحبه". وقال الشيخ ابن تيمية: "تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فهذا الدعاء بهذه الآية من حظ أهل العبادة لله، والمعرفة به حقيقة، ولذا علمه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ فقال:يا معاذ: "إني أحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللَّهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"[17]. الرابع والستون بعد المائة: ضراعة عبد الله إليه بهذه الآية الكريمة مبتدئاً بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وطالباً منه العون التام عليها بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ إشعار صريح منه بالتصميم على العمل، والعزم التام على إكماله والمثابرة عليه طيلة الحياة، فهو يطلب منه المعونة على أداء جميع ما تستوجبه عبادة الله في كافة الشئون والنواحي المتشعبة والمتجددة في الحياة، إذ لا يمكن أن يطلب الاستعانة قبل الشروع في أداء الواجب مع صدق النية والعزم على التصميم والثبات، فإن التصميم والثبات ومداومة الصدق والإخلاص يحتاج كل منها إلى معونة الله، ومدده الذي يستطيع به عبده على مجاهدة النفس، ودفع وساوس الشيطان الإبليسي ومجابهة ما تقذف به شياطين الإنس من وسائل الإغراء التي يجري في دفعها أعظم مكابدة لا يبلغ العبد الدرجة القصوى في الثبات عليها إلا بعون الله وتسديده. فكان من اللائق تقديم الضراعة من العبد إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ توسلاً منه إلى ربه بما يرضيه من العبادة، ثم يضرع إليه بطلب العون على الثبات عليها، والتكيف بها في كل شأن من شئونه، معترفاً بأنه لا معين له في الحقيقة سواه، وفي هذا تجريد التوحيد من الاستعانة بغيره، وتحقيق المتابعة لوحيه من كتابه وسنة رسوله، إذ من لم يحقق ذلك فليس عابداً لله، ومن سلك ما يخالف ذلك كان عابداً لهواه، ومتبوعه من دون الله. الخامس والستون بعد المائة: لما كان الارتقاء لا يحصل إلا بالإيمان بالله عن استيقان كامل، وحب وتعظيم له، لا يعلوه غيره، كان الحامد لله حمداً صحيحاً على نعمه وحسن تربيته للعاملين، وعظيم رحمته، وشمول ملكه وقهره، واختصاصه بالحكم بين الناس في الدار الآخرة، يتقدم إليه بهذه الضراعة العظيمة الحبيبة إليه - جل وعلا-: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تلقياً منه لها بتعليمه إياه، عازماً على تصديق ما أقر به من ذلك بالعمل المرضي لله، من القيام بما أوجبه عليه في منصوص وحيه من كتاب وسنة. وذلك لأن الإيمان به والشكر لنعمه لابد أن يتجسدا في صور عملية. إذ النطق الذي لم تصدقه الأعمال يعتبر كذباً ونفاقاً يستحق المقت، كما قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 3-2] وأيضاً فليس العمل مجرد حركات يأتي بها في حالة صورية تقليدية، بل لابد من إفراغ الإنسان روحه فيه، واستيقاظه لمقاصد الله وحكمه فيه؛حتى يؤديه على الوجه الصحيح بخشوع وإخبات وحسن نية، واستشعار عظيم لوعد الله على الإتيان به وحسن إتقانه، ولو عبد الله على ضد ذلك، ومن هنا يصدق العبد في ضراعته بهذا العهد لله، على القيام بعبادته كما يصدق في ضراعته بطلب الاستعانة منه على إكمالها وإتقانها وإخلاصها والمثابرة عليها والمصابرة فيها. فهذه القواعد التي ذكرنا غالبها - وسنذكر ما تيسر منها - أقول: بهذه القواعد فتح الله لأهل دينه القويم أبواب الأمل والعمل، لمن يبتغي الوصول إلى أسمى ما قدر له من كمال وجمال في الدنيا والآخرة، فإن دعائم الإرادة القوية ما ذكرناه وما سنذكره مما هو مرتكز على الطمع في رحمة الله، ونيل وعده والخوف منه، والابتعاد عن موجبات سخطه، وحلول وعيده، وبذلك يصل الإنسان إلى المستوى الإنساني الصحيح، الذي يرفعه عن الحيوانية بتاتاً، ويحقق إرادة الله فيه، لينخرط في سلك عباد الله الصالحين، وينال الحياة الطيبة بجميع معانيها في الدنيا، ويحظى برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمنازلهم العالية في الدار الآخرة. أما بدون ذلك فنصيبه الشقاء بالأزمات المختلفة المتلاحقة في الدنيا، والخيبة الكاملة في الآخرة، قيل للحسن: إن قوماً يقولون: نحن نحب الله ويضيعون العمل، فقال: (هيهات هيهات، تلك أمانيهم يتأرجحون فيها، من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه) وسيأتي - إن شاء الله- مزيد تفصيل عند قوله - تعالى - في سورة النساء: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123]. السادس والستون بعد المائة: الصادق في استعانته بالله، للتصميم والمثابرة على عبادته في كل ناحية، يسمو بنفسه عن الماديات، ويرتفع عن شهوات نفسه، ويستكبر عن ملذات الدنيا الحيوانية؛ لأنها من أكبر الصارفات له، أو المعوقات لسيره، فيقتصر منها على حاجة نفسه، بنية صالحة،دون أن يؤثر شيئاً منها على وظيفة الله، أو ينشغل بها شغلاً يقطعه عن مهماتها. ويرى الصادق في عبادة الله أن الخير والسعادة في النزاهة والشرف مع الخالق أولاً ثم المخلوق ثانياً؛ لتتحقق له وعلى يديه جميع القيم الصالحة، ومن ثم يتجه اتجاهاً سليماً مستقيماً لخير نفسه، وجميع إخوته المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولجميع طرق الخير والإصلاح عامة، وهذا السر في جعل شعب الإيمان بضعاً وستين أو بضعاً وسبعين شعبة على التفصيل، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، كما ورد بذلك الحديث المتفق على صحته عن المصطفى صلى الله عليه وسلم[18]. السابع والستون بعد المائة: صدق الاستعانة بالله يورث طمأنينة القلب، وسكون النفس؛ لأن ذلك من آثار صدق الإيمان وقوته، وإذا اطمأن قلب الإنسان وسكنت نفسه؛ حصل له برد الراحة، وحلاوة اليقين، وسلم قلبه مما ينتاب قلب غيره من الخطرات الفاسدة، أو المفزعة أو المخذلة، فكان يستقبل الأهوال بشجاعة وثبات، لا يبالي بالخطوب إذا اعتدت، ولا يلويه شيطان الهوى والشهوات عن الإقدام على الأهوال، أو الثبات على الخطوب، لاستمداده العون من ربه الذي صدق معه في ضراعته باستعانته، فهو يرى نفسه موصولاً من الله بالمدد الروحي والمعنوي، ويؤمن بأن الله يفتح له كل مغلق، فلا يعتوره اليأس، أو يتسرب إليه الجزع، ولا يصيبه شيء من الضعف أو الحيرة؛ لأنه في كنف الله وعزته ونوره، فهو من أهل هذه الآية ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُم ﴾ [محمد: 11] ومن أهل هذه الآية: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257] فهو محفوف بنصرة الله وأنوار هدايته الروحية والمعنوية، التي لا يضل صاحبها ولا يغلب. الثامن والستون بعد المائة: الصادقون في ضراعتهم لله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يهبهم الله مزايا وخصائص تؤهلهم لإقامة الحق والنهوض بأعباء نصرته، وتحمل التضحيات الجسام في سبيل الله لأجله؛ لأن حسن نيتهم لله وصدق ضراعتهم له وقوة ثقتهم به تكسبهم الثبات عليه والاعتصام به والتقيد بأهدابه، فما شرفت النفس بمثل معرفتها للحق واعتصامها به؛ لأنه هو الذي يعلي قدرها ويرفع مجدها، كما وصف الله وحيه في الآية (44) من سورة الزخرف، والعاشرة من سورة الأنبياء. فالصادقون مع الله بهذه الضراعة يكون لهم من الشجاعة ما يحملهم على الجهر والإعلان بالحق دون خشية أحد مهما كان، وعلى القيام بنشره والاندفاع بنصرته وإسناد أهله، لشعورهم الكامل أنهم منتدبون من الله لتوزيعه والذب عنه، كما قال - تعالى- في حصر سمة الإخلاص: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39] فالجهر بالحق من أعظم صفات الكمال؛ لأنه لا يجول الباطل إلا عند غفلة أهل الحق عنه، فإذا قام به أبطال، يصدعون به ويتحمسون لله في نشره زهق الباطل وانصعق أهله، واختفوا كما يختفي الخفاش من ضوء الشمس. وقد أجرى الله سنته الكونية أن الحق لا يقوم وحده، وإنما يقوم بالأبطال المخلصين قومتهم في دينهم لله، وجعل الجهر بالحق واجباً عظيماً من واجبات الدين، وجعل أفضل الشهادة كلمة حق عند سلطان جائر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم"[19] ولا يمكن للأمة نهوض ولدين الحق نصر إلا بقيام من ينصره من المخلصين، ولا ينهض الحق ويبلغ ذروة المجد والنصر إلا إذا نهض به رجال كبار النفوس ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه بهذه الضراعة ممن ارتفعت شخصيتهم وكبرت نفوسهم بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولله در الشاعر القائل: تبينت أن الحق إن لم تتح له ![]() بواسل يخشى شرها عدََّ باطلُ ![]() لعمرك لو أغنى عن الحق أنه ![]() هو الحق ما قام النبي يقاتلُ ![]() فلا تحسبن الحق ينهض وحده ![]() إذا ملت عنه فهو لا شك مائلُ ![]() أقمه وأسنده ودعم بناءه ![]() وذد عنه ذود الليث والليث صائلُ ![]() ولا تنصرن الحق بالقول وحده ![]() فإن عماد الحق ما أنت فاعلُ ![]() من العدل ألا يطلب الحق عاجز ![]() فليس على وجه البسيطة عادلُ ![]() ولكن قومي يشرب الدم سائغاً ![]() إذا خضبت يوم الورود المناهلُ ![]() وانظروا إلى موقف أبي الحنفاء إبراهيم عليه السلام من قومه ومقارعتهم بالحجج، ومناصبتهم العداء مع خذلان أقرب قريب له، وهو أبوه، وكيف تحداهم بقوله: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ [الأنعام: 80] وكذلك موسى عليه السلام الذي خرج من مصر خائفاً يترقب هارباً من فرعون، ثم يأتي إلى فرعون بعد عشر سنين مستهيناً بقوته، غير مبالٍ ببطشه وجنوده، داعياً له إلى الحق الذي ندبه الله إليه، ثابتاً أمامه، متحدياً له، صامداً لموعده، كل هذا ثقة بربه واستمساكاً بما أوحى إليه منه وثباتاً عليه، وقال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام:90]. الإخلاص في العبادة و الاستعانة: التاسع والستون بعد المائة: بتحقيق عبادة الله وصدق التوجه إليه بإخلاص وثبات يحصل تقويم الأخلاق ورفع مستواها، وذلك أن الانشغال بالعبادة وصرف جميع الأحاسيس لها ناشئ من طهارة القلب وسلامته مما سوى الله، فيتخلص من الأمراض المفسدة له والمشقية لجميع جوارح صاحبه، لأنه ملك الأعضاء المسير لها، فانشغاله التام بالعبودية الصحيحة يقيه من أمراضه الموجبة لفساد الأخلاق من الهلع والجزع والشح والمنع والحرص واللدد في الخصومة والجهل، والغرور والظلم والبغي، والجدل والمراء، والطيش والسفه المبدد لجميع الطاقات، والعجب والخيلاء والشك والأشر والبطر والريبة، والغفلة والجمود، والكبر والفجور، والادعاء الكاذب والعناد، والتمرد والطغيان من جهة، والضعف واليأس والخور من جهة أخرى، والافتتان بالدنيا، وحب المال والشهرة، والمكر والتشفي والحقد والغضب، والحسد والهمز واللمز، والانهماك في الشهوات وغير ذلك، فإن الضمير منشأ الفعل ومصدره؛ فإن كان صالحاً بمراقبة الله ومحبته وخشيته كانت الأعمال صالحة والأخلاق حسنة؛ لانتفاء هذه الأوصاف والسجايا المذمومة، وإن كان الضمير فاسداً لحلول غير الله فيه من أنواع الأنانية، وحب الذات، فسدت الأعمال والأخلاق؛ لأن الأقوال والأعمال معبرة عما في الضمير. وسلوك الإنسان تبع لتصوره حسبما في قلبه من قوة حب الله ورسوله وتعظيمهما، ومن ضعف ذلك أو فقدانه بالكلية، فإن ما في الضمير غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن الأقوال والأعمال التي يتحرك بها اللسان والجوارح مخبرة عما في الضمير، وشاهدة عليه، فبصدورها يكون الحكم عليه، كالحكم على الحاضر المشاهد المنظور بالعين، المسموع بالأذنين، وقد قرر علماء الأخلاق - عن الخلق- أنه: حال نفسية تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن كانت حسنة كان الخلق حسناً، وإن كانت سيئة فهو سيئ، فإذا زهد الإنسان في الجانب الروحي، أو جهل مقوماته ورغائبه؛ اندفع وراء شهواته المادية وأغراضه الشخصية، لقلة الوازع الروحي في الضمير فحصل منه جميع ما ذكرناه من مفاسد الأخلاق أو أضعافها، واندفع إلى أنواع من الشرور يتضرر بها الناس على حسب قوة اندفاعه ومبلغ نزوته فيها. ومن هنا تكثر الجرائم ويستفحل الإثم والعدوان، وتكثر الضغائن، فتوقد نيران الحروب المهلكة والفاتكة، كما يجري في عالم الماديين، ولا تنجو الإنسانية من ذلك أو أكثره إلا بالعودة إلى الله، والصدق معه في تحقيق عبادته، والتزام حكمه فيما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وما جرى في الإسلام من قتال، فهو لتحقيق الحياة الطيبة، بتعزيز العقيدة لإعلاء كلمة الله، وحفظ النفوس من القتل الجماعي الذي تستعمله فئة ضد الفئة الأخرى في عالمنا المادي الحاضر، ولكنهم يتعامون عن عيوبهم. السبعون بعد المائة: الاتجاه الصادق من المؤمن إلى الله بهذه الضراعة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يقصر مهمته على غاية شريفة باتجاه واحد، يغرس في قلبه العفاف والطمأنينة، والترفع والابتعاد عن كل ما يخل بعبودية الله، وينجيه من الجشع والتطلع إلى ما عند غيره، فيسلم قلبه من أنواع التوجع على ما فاته من طمع أو شهوة، وينجو من أمراض القلق الذي ما زال يفتك بالماديين، الذين انسعرت أفئدتهم بجشع أطماعهم الشهوانية، وأغراضهم الأنانية، وتلهفهم على حصول المال والمكاثرة به. والذين هم دائماً في سباق رهيب للحصول على أكبر نصيب من ذلك، فقواهم البدنية والنفسية منطلقة كالآلة الدائمة الدوران لهذه الغاية المستثيرة لأعصابهم، المقلقة لأفئدتهم، إقلاقاً يهلك بعضهم بأنواع أمراض القلب والصدر، ويدفع بالبعض الآخر إما إلى ارتكاب شتى الجرائم، أو إلى تسعير حروب مهلكة بسبب التكالب على هذه المطالب المادية والأغراض النفسية، بل يدفع بهم إلى كل من ذلك كما هو المشاهد، فهم يعيشون في وحشة وتنافر وشقاق وتسابق في التسلح، وتنافس ومهارة في أنواع المكر والجرائم. أما توجيه الله لعباده المؤمنين المتقبلين لوحيه، الصادقين بضراعتهم إليه، فهو توجيه نزيه مريح، يبث السكينة في القلوب، ويستأصل منها جميع جراثيم الطمع المادي الصرف، والتوجع عليه، لانحصار قصده وغايته في خدمة عقيدته، والتوجه الصادق من الإنسان المؤمن إلى ربه، والاستئناس بوحيه والتلذذ به، والتشرف بتنفيذ وصاياه من حمل رسالته والذب عنها، والطموح الروحي إلى نيل وعده الكريم في الدنيا و الآخرة، وصدق التوكل عليه بالجد في العمل، والمثابرة بكل فرح وشغف واطمئنان، كما جرى من الرعيل الأول، ومن ذلك التوجيه ما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح و الآخرة أكبر همه؛ جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له"[20]. وزاد في رواية البيهقي: "وما أقبل عبد بقلبه على الله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع".[21]. وروى الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جعل الهم همَّاً واحداً كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبته الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك".[22]. ولقد صدق مدلول هذه الأحاديث على الماديين، حتى من المنتسبين للإسلام، ممن لم يصدقوا بضراعتهم مع الله بـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. فتراهم في نهمة وجشع، وهلع وتحسر، وتطاحن وقلق مهلك، بحيث إن الإحصائيات الطبية قررت أن عدد الوفيات بأمراض القلب والصدور وحوادث الانتحار أكثر مما أهلكته الحروب الراهنة خلال عشرين سنة في الولايات المتحدة، التي تعتبر رمز الحرية والحضارة والتقدم المالي المشوب بالفقر الروحي والعياذ بالله. والنصوص والأحاديث النبوية كثيرة في هذا المضمار الهادف للرضا والطمأنينة، وضبط عواطف البشر عن قصر النظر على المطالب المادية والكدح المجنون في معركة الحياة البهيمية الغارسة للأضغان، المثيرة للعداوة، المحرقة للصدقات والفضائل. ولا عبرة بسوء فهم بعض الناس لمعاني هذه الأحاديث، مما أفضى إلى إهمال بعضهم لها وإلى مغالاة بعضهم باستخدامها في إبطال أعمال الحياة، فهي لا تنص على ترك الأعمال وعيشة الدروشة، وإنما تنهى عن إيثار الدنيا وقصر النظر على المادة، ونسيان واجب الله من حياة العبد والتعلق بغيره، وتعطيل العمل لدينه زاهداً فيه، ورغبة في غيره من المسالك المادية بأي مذهب وأي مبدأ ينشغل به الإنسان عن عبودية الله، فيكون عبداً للهوى والشهوات، عبداً للدينار والدرهم والمتاع، منصرفاً بقلبه وحركاته إلى ذلك دون الله. فهذه معانيها السامية النافعة المطهرة الشافية للمخلصين المتبعين، الذين لا يحبون الحياة إلا من أجل الله،والعمل في مرضاته، وإعلاء كلمته،ويقصدون بجميع أعمالهم وحركاتهم هذا الهدف المحقق لجميع أنواع الفوز والسعادة في الدارين، والجالب لمدد الله في الحياة، والذين تمنحهم عبودية الله هذه المميزات، وتنعدم فيهم أسباب القلق، يسلم تفكيرهم من تأثير العواطف، وتحفهم السكينة التامة عند النوازل والملمات، فلا يغيب شي من تفكيرهم أو نظرهم إلى الحقائق، ويتلقون الأحداث بدون انزعاج أو حيرة أو تروع يعمي عليهم سبل التفكير أو ينقصها أبدا، لأنهم بقوة ثقتهم بالله وحسن نيتهم معه، وإخلاصهم له،وتفانيهم في سبيله،ينظرون بنوره، فهو سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، وقوتهم التي يندفعون بها ويبطشون، كما ورد الحديث القدسي بذلك، ولا يبتلون بالأوهام والخواطر السيئة التي تصيب غيرهم، بل هم في مأمن من جميع عوامل الهزيمة والتفكك، شعارهم في جوانحهم وجوارحهم: ﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51]. [1] أخرجه مسلم في صحيحه (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2586) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه [3] أخرجه البخاري(2442)، ومسلم (2564) من طريق أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري برقم (13) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. [5] أخرجه البخاري: (481)، ومسلم (2585) من حديث أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن.."الحديث. [6] أخرجه أبو داود برقم: (4884)، وأحمد (4/ 30)، والبيهقي (8/ 167) وغيرهم من طرق عن الليث بن سعد عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن بشر عن جابر بن عبدالله وأبي طلحة بن سهل قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الحديث. [7] أخرجه أبو داود في سننه (5121) من طريق محمد بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بي أبي سليمان عن جبير بن مطعم مرفوعاً به. [8] أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584) كلاهما من حديث جابر رضي الله عنه. [9] أخرجه النسائي في المجتبى (7/ 123)، وابن ماجه في سننه (3948) من طريق زياد ابن رباح عن أبي هريرة بنحوه. وأخرجه النسائي أيضاً (7/ 123) من طريق جندب بن عبدالله رضي الله عنه. وفي إسناده أبو مجلز وهو مدلس وقد عنعن، وأخرجه الطبراني في الأوسط (3946) من حديث أنس بن مالك وفي سنده قزعة بن سويد وهو ضعيف، وقد وثق كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد(6/ 286). وفي الأوسط أيضاً برقم (3405) من حديث سعيد بن المسيب عن ابن عباس مرفوعاً بنحوه. [10] أخرجه البخاري (2810)، ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: "فهو سبيل الله" بدل: "فهو شهيد". [11] أ خرجه البخاري في صحيحه (6882) من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: "أبغض الناس". وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله فهو كقوله: " أكبر الكبائر" وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي. اهـ. [12] أخرجه البخاري (1294)، مسلم (103) كلاهما من حديث مسروق عن عبدالله ابن مسعود مرفوعاً به. [13] أخرجه النسائي في الكبرى ( 6 / 412 ) رقم ( 11349 ) من طريق أبي سلام عن الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [14] أخرجه أحمد (5 / 136 )، والنسائي في الكبرى (5/ 272)، والطبراني في الكبير (1/ 198) رقم (532)، وابن حبان في صحيحه (7/ 424) رقم (3153). والضياء المقدسي في المختارة (3/ 435) كلهم من طرق عن أبي ابن كعب به. [15] أخرجه مسلم في صحيحه (653) من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه. = قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: " هل تسمع النداء بالصلاة؟" فقال: نعم، قال: "فأجب". [16] أخرجه البخاري في صحيحه (1243) من حديث أم العلاء رضي الله عنها. [17] أخرجه أبو داود (1522)، والنسائي في الكبرى (6/ 32)، والحاكم في المستدرك (1/ 407) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. [18] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (35) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [19] أخرجه أحمد (2/ 163)، والبيهقي في سننه (6/ 95)، والحاكم في المستدرك (4/ 108) من طرق عن محمد بن مسلم عن عبدالله بن عمرو به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. إلا أن البيهقي قال: محمد ابن مسلم هذا هو أبو الزبير ولم يسمع من عبدالله بن عمرو.اهـ. وانظر مسند البزار (6/ 363) رقم (2374). [20] أخرجه الترمذي (2465) من طريق الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً به. وأخرجه أحمد (5/ 183)، وابن ماجه (4105)، والطبراني في الكبير (5/ 143) رقم (4891) من طريق أبان بن عثمان بن عفان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعاً به. وأخرجه الطبراني في الكبير (11/ 266) برقم (11690) من طريق عكرمة عن ابن عباس، به بنحوه. [21] أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (4/ 182) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. [22] أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 481)، والبيهقي في الشعب (7/ 289) رقم (10340). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (10) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري العبودية بإشغال جميع الجوارح: الحادي والسبعون بعد المائة: إن عبودية الله تقتضي إشغال جميع الجوارح والأحاسيس في طاعة الله وامتثال أمره، لينحصر الاتجاه إليه سبحانه وتعالى في كل ما ركبه في جسم الإنسان، كما تقتضي كفها وصيانتها عن الانشغال بما لا يرضي الله من كل محرم ومكروه، وعن الانهماك في المباحات المشغلة عن الواجب والمندوب، خوفا من تراكم الغفلة المفضية إلى سخط الله، وإنما يأخذ منها بقدر الحاجة مع شديد الحذر وحسن النية ليكتبها الله له عبادة بصلاح نيته، والله غفور شكور، فيتعبد الله بجارحة السمع بالإنصات لما يحب الإنصات له من العلم الواجب عليه معرفته من أصل الدين وفروعه مما يجب اعتقاده أو يجب فعله في سائر أركان الإسلام وشعب الإيمان، وما يجب حفظه من وحي الله لإقامة هذه الشعائر، كما يتعبد الله باستماع المندوب سماعه من القرآن والذكر وسائر العلم النافع الخالي من شوائب الإلحاد والزندقة، ويتعبد الله بترك ما يحرم استماعه من كلام أهل الكفر والبدع والإلحاد والنفاق، إلا لمصلحة الدين مما يقصد به مقارعتهم بالحجة، واستظهار شبههم والشهادة عليهم، وترك استماع لهو الحديث المتنوع الذي تقذف به اليهودية العالمية على أيدي عملائها، وهي أجهزة الإعلام من المعازف والحكايات والأقاصيص الماجنة، فلا يتعمد استماع سائر أدوات اللهو والغناء والتشبيب بالمحرم، وإذا ابتلي به فليصرف ذهنه عنه، وليشغله بذكر الله وما نزل من الحق، حتى لا يدخل مسامعه، وكذلك لا يستمع إلى حديث شخص أو أشخاص وهم له كارهون، ولا إلى صوت النساء الأجنبيات حين خشية الفتنة أو حصول التلذذ، كما يتعبد الله بترك سماع كل مكروه في الشريعة. ويتعبد الله بحفظ بصره عن النظر إلى ما حرم الله من النساء والمردان، دون حاجة مبيحة كأخذ تقرير أو شهادة أو طب أو خطبة، ويستعمله في النظر الواجب كالنظر في المصحف، وكتب العلم الواجب معرفتها، والنظر لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يريد أكلها أو الاستمتاع بها، وأعيان الأمانات الواجب أداؤها لأربابها، والنظر في أنواع الأسلحة والأجهزة التي يريد استعمالها في الجهاد الصحيح فإن النظر إليها واجب للتأكد من صلاحيتها، كما يتعبد الله بالنظر المندوب، كالنظر في الكتب الدينية والأدبية الصحيحة التي تفيده علما وأدبا رفيعا، وتزيد في إيمانه وعقله، والنظر في المصحف وإلى الكعبة، وإلى آيات الله الكونية الموطدة لإيمانه ويقينه، بل قد يكون هذا من النظر الواجب. ويكف بصره عن النظر إلى ما حرمه الله من العورات التي وراء الثياب أو وراء الأبواب بلا سبب مبيح، وعما كرهه الله من فضول النظر أو المغريات التي قد تجذبه لما هو خطر، أو تجعله يزدري ما هو فيه من النعمة، وسيأتي لذلك زيادة توضيح في تفسير أواخر سورة (طه) إن شاء الله - سبحانه -. • ويتعبد الله بالتذوق الواجب، كتذوق ما يحتاج لسد رمقه وإقامة صلبه من مطعوم ومشروب حلال، أو حرام عند الاضطرار إليه، ما يعينه على تحصيله، وأكل ما يعينه على طاعة الله، ويقوي بدنه للغضب في الله والدفاع عن حدوده من المطعوم المباح، فإنه مندوب يتعبد الله به، كما يتعبد الله في ذوقه بترك ما حرم الله من مأكول أو مشروب، وما كرهه كالمتشابهات، وما زاد على الري والشبع، وطعام المرائين والمتبارين، أي: المتراهنين ونحوه، مما فيه نهمة أو إخلال بالمروءة. • ويتعبد الله بالشم، فيشم ما يجب شمه للتمييز بين الحلال والحرام والطيب والخبيث من الأعيان، للتوقي من حرمتها أو ضررها، وشم ما يترتب على شمه تقرير ملك أو حكم، ويشم ما يندب شمه مما يقوي على الطاعة ويقوي الحواس، ويشرح الصدر للعلم والعمل الشرعيين، كما يتعبد الله بترك ما يحرم شمه كالطيب المغصوب، أو طيب النساء الأجنبيات، أو الطيب في الإحرام، أو تعمد شم الروائح الخبيثة السيئة التأثير على النفس، وترك ما يكره شمه كطيب الظلمة وأصحاب الشهوات. • ويتعبد الله باللمس فيلمس ما يحتاج إليه للتمييز بين الحلال والحرام، وما يجب عليه لمسه للإعفاف والإحصان، وما يحتاجه من ثوب أو بقعة للصلاة ليستبين صلاحيته الشرعية، وما يستحب لمسه في هذا السبيل - أيضا - كما يتعبد الله بترك لمس ما حرمه الله من النساء الأجنبيات والمردان، ومن سائر الأعيان المحرمة، مما يغري لمسه على تناوله، وترك اللمس المكروه، كلمس ما حرمه الله حال الصيام أو الإحرام أو الاعتكاف ونحوه. • ويتعبد الله تعبدا صحيحا بجارحة اللسان، وذلك بإشغاله دائما بذكر الله، وما والاه من الكلم الطيب، وقراءة القران وكتب الحديث والتفسير للقرآن، والشروح للسنة المطهرة، وما استنبط من فقههما، وسائر الكتب المعولة عليهما، والمؤلفة في خدمتهما، وما يحصل به زيادة فهمهما من فنون العلم، مجتنبا كل ما يصده أو يبعده أو يشغله عنهما، أو يزهده فهمهما، مبغضا لذلك بغضا تاما، كما يكون مجتنبا ومبغضا ومنابذا ومعاديا لكل ما يناقضهما من كل فن وكتاب، فلا يقرؤه ولا يضيع فيه ثانية من دقائق عمره النفيس، إلا لحاجة الرد عليه، ودمغ شبهات أهله ممن هو قادر على ذلك، لتسلحه بوحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويكون - أيضا - حافظا لسانه من فضول الكلام، ومبتعدا عن قول الزور، واللدد في الخصومة، واللمز والاغتياب، ونحوه مما يهوي بصاحبه في النار سبعين خريفا، أو يكبه في النار على وجهه، كما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وينشغل عن ذلك بالكلم الطيب من الذكر، والأمر بالمعروف، الحض على الخير والصدقات، والإصلاح بين الناس وتأليف قلوبهم، وجمعهم على الطاعة، ونحو ذلك مما يجعله قائما بعبودية الله بضبط لسانه غاية الإمكان، متوقيا من آفاته. ويكون بليغا جريئا حديد اللسان في مقاومة أهل الباطل ومناظرتهم ودفع باطلهم بحجة البيان، ليكون مجاهدا لله-تعالى-في هذه الجارحة، شاكرا له على إنعامه بها شكرا حقيقيا، مستعينا بها على نيل رضاه، الذي هو غاية أماني المسلمين المؤمنين، فإن بطش اللسان قد يكون أعظم أثرا وأكبر فائدة من بطش اليد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شعر حسان رضي الله عنه: (والله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام)[1]. ثم يكون من جهة أخرى مسخراً للسانه بالدعوة إلى الله على بصيرة، وبحكمة وحسن بيان جذاب يعرض به الإسلام عرضا ملائما لكل بيئة، ليحقق شكر الله على نعمة اللسان ويكون من ورثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الداعين بدعوته، فينال حظا من رفعة الذكر، والصلوات المباركة، والوعد الحسن من الله في الدنيا والآخرة، ويكون من الصادقين مع الله، ولا يخرس لسانه عن النطق الحق. • ويتعبد الله سبحانه وتعالى بجارحتي اليدين والرجلين، فلا يبطش بيديه إلا لله وفي الله، وحسب مرضاة الله، فيعمل بيديه وفق مرضاة الله ما يعينه على حمل رسالته، والتقوي على عبادته من الكد والكدح في الحلال، واكتساب المال من طرقه المشروعة، ويكسب بهما ما يعينه على الواجبات من الإنفاق الواجب، وأداء الدين الواجب، واكتساب ما لا يحصل له أداء أركان دينه إلا به، باذلاً جهده في صيانة وجهه عن السؤال، أو التقصير في المفروض من نفقة واجبة ونحوها، كما يبطش بهما في الجهاد لإعلاء كلمة الله، وقمع المفتري عليه، وتوسيع رقعة الإسلام، وردع من حاول الصد عن سبيل الله بأي طريقة ويبطش بهما في إقامة حدود الله، وتأديب من يستحق التأديب، حسب أصول الشريعة، بحيث لا تأخذه الرأفة في التهاون بها أو إسقاطها، بل يعتبر الرحمة في إجرائها وإقامتها كما أمر الله بها، ويبطش بهما – أيضا - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا استلزم الإنكار ذلك، ويستعملهما فيما يستحب إشغالهما به من الإحسان للمسلمين والقيام بمصالحهم أخذا وردا، وإعانة محترف، وتعليم صانع، أو إصلاح آلة فاسدة أو تحريكها، أو عمل لأخرق، أو إعانة حامل، أو رفع منه، أو إعانة على سقي، أو إمساك دابة، وغير ذلك من المعونات المستحبة أو الواجبة. وكذلك كتابة ما يحتاجه المسلمون في معاملاتهم وضبط شهاداتهم ونحو ذلك، ويكون مجتنبا كل بطش حرام، ومبغضا له كما يبغضه الله ويحرمه، فلا يقتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق، ولا يعتدي عليها أبدا لأي حظ من حظوظ نفسه، أو رغبة من رغباتها، ولا يضرب من لا يحل له ضربه، ولا يطمع بمال معصوم بأي وسيلة من وسائل الاستلاب، ولا يشغل يديه بالألعاب المحرمة من أنواع الميسر ونحوها، مما هو شبيه بالنرد والشطرنج، أو خلفا عنهما، ولا بالمكروه من الألعاب، إلا ما يصلح منها للتدريب على الجهاد، وتقوية الأعصاب، بنية صادقة لذلك. ولا يكتب بيديه ما لا تجوز كتابته من البدع والخرافات، ونظريات الملاحدة والزنادقة، والشعر المحرم المشتمل على الأوصاف المثيرة للغرائز، أو مدح الخمر والإغراء بأي محرم، كما لا يكتب باطلا أو أحكاما جائرة، أو شهادات مزورة، أو سبابا أو وشاية، أو كل ما فيه ضرر على المسلمين وخدمة لأعدائهم، سواء في السلم أو الحرب، فلا تمتد يداه إلى شيء من ذلك ولا إلى رشوة، ولو بطريق هدية، لأن الهدايا إلى العمال والمسئولين في الدولة غلول كما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة ابن اللتبية، بل يطهرها من جميع ذلك ليحقق عبودية الله بهما، ويكون شاكرا لله على إنعامه بهما باستعمالهما فيما يرضيه. • ويلاحظ التزام عبودية الله في رجليه، حاصرا مشيه بهما في طاعته ومرضاته، فيسعى بهما إلى إقامة الصلاة في الجمع والجماعات، وإلى بذل الزكاة والحج والطواف وإقامة المناسك وتعظيم شعائر الله، والتكسب للقيام بالواجب، والسعي في الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإلى البطش الواجب والمندوب، وإلى الإصلاح بين الناس، وصلة الأقارب، وبر الوالدين، وزيارة الإخوان في الله من الأحباب في الدين، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، والمشي إلى مجالس العلم والذكر، وكل ما فيه تنفيذ لأمر الله، ويسعى بهما لاكتساب المال من طرقه المشروعة، واستثمار خيرات الأرض بنية صالحة لله، لتكون جميع حركات رجليه عبادة لله، فيكون شاكرا نعمته عليه بهما، فلا يمتطي بهما أي مركوب إلا لغرض من هذه الأغراض، وبنية حسنة، ويراقب الله فيهما، فيكفيهما عن المشي أو السفر لما لا يرضيه، فضلا عما يغضبه من السعي إلى معاصيه فإن الرجل الساعية إلى المعاصي هي رجل الشيطان، وكل ما يمتطيه الرجل إلى معصية لله فهو من ركب الشيطان، كما قال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ [الإسراء: 64]. كما أن كل مأكول أو مشروب محرم، أو تكسب لا يقصد به وجه الله، وكل ذرية لا يوجهها ولاة أمرها إلى الله بالتربية والتعليم الشرعيين، فهو من شرك الشيطان، وكل هدف إلى ما سوى الله فهو من أماني الشيطان وغروره، كما قال – تعالى- في ختام هذه الآية: ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورا ﴾ فالراكب في معصية الله كالماشي فيها، هو من جند الشيطان، والغازي والمحارب لأغراضه وأهدافه ومبادئه الوطنية، أو مذاهبه المادية ونحوها، مما لا يقصد به وجه الله وإعلاء كلمته، يكون من جند الشيطان وحزبه، سواء كان غالبا أو مغلوبا، لأن له سوء العقبى، وشر المنقلب لاسيما إذا كان مسلما في الظاهر، لأنه بسلوكه هذا قد حرم نفسه من نصرة الله، ومدده الذي لا يغلبه غالب. وهذا هو السر في تأخر المسلمين أو المحسوبين على الإسلام، فهزائمهم المتلاحقة أمام اليهود، وأعوانهم من الوثنيين، سببها انخراطهم في جندية الشيطان بسلوك أهوائهم في الحب والبغض، والولاء والمعاداة، واتباعهم الشهوات، والسير في الأنانية المختلفة التي جعلتهم لم يخلصوا النية ولم يصلحوا العمل لله. فكان المعيار عندهم ماديا بحتا، وإذا كان كذلك فعدوهم أكثر عددا وأقوى عدة مادية، فيكون له الرجحان لانعدام القوة الروحية الغالبة بإذن الله، حيث تربوا على الأفكار الماسونية اليهودية التي جعلتهم يسيرون وفق أغراضهم لا وفق أمر الله، ويقاتلون في سبيل أهوائهم وحدود أوطانهم، لا في سبيل الله وإعلاء كلمته وإقامة حدوده، بل لم ينالوا بما انتقصه أعداء الله من أراضي المسلمين وحدود الإسلام، ولا بما أجراه أعداء الله على المسلمين في جزيرة (قبرص) والحبشة وغيرهما مما هو تحت وطأة روسيا والصين، وإنما هدفهم مقصور على ما يسمونه بالوطن العربي، وعلى الأخص المتقبّل للمذهب الماركسي الشيوعي، بل ظاهروا أعداء المسلمين، وقد قلت في منظومتي عقب كارثة صفر عام 1387هـ(حزيران1967م): فلم يتقاتل مع يهود سوى الذي تربى على أفكارها لا على الذكر ولم ينهزم منها سوى متفرنج وفرخ شيوعي ومختلط الأمر لقد خانهم أسيادهم قوم (مركس) كما نكص الشيطان عن مشركي بدر. فالذين تربوا على الذكر الحكيم لم ينهزموا أمام اليهود وأعوانهم في كل زمان، وفي الوقت الذي تربّى فيه العرب على القرآن، فحظ اليهود أمامهم الذلة، ولكن حاربهم الذين استووا في جندية الشيطان مع عدوهم، فكانت الغلبة للقوة المادية والمكر السياسي أو الحربي، ولو أخلصوا نيتهم لله، وأصلحوا أعمالهم لوجهه الكريم، وحصروا اتجاههم إليه، ووحدوا هدفهم لإعلاء كلمته، لبارك في جمعهم، وسدد خطاهم، وثبتهم، وصوب رميتهم، وأمدهم بالريح والملائكة، وبجنود لا يعلمها إلا هو، ونصرهم بما يقذفه من الرعب الشديد في قلوب أعدائهم، وإحباطه لخططهم، وشله لحركة مصنوعاتهم، أو إفساد مفعول قذائفها، كما أفسد مفعول النار المتأججة على إبراهيم إمام الحنفاء عليه السلام. فهو يمكر للمؤمنين مكرا يحبط به مكر الكافرين ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30] وما أقل من ينتبه إلى هذا السر في هزائم المحسوبين على الإسلام، ألا وهو التقاؤهم مع أعدائهم في جندية الشيطان، لأن أدمغتهم قد تخبطت وفسدت، حتى تبلورت بالغزو الفكري من أعدائهم، ذلك الغزو الثقافي الماسوني، الذي أبعدهم عن القرآن، وأزاحهم عن العقيدة الحنيفية الأصيلة، وأبعدهم عن الأخلاق والشمائل المحمدية، وجعلهم يتعشقون الأخلاق والنظم الغربية والشيوعية مما هو من أوضاع اليهود، فكيف ينتصرون عليهم؟ ولا شك أن شياطين الإنس المبتعدين عن أمر الله وإقامة حكمه وتحقيق عبوديته، إذا تصارعوا فيما بينهم صراعاً كلامياً، أو حربياً، كان النصر لمن هو أكثر تهويشاً في الكلام أو أقوى عدة مادية، وأعمق مكراً، وأكثر أنصاراً من جنس الشياطين، فجند الشيطان فيما بينهم يكون انتصار بعضهم على بعض بهذا الاعتبار، كما حصل في حرب اليهود مع خصومهم من الماديين المتشيطنين، وإن ادعوا ما ادعوا، وكما حصل فيما يشبه حربهم من قبل في كل العصور والطوائف، وما سيحصل من بعد. وأما إذا تقابل جند الشيطان مع جند الله الصادقين في أعمالهم ومقاصدهم مع الله، فحظهم الخيبة والخزي والهزيمة أمام حزب الله، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 173-172]، ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76].﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ [الأنفال: 18]. ومهما كثر أعوانهم من فئات الشياطين فالله خاذلهم كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 19]. ومن عطل الله عن أمره وشرعه وحكمه ونصب نفسه مكان الله في التشريع لشئون الحياة، فقد حرم نفسه من هذا النصر وكان من صرعى الشياطين، وليحاذر من استعمال نعمة الرجلين في المشي إلى مجالس اللهو، أو اللعب المحرم والمكروه، وسائر ما هو من هوى النفس، حتى لا يكون من رجل الشيطان الساعية في مطلبه، ولا يخفى أن المحرك لهذه الجوارح والقوى والأحاسيس هو القلب، فهو ملكها ومسيرها حتماً، فبصلاحه تكون حركاتها إلى الخير والصلاح، وبفساده ينعكس الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"[2]. فرحى العبودية تدور على القلب وهو قطبها، ولكنه لا يسيِّرُ جوارحَ الإنسان وقواه وأحاسيسه إلى الله إلا إذا كان سليماً مما سواه؛ لأن القلب السليم هو الذي يتلقى حكم الله الشرعي الديني بالمسالمة والانقياد المحض، والتسليم بلا منازعة، فلا يعارضه بذوق أو سياسة أو قياس أبداً، بل بالإذعان والقبول، دون حلول شبهة تعارض شريعة الله، أو شهوة تعارض أمره وتحول دون تنفيذها. فهذا القلب السليم من الشهوات هو الملك المسير للإنسان تسييراً روحانياً ربانياً لا شيطانياً، وهو الذي يتكون من أفراده عباد الرحمن الذين ليس للشيطان عليهم سبيل، فلا يكسب الشيطان منهم راجلاً ولا راكباً، بل هم الذين يهزون أهل الأرض ويصعقون اليهودية العالمية في كل مكان، كما حصل ذلك من المتتلمذين على المدارس المحمدية الحنيفية، لا على المدارس المعولة على الخطط والمفاهيم الماسونية، ممن هم كسب لليهود، وقرة لعيونهم ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 117]. الثاني والسبعون بعد المائة: الصادق بضراعته إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يعتني غاية الاعتناء بسلامة قلبه، وذلك: 1- بتصفيته مما يرد عليه من الهمسات والخواطر التي تفتنه بشبهة أو تشغله بشهوة. 2- وتصفيته مما يقذف عليه من الآراء والنظريات. 3- ومن فساد المقاصد وهي ما يكون لغير الله من كل غرض وشهوة. 4- وتصفيته من مثبطات الهمم. 5- ومن التعلق بغير الله أو إيثار شيء على مراده، ولو أقرب قريب أو أنفس نفيس في الدنيا. 6- وتصفيته من استعذاب شيء فوق استعذاب عبادة الله بأي أنواعها، أو عذوبة كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. 7- ومن التعلق بجمال شيء ينسيه جمال الله ولذة قربه، بل إذا أعجبه جمال شيء ذكر جمال الله الذي جميع ما في الأكوان من جمال فهو أثر من آثار جماله، وكلما استمتع بمحبوب أو استلذ بشهوة زادت محبته لله الذي وهبها، وزاد تعلق قلبه بعبادته وحسن مراقبته. 8- وتصفيته من إجلال غير الله، والخوف من غير الله أو رجائه، أو قصر محبته عليه أو تفضيلها على حبه. وذلك أن القلب وعاء كسائر الأوعية، وكل وعاء لا يكون فيه صلاحية لوضع شيء، حتى يفرغ من ضده ويصفي كما هي القاعدة العقلية، إن قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتخليته وتنقيته من ضده، فالإناء الذي فيه الملح لا يصلح لوضع السكر أبداً حتى يفرغ من الملح وينقى تنقية ملائمة لوضع السكر، وهكذا فالقلوب شأنها أعظم من ذلك، ولا تصلح لقرار حب الله وإجلاله وتعظيمه، والخوف منه ومحبة ما جاء عنه ونحو ذلك من مقتضيات الدين والعبودية، حتى تفرغ وتصفو من حب غير الله وتعظيم غير الله، والخوف من غير الله أو رجائه، وتصفو من محبة لهو الحديث، والتعلق بالأنانية والشهوات، وتصفو من العلوم المادية والنظريات الإلحادية، وهناك تكون فيها القابلية الصحيحة. فإن القلب إذا صفت مقاصده لله، وصفت معلوماته مما سواه، وانحشى بوحيه العزيز، وانشغل بذكر أسمائه الحسنى متدبراً معانيها ومشتقاتها، ليعامل الله بمقتضاها ولا يأنس إلا بها، صفت موارده لخلوص مقاصده، فصار سليماً وفي حصن حصين من غزو أعدائه شياطين الإنس والجن الفكري ومن همزاتهم، فيثمر له صفاء علمه ومتعلقاته حسن السلوك الذي يسيِّر الأعضاء والأحاسيس حسب مرضاة الله، كما أسلفنا في الوجه الذي قبل هذا. الثالث والسبعون بعد المائة: الضراعة إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لا تكون صادقة نافذة المفعول على قائلها إلا إذا صدرت من مسلم مؤمن، قلبه منفتح نحو الله، يشهد نعم الله عليه من قبل وجوده إلى فقده تلك النعم التي لا يقوم بشكرها، ولا يقابلها أي عبادة، فيشهد نعمة الله عليه بذكره له في الملأ الأعلى قبل أن كان شيئاً مذكوراً، حيث قال للملائكة: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30] وذِكْرَه - أيضاً- إياه دون شيء من مخلوقاته، وذلك بتقدير رزقه وأجله وعمله. فهذا ذكر عظيم شكرهما وحقهما، ثم يشهد نعمة الله بتقدير خلقه في أحسن صورة، وإمداده بالسمع والبصر والفؤاد وسائر الجوارح والأحاسيس والقوى، وإسباغ نعمه العظيمة عليه، فلا يغفل عن ذكره أو ينشغل بسواه، بل يشكر كل نعمة لله شكراً عملياً باستعمالها في طاعته والسعي في مرضاته، وعدم الغفلة عنه، فكلما ذكر نعمة الإيجاد ذكر الله الموجد له والذاكر له بها ذكراً صحيحاً، ذكر المحب لحبيبه، المتفضل على حبيبه، وضرع إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ضراعة المخلص الصادق المصمم على معاملة الله بمقتضاها، والاتجاه إليه قولاً وعملاً وقصداً. ويستحضر دائماً نعمة الله عليه، في تقدير رزقه والفسحة في أجله، فيقدر ذكر الله له بها، ويذكره ذكره المحب لحبيبه، المتفضل عليه، فيصدق في تجديد ضراعته إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مصمماً عزمه على معاملة الله بمقتضاها، والاتجاه إليه بمدلولها، قولاً وعملاً وقصداً، ويستحضر دائماً نعمة السمع والبصر والفؤاد، والشم والذوق والنطق، والبطش والمشي، وسائر الحركات التي ذكره الله بكل شيء منها، فأكرمه وأنعم عليه بها، فيذكر الله ذكر المحب لحبيبه، كلما استمتع بشيء منها وانتفع. ويجدد الضراعة الصادقة الخالصة له بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ عازماً عزماً أكيداً على تنفيذ مقتضياتها بكل قوة وتصميم، ذاكراً للنعمة الكبرى التي ذكره الله بها في الأزل، وأنعم عليه بها بعد إيجاده، وهي نعمة الإسلام التي لا تعدلها كل نعمة، ولا تقوم الدنيا كلها ثمناً لها، فيزيد حبه لله وتعظيمه له، وذكره إياه ذكراً صحيحاً نافعاً مؤثراً، ويزداد حبه لرسوله عليه الصلاة والسلام الذي جرت هذه النعمة الكبرى على يديه، وهذا الإنقاذ الحيوي على يديه. هذه النعمة التي رفعته عن مستوى البهائم الخسيسة، وأخرجته من الظلمات إلى النور، وحررته من رق العبودية، والخضوع لغير الله، هذه النعمة التي لولا إكرام الله له بها لكانت البهائم أحسن منه حالاً ومآلاً، فيقوم بشكر الله عليها شكراً عملياً يجعله يعض عليها بالنواجذ، ويكون قوي الشكيمة في حفظها، والاستمساك بها، والدفاع عنها بصولة ليث غاضب، وبذل النفس والنفيس دونها، وصدق العزيمة في تأدية أركانها وواجباتها وشُعَبها ومندوباتها، والأخذ برخصها وعزائمها، والصرامة في تنفيذ متطلباتها وأحكامها، وبغض المعرض عنها، والمصر على ترك شيء منها، والمتجاوز لحدودها، ومعاداة من ينتقضها، ومحاربة من يعاديها بكل صورة، ولو كان صاحب هذه الصفات أقرب قريب، بل يعتبر البر والرحمة في عقوبته والغلطة عليه. وشعاره في كل شيء من ذلك ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ معتقداً أن محبته لله محفوفة بمحبتين منه - جل وعلا -: محبة سابقة هيج بها قلبه إليه وشوقه، ومحبة لاحقة على حسن النية، وإصلاح العمل الذي وفقه إليه، ومعتقداً أيضاً أن ذكره لله محفوف بذكرين له منه - جل وعلا-: ذكر التوفيق له إليه أولاً، وذكر الإثابة ثانياً. والفضل كله له في البدء والمنتهي، وبذلك يسلم من العجب والكبر والإدلاء على الله بعمله، ونحو ذلك من أدواء القلب، ويحدوه الصدق في الشكر إلى حسن مراقبته، والمثابرة على عبادته، وصدق الاستعانة به في ذلك، ولا يبيح لنفسه الغفلة عن الله، أو إضاعة أدنى شيء من أوقاته بلا عمل لله، بل ينشغل بالله عما سواه، ويجود بكل شيء في سبيله ومرضاته، فيكون من خير البرية، ويكون محفوفاً بألطاف الله، منصوراً على أعدائه، مرهوب الجانب في الأرض، كما جرى للرعيل الأول. الرابع والسبعون بعد المائة: كل من تحققت فيه هذه الوجوه الثلاثة المتقدمة، وكانت عبوديته لله سائرة على ما فصلته فيها، فإنه ينكشف حجاب قلبه عن ربه فيستنير، ويكون مقبلاً على الله، متلذذاً بعبادته، يجد لها حلاوة، ويجد منها سروراً، وتفيض أنوار الهداية على جميع أحاسيسه، فلا يطمئن إلا لذكر الله وطاعته، ويكون متوحشاً مما سواه، وتكون أعماله الدنيوية مرتبطة بالله، قصداً لوجهه واتباعاً لشريعته، ولا يدخل إلى مسامعه شيء من لهو الحديث المتنوع، الذي تقذف به اليهودية العالمية على أيدي عملائها ومخدوعيها، فضلاً عن أن يستعذب شيئاً منه. يتبع
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
|
هذا مستحيل؛ لأنه ليس لديه ذرة واحدة إلا بالله، ومن الله، وجميع أوقاته وطاقاته منحصرة لله، قد سلم من حجاب نفسه وأهوائه، وانقشع عنه ضباب الشهوة والأنانية، فقلبه في ربيع القرآن، وروحه في نعيم الطاعة، لخلاصه من الحجب المعوقة له والمضللة له عن طريق السير إلى الله؛ لأنه بسلوك ما فصلته في الوجوه السابقة يتخلص من الحجب التي بلغ العلماء في عدها إلى عشرة وهي: 1- تعطيل الله عن أمره وشرعه، وكون البشر يسلكون ما شاءوا دون ارتباط بالله. 2- تعطيل حقائق أسمائه وصفاته، وعدم معاملة الله بمقتضى كل اسم وصفة. 3- حجاب الشرك من سائر التعلق بغير الله، فإن الشرك ليس مقصوراً على عبادة صنم ونحوه، وإنما هو متمثل بانصراف القلب عن الله إلى غيره، في أي ناحية من شئون الحياة. 4- حجاب البدعة القولية، مما ينشأ من تلقي العلوم والمعارف من غير مشكاة النبوة، كالمنطق اليوناني، ونظريات الفلاسفة الأقدمين أو المتأخرين في الإلهيات، أو علم النفس أو الطبيعات ونحوها، مما هو قول على الله بغير علم، وصد للأمة عن سبيل الله، وإشغال لها عن وحي ربها، وصرف لها عن هدايته. 5- حجاب البدعة من كل عمل مخالف لما عليه أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم، سواء ظهر باسم تصوف أو طريقة أخرى، فإن العبرة بجنس السلوك المخالف لحال النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لا بجنس المسمى. 6- حجاب كبائر الذنوب الباطنة كالكبر والعجب والرياء والحسد والخيلاء ونحوها. 7- حجاب كبائر الذنوب الظاهرة؛ لأن المعصية تجر غيرها إذا لم يتذكر صاحبها، ويبادر بالتوبة النصوح، ويتسلح بسلاح المراقبة. 8- حجاب صغائر الذنوب وفضول الأشياء والكلام، فإن الصغيرة تنقلب كبيرة مع الإصرار، أو شركاً وكفراً مع الاستباحة. 9- حجاب الغفلة عن الله ونسيان العبد ما خلقه الله لأجله. 10- حجاب التوسع في المباحات مما يحدث به قسوة القلب وبعده عن الله، وعدم استشعار مشاهد يوم القيامة. ومنشأ هذه الحجب أربعة عناصر: 1- النفس الأمارة بالسوء أو اللوامة. 2- الهوى، فإنه لميله بصاحبه يحجبه عن السير إلى الله وتحقيق مرضاته. 3- إيثار الدنيا والتعلق بزينتها وجعلها غاية لا وسيلة. 4- الشيطان، سواء كان من شياطين الجن أو الإنس كما فصلت ذلك في باب الاستعاذة، ولا يتغلب على هذه العناصر، ولا يسلم من تلك الحجب، إلا صاحب القلب السليم الذي مضى تفصيل حاله في الأوجه الثلاثة قبل هذا. صاحب القلب السليم الذي إذا وصل إليه أي نعمة علم أن الله قد ذكره بها، وأوصلها إليه، فيزداد حبه لله وإجلاله على ابتدائه له بالمعروف والإحسان، فيتفانى في طاعته، وبذل النفس والنفيس في نصرة دينه، ويكون محباً لأحبابه مهما كانوا، ومبغضاً لأعدائه من الكفرة والعصاة، ولو كانوا أقرب قريب، ويكون منشغلاً به عما سواه في كل ناحية، مقدماً مراده على مراد نفسه بالكلية. الخامس والسبعون بعد المائة: صدق ضراعة المؤمنين بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تجعل عبودية الله تخط خطاً لحياتهم في كل سلوك، وتوجه أفكارهم وتصوراتهم ومشاعرهم ونشاطهم وارتباطاتهم في كل اتجاه وهدف، فلا يدينون لمن يسلك بهم مسلكاً، أو يوجههم إلى أي شيء من أوضاع البشر، أو رغبات المتحكمين من الرؤساء أو الأمراء فإنهم حينئذٍ يدينون بغير دين الله، فتكون جماعة في دين رئيسها وفق أهوائه، وجماعة في دين حاكمها، وجماعة في دين رئيسها وفق أهوائه، وجماعة في دين حاكمها، وجماعة في دين أميرها أو زعيمها، أو أحبارها أو رهبانها، إلى غير ذلك، مما يجعلون به جانباً من جوانب حياتهم لله، والجوانب الأخرى لغيره، كما هو مخطط أعداء الله باسم الحضارة والتطور. فإن الدين الإسلامي يتعبد أهله بمعاملة الله، معاملة الربوبية والألوهية، والملوكية والقوامة بجميع ما لذلك من مفاهيم، فيكون وحي الله وشرعه هو الينبوع الذي ينبثق منه الأخلاق والسلوك، في الميدان السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، حال السلم والحرب. فتكون حياة المسلم ومماته لله وحده لا شريك له، وليس له عقيدة إلا ملة إبراهيم التي جاء بها محمد – عليهما الصلاة والسلام-، غير منفصل عنها في أي جانب من جوانب الحياة، لا يحرك قلبه سواها، ولا يلهب مشاعره وجوارحه إلا هي، لا يحركها إله الهوى ولا سلطان الشهوات، ولا أي نزعة شيطانية من نزعات القومية أو البعثية أو الوطنية أو الشيوعية وما شاكلها، ولا تدخل في دين الرئيس الفلاني الذي يدين به وفق أهوائه، ولا الملك الفلاني، ولا الأمير الفلاني أو القبيلة الفلانية، أو الشعب الفلاني، ونحو ذلك من كل ما يخالف منهج الله تعالى ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [ آل عمران: 83]. والدين الإسلامي ليس محضوراً في الضمير ولا منعزلاً عن واقع الحياة، مقصوراً على شعائر تعبدية لا تأثير لها في مجالات الحياة، فهذا تصور مضحك لحقيقة واقع البشرية في هذا الكون؛ لأنه حين تحكم ضمير الإنسان ووجدانه شريعة ثم تحكم واقعه ونشاطه شريعة أخرى، كل منها منبثق من تصور مختلف، هذا من عبادة الله، وهذا من عبادة الهوى والأشخاص، فتتضارب أفعاله، وتكون حياته في قلق وحيرة دائمين، هذا شيء يضحك منه من تعشقه وتبناه لو فكر فيه تفكيراً حراً سليماً، إذ كيف يفصل بين الواقع الشعوري الوجداني، والواقع العملي الحركي؟! وأي ضمير لا يحرك الجوارح والأحاسيس بحسب ما يكنه ويريده من المحبوبات؟ إن تحرك المرء لغير الله دليل على أن ضميره لا يحب الله ولا يريده، هذه هي الجاهلية التي جاء هذا الدين ليحطمها، ويغيرها من الأساس، ليحرر الناس من عبادة غير الله، والحياة الإسلامية لا بد أن تقوم جميع أنظمتها على قاعدة التصور الإسلامي من أصل عقيدة الألوهية ومدلول أسماء الله الحسنى، وإلا كانت الحياة وثنية جاهلية مهما صبغت بالأسماء والشعارات إذ لا معنى للدين أصلاً إذا فصل عن تنظيم الحياة الواقعية، سواء كانت ارتباطات الإنسان بربه أو بإنسان مثله، إذ لابد من معاملته له وفق شرع الله في كل شيء. وينبغي لكل ذي لب أن يفهم جيداً أنه ليس من طبيعة الدين الحق أن يجعل لله جزءاً في الحياة البشرية دون سائر قطاعاتها العامة، وتكون هذه إذاً لآلهة شتى وأرباب متفرقين، يضعون للناس ما يريدونه هم من النظم والتشكيلات، دون الرجوع إلى الله ورسوله، هذا شيء لا يقبله أي حاكم من حكام البشر، فكيف بالله أحكم الحاكمين؟ السادس والسبعون بعد المائة: تحقيق عبادة الله هو المقوم الأعلى لحياة الإنسان، وبقدر قيامه بها يقاس صعوده أو هبوطه، وسعادته لا تتحقق بدون تحققها، وبدون عبادة الله الصحيحة ينحدر في صفاته الإنسانية، وفي تصوراته للقيم الإنسانية؛ لأنه يكون عبداً للماديات، وعبداً للشهوات، وعبداً للآلة، أو تابعاً ذليلاً من توابعها، فينحط في تصوره وأخلاقه، ويهبط في علاقاته الجنسية إلى أحط من حالة البهيمة، وتراه لا يعرف سوى صخب الأسواق ودخان المصانع، وأزيز الماكينات. وحينئذٍ يشقى ويقلق، ويعاني من الحيرة والإرهاصات ما لم يعان قط في تاريخه من التعاسة والأمراض النفسية، والشذوذ والعنة المفضي إلى كل جريمة، ويكون غالباً هائماً على وجهه، يعالج تعاسته بما يقتل به روحه وجسمه وأعصابه من المنعشات والخمور والمخدرات، ويتفحص مذاهب اليأس والقنوط، ويكون جميع ما حصل عليه من العلوم المادية في معزل عن روح الإنسانية الصحيحة، إذ لا يحقق شرف الإنسانية ويضمن لها الحياة الطيبة والمستوى الرفيع، إلا ما أراده خالقها العظيم، العليم بمصالحها في كل شيء على مر العصور. ولا تتم عبادة الله إلا بصحة العقيدة التي ترسم له أهدافاً أكبر من ذاته، وأعم من فكره، وأبعد من حاضره القصير، وأرفع من واقعه، وتربطه بذات علوية لها عليه رقابة محيطة، وسيطرة تامة يحبها ويعظمها من جهة، ويخشاها ويتقي غضبها من جهة أخرى، ويتملقها ويطلب رضاها من جهة ثالثة، ويرجوها وينتظر عونها على الخير من جهة رابعة، ويستحيي من مواجهتها باللؤم وكفران النعم من جهة خامسة، ويتشوق لجزائها الأوفى بالحسنى وزيادة من جهة سادسة. هذه العقيدة تجعله لا يخرج على عبودية الله لحظة واحدة في أي حال، ولا يلتفت إلى غيره في أي معاملة، من حب وولاء وبغض وعداء وبراء وخوف، وتعظيم ورجاء، واستعانة أو غيرها، وتجعله يخضع جميع النظريات والعلوم لوحي الله، ويكيفه به، ولا يعكس الأمر شأن الماديين المبتعدين عن عبادة الله في هذا الزمان. السابع والسبعون بعد المائة: حاجة الإنسان إلى عبادة الله، لا يسدها شيء أبدا، فجوعته الروحية لا يسدها الطعام، ولا يرويها الشراب، ولا يسكنها الكساء، أو أي شيء من أصناف متاع الدنيا؛ لأنها جوعة من نوع آخر، جوعة إلى الإيمان بقوة أكبر من البشر، بل أكبر من العوالم المحسوسة، جوعة إلى نيل قيمة النفس التي هي أعلى من جميع الأكوان، بل لا تقوم جميع الأكوان ثمنا لنفس واحد من أنفاس الإيمان الصحيح بالله، والعمل الصادق لوجهه الكريم، وجوعة إسلامية إلى إقامة حكم الله في الأرض، وانتزاعه من الظلمة الكفرة الذين تطاولوا على سلطانه فيها. فجوعة المسلم المؤمن الحقيقي لا يسكنها الحضارات المادية، حضارات الكفر، مهما قدمت له من الرفاهية الحيوانية، وبذلت له من أنواع الزينة والتسهيلات، إن جوعته لا يسدها ولا يملأ فراغها سوى حب الله وتعظيمه، وحب رسوله وتعظيمه، حباً يجعله متعلقاً به، منشغلاً بطاعته، متشرفاً بتنفيذ أحكامه ووصاياه، متطلعاً إلى رضوانه، متشوقاً إلى لقائه في جنانه، مما يجعله محباً للموت أكثر من محبة أعدائه للحياة، وبذلك يكون في جهاد متواصل داخلي وخارجي، يحصل به على الحياة الطيبة من العز والنصر، والتمكين في الدنيا، ونيل جنان الخلد في الدار الآخرة، ومن لم يكن على هذه الحال كان بلا شك على الحال التي أسلفناها فيما قبل ذلك. الثامن والسبعون بعد المائة: حمل رسالة الله والقيام بنصرة دينه لا يتحقق بمجرد الاعتراف بالنطق بالشهادتين، والتعلق بالأماني على الله بالخوارق، وإنجاز وعده بدون عمل صالح صادق وفق أمره يستجلب رضاه، وجهاد يتبين به المؤمن عن المنافق، فلذلك كان من ضرورة كل مسلم عارف بالله، خائف من سخطه، راع لمرضاته، أن يصدق في عبادته فيضرع إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؛ لأن دين الله لا تتحقق إقامته في الأرض، حتى يحمله جماعة من البشر، يؤمنون به إيماناً كاملاً، ويستقيمون عليه غاية جهدهم، ويتعرضوا لمجاهدة الناس بجميع أنواع المجاهدة، مجاهدة بالقلب بالكراهية لباطلهم، والتصميم على نقلهم منه بجميع ضروب الأمر بالمعروف ومستلزماته، ومجاهدتهم باللسان بالتبليغ والبيان، ورفض باطلهم وتزييفه بالنقد العلمي والعقلي، كما أرشد إليه القرآن، ومجاهدتهم باليد دفعاً وإزالة، وقمعاً وزحفاً بالحق حسب المستطاع. فحقيقة الإيمان لا تتم بالقلب حتى يتعرض لهذه الأنواع من المجاهدة، ويصبر على الأذى والابتلاء، قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31]، ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]، ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]،﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4][3] فإنه ينفتح للمسلم بذلك آفاق لا تنفتح بدون المجاهدة، ويعرف من خبايا الناس ما لا يعرفه بدونها. التاسع والسبعون بعد المائة: تحقيق عبودية الله تتحقق دعائم كيان المسلم ونصرته وتمكينه في الأرض، فالقيام بعبودية الله هو الضامن لحصول ذلك، وهي لا تتحقق باللفظ والدعوى، ولا بإقامة بعض الشعائر، والإتيان ببعض الأوامر دون بعض، وإنما تتحقق العبودية بحصر الاتجاه إلى الله في كل شيء، والطاعة لله في كل شيء، وتحكيم شرعه في كل شيء. والضمان لتحقيق هذه العبادة بكاملها هو نزاهة ضمير المسلم من الهوى والأنانية، وقوة جنانه بصدق توكله على الله، والاعتماد عليه، وعدم الخوف من غيره بتاتاً، وكونه دائماً مستشعراً مشاهد يوم القيامة، والرجوع إلى مالك يوم الدين، فلذلك يكرر الضراعة بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لعمارة ضميره، وإيقاظ شعوره، فيكون أميناً على حق الله في الحياة، والتزام ما ألزمه الله به. الثمانون بعد المائة: هذا الإرشاد من الله لعباده بضراعتهم إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إعلام منه - تعالى - للبشر بأن هذا الدين لا تتحقق إقامته في الأرض إلا بجهودهم حسب طاقتهم، وحسن نيتهم الجالبة لعونه - تعالى -، ومدى صدقهم مع الله، وهو تعالى يجبر نقصهم ويسدد خطاهم، وينصرهم على أعدائهم، ويمكنهم في الأرض مقابل إخلاصهم في القول والعمل والقصد، لتكون كلمة الله هي العليا، فيجعلهم الأعلون. وثبات المسلمين على هذا المبدأ، وانطباعهم بهذه الضراعة عملياً، يحقق لهم ذلك، ويجعلهم يثبتون أمام جميع العالم أن هذا الدين مستطاع وملائم لفطرة البشر، وليس دعوة (مثالية) كما يكرر ذلك من يقصد إشاعة اليأس من دوام ذلك، محتجاً بما جرى من الأحداث على عدم استئناف المد الإسلامي، وبمنهجه الذي سار عليه السلف الصالح. لذلك فإن الصدق مع الله بهذه الضراعة يكذب هذا الزعم الذي روجه المبطلون، وهضمه المغفلون السطحيون الذين يجهلون أسباب الانتكاسة، وتلاحق الكوارث على المسلمين، فإن جريان هذا بسبب عدم الثبات على المبدأ، وعدم تحقيق العمل بمقتضى هذه الآية، التي من عامل الله بمقتضاها كان من الصادقين، الذين يصلح الله لهم أعمالهم، ويمدهم بالنصر في الدنيا. وما أيسر رد البشرية لدين الله وإقامة حدوده إذا انبرى لها من يربيها على تربية محمدية، كتربية الرعيل الأول، لاسيما وقد تذوقوا مرارة الشقاء والقلق والإرهاب، واكتووا بنيران الحروب. فتحقيق مقتضيات عبودية الله والاستعانة به، لا يكلف البشرية إلا أقل مما كلفته المناهج الماسونية والأهواء الجاهلية بكثير، زد على هذا أنه يعتمد على رصيد الفطرة المذخور من الله فيها، والذي لا ينضب معينه مع الاستعانة بالله أبداً. الحادي والثمانون بعد المائة: عقيدة المسلم وأخلاقه المنبثقة من شعاره الصادق، وضراعته الخالصة بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ هي في صميمها قوة بناءة، وحركة دافعة إلى النمو المطرد، وانطلاق إلى الحركة الدائبة في سائر المجالات التي بها تحقيق الذات، وفرض الإرادة، ولكن بأسلوب نظيف مشرف للغاية. الثاني والثمانون بعد المائة: استدامة الضراعة الصادقة مع الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فيها تعليم عظيم للمسلم أن موقفه في جميع واقعيات الحياة ليس موقفاً سلبياً، بل هو موقف إيحابي يجعله يسابق أعداءه في كل صنعة، واستثمار وتكتل وانطلاق، وتجعله يبادر لاستلام كل آلة وكل مخترع، ليصرفه التصريف الصحيح حسب المنهج الإسلامي، ويكيفه بوحي الله ومرضاته، ولا يقف منه موقف السلبية، فيكون من حظ أعداء الله، يسيرونه وفق أغراضهم، ويستعملونه ضد العقيدة والأخلاق، كما جرى للمسلمين الجامدين من السلبية أمام المخترعات الحديثة، من كافة وسائل النشر والإعلام. فالتبطل والسلبية صورة غير أخلاقية؛ لأنها تعكس المقصود من غاية الوجود الإنساني، حتى تجعل القائد مقوداً، فالمسلم بإسلامه الصحيح لا يقف من هذه المخترَعات موقف السلبية، ولا يستسلم لها باعتبارها أمراً واقعاً لا مفر منه، بل يلجأ إلى معينه الذي لا ينضب، وهو وحي الله وفطرته، فيسعى بهما قوياً لتعديل الواقع، وتسييره وإصلاحه، ليدفع ما فيه من ضرر وفساد، ويحوله إلى نفع وصلاح، وذلك لأن المخترعات الحديثة وراءها قوة مادية، وصنائع لأعداء الإسلام، يفرضون بواسطتها ما يريدون من إفساد الأخلاق، والتشكيك بالعقيدة، فلا بد للمسلمين من مقابلتهم بالرصيد الذي لا يغلبه غالب، رصيد الوحي والفطرة الذي يزهق كل باطل، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ [الفرقان: 33]. الثالث والثمانون بعد المائة: إذا حقق أهل (لا إله إلا الله) القيام بمدلول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وعاشوا مع أولادهم وإخوانهم بالتصور الإسلامي، والعمل لخير الإسلام، فإن مجتمعهم ينمو ويقوى على ما حوله أو في وسطه من المجتمعات المادية الوثنية، بلا عوائق داخلية أو خارجية، وهم يتنفسون الأنفاس الطبيعية بكل حرية وانطلاق، وذلك بقوة تعاونهم على البر والتقوى، وتماسكهم في ذات الله، وقيامهم بواجب الشاهدين، من تحقيق العبودية، وصدق الاستعانة بالله، وتندحر أمامهم كل قوة، وتخفق كل محاولة ضدهم. أما الذين يجبنون عن تحقيق مدلول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾، ويعتنقون من دينهم ما يريده العدو لهم من صلاة باردة لا يتأثر بها أهلها خارج المسجد، أو طقوس مصطنعة باسم الطرق الموروثة، دون بذل المجهود لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمته في الأرض، فإنهم يكونون ضائعين وسط المجتمعات المادية المخالفة لأمر الله، والمتطاولة على وحيه بل يكونون مطاردين إذا حاولوا القيام أو التلفظ بما يخالف آراء حكام هذه المجتمعات، حتى تكون عقيدتهم مجرد اسم مكنون في الضمير أو مزعوم، كما تريده الماسونية اليهودية بمصطلحاتها الخداعة. وإذا كانوا لا يملكون تحقيق إسلامهم، وهم أفراد ضائعون أو مطاردون وسط المجتمعات المادية الوثنية الجديدة، فما قيمة هذا النوع من المسلمين نسبياً أو دولياً؟ ومن هنا يحتِّم الإسلام على أهله إقامة مجتمع يهيمن عليه شرع الله، ويحرم عليهم تملق الكفار أو مشابهتهم، فضلاً عن التميع معهم، ويوجب عليهم التعاون فيما بينهم والتفاف بعضهم إلى بعض، مهما بعدت الشقة، وأن يقاطعوا من سواهم ممن لا يسالمهم على عقيدتهم مسالمة صحيحة. الرابع والثمانون بعد المائة: العابد لله حقاً والضارع إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ صدقاً يشق طريقه نحو تنفيذ أوامر الله، صادعاً بالحق، لا يبالي بما يقف في وجهه من تصورات المجتمع وعقائدهم المخالفة لوحي الله، ولا يبالي بما يقف في وجهه من الأوضاع والأنظمة والعصبيات والأطماع، ساعياً إلى تصحيح كل ذلك. وبهذا التصميم القوي الصادق تتكون فئة تقوم بحكم الله، وقمع من ينازعه، فيرتفع الإسلام عالياً بصدق النية، وبذل المجهود في إعلاء كلمة الله، كما حصل ذلك من السلف الصالح الذين أصروا على إزالة ما يخالف دين الله، دون مبالاة بما يسند الباطل من قوى الشر كلها، لقوة اعتقادهم بأن الباطل لا يجول إلا عند سكوت أهل الحق عنه، فإذا صالوا عليه فإنه يكون زهوقاً. ولو قال قائل في ذلك الزمان: إن هذا الدين سيصارِع ما أمامه من القوى الهائلة، وينتصر عليها في ثلث قرن من السنين تقريباً ؛ لسخر منه السامعون، ولكن هذا الباطل الهائل القوي سرعان ما انهار أمام أهل الحق بسلاحهم الضعيف الذي تؤيده قوة السماء المستمطرة من الله بصدق قلوبهم معه، وإخلاص أعمالهم له، ومحبتهم إياه، كما هي سنة الله الدائمة التي لا تتبدل بل تتكرر كلما سلك الناس صراطه المستقيم، واتبعوا رضوانه ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الفتح: 23]. الخامس والثمانون بعد المائة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وهي رصيد الفطرة المستمد من كنز (لا إله إلا الله) الفطرة التي لا تعرف إلهاً إلا الله، والتي من رجع إليها بعقله الفطري السالم من المؤثرات عرف الإله الحق بخصائصه وصفاته، فامتنع أن يعبد أحداً من الناس بتاتاً، وشمخ برأسه إلى عبادة الواحد القاهر، وحينئذٍ يقف الجميع رافعي رءوسهم أمام بعضهم البعض، فيا له من توجيه سماوي من رحمن رحيم، يقي عباده شرور الامتيازات الطبقية، والعناصر الدموية، والتفرقة الجنسية التي بسببها يفرض كل ٌلنفسه حقوقاً ومميزات دون غيره. فقد كانت هذه موجودة عند العرب لا سيما في قريش التي تسمي نفسها (الحمس)، وكان المجتمع الإيراني أفظع حالة؛ لأنه مؤسس على اعتبار النسب والحرف، فكان بين طبقاته فوارق عظيمة جداً لا يكاد يتصورها إلا من عرف التاريخ، حتى كانت الأكاسرة عندهم كالآلهة، والأغنياء كالقديسين، ومع هذا فالإقليم الهندي أفظع منهم وأبشع في نظام الطبقات الذي لا يزال باقياً حتى الآن، ففيهم كثرة كاثرة يسمون بالمنبوذين لا يعاملون إلا معاملة البهائم. وهكذا كل بلد، حتى الولايات الأمريكية التي هي قبلة الماديين في هذا الزمان بالعلم والحرية والتمدن، عندهم من التفريق العنصري ما تأباه النفوس السليمة، ولن ينقذ الأمم سوى تقيدهم بهذه الآية وانطباعهم بها، ليطهر مجتمعهم من الملوثات الجاهلية، المتمثلة في التفرقة القائمة على اختلاف الدماء والأجناس والأوطان، وفي الإخضاع والطبقية وأكل السحت والربا. فتحقيق العمل بمقتضيات هذه الآية الكريمة استجابة لله وسير على فطرته ووحيه الذي يجعل كرامة الإنسان مستمدة من إنسانيته، وطواعيته لله، ويحصر ميزة الإنسان على الإنسان بتقوى الله، وشكر نعمه بحسن التصرف فيها، وفق مرضاته ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13] فليست كرامة الإنسان مستمدة من لون أو وطن أو عرض آخر، كمنصب أو ثروة وغيرها من الأعراض الزائلة، بل قد تبعده عن الكرامة الحقيقية إذا طغى بها، وأبعدته عن طاعة الله. وإنما كانت الميزة بالتقوى؛ لأنها تجعل صاحبها فاضلاً بحسن سلوكه، وقوة صموده في الحق، ورباطة جأشه، وصولته لحماية الدين، فبدونها لا ميزة لأحد على أحد حتى الحكام والأمراء، فقد علمتهم عبودية الله أن ليس لهم حقوق شخصية زائدة على غيرهم، ونكتفي هنا بقول الصديق الخليفة الأول رضي الله عنه: إني وليت أمركم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسات فقوموني، وأطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. وبالحادثة المشهورة للقبطي مع ابن عمرو بن العاص. ولا يتمثل نبذ العصبيات والامتيازات الأخرى في أهل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فهم الذين منحوا الكرامة الإنسانية لجميع بني الإنسان، بعد أن كانت وقفاً على طبقات معينة، أو بيوت معينة، وجعلوا قوة علاقتهم بالله من محبته، والسعي في مرضاته، هي التي تقيم له الوزن في الحياة الدنيا وفي الآخرة. السادس والثمانون بعد المائة: الصادق بضراعته إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لابد له أن يكون حارساً أميناً على نفسه ومجتمعه، من الانفلات والانصياع عن مقتضياتها؛ لأن الذي لا يتمسك بمقتضياتها، ولا يستقيم على ذلك، لا يكون محلقاً إلى سماء العزة وحسن القوامة، بل يهبط من تلك القمة السامقة إلى أسفل أو إلى أسفل سافلين، ولا يتمكن من مواصلة وثبته، والسير كسيْر أسلافه، بل يهبط على حسب انصياعه مع الهوى والشهوات، ومن هبط بنفسه لا يرجى منه الارتفاع بغيره. ومن هنا حصل الضعف والتخلف بالمسلمين لعدم قوة إخلاصهم لله، وصدقهم معه بهذه الضراعة التي يكررونها في كل ركعة من ركعات صلاتهم، ولو كمل فيهم الإخلاص، وقوي صدقهم مع الله؛ لأعادوا سيرة أسلافهم الأولى، وجددوا الزحف المقدس الذي قاموا به، ولكنهم فقدوا التذوق الصحيح لحلاوة الإيمان التي تذوقها أسلافهم، ففقدوا العزة الصحيحة، والمسلم لا ييأس من عودة هذا التذوق وجني ثماره الطيبة، بحول الله وقوته. السابع والثمانون بعد المائة: بتحقيق عبادة الله في سائر ميادين الحياة تتحقق للإنسانية الحضارة الصحيحة، التي ينال الإنسان بها حريته وكرامته، ويسلم فيها من شرور الحضارة الصناعية التي قلبت حقيقته، وجعلته كالحيوان بل كالآلة، وحرمته من الحياة الطيبة والتقدم الصحيح، وصرعته بالأفكار الفاسدة التي أبعدته عن معرفة طبيعته الحقيقية؛ لأنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية وشهوات الناس وأوهامهم التي صاحبتها حاجات في صدورهم، مما جعل الإنسانية تنحط في تفكيرها وأخلاقها انحطاطاً ينذر بعودتها إلى الوحشية والهمجية. بل حصل بعض ذلك بسبب ما صاحب العلم الصناعي من الغزو الفكري المغرض، الذي يركز فيه كل طاغوت مقاصده، وكل ملحد مفاسده يتوخون في ذلك العداء لصميم العقيدة الإسلامية، والأخلاق الدينية، فيعملون على إبعاد عناصرهما عن العلم المادي، خلاف ما توجبه عبودية الله من تكييف كل شيء بروح الدين والعقيدة والأخلاق، بل قامت الحضارة الصناعية في هذه الأزمنة على روح العداء لكل ما جاء من عند الله، وما يمدهم به وحيه من المعرفة الحقيقية بهذا الكون، ومهمة الإنسان فيه، زد على ذلك طغيان فتحه وجماله، الذي بهر العقول حتى خبطها. وإلا فالعلم الخالص من ذلك لا يجلب ضرراً مباشراً محضاً، فليفهم ذلك جيداً، وليعلم أن تطاول الحضارة الصناعية على ألوهية الله وافتئاتها على وحيه يجلب عليها عقوباته القدرية المتنوعة، التي لا تحيط بها العقول، وحتماً أن سنة الله الكونية لا تدع المعتدي عليها بلا عقوبة، وها نحن نراهم يتخبطون في بعضها أو في مبادئها ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 21] ولا نجاة لهم منها إلا بعودتهم إلى عبودية الله بصدق وإخلاص لا يشوبها تطفيف. الثامن والثمانون بعد المائة: بتحقيق الإنسان لعبودية الله يتحرر من المذاهب المادية ومن طغيان المادة، ويكون دين الله سيداً عليها، مسيراً لها وفق مرضاة الله، لا يهملها شأن الرهبنة المعطلة للحياة، ولا يجعلها نداً من دون الله كما تريده النظريات العصرية المرتكزة على الطرائق الماسونية اليهودية. فإن المتقيدين بعبادة الله حسب وحيه لديهم إحساس بالواجب أمام الله، يجاهدون لتحقيق إرادته؛ لأن إيمانهم يمنحهم القوة والفضيلة، ويمدهم بنور بصيرة يجعلهم لا يبنون ليومهم فقط، بل لسائر الدهر، ولا يعملون لأنفسهم فقط، بل لجميع البشر. فالمجتمع الذي يتكون على هذا الأساس يكون له أحسن النتائج في كافة نواحي الحياة، ولهذا صار الإسلام أممياً بريئاً من النزاعات العنصرية، وأهله الصادقون بريئون من الأنانية. التاسع والثمانون بعد المائة: تعليم الله لعباده الضراعة إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إعلام صريح بوجوب الصلة بين الإيمان والعمل، وأنه لا يستقيم الإيمان بالله، ولا تصح دعواه إلا بتحقيق مقتضيات عبوديته، التي هي العمل بطاعته، وتنفيذ شريعته، وإخلاص القصد لوجهه الكريم، والانشغال بمرضاته، والعمل المتواصل لنصرة دينه، والدفع به إلى الأمام بجميع القوى المطلوبة، ليرتفع بدين الله عن الصورة إلى الحقيقة، وأن المسلم لا يجوز له الإخلال بذلك، ولا لحظة واحدة. وإن الدعوات لمجرد إيمان خالٍ من العمل هي إفك وخداع وتلبيس، بل هي من دس اليهود على أيدي الجهمية، وفروعها من المرجئة كالماسونية وغيرهم، إذ متى انفصمت الصلة بين الإيمان والعمل، فلن نستطيع أن نبني قوة روحية نقدر على نشرها والدفع بمدها في أنحاء المعمورة، بل إذا انفصمت الصلة بين الإيمان والعمل فقدَ المسلم قوته الروحية، وصار وجوده مهدداً بالخطر، الذي يزيل شخصيته أو يذيبها في بوتقة غيره؛ لأنه لا يستطيع أن ينمي قوة روحية يصمد بها أمام أعدائه، فضلاً عن أن يزحف بها عليهم. فدعوى فصل الدين عن الدولة، وحصر عقيدته في الضمير، إنما هي دعوى باطلة من مكر اليهود وأعوانهم، الذين كسبتهم الماسونية كسباً رخيصاً، والعياذ بالله، فالذي لا يعمل لله في جميع مجالات الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، ليس عابداً لله، بل هو عابد للهوى، ومتخذ له آلهة شتى، في كل ميدان، فليحذر المسلم من الانخداع، وليعلم أن الله لم يخلقه ليكون منتجاً مادياً كالحيوان، وإنما خلقه ليكون ربانياً محققاً لعبودية الله في كل المجالات المهيمنة على شتى أوجه النشاط الإنساني. والدين الذي اختاره الله ليس مجرد عقيدة صورية محصورة في الضمير، منعزلة عن واقع الحياة، كلا، إذاً فمن الذي يسير واقع الناس، ويؤسس لهم النظم الأخلاقية والثقافية والتربوية والسياسية والاقتصادية وغيرها؟ هل النظريات اليهودية تسير واقع الناس، من داروينية، وفرويدية، وماركسية، وديمقراطية، ونحوها؟ طبعاً إذا أقصي الدين عن شئون الحياة، وعطلت أحكام الله في القرآن عنها؛ حل محلها نظريات اليهود وأفراخهم، ولم يبق معهم من الدين إلا مجرد الانتساب، الذي هو كالصورة، وما أعظم الفرق بين الحقيقة والصورة!! تالله إن الكفر بجميع أنواعه لم يهزم من الإسلام إلا صورته، أما الحقيقة فلو اصطدم بها لتحطم في الآخرين، كما تحطم في الأولين، واليهودية العالمية منذ عصور لم تسقط إلا الصور التي عملت على إبرازها، ذلك أن أكبر صورة يعبث بها الطفل يقدر على إسقاطها، أما الحقيقة فعملاقة. التسعون بعد المائة: عبودية الله لا تعطل عقل الإنسان من التفكير في الماديات وتسخيرها واستثمارها، كما أسلفنا بعض الحكمة في موهبة الإنسان لها من الله، بل عبودية الله الحقة تدفع المسلم المؤمن إلى ذلك، ولكن تحت قيادتها، فعبادة الله هي التي تحفظ النمو والحركة المادية، وتحوطهما بالسياج الواقي من الهوى والتهور، والخبط في المتاهات، وتحفظهما من النكسة والانحدار داخل إطار الفطرة الإلهية، بوضع المنهج المقوم لهما عن الميل الذي يجعلهما يصطدمان بطبيعة الإنسان ومقوماته الروحية بلا كبت ولا تحطيم. ففي تحقيق العبودية في ذلك وقاية للإنسان من الغزو بالفتح العلمي، الذي يفقده الاستقامة ويرديه في التيه والضلال؛ لأن الحضارة الصناعية التي لا تحاط بعبودية الله تحطم أهم ما في الإنسان من مقوماته الإنسانية، وإن أدت له في الظاهر كثيراً من وسائل الراحة والتسهيلات الرائعة، التي قد تكون مؤذية لكيانه المادي ذاته، كما قرره المحققون من كُتَّاب هذا الزمان. فعبودية الله تهدي إلى المسلك الوسط الصحيح بلا بخس ولا مبالغة، وتجعل السيطرة للروح المؤمنة على جميع الماديات، ولا تجعل الإنسان يستعبده ما يصنعه. [1] لم أقف عليه. [2] أخرجه البخاري (52) ، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه. [3] في هذا الموضع وغيره من مثله يشير الكاتب إلى رقم السورة ثم الآية.
__________________
|
|
#14
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (11) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري قضية القلب والروح، لا قضية الأسماء والشارات: هذا الإرشاد من الله لعباده في صدق الابتهال إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فيه تركيز عظيم لقاعدة الدين الأساسية، التي هي إعلان العبودية لله وحده، بقبول جميع أوامره وتشريعاته، ورفض كل ما عداها حمداً وشكراً له على إيجاده وتربيته له بالنعم، وحباً له على ذلك، وطمعاً في دوام رحمته العاجلة والآجلة، وشوقاً إلى لقائه في يوم الدين، وخوفاً من غضبه وعقابه، دون أي نظر في كنه العبادة أو سهولتها أو حكمتها أو صلاحيتها الظاهرة على الموجود من عادات البشر وتقاليدهم السائدة، وإنما هو استسلام عن رضا مطلق خال من جميع المرغبات العاجلة فيه، ومشبع برغبة ناشئة مما قدمناه، ومنبثقة من الإخلاص لله، والتحرر من سلطان غيره. فهي عبودية قلب خالص لله، سليم مما سواه، لا تبالي برفض ما حرمه الله مهما كان مألوفاً أو لذيذاً، ولا تحجم عن تنفيذ ما أمره الله به مهما كان شاقاً أو مكروهاً، عبودية لا يبالي صاحبها بما حوله من المعرضين والمتهكمين، الساخرين والغاصبين الناقمين، وإنما هو مستعين بالله في مواجهتهم ومراغمتهم، والقيام بضمهم إلى صفه، طوعاً أو كرهاً، وفرض سلطان الله عليهم وحكمه وهم صاغرون، عبودية كاملة تركزت على هذه القاعدة التي استعذبت بها الجهاد، وخاطبت رسوله بها بما يسره، فلقد قال سعد بن معاذ أحد زعماء الأنصار رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم: (اطعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، أعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فو الله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسير معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك)[1]. هذا منطق أهل العقيدة الصادقين مع الله، الحامدين الشاكرين لله، المخلصين في تألههم لله دون سواه، والجاعلين لرسوله صلى الله عليه وسلم الأولوية على أنفسهم ومحبوباتهم، والحاصرين التبعية له فقط من غير نظر في العاقبة، أو تطلع لمنفعة عاجلة، وإنما بدافع الحب وطلب رضا المحبوب الأكبر - سبحانه -، والثقة بوعده والشوق إلى جنته، مؤثرين هذا على ما دونه، ولو التفتوا إلى الحياة التي يتشدق بها الماديون، خصوصاً في هذا العصر، لتساءلوا عن الحكمة في الأمر، والنتيجة العاجلة المرتبة عليه، ولكن العقيدة الإسلامية التي انحشت في قلوبهم وتشربت بها لا تعرف الترغيبات المادية والتفصيلات الفكرية، وإنما تعرف إخلاص القلوب وخلوصها لله، واستسلامها لقبول أوامره، والوقوف عند حدوده، ورفض ما سواها أياً كان. وفرق عظيم بين تعبيد الله لعباده في سورة الفاتحة، وبين خيالات بعض المسلمين الذين يدفعهم حماسهم للدين، ورغبتهم في قبول دعوته إلى عرض جمال الإسلام، وبيان حكمة تشريعاته، وفضلها على غيرها من الأنظمة، حتى اضطرتهم هذه الخطة إلى نسبة كل شيء مستحدث للإسلام، ففي الوقت الذي طغت فيه كلمة (الديمقراطية) على ألسنة الماديين وكثر تشدقهم بها، رأينا من يسمي الإسلام (ديمقراطياً) و(دين الديمقراطية) وفي الوقت الذي طغت فيه القومية والتشدق بها رأينا أيضاً من يكتب عن قومية الإسلام، بل من يسمي محمداً صلى الله عليه وسلم برسول القومية مستشهداً بما يضحك منه العقلاء، ثم في الوقت الذي طغى فيه ما يسمى بـ (الاشتراكية) ألعوبة الشيوعية الماركسية رأينا من يسميها اشتراكية الإسلام، بل يصف الدين بأنه اشتراكي، وإن نبيه نبي الاشتراكية، ويحرف الآيات ويقلب الحقائق في سبيل ذلك. وهذا النوع ليس كلهم من يتزلف للحكام ويبيع دينه بثمن عاجل، وإنما فيهم مع الأسف من هو حسن النية، يريد تحبيب الإسلام، وأنه دين التطور، وأن الإسلام أعلى من أن يكون ألعوبة لذوي الأهواء والنظريات، حتى بلغت ببعضهم المحاكاة إلى تسمية الإسلام (ثورة) والناس لا يجذبهم إلى الإسلام تسميته بهذه المسميات الجديدة التي لا يتعشقها ولا يعتنقها إلا البطال الملحد، أو الانتهازي المغرض أو الجاهل المغرور، الذي يتبع كل ناعق، وهؤلاء وإن تعشقوا هذه الألقاب والمبادئ، فإنهم لا يسيرون ولا ينفذون من مقتضياتها ومشتقاتها إلا ما يوافق أهواءهم، ومتطلبات شهواتهم، مهما أسبغ عليها اسم الإسلام، أو أكثر الكتاب المنهزمون من التفيهق بها، وربطها بالإسلام. فإن القضية لا تكمن وراء تغيير الأسماء وتطويرها، ولا وراء تجديد مذهب مادي أو عقيدة أرضية نفعية، مقصورة على نواحٍ اقتصادية أو اجتماعية، يتلاعب من ورائها الساسة المغرضون، بالمجموعات الكبيرة من البشرية كالقطعان، وإنما القضية قضية تطهيرٍ للقلب وتحرير للروح من جميع بضائع المعتقدات الأرضية والأغراض النفسية والشهوات الحيوانية، وخلع جميع العلائق الأرضية، وحصر للاتصال بالسماء فقط، ورفض كامل لما عداه واستعلاء شامخ عنه. وهذا أمر شاق على نفوس البشر الأمارة بالسوء، والنفوس اللوامة كثيرة التقلب والتلون، وبسببه حصلت العداوة بين الرسل وأممها من أقدم العصور، وبسببه شرعت الحدود ووجب قتال المخالف، أرأيت إذا هم سموا الإسلام ديمقراطياً، هل يتحول سيرهم إلى سيرة الرسول وخلفائه الراشدين، وتكون الأنظمة الديمقراطية التي سموها منبثقة من وحي الله الذي هو روح روح الإسلام، أو تكون مستقاة من أنظمة ( أوربا، وأمريكا) وعول عليها ونحوهما؟ الواقع هو الشيء الأخير، وإذن فما فائدة التسمية؟ وإذا هم سموا الإسلام قومياً، ومحمداً صلى الله عليه وسلم رسول القومية، وصلاح الدين ونحوه رائدها، فهل هم يقتدون بسنة محمد صلى الله عليه وسلم، ويترسمون خُطا خلفائه من أمراء المؤمنين، ويقتبسون أصول القومية السياسية، وفروعها التشريعية من مشكاة النبوة؟ أو على عكس ذلك أصول قوميتهم مقتبسة من الماسونية وتعليمات ( نابليون، وزويمر، ولورنس، ودنلوب) وغيرهم ممن يفضلون الكافر العربي في كل معاملة على المسلم غير العربي، ويناصرون العرب النصارى والشيوعيين على المسلمين، ويشرعون الأحكام المرخصة للأعراض، المفسدة للأخلاق محاكاة للغربيين، بدعوى المدنية والحضارة والتطور والتقدم؟ إذا كان الواقع هو الشيء الأخير فما فائدة تسمية القومية وزعمها للإسلام ونسبة نبي الإسلام إليها؟ وإذا هم سموا الاشتراكية بالإسلام، ونسبوها إليه وإلى نبيه صلى الله عليه وسلم فهل هم اقتبسوا ميثاقها الوطني، وأصولها وأنظمتها من مدلول ميثاق الله، وأصول دينه وفروعه، وربطوا سيرهم فيها بالله ورسوله، ولم يتخطوا حدوده التي شرعها أصلاً وفرعاً؟! أو هم على العكس، اقتبسوا ميثاقهم الوطني من الميثاق الشيوعي الذي وضعه (لينين)أحد الطواغيت كما هو واضح لدى المقارنة، ونقضوا ميثاق الله برفض تشريعاته على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومعاداتهم المسلمين ورميهم بالرجعية، وإباحتهم لكل ما حرمه الله، وإسقاط عقوبة الله عن مرتكبه، ورفضهم إعلان الجهاد على اليهود باسم الإسلام، وعدم جعل قضيتهم مع اليهود في فلسطين قضية إسلامية، يستنفر لها جميع الأمم المسلمة في الأرض، بل حصرهم لها بأنها حرب بين العرب والصهاينة فقط. إذا كان واقعهم هو الشيء الأخير بمجموعه، فما فائدة تسمية الاشتراكية بالإسلام؟ وما فائدة تسمية نبي الإسلام بنبي الاشتراكية، إذا كانت أنظمتها تتلقى من غيره، بل من أخبث أعدائه؟ وكيف يخادعون الله والذين آمنوا وينخدع بهم المسلمون فيحاول بعضهم تقريب الإسلام منهم، وبعضهم يتمادى في جعله ديمقراطياً، أو تمشياً مع القومية، أو يعمل على بلشفته وهو يسمع من قادتهم العسكريين أو السياسيين أو المفكرين أن الدين قد استنفد أغراضه، وانقضى دوره، وبعضهم يقول: إن الدين كان نتيجة الجهل والخوف والعماية عن حقائق الكون فيما مضى، والآن طغى عليه العلم وأصبح مكانه، أي: فليعبد ما يسمى بالعلم، وبعضهم يذهب إلى أوقح من هذا فيقول : إن الله خرافة والأديان وما يسمى بالكتب المقدسة هي من تلقين العجائز. وبعضهم يقول: ما فيه إله،و إنما الإله فكرة متطورة. وليت شعري كم دماغ يحل فيه الإله إذا كان فكرة متطورة؟ أفي دماغ كل مفكر: في أي قطر وإقليم ومقاطعة وبلد وقرية وريف ومدينة وجهة؟ أم في فكر كل رئيس منتخب أو متسلط؟ وفي كل الاحتمالات تكون آلهة كثيرة في أدمغة متعددة، وأقطار متباينة، فليذهب كل إله (دجال) بما تسلط عليه، أو استحوذ عليه من البشر، ولا يحق لسواه من الآلهة منازعته أو مناقشته، يا للجهالة في قوم !!، ويا للعار في آخرين !!، كيف ينزلون بالإسلام إلى مستوى من هذه عقيدته أو هذه طريقته؟ ألا تكفيهم كلمات يلوكها أكثر القوم وهي: (إن الدين لا يساير العصر ولا يصلح للسياسة، إنه علاقة بين الإنسان وربه في المسجد فقط أو الكنيسة؟). وهل خفي على هؤلاء موقف العصريين من الدين، وزعمهم أنه سبب التخلف والجمود، ورميهم لأهله بالعظائم؟ فإذاً ما جدوى تسميتهم لمبادئ هؤلاء ومذاهبهم بالإسلام، أو تقرب الإسلام منها، أو زعم أنها لا تخالف الإسلام؟ وما فائدة صرف الوقت وبذل المجهود بالخوض في حكمة تشريعات الإسلام وصلاحيتها للعصر؟ إن الذي يناقش في ذلك أو يشك فيه ليس أهلاً للدخول فيه، وليس صالحاً للانتساب إليه. إن الإسلام ليس تابعاً لأحد، ولا يجيز لأهله التملق والمداهنة، وإنه لا يصلح لدين الله، ولا يستقيم على عبوديته الصحيحة المطلوبة، إلا الذي يعرف معنى الألوهية لله، ومعنى الملكية لله، فيعامله معاملة الإله والملك دون ريب أو استفهام، بل على وفق ما ذكرناه في هذا الوجه والوجوه التي قبله، والقلوب من أشد الأوعية وأقواها تأثراً وحساسية، وقد قرر العقلاء قاعدة لا تقبل الجدل أبداً وهي أن قبول الوعاء لما يوضع فيه، وصلاحيته لما يوضع فيه مشروطان بتفريغه وتنقيته من ضده. فمثلاً الإناء الذي فيه ملح أو ممتلئ بالملح لا يكون فيه قابلية أو صلاحية لوضع السكر، حتى يفرغ منه الملح وينقى من رواسبه، ثم يصلح لوضع السكر ونحوه،وهكذا فالقلوب شأنها أعظم وأعظم، ولا تصلح مستقراً لحب الله وتعظيمه وخشيته ومراقبته، ومحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، حتى تفرغ وتخلص وتطهر من محبة غيره، من كافة الأغراض والمحبوبات والشهوات، ومن تعظيم غيره، والخشية من غيره، والتطلع إلى غير رضاه، فإذا خلصت وطهرت حصل استسلام أهلها وحسن انقيادهم لله، وكملت طواعيتهم له، وصاروا لا يرجون غيره، ولا يخافون سواه من أي قوة، وكان سلطانه هو المسيطر على النفوس، والمسير للحركات، والمفجر للطاقات، ووجدت الروحانية محل المادية اليهودية الخبيثة بدون عناء، وصار انزياح صاحب القلب زكي الطاهر عن المعاصي بدافع الخوف من الله، ومراقبته من ضمير حي يخشى من غضب الله الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه شيء، ولا يترك تسجيله وإحصاؤه مثقال ذرة، بخلاف ضمير المادي الذي لا يراقب غير القانون الأرضي، فإنه يعرف طرق التهرب منه كما هو مشاهد محسوس. إن الدين الإسلامي يطلب من أهله تحقيق الألوهية بكاملها، من غير شقاق ولا منازعة، بحيث يجعلون الحكم على أنفسهم وعلى غيرهم لله الملك الحاكم المشرع، دون بحث أو استثناء؛ لأنه هو العليم الحكيم، فيعتقدون أصلاً أن حكمه وتشريعه أصلح وأنفع وأتقى وأروع في جميع العصور والأحوال، فعلى العلماء أن يكتبوا لمن يحمل اسم الإسلام ويخاطبوهم على هذا الأصل الأصيل؛ لأن من استقر في قلبه مدلول سورة الفاتحة وعامل الله بمقتضاها، كان مسلماً عابداً لله حقاً متبعاً لكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حقاً، لا يتبع شيئاً من أهواء الناس ولا يصغي إلى زخارف قولهم، فإن الله سلطهم بذلك ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾ [الأنعام: 113]. المجتمع في حاجة إلى القوة: العابد لله حسبما تقتضيه هذه الآية من مدلول الشهادتين لا يلتقي أبداً مع أصحاب المذاهب المادية، والمبادئ الأرضية ونحوها من ذوي الشعارات الحزبية، بأي شأن ولا رأي ولا مصلحة، ولا يتدسس معهم أو يقرب الإسلام إليهم باسم العدالة الاجتماعية في الإسلام، ونحوها من أوضاع السياسة والاقتصاد؛ لأن الإسلام أولاً: أسمى وأعلى من ذلك،وثانياً: لا تكون خطته مقبولة عند أي أحد من الماديين، إلا على حساب الإسلام ورفعة ما يريده هو من دون الإسلام، فيصبح عمله خدمة لخصمه لا لدينه. ولكن العابد لله حقاً يخاطبهم بما خاطب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية في زمنه؛ لأن هؤلاء من ورثتهم، يلتقون معهم في عبادة الهوى وتحكيمه، وإن اختلفوا في الصورة، وعبودية الله سبحانه مغايرة لجميع صور الحياة الجاهلية قديماً وحديثاً، فلا يجوز لعباد الله مجاملتهم أبداً، بل يصدعون بوحي الله، منددين بما هم عليه من عبادة أسماء جديدة ما أنزل الله بها من سلطان، أحلوها محل اسم اللات والعزى، وعباد الله حقاً، الدافعون برسالته، المستعينون به صدقاً، لا يتحدثون عن دينهم بصفة يقدمونه بها لعباد الهوى كأنه مناسب لذوقهم، صالح لعصرهم، كأنهم يدفعون عنه التهمة، فيقابلون كل نظرية جاهلية تعشقها عباد الأهواء من الشرق والغرب بقولهم عنها: إن الإسلام قد سبق إليها منذ 14 قرناً. فإن هذه المعالجات لا تمد الإسلام ولا تنفع لرد الشاردين عنه إليه مهما تعلل هؤلاء الشاردون بقسوة التشريعات الإسلامية، أو عدم إخراجها للناس بصيغة مواد تنظيمية وأساليب عصرية، كأنهم لا يبصرون قسوة النظم الثورية الماركسية، وما تفرع منها، ولا القسوة الوحشية في التمييز العنصري الذي يجري في قبلتهم الحضارية ( أمريكا) أو كأنه لا يمنعهم من الاحتكام إلى الله ورسوله إلا انعدام من يبرز لهم شريعة الله بالأسلوب الذي يريدون، كلام، وإنما هي تعليلات للاستهلاك المحلي بشتى أنواع الدجل والنفاق الذي يستبقون به استعبادهم للبشر، وفرض سلطانهم عليهم من دون الله، فأهل الجاهلية في جميع أدوارهم يخادعون عباد الله، ويشغبون معهم في الفروع، والقضية في حقيقتها ليست في الفروع، وإنما هي في الأصول، بل أصل الأصول الذي يبدل التصورات والمشاعر، ثم تتبدل التشريعات الفرعية بتغير التصورات وانبثاقها من تأليه الله، لا تأليه البشر على البشر، ومن معاملة الله معاملة الملك المشرع المطاع المقبولة تشريعاته بدون جدل أو تردد، أو شك أو تحرج، فأهل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ على الحقيقة دأبهم ووظيفتهم لله في الأرض هو أن يخرجوا الناس من عبادة بعضهم لبعض، وتقديس بعضهم لبعض، وخنوع بعضهم لبعض، إلى عبادة الله وحده، بتعظيمه وحده، ومحبته الصادقة التي تجعلهم لا يحبون أي شيء في الحياة إلا من أجله ولو كان أقرب قريب وأعز عزيز، وتجعلهم يخشونه فقط دون سواه، فلا تخيفهم أي قوة. وهنالك ينحصر تلقيهم لجميع أنواع السلوك من وحي ربهم في النواحي السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، فيتغير واقعهم جذرياً بتكيفهم الجديد بالإسلام، وتصوراتهم المنبثقة من التوحيد الخالص: توحيد الربوبية، والألوهية، وتوحيد الصفات، فهذا المنهج الذي يجب سلوكه على عباد الله وفق مدلول شعارهم العظيم ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وقوة العبودية الصادقة السائرة على الملة الإبراهيمية المحمدية الصافية هي قوة عتيدة تعمل في كل الأزمات وتصمد في أسوأ الظروف، وشرارتها - وإن خمدت- فإنها لا تنطفئ؛ لأنها من الحق وفي الحق، وتستمد قوتها من إله الخلق مؤيد الحق، فما يعوزها إلا القوم الذين لاتهمهم مظاهر الحياة، ولا يرهبون من الموت، بل يحرصون عليه كي توهب لهم الحياة الطيبة بنوعيها في الدنيا والآخرة، أو بالشهادة التي فيها مزيد الدرجات في الآخرة. إن الله العليم الحكيم سبحانه وتعالى وضع لعباده المؤمنين هذا الشعار العظيم وحصر تحركهم على مدلوله، وأوجب عليهم تحقيق مقتضياته بكل صدق وقوة؛ لأنه يعلم أن المسلم المؤمن بالله يجد تحديات عصرية قريبة منه أو بعيدة - وأكثرها قريبة - لا مجاورة له من جاهلية أقرانه ومعاصريه، فإذا لم يقابلها بشخصية مسلمة متحررة من جميع ملابساتها، مستقلة في نظريتها وعملها، حاصرة استمدادها من وحي ربها فإنها لابد أن تتفاعل معها بدافع التأثر، فتعيش بالضرورة على نسق حياتها المعاصرة، فتنشأ هوة بين اعتقاده الديني وسلوكه الحياتي، كما تنشأ هوة أخرى بينه وبين طبقات جنسه المنهزمين في نفسيتهم وتفكيرهم والساعين للتحفظ، وهم مصابون بشيء أو أشياء من ذلك، فيتزعزع الكيان المسلم بهذه الحالات، لاسيما مع الدجل الماسوني الذي جلبته الثقافة الأجنبية، والذي نقل الخصومة بين المسلمين، فجعل المنهزم منهم يعيب على المتحفظ، وجعل المنحرف إلى الإلحاد - من حيث يشعر أولا يشعر - حرباً على آبائه وإخوانه، يعتبرهم متخلفين جناة على الوطن؛ لأنه من عباد المادة والطين. ولابد من انطلاقة الشخصية الإسلامية متحررة مما تقدم، وذلك لا يكون إلا بحركة روحية صحيحة منبعثة من حب الله وتعظيمه وحب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه بكل صدق وإخلاص، وقوة يتحقق بها مدلول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فلا يكفي لتحرير قلب الإنسان وعقله قوته المادية، ولا تفوقه العسكري، ولا تحصيل الاستقلال السياسي لأرضه بقوته أو بما يقضيه الله له من المناصرين، حسب سنته من دفع الناس بعضهم ببعض. كل هذا لا يكفي ولا يحصل به الاستقلال الفكري الصحيح أبداً، ولا الحياة الروحية الطيبة الصحيحة؛ لأن العقل الخالي من روح الله لابد له من التخليط حسب المؤثرات المادية من أنواع الغزو الفكري، والتقليد الببغاوي، ولأن القوة المادية الخالية من روح الله مهما قويت لابد من أن تتعثر وتتأثر بما أمامها من القوى الأخرى، وإما بفكر أصحابها أو بالانطباع بقوتهم، وأيضاً فإن القوة المادية الخالية من العقيدة الروحية، مهما قويت وتطورت حضارتها، فإنها تعيش لفترة ثم تذبل ويطغى عليها غيرها حتى تموت، وهكذا يعيش البشر في دوامة الشقاء والتجارب الفاشلة، كلاً أو بعضاً بخلاف القوة والحضارة التي لها روافد من العقيدة الروحية الصحيحة، فإنها وإن ركدت لأسباب عارضة من الإخلال بالعقيدة لا تموت، بل تركد حتى يقوم المعوج، فتنهض أقوى ما كانت. ولابد إذاً من القوة الروحية التي لا تحصل إلا بتحقيق عبودية الله بطاعة أوامره، والوقوف عند حدوده، ومتابعة رسوله في جميع نواحي الحياة، مما تقوم به دعائم المجتمع على أحسن أساس وأكمل نظام، ويحصل به التمييز على أعدائه، فينال مدد الله وحصانته التي لا يغلبها غالب، وبدون ذلك يعود الإنسان إلى المادية، فيكون هلوعاً قلقاً خائفاً مذعوراً تحييه المادة حياة بهيمية، وتميته كذلك؛ لأن من نسي الله نسيه فأعماه عن مصالحه الحقيقية، وهذا ما تريده اليهودية العالمية من تربيتها الحديثة للناس بالمفاهيم المادية الجاهلية الجديدة، لتجعلهم يتقلبون في المفاسد والثورات التي قسمتها في (بروتوكلاتها) إلى ثورات عميان وغيرهم. في صدق الضراعة من عباد الله إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ انقياد كامل لطاعته في جميع أمره وتشريعاته، ووقوف تام عند حدوده ثقة بحكمته في تسيير أمورهم، إلى حياة طيبة فاضلة بدون البحث في ذلك عن طريق العقل والفروض العلمية المضطربة، ذلك أن العقل ليس هو الأداة الكافية الصحيحة لبحث المسائل النفسية كلها، فضلاً عن حلها حلاً كاملاً بمفرده، لأن النفس تدخل في عالم الغيب، الذي لا يخضع لحواس البشر؛ لكونها قاصرة الإدراك مهما تفننت، ولأن تقرير الخطأ والصواب في علم الأخلاق والسلوك، يحتاج إلى معرفة العلة الأولى والهدف الأخير، ولا يمكن للبشر معرفتهما مهما أوتوا من العلم المادي، كما أنهم لا يعلمون آخر نتيجة الشيء الذي يبدو ضرره أو تبدو منفعته، عاجل الأمر بالنظر المادي، إذ يمكن أن يكون الضار في بدايته نافعاً في عاقبته، وهو بغيض مهروب منه. ويكون النافع في مظهره وبدايته ضاراً تكمن فيه أنواع الشرور، سواء قرب زمان ذلك أو كان بعيداً، فالعجلة الإنسانية تعمي كثيراً، لاسيما وقد أثبتت التجربة العلمية – التي يتبجحون بها – عجز الحواس البشرية مهما حصلت على المكبرات والمجهرات، واستخدمت أنواع الآلات، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216] ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]. هذا وإن عبودية الله لا تمنع أهلها من النظر في ملكوت السموات والأرض، ومواصلة البحوث العلمية في الميادين النفسية والآفاقية، بل تدعوهم إلى ذلك بشرط تقييده بعالم الغيب وإيقافه عند حدود الله، حتى لا يعتسفوا الطريق فيتعرضوا للضلال، وتبديد الطاقات واتساع رقعة الخلاف بدلاً من لمها وتضييقها، فمعبودهم – جل جلاله – لا يريد منهم تعطيل العقل، وإنما يريد منهم حفظه بإطار حدوده عن التخبط في المزالق والتردي في الهاوية، فالدين للعقل كالقواعد للفقهاء والحكام، لا تقيد سلطتهم بالكلية، ولكن تضبطها عن الظلم والجموح. وإننا نرى الذين لا يصيخون إلى صوت الدين ويتجاهلون حق الله في حياتهم، ولا يقيمون لآياته وزناً لابتعادهم عن عبودية الله، قد استعبدهم أعداء الله وأعداؤهم شياطين الإنس من الشرق والغرب، فاستوردوا منهم قواعد التربية والأخلاق والسلوك، وقدموا الظنون والأوهام والحدس والخيالات العلمية على وحي الله الذي ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾[فصلت: 42] فكانوا خلفاً لمن أخبرنا الله عنهم بقوله: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [غافر: 83] ﴿ لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: 31] ولكل قوم وارث. فدين الله يجمع الناس على كل القيم الخيرة والمثل العليا ويوحدهم على ذلك، أما الذي أحدثته الماسونية اليهودية من اسم علم النفس والاجتماع، وحدس العلوم الأخرى، فإن فيه تفريقاً وتمزيقاً لوحدتهم، وتشكيكاً في قيمهم ونسفاً لعقيدتهم الأصلية، ومن ثم لم يستطع واحد منهم أن يجمعهم على مذهبه، بعد أن فرقهم، بل لم يستطع واحد منهم أن يقدم البرهان الحاسم على صدق مذهبه، حتى ماج بعض أتباعهم في بعض، وبغى بعضهم على بعض، وأصبح علمهم المادي أداة فرقة وفساد وانحلال، وصار كل مجرم يجد سنداً له في تبرير جرائمه من ميادين علم النفس المزعوم، الذي يقلب الحقائق، فيسمي ما نص عليه الدين فضيلة بالنقص، أو عدم النضوج ونحو ذلك من أنواع التسفيه، ويدعو إلى تعطيل حدود الله التي هي رحمة بالجاني والمجني عليه وبالمجتمع، تؤدب الجاني وتهذب نفسه، أو تقتص منه في الدنيا، ليكون كفارة له من عذاب الآخرة، وتشفي صدر المجني عليه بأخذ حقه، فلا يبقى في قلبه عليه شيء ولا على أسرته، وتطهر المجتمع من آثار الجريمة وتستأصل جذورها منه، فتهبه الأمن في الحياة، ولا حياة بدون أمن. هذه الحدود – حدود الله العليم الحكيم – يسميها أفراخ اليهود وتلاميذهم أحكاماً وحشية قاسية، لقد جعلوا الله ليس رحمن ولا رحيما ولا عليماً ولا حكيماً، وطواغيت علم النفس من (فرويد) اليهودي وأشكاله، وتلاميذهم من المحسوبين على الإسلام أعلم وأحكم وأرحم من الله، فأي إلحاد في أسماء الله أعظم من هذا؟!! تالله إن مبتكرات هؤلاء الطواغيت جعلت تلاميذهم – الذين تولوا وسائل الإعلام من إذاعة وصحافة وقصص وتمثيليات – يهدمون العقيدة والأخلاق بالتصاوير الخليعة والقصص والتمثيليات الماجنة، أو المحرضة على الجريمة، ونشرهم في الإذاعات والتلفزيون للراقصات والمغنيات، وأحاديث الحب، وتأوهات المغرمين والمغرمات، وتماوت المتهالكين والمتهالكات، وما أحدثوه من تفكيك الأسر، وفرضهم لأنفسهم سلطة قامعة لسلطة الوالدين بتنفيذ تصرفاتهما وتصويرهما أمام أبنائهما بالرجعيين المتزمتين الجامدين، اللذين يجب رفض قولهما، ونبذ تربيتهما والسخط عليهما، والتمرد على تعاليمهما وإغراء الفتيات على طرح الحياء، ونبذ الحشمة، وإظهار لحومهن، وعرض مفاتنهن مما غدت به الفتاة كسلعة مبتذلة، لا كإنسانة مصونة مكرمة، إلى غير ذلك من القشور والسفاسف التي هي من الثمار الحنظلية لوحي شياطين. يتبع
__________________
|
|
#15
|
||||
|
||||
|
وإذا أُقصي دين الله عن ميدان التربية، وصار سلوك الناس ليس تابعاً لعبودية الله، ولا نابعاً منها؛ تفاوت سلوكهم، واختلفت مفاهيمهم وقيمهم بحسب معادنهم، وما يحصل لبعضهم من الغنى المطغي أو الفقر المنسي، أو الامتياز العلمي أو السياسي، وصار لهم تصورات جديدة من أحد المعسكرين اليهوديين الرأسمالي أو الشيوعي أو كليهما، فاستبدل لبن وحي الله الصافي بالقيح والدم والصديد، ولا طريقة للناس بعده سوى هذين ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ [يونس: 32]. بقاء الدول المادية الكبرى موقوف على تخلي المسلمين عن القيادة وعدم حملهم للرسالة: من المؤسف أن كثيرا من الناس يرى أن القوة هي الحصول على العدة الضخمة من العتاد الحربي، أو كثرة الصناعات التي تغمر الأسواق، أو ثروة المحاصيل الأرضية من منتوجات أو معادن، فهذا هو قياسهم، ويرون أن الذي يحصل على ذلك هو القوي الغالب، الذي لا يصارع، ولكن الحقيقة بخلاف ذلك، فإن الدول والأمم لا تسود بالحديد والنار، ولا تعلو بالمال والصنائع، إلا على أشكالها من الماديين ﴿ وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الجاثية: 19]. وإنما السؤدد الصحيح والقوة التي لا تغلب، تكون بالخلق الصالح المتين، بالتماسك الذي يجمع أهله ويشد بعضهم إلى بعض في هدف رباني سماوي، وذلك لا يكون إلا بالدين الصحيح الخالص الصادق، الذي تتجلى فيه عبودية الله بمعانيها ومبانيها، فإنه هو الذي يجمع أهله على التوادد والتراحم، ويجعل بعضهم يعطف على بعض، ويشد بعضهم إلى بعض، ويقيهم مما طبعت عليه النفوس من الشح والهوى، ويمنع عنهم عناصر الفرقة، من حمل رسالته وقمع المفتري عليه، وتوزيع أنوار هدايته، والزحف بدينه المقدس ذات اليمين وذات الشمال، فيفجر طاقاتهم في ذلك، ويجعلهم يبذلون النفس والنفيس، ويتعشقون الشهادة في سبيل الله، فيكون حرصهم على الموت أشد من حرص أعدائهم على الحياة. ثم بصدق نياتهم مع الله، وإخلاصها لله، وطهارة جوارحهم وصلاح أعمالهم، يستمطرون رحمة الله بمدد السماء وحصانته، التي لا يغلبها غالب أبداً، وهذه الحقيقة لا يفهمها إلا حملة الرسالة، وقليل من المؤرخين ذوي الفكر الصريح المستقل، أما كثير من الناس فإنه تبهره ضخامة الدول المادية، وينضبع بها ولا يهضم كلامنا؛ لأنه لم يحمل ما حمله أصحاب العقيدة، ولم يمتلىء قلبه من تعظيم الله بدلاً من تعظيم المادة، فتعظيمه للمادة جعله يستصغر دينه، ويكفر بذاته أمامهم، ولا يثق بربه أولاً ثم بنفسه ثانياً؛ لأنه نسي الله فأنساه الله نفسه، ولو رجع إلى أسلافه الصحابة وجدهم على قلتهم وضعفهم المادي، صالوا صولة الأسود على أضخم دول الأرض في كثرة العدد وقوة العدة الحربية، ووفرة المال والكنوز، فحطموها دون أن يستعينوا ببعضها على الآخر، أو يتملقوا لبعضها ضد بعض، بل صالوا على الجميع في وقت واحد بقوتهم الروحية المستمدة من السماء لا من الأرض، وكذلك القلة القليلة بمادتها التي غزت (أسبانيا والبرتغال) والمغرب الأقصى وما وراءه، لو كانت نظرتها كنظرة المسلمين المعاصرين والمحسوبين على الإسلام – نظرة مادية – لما فكرت في غزو هذه الأمم، ولكنها غزتهم بالنظرة الروحية والقوة الروحية التي لا يصمد أمامها الماديون، والتاريخ يقرر أن الدول الكبيرة لا تضمر ولا تذوي ولا تنكمش، ولكنها تنهار كما ينهار عمود الخشب الضخم، الذي نخر السوس لبه، فبهذا المثل انهارت الدول الكبرى أمام ضعفاء المسلمين في المادة، فمفاسد الأخلاق، والانغماس في الترف، والتمادي في الأنانية، هو الذي يجعل صورهم كالأشباح لا حقيقة تحتها، قشور لا لب فيها، وهذه الدول التي أجلبت على الناس وبهرت عقولهم بقواها المادية الضخمة، بقاؤها موقوف على انعدام من يحمل الرسالة ويعيد الزحف الإسلامي المقدس الخالص لوجه الله، ذلك الزحف الذي يقذف الله أمامه الرعب في قلوب أعدائه مسافة شهر، فيجعلهم يستسلمون دون استخدام قوتهم، تالله إن جولة الماديين في الأرض كجولة الجرذان في موقع خالٍ ممن يفترسها. إذا خلا الجو للجرذان في وطن استأسدت لا تبالي بالقراقيع: إن اليهودية العالمية تعلم أنه لا مرتع لها إلا في التربية المادية، والأفكار الإلحادية التي صاغتها على أيدي ( دارون، وفرويد، وماركس، وانجلز، وتروتسكي) وغيرهم من ملاحدة الوجودية؛ ليكون سير المعسكرين الشرقي والغربي في صالحها وتكون هي الفائزة مهما انتصر أحدهما على الآخر؛ لأنهما أبناؤها قد تغذوا بلبانها، وهي التي تسيرهم وفق ما تريد، وتوقفهم عندما تريد، وهي المحرك الوحيد لهم بوساطة عملائها الذين يقبعون خلف ( الكواليس) وما الحكام والرؤساء البارزون إلا كواجهات لهم يدفعون بها كيف شاءوا. ولم تبق هذه الأوضاع سائرة على مخطط (اليهود)، ولن تبقى إلا باستمرار الناس على إعراضهم عن عبادة الله بالمعنى الصحيح، فما داموا هكذا فسيبقون مسخْرين لجميع أنواع الوجود، وأرقاء للمتحكمين فيه ممن وصفناهم، أما في الوقت الذي يراجعون فيه دينهم أو يقوم فيهم شعب – فضلا عن أمة – يرفع لواء الإسلام ويعيد سيرته الأولى،فإن جميع ما أمامه لا يستحق أكثر من وصف الجرذان، ولا يهولنك أيها القارئ مظاهرهم وتضخم قوتهم المادية، فإنها لا تتجاوز الأشباح الصورية أمام الحقيقة النبوية، والقرآن يقص على أتباعه خبر الناكلين عن دخول القرية ونصيحة الرجلين المسلمين لهم ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 23] ولم يبق أهل القرية على جبروتهم وغطرستهم المادية إلا بسبب موقف الجبن ومعصية الله من مقابليهم الذين﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾[المائدة: 24]. وموقف المنتصبين على القيادات الإسلامية أمام الصور اليهودية، وحديدها قريب من هذا الموقف إن لم يكن أتعس منه، فعسى الله أن ينور بصائرهم ويبعث قيادة تجدد مجدنا وتعيد تاريخنا، فإنه لا يخيف اليهود سوى ذاك ولا يقمعهم غيره، وما ذلك على الله بعزيز، واعتبر بالثورات التي يقوم بها نكرات، فينجحون ضد من تحميه الدول الكبرى؛ لأن المغامرة تحول مجرى السياسة، ولكن الثورات يأكل بعضها بعضاً، وتشقى بجحيمها الشعوب؛ لكونها تسير وفق المخطط المادي اليهودي، فما بالك بانتفاضة إسلامية يؤيدها الله ويحفظها من كيد أعدائها؟ إنه في الوقت الذي يقيض الله للعالم انتفاضة إسلامية سالمة من الأنانية، خالصة المقصد لوجهه الكريم، ترى العجب العجاب، ولكن لا يرفع النفوس من هاوية السقوط التي أوقعتها اليهودية فيه إلا تحقيق عبودية الله وفق طريقة نبيه صلى الله عليه وسلم. اختيار الله لعباده هذا الشعار العظيم المبارك ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ليتدرعوا به وينحصر عملهم وإخلاصهم له وتدوم صلتهم معه، فينجون من عار الإباق وعظيم عقوبته وسوء نتائجه وآثاره؛ لأن الإنسان لا يكون عبداً لله المستحق العبودية إلا إذا كان ملازماً له، قائماً بطاعته في جميع أمره ونهيه، فإنه يكون بذلك مخلصاً صادقاً وفياً، مع اقتران هذه بالمحبة والتعظيم والتشرف والتسليم والاعتراف بفضل الله عليه، والتقصير منه في جانب مولاه، وإذا نقصت طاعته لله واختل امتثاله كان عاصياً بحسب ذلك وتتضخم معصيته على قدر كبرها أو الإصرار عليها، فيكون عبداً لله تارة وعبداً للهوى تارة، وبذلك يكون فيه هروب عن الله الرحمن الرحيم إلى عدوه الشيطان الرجيم بسبب نفسه الأمارة بالسوء، الجانحة للشهوات العاجلة القاتلة. وإذا كانت المخالفة والمعصية مذمومة من الإنسان لإنسان مثله ممن يرتبط فيه بحكم أو وظيفة، فكيف بمخالفته لربه مالك الملك؟ وإذا كان الجندي الهارب من سيده خائناً مذموماً مستحقاً للعقوبة؛ لأنه هرب من مربيه الذي علمه وأبرزه على غيره، فكيف بمن هرب عن الله الذي رباه بجميع النعم، وبوأه المرتع في ملكه، ويتخوض في نعمه؟ لاشك أن خيانته أعظم، وجريمته أفظع، وعقوبته أشد. إنه حرام عليه وعار عليه أن يلتفت إلى غير الله، أو يتلذذ بغير ذكر الله، أو يتغنى بغير كلام الله، أو يخضع لغير عظمة الله، ممن سرقوا الجاه والسلطان في الأرض، حرام – والله – عليه، وعار عليه أن يلتمس نوراً من غير نور الله، أو يسلك غير صراط الله الذي ارتضاه له، حرام عليه ونقص في عقله أن يطمع في خير من دون الله، أو يثق أو يطمئن إلى وعد غيره، أو يخلط خدمة الله بخدمة غيره، أو يدنس نفسه بطاعة غيره. حرام وعار وشنار على من حل بأرض الله ورتع في ضيافته أن يحب غيره، أو يعظم غيره، أو يطيع غيره فيما لا يرضاه، حرام وعار على من سكن حرم الله أن يتعرض لمحارمه، حرام عليه وعار عليه أن يحب أعداءه أو يبغض أولياءه أو يخذلهم ويوالي أعداءهم، حرام عليه ونقص في عقله أن يتعرض لسخطه. حرام عليه وخيانة منه ألا يغار لدينه، ولا يغضب من أجله، أو لا يتفانى في سبيله، حرام عليه وعار عليه أن يشغل قلبه بغير الله، أو يحرك شيئاً من جوارحه لغير الله، وأفظع من هذا وأشد عاراً من يستعمل نعم الله المتنوعة أو بعضها في معصيته، إنه لو لم يكن هناك جنة ولا نار في الآخرة ولا عقوبات شرعية أو قدرية على هذه الأمور في الدنيا، لكانت عاراً وحراماً، ونقصاً في العقل، وخيانة في المعاملة، وإباقاً عن مالك الملك الحق، فكيف وعلى ذلك يترتب الجزاء الدنيوي والأخروي؟ لهذا ضراعة عباد الله المؤمنين إليه بهذه الآية الكريمة اختيار منه لهم، فمن لم يحققها بصدق العلم كان آبقاً هارباً، وإذا كان إباق العبد من سيده المخلوق كبيرة من كبائر الذنوب، فكيف بالإباق من السيد الأكبر والمالك الأكبر، قال البيتوشي في نظم الكبائر: كذلك الآبق من العبيد ![]() إذ هو كفر جاء في الوعيد ![]() وأي عبد مات في إباقه ![]() لا بد في العقبى من احتراقه ![]() ذا في إباق العبد ممن خُلِقَا ![]() فكيف الإباق ممن خَلَقا؟ ![]() حتام عبد الله في الإباق ![]() والبعد عن سيدك الخلاق ![]() إلام تلهو في المعاصي وتني ![]() عن أمره ومعظم العمر فني ![]() حسبك ما ضاع من الأزمان ![]() في اللهو والإباق والذفان ![]() فعد إلى مولاك بالمتاب ![]() وناد بالذل على الأعتاب ![]() يا رب قد شبت ولست أرحم ![]() شيبي فارحمه فأنت أرحم ![]() حاجة الإنسانية إلى تحقيق عبودية الله أعظم من كل حاجة: تحقيق المسلمين للقيم بمدلول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ هو الذي يضبط المعالم الصادقة، والاتجاه الصحيح، عن الانزلاق في متائه المعالم الكاذبة، والشعارات الزائفة، التي تجعلهم تبعاً لغيرهم، فيسندون كل ثورة، ويؤيدون كل زعيم، وينخذعون بكل دجال ماكر، فتصبح نتيجة جهادهم، وثمار بذلهم وكفاحهم، غنيمة باردة لأعداء الله وأعدائهم من عملاء المعسكرين الكافرين، خدام اليهود، كما حصل عليهم في هذا العصر، الذي كانوا فيه هم الطليعة في البذل والجهاد، فلم يظفروا بالقيادة التي يتسنى لهم بها إقامة الحكم الإسلامي وتجديد العصر بأنواره، بل لما انحسر الكافر المحتل عن بلادهم، افترس الحكم أفراخ له قد هيأهم لهذا الأمر بشتى الأحابيل، يحملون أشنع الضغائن على المسلمين، ويبالغون في قتلهم وتعذيبهم وتشريدهم، والتشهير بهم، وإلصاق كل تهمة كاذبة بهم. كل هذا بسبب التربية الماسونية المخالفة لوحي الله، والمناقضة لعبوديته، مما جعل أبناءهم ومواطنيهم يتقمصون الشعارات اليهودية الكافرة، المصطبغة بالألقاب المادية، وتفترس القيادة من المسلمين، فينعكس الأمر إلى ما حصل. ولكن بتحقيق المسلمين لمدلول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يسدون عليهم الطرق والمنافذ، فيظفرون بنيل ثمرات بذلهم وجهادهم، ويعيدون حكم الإسلام الذي يريح البشرية، ويصون دماءها، ويحفظ كرامتها، ويقمع كل أفاك أثيم، وجبار عنيد، بخلاف ما هم عليه الآن، مما جعلهم يدفعون الثمن الغالي بالأموال والدماء، ويكون قطف الثمار لأهل الجاهلية الجديدة والوثنية الجديدة، لعدم مراعاتهم مدلول هذه الآية، وإعطائها حقها الكامل، من النواحي السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، فلو رعوها حق رعايتها، كما يطلب الله منهم في القرآن لما حصل عليهم ما حصل، وإنما حصل عليهم ذلك بسبب تطفيفهم مع الله، ومعاملتهم له كما يريدون، لا كما يطلبه منهم ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾[فصلت: 46]. إن من الظلم والبخس للإنسانية حصر المعالم والاتجاهات في قومية أو وطنية تحصر كل فريق منها بحدود وسدود، وعرق ولون، وتجعل كل فريق يتعصب لمذهب أو زعيم، ويعادي ما سواه، بل يطمع في خيرات غيره، خدمة لوطنه وثروته القومية، وما إلى ذلك من المنتحلات الماسونية، التي أبعدتهم عن عبودية الله الصحيحة، إلى عبادة المادة والأشخاص، فصاروا يتقلبون في الثورات الفاتكة التي جعلتهم كالقطعان المسوقة، بدلاً من هداية العالم كله، وقيادته بحكم الله في أوسع نطاق، وأفسح مجال، وأقوى صمود، وأرحم حكم، وأرفع تربية ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]. إن الاتجاهات البشرية إلى الأهواء - وخصوصاً بشعاراتها الحديثة المنبثقة من اليهود وأتباعها – غير واضحة المعالم، مهما أظهر أصحابها من المظاهر والتفسيرات، ولذا نراهم لا يقفون عند غاية، ولا يثبتون على تفسير، فلا ضابط لمعالم الإنسانية، ولا واقي لها من تخبطها في متائه أولئك إلا اتجاهها لتحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بمدلولها الذي يطلبه الله. تحقيق عبودية الله وحصر الارتباط والتعلق به دون ما سواه يحصل به راحة البشرية، وأمنها وسلامتها من القلق والاضطراب الموجب للثورات، التي صار منها في كثير من البلدان حمامات للدم، وفتك وبطش وإهدار للكرامة بشتى التهم الكاذبة، والأغراض الانتهازية، حتى من إخوانهم وأبناءهم، بسبب عدم التربية الدينية التي ينطبعون فيها بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. فإن حاجة الإنسانية إلى ذلك أشد من الطعام والشراب والدواء الحسي؛ لأنها هي الغداء المعنوي والدواء الروحي، الواقي من جميع الشرور والمآسي، وهي التي تربي الروح وتنميها أعظم من تنمية الجسم والعقل بالطعام الحسي، والعلم المادي، فلا تتهذب الطباع وتنصقل الأرواح وتكتمل إلا بما اختاره الله لها من معرفته، والأنس بحبه، ولذة طاعته وذكره، ورجاء ما عنده سبحانه وتعالى، فتسلم من جميع الشرور والأزمات. الصادق مع الله بتحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لا يضره كيد الكائدين ولا مكر الماكرين، ولا يقدر أن يفرط عليه أي جبار عنيد أو يطغى؛ لأن الله سبحانه وتعالى يحيطه بمهابة تلجم أفواه الطغاة وتزلزل قلوبهم؛ فلا يقدرون أبداً على تنفيذ ما يتوعدون به، أو يهمون به، من نيل عباد الله، بأي سوء، مهما أوتوا من البطش والعظمة والقوة، ينسيهم الله استعمالها ويفتت معنوياتهم ويفقدهم قوة التنفيذ، بل يخرسهم على الأمر به ويحبط مكرهم، مهما بلغوا من الكيد والتفكير. ولذا قص الله على عبادته في كتابه الكريم – بعدما وجههم لحسن السير إليه بهذه الأمة في عدة سور منه – قصص عدد من المؤمنين، الذين انهارت قوة الطغاة أمامهم، وهم أفراد ضعفاء إلا من الإيمان، كالنبي هود عليه السلام أمام قومه ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ [فصلت: 15] فتحداهم وهو فرد، مع زعمهم أن أصنامهم التي يعبدونها قد أصابته بسوء، وقال لهم: ﴿ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُم لَا تُنْظِرُونِ ﴾ [هود: 55-54] لا تمهلوني ولا لحظة واحدة، هاتوا ما عندكم من الكيد والعقوبة بكل سرعة فإني لا أبالي بكم جميعاً أنتم وآلهتكم. فانظر أيها القارئ والسامع إلى ما وهبه الله عباده الصادقين الصالحين من القوة المعنوية، وما أحاطهم به من الحصانة الخفية، التي لا يغلبها غالب، كيف وقف هذا العبد الفرد بين الأمة العظيمة القوية هذا الموقف الذي أشهد به الله أولاً على براءته من دينهم، ومما هم عليه، وجاهرهم بمخالفته وبالبراءة من آلهتهم التي يعادون عليها، ويوالون ويتفانون في نصرتها، ثم أعلن استهانته بهم واحتقاره لهم وازدراءه لقوتهم، وتحداهم أن يجتمعوا كلهم على كيده وشفاء غيظهم منه بكل عجلة دون إمهال، وهو ثابت وحده بلا جزع ولا فزع من قوة ثقته بالله، وجزمه بنصره. فموقفه يتضمن إعلانه بقوته عليهم، وأنهم أعجز وأضعف من أن ينالوا منه شيئاً، ثم يقرر دعوته أوضح تقرير وأحسن، مبيناً لهم أن الله ربه وربهم، وأنه متوكل عليه فقط، لا على غيره، وأن نواصيهم ونواصي جميع الخلائق بيده، فيقول: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [هود: 56] فالذي هو آخذ بنواصي العباد قادر على نصر أوليائه وأهل طاعته مهما ضعفوا ضعفاً حسياً، يجبرهم بقوة معنوية، وحصانة سماوية، ويشل حركة أعدائه، ويكفيهم عن عباده الصادقين، ويجعلهم لا ينتفعون بقوتهم مهما كثرت وعظمت. وكونه على صراط مستقيم يقتضي انتقامه ممن خرج عنه، وعمل بخلافه ونصرة من سلك نهجه، ولو كان فرداً واحداً على أكبر عدد وأقواه، وقد ينتقم ممن يزعم الإسلام وهو مخالف له بمن هو كافر، ليطهر دينه من المنافقين، ويمحص بذلك قلوب المؤمنين، وينشئ لدينه من ينصره فيديل دولة الكفر به حسب حكمته في كونه، وقد أجراه كثيراً في عدة عصور، والله غالب على أمره. وقد نصر الله إبراهيم أعظم نصر لم يعرف له التاريخ مثيلاً، وكرر الله علينا قصة موسى مع فرعون، لما فيها من عظيم العبرة، فموسى الذي خرج من فرعون هارباً يترقب، يرجع إليه رسولاً نذيراً يخاطبه بقوله: ﴿ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ﴾ [الإسراء: 102] ويدخل عليه مع هارون بسلطان من الله الذي قال له: ﴿ إنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾ [طه: 46]، ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ ﴾ [القصص: 35] فيصمدان أمام طغيانه ويبارزانه بالقوة المعنوية من رب العالمين، وكذلك مؤمن آل فرعون الذي خاطبه بدون مبالاة. وقد أرانا الله من نصرة المؤمنين، بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه وبعد زمنه ما هو عبرة للناظرين، وتأييده سبحانه لأهل بدر ومن على شاكلتهم من هذا النوع، وخذلانه لمن خرج عن طاعته، أو فَضَّل الدنيا على الآخرة تأديباً. فالله سبحانه وتعالى أرشد بني الإنسان إلى ما يحييهم حياة طيبة سعيدة من تحقيق عبادته، ويقيهم بها من شرور شياطين الجن والإنس حفظاً ونصراً، وإلى الصدق في حصر الاستعانة به، والتوكل عليه، مع الأخذ بالأسباب التي هي من كمال التوكل والعبادة؛ لأن ذلك هو طريق تسديده وتأييده ونصره، الذي لا يقدر أحد على مجابهته. فأهل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ أهل القوة والمنعة والعزة والزحف، الذي لا يوقف في وجهه، وهم أهل التكبير الصادق المرجف لقلوب الأعداء، والمزلزل لحصونهم، وهم الذين يتحدون غيرهم، ولا يقدر غيرهم على تحديهم مهما قلُّوا. ولم تستعل الدول المادية في هذه الأزمنة إلا على الذين يتولون بعضهم ويعتمدون عليها، هذا يعتمد على الدولة الفلانية، وهذا على الدولة الأخرى، وفريق يعتمد على القبر الفلاني، وفريق على مجاورة فلان أو على سكنى البلد المقدس عنده، أو على جوار حرم الله، وهو متلبس بمعاصيه غير محقق لعبوديته على الوجه المطلوب، بل مشابه للذين قالوا: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [المائدة: 18]. أما في كل وقت يقيِّض الله به قوماً يحبهم ويحبونه بالمعنى الصحيح، ويعبدونه بالمعنى الصحيح، ويجاهدون في سبيله، لا يخافون لومة لائم، ويأخذون بالأسباب غير متعلقين بها، ولا معتمدين عليها، بل هم معتمدون على الله، متعلقون به، جازمون أن الله مولاهم، قاصرون ولايتهم عليه، نعم المولى ونعم النصير، لا يستنصرون بغيره أبداً، فإنه يتحقق لهم ما قلناه من التأييد والنصر والتمكين، كما وعدهم به الله ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122]. إن القرآن الكريم يشمخ برءوسنا في عالم السياسة إلى أسمى مدارج الكمال، وهو وحده الذي يرفع رءوس أهله ويهيب بهم، ألا يستعينوا بغيرهم في دفع أي عادية، أو ردع أي عدو، أو قمع أي ظالم، أو إخراج أي متعصب، بل يعتمدوا على الله، ثم على أنفسهم بعد الأخذ بالأسباب، وإعداد القوة الموجبة عليهم في قتال كل باغٍ وظالم مستعينين بالله وحده، بنية خالصة، وألسنة صادقة لإعلاء كلمته، وبجوارح طاهرة من معصيته، وقلوب محشوة بمحبته وتعظيمه، سليمة من محبة ما يبغضه، وموالاة من يعاديه. وبذلك ينالون مدده وحصانته ونصره على أعدائهم مهما كانوا، كما أجرى سنته بذلك، حيث قال في أوليائه: ﴿ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23-22]. بتحقيق عبودية الله وفق مدلول هذه الآية يتحقق كيان المسلمين بين الأمم ويكون لهم هدف صحيح ناجح نصب أعينهم، يفرضونه على من سواهم، وتكون حركاتهم منوطة به، وإنفاقهم المال في سبيل نصرته، والزحف به لوجه الله، ولا ريب أن من ليس له هدف في الحياة يفقد كيانه بين الأمم، ويكون عولاً عليهم أو على بعضهم. ولذا أرشد الله عباده المؤمنين إلى هذا الهدف السامي الذي يبرزون فيه بين الأمم، ويتفوقون عليهم، ويتميزون منهم، بالطموح والشموخ عن كل خوف أو تقليد؛ لأن الله العليم الحكيم خط لهم الخطة الروحية بصراطه المستقيم بين سائر أهل الأرض، من الماديين عباد الأشخاص، وعباد الشهوات، وعباد الهوى والدرهم والدينار. وأصحاب المبادئ العصبية والمادية عباد الفرد، أصحاب العواطف والتصفيق، الذين تميل بهم الأهواء والشهوات إلى تقديس هذا تارة، وإلى لعنة ذاك تارة والولوع بغيره، وتجعلهم الأنانية يعيشون في دوامة من التقلبات، ويدورون في حلقة مفرغة من التجارب المخفقة، ويشقى معهم من يدور في فلكهم بالتقليد الأعمى. فوضع الله صراط السلامة لعباده المؤمنين من شقاوة هؤلاء وحظوظهم الدنيئة، وارتفع بمستواهم إلى هدف رفيع، متسع الأفق، سامي المقاصد، لا يقبل عبادة الفرد ولا خسة الشهوة، ولا خنوع الخوف، ولا استسلام الذل، ولا طمع المادة، ولا عار التقليد، الذي لا يحس به غيرهم. ذلك أنهم لا يلتقون مع عدوهم بهذا الهدف، ولا يستوردون منه أي نظام أو فكرة، بل جميع أفكارهم وتصوراتهم نابعة من معاني هذا الهدف العظيم ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فسلوكهم السياسي والاجتماعي منحصر على مدلول ذلك، ومنهلهم الثقافي منبثق من ينبوعه، وجميع ارتكازاتهم في سائر نواحي الحياة عليه، واتجاهاتهم شاخصة إليه، يعتقدون الكفاية التامة في وحي الله، والنقص والخسران فيما سواه، ويعتبرون غيرهم مفلساً ضالاً كافراً، مستعبداً لغير الله من بعضه البعض، نشوان بسكر الهوى والعماية. ذلك السكر المعنوي الذي لا تحصل إفاقة أهله من طريقهم، فيسعون لرفع إفلاسهم الأرضي بالتجارة السماوية، وإلى هدايتهم من الكفر والضلال بها، وإلى تحريرهم من عبودية بعضهم لبعض إلى عبودية الله وحده، ويفيقونهم من سكرهم، بحشو قلوبهم بذكر الله وحبه وتعظيمه، مع محبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، وإنارتها بنور الوحي المطهر للضمائر، والمصلح للأعمال، موجبين على أنفسهم أن يكونوا أهل التصدير للهداية إلى جميع المعمورة، متنزهين عن الاستيراد من أحد، باذلين في ذلك أقصى مجهودهم، ومرخصين أموالهم وأرواحهم. هكذا أصحاب الهدف الرباني الصحيح الذي تمليه هذه الآية الكريمة على أهلها، والذي فهمه الصحابة منها والتابعون لهم بإحسان، ممن انحازوا وتميزوا به عن غيرهم، وقطعوا لتحقيقه الفيافي والقفار، وركبوا متون البحار شرقاً وغرباً، وخاطب قائدهم البحر أمامه بما معناه: لو نعلم أن أناساً وراءك لمخرناك. بهذا الهدف الصادق نالوا المجد، وصاغوا الأجيال، وصنعوا المعجزات حتى إذا فترت همتهم وقف زحفهم، وتسلطت عليهم الأعداء بأنواع الغزو العسكري والفكري. [1] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 353)، رقم (36660) من طريق محمد بن عمرو اليثي عن جده بمثله، وأخرجه البخاري (3952) من حديث ابن مسعود مختصراً.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |