{من عمل صالحا فلنفسه} - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 65 - عددالزوار : 42683 )           »          أسهم الشركات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          حجية أحاديث الآحاد في العقائد والأحكام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          تعلم NotebookLM.. ميزة تغير طريقة عمل الصحفيين والباحثين مع الوثائق الضخمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 39 )           »          آبل تعزز حماية مستخدمي iPhone بميزة جديدة لاكتشاف عمليات الاحتيال في iOS 27 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          تعلم ChatGPT.. كيف تحوله من روبوت دردشة إلى مساعد شخصى يدير يومك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 44 )           »          واتساب على iPad يقترب من الاستقلال الكامل.. تحديث جديد يلغي الاعتماد على آيفون (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          ميتا تطلق تطبيقًا جديدًا لإنشاء ألعاب بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          ذاكرة الذكاء الاصطناعي تفتح باب العودة الكبرى لكيوكسيا اليابانية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          ذكاء اصطناعى جديد يقتحم القمة.. هل وجد تشات جى بى تى وجيميناى منافسا حقيقيا؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-07-2026, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,961
الدولة : Egypt
افتراضي {من عمل صالحا فلنفسه}

{من عمل صالحا فلنفسه} (1)


ورد لفظ العمل الصالح في القرآن الكريم في أكثر من تسعين موضعا طلبا له، وذكرا لفضله، ومدحا لأهله، وبيانا لجزائهم في الدنيا والآخرة
العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة، فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يرفع له قول إلى الله -تعالى-.
مطلوب من المسلم أن يتدبر القرآن الكريم كما قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}(ص: 29)، ومن تدبر القرآن الكريم معرفة معاني المصطلحات القرآنية وضوابطها ليتحقق الامتثال الصحيح لكتاب الله -تعالى-.
قال ابن القيم: «ومعلوم أن الله -سبحانه- حدّ لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه؛ وذمّ من لم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، والذي أنزله هو كلامه، فحدود ما أنزل الله هو الوقوف عند حدّ الاسم الذي علق عليه الحلّ والحرمة».
ولهذا العلم فضيلة ومزية، كما قال ابن القيم : «فإن أعلم الخلق بالدين أعلمهم بحدود الأسماء التي علق بها الحلّ والحرمة».
ومن الألفاظ التي كثر ورودها في القرآن الكريم لفظ (العمل الصالح)؛ ففي أكثر من تسعين موضعا في القرآن الكريم يذكر العمل الصالح؛ طلبا له، وحثا عليه، وذكرا لفضله، ومدحا لأهله، وبيانا لجزائهم في الدنيا والآخرة؛ مما يدفع المسلم لمعرفة حقيقة العمل الصالح وفضله وضوابطه، وهو مجال شاسع، لايتسع المقام لتفصيله، ولكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق، وأهمية ذلك ترجع لأمور منها:
العمل الصالح سبب النجاة من الخسران
قال تعالى:{وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ.إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر1-3)، قال الشيخ ابن سعدي: «عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فلا يتم إلا به.
والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحقوق الله وحقوق عباده، الواجبة والمستحبة.
والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضا بذلك، ويحثون عليه، ويرغبون فيه».
العمل الصالح جزاؤه الجنة
قال تعالى:{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (البقرة:25). قال ابن سعدي: «ففي هذه الآية الكريمة، ذكرُ الُمبَشِّر والمُبَشَّر والُمبشَّر به؛ والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشِّر: هو الرسول[ ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات؛ والسبب الموصل لذلك هو الإيمان والعمل الصالح؛ فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة، إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب».
العمل الصالح سبب لتكفير العمل السيء
قال سبحانه:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}(المائدة:9)، وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ}(العنكبوت:7).
قال ابن سعدي:» يعني أن الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان والعمل الصالح سيكفر الله عنهم سيئاتهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات».
يؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم : «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتـنبت الكبائر» متفق عليه .
العمل الصالح يهدي في الدنيا والآخرة
قال سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} (يونس: 9).
قال ابن سعدي:» أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم».
العمل الصالح سبب لرفع الأذكار
قال تعالى:{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}(فاطر: 10)، قال ابن عباس: الكلم الطيب: ذكر الله، يصعد به إلى الله -عز وجل- والعمل الصالح: أداء فرائضه، ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به .
وقال إياس بن معاوية القاضي : لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام .
وقال الحسن ، وقتادة : لا يقبل قول إلا بعمل .
وقال ابن سعدي: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب بحسب أعمال العبد الصالحة؛ فهي التي ترفع كلمه الطيب، فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يرفع له قول إلى الله -تعالى-؛ فالأعمال التي ترفع إلى الله -تعالى- ويرفع الله صاحبها».
العمل الصالح سبب الحياة الطيبة
قال تبارك وتعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(النحل: 97). قال ابن كثير:» هذا وعد من الله -تعالى- لمن عمل صالحا - وهو العمل المتابع لكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله - بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة».
العمل الصالح سبب حصول المحبة للعبد
قال سبحانه:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا} (مريم: 96)، قال ابن عباس: «محبة في الناس في الدنيا». وقال مجاهد: «يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين».
وفي الحديث الصحيح: «إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض» قال ابن سعدي: «وإنما جعل الله لهم ودا؛ لأنهم ودوه، فوددهم إلى أوليائه وأحبابه»، وقال تعالى: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» رواه البخاري.
العمل الصالح سبب استمرار الأجر إذا تركه العبد لعذر
قال النبي صلى الله عليه: «إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعملُ مقيماً صحيحاً» رواهُ البخاري قال ابن حجر: «وهو في حق من كان يعمل طاعة فمنع منها وكانت نيته لولا المانع أن يدوم عليها» يؤيده رواية أحمد عن أنس مرفوعا:» إذا ابتلى الله العبد المسلم ببلاء في جسده قال الله: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمله، فإن شفاه غسله وطهره ، وإن قبضه غفر له ورحمه» وحسنه الألباني.
العمل الصالح سبب حفظ العامل وذريته
قال تعالى:{وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}(الكهف: 82). قال القرطبي: «فيه ما يدلُ على أنَّ اللهَ -تعالى- يحفظُ الصالح في نفسهِ وفي ولدهِ وإن بعدوا عنه».
العمل الصالح سبب الاستخلاف في الأرض
قال عزوجل:{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} (النور:55).
الكافرون يتحسرون بعد الموت على العمل الصالح
قال تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(المؤمنون: 99-100)
قال الشوكاني مبينا أن الكافر يخاطب الملائكة:» أي: أعمل عملا صالحا في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير، ولما تمنى أن يرجع ليعمل رد الله عليه ذلك بقوله: كلا إنها كلمة هو قائلها فجاء بكلمة الردع والزجر.
وليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، أو المعنى: أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء كما في قوله: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه}.
وقال سبحانه عن أهل النار:{وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} (فاطر:36-37).
قال ابن عاشور: «وقولهم نعمل صالحا وعد بالتدارك لما فاتهم من الأعمال الصالحة،وهذا ندامة على ما كانوا يعملونه؛ لأنهم أيقنوا بفساد عملهم وضره، فإن ذلك العالم عالم الحقائق».



اعداد: د.وليد خالد الربيع






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 25-07-2026, 12:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,961
الدولة : Egypt
افتراضي رد: {من عمل صالحا فلنفسه}

{من عمل صالحا فلنفسه} (2)


الخير نوعان: خير مطلق، وهو المرغوب فيه على كل حال وعند كل عاقل وخير مقيد: وهو أن يكون خيرا لواحد شرا لآخر، كالمال والولد

تقدم في العدد السابق ذكر بعض فضل العمل الصالح كما جاء في القرآن الكريم، وفي هذا العدد ذكر تعريف العمل الصالح وشروطه وأنواعه.
تعريف العمل الصالح
العمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، وهو الذي طلبه سبحانه إيجابا أو ندبا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والعمل الصالح: هو المشروع، وهو: طاعة الله ورسوله، وهو: فعل الحسنات التي يكون الرجل به محسنا. قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حنيفا}».
وقال أيضا: «لا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحا; وهو ما أمر الله به ورسوله، وهو الطاعة، فكل طاعة عمل صالح وكل عمل صالح طاعة، وهو العمل المشروع المسنون; إذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب، وهو العمل الصالح، وهو الحسن، وهو البر، وهو الخير; وضده المعصية والعمل الفاسد والسيئة والفجور والظلم».
وعرف ابن كثير العمل الصالح بأنه: «العمل المتابع لكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه».
وأما شروط العمل الصالح
فقد قال الشنقيطي: «القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور:
- الأول: موافقته لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ; لأن الله يقول : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.
- الثاني: أن يكون خالصا لله تعالى; لأن الله - جل وعلا - يقول: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} .
- الثالث‌‌: أن يكون مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة; لأن الله يقول: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن}، فقيد ذلك بالإيمان ، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح، كقوله في عمل غير المؤمن: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}، وقوله: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون}(هود: 16) إلى غير ذلك من الآيات».
فيشترط للعمل الصالح الإسلام قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران: 85).
وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» أخرجه مسلم.
الفرق بين الخير والعمل الصالح
وهنا ينبغي التفريق بين العمل الصالح والخير، فليس كل خير عملاً صالحاً، فقد أمر -تعالى- بفعل الخير فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
فالخير ما يرغب فيه كل الناس من أصحاب الفطر السليمة، فهو الحسن لذاته، ولما يحققه من لذة أو نفع أو سعادة.
والخير نوعان: خير مطلق، وهو المرغوب فيه على كل حال وعند كل عاقل.
وخير مقيد، وهو أن يكون خيرا لواحد شرا لآخر، كالمال والولد ربما يكونان خيرا لزيد شراً لعمرو، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ}.
قال قتادة: «مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح».
قال ابن سعدي: «أي: أيظنون أن زيادتنا إياهم بالأموال والأولاد دليل على أنهم من أهل الخير والسعادة، وأن لهم خير الدنيا والآخرة؟! وهذا مقدم لهم، ليس الأمر كذلك؛ بل لا يشعرون أنما نملي لهم ونمهلهم ونمدهم بالنعم ليزدادوا إثما، وليتوفر عقابهم في الآخرة، وليغتبطوا بما أوتوا حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة».
وهناك فارق كبير بين العمل الصَّالح وفعل الخير، فليس كل فعل خير من العمل الصَّالح، فمن ينفق فى سبيل الله أموالاً جلبها من حرام لا يقوم بعمل صالح، إنما يقوم بعمل خير للآخرين، لكن لا يقبله الله.
فمن يساعد الطلبة في اختباراتهم بالغش يظن أنه يفعل بهم خيرا لكنه ليس عملا صالحا، ومن يخل بعمله من الأمانة والتحقق من الشروط سواء في الأطعمة أو البناء أو التجارة ونحو ذلك يظن أنه يساعد الناس، ويفعل الخير لكنه ليس عملا صالحا؛ لأنه خان الأمانة الوظيفية، وعصى الله تعالى.
فالعمل الصَّالح يجب أن يكون مشروعا مما يقبله الله، وأن يكون خالصا لوجهه، والله -تعالى- يخبرنا عن دعاء الرجل الصالح أنه يقول: { رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}. فقوله: {صَالِحًا تَرْضَاهُ}: يدلّ أنه ليس كل عمل صالحٍ في الظاهر يرضاه اللَّه تعالى، بل لا بدّ أن يوفّق إلى الأعمال والأقوال الموجبة لرضاه جل وعلا، من صدق الإخلاص، وحسن العبادة في المتابعة ، وكما ورد في الحديث: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا».
أنواع العمل الصالح
الأعمال الصالحة قد تكون عبادات وقد تكون غير ذلك من المعاملات أو العادات.
فالعبادات ما شرعه الله تعالى للتقرب به إليه وحده، كالصلاة والصيام والصدقة وقراءة القرآن وذكر الله -تعالى- والدعاء، والأصل في العبادات المنع، فالعبادات توقيفية لا يشرع منها إلا ما دل عليه الشرع، قال شيخ الإسلام: «باستقراء الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع».
وقال: «باب العبادات والديانات والتقربات متلقاة عن الله ورسوله ، فليس لأحد أن يجعل شيئا عبادة أو قربة إلا بدليل شرعي».
وقال ابن القيم: « ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله ، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر».
فالعبادات الغرض الأصلي من تشريعها التقرب إلى الله وشكره وابتغاء الثواب في الآخرة؛ ولهذا يشترط لها النية لتكون صحيحة، كما قال النبي -[-: «إنما الأعمال بالنيات» فهو خبر عن حكم الأعمال الشرعية، وأنها لا تصح ولا تحصل إلا بالنية ومدارها على النية. أما المعاملات فالغرض من تشريعها تحقيق مصالح العباد، وتنظيم العلاقة بين فردين أوجماعتين لتكون أحوالهم على أكمل وجه، مثل المعاوضات المالية والأنكحة والمشاركات والتوثيقات ونحو ذلك، والأصل في العادات والمعاملات الإباحة، ولا يمنع منها إلا ما خالف الشرع.
ولهذا لا يشترط لها النية لتكون صحيحة، لكن يشترط لها الإخلاص ليحصل الثواب، فالمعاملات لا يشترط في صحة فعلها نية التقرب إلى الله، وإذا فعلها الإنسان بلا نية فلا أجر له، كرد الأمانة ورد المغصوب، وقضاء الدين، والإنفاق على الزوجة وغير ذلك، ولكنها تقع صحيحة مجزئة إذا توافرت أركانها وشروطها، وانتفت موانعها. فالعبادة لا تكون عملا صالحا حتى توافق الشرع، والمعاملات والعادات لا تكون عملا صالحا إذا خالفت الشرع.



اعداد: د.وليد خالد الربيع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 25-07-2026, 08:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,961
الدولة : Egypt
افتراضي رد: {من عمل صالحا فلنفسه}

{من عمل صالحا فلنفسه} (3)



تقدم في العدد السابق تعريف العمل الصالح وبيان شروطه وأنواعه، وفي هذا العدد ذكر بعض ضوابط العمل الصالح.
أهل العمل الصالح مراتب
دلت النصوص الشرعية على تفاضل أهل الإيمان والعمل الصالح في الدنيا والآخرة
قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}.

نقل ابن كثير عن ابن عباس في قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}، أنه قال: «هم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم - ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب». قال ابن عاشور مبينا وجه إدخال الظالم في أهل الاصطفاء: «فهو تفصيل لمراتب المصطفين لتشمل البشارة جميع أصنافهم، ولا يظن أن الظالم لنفسه محروم منها، فمناط الاصطفاء هو الإيمان والإسلام وهو الانقياد بالقول والاستسلام. وقدم في التفصيل ذكر الظالم لنفسه لدفع توهم حرمانه من الجنة وتعجيلا لمسرته». وقال -صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» أخرجه أبو داود وحسنه الألباني.
قال الحليمي: «فدل هذا القول على أن حسن الخلق إيمان، وأن عدمه نقصان إيمان، وأن المؤمنين متفاوتون في إيمانهم، فبعضهم أكمل إيماناً من بعض».
الأعمال الصالحة درجات
دلت النصوص الشرعية على أن الأعمال الصالحة تنقسم إلى واجبات ومستحبات كما قال -عز وجل- في الحديث القدسي: «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» أخرجه البخاري.
أما تفاضل الأعمال الصالحة فهو من جهات عديدة:
أولاً: تفاضل الصالحات من حيث الجنس:
فالفرائض أفضل من النوافل، والصلاة أفضل من قراءة القرآن، وقراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء.
ثانياً: تفاضل الصالحات من حيث الشخص:
فقد يقوم شخصان بأداء عمل واحد في الصورة لكن يتفاوتان من حيث الأجر والمثوبة بحسب ما يحتف بأحدهما من موجبات التفاضل، ودليل ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» متفق عليه. قال النووي: «ومعناه لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أحد أصحابي مدا ولا نصف مد. وقال -صلى الله عليه وسلم -: «صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى» أخرجه الطبراني، فالصلاة واحدة ولكن كلما كثرت الجماعة كان أحب إلى الله.
ثالثاً: تفاضل الصالحات من حيث الزمان:
وذلك أن الله -تعالى- قد خص بعض الأزمان بمزيد من الفضل والإكرام كما في قوله تعالى: " ليلة القدر خير من ألف شهر"، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله».
رابعاً: تفاضل الصالحات من حيث المكان:
وذلك أن الله تعالى قد خص بعض الأماكن بمزيد فضل وبركة كما قال -تعالى-: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} (الإسراء:1)، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه».
العمل الصالح والمداومة «قليل دائم خير من كثير منقطع».
أكدت الأدلة الشرعية على فضل العمل القليل الدائم على العمل الكثير المنقطع؛ فعن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال أدومها إلى الله وإن قل» أخرجه البخاري.
قال ابن حجر: «ثم ختم ذلك بأن المداومة على عمل من أعمال البر ولو كان مفضولاً أحب إلى الله من عمل يكون أعظم أجراً لكن ليس فيه مداومة». وقال -صلى الله عليه وسلم -: «اكلفوا من الأعمال ما تطيقون». أخرجه البخاري
قال ابن حجر: «والمراد بالعمل هنا الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، وقوله: «ما تطيقون» أي: قدر طاقتكم، والحاصل أنه أمر بالجد في العبادة والإبلاغ بها إلى حد النهاية لكن بقيد ما لا تقع معه المشقة المفضية إلى السآمة والملال».
وعن عبدالله بن عمرو قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل» متفق عليه.
قال ابن حجر: «وفيه استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من الخير من غير تفريط، ويستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة. والترغيب في ملازمة العبادة، والطريق الموصل إلى ذلك الاقتصاد فيها؛ لأن التشديد فيها قد يؤدي إلى تركها، وهو مذموم».
العمل الصالح والمشقة
من ضوابط العمل الصالح أنه ليس بشاق مشقة غير معتادة، ولا يشترط أن يكون شاقا، فالمشقة ليست مقصودة فيه ولا مطلوبة لذاتها، وذلك لإن الإسلام دين ميسر سهل في عقائده وأخلاقه وأعماله، وفي أفعاله وتروكه، فكل مكلف يرى نفسه قادرا عليها لا تشق عليه ولا تكلفه، كما قال -تعالى-: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}، وقوله -تعالى-: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقوله -تعالى-: {يريد الله أن يخفف عنكم}.
وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم -: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة» قال الشاطبي: وسمى بالحنيفية لما فيها من التيسير والتسهيل. وقال -صلى الله عليه وسلم -: «إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة».
وقال -صلى الله عليه وسلم -: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا» وقال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». وقالت عائشة: «ما خيّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما». ويدل على هذا تشريع الرخص مراعاة لمصالح العباد ورفعا للحرج والمشقة عنهم بالتخفيف.
فالمشقة ليست مقصودة ولا مطلوبة ولكن إن عرضت للمكلف فأجره على قدر صبره على تلك المشقة قال شيخ الإسلام: «كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم - لعائشة في العمرة: «أجرك على قدر نصبك»؛ لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعد يكثر النصب فيكثر الأجر، وقوله -صلى الله عليه وسلم -: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة،والذي يقرؤه ويتتعتع فيه،وهو عليه شاق له أجران».
فكثيرًا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل؛ لكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر، وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم.
وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوبًا مقربًا إلى اللّه ؛ لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم. وأما الحنفاء فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء، وآكل اللحم، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
المسؤولية الفردية عن العمل الصالح
دلت النصوص الشرعية على أن المكلف مسؤول عن أعماله كلها الصالح منها وغير الصالح، قال سبحانه: {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}.
قال ابن سعدي: «من عمل صالحا وهو العمل الذي أمر الله به، ورسوله فلنفسه نفعه وثوابه في الدنيا والآخرة ومن أساء فعليها ضرره وعقابه، في الدنيا والآخرة، وفي هذا، حث على فعل الخير، وترك الشر، وانتفاع العاملين، بأعمالهم الحسنة، وضررهم بأعمالهم السيئة، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى. وما ربك بظلام للعبيد فيحمل أحدا فوق سيئاتهم».
وقال تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا}.
قال ابن كثير: «أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم».
العمل الصالح وتوفيق الله تعالى
من ضوابط العمل الصالح أنه بتوفيق الله تعالى ابتداء وانتهاء؛ فلا يغتر أحد بعمله، ولا يأمن أحد سوء عاقبة أمره، فعن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لن ينجي أحدا منكم عمله» قال رجل: ولا إياك يا رسول الله؟ قال: «ولا إياي، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة ولكن سددوا» متفق عليه.
وعن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «سدِّدوا وقارِبوا وأبشِروا؛ فإنه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يَتغمدَني اللهُ بمغفرة ورحمة» أخرجه البخاري.
قال النووي: «وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحد الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}، {وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون} ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة، فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات: أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل. وهو مراد الأحاديث.
ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها، وهي من الرحمة. والله أعلم.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله -: «ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبَّب؛ فإن المطر إذا نزل وبُذِر الحب، لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من ريحٍ مُربية بإذن الله، ولا بدَّ من صرْف الانتفاءِ عنه؛ فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يولد بمجرد إنزالِ الماء في الفرج، بل كم مَن أنزل ولم يولَد له؛ بل لا بد من أن اللهَ شاء خَلْقه، فتَحْبَل المرأةُ وتُربيه في الرحم، وسائر ما يتم به خَلقه من الشروط وزوال الموانع.
وكذلك أمر الآخرة ليس بمجردِ العمل ينال الإنسانُ السعادةَ، بل هي سبب؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لن يَدخُل أحدُكم الجنةَ بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدَني اللهُ برحمةٍ منه وفضلٍ».
وقد قال: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}فهذه باءُ السبب؛ أي: بسبب أعمالِكم، والذي نفاه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - باءَ المقابلة؛ كما يقال: اشتريتُ هذا بهذا؛ أي: ليس العملُ عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنة، بل لا بد من عفو الله».



اعداد: د.وليد خالد الربيع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 84.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 81.87 كيلو بايت... تم توفير 2.59 كيلو بايت...بمعدل (3.07%)]