
16-06-2026, 01:00 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,262
الدولة :
|
|
باختصار .. وقفات عند مفتر ق الأعوام
باختصار .. وقفات عند مفتر ق الأعوام
ليس مرور الأعوام في ميزان الشرع مجرد تعاقبٍ للأيام والليالي، بل هو رحلةٌ متواصلة في طريق العمر، ينقص معها الرصيد ويقترب معها الأجل، فكل يومٍ يمضي، يُقرِّب الإنسان من الوقوف بين يدي ربه، ويُودِع في صحيفة أعماله ما سيكون شاهدًا له أو عليه يوم القيامة، قال الله -تعالى-: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، وقال -سبحانه-: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}، وها نحن على أعتاب عام هجري جديد، فكان لزامًا علينا أن نقف مع أنفسنا وقفة صدق ومراجعة ومحاسبة؛ امتثالًا لقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}.
- إنَّ من أهم ما ينبغي على الإنسان أن ينظر في عمره فيما أفناه؟ وفي أيامه وساعاته كيف أمضاها؟ فكم من أيامٍ مضت وانطوت دون أن تترك في سجل الأعمال أثرًا يرفع الدرجات، أو عملاً يقرِّب إلى الله -تعالى-، أو يبني زادًا للآخرة! قال الله -تعالى-: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، وقال النبي -صلاى الله عليه وسلم -: «نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ»؛ فالغبن ليس في زوال النعمة فحسب، بل في الغفلة عن قدرها والتفريط في استثمارها.
- ثم تأتي آفةُ التسويف، ذلك العدوُّ الخفيُّ الذي يتوارى خلف عبارةٍ قصيرة: «سوف أفعل»، فكم من توبةٍ أُجِّلت، وكم من عملٍ صالحٍ أُخِّر، وكم من مشروعِ خيرٍ بقي حبيسَ الأمنيات حتى فاجأ صاحبه الأجل! قال ابن الجوزي -رحمه الله-: «إيّاك والتسويف، فإنه بحرٌ يغرق فيه الهلكى».
- وإنَّ مما ينبغي أن يراجع الإنسان فيه نفسه، مشاريعه وأعماله التي خاضها؛ فكم من مشروعٍ اندفع إليه دون بصيرةٍ تهديه، أو علمٍ يضبط مساره، أو نظرٍ متأنٍّ في عواقبه ومآلاته، فإذا به بعد سنواتٍ من البذل والجهد يكتشف أنه لم يجنِ منه نفعًا حقيقيًّا في دنياه أو آخرته؛ وقد حذَّر الله -تعالى- من هذا المسلك فقال -سبحانه-: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}؛ فليست العبرة بكثرة الأعمال، ولا بضخامة الإنجازات، وإنما العبرة بصدق المقصد، وصحة المنهج، وإخلاص النية لله -تعالى-، وموافقة العمل لهدي الشريعة.
- كذلك ينبغي للإنسان أن يتأمل في نقاط قوته وضعفه، وأن يراجع الميادين التي خاضها وما حققه فيها من نفعٍ وأثر؛ فليس كل طريقٍ يصلح لكل أحد، ولا كل ميدانٍ يبدع فيه كل إنسان، والنجاح الحقيقي لا يُقاس بكثرة الحركة والتنقل بين الأعمال، وإنما بحُسْن الاتجاه، وصواب الاختيار، والثبات على ما يحقق المقصود، وإن معرفة المرء لقدراته وإمكاناته، وإدراكه لما يُحسن وما لا يُحسن، من أعظم أسباب التوفيق وحسن استثمار العمر، وتوجيه الجهد فيما يعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع والبركة.
- إن الوقفة الصادقة مع النفس، والمحاسبة النافعة لها، لا تؤتي ثمارها إلا إذا أثمرت تصحيحًا للمسار، وتجديدًا للعزم، وإقبالًا على ما يرضي الله -تعالى-، وقد وعد الله أهل الصدق والمجاهدة بالهداية والتوفيق؛ فقال -سبحانه-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فمن صدق في محاسبة نفسه، وأخلص في طلب الهداية، وحرص على إصلاح عيوبه وتدارك تقصيره، فتح الله له أبواب التوفيق، وأعانه على الثبات والاستقامة.
اعداد: وائل رمضان
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|