الأضاحي معان إيمانية ولمحات تربوية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المروءة قيمة نادرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          الهجرة وعاشوراء.. حين يصنع اليقين المعجزات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الليل والنهار يعملان فيك فماذا عملت فيهما؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          مواقف بكى فيها النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          المفاخر بفضل المحرم والعاشر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الهجرة: دروس وعبر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          التاريخ الهجري هوية أمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الحقوق الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          العام الجديد وشهر الله المحرم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-06-2026, 08:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 177,700
الدولة : Egypt
افتراضي الأضاحي معان إيمانية ولمحات تربوية

الأضاحي معانٍ إيمانيةٌ ولمحاتٌ تربوية

الشيخ عبدالله بن محمد البصري

أَمَّا بَعدُ:
فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، مَضَت عَشرٌ مَعلُومَاتٌ، وَنَحنُ اليَومَ في أَوسَطِ الأَيَّامِ الثَّلاثَةِ المَعدُودَاتِ، وَالأَيَّامُ المَعلُومَاتُ وَالأَيَّامُ المَعدُودَاتُ، كُلُّهَا أَيَّامُ ذِكرٍ للهِ تَعَالى وَتَعَبُّدٍ وَتَقَرُّبٍ، وَذَلِكَ مِن فَضلِهِ سُبحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَهُوَ يُتَابِعُ عَلَيهِم مَوَاسِمَ العِبَادَاتِ، وَيَجعَلُ لَهُم مَحَطَّاتٍ إِيمَانِيَّةً يَتَزَوَّدُونَ مِنهَا بِالطَّاعَاتِ، لِيَكسِبُوا مُضَاعَفَ الحَسَنَاتِ وَتُحَطَّ عَنهُمُ الخَطَايَا وَالسَّيِّئَاتُ، وَلِتُرفَعَ لَهُم بِذَلِكَ الدَّرَجَاتُ في أَعَالي الجَنَّاتِ.

في كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، وَفي كُلِّ أُسبُوعٍ وَشَهرٍ، وَفي أَثنَاءِ العَامِ الوَاحِدِ، تَتَابَعُ المَوَاسِمُ مَوسِمًا بَعدَ آخَرَ، وَلا تَنقَطِعُ فُرَصُ نَيلِ الأَجرِ وَمَوَارِدُ تَحصِيلِ الثَّوَابِ، بَل هِيَ مُهَيَّأَةُ بِفَضلِ الرَّحِيمِ الوَدُودِ لِعِبَادِهِ؛ لِيَقِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم وَقفَةَ جِدٍّ وَعَمَلٍ وَبَذلٍ، فَيَتَجَدَّدَ إِيمَانُهُ وَيَزدَادَ، وَيُصقَلَ قَلبُهُ وَتَزكُوَ نَفسُهُ؛ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62].

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، مِن أَظهَرِ الشَّعَائِرِ في يَومِ عِيدِ الأَضحَى وَأَيَّامِ التَّشرِيقِ، شَعِيرَةُ ذَبحِ الأَضَاحِي، تِلكُمُ الشَّعِيرَةُ العَظِيمَةُ، الَّتي تُجَاوِزُ كَونَهَا أَنعَامًا تُذبَحُ وَيُؤكَلُ لَحمُهَا، إِلى أَن تَكُونَ عِبَادَةً عَظِيمَةً، تُختَبَرُ بِهَا مَعَاني الإِخلاصِ للهِ وَالمُتَابَعَةِ لِرَسُولِهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيهِ وَالبَذلِ في سَبِيلِهِ، وَالتَّجَرُّدِ مِن حُبِّ النَّفسِ وَالمَالِ وَالأَثَرَةِ وَالشُّحِّ وَالبُخلِ.

نَعَم أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ الأُضحِيَةَ لَيسَت تَفَاخُرًا بِذَبحٍ وَنَحرٍ أَو تَلَذُّذًا بِالأَكلِ مِن اللَّحمِ، وَلا عَادَةً مَوسِمِيَّةً مَورُوثَةً تَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ تَقلِيدًا، وَلَكِنَّهَا شَعِيرَةٌ ذَاتُ مَعَانٍ إِيمَانِيَّةٍ عَظِيمَةٍ وَلَمَحَاتٍ تَربَوِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، إِنَّهَا استِسلامٌ كَامِلٌ للهِ تَعَالى رَبِّ العَالَمِينَ، وَتَجدِيدٌ لِمَوقِفٍ نَبَوِيٍّ لإِمَامِ الحُنَفَاءِ إِبرَاهِيمَ وَابنِهِ إِسمَاعِيلَ عَلَيهِمَا السَّلامُ، إِذْ بَلَغَا مَعًا ذُروَةَ الامتِثَالِ لأَمرِ اللهِ وَالاستِسلامِ لِقَضَائِهِ، دُونَ تَرَدُّدٍ وَلا تَلَكُّؤٍ وَلا تَلَمُّسٍ لِعُذرٍ لِتَجَاوُزِ الأَمرِ أَوِ التَّهَاوُنِ بِهِ أَوِ التَّكَاسُلِ عَنهُ؛ قَالَ تَعَالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات: 103 - 105].

وَمِن هَذَا المَوقِفِ العَظِيمِ لإِمَامِ الحُنَفَاءِ عَلَيهِ السَّلامُ وَابنِهِ الَّذِي هُوَ مِثَالٌ لِلبِرِّ وَالطَّاعَةِ، يَتَعَلَّمُ المُؤمِنُونَ في كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ أَنَّ القُربَ مِنَ اللهِ، لا يُدرَكُ بِالتَّمَنِّي وَالتَّظَاهُرِ، وَلَكِنَّهُ صِدقُ اعتِقَادٍ يَعقُبُهُ تَنفِيذٌ مُبَاشِرٌ لِلأَمرِ بَخُضُوعٍ تَامٍّ وَاستِسلامٍ كَامِلٍ، وَتَقدِيمِ كُلِّ عَزِيزٍ وَبَذلِ كُلِّ غَالٍ لأَجلِ اللهِ وَابتِغَاءً لِمَا عِندَهُ، فَإِذَا أَيقَنَ العَبدُ بِذَلِكَ وَأَقدَمَ وَلم يُحجِمْ، وَبَادَرَ وَلم يَتَرَدَّدْ وَأَسرَعَ وَلم يَتَبَاطَأْ، كَانَ العِوَضُ مِنَ اللهِ أَسرَعَ إِلَيهِ مِن طَرفِ العَينِ وَأَقرَبَ مِن لَمحِ البَصَرِ، فَيَجِيئُهُ ثَمنُ بَذلِهِ بِأَفضَلَ مِمَّا بَذَلَ وَأَغلَى وَأَعلَى، كَمَا عَوَّضَ اللهُ إِبرَاهِيمَ وَابنَهُ إِسمَاعِيلَ بِالفِدَاءِ بِذِبحٍ عَظِيمٍ نَزَلَ مِنَ الجَنَّةِ؛ تَكرِيمًا لامتِثَالِهِمَا وَسُرعَةِ استِجَابَتِهِمَا بِقُلُوبٍ خَاشِعَةٍ وَخُضُوعٍ تَامٍّ وَاستِسلامٍ.

وَلم يَزَلْ هَذَا هُوَ شَأنَ المُؤمِنِينَ عَلَى مَرِّ العُصُورِ إِلى اليَومَ، سَمعٌ وَطَاعَةٌ، وَمُسَارَعَةٌ بِالامتِثَالِ، ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 51، 52].

نَعَم أَيُّهَا المُؤمِنُونَ، يَمضِي العَالَمُ إِلى تَقدِيسِ الكَسبِ المَادِيِّ وَجَمعِ المَالِ وَمَنعِهِ وتَعدِيدِهِ وَالشُّحِّ بِهِ، وَالاستِئثَارِ بِطَيِّبِهِ دُونَ إِيثَارٍ لِمُستَحِقٍّ أَو إِعَانَةٍ لِمُحتَاجٍ، وَيَزدَادُ السُّعَارُ حَتى يَتَعَامَلَ أَكثَرُ النَّاسِ مَعَ كُلِّ شَيءٍ بِحِسَابِ العَائِدِ المَادِّيِّ وَالرِّبحِ المَالِيِّ مِن وَرَائِهِ، لَكِنَّ الأَضَاحِيَ تَأتي في كُلِّ عَامٍ لِتُطَهِّرَ القُلُوبَ وَتُزَكِّيَ النُّفُوسَ، وَتُصَحِّحَ المَفَاهِيمَ وَتُعَدِّلَ المَوَازِينَ، وَلِيَعلَمَ المُؤمِنُ أَنَّهُ لا يَدفَعُ المَالَ مِن أَجلِ ذَبِيحَةٍ يَأكُلُ لَحمَهَا أَو يُوَزِّعُهُ عَلَى غَيرِهِ طَلَبًا لِمَدحٍ وَثَنَاءٍ، أَو بَحثًا عَن مَصلَحَةٍ مَادِّيَّةِ بَحتَةٍ، وَلَكِنْ لِيُحَرِّرَ نَفسَهُ مِن عُبُودِيَّةِ المَادَّةِ، وَلِيُربِّيَهَا عَلَى البَذلِ وَالعَطَاءِ دُونَ انتِظَارِ مُقَابِلٍ دُنيَوِيٍّ عَاجِلٍ، وَلِيَنتَبِهَ إِلى أَن النِّيَّةَ هِيَ مِقيَاسُ الأَعمَالِ كِبَرًا وَصِغَرًا وَقَبُولًا وَرَدًّا، وَأَنَّ مَا عِندَ اللهِ خَيرٌ وَأَبقَى، ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ [الحج: 37].

وَحِينَ يَستَشعِرُ المُسلِمُ وَهُوَ يَذبَحُ أُضحِيَتَهُ هَذِهِ المَعَانيَ وَيُدرِكُهَا وَيَستَحضِرُهَا، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَسمُو عِندَهُ عَن أَن تَكُونَ عَادَةً اجتِمَاعِيَّةً أَو مَورُوثًا مُجتَمَعِيًّا، لِتُصبِحَ شَعِيرَةً وَعِبَادَةً وَتَقَرُّبًا وَاحتِسَابًا، وَتَطهِيرًا لِلنَّفسِ وَتَزكِيَةً، فَيُقَدِّمُ مَالَهُ وَيُرخِصُهُ، وَلا يَحسِبُ لارتِفَاعِ ثَمَنِ الأُضحِيَةِ حِسَابًا مَا دَامَ يَقدِرُ عَلَى ثَمنِهَا وَلَو بِاقتِرَاضِهِ إِلى أَجَلٍ، ثم هُوَ يُعطِي الفُقَرَاءَ وَيُقَدِّمُ لِلمَسَاكِينِ مِنهَا، أَو يَدعُوهُم عَلَيهَا، مُذَكِّرًا نَفسَهُ أَنَّ العَطَاءَ للهِ لا يَنقُصُ مِنَ المَالِ، بَل يَزِيدُهُ وَيُبَارِكُهُ وَيُضَاعِفُهُ، كَمَا قَالَ أَعلَمُ النَّاسِ بِرَبِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِن مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ"؛ رَوَاهُ مُسلِمٌ.

أَلا فَمَا أَجمَلَ الأُضحِيَةَ وَأَعظَمَ شَأنَهَا حِينَ يَخرُجُ بِهَا الإِنسَانُ مِن ضِيقِ الأَثَرَةِ وَحُبِّ الذَّاتِ وَجَحِيمِ الشُّحِّ وَلَجَاجَةِ البُخلِ، إِلى سَعَةِ الإِيثَارِ وَرَحَابَةِ العَطَاءِ وَجَنَّةِ البَذلِ، وَلَذَّةِ إِشرَاكِ الآخَرِينَ في الفَرَحِ، بَل وَالفَرَحِ بِإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَيهِم، وَمَحَبَّةِ الخَيرِ لَهُم كَمَا يُحِبُّهَ لِنَفسِهِ، تَذَكُّرًا لِقَولِ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ: "لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ"، وَقَولِهِ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلى اللهِ أَنفَعُهُم لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعمَالِ إِلى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سُرُورٌ تُدخِلُهُ عَلَى مُسلِمٍ، تَكشِفُ عَنهُ كُربَةً، أَو تَقضِي عَنهُ دَينًا، أَو تَطرُدُ عَنهُ جُوعًا..."؛ الحَدِيثَ رَوَاهُ الطَّبَرَانيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ.

أَجَل أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ ذَبحَ الأُضحِيَةِ وَتَوزِيعَ لَحمِهَا أَو دَعوَةَ النَّاسِ عَلَيهَا لِيَأكُلُوا، إِنَّهَا صُورَةٌ لِمَا يَجِبُ أَن يَكُونَ عَلَيهِ المُؤمِنُ في حَيَاتِهِ، مِن حَملِ الخَيرِ في نَفسِهِ وَالسَّعيِ في نَشرِهِ في مُجتَمَعِهِ، وَأَن يَكُونَ بَاذِلًا لَهُ مُحِبًّا لإِخوَانِهِ مِنهُ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّهُ عَلَى استِعدَادٍ تَامٍّ لأَن يَتَنَازَلَ عَن مَحبُوبَاتِهِ مِن أَجلِ المُحَافَظَةِ عَلَى وِحدَةِ الصَّفِّ وَاجتِمَاعِ الكَلِمَةِ، وَأَن يُنفِقَ مِن وَقتِهِ وَجُهدِهِ وَمَالِهِ مَا يَخدِمُ بِهِ أَهلَهُ وَمُجتَمَعَهُ وَمَن حَولَهُ، وَأَن يَتَحَمَّلَ وَيَتَنَازَلَ وَيَتَغَافَلَ لأَجلِ بَقَاءِ الوُدِّ وَاستِمرَارِ المَحَبَّةِ وَالوِئَامِ، وَدَوَامِ المَبَادِئِ الرَّفِيعَةِ وَالقِيَمِ السَّامِيَةِ وَالأَخلاقِ الحَسَنَةِ.

إِنَّهُ المُؤمِنُ، يَرَى في البَذلِ قُربًا مِنَ اللهِ وَلَو خَسِرَ مِنَ الدُّنيَا مَا خَسِرَ، لا يَكسَلُ عَن طَاعَةٍ، وَلا يَغفَلُ عَن قُربَةٍ، وَلا يَزهَدُ فِيمَا يُحَبِّبُهُ إِلى رَبِّهِ، يَحرِصُ في كُلِّ مُنَاسَبَةٍ عَلَى أَن يُجَدِّدَ العَهدَ مَعَ اللهِ، وَيَكُونَ مِن عِبَادِهِ المُستَسلِمِينَ لأَمرِهِ وَنَهيِهِ، الوَاقِفِينَ عِندَ حُدُودِهِ، المُتَّخِذِينَ الإِسلامَ مَنهجَ حَيَاةٍ شَامِلًا، المُسَارِعِينَ لِلخَيرَاتِ السَّابِقِينَ إِلَيهَا، ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 9].

الخطبة الثانية
أَمَّا بَعدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ وَاشكُرُوهُ وَاذكُرُوهُ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [البقرة: 223].

أَيُّها المُسلِمُونَ، لَمَّا جَعَلَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامَ وَلَدَهُ لِلقُربَانِ، وَجَسَدَهُ لِلنِّيرَانِ، وَمَالَهُ لِلضِّيفَانِ، استَحَقَّ أَن يَكُونَ خَلِيلَ الرَّحمَنِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا قَدَّمَ العَبدُ نَفسَهُ وَمَالَهُ وَوَقتَهُ وَعُمُرَهُ وَعَمَلَهُ لِرَبِّهِ، كَانَ إِلَيهِ أَقرَبَ وَأَحَبَّ، فَلْنَحرِصْ رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى مَا يُرضِي رَبَّنَا قَدرَ استِطَاعَتِنَا، وَلَئِن فَاتَ أَحَدَنَا الحَجُّ أَو لم يَستَطِعِ الأُضحِيَةَ، فَإِنَّ العُمرَ كُلَّهُ مَيدَانٌ لِلتُّزَوُّدِ مِن صَالِحِ العَمَلِ، بِاستِثمَارِ كُلِّ فُرصَةٍ تَسنَحُ في التَّقَرُّبِ إِلى اللهِ، بِذِكرٍ وَشُكرٍ وَدُعَاءٍ وَرَجَاءٍ، وَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ وَلَو قَصُرَت، وَصَدَقَةٍ خَالِصَةٍ وَلَو قَلَّت، وَرَكعَةٍ في الضُّحَى أَو في آخِرِ اللَّيلِ، وَرَاتِبَةٍ يُحَافِظُ عَلَيهَا قَبلَ صَلاتِهِ وَبَعدَهَا، وَنَشرِ عِلمٍ وَتَشجِيعٍ عَلَى بِرٍّ، وَصِلَةٍ لِرَحِمٍ وَإِكرَامٍ لِجَارٍ، وَمُوَافَقَةٍ لِصَاحِبٍ وَشَفَاعَةٍ لِمُحتَاجٍ، وَرِعَايَةٍ لأَرمَلَةٍ وَكَفَالَةٍ لِيَتِيمٍ، وَمَن حَسُنَت نِيَّتُهُ كَانَت حَيَاتُهُ كُلُّهَا حَتَّى عَادَاتُهُ عِبَادَاتٍ وَقُرُبَاتٍ وَحَسَنَاتٍ، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 160 - 163].


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 55.90 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 54.22 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.99%)]