|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (1) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ الحمد لله ثناء أثنى به الله على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. فالحمد ثناء عليه بأسمائه وصفاته الحسنى، بما أنعم على عباده من نعم لا يحصيها غيره، وبما بسط لهم من الرزق وسخر لهم جميع الكائنات من غير استحقاق منهم لذلك، والألف واللام في ﴿ الْحَمْدُ ﴾ لاستغراق جميع المحامد وصنوفها لله، فما من حمد واقع أو مفروض منذ البداية حتى النهاية يصرفه أحد إلى أحد إلا وينصرف إلى الله، إذ هو أهله؛ لأنه معطي الجميل ومعطف أهل الفضل لفعل الجميل. ثم إن معنى الحمد في الاصطلاح هو معنى الشكر في اللغة، ومعنى الشكر في الحقيقة هو صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلقه لأجله، من جميع الجوارح والحواس والآلات والقوى، وكافة النعم والأموال، فيحسن التصرف فيها باستعمالها في طاعة الله، ونشر دينه، وإعلاء كلمته، وقمع المفتري عليه، إذ يتضمن مدلولا الحمد والشكر القيام بجميع أنواع العبودية المرضية لله، ففي قرن الحمد بلفظة الجلالة الكريمة هذه الدلالة العظيمة، فمن لم يقم بذلك لم يكن حامداً ولا شاكراً على الحقيقة، إذ مجرد النطق لا يفيد، ومن قصر في أنواع العبودية كان مقصرا بحمد ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ بقدر ذلك، و﴿ الْعَالَمِينَ ﴾ هم مَنْ سوى الله، فكل من سوى الله تعالى فهو عالم (بفتح اللام). ومن هنا قالوا بعموم مدلولهم جميع أجناس المخلوقات، فمعنى ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ سيدهم المربي لهم الذي رباهم بنعمته: 1- تربية خلقية يكون بها نموهم وكمال إحساسهم وقواهم النفسية والعقلية. 2- تربية هداية فطرية لكل نفس ما يلائمها من طلب نفع أو مكافحة ضرر. 3- تربية هداية شرعية لأهل الإدراك منهم لما يسعدهم في دنياهم وأخراهم، وذلك بما يوحيه إلى أفراد منهم بدينه القويم، وتشريعه النافع، ومن هنا قال من قال بقصر معنى (العالمين) على أهل الإدراك من الجن والإنس والملائكة، والتعميم بجميع المخلوقات هو الأولى؛ لورود النصوص القرآنية بتسبيح كل شيء وسجود كل شيء لله ﴿ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [النحل: 48]. 4- رباهم تربية معيشية بتسخيره لهم كل دابة ومادة، وتيسير أرزاقهم حسب تقديره الأزلي، وإنعامه عليهم بالنعم التي لا يمكن لهم البقاء بدونها. ولذلك استحق جميع المحامد بحيث إن أي حمد يتجه إلى محمود ما فهو لله - تعالى - سواء لاحظه الحامد أو لم يلاحظه؛ لأنه مصدر جميع الوجود والفضل والنعمة والمعروف والإحسان، فلهذا ثنى السورة بقوله ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ لأن تربيته للعالمين بأنواعها المتقدمة ليست الحاجة به إليهم قطعياً، وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه؛ لأن ربوبيته ليست مقصورة على القهر والعزة والجبروت، بل فائضة بالرحمة واللطف والإحسان، فهو الرحمن المنعم بجلائل النعم كالسموات والأرض وما بعث فيهما من دابة ومادة، وما سخره من شمس وقمر وأفلاك، وما وهبه من نعم وصحة وعقل، وهو ﴿ الرحيم ﴾ بدقائق النعم، كسواد العين، وتلاصق شعرات أهدابها المانعة من دخول كل ما يؤذيهما مع كون النور يلمح من خلالها. وهو ﴿ الرحيم ﴾ الذي اقتضت رحمته وحكمته أن يجعل ماء العينيين مالحاً؛ ليحفظ شحمهما من الذوبان، وجعل ماء الأذن مرَّا؛ ليمنع الذباب وسائر الحشرات من الولوج فيها لصعوبة خروجه منها، ودقة إيذائه إذا بقي فيها، وجعل ماء الأنف لزجاً ومسالكه ملتوية ليتقمع الداخل المؤذي، ويطيب التنفس، وترهف حاسة الشم، وجعل ماء الفم حلواً رائقاً ليطيب للإنسان بما يمضغه من الطعام، كما جعل في اللسان أجهزة دقيقةً كثيرةً جداً لتمييز التذوق، وجعل في الفم نفسه أجهزة لحسن الابتلاع واتقاء الضرر. وهو ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ الذي جعل الليل والنهار، هذا صالح للسكن، مفيد نومه صحياً، وهذا للعمل واكتساب الرزق، كما يأتي توضيح ذلك في سورة القصص - إن شاء الله -، ثم هو ﴿ الرحمن ﴾ ذو الرحمة العامة الشاملة لجميع الخلق، حتى الكافر والفاسق والمتمرد، وهو ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين كما نص على ذلك في الآية (157) من سورة الأعراف، كما سنوضحه بحوله تعالى وقوته، وهو ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ في خلقه وتكوينه، وحسن تصويره، وقسمته للأرزاق، وتشريعه لخلقه من الدين ما يحرر نفوسهم ويزكيها، وتشريعه لهم من الأحكام ما يحصل به عموم الرحمة والسعادة والرفاهية والأمن والعيشة الراضية في الدارين، فتحليله رحمة، وتحريمه رحمة، وعزيمته رحمة، ورخصته رحمة، وعقوباته رحمة، ومصائبه وبلاياه رحمة ظاهرة، لمن تدبرها، وخافيه لمن عمي أو غفل عنها، فهو ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ البالغ في الرحمة غايتها، والذي هو أرحم بخلقه من الوالدة بولدها. واعلم أنه لا ينافي عموم رحمته ما يجريه على خلقه من النكبات التي هي عقوباته القدرية، ولا ما يفرضه عليهم من العقوبات الشرعية، فإنها كلها رحمة وعدل اقتضته حكمته تأديباً للجناة رحمة بهم، وبمن جنوا عليه، وإيقاظاً للعصاة الذين فرطوا أو أعرضوا عن هديه، وقد يسلط أعداءه على بعض المسلمين المتعبدين ببعض الشعائر، وهم مهملون لبعضها أو للمهم فيها، كالتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، الذي من موجباتها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد لإعلاء كلمة الله، وكبت المنكرين له في صحفهم وكتبهم الخبيثة، الطاعنين في دينه، المحادين له ولرسوله، بتحبيب الكفر والفسوق والعصيان، في كتبهم وصحفهم، التي لا يجوز للمسلم أن يسمح بها أو يتسع صدره لانتشارها في بلاده؛ كيلا يحرمه الله من رحمته الواسعة؛ لأنه أقسم بحصول الخسران لمن لم يتصف بذلك من بني الإنسان، فكيف يطمع بدوام رحمة الله وشمولها من لم يغضب لله، ومن لم يتمعر وجهه فيه، ولم يحقق محبته بموالاة أحبابه ومعاداة أعدائه، والبراءة منهم، وممن تنكب عن الهدى، ويعمل على أطره على الحق أطرا. ((هذه الأمور العظيمة)) التي تستلزم لصاحبها العزم على الجهاد، وإعداد المستطاع من كل قوة لازمة ملائمة يتمكن بها من قمع المفتري على الله، والمعرض عن سبيله، أو المتعرض له بالصد عن الحق والإغراء والفتنة، يسد بذلك الفراغ والثغور، التي ينفذ منها المبطلون من الأحزاب المغرضة المنحرفة، وذوي المبادئ الهدامة، التي تفاقم شرها في هذا الزمان، وطم سيلها الوعر والسهل، والتي تلبس في كل زمان زياً خاصاً بسبب تفريط المسلمين في هذه الأصول العظيمة، لما انطفأت جمرة الغيرة من قلوبهم، وعكفوا على خرافات وأوضاع ما أنزل الله بها من سلطان، أو اكتفوا بفعل بعض الشعائر التي يأتون بها خالية من الحب والتعظيم لرب العالمين، فأصبحوا بذلك عرضة للعقوبات القدرية التي سنفصلها في تفسير قوله تعالى:﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123]. وخسروا النصيب الأوفر من رحمة الله التي خصصها في سورة الأعراف للمؤمنين المتبعين القائمين بنصرة دينه، فرحمته الكاملة الشاملة لا تُنال بدون ذلك، ومن طمع بها دون أن يسلك مسالكها من تحقيق التقوى والأخذ بالأسباب الواقية فهو العاجز الذي يتمنى على الله الأماني. والله كتب على نفسه نصرة المؤمن والدفاع عنه، والانتقام من المخالفين بشتى أنواع العقوبات، وقد ينجي بعض الناس مع ما بهم من البدعة التي تأولوها بنية حسنة، لثباتهم على ما هم فيه احتساباً، وإنفاقهم المال في سبيله لعدم وجود من يوجههم إلى الحق، والله يعامل عباده بحسب نياتهم وقوة غيرتهم نحوه، ومدى اندفاعهم لطاعته وحفظ حدوده، وقد يرى الطبيب الماهر قطع عضو، أو قلع سن؛ فيكون ذلك رحمة لصاحبه وإصلاحاً لحاله. و- لله المثل الأعلى والحجة البالغة -.وسنزيد الموضوع توضيحا عند الكلام على قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ ﴾ [البقرة:155] إن شاء الله تعالى، ثم إن ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ - جل وعلا -، إذ يعاقب أصحاب المخالفات في الدنيا ويسلط عليهم أعداءهم ولا يبالي بهم في أي وادٍ هلكوا، فإنه لا يضيع من حسناتهم شيئاً في الدار الآخرة، إذا خلصت من نوائب الشرك، وقد يضاعفها لهم بصبرهم أو بأسباب أخرى. ومن تمام رحمته أن اختص بالملك والحكم وحده في دار الجزاء، فهو ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إذ لو جعل الأمر هناك إلى سلاطين البشر ورؤسائهم ووزرائهم ومديريهم كما في الدنيا، لحصل الجور والمحاباة، وكثرت الأثرة والأنانية، ولم يدخل الجنة سوى عدد من محسوبيهم، وقذفوا بسائر الخلق في الجحيم، ولكن رب العزة - جل وعلا - اختص بالحكم في ذلك ليحقق رحمته وعدله وجزيل فضله، فلا تظلم أو تهضم نفس شيئاً وإن كان مثقال ذرة، ولاطمئنان المؤمنين بالغيب لأحكامه في الآخرة رخصت عليهم نفوسهم وأموالهم في ذات الله، فاتصفوا بأشرف السجايا وأكرم الخصال، وسارعوا في الخيرات، وأقدموا وتنافسوا على الجهاد، فنالوا النصر والسؤدد في الدنيا حيث حقت عليهم كلمة ربهم الحسنى، ورحمته الواسعة، وسينالون الجزاء الأوفى في الدار الآخرة، ومن عداهم انعكست أحوالهم بتفريطهم في جنب الله وعدم قيامهم بواجبه. والدين هنا يطلق لغة على المكافأة والجزاء، وقد ورد الأثر: ((كما تدين تدان)) ويطلق على الطاعة والإخضاع والسياسة، ويقال: ((دانه وتولى سياسته)) ويطلق على الشريعة وما يؤاخذ العباد به من التكاليف، وقد قرئ ﴿ ملك يوم الدين ﴾ بوجوه كثيرة، إلا أنها شاذة، وهي على طريقة الاتساع وبها يجري الظرف مجرى المفعول به فيكون معناه على الظرفية أي: الملك في الدين، ويجوز أن يكون المعنى: (ملك الأمور يوم الدين) فيكون فيه حذف، أما على القراءة المشهورة عند عاصم والكسائي وغيره فتقديرها: (مالك الأمر يوم الدين) أو مالك مجيء يوم الدين، وبصفتها تقتضي حذفاً، فإن قراءة (ملك يوم الدين) أبلغ في المعنى، وأرجح من حيث الدلالة اللغوية؛ لأن الملك أعظم من المالك، إذ قد يوصف كل واحد بالمالك لماله دون الملك، فإنه سيد الناس، ولها تأييد ثالث من القرآن وهو قوله: ﴿ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴾ [الأنعام: 73] وعلى كل حال بقراءة مالك تعطي المراد أيضا، وتخصيصه تعالى لنفسه الحكم في الآخرة نعمة عظيمة يشكره عليها العارفون لضبط الجزاء أولا، ثم يشكرونه لمضاعفة الأمر ثانياً كما سيأتي في بحث الشكر، وأيضا فتخصيصه لنفسه الحكم في الآخرة هو المشجع للمؤمنين بالغيب على تحقيق عبوديته والاستعانة به والتفاني في ذلك. ولذلك أرشدهم في هذه السورة الكريمة إلى حصرها له حيث قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بتقديم المفعول وتكريره للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، ولا نتوكل إلا عليك، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين وذلك لأمور... معاني العبادة والاستعانة: أحدها: أن العبادة هي كمال الطاعة والانقياد لأوامر الله والانتهاء عن زواجره، والوقوف عند حدوده، وقبول جميع ما ورد عنه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم دون رد شيء من ذلك أو إلحاد فيه. ثانيها: أن التذلل والخشوع فيها ناشئ عن حب وتعظيم، فمن خضع لأحد مع بغضه له لا يكون عابداً له ومن أحبه ولم يخضع له بالقبول والانقياد لم يكن عابدا له أيضاً كمحبة الإنسان لوالده أو صديقه، إذ لابد أن يقترن الحب بالتعظيم ليحصل الخضوع والانقياد، فلو حصلا بسبب الخوف والإرهاب لا يكون عبادة، ومن هنا وجبت محبة الله ورسوله وتعظيمها وتقديم محبتهما على كل شيء. ويشهد لذلك حديث عدي بن حاتم المشهور في الصحاح والمسانيد حيث نص الرسول صلى الله عليه وسلم أن موافقة النصارى لأحبارهم ورهبانهم فيما يشرعونه عبادة لهم، وإن كانوا لا يحسبونه ولا يعتقدونه عبادة، والله سبحانه يقول: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة:165]. ثالثها: من ألزم وأعظم أنواع العبودية أخذ القرآن بقوة، وذلك بالعمل بما فيه، وإقامة حدوده، دون الاقتصار على إقامة حروفه، كما هي الحال عليه في هذا الزمان، وألا يُسطى على نصوصه بالتأويل أو التحريف. رابعها: العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه، وتعني العمل وفق شريعته سبحانه وتعالى وطبق حدوده. فمن شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، أو قلد متبوعاً محبوباً فيما استهواه فليس عابداً لله كما يفيد معنى الحصر في الآية، بل هو عابد للطاغوت المفتئت على حكم الله. خامسها: من ترك العمل بشعائر الإسلام معتمدا على مجرد لفظ الشهادتين فهو مشرك عابد للهوى والشيطان. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ﴾ [يس: 60]. وقال سبحانه: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾[الجاثية:23]. سادسها: جميع أنواع العبادة التي سنفصلها في تفسير ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ [البقرة: 21] من خوف ودعاء وخشية ورجاء واستعانة واستعاذة لا يجوز شيء منها لغير الله وهو مصادم لمقصود الله في حصره ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ كما أنه شرك مخل بمدلول الشهادتين. سابعها: إقامة الحدود والحكم بما أنزل الله من لوازم عبوديته سبحانه، وهما من صميم العقيدة؛ لأن من عطل حدود الله، أو لم يحكم بشريعته فقد ابتغى غير الله حكما، فإن ادعى عدم صلاحيتها للعصر، فإنه طاغوت تجب منابذته حتى تكون عبودية الله مرتكزة على أصل صحيح. ثامنها: لباب العبودية الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة فيه، فلا تجوز محبة شخص إلا في ذات الله، ولأن حاله موافقة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. تاسعها: روح العبودية التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومن مقتضياتهما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وقمع المفتري، فمن تخلى عن ذلك ولم يفعل قدر المستطاع فقد أخل بعبودية رب العالمين. عاشرها: من تمام عبودية الله - سبحانه - نصرة المظلوم وردع الظالم مهما كان نوع ظلمه وأطره على الحق أطرا. حادي عشرها: من العبودية الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها من النشاط في العمل والسعي لطلب الرزق، وبذل أقصى الجهد في الاستعداد بالقوة، وتسخير كل ما في الكون ليعين المسلمين على التواصي بالحق وقمع المفتري، وإقامة الجهاد، وكما قال ابن تيمية رحمه الله: فالتوكل مقرون بالعبادة كما في قوله تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]. اهـ. ثاني عشرها: ذروة سنام الدين وعبودية رب العالمين الجهاد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، إذ لا يمكن الانتصار لله ودحض المفترين إلا به، ومن لم يجاهد ولم يحدث نفسه بالجهاد مات ميتة جاهلية، وحق عليه غضب الله وذلته في الحياة الدنيا. ثالث عشرها: عبودية رب العالمين لا تسمح للعابد إقرار المفتري على الله ورسوله من كل ملحد أو مبتدع، فضلاً عن موالاتهم والعياذ بالله باسم القومية أو الوطنية ونحوهما. رابع عشرها: تقتضي عبودية الله على العابد الحقيقي أن يعتبر نفسه خليفة الله في أرضه، مسئول عما يجريه فيها أعداؤه من الفساد والخبث، فيسعى لإزالته ببذل أقصى مجهوده ويستغل جميع الطاقات من أجل ذلك، فمن اقتصر على ركعات يصليها وأدعية يرددها، وسُبحَة يعلقها، لم يقم بواجب العبودية؛ لأنه ترك المشاقين لله ورسوله يسرحون ويمرحون. خامس عشرها: على عابد الرحمن أن يعرف نفسه حق المعرفة، وأن يعرف دوره وواجبه في هذه الحياة، فلا يعيش في مجتمعه مقلداً ومسايراً، ولا تابعاً مسالماً، بل يكون قائداً متبوعاً آمراً وناهياً، يفرض عقيدته ومبدأه حيث حل. سادس عشرها: تحقيق عبودية الله والاستعانة به من كافة الوجوه، فتحرر النفوس من رق العبودية لغير الله من كل سلطان وهمي، وتسمو بعقله عن الخضوع لتُرَّهات القبوريين والمشعوذين، وتعصمها من همزات شياطين الجن والإنسان، وتنقذها من مكر الدجاجلة المضللين المهرجين؛ لأنها - بإذن الله - تكسب العبد فرقاناً يميز به بين الحق والباطل، ويعرف به دعاة الرشد من دعاة الغي الذين تفاقم شرهم. سابع عشرها: عبودية الله المرضية تستلزم الإخلاص له والصدق معه ببذل جميع مجهوده وطاقته في ذات الله، وتكريس جميع أوقاته في النصح له ولرسوله وعباده المؤمنين من آمر ومأمور وسيد ومسود، بلا كسل ولا جبن أو فتور، ليصدق القسم الإلهي في سورة (العصر) وأن يكون مخلصاً في حركاته وسكناته كلها. ثامن عشرها: عبودية الله المرضية تقتضي حسن المعاملة للخالق والمخلوق فيعامل الله ويراقبه حق المراقبة كأنه يراه؛ ليرقى بذلك إلى درجة الإحسان، وينال حظ المحسنين، ويحسن معاملة الخلق أيضاً، بما يجب أن يعاملوه به ليحقق الإيمان، ويكون أسوة صالحة مؤثرة في دعوته، نافعاً لأمته، ويكون كل فرد منها مواطناً صالحاً، فيتحقق لها الوئام والكرامة. تاسع عشرها: العبودية بمعناها الصحيح تسمو بالذات إلى أشرف الغايات، وتكسب صاحبها عزة معنوية وصلابة في دين الله، بحيث لا يستطيع الولاة أن يشتروه بموائدهم وخلعهم، ولا أن يخضعوه بسياطهم؛ لأنه قوي الإيمان، زكي الجنان، مترفع عن المادة، شعاره شعار الأنبياء: ((اللَّهم لا عيش إلا عيش الآخرة)). العشرون: القيام بواجب العبودية يحقق لصاحبه الصلة الروحية بالله ورسوله فلا يزحزح عقيدته هديرُ أصحاب القوميات الذين غيروا كلام الله وبدلوا قولا غير الذي قيل لهم، فبدلوا حب الله ورسوله بحب الوطن، وبدلوا تقديس حدود الله وشعائره بتقديس حدود الوطن ومصالحه، حتى تبجحوا بأكل السحت تكثيراً للثروة القومية، وبمسارح اللَّهو ونوادي الإثم والمنكر وبلاجات الخلاعة، زعماً للحضارة الخاطئة المعكوسة الممجوجة من قيح الاستعمار ودمه وصديده، بل حضارته حضارة صحيحة عجنت مع اسم الله ومراقبته، وقامت على أساس الإيمان والطابع الديني المطهر للأخلاق، الحافظ للأموال، المبارك في الأوقات والأعمال. الحادي والعشرون: تحقيق عبودية الله عز وجل، يتكون منها شعوب وفصائل، أعزة على الكافرين تجدهم أمامهم أشداء في صلابة الحديد، لا تلين لهم قناة مهما بلغوا عددا وعدة، بينما تجدهم أذلة على إخوانهم المؤمنين رحماء بينهم، متسابقين إلى منفعة بعضهم بعضاً، فَهُمُ في ذات الله للمؤمنين كنعمومة الحرير وكالغيث السح الغدق، وعلى أعداء الله شداد غلاظ لا يقبلون صرفاً ولا عدلاً ممن لا يدين دين الحق، وعلى العكس تجد الذين لم يحققوا عبودية الله وفق شرعه يظاهرون النصارى والملاحدة ويتوددون إليهم، ويسخرون بالمسلمين ويرمونهم بكل نقيصة. الثاني والعشرون: عبودية الله تحقق لمن قام بها الرشد والصلاح والفلاح والوحدة الصحيحة المشبعة بروح المودة والإخاء التام، ومن استنكف عن عبوديته وتنكب عن شريعته فقد سفه نفسه ووقع في خسران مبين وشقاق بعيد، كما نرى أصحاب المبادئ والنظريات المنحرفة عن شرع الله، وقعوا في ذلك وحق عليهم وعيد الله بقوله: ﴿ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ﴾[البقرة: 137]، فحصر أحوالهم بالشقاق تارة، وبالسفاهة تارة، وبالخزي تارة، وبالكبت والذلة مرة،فجميع أنواع الوعيد في القرآن متحقق فيهم، ولكنهم يغالطون ويقلبون الحقائق. الثالث والعشرون: تحقيق العبودية يكون منه معسكر واحد يقف لإعزاز كلمة الله كأنه بنيان مرصوص، فيمضي بمحبة الله ونصرته وتأييده بجند من عنده لاهتدائه بتحقيق العبودية إلى غض النظر عن الخلافات الجزئية، وطهره من الأثرة والأنانية، فهو أعظم حرمة عند الله من السماء التي زينها بالنجوم وحفظها من كل شيطان رجيم. الرابع والعشرون: للعبادة الصحيحة المطابقة لهدي الله أثر عظيم في تقويم أخلاق القائم بها، وتطهير نفسه من الإعجاب والكبر والسخرية بالغير واحتقاره، والإفك والغيبة والنميمة، كما تزكيها من جميع أنواع الشرك والانصياع إلى المبادئ الوثنية المادية التي ظهرت علينا بأسماء محببة من قومية ووطنية وشيوعية واشتراكية، كعجل بني إسرائيل المصوغ، ولكنها يبدو زيفها بأدنى نقد، ويظهر فسادها وعدم جدواها بأدنى حادثة؛ لأنها لا تحل مشكلة ولا تحرز نصراً إلا بانضمام غيرها إليها. الخامس والعشرون: من لوازم العبودية ألا يتقدم المسلم بين يدي الله ورسوله بأي تشريع يخالف الكتاب والسنة، مهما كان وحيث كان، ولا يقبل ذلك من أحد ولا يقر أحداً عليه، بل ينكره بحسب استطاعته ويتقرب إلى الله ببغض صاحبه وتكريس جهوده للرد عليه ومعارضته بشتى الطرق والأساليب، نصرة لله ورسوله دون مبالاة بالدنيا وزينتها، فإن من الإيمان الفرار بالدين من الفتن. السادس والعشرون: من لوازم العبودية ودلائل إخلاصها القيام بتبليغ الدعوة الإسلامية في سائر الآفاق بحسب استطاعته وتفهيم كتاب الله لأسرته وعشيرته، كي يقوموا بواجبهم معه، وألا يألو جهداً في نشر الإسلام غبر مبالٍ بالمصاعب والتكاليف كي يحسن التصرف بوراثة محمد صلى الله عليه وسلم في حمل رسالته ويكون له أحسن خليفة. ألا ترى أنه بتجميد المسلمين لرسالتهم شغل أعداؤهم الفراغ الذي أحدثوه، فجندوا عشرات الآلاف من المبشرين ومثلهم من الملاحدة لنشر المسيحية الكاذبة والإلحاد، ففتنوا أولاد المسلمين وأشغلوهم بالملذات والأباطيل حتى جعلوهم كالأنعام، وما الذنب إلا ذنب المسلمين الجامدين القاعدين عن رسالتهم، الواثقين بأعدائهم حيث يتسابقون إلى إدخال أولادهم المدارس التي يدرس بها خريجو مدارس فرنسيس وأفراخ الإفرنج، فهل فاقد الشيء يعطيه؟!! وهل يرجون من شجر الحنظل رماناً أو برتقالاً؟! أم أنهم لما نسوا الله أنساهم أنفسهم؟ فعلى عباد الله الانتباه للواقع السيئ من جديد؛ ليصححوا دينهم ويحققوا عبوديتهم لله.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (2) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري حب الله ورسوله: السابع والعشرون: كمال العبودية ولبابها أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما، فلا يفضل على طاعة الله وابتغاء مرضاته أولاداً ولا أباً ولا أماً ولا إخواناً ولا أزواجاً ولا عشيرةً ولا موطناً ولا مالاً ولا عقاراً ولا ضيعة، فتفضيل شيء من ذلك على مرضاة الله ومحبته والجهاد في سبيله مخل بالعبودية وسالب الإيمان أو مضعف له بحبه. وذلك أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب قوي انطلاقه لمرضاة محبوبه، فإذا كانت المحبة لله تامة استلزمت إرادة جازمة في بذل الوسع لتحصيل محبوب الحق تبارك وتعالى، ودفع ما يكرهه والزهد والمعاداة لما يصده عن ذلك، فإذا ترك العبد ما يقدر عليه من الجهاد، كان دليلاً على ضعف محبته لله ورسوله في قلبه وإيثاره ما سواهما، مما تقدم، فالحب خير حاجز للقلب، وخير حارس له، إذا احتل قلباً وشغله ومنعه من أن يغزوه، أو يكون كالغصن تميله الأهوية فيكون لعبة للعابثين، وعبدا للأطماع والشهوات؛ لأنه لابد للمرء أن يستعبده شيء من المحبوبات من شهوة حيوانية أو مال أو رئاسة أو عصبية أو مذهب من مبتكرات أهل هذا الزمان، وذلك إذا شغر قلبه من حب الله، قال الشيخ ابن تيمية: ((إن المحبوبات لا تنال غالباً إلا باحتمال المكروهات، سواء كانت محبة صالحة أو فاسدة، فالمحبون للمال والرئاسة والصور لا ينالون مطالبهم إلا بضرر يلحقهم في الدنيا مع ما يصيبهم من الضرر في الآخرة، فالمحب لله ورسوله إذا لم يتحمل ما يتحمله المحبون لغير الله في حصول مطلوبهم، دل ذلك على ضعف محبة الله، إذا كان ما يسلكه أولئك هو الطريق الذي يشير به العقل، ومن المعلوم أن المؤمن أشد حبا لله..)). ومن أضل ممن أشقى نفسه وأفناها في حب غير الله فجعلها عرضة للعقوبات في الدنيا والآخرة، وخسر العزة والثواب؟ ومحبة الله لا تكون إلا بمحبة ما أحب وتحقيقه، وكراهة ما كرهه من متلبس بكفر أو فسوق أو عصيان، ومعاداته والسعي لإزالته، ولا يكتفي فيها بأصل الحب، بل لابد أن يفضل على غيره، ولو حقق المسلمون هذه القاعدة، لما ذلوا بل كانت لهم السيادة وتحققت لهم القيادة. الثامن والعشرون: ليس بين الحق والباطل طرف ثالث مقبول لله. فقد حصر الله الضلال فيما سوى الحق بقوله: ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾ [يونس: 32] فالمعرض عن الله لابد أن ينصرف قلبه إلى غيره، وفاقد الحب الصحيح لابد له من الحب الفاسد المفسد لقلبه المخرب لضميره، المتلف لمهجته، الضار بأسرته وأمته، كما هو مشاهد محسوس، فإن المعرض عن عبادة الله يستعبده ما سواه من مطامع الدنيا وشهواتها، ويفني عمره في اتباع الأذواق والمواجيد المتلونة التي لا يستقر لها قرار، ولا يتحقق فيها أمن ولا راحة، فبخروج الناس من عبودية إله واحد فرد صمد، وقعوا تحت استرقاق آلهة كثيرة، وفرضت عليهم أهواؤهم الإلحادية تضحيات وخسائر لا يكلفهم بها الرحمن الرحيم، فعاشوا ويعيشون في جحيم من الاضطرابات والتخليط، بل في جحيم من الأنانية المستمرة التي تحملوا أهوالها من همزات الرؤساء الماديين وقلاقلهم، مهما حصروا إيمانهم في رئيس أو جماعة أو أمة أو دولة أو مذهب فاشي أو سواه من الفلسفات المؤدية إلى الولاء الجماعي لطاغية يتحكم في الشعوب وباسم الشعوب. فيعرضها للويلات، ويسوقها للمجازر، فقد أثبت الواقع أن الولاء الجماعي كلف الناس مثلما كلفهم الهوى الفردي من شطط، فما أعظم خسارة العالم بانحطاط المسلمين وابتعاد العرب خاصة عن حمل رسالة رب العالمين. التاسع والعشرون: من أجل ذلك كانت عبودية الله المرتكزة على وحيه وهداه تستلزم الكفر بالطاغوت، فنص الله نصًا قاطعا على الكفر به، فقال: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ [البقرة: 256]، ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36][1]. والطاغوت اسم جنس يعم كل ما يُطغي البشر عن الحق من أي مبدأ كان وأي طريقة وأي شخص يرتكز نفسه بفلسفات أو شعارات مناقضة لملة إبراهيم، ومخالفة لحكم الله ورسوله في أي نوع من الأنواع، وسُمي طاغوتاً لإطغائه البشر عن طريق العبودية الصحيحة لله، وتعلقهم بشخصيته هو، وإخضاعهم لإرادته دون هدى الله قهرا، أو دجلًا وتضليلًا كما هو المشاهد في هذا الزمان الذي تفنن فيه تلاميذ الإفرنج ببلورة الأفكار والجناية على العقول، والطغيان في اللغة: مجاوزة الحد، فكل من جاوز حده في المعصية والضلال فهو طاغٍ، يقال: ((طغى السيل وطغى الماء)) فالرجل الذي يطغي الناس عن هدي رب العالمين بما يلقيه عليهم من فتنة الشبهات والشهوات، باسم جنس أو وطن أو مبدأ أو تقدم أو حضارة أو تحرر وما إلى ذلك من الأسماء الفاتنة الخلابة، فهو طاغوت، وإنما قرن الكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله، لأن الطاغية بمكره وعظيم دجله يسترق القلب الذي هو الملك في الإنسان، فيجعله مستعبداً متيماً لغير الله، بخلاف الظالم الغشوم الذي يسترق البدن ولا يؤثر في القلب إلا بالامتعاض الجالب للأنقاض، فعبودية القلب وأسره هي التي يترتب عليها الثواب والعقاب، ولا نجاة اليوم من همزات شياطين الإنس وطواغيتهم إلا بتحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بجميع معانيها ومبانيها، لاسيما في هذا العصر، عصر التهريج والتلبيس والمغالطات التي تحملها أمواج الأثير في الإذاعات وتبثها دور الطبع والنشر من كل حدب وصوب، ممن غايتهم العلو في الأرض واللعب بمقدرات الشعوب تحت ستار الأوهام والأباطيل، إذ مهمة الطاغوت في كل زمان ومكان الجناية على عقولهم حتى يسخرهم لأغراضه، وقد وصفه الله بأبشع وصف وأخبثه على جهة العموم، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ [البقرة: 257]. فالطاغوت بجميع أنواعه إذا رأى أتباعه ومقلديه قد لاح لهم شعاع من نور الحق يفهمهم فساد ما هم عليه، بادر إلى صرفهم عنه بما يلقيه دونهم من حجب الشبهات وزخارف الأقاويل، التي يلبس بها الحق بالباطل، ويرمي ورثة الأنبياء والدعاة إلى الله بدائه، هو من عمالة الاستعمار ومهادنة الصهاينة مثلاً، وبالرجعية والانتهازية وأصحاب المؤامرات وما إلى ذلك من الألقاب التي تنفر عنهم العوام والمضبوعين إيغالاً بالصد عن سبيل الله بفلسفته الزائفة، فهنا تُشَان طواغيت الأرض في كل زمان ومكان، فقد حكى الله عن فرعون أنه قال لمن آمن بموسى من السحرة: ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ [الأعراف:123] فسمى انقيادهم للحق مؤامرة على البلاد، وانطلت هذه الفرية على أتباعه ومقلديه مع بعدها عن الواقع بعداً عظيماً، وما ذاك إلا لاسترقاق الطاغية قلوب الناس وتخنيثه أدمغتهم، وهاهو التاريخ يعيد نفسه، ولشدة تأثير الطاغية على العقول، نص الله في كتابه على أن الفتنة أشد من القتل وأكبر. الثلاثون والحادي والثلاثون: بتحقيق عبودية الله يهون على الإنسان نفسه وماله في سبيل الله، فينجو من الجبن والبخل اللذين استعاذ منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما مصدر الذل والانحطاط الذي وقع فيه المسلمون اليوم لما تلبسوا بهاتين الخلصتين الذميمتين، فلم يحققوا العبودية كما أمرهم الله، إذ بتحقيقها يرتفعون عن البخل والجبن فيقدرون على الوفاء بمبايعة الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فيتحقق عزهم ويشمل حكمهم بالله جميع الأرض، وما أروع تصوير نبينا صلى الله عليه وسلم لهاتين الخصلتين الممقوتتين بقوله: (( شر ما أوتي العبد شح هالع أو جبن خالع))[2]. فالشح يزرع الهلع والنهمة في القلب بحيث يزداد بخله عند زيادة خيره وغناه ويزداد جزعه بأدنى مصيبة، والجبن يزرع فيه الذلة والاستكانة لأي شيء، ويخلع منه العزة والطموح إلى المعالي، وقد أثبتت جميع الوقائع التاريخية أن المقاتل ديناً طلباً للجنة لايهزمه أحد، فلا يصد عن وجه طلبه كما هو موقف المسلمين أمام الفرس والروم الذين كانوا يهزءون من عددهم وعدتهم؛ لأن المحقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، لا يغلبه أحد بإذن الله، إذ يقاتل وفاء بعهد الله يبغي جنته ورضوانه، ناجياً من الشح والجبن وسواه، غير مدفوع بأجرة أو عصبية - فالفرق عظيم -أما الذي يجتمع فيه الشح والجبن معاً فليس محققاً عبودية الله، وكيف يحققها من بخل بماله ولم يُجد بنفسه، إذ من لم ترخص عليه نفسه في مرضاة محبوبه، لابد أن يرخص عليه ماله، فلم يتأخر المسلمون ولم يغلبهم عدوهم إلا باجتماع هاتين الخصلتين اللتين لا ينجي منهما إلا تحقيق العبودية. الثاني والثلاثون: عبودية الله توجب على صاحبها القيام بجميع أنواع الصلاح والإصلاح، في كافة المرافق والشئون الفردية والجماعية دون أنانية أو محاباة أو مداهنة، مراعياً حدود الله في التطوير والتنظيم بدون إفراط ولا تفريط، بحيث لا يخرجه ذلك عن اتباع ما أُنزل إليه من ربه إلى إلى اتباع الملاحدة المتحللين أو الطغاة الماكرين. الثالث والثلاثون: عبودية الله توجب على صاحبها الصدق في القول والعمل بحيث لا يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه أو يأمرهم بما هو منسلخ منه، فيكون أضحوكة ومثلاً سيئاً لعدوه وصديقه. الرابع والثلاثون: عبودية الله الحقة تخلق وعياً جماهيرياً صادقاً لجميع أمم الأرض، تعي به واجبها نحو خالقها وبارئها ومصورها، المنعم عليها بكل شيء، المسخر لها كل شيء، المنمي إحساسها إلى كل شي، فبهذا الوعي الصحيح تتكاثف قواها، ويجتمع شملها على تقوى من الله ورضوان، فيعيشون في إخاء ورخاء لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد، بل يؤثر أحدهم أخاه على نفسه ويتألم لألمه فينصره ولو مع بعد داره؛ لأن عباد الله المؤمنين حقاً في مشارق الأرض ومغاربها كالجسد الواحد، خلاف ما هم عليه الآن من تفكك لا تقبله عبودية رب العالمين. الخامس والثلاثون: عبودية الله الحقة توجب العمل على بناء مجتمع إنساني على أساس دين الله ونظمه وفق الدستور الذي شرعه في سورة (الحجرات) خاصة وغيرها مما أوحاه إلى نبيه عامة ليكفل للإنسانية حقوقها، ولا يلعب بمقدراتها وعقولها، إذ من لم يعمل للإنسانية على أساس ما أُنزل إليه من ربه فهو مفترٍ يلعب عليها حتى يسخرها كأنعام أو يمزق وحدتها ويغريها على التناحر كما هو شأن طواغيت الأرض في هذا الزمان: من هدم الأخلاق، والقضاء على الفضيلة وكبت الحريات وشل حركة التجارة والتحجير على الأعمال باسم بناء الوطن والاشتراكية وما إلى ذلك من تسخير الإنسانية والجناية على عقولها. السادس والثلاثون: القيام بحق العبودية يوجب العمل المتواصل بكل جد ونشاط على تحقيق الوحدة الإنسانية جمعاء تحت إطار الدين وفق قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92] إذ بتحقيق العبودية لا تنشأ العصبيات والقوميات المفرقة بين الأجناس والأقاليم، ولا الحدود المصطنعة، لأن كلمة التوحيد المستكملة لمعانيها يجب أن تشمل جميع الأرض ولا يعلوها أحد ولا تعترف بحدود ولا تجزئة، فلا تحقق أمة القرآن معنى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ حتى يعملوا العمل المتواصل لتكون كلمة الله هي العليا في سائر المعمورة، لا يحول بينها حدود ولا سدود، فأهل القرآن هم المسئولون عن التقصير في ذلك، إذ لو ألهبوا حماس الشعوب بواجبهم الديني ودفعوهم إلى الاستعداد بكل قوة وتسخير كل شيء فيها؛ لما استطاع أن يصدهم عن ذلك شيء. السابع والثلاثون: على كل من أراد تحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ أن يعتبر الحرية حقاً من حقوق الله لا يجوز له التفريط فيها، فضلا عن التخلي عنها أو السماح لأحد باستلابها منه؛ لأنه بفقد حريته لا يستطيع عبادة الله على الوجه الأكمل، فكان مفرطاً في جنب الله، ومن هنا وجب عليه أن يكون قوياً آخذاً بجميع وسائل القوة مستعداً للجهاد ومكافحة الأشرار، فإن لم تساعده البيئة على ذلك وجب عليه الهجرة إلى بلد يتمتع فيها بالحرية التي يستطيع معها القيام بحق الله، كما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من أشرف البقاع وأحبها إليه بأمر ربه إلى البلد التي استطاع فيها تحقيق دينه وإظهاره حسبما تقتضيه هذه الآية، ومن لم يتأس بنبيه صلى الله عليه وسلم لم يصدق انتماؤه إليه حقيقة، كالذين ارتبطوا بعجلة أعداء الله، وتقبلوا أفكارهم، واستحسنوا نظمهم، فقعدوا عن واجبهم وهو: الثامن والثلاثون: الذي هو القيادة العالمية التي هيأتها البعثة المحمدية ونقلتها من بني إسرائيل إلى أمة محمد، فمن تقاعس عن حمل أعبائها وعن السعي الحثيث لنيلها فهو مقصر في عبودية رب العالمين، فجميع الأمة مسئولة عن تفريطها بتلك القيادة التي خسر العالم كله بفقدانها العدل والإحسان، وتورط في جحيم المبادئ والنظريات الكافرة، وتخبط في ظلمات الدجل والتضليل التي يبثها طواغيت الأمم من إذاعاتهم وصحفهم وكان له أكبر نصيب من السوء والفرقة والتجزئة. التاسع والثلاثون: عبودية الله - تعالى- لا تسمح أبداً لأي مسلم أن يغير شيئاً عن أنظمة الفطرة التي فطر الله الخلق عليها في سائر الميادين، ولا يقر أحداً على ذلك، فضلاً من أن يستحسن اتجاهه، ذلك أن الإنسانية من أقدم العصور إلى أحدثها تتقلب بين نظامين تعتبرهما أساساً للحياة: أولها: نظام الفترة النابض بحيوية الحق والخير،وهو الذي تؤيده التشريعات السماوية، وتقبله العقول المستقيمة التي لم تتبلور بالأوهام والأضاليل من العبادات القلبية والبدنية والمالية المقومة لروح المجتمع والجالبة له رضا الله، ومن الأخلاق الحسنة الفردية والعمومية الجالبة للصلاح والفلاح، ومن الروابط الأدبية والاجتماعية الماحقة للأثرة والأنانية، ومن حسن المعاملة والتعاون على البر والتقوى في المنازل والأسواق والأندية والمصانع وسائر الميادين، وتشكيل المحاكم والأحكام ونظم السلم والحرب، وفق ما شرعه الله، مما يلائم تلك الفطرة، ولا يجلب ضرراً ولا ضراراً بأحد في سائر التشريعات الاجتماعية والاقتصادية. ثانيها: ما يعارض هذه الأنظمة من نظم الجاهلية أو مبتكرات أهل هذا الزمان التي هي شر منها بكثير من التفسخ والانحلال الخلقي باسم التقدم والتخنث، والميوعة باسم الحضارة، وكبت الحريات بدعوى صالح الدولة، أو الثورة وتقديس الأشخاص والتماثيل باسم الفكرة أو المبدأ المنتحل، وتعطيل ما أباحه الله من الاكتساب ومحاربة الأغنياء، وتأميم أعمالهم بدعوى محاربة الاستغلال، وتربية الناس على الإيمان بالمادة واستحلال ما لذ وطاب، فهؤلاء كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فمن استحسن هذا النظام الحيواني المرتكز على المادة بجميع أنواعها فهو مجانب لعبودية الله وعابد لشيطانه وهواه، ومن حمل الأمة على ذلك ودعا إليه فهو محاد لله ورسوله يجب على عباد الله بغضه ومنابذته؛ لأنه يريد أن يركس الناس في جاهلية أفظع من الجاهلية الأولى. الأربعون: عبودية الله توجب على صاحبها الاستجابة لجميع نداءات الله في كتابه العزيز، على اختلاف أنواعها وأساليبها دون إهمال شي منها أو التراخي فيه، وهي تقرب من مائة وثلاثة وعشرين نداءً، بعضها بـ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾، وبعضها ﴿ يَا بَنِي آدَمَ ﴾ وبعضها ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فمن لم يستجب لكل نداء يناديه به ربه فليس محققاً للعبودية المطلوبة في هذه الآية، وكيف يكون عابداً لله من لا يستجيب له وهو يدعوه لما يحييه حياة طيبة في الدنيا، وينجيه في الآخرة من العذاب، لاشك أن من لم يستجب لنداءات ربه عاص له مناقض في سيرته لجميع مدلول سورة الفاتحة من: حبه، وتعظيم أسمائه، والتعلق به، والقيام بشكره وحمده، والإيمان ببعثه وحسابه، ورجاء رحمته، والخوف من عذابه، والقيام بأوامره، واجتناب نواهيه، فأصبح غير محقق لعبوديته المطلوبة فيها، وهذه أكبر بلية المسلمين ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [الحشر: 19] فانصاعوا لنداء من يهلكهم كالشاء تنصاع للجزار. الحادي والثاني والأربعون: عبودية الله توجب على العابد أن يجعل لقلبه هجرتين: هجرة إلى الله: بهجر جميع ما نهى الله عنه، والإقدام على ما أمر الله به، رغبة في وعده، ورهبة من وعيده، وتعظيماً لشأنه، وحباً للقائه بإخلاص وصدق غير مشوبين بحاجة صدر أو تحرج أو توجع، وأن يتمسك بكتابه عملاً كاملاً وتبليغاً؛ لأن من لم يعمل بالكتاب لا يكون مقدراً لرسل الكتاب، وأن يغضب لانتهاك محارمه أزيد مما يغضب لنفسه لو أهينت كرامته؛ فيستعد بكل مقدوره لنصرة ربه جل وعلا، والله لا يخذله. والهجرة الأخرى: إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالتأسي به في كل شي وتقديم سنته على كل شيء، وتحكيمها في كل شيء، وعدم الحكم عليها من أي شيء، فيدور مع قول الله ورسوله نفياً وإثباتاً، ولا يقدم على أمر من الأمور دون التقيد بها، ولا يرضى عن أي نحلة ورائدها أو عقيدة وواضعها، أو مبادئ ومؤسسها، حتى ينظر إلى موافقتها ملة إبراهيم عليه السلام المأمور باتباعها في القرآن، ومطابقتها حكم الإسلام أصلاً وفرعاً، فينبذ ما خالف الملة الإبراهيمية، والشريعة المحمدية، وينابذ من تصدى لمخالفتها من أرباب تلك المبادئ والعقائد العصرية، ويعتبر الداعية إليها والمناصر لها طاغوتاً، لتجاوزه أمر الله وحدوده، لاسيما إذا صد عن سبيل الله بإلقاء الشبهات والأضاليل، أو أخرس الدعاة إلى الله بأي وجه من وجوه، فيكفر به الكفر الذي تستلزمه عبودية رب العالمين، ويتبرأ منه ومن أحبابه ومناصريه، ليكون مهاجراً إلى ربه،متمسكا بالعروة الوثقى، فالهجرة القلبية إلى الله ورسوله بالإخلاص والمتابعة فرض عين على كل شخص وفي كل زمان ومكان، وهي روح الدين وحقيقة الإيمان. أما الهجرة البدنية: فهي: الثالث والأربعون: وهذه قد تجب مطلقاً، وقد تجب على شخص دون شخص، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، بحسب ما يترتب على الانتقال من الفائدة وعلى عدمه من الفتنة، وفي وجوبها على التحتيم ثلاث حالات: أحدها: أن يكون المسلم في مكان يفتتن فيه عن دينه، أو لا يتمكن فيه من إقامته، كما يعتقد، فيجب عليه الهجرة إلى البلد الذي يعلم أنه يكون فيه أقوم بحق الله وأدوم على عبادته، ويكون حراً في تصرفه وإقامة دينه؛لأن عدم الهجرة يترتب عليها ما لا يحصى من المعاصي، بحيث يكون غير محقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. ثانيها: احتياج المسلم إلى معرفة الدين والفقه فيه، حيث عدم المرشد في مكانه، فيجب عليه الهجرة ليتلقى ويتعلم ما جهله. ثالثها: إذا كان هناك جماعة أو دولة للمسلمين ضعيفة يخشى عليها من الانصهار في الكتل والمبادئ المخالفة لما أنزل الله، والانجراف في تيار الفسوق والإلحاد، وجب على عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يساعدوها مادياً وأدبياً ومعنوياً، ويشدوا أزرها بكل وسيلة، فإذا توقفت نصرتها على الهجرة وجبت الهجرة إليها حتى على البعيد عنها وجوباً قطعياً لا هوادة فيه، وإلا كان راضياً بضعفها، ومعينًا لأعداء الإسلام على إبطال دعوته، وخفض كلمة الله، لأنه يجب على مجموع المسلمين السعي بكل مجهود لتكوين جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الإسلام، وتقيم أحكامه وحدوده وتحفظ بيضته، وتكون مأوى لأهله ودعاته، يجتمعون بها من البغي والظلم. فمناصرتها والتهافت إليها بالهجرة من أوجب واجبات الدين؛ لأنها بصدق عزيمتهم وقوة إيمانهم تكون لهم مركزاً ونقطة انطلاق إلى العز والسؤدد وإعلاء كلمة الله، وبدونها يذوبون وينصهرون في المجتمعات الفاسدة، ويكون أولادهم عوناً لأعدائهم عليهم، لما يتلقونه في المدارس من الثقافة الاستعمارية. الرابع والأربعون: العابد لله لا يقدم على أي عمل يُنَحّى به الإسلام عن واقع الحياة، معتقداً أنه عائق للحضارة والتقدم كما يسميه تلامذة الإفرنج من أولاد المسلمين؛ لأن في ذلك استدراكا على الله ورسوله واعتقاداً بعدم كفاية النصين، وتنديداً بحكمة الله وانتقاداً لشريعته، ولا يجوز له - أيضاً - إقرار أحد من الملاحدة العصريين على ذلك، ممن شاقوا الله ورسوله باطراح وحيه وهداه، واتباع أساتذتهم من ملاحدة الشرق والغرب، فكانوا ورثة لمن قال الله فيهم: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ﴾ [النساء:51] بل يبذل غاية جهده لصدهم وتحطيم آرائهم وتطهير أدمغة الناشئة من سمومهم. الخامس والأربعون: عبودية الله تحتم على أهلها إسلامية الحكم لا قوميته وفق قوله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 40]، ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ [الأنعام: 114]، ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50] فالعابد حقاً تهديه بصيرته المستنيرة بالله إلى أن انتحال القوميات فكرة استعمارية كافرة، ركزها الطواغيت والمخدوعون بهم لفصل الدين عن الدولة وإبعاد الإسلام عن ميادين التشريع والتنفيذ ودفعه إلى الوراء لينزوي في مسجد يُقّلُ داخله، ويسمي أهله (ذوو[3] الأفكار المتخلفة) ويقصر تذكاره قراءة كتابه على المآتم، كما عملوا ذلك وساعدهم المتكلمون باسم الإسلام، وهم عبدة المادة والشيطان وليسوا من عبادة الرحمن في شيء. إن من يريد أو يعمل على إقصاء الإسلام وعزل القرآن عن الحكم ليس عابدا لله ولا مستعيناً به وفق هذه الآية، بل هو معين على نفسه أعداء الإسلام الذين هم أعداؤه، فيكون خادماً لأغراضهم المضادة للوحي من حيث يشعر أو لا يشعر، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130]، ﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ [التوبة: 67] والعجب أن تلاميذ الإفرنج من أولاد المسلمين أصحاب هذه النزعة لا يبصرون نشاطاً لدول المسيحية التي أغرتهم بإبعاد دينهم عن الحياة في نشر دينها، بل لا يبصرون احتضانها (لإسرائيل) التي هي دين ودولة، ولكنهم لما نسوا الله أنساهم أنفسهم فلا يُعتبرون. السادس والأربعون: عبودية الله تقضي على العابد ألا يقف بغير معرفة أحاديث المفترين، ولا يخضع لما سطروا في المذكرات أو في التاريخ فيبني عليه حكماً على فرد أو جماعة أو أسرة من الناس؛ لأن التاريخ في كل الأزمان والعصور يسيطر عليه ذوو السلطان والجاه والنفوذ، فيسخرون الأقلام لما يناسبهم، ويشترون الضمائر المقفرة من تقوى الله لصب الشتائم والقذف بكل تهمة على من يعادونه، ولو كان صحابياً، ويسبغون المدح لسيدهم ومحبوبهم مهما كان، فالعابد لله لا يأخذ ما يسمعه أو يجده كقضية مسلمة،بل يمنعه دينه وعقله من قبول الأخبار عن أي شخص من عدوه، فيسلط عليها الأضواء من كل ناحية، ويكون منها في شك مريب، ولا يضفي ثوب القدسية على أحد خوفاً أو طمعاً، بل يحقق عبودية الله فلا يخاف في الله لومة لائم. السابع والأربعون: العابد لله حقاً يكون معظماً لشعائر دينه، مقدساً لنظمه وتعاليمه، لا يصرفه عنها أو ينفره منها عبث العابثين من حكماء وعلماء يتلاعبون بالنصوص أو يتهاونون في تطبيقها، فيحمل الدين آثامهم، والدين موتور بهم كما وترت بهم شعوب الأرض. الثامن والأربعون: عبودية الله لا تسمح للعابد بموالاة أي عدو لله، ولو كان أقرب قريب، فضلاً عن موالاة المحادين لله ورسوله، من دول الكفر أو معتنقي المبادئ الإلحادية باسم التقدم في الحضارة أو الاقتصاد، فكل من يلقي إليهم بالمودة أو يتفق معهم في ثقافتهم أو تشريعاتهم فهو خارج من عبودية الله إلى عبودية الطاغوت. التاسع والأربعون: العابد لله لا يعمل على إذابة شخصية الأمة ومحوها بسبب مشيه في ركاب من أغروه أو غرروا به في دعاياتهم ودجلهم بالشغف بهم وتركيز محبتهم وتحبيب خططهم وأفعالهم دون عرضها على ما جاء من عند الله، فيكون عابداً للمادة وشياطين الإنس الذين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب. الخمسون: عبودية الله تقضي على أهلها ببغض الذين شرعوا ما لم يأذن به الله في سائر النواحي، ممن يترسم خطط الملاحدة والمستعمرين ولا يتلفت إلى هدي الله ورسوله، وكذلك بغض من يعتقد أو يدعو لحصر الدين في نفوس المؤمنين كأفراد دون تدخله في مشاكل الحياة من حرب وسلم وتحرر واستعمار، فبغض هؤلاء من لوازم عبودية رب العالمين، ومنابذتهم وهتك أستارهم وكشف حقيقتهم للناس من الجهاد في سبيل الله، أما موالاتهم وتحبيذ أفعالهم فهي محادة لله ورسوله، صاحبها متجرد من ولاء الله ورسوله، غير محقق للأمر. الحادي والخمسون: الذي هو أن يجعل العابد غايته لله، وأمره كله لله أولا وآخراً، كما أنه من الله وإلى الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ [الانشقاق: 6]. فمن لم يكرس جميع أوقاته في عبودية الله بشتي أنواعها فهو معاكس لقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] ولقوله: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا ﴾ [المؤمنون: 115 ]. وهو إذا لم يقدر الله حق قدره فكيف إذا انضم إلى تفريطه اعتقاد شيء من المبادئ العصرية السالفة الذكر، أو اعتقاد عدم جدوى الشريعة في حل المشاكل، ونحو ذلك من الكلمات التي يطلقها تلامذة الإفرنج في وصية دين الله - تعالى -، فإنه خارج عن عبودية ربه إلى عبودية من انصاع إليه وتقبل أفكاره؛ لأن أول فرض على عباد الله كفر بالطاغوت الذي يطغيهم عن أي نوع من أنواع العبادة، ومن هنا استلزمت عبادة الله أموراً كثيرة سبق ذكر بعضها، ونذكر باقيها - إن شاء الله - بإجمال واختصار، فمنها: الثاني والخمسون: وهو أن عبودية الله لا تسمح لأحد ما بإيمان عقائدي جديد مما ينادي به قوم من أبناء جلدتنا، تربوا في أحضان الاستعمار، وتتلمذوا على طغاته وملاحدته، فانطبعوا بثقافته، وشغفوا بمدنيته، وتنكروا لدينهم وكتاب ربهم، الذي أنزله ذكراً لهم وشرفاً أيما شرف، فعموا وصموا عن ذكرهم وشرفهم وهداهم، وأخذوا يطالبون الأمة بإلحاح أن تسير سير الأوربين، وتسلك طريقهم في الحضارة، خيرها وشرها، دون استثناء لما يكره منها أو يعاب، وأن تهجر إلى غير رجعة شعائر دينها وإيمانها بالغيب، فلا تؤمن إلا بالمادة والعلم التجريبي الذي فضحه مهرة أهله باعترافهم بعجزه عن كشف كثير من الأسرار المحجوبة، وتفاهم الخلاف بين أهله في الماديات، بحيث اعترف بعض أساطينهم أن بعض ما قرروه أصولاً غداً افتراضاً واتفاقاً أو خيالاً، ونادى منهم عدد غير قليل بإيجاب الإيمان بالغيب، والمضبوعون من أبنائنا لا يزالون في طغيانهم يعمهون، وكل مناداة بإيمان بأي فكرة مادية أو عقائدية مخالفة لوحي الله، فهي غي وضلال وظلم وظلمة، لا يسلكها عباد الله الذين يرجون لقاءه. الثالث والخمسون: إن عباد الله لا يتبعون ما تتلوه شياطين الإنس وطواغيتهم من الولوع بالماديات، وقصر النظر عليها وتجنيد القوى في سبيلها وإشباع الرغبات من نيل الملذات الدنيوية كالأنعام، مما يبعد الإنسان عن رسالته الحقيقية في الحياة، ويجعله في أخس حالة، ويعرضه للاضطرابات وويلات الحروب، لانحطاط أخلاقه بالتسفل إلى المادة، وخراب ضميره بإضاعة ما لله من واجب العبادة. الرابع والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها في مشارق الأرض ومغاربها محاربة المكذبين لله، ومقاطعتهم بكل ما أمكن، والتفريق بينهم وبين الصالح من أهليهم والمسلم من أزواجهم، وأعظم أنواع المكذبين ممن يصرح بأن القرآن كتاب بالٍ رجعي لا يتمشى مع حال العصر، أو أن التمسك به مدعاة للتأخر والرجوع إلى الوراء، أو أنه من تلفيق محمد، كما يقوله الموسومون بالألقاب العظيمة في هذا الزمان، وكذلك القائلون بأن الإسلام دين طائفي لا يجوز بناء الحكم عليه، أو سن الدستور والنظم على أساسه، ونحو ذلك مما يعتقده تلاميذ الإفرنج الذين تبوءوا المناصب وهم من أولاد المسلمين، فجروا على الإسلام وأهله وبالاً لم يذوقوه من الاستعمار، ووصمات فاجرة لم يجرؤ طغاة الاستعمار على التفوه بها، فعبودية الله توجب على أهلها بغض هؤلاء ومعاملتهم بما تقدم ذكره، باعتبارهم محادين لله ورسوله، ومن يحبهم وينشرح صدره لما يصدر منهم أو يمشي في ركابهم ويخدم أغراضهم، فهو خارج من عبودية الرحمن إلى عبودية الطاغوت، منسلخ من ولاية الله إلى ولايته؛ لأن الله وصف كتابه ودينه بالهدى والنور والشفاء والحق والرحمة والعصمة من الضلال والشقاء، وأنه يهدي للتي هي أقوم، وأن ليس بعده إلا الضلال،فأي محادة لله ورسوله أعظم من عكس هذه الأوصاف الجليلة، والانحراف عن دين الله ونبذ كتابه، والتصريح بعدم صلاحيتهما، بل بضررهما في الحكم والسياسة، كما يتبجح به المثقفون بثقافة استعمارية، فالإسلام وأهله منكوبون بهم نكبة لم يشهدها التاريخ من قبل أبداً، فمن لم يتبرأ منهم ويسعَ لقمعهم وكشف حقائقهم فليس من عبودية الله في شيء فكيف من يركن إليهم ويتقبل ما يصدر عنهم. الخامس والخمسون: عبودية الله وفق شرعه لا تسمح لأي فرد أو هيئة أو حكومة ما، أن تعمل عملاً مخالفاً لشريعة الله، يبهرج فيه على الناس باسم وطن أو شعب أو قومية أو كيان، أو محاربة استغلال وما إلى ذلك، سواء في التطوير الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي ممايخرج فيه عن حدود الله التي حدها لعباده، فالمعتدي على الله بشيء من ذلك نابذ لهذه الآية وغيرها، وراء ظهره، متأسٍ باليهود والنصارى، الذين هم رؤساء هذه المذاهب، والتصاقه بالعروبة مع مخالفته ما جاء به النبي العربي جناية على العروبة ونزول بها إلى مكان سحيق. السادس والخمسون: بتحقيق عبودية الله تتحقق المساواة الصحيحة بين أفراد الإنسانية، فيحصل التمييز بين الخبيث والطيب، والمفسد والمصلح، والأمين والخائن، بحيث لا يرقى هذا إلى درجة هذا، ولا ينزل بهذا إلى ذاك، بل يسوي بين الأمين والأمين، وبين الخائن والخائن وبين المصلح والمصلح وبين المفسد والمفسد،وبين المجرم والمجرم،كلٌّ على حسب ما اقترفه وجناه من خير وشر، ومساواة لا تمنع أن يكون فيها صغير وكبير أو فاضل ومفضول في سيرته وعمله، وإنما تمنع انقلاب أوضاع الناس بأن يكون هذا سيداً وهذا عبداً، أو هذا رباً وهذا مربوباً، أو أن تسخر الفوارق المادية لمسخ الطبيعة والقيم الإنسانية، تلك الفوارق التي نقلت الأوغاد أمجاداً، وتهزأ بذوي السؤدد، وتملأ الأرض فسادًا بارتقاء المفسد إلى درجة المصلح والمجرم إلى درجة المحسن، والخبيث إلى رتبة الطيب، كما هي حال من لم يحققوا عبودية الله في هذا الزمان. السابع والخمسون: بتحقيق عبودية الله يتيسر تحقيق الضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية في جميع الأحوال والميادين، ويعين على ذلك جريان الأمور على وفق ما ذكرناه سابقاً من المساواة التي لا تتحقق إلا بتقوى الله وانعدام الأنانية والمحسوبية اللتين تفاقم شرهما في هذا الزمان، بحيث لا تحصر الانتخابات للمشورة في أهل الثراء، ولا يفسح المجال في الوظائف والدواوين لأبنائهم من دون أبناء الفقراء، ولا تقتل معلومات قوم ومواهبهم على حساب قوم آخرين، بل تقدر الوجاهات والمناصب بحسب الأعمال والمواهب، ويقمع الجشع وتمحى الأنانية، فتتساوى أقدام الأمة في الأعمال والواجبات، وتتهيأ جميع الوسائل والمعونات لاحتراف العاطلين في طلب الرزق من الأمة فيما بينهما بدافع ديني ابتغاء وجه الله، دون الارتكان على الولاة الذين لو صلحوا لما استطاعوا على الإحاطة بكل شيء والاضطلاع بكل واجب، فالشعور بالمسئولية أمام الله يجب أن يشمل كل أحد تجاه الآخر؛ ليتحقق الضمان الاجتماعي ويكونوا عباد الله إخواناً. الثامن والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يعيشوا بإيمان أعزل أمام إلحاد مسلح، بل يسعون غاية السعي بكل مجهود؛ ليكونوا أقوياء مسلحين بجميع أنواع الأسلحة الأدبية والمادية والمعنوية؛ ذوي خبرة بفنون الحرب الباردة والكاوية؛ ليدفعوا الإلحاد في أي ثوب ظهر، ويقمعوا أهله باللسان والسنان، ويكسروا أسلحتهم ويفضحوا فريقهم، وإذا برد سلاحهم لسبب من الأسباب وجب ألا تبرد ألسنتهم ولا تجف أقلامهم، وإلا لم يحققوا عبودية الله المنجية لهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وسقطوا وانهزموا أمام كل مبطل. التاسع والخمسون: عبودية الله توجب على أهلها ألا يتخلفوا عن خوض معركة الدين ضد المنادين بانتهاء عصره، والراغبين في حصره داخل إطار ضيق منعزل عن الحياة، وجعله روحانياً صورياً كما فعله أهل الحل والعقد في بعض الدول التي أغفلت في دستورها التنصيص على دينها الرسمي، والذين تخلفوا عن خوض المعركة معهم وتخاذلوا عن مواجهتهم والاستعداد لقهرهم، لم يحققوا عبودية الله كما أمر،لفساد ضمائرهم بالمادة وركونهم إلى الحياة الدنيا واستحبابهم لها على الآخرة، وتلاشي يقينهم بالله بحيث تركوا الاستعانة به والتوكل عليه المشجعين على العمل، والاستعداد بكل قوة للجهاد في سبيله، ومراغمة أعدائه القائلين ما قالوا، والله - جل وعلا- شرع قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة ليعملوا بمدلولها، فيحققوا ابتهالهم إليه. ومخاطبتهم له بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولو حققوا ذلك لما نبت هذا الإلحاد، فضلاً عن انتصاره، فجهل العامة بمدلولها، واستكانة علمائهم إلى الدعة ولذة العيش عن نيل وعد الله في الآخرة، هو الذي أنبت في الدنيا كل إلحاد ومكر ورذيلة، فيا ويل من وقف أمام الله كل يوم عشرات الركعات يردد فيها هذه الآية الكريمة دون عمل بمدلولها؛ لأنه بعيد عن الصدق مع الله، ومن لم يصدق مع مولاه فلا خير فيه وكان عرضة للغضب وكل عقوبة. ومن هنا يدرك القارئ السر في سوء حظ المسلمين الذين يقولون ما لا يفعلون بعدم تنفيذهم لقول الله تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [يوسف: 40]، ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10]، ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾ [النساء: 59] أليس تخلفهم وتخاذلهم أمام تلاميذ الإفرنج الذين عزلوا الإسلام عن الحكم دليلاً على ضعف إيمانهم بالله واليوم الآخر؟ إلا أن المؤمن الذي يرجو لقاء ربه لا يرضى بإقصاء دينه وتحكيم غيره، بل يثور على كل نحلة فاجرة حتى يحيا سعيداً ويموت شهيداً، ولا يترك تلاميذ الإفرنج يستوردون قوانين الدخلاء ويبثون عاداتهم وتقاليدهم، فيرتفع رصيدهم على حساب دين الله، هذا شيء لا يقبله من أسلم وجهه لله وأخلص دينه لله ولم يخش أحدا إلا الله، وإنما يقبل ضعيف الإيمان، عديم الإخلاص، من يخشى الناس من دون الله، ويتزلف إلى طواغيتهم الذين شرعوا لهم ما لم يأذن به الله، وهذا غير محقق لـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بل هو مناقض لقوله، ومسلم وجهه لمن تزلف إليه من الحكام، وانشرح صدره لتشريعاته، ولذا خذل الله المنتسبين للإسلام من ذلك الصنف وجعلهم يوصمون بالرجعية وكل منقصة ممن عبدوه وأسلموا وجوههم إليه، ولم يشفع لهم خدماتهم لسياسته وإفتاؤهم العوام ببذل زكاتهم لنصرته تمشياً لرغباته، فها هي الأقلام تجري والإذاعات تعوي من أولئك النابذين للدين بسبب المنتسبين إليه مع مهادنتهم إياهم والمشي في ركابهم؛ لأنهم فرطوا في جنب الله فأذلهم، ولو عبدوه حقاً ونصروه لحقق لهم وعده الذي كتبه على نفسه بقوله: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]، ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، ولكنهم ركنوا إلى الذين ظلموا بتبديلهم قولاً غير الذي قيل لهم، أو جبنوا فانخذلوا أمامهم خشية لهم من دون الله، فسلطهم الله عليهم فزادوهم رهقاً واتخذوهم سخرياً. [1] بسطنا الكلام على أنواع الطاغوت في تفسير هذه الآية أكثر مما هنا؛ لأن لكل مقام مقالاً. [2] أخرجه أبو داود (2511)، وأحمد (2/302) والبيهقي في سننه (9/170)، وابن حبان في صحيحه(8/42) رقم (3250) كلهم من طرق عن عبد العزيز بن مروان عن أبي هريرة مرفوعاً به. [3] مبني على الحكاية في محل نصب مفعول به ثانٍ ليسمى.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (3) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري أكذوبة (الدين لله والوطن للجميع): الستون: عبودية الله المرضية لا تتمشى معها أكذوبة (الدين لله والوطن للجميع)، فلا تنطلي هذه الفرية على عباد الله المخلصين ولا يقبلون من أهلها صرفاً ولا عدلاً، إذ هي خطة ركزها طغاة الاستعمار، وملاحدته لاطِّراح دين الله الإسلام، وعبادة الأرض والجنس، والرجوع بالأمة إلى أفظع من الجاهلية الأولى بهذه الفكرة التي ألهبوا بها حماس الناس باسم الوطن، واستوردوا من أجله كل مبدأ غريب، واستطابوا كل عمل وتشريع خبيث؛ لأنهم لم يقيموا للدين وزناً، فالعابد لله حقاً يرى أصحاب هذه النحلة من زعماء القوميين ومخدوعيهم يبنون الوطن على أوضاع طغاة الشيوعية مخالفين هدي الله ولا يعمرونه بتقوى الله، فيصرف مكرهم وخداعهم ونفاقهم الذي طلبوه بقولهم (الدين لله والوطن للجميع)؛ لأنهم لم يلتفتوا إلى دين الله فيما يفعلونه وما يذرونه ولم يعملوا على تأييده، بل ناصبوه العداء ورموا أتباعه ودعاته بكل نقيصة، ولو قدروا الله حق قدره لحملوا دين الله على رؤوسهم وطهروا العالم بنوره، فالمحقق لعبودية الله يتساءل معهم هذه الأسئلة: 1- كيف لم تعملوا بالدين الذي اعترفتم أنه لله وتقيموه كما أمر الله لتحققوا عروبتكم التي عرفها الله به؟ 2- هل جعلتم دين الله هو الأصل والدستور والحكم، فبنيتم الوطن على ضوئه، وأجريتم الأحكام من ينبوعه؟ 3- لأي شيء تستوردون الظلم والقوانين من أعداء الله وتُعرضون عن كتابه الذي هو ذكر لكم؟ أتعتقدون أنهم أهدى سبيلاً وأنهم أصدق من الله قيلاً؟ 4- هل الوطن أحب إليكم من الله ورسوله حتى تتعلقوا بمذاهب الكفر من أجله؟ اصدقوا صدق الأبطال ولا تراوغوا مراوغة الثعالب. 5- لأي شيء تكذبون الله وتناقضون قوله: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران:19]. وقوله: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85] بتبنيكم هذه الفكرة وجعل شعاركم هذه الكلمات المفتريات على الله (المسلم والمسيحي، كل دينه مليح، كل المذاهب لله أما الوطن للجميع) فتنسبون إلى الله ما تبرأ منه، وقد أخبركم عن المسيح أنه جاء للنصارى مبشراً برسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم. 6- هل الواجب عليكم السعي لتحقيق وحدة دين الله وإعلاء كلمته أو إعلان تفريق دين الله بحجة الوطن؟ 7- إذا كنتم صادقين بقولكم (الدين لله) فما لكم تبتغون غير الله حكماً ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾[الأنعام: 114]، ﴿ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ [الأنبياء:10] فكيف تنبذونه وراء ظهوركم وتقبلون على كتب أعدائه وأعدائكم. 8- هل تعتقدون أن دين الله دين واحد أو أديان متفرقة؟ فإن كنتم تعتقدون أنه أديان شتى، وأن لكل إنسان الحق في سلوك ما شاء منها – كما يصرح به فلاسفة قوميتكم ورؤساؤكم ومديرو جامعاتكم – فهذا قول مصادم لمقصود الله من إرسال الرسل وإنزال الكتب إلى أقوام لا يقصدون بعبادتهم إلا التقرب إليه زلفى، كما حُكي ذلك عنهم في القرآن، وأوجب على المسلمين جهادهم مع اعتقادهم لذلك، بل قولكم هذا مناقض لرسالة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة وحصرها بأنها رحمة للعالمين، فبئس ما خلفتموه في رسالته، وإن زعمتم أنكم تعتقدون بأن الدين دين واحد طالبناكم بإقامته وإرشاد الناس إليه وبناء الحكم والوطن على ضوئه وأساسه . وإن لم تفعلوا كنتم ممن قال الله فيه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ [البقرة: 9-8]، ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا ﴾ [البقرة: 14]. لماذا تعيبون الدعوة إلى الدين، وتقذفونه بالنعوت الشائنة، لتنفير النشء الجديد عنه، فتقعدون بكل صراط من المؤسسات والنوادي توعدون وتصدون عن سبيل الله، هل لأن (الدين لله) تعاملونه بذلك؟ 9- هلا أخضعتم المبتكرات العصرية لدين الله واستعملتموها في طاعته، وغرستم في الناس الفضيلة والإيمان بالغيب بدلاً من المادية والتفسخ أم أنتم في قولكم: (الدين لله والوطن للجميع) كالمشركين الذين أخبرنا عنهم بقوله: ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [الأنعام:136]. 10- كيف تجعلون الأولوية والغاية لمحبة الجنس وتقديس الأرض باسم الوطن، والله أوجب عليكم تقديم محبته والجهاد لإعلاء كلمته على أقرب قريب وأحب حبيب من ولد ومال ووطن، فتضربون بنص كتابكم عُرض الحائط، أهذا ثمرة قولكم: (الدين لله والوطن للجميع) ﴿ قُلْ بِئْسَ مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 93]. 13،12،11- ما موقفكم من سورة (العصر)؟ وما موقفكم من قول ربكم – تعالى -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران:110]؟ مادمتم ترون ترك الناس يسلكون ما شاءوا من خلق ودين؟ وما موقفكم من قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة:143] كيف تكونون شهداء على الناس وأنتم لم تبلغوهم الرسالة التي أورثكم الله إياها وجعلكم خلفاً لنبيه في حملها؟ ثم بماذا يشهد عليكم الرسول؟ أيشهد عليكم بنبذها واتباع ما رسمه طغاة الشيوعية والملاحدة تقديماً له على الله ورسوله؟ ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102]. 14- كي تعتزون بعروبة فصلتموها عن روحها وهي الدين، وعزلتموها عن رسالتها السماوية، إذ بدلتم قولاً غير الذي قيل لكم، فهل يكون اعتزازكم صحيحاً أو ممسوخاً؟ 15- لو فرضنا صحة اعتزازكم بعروبة مجردة عن دينها ورسالتها السماوية فإن العروبة الأصيلة مجبولة على سجايا شريفة وأخلاق كريمة مشتهرة بالغيرة والحفاظ على الأعراض والصدق والوفاء والنفرة من التقاليد الأجنبية النابية عنها، وعروبتكم التي تتبجحون بها راكسة في حضارة أعداء الله وأعدائها، بل مكتوبة بنارها قد سقطت فيها الأخلاق إلى الحضيض، وماتت منها العاطفة الإنسانية الصحيحة،، وأهدرت الكرامة، ورخصت في عينها قيمة الأعراض، وفشت الجنايات والسفالات فشواً مريعاً حيث صار المنكر المذموم هو المعروف المحبوب، والمعروف المحمود عند الله وعباده الصالحين هو المنكر الرجعي الوحشي، فكيف تدعون العروبة الأصيلة وأنتم لم تسلكوا طريقة نبيكم العربي حتى في التربية والتعليم، بل سلكتم طريقة (فرويد) وغيره من ملاحدة علم النفس، وكيف يصح اعتزازكم بعروبة من هذا النوع قد أضاعت المشيتين؟ فلا حملت رسالة نبيها ولا تعلقت بأخلاق أجدادها، بل تعلقت بالكفر ومفاسد الغرب وخبائث الشيوعية؟ هذه أسئلة وأمور يستدركها العابد لله حقاً فيوجهها بكل حرارة وإنكار إلى المبتدعين أكذوبة (الدين لله والوطن للجميع) يستظهر بها باطلهم ويكشفهم على حقيقتهم للأغرار والمضبوعين الذين لعبوا على عواطفهم بهذه الأكذوبة، ولا يسمح لهم بالاسترسال في غش الناس وتضليلهم وتكييف أبنائهم بصبغة وثنية لا تعرف إلا المادة وتقديس الأرض والأشخاص، فالعابد لله لا يسمح لهم بذلك، فضلاً عن أن يسلكهم عليه أو يكون لهم صنيعة يحبذ ما أرادوا، بل يصرخ في وجوههم صادعاً بملة إبراهيم عليه السلام ناصحاً لله ورسوله وعباده من الانزلاق في إفك هؤلاء الصادين عن سبيل الله، الفاتنين الأمة عن دينها وعبادة ربها ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة:191] ومن لم يقم بواجبه في دحض فرية هؤلاء وتفنيد مزاعمهم وقمعهم بالمستطاع فليس محققا لـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؛ لأن جميع خططهم تهدف إلى هدم الدين الإسلامي والقضاء على مقوماته وأخلاقه، وإسقاط حقوق رب العالمين في جميع الميادين مع ما فيه من الطعنة النجلاء إلى صميم العروبة الأصيلة بإبعادها عن رسالتها التي اختارها الله لها وكلفها بحملها، وضمن لها السؤدد الكامل في جميع الأرض إن هي قامت بواجبها، وحصر لها الشقاق والضلال إن هي حادت عنه، فأعداء الله وأعداؤها رسموا لها هذه الخطة الأثيمة ليوقعوها في وعيد الله وغضبه، والعابد لله حقاً لا يرضى بذلك أبداً يبذل النفس والنفيس في دفعه ومقاومته، وكيف يرضى بما هو خيانة لله ورسول من مضادة ملة إبراهيم عليه السلام بهذه النحلة وترك التواصي بالحق والأمر بالمعروف وحماية المبلغين رسالة الله بقمع من يقف لصدهم بأي وسيلة، إذ هذه الأكذوبة تناقض أعظم مهمات العبادة وتشجع حزب الشيطان على حزب الرحمن، فلا يحقق المسلم عبودية الله إلا بمقاومة أهلها كما تقدم. الحادي والستون: العابد لله يتخذ الله هادياً ونصيراً وحاكماً وولياً، فلا يطلب الهداية من غير وحي الله، بل يعتبر جميع الأوضاع التي لم تركز على وحيه بدعة وفرية وأملاً وتشكيكاً من وحي شياطين الإنس والجن وطواغيتهم، فلا يطلب النصرة إلا من الله، ويجتهد في الاستعداد وتسخير القوى معتمداً على الله، ولا يبتغي غيره حكماً، ولا يرجو من سواه نصراً ولا يسمح بفراغ، أو يضيع لحظة بدون عمل لنصرة رب العالمين. الثاني والستون: عبودية الله تقضي على الضعف النفسي، فلا يكون معها مكان للهلع والخور؛ لأنها ناشئة عن قوة عقيدة وإيمان وكمال ثقة وإيقان فيما عند رب العالمين فتجد العابد الحقيقي يثق بما عند الله أكثر من ثقته فيما بين يديه، ويعرف أن الأمر كله لله، وأن تصريف الكائنات كلها بيديه، فيزداد نشاطه على الأخذ بالأسباب التي رتب الله عليها مسبباتها بمقتضى حكمته، والإقدام في سبيل الله لتطهير الأرض من الظلم والفساد، موقنا أن النصر حليفه إذا مشى في ذات الله وفي نصرة دينه، نصحاً له وصدقاً معه وإخلاصاً. الثالث والستون: بعبودية الله يتمايز قلب المؤمن بالثبات على الحق حيثما كان، والدأب في نصرته بهمة عالية وعزم قوي، لا يثنيه عنه كثرة خصومه مهما تكالبت عليه قوى الشر، إذ لا يعتبرها في جنب الله إلا كالفراش مقتدياً بعباد الله الصالحين، كموسى مع فرعون وملئه، وإبراهيم مع النمرود وأشراره، ومحمد صلى الله عليه وسلم مع صناديد قريش. الرابع والستون: عبودية الله بعزيمة صادقة تحقق لأهلها التوكل على الله الذي هو لب الإيمان وجوهر العقيدة، وبتحقيقه قويت الصحابة الكرام على غزو فارس والروم دون الانتصار بأحدهما على الآخر، الذي هو شأن الساسة المكَرَة من خلف السوء إلى اليوم؛ لأن حقيقة التوكل هو الاعتماد على الله باعتقاد جازم أنه هو الحسيب على عباده، الكافي لهم شر أعدائهم، وكلما قوي التوكل قويت العزيمة على الإقدام والأخذ بالأسباب في غاية المستطاع، فهو خير حافز على القوة بخلاف التواكل الذي هو مجرد عجز وجبن يئول إلى زعزعة العقيدة وضعف النفس، فشتان ما بينه وبين التوكل الصحيح، ومن أراد الاعتبار بالفرق العظيم بين التوكل والتواكل، فلينظر إلى موقف قوم موسى لما أمرهم بدخول الأرض المقدسة، وموقف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ويكفيه عبرة. الخامس والستون: عباد الله لا يستحبون الدنيا على الآخرة، فذلك من صفات الكافرين، بل يعتبرونها مزرعة للآخرة، فيبذلون أقصى مجهودهم بجلائل الأعمال والمسابقة إلى الخيرات وإصلاح الدنيا على وفق شرع الله، فسيرهم فيها وسط بلا إفراط ولا تفريط لم يجعلوها أكبر همهم ولم يتعلقوا بالمادة هذا التعلق المشين ولم يسلكوا الزهد الهندي الذي لم يشرعه الله فيعيشوا في بؤس وذلة ويضيعوا حق الله مما تقدم ذكره وما سيأتي له مزيد، فإنه بسبب هذا الزهد المذموم وما قذف به على الشرق من خرافات حصل تفريط كبير في نواحي الحياة فأطاحت بحرية أهله؛ حيث ماتت فكرة الجهاد وما يستلزمه من إعداد القوة، فمسخوا دين العزة والفتح والكرامة إلى دروشة وخنوع لكل مستعبد، وتفريط في جنب الله ضاعت معه جميع المقومات. السادس والستون: عباد الله لا يتجردون من ولاء الله ورسوله وموالاة أوليائهما السالكين هديهما، بل يتجردون من ولاء من سلك غير هديهما في نواحي الحكم والحياة، واتبع غير سبيل المؤمنين مما تمليه المذاهب والمبادئ العصرية التي ركزها أعداء الله ورسله من أئمة الكفر وطواغيت البشر؛ لأن الموالي لهؤلاء والمحبذ لأفكارهم ليس من الله في شيء، فموالاة الله تستلزم التجرد من ولاء المتبعين غير سبيله، كما أن موالاتهم والسير في ركابهم يستلزم التجرد من ولاء الله ورسله وأوليائه، والخروج من عبوديته الشرعية. السابع والستون: العابد لله لا يضعف ولا يهن ولا يحزن، ولا يعتبر النكوص عن الجهاد في الصبر على البأساء والضراء تطوعاً؛ لأنه انهزام سياسي يؤاخذ الله به المسلمين ويعاقبهم عليه في الدنيا والآخرة؛ لأن الصبر الممدوح في (آية البر) ليس معناه الاستسلام والخنوع، بل معناه المصابرة على جهاد أعداء الله والمرابطة في الثغور لإعلاء كلمته، خلاف ما فهمه المتأخرون من أصحاب الطرق والتصوف الذين يرجون الثواب بالصبر على عسف الكفار؛ استخفافاً منهم بعيشة الذل في الدنيا السريعة الزوال، وطمعاً في الانتقام منهم في الدار الآخرة، ناسين أن تفريطهم في الجهاد في ذات الله ورضاهم باستضعاف أعدائه لهم خطيئة يصليهم بها جهنم وساءت مصيراً، إلا من استثنى في سورة (النساء) ممن ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 98] فالمحقق لعبودية الله الشرعية لا يرضى بذلك أبداً. الثامن والستون: بتحقيق عبودية الله تنجو الأمة جماعة ووحداناً من الجهل المركب المؤدي بصاحبه إلى كل شر وضلال وهوان، ومن أنواعه ما قدمنا في الوجه السابق، وأنواعه كثيرة كلها تستند إلى الاعتقاد الفاسد الذي هو تصور الشيء على غير هيئته وخلاف حقيقته، فلذا سمي جهلاً مركباً؛ لأنه مركب من عدم العلم بالحكم الحقيقي، وتصور الحكم الفاسد بدله مع التعصب، وعبودية الله تعصم صاحبها من ذلك لاستنارة قلبه بوحي الله وهداه، وعدم التعصب لما يتخيله أو يقذف الناس عليه. التاسع والستون: تحقيق عبودية الله وفق شرعه هو القيم على الروحانية في العالم، وبدونها تنبعث الأزمات النفسية، ويستحكم طغيان المادية، فتسخر الناس لأغراضها بأي نحلة ينتحلها طغاتها، وتنتشر الفوضى الجنسية بسبب انحلال الأخلاق لضياع الإيمان بالله والحرمان من عصمة عبوديته، حتى تصبح العفة النفسية شذوذاً جنسياً، كما هي الآن في بعض الأقطار، ويكون الربا الماحق روحاً للمعاملات وشرايين لحياة أولئك الذين فقدوا عبودية الله حتى ينزلقوا إلى الجحيم الحمراء، فالمادية القائمة على نوازع الأثرة وقوانين المنفعة وانتهاز اللذائذ واشترائها بأي ثمن، لا ينقذ الناس من جحيمها المستعرة بكل لون إلا تحقيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؛ لأنها تعمر القلوب وتشغلها عن أن يغزوها شيء من الثقافات والمبادئ المادية، وتطهرها بالعقيدة الصحيحة التي توجب عليها العدل والرحمة والإحسان، من إطعام المحروم وتشغيل العاطل وتسخير جميع القوى والإمكانيات، وعدم الاعتراف بمال حرام أو كسب، ولا تجيز معاوضة الجهد الشاق بأجر بخس، ولا مكافأة العمل التافه بأجر كبير، ولا تبيح التعطل والتسول والفوضى والاتكال على الغير في القوى والإنتاج، وتعد الدولة مسئولة عن جميع ذلك، ولا تبيح لأحد ممالأة الظالم فضلاً عن موالاته وحبه، وامتداحه وإسباغ صيغة حسنة على ظلمه، شأن أهل هذا الزمان الذين أضاعوا عبودية الله، فكانوا عبيداً لشياطين الجن وطواغيت الإنس، ومولعين بكل نقيصة ورذيلة. السبعون: بعدم تحقيق عبودية الله المطلوبة يتكون بين ظهراني المسلمين، بل من أولادهم أقوام ينبذون القرآن ويستهترون به، ويضيقون بحكم الله – تعالى – ويحتكمون إلى الطاغوت، فينبعث منهم طواغيت يجلبون على الناس كل طامة وبلية من إلحاد الشرق والغرب، وكافة مبادئهما وتقاليدهما الساحقة الماحقة للمال والحرية والشرف، وها نحن نرى أكثر الناس اليوم قد أثبتوا بذلك ووقعوا فيما وقع فيه المشركون الأوائل من ائتمارهم بأوامر متبوعيهم ومحبوبيهم وانتهائهم عما نهوهم عنه، وتحريمهم ما حرموه واستحلالهم ما حللوه كيفما كان، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم هذا شركاً، والقوم في غفلة أو إعراض عن العقيدة الموجبة عليهم والمحررة لنفوسهم من استرقاق الطواغيت؛ لأن تحقيق عبودية الله يضمن إشراق العقيدة، وعمق الإخلاص لله في النفوس يعصم صاحبه من احتيال شياطين الإنس له، وصدق الجهاد في سبيله ابتغاء مرضاته يحول دون ظهورهم لفتنة الناس، فإذا لم تتحقق العبودية بذلك حصل نقيضها من تلك الظلمات الوثنية التي ذكرناها والتي قاسيناها وافتتن بها أولادنا اغتراراً بالأسماء الكاذبة المحببة لها إليهم، وهي سراب، أو علقم وخراب، بجميع ما فيهما من معنى. الحادي والسبعون: عبودية الله الحقة أساس النهضات الصالحة، لأن حياة أصحابها تكون إشعاعاً من القران يتحقق منها جميع أساليب الحرية والعدالة والقوة المادية والمعنوية ونفاذ البصيرة وانطلاق التفكير والاستعانة بالشورى وإيجاد التعاون الذي يثبت عرى الروابط الأخوية ويزيل الفوارق الطبيعية: فوارق اللون والبلد والعصبية، التي تفاقم شرها في هذا الزمان، ولها الأثر السيئ في كل زمان ومكان، الذي لا يزيله إلا تحقيق عبودية الرحمن على ما أسلفنا. الثاني والسبعون: العابد لله يجند نفسه لمقاومة كل ثورة على الإسلام وتعاليمه، وحملته المخلصين، مهما اتسمت هذه الثورة بأي اسم قومي أو وطني أو اشتراكي وما إلى ذلك، ويعاهد ربه بتكريس جميع قواه لدحض المفترين عليه،المفتئتين على شريعته، حتى يقمعهم ويفضح باطلهم، ويكون جريئاً مقداماً، لا يخرسه خوف بأسهم ولا رجاء مودتهم ولا حب الحياة بمكان يهان فيه شرع الله وتهتك حرماته؛ لأنه إن لم يتصف بذلك ونكص عن مجابهة أولئك؛ كان جرمه أشد من جرم المتولي يوم الزحف، فكان غير محقق لعبودية الرحمن؛ لأن الغزو الثقافي والصراع الفكري أشد خطراً من الغزو العسكري، وأسوأ غلبة في التأثير، إذ فيه تسميم العقول وإذابة الأرواح، وإذا كان قاتل الجسم يقتل قصاصاً وتتخذ وسائل الدفاع لاتقاء شره، فقاتل الأرواح ينبغي الاستعداد له والعمل على قمعه أزود من ذلك بكثير. الثالث والسبعون: وهو أن عبودية الله توجب على أهلها معاونة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بجميع الوسائل والأساليب، والعمل الدائب على حفظ عقائد أولادهم بتجديد طبع الكتب الإسلامية وترجمتها، وبث النشرات التي فيها تفهيم فلسفة الإسلام الصحيحة في سائر تشريعاته، وصياغة الألفاظ حسب الأساليب الرائقة المفهومة في هذا العصر، وإرسال البعوث تلو البعوث لتقوية عقيدتهم وإمدادهم بما يلائم تقوية معنوياتهم أو العمل على ترحيلهم إن لم يتسن ذلك، لئلا تقطع أوصال المسلمين إرباً إرباً في كل ناحية، فتزول هيبتهم وتهدر كرامتهم، فإن الله سائلهم جميعاً عن ذلك، ولو حققوا التساند الواجب عليهم بكل معانيه لما انتقصوا من أطرافهم وغزوا في عقر دارهم، وإذا حققوا مدلول ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تحققت لهم العزة بإذن الله. الرابع والسبعون: عبودية الله توجب على صاحبها ألا يضيع شيئا من أوقاته سدى، بل يشغل جميع أوقاته وثواني ساعاته بكل عمل يعود نفعه على الإسلام وأهله في شتي المرافق والميادين، بحيث لا يؤخر عمل اليوم لغد أبداً، بل يؤخر عمل الصباح إلى المساء، ويغتنم كل فرصة سانحة، ولا يفوتها ويتحسر لو فاتت أعظم مما يتحسر لخطب فادح اختص فيه بحيث لو علم أنه سيموت غداً ما استطاع أن يعمل أكثر مما عمل، فبذلك تتحقق عبودية الله ويكون من حزبه المفلحين العاملين لإعلاء كلمته في الأرض. الخامس والسبعون: عبودية الله تفرض على أهلها المواساة والإيثار والجود بالمال في جميع نوائب المسلمين، وتشطيره حسب حاجات الثغور من تأمين حاجة الدعاة وأرامل المجاهدين وعوائلهم، ورفد كل من يستحق الرفد من عباد الله، والعمل على جعلهم في بحبوحة من العيش. السادس والسبعون: عبودية الله تقضي على عباده باستعمال الإحسان في كل شيء وعدم الخروج عنه مهما اشتدت العداوة، ما لم يخرج عن الحدود، فلا تجد في تاريخهم التعذيب والتنكيل وسوء القتلة والذبحة من رضخ الرأس، والتمثيل، والسحل، والإحراق، دفن الأحباء كما يفعله أصحاب المبادئ الأرضية المادية والإلحادية. قال عليه الصلاة والسلام: ((إن الله كتب الإحسان على كل شي..))[1]. الحديث. السابع والسبعون: بعبودية الله يحقق العابد شخصيته الأصيلة وإنسانيته الكاملة التي يتميز بها بين أقرانه بالاستقامة في سيرته، وسلامة عقله وضميره من المؤثرات التي تظهره بمظهر عدم التوازن أو بمظهر الازدواجية. الثامن والسبعون: عبودية الله تصحح ضمير العابد وتطهر قلبه وتجعله سليماً مستقيماً؛ ليس في قلبه سوى محبة الله ورسوله ومحبة من يحبهما وبغض من يبغضهما كائناً من كان، فلا تميل به العاطفة عن تلك القاعدة الحنيفية أبداً. أما من لم يحقق عبودية الله فلا بد أن يصاب بأزمة الضمير وتذهب نفسه حسرات على من تعلق به من أشخاص ومبادئ كما هي الحال المشاهدة في أهل هذا الزمان. التاسع والسبعون: عبودية الله توجب على أهلها أن يصلوا ما أمر الله به أن يوصل، فمع قيامهم بحق الله فإنهم يقومون ويؤدون حقوق الوالدين والأقربين، واليتامى والمساكين. الثمانون: وهو صلة ما أمر الله به أن يوصل من قرابة الدين في سائر بقاع الأرض، إذ إن أخوة الدين وأواصره أعلى وأغلى من كل شيء، فبالدين يقرب البعيد، وبالنكوص عنه يبعد القريب، كما عزل الله كافر من أولاد نوح عليه السلام عن أهله وأبعده عنهم، وجعل أبعد المسلمين أقرب منه، وجعل الموالي من الأعاجم والأحباش أقرب إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عمه أبي لهب وأحزابه. الحادي والثمانون: عبودية الله توجب على أهلها الوفاء بالميثاق الإسلامي، الذي يربط المشرقي بالمغربي، والعربي بالأعجمي، والمغربي بالمشرقي، برباط العبودية ضمن الشهادتين، كما شرع الحج لأجل ذلك، فخارق هذا الميثاق بالرجوع إلى العصبية وتبني القوميات المبعدة لبعضهم عن بعض والمقربة لأعداء الإسلام تحت اسمها، مخلُّ بعبودية رب العالمين ومناقض لمدلول سورة (الفاتحة)، وقد ظهر التأثير السيئ لذلك في هذا الزمان الذي رجع غالب أهله إلى الجاهلية الأولى، وركسوا في الوثنية من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون. [1] أخرجه مسلم (3/1548) رقم (1955) من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (4) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الثاني والثمانون: بتحقيق عبودية الله يبيع المؤمن نفسه وماله لله رب العالمين، موقناً بالثمن الغالي النفيس لهما، فيتكرم الله بشراء ذلك منه ويعد الفصل بين كلمتين: يعد له في جنات عدن ما أعده لأوليائه الصالحين مما لا عين رأت و لا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، خلود و أمن في غرف من فوقها غرف، من دخلها ينعم لا يبأس و لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ﴾ [الروم: 6]، ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 111]، فالمؤمن بتحقيق عبوديته يصدق بيعه مع الله؛ فيعتبر نفسه وماله وديعة لربه يسارع بدفعها إليه، ومعنى ذلك ألا يرى أنه مالك لشيء من المال، بل يرى أنه وكيل مؤتمن عليه، يضعه حيث أمره الله و لا ينفق منه شيئاً في غير مرضاته أبدًا، وباعتبار روحه وديعة لربه يرى نفسه جندياً مطيعاً لله يضعها في أي ميدان يأمره؛ فيقف موقف الموت لإعلاء كلمة الله، لا يخاف بأساً و لا رهقاً، ولذا نجد الصحابة الكرام الذين صدقوا البيعة مع الله وقفوا موقف الموت أمام أعدائه، غير مبالين بكثرة عددهم أو قوة شوكتهم، فعجل الله لهم أول التجارة في الدنيا بنصر عزيز و فتح مبين، علاوة على الثمن الحقيقي الآخر الذي يتنافس فيه المتنافسون في الدار الآخرة، وسيحقق الله نصره ويصدق وعده مع كل من خلف أولئك، فقام بتحقيق عبوديته وصدق بيعته. الثالت والثمانون: عبودية الله توجب على أهلها مع ذلك ألا يفرطوا بنصيبهم من مقومات الحياة الدنيا كشأن أهل التصوف والدروشة، بل لابد له من خوض معركة الحياة وتسخير جميع الماديات واكتساب ما أمكن منها بالطرق المباحة، ليتمكن من أداء رسالته في الحياة بالإنفاق في سبيل الله من كافة الوجوه، ويتماسك كيانه مع إخوته المؤمنين، فتكون لهم اليد الطولى التي يقدرون بها على الصلاح والإصلاح في الأرض؛ لأن ما في الدنيا من المقومات المادية الهائلة سلاح خطير إذا سبق إليه أهل الضلال وظفروا به؛ كان وسيلة فعالة للتحكم في الناس وإفساد دينهم ودنياهم، كما جرى على المسلمين بسبب الأفكار الدخيلة التي أقعدتنا عن الأخذ بأسباب القوة والهيمنة على الدنيا والتفوق على أهلها، وأفسحت المجال لأهل الضلال، وجعلت المخدوعين المنزلقين في غيهم يتهمون الدين بأنه مخدر ومبلد، يصرف الناس عن التفوق في شئون الحياة، ولو كانت أفكار أكثر الصوفية ومن على شاكلتهم حقاً لما كان لمشروعية الإرث فائدة، ولا لفرضية الزكاة والإنفاق في سبيل الله فائدة، بل ولا كان للهجرة والجهاد فائدة، لأن الدراويش من أين لهم: يورثون أو ينفقون وبأي سبب يجاهدون؟! وقد فقدوا الأسلحة المادية التي هي مقومات الحياة ووسيلة للعزة فيها بإذن الله، وإنما الحق الصحيح الواجب هو ألا يفرط المسلمون بنصيبهم من مقومات الحياة الدنيا. الرابع والثمانون: وذلك أن عبودية الله توجب على صاحبها ألا يجعل الدنيا غاية الغايات، ولكن يخوض معاركها، ويكدح فيها؛ ليتخذها وسيلة للغايات الكريمة التي جعلها الله من شعب الإيمان، وأوجب عليه أن يعمر بها أرضه، ويطهر أهلها من الظلم والفساد وينجيهم من كل فتنة، ويرفع مستواهم عن الفقر والمسكنة، ويغذيهم بالعلم النافع المصلح لأخلاقهم وعقائدهم، المقوي لعزائمهم، وألا يبخل في الدفاع عن معتقداته ومقدساته بنفس و لا مال؛ ليحقق الرجولة والمروءة والدين والإخلاص، وأما من استمسك بالحياة وحرص على المادة لغير ذلك فهو نذل طبعاً كافر شرعًا، ومن ثَمّ أكثر الله في كتابه الكريم وصف الدنيا بأنها متاع ليجعل قيمة المال تنزل من مقام السيطرة والتسلط على النفوس والاستحواذ على الأفئدة إلى مقام آخر وهو مقام الوسيلة التي يجتهد الإنسان في الحصول عليها لتكون ذريعة إلى المقصد الأسمى من إعزاز الحق، وتقوية المجتمع المؤمن، واصطناع المعروف، والإعانة على نوائب الحق. إن موكب الإيمان يجب أن يكون حافلاً بألوان القوة المادية جميعها وبألوان القوة الروحية و الأخلاقية، ولكن يجب عليه ألا يُسخّر الثانية للأولى، بل يُسخّر الأولى للثانية، ولا يكون الحق عنده للقوة أبداً، بل يجعل جميع القوى أداة لنصرة الحق، إذ في الوقت الذي تغلب فيه المادة على الروح يكون الأمن في الدنيا مهدداً بالخطر، إذ يتعذر الاتفاق على المطامع، وتكثر أسباب التخاذل التي تتطرق إلى النفوس بما تحمله من الأنانية التي حذرنا الله منها، وأكثر من الترغيب في الآخرة لتجعل الدنيا مزرعة لها، ولهذا تعين على عباد الله الأمر. الخامس والثمانون: وهو أن عبودية الله تجعل المرء دائماً يتذكر الآخرة ولا يذهل عنها لحظة؛ ليعد لها عدتها كيلا يقسو قلبه ويرضى بالحياة الدنيا ويطمئن إليها، فلا يقوم بحقوق الخالق والمخلوق التي تتطلبها العبودية الشرعية، وليس معنى ذلك الانعزال عن خوض معركة الحياة والقنوع بالفقر والذلة مع التقاعس عن جلائل الأعمال، بل لتحفزه قوة شعور بأهوال الآخرة للقيام بما أوجب الله عليه وربط به مصيره، فيكون في هذه الدنيا من خيرة العاملين لإعلاء كلمة الله والإصلاح في أرضه ومنفعة خلقه ورفعة شرعه على كل تشريع، ألا ترى إلى معرضين عن الآخرة كيف كانت قوة بعضهم على بعض، بحيث لا يعامل أحدهم أخاه بعشر معشار معاملته لكلبه، تالله إن العالم دفع ثمناً غالياً جداً لإعراضه عن عبودية الله وإضاعته رسالته. السادس والثمانون: بتحقيق عبودية الله تكون الدنيا سجناً لكل رجل شريف من جهة، ومركز انطلاق عظيم للأعمال النافعة والكفاح من جهة أخرى، إذ هي بلا ريب سجن للمؤمن حيث يضع عليه إيمانه قيوداً من حديد تكبل غرائزه وشهواته الطائشة، فهو حبيس التقوى عن الانطلاق في إشباع غرائزه وشهواته وركوب رأسه بالتسلط والتكبر على الناس، وليس معنى كونها سجن المؤمن أنه يعيش فيها صعلوكاً ذليلاً هين الشأن، منقطعًا عن العلوم والفنون، مقطوع الصلة عن معترك الحياة، بل على العكس يجب عليه أن يسعى ليعيش عيشة الأقوياء الأحرار، فيكون مثرياً وجيهاً واسع الأفق، نشيطاً جوالاً في الأرض، لايرضى بالدنية لدينه وكيانه، بل ينطلق نحو العزة والكرامة ويكون يداً عليا وفق أمر الله، ولكنه يكون في سجن عن الشهوات الذميمة والدنايا وابتغاء العلو والفساد في الأرض، فلا ينطلق في الدنيا انطلاقة الحيوان، فاقد العقل والضمير، شأن أغلب الذين انطلقوا في هذه الأزمنة؛ فكانوا وبالًا على الناس في دينهم ودنياهم. السابع والثمانون: العابد لله يعتبر المال فتنة يختبر الله به قوة إيمانه ومتاع أخلاقه وشرف نفسه بوفائه مع ربه فيما أوجبه عليه من الحقوق وما يلتزمه مقتضى الشهادتين وما تستوجبه مبايعة الله عليه، ويحرص على القيام بشكره والإحسان إلى خلقه كما أحسن الله إليه، ولا يعتبر المال دليلاً على امتيازه الذاتي، كقول قارون: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78]. فإن هذا من الإعجاب وتزكية النفس الذي هو من أنواع افتراء الكذب على الله. الثامن والثمانون: العابد لله لا يسلك في اكتساب المال طرقًا غير مشروعة من الاحتكار المحرم أو أكل الربا أضعافًا مضاعفة، وبخس الناس أشياءهم بأي نوع من أنواع البخس، التي أعظمها ظلم الأجير واستغلال الكادحين في الحقول بنقص أسعارهم وغمط حقهم باسم الحرية الكاذبة أو الاشتراكية الظالمة وغيرها، مما يكون مغرياً للناس على الانزلاق في جحيم المبادئ الهدامة الكافرة، ناقمين من الدين بما فعله أدعياؤه المضللون. التاسع والثمانون: العابد لله يعتبر ما لديه من المال وديعة وعارية معارة لرب العالمين، وهو وكيل ومؤتمن عليه، فيسلك طرق القصد والتوفير، متجنباً الإسراف والتبذير؛ لأنه مسئول عن المال من أين اكتسبه وفيما أنفقه. فلا يسارع في إنفاقه إلا في سبيل الله وابتغاء مرضاته من نصرة دينه ونشر الدعوة إليه بشتى الوسائل، وجهاد الصادّ عن سبيله والمفتري عليه. ممن شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، أو أعاد العصبية الجاهلية أو غيرها من طرق الكفر المخالفة لهدي محمد - صلى الله عليه وسلم - بأي اسم ظهرت، وبأي قومية اتسمت من أي رسالة شيطانية مخالفة لرسالات الله، وأن يُسخّر ماله فيما يسعده في الدارين، من إصلاح أحوال المسلمين وإعزاز دين رب العالمين. التسعون: عبودية الله في الوقت الذي نطلب من العابد أن ينظر إلى من دونه في الأشياء المادية ولا ينظر إلى من فوقه لئلا يزدري نعمة الله عليه، فإنها لا تحب لأهلها الفقر والفاقة، ولا تحذرهم و لا تبلدهم فيرضون بالدون أو يقتنعون بالهون من الحياة، ولكن توجب عليهم العمل وبذل أقصى المجهود لابتغاء المزيد من فضل الله؛ ليتسنى لهم السؤدد والتقدم على أعداء الله وأعدائهم، وكل دعوة تخالف هذا فهي مجافية للدين. ومن هنا يعلم أن الطرائق الصوفية ليست مطابقة لعبودية الله الصحيحة التي كان عليها سلفنا الصالح. الحادي والتسعون: عبودية الله تحقق التكافؤ الاجتماعي الصحيح، ليس بالمعنى الذي يريده الملاحدة والمنصبغون بآراء الشيوعية ونحوها في هذا الزمان من الأفكار التي غايتها أن تنتهي بالظلم إلى ظلم من لون آخر، ليأكل الناس أموالهم بينهم بالباطل، أو تضيق عليهم المسالك وتسد فيما بينهم أبواب المنافسة. ولكن الذي تمليه عبودية الله هو التكافؤ الناشئ عن شعور الإنسان بواجبه نحو أخيه من: حفظ كرامته، والتواضع معه، والعطف عليه، والإحسان إليه ومساندته ومؤازرته حتى بالايثار على النفس. الثاني والتسعون: عبودية الله ترتفع بصاحبها عن الضعف النفسي المؤدي إلى سقوط الضمائر والتفاف الطباع حول المرائع الخصبة، والتذلل والملق للجبابرة والطواغيت؛ لأن هذا من الشرك الذي نصه الله بقوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]. وبقدر ما تنقص عبودية الله أو تتضاءل يتفشى الضعف النفسي ويبدو سقوط الضمائر بأبشع صورة.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (5) عبودية الله تنمي الأخلاق:الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الثالث والتسعون: عبودية الله توجب رعاية الأمانة وحفظها، بجميع أنواعها، فيرعاها فيما كلفه الله من العبادات والشرائع بأدائها على الوجه الأكمل بدون تقص ولا استهانة، وإقامة وجهه لله فيها حنيفاً مخلصاً، وفي المعاملات يؤدي ما وجب عليه من حقيقة الوفاء بالعقود بدون بخس ولا مماطلة، وفي رعايته لأهله وأولاده يقوم بواجب الأمانة نحو الله بحسن تربيتهم على دينه وتوجيههم إليه، وإعدادهم للجهاد في سبيله، ثم رعاية الأمانات الواجب أداؤها إلى أهلها على كل قادر من المسلمين، أئمتهم وعامتهم، وذلك بإناطة كل شيء إلى أهله، فلا تسند وظيفة إلى غير كفئها، ولا يوكل عمل إلى غير أهله، فإن المحاباة في الأعمال والمناصب خيانة للأمانة، وفتح لأبواب الفساد والفوضى، وتعريض لكيان الأمة للخطر، وأي خيانة أعظم من غمط الحق بإبعاد أصحاب الكفايات ونسيانهم، واحتضان كل شرير ماجن أو حاقد أو خائن، أو تقريب بليد أو أرعن بسبب الرشوة أو الواسطة، وقد كشفت الأيام صدق التمثيل النبوي: ((إذا ضيعت الأمانة فانتظروا الساعة)). قيل: يا رسول الله وكيف تضيع الأمانة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله))[1]. ولا شك أن هذا الإخبار منه معجزة له ومن دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم. وقد جنى الناس أسوأ الثمرات؛ لتضييعهم الأمانة بهذا المعنى. الرابع والتسعون: العابد للرحمن إذا خوفه خصمه بالله وذكره بآياته، وجل قلبه فأذعن للحق، ولم يجرؤ على التمادي في الباطل ليكون ممن قال الله فيه: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا ﴾ [لقمان: 7] بل يطهر عقله من كل سلطان سوى سلطان الحق – تبارك وتعالى-،كي تستقيم فطرته على ما خلقها الله طاهرة نقية لا تكدرها الضغائن ولا يستفزها طعن، فيلتزم كلمة الحق في الغضب والرضا، كما أرشده نبيه صلى الله عليه وسلم ويكون ممن وصفهم الله بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ [الفرقان: 73]. الخامس والتسعون: العابد لله لا يجعل الدنيا أكبر همه والمال غاية مقصودة يستذل به العباد، ويجعله أداة للحسد والبغضاء والضعة، ينهش به كرامة المستضعفين . ويحط من أقدارهم، أو يجعله وسيلة للتسلط وكسب الجاه والترشيات للحكم والمناصب، شأن المفتونين بعبادة الهوى، الساعين للعلو في الأرض، إذ الواجب الذي تقضي به العبودية المرضية هو ما ذكرناه في الوجه الرابع والثمانين وما بعده، فارجع البصر بتلك الوجوه بقوة الإمعان. السادس والتسعون: عبودية الله توجب على أهلها تربية أولادهم تربية دينية ينشئون بها على طاعة الله ومعرفة حدوده فيما أنزل، وإعدادهم للجهاد في سبيله، بتربية خشنة بعيدة عن أزياء الأعاجم والتخنث والميوعة، فلا يسمحون لهم أن يعيشوا بين أحضان الإغراء والفتنة التي تبثها أمواج الأثير والصحف الخليعة، وما إلى ذلك مما لا يجوز للمسلمين السكوت عليه، بل يجب عليهم الأخذ بيد ولاة الأمور، لإصلاح هذه البرامج؛ ليتسنى لهم تربية أولادهم وذراريهم تربية يعلنون بها واجبهم أمام الله ورسوله وكتابه، ويعتبرون أنفسهم حملة رسالة، لا يجوز لهم التقاعس في نشرها وتركيزها، مهما أقيم أمامهم من العقبات والمتاعب، ليكون بذلك ممن عمل على وقاية نفسه وأهله من نار وقودها الناس والحجارة، كما تستلزم عبودية الله. السابع والتسعون: وهو عدم السماح لعباد الله بوجود أي فراغ في جميع الأزمنة والأمكنة بين شيبهم وشبابهم؛ لأنهم بكمال إحساسهم نحو واجب ربهم ورسالته، يستغلون جميع أوقاتهم، ولا يفرطون في لحظة منها، بل يستغلون كل فراغ في العالم فيستبقون إلى إشغاله في ذات الله خشية أن يسبقهم المبطلون فيملئوه بالغي والضلال، ويكونوا مفرطين في جنب الله على فسح المجال لأعدائه بذلك، إذ واجبهم يقضي باغتنام كل فرصة واستغلال كل فراغ استغلالا صالحاً مرضياً لرب العالمين، بدلاً من أن يقتلوا الفراغ باللَّهو واللعب، والفسق والفجور، والمجون وقراءة الأساطير الحديثة التي تصد عن ذكر الله، وتشغلهم عن واجبهم نحو كتابهم، شأن المفرطين، الذين يحسبون أنهم يقتلون الوقت والوقت يقتلهم ،بل هم خلاف هؤلاء المفرطين ، يستغلون جميع طاقاتهم ولا يضيعون شيئاً من أوقاتهم، عالمين أن كل لحظة تمر بهم ليس لها عوض ولا قيمة سوى العمل المثمر بها، فيتحسرون عليها لو ضاعت سدى بلا منفعة تقربهم من ربهم، وبهذا الإحساس واصل السلف الصالح أعمالهم؛ ففازوا فوزاً عظيماً. الثامن والتسعون: عبودية الله لا تستقيم مع خيانة الله ورسوله في الإخلال بأوامره وعدم الانتهاء عن زواجره وتضييع حدوده، وضرب سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بعرض الحائط، ذلك أن الله حمل عباده الأمانة فيما كلفهم به من إقامة شرائع دينه وإيجاب نصرته وحمل رايته، فمن لم يقم بذلك خير قيام، ولم يجعله غاية اهتمامه، بحيث لا يشغله عنه مال ولا ولد، فقد خان الله ورسوله، قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الانفال28،27 ]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المنافقون: 9 ]فعبادة الله لا يحققها من اشتغل بأمواله وأولاده ومتعه وشهواته عن واجب الله ورسوله أبداً. التاسع والتسعون: عباد الله لا يزكون أنفسهم عن إعجاب بما فعلوه، فيتردون في الهاوية، بل يؤتون ما آتوا من صالح الأعمال وقلوبهم وجلة يخافون ألا تقبل منهم فيسارعون في الخيرات خشية ورجاء، أما الذين يزكون أنفسهم فقد افتروا على الله الكذب بدعوى ما لم يعلموا قبوله، تجرهم هذه النحلة إلى الإعجاب،الذي يجعلهم يتكلمون على ما عملوه ويفرحون بما أتوا، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، والذنوب يجر بعضها بعضاً، فلذا حق عليهم الوعيد لعدم استقامتهم على عبودية الله وشكره، والاستعانة به على ذلك. المائة: عباد الله هم الذين يمشون على الأرض هوناً، بتواضع وإشفاق من خشية الله، عارفين قدرهم ومهمتهم الثقيلة على وجه الأرض، ناظرين إلى الناس بعيني الحكمة والرحمة، ولاشك أن مشية الإنسان تنبئ عن صفاته أو بعضها، فالنفس الوقورة المطمئنة الجادة في الإحسان، القاصدة للخير، الراجية للثواب، المشفقة من العقاب، تؤثر صفاتها هذه على مشية صاحبها، فيمشي مشية مطمئنة معتدلة ، فيها وقار وسكينة ممتزجان بجد وقوة، لا بتكبر وخيلاء وتبختر، وليس معنى ذلك أنهم يمشون مشية الذلة والمسكنة التي ابتدعها بعض الصوفية والزهاد، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب لسرعته وقوته، ولكنهم يمشون مشية تتلاءم مع صفاتهم الطيبة المنبثقة من تقوى الله، فلا يشوبها شيء من مشية الجبارين المتغطرسين، تلك المشية الموسومة في الحديث النبوي بأنها مشية: المطيطاء. وفي تلك السمة التي مدح الله بها عباده إعلام بحسن سيرتهم ومعاملتهم لأهل الأرض بما رسمه من قوام الإنسانية، التي زخر بها القرآن من الآداب الاجتماعية التي بها يتكون الإنسان الاجتماعي، لا الصور الإنسانية الممتلئة بالغش والافتراء والأنانية، تلك الصورة المشاهدة التي قرر فلاسفة بني جنسها أنهم مهما أبدعوا في المخترعات ومخروا المحيطات وطاروا إلى السموات فإنهم لايعرفون كيف يمشون على الأرض، بل الإنسانية المثلى تلك التي هي القدوة الوحيدة بالتقى والصلاح لما التزمت من آداب القرآن وأوامره التي يحصل بها ضبط الصلة بين عالم العقل وعالم المادة على وجه بَيّن، لولاه ما كانت زمنية تحيا روح الزمن كله، تلك الآداب والشرائع التي لا يراد بها إلا حرية المنفعة للنوع الإنساني كله، ثم الموازنة بين مقدارها وبين مقدار الحرية التي تنال بها؛ ليكون كل شيء في نصابه الاجتماعي دون طغيان، لأن إطلاق الحرية عبث وإفساد وإطلاق المنفعة ضرر أو ضرار كما هو المشاهد المحسوس اليوم من أعمال الذين ابتغوا غير الله حكماً، وأعرضوا عن هديه، وستكون مشيتهم وبالاعلى قومهم. الحادي بعد المائة: عبودية الله على هدى وبصيرة تقي أهلها من ضلالة الاحتجاج بالقدر على مايحدث في المجتمع من نزوات الأنانية وفساد الأوضاع وتفاقم الجشع وغلبة الشح؛ لأن الاحتجاج بالقدر وإقحامه في هذه النواحي لا يجوز، إذ هو تخرص على القدر كإقحامه في شئون الطاعة والمعاصي والإيمان والكفر، قال الله تعالى- ردًّا على من يحتج بالقدر-: ﴿ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾[الأنعام: 148 ]. فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعائب، وما قُدّر من المصائب يجب الاستسلام له؛ لأنه من الرضا بالله، وأما الذنب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب وجب عليه الاستغفار والتوبة من المعائب التي ارتكبها، أو قصر في إنكارها ودفعها، والصبر على المصائب هو من باب الرضاء بقضاء الله وقدره، بخلاف المقضي الذي هو صنعة الإنسان، فلا يجوز تحمل شيء منه أو الرضاء به إلا حسب موافقة الشرع من العدل والحكمة، وما جرى على خلاف ذلك يجب مقاومته ودفعه حسب الاستطاعة، فعبودية الله تهدي أهلها إلى المسارعة في الخيرات، والتنافس على إقامة العدل يجميع صنوفه بالمبادرة إلى إصلاح المعائب، وتقويم الاعوجاج في أي ناحية، محتسبين ذلك من التواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى، وليعلموا أن الله سبحانه وتعالى قدر الأشياء بأسبابها، فيأخذوا بالأسباب متبعين كل سبب سبباً، مستعينين بالله جادين في العمل والإبداع وتسخير كل شيء واستثماره، طامحين إلى العزة والقوة والكرامة، لا يستكنيون إلى الذلة والفاقة احتجاجاً بالقدر وتأسياً بالضالين من خلقه الذين أنكر عليهم القرآن ذلك. فبسلوكهم هذا مع استعانتهم بالله وتوكلهم عليه وعدم خشيتهم الأصنام البشرية أوتقديسها تصلح أحوالهم ويرتفع مستواهم ويعيشون عيشة الأحرار الأكرمين، لا عيشة الجبناء الأذلاء المحتقرين. الثاني بعد المائة: عباد الله يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، فلا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا ينتهبون الأموال أو يأكلونها بتسويل الحاكم أو إغرائه، ولاينتهكون الأعراض بمقاربة الزنا أو القذف؛ لأن هذه الأشياء مجانبة للعبودية، خارقة لحدود الله، مخرجة من طواعية الله ورسوله، كما أن إقرارها وعدم الغضب لله امتعاضاً منها مجلبة للخسران وخروج من الإيمان، فكيف بترويجها والإغراء على فعلها شأن أهل المدنية العصرية الناتجة من التلمذة على الإفرنج، الذي جرَّ إلى استحباب العمى على الهدى، والغواية على الرشد، والخبث على الحب، وإحلال الرذيلة محل الفضيلة، فأولئك من عباد الهوى والشيطان، لا من عباد الرحمن. الثالث بعد المائة: عبودية الله تحقق لأهلها الأمن في الحياة الدنيا وفي الآخرة؛ لأن جميع حركاتهم وسكناتهم منوطة بمراقبة رب العالمين، والوقوف عند حدوده بإعطاء كل ذي حق حقه دون غش ولا بخس ولا مماطلة، وذلك باتباع ما رسمه الله ورسوله من العدل والإحسان والصدق والوفاء والاحترام المتبادل حيث قال تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة:195]. وقال: ﴿ و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ﴾ [البقرة:87]. وقال ﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [الشعراء:183]. وقال: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾ [النساء: 135]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به تكن مسلماً، وأحب للناس ما تحبه لنفسك تكن مؤمناً))[2]. وقال – أيضاً-: (( والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))[3]. فالقائمون بعبودية الله هم أهل المدنية الصحيحة والحضارة النافعة، إذ هم الساعون للخير والصلاح والإصلاح. الرابع بعد المائة: عبودية الله توجب على أهلها رقابة الرأي العام والسلوك العام فيما بينهم، وهذا له قوة التأثير في المحافظة على الأخلاق، واختلاج الحياء لكل نفس (والحياء شعبة من الإيمان)[4] ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه خير كله. وكلما ازدادت هذه الرقابة ازداد الحياء في النفوس، وتغلغلت الفضيلة إلى كل بيت، وتضاءلت الجنايات والجنح أو انعدمت، ولهذا وصف الله عباده الصادقين بقوله: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ الآية [التوبة: 71]. الخامس بعد المائة: عبودية الله تقتضي التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شي وفي كل ناحية من نواحي الحياة، وأن يتبع المسلم سننه، ولا يتعلل بقصر العمل والحجة على القرآن وحده، فإن هذا عمل الزنادقة الذين يريدون مسخ الإسلام، والإحاطة بشطره الثاني (السنة). والسنة كالقرآن تماماً من حيث التشريع والعمل بها وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه))[5]. السادس بعد المائة: يتضح في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ تحقيق لتوحيد الألوهية بجميع معانيه، والقيام بواجب العبودية من جميع صنوف العبادات التي تنتزع النفس من التعلق بماديات الحياة، وتوجهها إلى خالقها وفاطرها، لتستمد منه النور، وتستعين به على تسخير الماديات من أجل نصرة دينه، وعلى الوجه الذي يرضيه. السابع بعد المائة: يتضح في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قوة الإيمان بالغيب بحيث يكون كالمشاهدة، وذلك لأن المسلم المصدق بوحي الله يستعمل عقله أولاً بالاستبصار في نفسه وبني جنسه،كيف خلق؟ هل خلق من غير شيء؟ أو خلق نفسه؟ أو لابد له من خالق؟ فيتيقن أنه مخلوق من رب قادر مبدع لطيف حكيم أمده بالحياة، ورعاه رعاية تامة شاملة من البداية حتى النهاية. وهو إن فكر في أرجاء السموات والأرض قادة تفكيره إلى هذه النتيجة أيضاً، وبهذا يقوى إيمانه بالخالق المبدع الذي يحس وجود وحدانيته ينطق بها كل مخلوق من مخلوقاته، فيراه بعين بصيرته لا بعين بصره. الثامن بعد المائة: من حصر الاستعانة بالله – تعالى- ينبعث التجرد عن السطحية ويتولد الفهم العميق لدور المسلم في هذه الحياة على أنه خليفة الله في أرضه، وأن الله سبحانه هيأه لهذه الخلافة والقيام بها، فعليه أن يخلف كما أمره الله، وأن يقوم بهذه المهمة دون تقصير أو تخاذل. التاسع بعد المائة: عبودية الله-سبحانه- تستلزم العلم النافع الذي يستيقن به العبد صحة ما أنزل إليه من ربه. ذلك العلم الروحي الذي يعرف به أنه عبد مربوب تجب عليه طاعة ربه، وأنه مقيد بحدود وأحكام يحرم عليه تجاوزها، وأنه خاضع لهذه السلطة الربانية في كل حركة وسكنة من حركاته، وأنه لا يجوز أن يخضع لغير هذه السلطة أبداً، ولايسمح لأي فكرة مناهضة للإسلام بالظهور على وجه هذه الأرض. وهذا العلم ضروري لصحة الأقوال والأفعال، وهو مقدم عليها، ولهذا قال تعالى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [محمد:19] وهذا الذي يورث خشية الله والقيام بواجبه. العاشر بعد المائة: في حصر الاستعانة بالله قوة معنوية تكسب العابد لله رباطة جأش وعظيم صراحة وجرأة، فلا يداهن ولايتصنع للناس في أي حال من الأحوال، بل يصدع بعقيدته ويجهر بدينه بحدود ما فرض الله دون الخروج إلى حد التهور، أو يخرجه من المقابلة بالحكمة إلى نقمة الهجوم ومرارة التحدي الذي يحل به الفساد بدل الإصلاح. وليس معنى ذلك أن يكون كضعفاء الأنفس والإيمان ممن يسمون الجبن عن إظهار الحق حكمة، في حين هو خور وقلة إيمان. الحادي عشر بعد المائة: العابد لله والمحقق للاستعانة به والتوكل عليه لا يتصنع للناس بما يغضب الله، بل ولايتصنع خُلقاً ليس من سجيته. فالمتصنع بما ليس من خلقه ولا دينه لا يدع فرصة لإظهار سخيمة نفسه إلا اغتنمها، وهذه عقوبة من الله يكشف بها سريرة كل مخادع. فمتصنع المحبة والإنفاق سرعان ما يظهر حقده وبخله، وكذا متصنع الرفق والتواضع سرعان ما تظهر عظمته وغطرسته إذا سنحت له الفرصة. في حين أن العابد لله تحصل له الاستقامة على مكارم الأخلاق، وكلما ازداد توكله على الله واستعانته به قويت شهامته وعزة نفسه فلا تزلزلها الأحداث، ولا تصرفها كثرة المال عما تدرعت به من الحق. الثاني عشر بعد المائة: كما أن الضراعة إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مؤذنة بحب الله، والتعلق به، والرغبة إليه، وحسن الظن به. ومنها: إخلاص الاعتقاد، وبراءة من الشرك بجميع أنواعه، والابتداع بشتى أصنافه، والالتزام الكامل بوحي الله قرآنًا وسنة، فهذا هو الحق وغيره هو الضلال، وهل بعد الحق إلا الضلال؟!! الثالث عشر بعد المائة: الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يجب أن يكون صادراً عن محبة صادقة لله، الذي يجب أن يكون أعلى وأغلى محبوب، وذلك بداعي الفطرة والشرع والعقل الصحيح، فإذا صدر ذلك عن محبة صادقة حصل مفعوله الذي لا يقاومه شيء في الدنيا مهما كان ذلك. إن كمال العبودية تابع لكمال المحبة، وكمال المحبة تابع لكمال المحبوب، والله – جل وعلا –له الكمال المطلق من كل وجه. الرابع عشر بعد المائة: بحصر العبودية والاستعانة بالله براءة مما سوى الله، مهما كان هذا الشيء ومهما كانت هذه القوة. كما أن فيها إعلان العزيمة الصادقة بالإقبال على الله وجعل أوقاته كلها في طاعته، وتكريسها في العمل المثمر الجاد الذي يعود على العبد ومجتمعه بالنفع العميم. الخامس عشر بعد المائة: في حصر العبودية والاستعانة بالله نجاة من اليأس والقنوط وتحصيل أضدادها التي هي خير وهداية والتي هي قوة الثقة واليقين بالله، فتحصل للمسلم صفات الفتوة المحمدية المطلوبة منه شرعاً وعقلاً. السادس عشر بعد المائة: في حصر استعانة العبد بربه تأكيده الإقدام على كل عمل مُرْضٍ لله بنشاط، وأن يقاوم المصاعب والمتاعب في سبيل ذلك، فلا تضعف همته، ولا تلين عريكته؛ لأنه يشعر أن الله معه ينور بصيرته ويسدد خطاه ويصوب رميته. السابع عشر بعد المائة: الضراعة الصادقة من المؤمن الصادق بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ منبثقة من أصلين ينبني عليهما جميع ما قدمناه وما سنذكره أيضاً: أحدهما: أن الإيمان بالله وتحقيق عبوديته بصدق وإخلاص هو غذاء الإنسان الروحي وقوته وصلاحه وقوامه وفلاحه، وهذا يخالف قول المبطلين: إن العبادة تكليف ومشقة تخالف مقصود القلب ولذته، وما هي إلا مجرد ابتلاء. ثانيهما: أن تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا زاد على قدر حاجته المعينة له، فإن من نال من الطعام والشراب فوق حاجته ضرّه أو أهلكه، وكذلك من النكاح وغيره حتى الدواء والعسل، ومن أحب شيئاً وتتيم به، فلا بد أن يسأمه أو يفارقه، فالضرر حاصل إن وجد وإن فقد، بل قد يحصل له من الضرر بالفراق أكثر مما حصل له من اللذة قبل ذلك، وكل من أحب شيئاً دون الله لغير الله، فإن مضرته أعظم من نفعه، وعذابه أعظم من نعيمه، بل في الغالب يعاقبه الله به، فالعبد لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله ودفعه وتسخيره، فالأمر كله لله أولاً وآجرا وظاهراً وباطناً ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ [هود:56]. الثامن عشر بعد المائة: بتحقيق عبودية الله تتوافر الشجاعة بصفة كاملة شاملة، وذلك بمخالطة الإيمان بشاشة القلوب، وإشرابها حب الجليل الجميل المنعم المتفضل، واطمئنانها لوعده، وتلذذها بالمسارعة لما يرضيه والشوق للقائه، وكون عبد الله يعلم ويجزم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطاه لم يكن ليصيبه. التاسع عشر بعد المائة: بتحقيق عبودية الله يحصل للعابد الاعتدال في جميع أحواله وسلوكه، فلا يطغى بالثراء والمنصب؛ لأن عباد الله وسط بين الإفراط والتفريط. العشرون بعد المائة: العابد لله لا يتخذ من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة أعين دخيلة، أو بطانة من غير المؤمنين يُسرون إليهم بالمودة، ويطلعونهم على عورات المسلمين، ويتخذون منهم وسيلة للصد عن سبيل الله بما ينشرونه أو يذيعونه ضد المؤمنين، وضد الإسلام وأحكامه، واللمز بالدعاة والإغراء بتعذيبهم وقتلهم. فالعابد لله حقًّا لا يتخذ أحداً من هؤلاء وليجة يلج بها إلى مصالحه وشهواته النفسية بأي حجة وأي علاقة، ولا يدور من خلف جماعة المسلمين ويتصل بخصومهم، كما هو شأن كثير من المنتسبين للإسلام في زماننا، فهذا يخرج المسلم من عبودية الله إلى عبودية من يهواه. الحادي والعشرون بعد المائة: تحقيق العبودية يتطلب احتمال الأذى في سبيل الله والجرأة في الحق، وقوله كلمة الحق دون خوف من ظلم أو رهبة من سلطان، ولذا قال صلى الله عليه وسلم )): أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر))[6]. الثاني والعشرون بعد المائة: تحقيق العبودية الصادقة يستلزم محاسبة النفس بشكل دائم ومستمر، محاسبتها على الأقوال والأفعال والنيات، ليبقى العبد في ذلك كله متفقاً مع وحي الله – سبحانه -، ومحاسبة النفس دليل على الشعور بالرقابة الإلهية، وبلوغ العبد مرتبة الإحسان ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك))[7]. الثالث والعشرون بعد المائة: في حصر الضراعة الصادقة بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تخليص للنفس من عبادة آلهة شتى، وتحرير لها من رق الهوى والشهوات وارتفاع بها من الأنانية والانتهازية إلى شرف الصدق والإخلاص، المكون للإنسانية الحقة، وإذا حصر العبد اتجاهه إلى الله في سائر نواحي حياته وجميع أموره فقد خلص نفسه من كل رق وأسر، وكان قلبه خالياً مما سوى الله ومنشغلاً بحب الله ورسوله وتعظيمهما، فلا يكون لشياطين الجن والإنس عليه سبيل، فيتحرك حيث أمره الله مستجيباً، لله لا يحركه أحدا من شياطين الإنس، ولا يستجيب لأحد من طواغيت البشر المضللين، الذين يلعبون على العواطف بشتى أنواع الدجل والتلبيس، ويوجهون الناس إلى ضروب من الجاهلية الجديدة، باسم القومية الفلانية تارة، والمذهب المادي الفلاني تارة، والحركة الثورية تارة، والمبدأ الفلاني تارة، وغيرها مما زادت به فتنتهم، وفي كل مجتمع لا يحقق أهله القيام بمدلول هذه الآية التي هي محض معنى (لا إله إلا الله). وقد أخبر الله بأن الفتنة عن الدين أشد جريمة من القتل وأكبر، كما أخبر في الآية [37،36] من سورة (الزخرف) أنه يقيض للمنحرف عن عبادته شيطاناً يكون قريناً له، يصده عن سبيل الحق ويصرفه إلى كل باطل، ومن هنا يأتي: الرابع والعشرون بعد المائة: وهو أن عبادة الله ضرورة اجتماعية كما هي فطرة أساسية في الإنسان ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30] لأنه لابد للإنسان منها ، فإن سلك منهجها الصحيح كملت إنسانيته، وقويت شخصيته، وتحرر التحرر الصحيح الذي يرتفع به عن مستوى البهائم، وإن لم يسلك ما رسمه الله لعبادته في سائر نواحي حياته؛ فإن أمره سينعكس مهما حاول خلافه، فإنه إذا لم يحقق عبادة الله ويحصر اتجاهه إليه في كل شيء؛ استعبده الهوى والمادة، واستحوذ عليه شياطين الإنس بشتى أنواع المبادئ والمذاهب المادية والعصبية والنفعية، فتستعبده طواغيت الهوى وشياطين الإنس من اليهود وأذنابهم، كما حصل فعلاً لمن ينقاد لـ (كارل ماركس، وتروتكسي) اليهوديين اللذين نبشا مذهب (مزدك) اليهودي القديم، أو من يقدس (نيتشه، وداروين، وفرويد) وغيرهم من طغاة اليهود وملاحدة النصارى، ذلك أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بغير دين يدين به، وشيء يتألهه، إلا إن استطاع أن ينخلع من كيانه ودوافعه أو ينتزع نفسه من الحياة الكونية، ولن يستطيع ذلك كما سنفصله في سورة الأنعام آية (71) ويونس(66) والرحمن (33)-إن شاء الله-. والإنسان إذا لم يتجه إلى الله ولم يخضع لسلطانه فقد كفر به وآمن بما سواه من طواغيت المادة والشهوات، فإما أن يؤلُه نفسه أو يؤلُه إنساناً مثله من رواد المذاهب والمبادئ كما أسلفنا، وماذا وفر الناس على أنفسهم حين كفروا بربهم؟ آمنوا بأنفسهم وكانوا عبيدا لأهوائهم فكلفهم أعظم مما يكلفهم دين الله به أضعافاً مضاعفة، وتسلطت عليهم الأنانية المسعورة، التي زادت بؤسهم وشقاءهم، وجعلتهم يتقلبون من حرب إلى حرب أفظع، ومن ظلمة إلى ظلمة، مهما غالطوا أنفسهم وزعموا أنهم في عصر العلم والنور، فهم في عصر الجهل المركب، والمفاهيم المعكوسة التي جلبت عليهم الصراع والحروب الباردة والكاوية بين آلهة تلك المبادئ والمذاهب، التي آمن بها من رفض الإيمان بالله، واستجاب لأربابها من أعرض عن حكم الله، فالفرد الذي يعيش لنفسه، إنما يؤله ذاته في سلوك ما يريد، فإنه يزن الأمور وفق مصلحته الشخصية وآرائه السطحية، وقد يتسع أفقه فيهتم بأسرته أو يزداد اهتمامه إلى شعبه، بل إلى محسوبيه من شعبه، ومن هنا حصلت البلايا والفتن والمحن، وازداد الشقاق الذي لا نجاة منه أبداً إلا بالرجوع إلى الله، في كل ورد وصدر. والناس الآن على هذا النحو لم يتحرروا من الانقياد لإله ومن التقيد بدين كما يزعمون، بل وقعوا في عبادة آلهة شتى، ودانوا بباطل الهوى المتنوع الذي يطالبهم به الله أرحم الراحمين، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء:122]، ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان:44،43]، والأنانيون يقيدون أنفسهم بوجوب إرضاء مطالبها وتنفيذ رغباتها فوراً على أي حساب كانا دون اعتراف بحواجز أو اعتراف بأي حق لغيرهم؛ لأنهم أمام إلحاح من ضغوط مزاجهم السقيم، لا يستطيعون تأجيله، أو إلغاء بعضه، ولا يبالون بما يكلفهم من أثمان، ولا بما يجرون على البشرية من المجازر وإهدار الكرامة. ذلك أن النظرة المادية للحياة نظرة من شأنها أن تباعد بين الإنسان وبين ما فيه من خصال الخير المفطور عليها، وتسلخه من كل طيب حتى تمسخه شيطاناً أثيماً، وتجعله عدواً لبني جنسه، بل عدواً لنفسه من حيث لا يشعر - والعياذ بالله -فيكون من شر البرية، بل من شر الدواب، كما وصفه الله في عدة سور من القرآن، وكل هذا نتيجة الانفلات من عبادة الحق رب الخلق إلى عبادة الباطل من الهوى والشياطين المختلفة. فالعالم المعرض عن الله في هذا الزمان والمتخلف عن تحقيق عبادته يسيره في كل موقع أناس مسعورون تؤرقهم رغباتهم وشهواتهم، ويفرضون على الناس حبهم وتعظيمهم بشتى أنواع الدجل والتضليل، بحيث أصبح أغلب العالم أو كله مابين إله مشرع متسلط، وبين عبيد منفذين يساقون كالأنعام، فالله – جل وعلا – عاقب من لم يخضع لألوهيته بآلهة لا تقبل معذرة ولا ترضى بتسويف، وسلط على الملاحدة أهواءهم الضخمة ومحبوبيهم من دونه، فحملوهم ما لم يحملهم الله الذي لا يكلف نفساً إلا وسعها، وجعلهم يتحملون كثيراً من الأهواء والمخاطر في سبيل عبادة هواهم، ويتنازلون عن كثير من حقوقهم، وينحدرون بأنفسهم إلى ما يترفع عنه أولو الألباب الذين وصفهم الله، ويعيشون في جحيم من الاضطراب والتخليط في سبيل عبادة الهوى، ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:117]. إنهم صم عن الحق فلا ينفذ إلى مسامعهم، وبكم لا ينطقون به، وقلوبهم في عمى عن نور الله، إنهم هربوا من العبادة الصحيحة والدين القيم إلى أديان باطلة بأسماء مزخرفة يسيرها أرباب متفرقون مشيطنون بالدجل والتسلط، وتملكوا على مشاعر أتباعهم، وصادروا منهم كل عقل وتفكير ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾. وإنما قلنا: إن عبادة الله ضرورة اجتماعية، وفطرة أساسية؛ لأن الإنسان في هذه الحياة محتاج إلى عقيدة ونظرية يسعى على ضوئها، كما أنه لابد له من الخضوع لشيء ما والتعلق به، وإن الإنسان ساعٍ كادح، فإما أن يسعى فيما يسعده ويكدح إلى ما ينفعه أو يسعى فيما يشقيه ويخزيه، ويكدح لمن يستغله ويضنيه. وقد أثبت التاريخ أن لكل جماعة من البشر نظريات في تعليل هذا الكون وفلسفات يتمذهبون بها، وقوة تهيمن عليهم في سلوكهم، فإما أن يكون ذلك مرتكزاً على الحدس والتخمين، وتكون القوة ظاهرة عليهم وقاهرة لهم، من تسلط بعضهم على بعض، فهؤلاء يدورون من نظرياتهم في حلقة مفرغة، ينتابهم فيها التغيير والتحريف، ويشقون تحت سلطة من خضعوا له من الدجاجلة والطواغيت، ومثل هؤلاء، تتجارى بهم الأهواء وينتقلون من سيئ إلى أسوأ لما تجرهم نظرياتهم ودجاجلتهم إلى عبادة الهوى والمادة، فيكونون على الحال التي وصفناها، والتي تفاقم شرها في هذا الزمان. وإما أن تكون نظرياتهم منبثقة من مشكاة النبوة ووحي رب العالمين، وخضوعهم للقوة القاهرة العليا الناشئة من الإيمان بالغيب، فهؤلاء هم الموفقون لعبادة الله والذين يحييهم الله حياة طيبة، كما وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ومن هنا كانت عبادة الله ضرورة اجتماعية حتمية وفطرة أساسية، من تنكب عنها فقد ضل سعيه في الحياة الدنيا، وشقي بنفسه وشقي معه من يدور في فلكه، إذ لا صلاح لأهل الأرض إلا بتحقيق عبودية الله على الوجه الصحيح؛ لينالوا الخير في الدارين. [1] أخرجه البخاري في صحيحه برقم(59)من حديث أبي هريرة رضي الله عنه [2] لم أجده بهذا اللفظ. [3] أخرجه البخاري (13), ومسلم رقم (45). كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه. [4]أخرجه البخاري(9), ومسلم في صحيحه رقم (9) كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [5] أخرجه أحمد (4/130) من حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. [6] هذه الفقرة رويت من حديث أبي أمامة , وطارق بن شهاب, وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم . فأما حديث أبي أمامة فأخرجه ابن ماجه(4012) وأحمد(5/251) وغيرهما , ومداره على أبي غالب عن أبي أمامة وهذا إسناد ضعيف لضعف أبي غالب, ضعفه البوصيري في الزوائد وابن عدي في الكامل(6/369). وأما حديث طارق بن شهاب , فأخرجه النسائي (7/161), وأحمد (4/314) ومداره على سفيان الثوري عن علقمة عن طارق به. وطارق بن شهاب له رؤية فقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست له رواية , وعلى هذا فقد قال العلائي وأبو حاتم وغيرهما : أ ن هذا الحديث مرسل, انظر جامع التحصيل (1/200), والمراسيل لابن أبي حاتم(1/98). وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أحمد (3/19) , وأبو يعلى (2/353) رقم (1101)من طريق علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري به, وفي إسناده علي بن زيد وهو ضعيف. [7]متفق عليه : أخرجه البخاري(50), ومسلم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (6) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الوجود الحسي والروحي للمؤمن: الخامس والعشرون بعد المائة: أهل عبادة الله وجودهم غير محدود ولا يعرف الحدود؛ لأن وجودهم الحسي ممتزج بالوجود الروحي الضارب المحلق في أجواء الزمان والمكان جميعاً، والهادف لنيل الدنيا والآخرة، فهم على مستوى رفيع، مناقض لمستوى الماديين في الفهم والشعور والسلوك أجمعه؛ لأنهم يؤمنون بوجود لا ينحصر في العمر المحدود، وموقنون بتحصيل وعد غير مكذوب ﴿ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7-6] فوطنهم العاجل كل الأرض بحذافيرها، يسعون بكل جهودهم لاسترجاعها من الغاصبين المتمردين على حكم الله فيها، وينتشلونها من الظَّلَمة المتحكمين؛ لينفسح لهم المجال لحمل رسالة الله وتوزيع أنوار هدايته والقيام بإصلاح ما أفسده المبطلون؛ لينقذوا أهلها من ظلمات شرك الدجاجلة وعبث العابثين، ووطنهم الآجل الأكبر ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [آل عمران: 133] قد علمهم مولاهم – تبارك وتعالى- أن يقولوا لأعدائهم وأذناب أعدائهم : ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ﴾ [التوبة:52]. فهم لا يحزنون و لايحقدون و لايهنون ولا تلين لهم قناة، ثقةً بوعد ربهم القائل ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران : 139]، ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ ﴾ [ آل عمران : 160]، ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]، ﴿ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾ [الفتح:22]، ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} ﴾ [الفتح:23]، ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [ آل عمران : 111]. وهدفهم – دائماً- الانتصار لله وحمل رسالته وتنفيذ وصاياه في كتابه، ليس لهم هدف شخصي أو غاية نفعية، فينتابهم ماينتاب غيرهم من الماديين، فأما الماديون فوجودهم قصير محدود، ونظرهم كليل، وأبصارهم محجوبة عن رؤية الحق، واعتمادهم على أنفسهم القاصرة، لم يقدروا الله حق قدره ولم يلتفتوا إليه، ولم يعتمدوا عليه، قد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، وأعرضوا عن آيات الله، وكذبوا بوعده ووعيده وأخلدوا إلى الأرض والطين وأعرضوا عن الدين، فباسم خدمة الوطن كانوا عبيداً للأوطان بوحي الشيطان لا عبيداً للرحمن وفق أمره في القرآن بل عبيداً للمبادئ والمذاهب التي ابتكرتها اليهودية العالمية، فكانوا باتباعها خَدماً للصهيونية وقرة لعيونهم، ولو ادعوا خلاف ذلك أو أظهروا المعاداة لها، صادقين أو غير صادقين. فإن انتهاج خططهم هو خدمة لهم في الأمر نفسه وباطنه، ولكن الذي يعرض عن وحي الله تستهويه الشياطين، فيسلك سبل الغواية من حيث يطلب السؤدد والهداية ويخدم أعداءه، ويضيع طاقاته لمصلحتهم، وهو يريد حربهم وقهرهم؛ لأن الله أنساه نفسه كما نسيه وأعماه عن مصلحته ورشده، كما تنكب عن هديه ورغب في سواه. فهم قد انهزموا هزيمة عقلية انصاعوا بها إلى تقليد الماسونية اليهودية العالمية في كل شيء، وكانوا عولاً عليها في التثقيف وسلوك كل منهج تخطه في أي ميدان، فكأنهم انخرطوا في سلكها، بل بعضهم منخرط في سلكها باسم الإنسانية، لأنه لا يعرف منشأها ولا من يغذيها، فلذا كان هدفهم محدوداً وأملهم محدوداً وعمرهم محدوداً، يرجع عليهم بالخيبة والنكال، حسبما قضاه الله في سنته؛ لأن الشيطان يعدهم ويمنيهم ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [النساء: 120] وقد قدمنا توضيح معنى (الشيطان) في باب الاستعاذة أول التفسير، فليرجع إليه. وعلى الحقيقة فهم كلاب الدنيا يتجاذبون جيفها، ويتحاربون عليها، ويتناحرون في سبيلها، لهذا فهم يلهثون دائماً، كما وصف الله المنسلخ عن آياته، المقدّس للأرض، المتبع لشهواته بأنه (كالكلب)في سورة الأعراف، هدفهم الطمع والبغي والاستعلاء والإفساد في الأرض ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77]، ﴿ إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ ﴾ [يونس: 81] فعالمهم الذي فيه لذتهم ونكدهم وسعادتهم وشقاؤهم ودوافعهم وفق أهدافهم الرخيصة، متحدد بتحدد حواسهم البهيمية وحاجاتهم المادية وأغراضهم النفعية، فإذا ضاعت عليهم أو انتكست مقاصدهم بما يجري الله من سنته الكونية ضاع عليهم وجودهم كله؛لضيقه وسرعة اضمحلاله. ذلك أن فريقاً منهم يقول: (أعمل لوطني )، والآخر يقول: (أعمل لشعبي)، والآخر يقول: (أعمل لأمتي) والآخر يقول: ( أعمل لمبدئي أو لمذهبي )، والصادق منهم يقول: (أعمل لمعيشتي وتأمين مستقبل عيالي). وليس لهم تفكير فيما وراء ذلك من حمل رسالة الله ونصرة دينه، فضلاً عن العمل، ولذا قامت الفوارق العظيمة بينهم وبين عباد الله الروحانيين الربانيين الذين همهم تنفيذ وصايا الله فيما استخلفهم في الأرض، ومن تطهير الضمائر وإخراج أهل الأرض عامة من الظلمات إلى النور، من ظلمات المادية والأنانية التي يتمثل بها كل نوع من أنواع الشرك بالله إلى نور وحي الله الهادي إلى الصدق معه والإخلاص له بحمل رسالته، والجهاد في سبيله لنصرة دينه وإعلاء كلمته، وقمع المفتري عليه. فحياة هؤلاء غير محدودة؛ لأن عملهم خالد صحيح، وعمرهم موصول بالخلد الدائم والعقبى الحسنة في دار القرار ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169-171].
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (7) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري اتزان العبد وضبط طاقاته: السادس والعشرون بعد المائة: عبودية الله الحقة تضبط اتزان العبد الصادق، فيكون متزناً في سائر شئونه، لا يطغيه مال ولا عز ولا منصب؛ لأنه يعتبر المال نعمة من الله، وعارية معارة منه إليه، سيسترجعها منه وينقلها إلى غيره في وقت مجهول لا يعلمه، فهو إذاً ينتهز الفرصة في حسن التصرف به واستغلاله استغلالاً صحيحاً، يكسبه المحمدة والخير في الدنيا والدرجات العالية في الآخرة، ولا يطغى فيتجاوز حدود الله فيه، فيتطاول به على الناس، أو يصرفه في شهواته ويتشفى بسببه من هذا في سبيل هذا أو ذاك. أو يبغي فيه الفساد بأي نوع، شأن الماديين الذين لهم أسوة بسلفهم الخبيث (قارون) بل عباد الله المخلصون الصادقون يستخدمون النعمة استخداماً طيباً في جميع وسائل الخير، مبتدئين منها بنصرة دين الله والإنفاق في سبيله ومساندة أهل طاعته - مهما كانوا -، محاذرين وعيد الله بقوله: ﴿ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴾ [طه: 81]. وكذلك لا يطغيهم العز والنصر أو المنصب، أو تزيغهم أبهة الملك والسيطرة عما أمروا به وخلقوا من أجله، لاعتقادهم الجازم بأن الله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، ويَنزع الملك ممن يشاء، ويُعز من يشاء ويُذل من يشاء، وأن الله يبتليهم ويختبرهم بالخير والشر فتنة لهم، ليميز سليم القلب من سقيمه، فيراقبون الله ويستعملون ما أولاهم من نعمه في تنفيذ أحكامه، حافظين لحدوده، لايتعدونها قيد أنملة بل يكونون أمناء على ما ولاهم الله إياه وأوصاهم به. والتاريخ يشهد لعباد الله الصادقين بضبط الاتزان وحسن التصرف في نعم الله من مال وملك ووظيفة، بحيث أصبح تاريخهم مشرفاً بين الأمم، لم يتلوث بما تلوث به الماديون الزاعمون للحضارة والرقي والمدنية والمتبجحون بخدمة الشعوب، وهم جلادون للشعوب ومضللون لها، فهم شر البرية كما وصفهم الله، أما الأخيار فهم عباد الرحمن حقاً. الوجه السابع والعشرون بعد المائة: وهو أن من صدق الله فيما عاهده ويعاهده عليه من تكرار الضراعة إليه بـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] فهذا ينضبط توازنه في أخلاقه وسلوكه في جميع نواحي الحياة ويكون إنساناً صالحاً لا ينتفع بحياته هو فقط، بل ينتفع به غيره كما أمره الله، وبذلك يحيا حياة طيبة كما وعده الله إذا حقق العمل الصالح المنبعث عن خشية الله ومراقبة حكمه، ولايحصل التوازن وينضبط إلا بالجمع بين العلم والعمل والغاية والوسيلة، والمادة والروح، والمحبة والوجدان، والحكمة والعاطفة، فيحصل حينئذ الإنصاف مع الانتصاف، والإحسان مع الموجدة، والصلة في مقابلة القطيعة، والإعطاء في مقابلة الحرمان، والعفو عند المقدرة، والحلم في مقابلة الغضب، والجمع بين العبادة والعمل، بحيث لا تتعطل أي موهبة من المواهب عن استخراج أي مادة وتسخيرها في أي ناحية، ليحصل الجمع بين العبادة والجهاد بجميع وسائل الكفاح، والاستعداد بجميع أنواع القوة، على اختلاف نواحيها. فإذا توازنت هذه الطاقات وانضبطت في اتجاهاتها مع صلاح العمل المستقيم، وإخلاص القصد لله في هذا كله، حصلت الحياة الطيبة والنصر المبين، والسعادة في الدارين، وحصل الأمن الصحيح الكامل الشامل في الحياة وما بعدها، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82] فوعد الله بالأمن والهداية العامة في جميع النواحي والشئون لمن لم يخلط إيمانه بشيء من الظلم، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، كما هو مقرر، فقوله (بظلم) يشمل جميع أنواع الظلم في كل شأن وناحية، سواء كان في معاملة الخالق أو المخلوق، وقد دل العقل والنقل على أن الشرك ظلم، وإن الظلم في معاملة الله شرك، إذ الظلم في اللغة هو: النقص، قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ [الكهف: 33] والانتقاص من الحق ظلم لأنه انتقاص لصاحبه، وقد دل العقل على أن الإنسان لا ينتقص حق أحد إلا وهو مستهين به، مستخف بشأنه، لايخشاه ولا يرجوه، ولا يوقره، وإنه لا يترك امتثال المأمور إلا حين يستخف بالآمر ولايبالي به، هذا في حق المخلوق في معاملته مع مخلوق مثله، فكيف بحق الخلاق العليم، مالك الملك؟! ومن هنا حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن الظلم في معاملة الخالق شرك، فقد قال: (( إن الظلم هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال الله على لسان العبد الصالح لقمان: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾؟))[1]. وقال البخاري[2]: حدثنا محمد بن يسار، حدثنا ابن عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله قال: لما نزلت ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه، فنزلت:﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. وينبغي أن نعلم أن معاملة المخلوق لها ارتباط بمعاملة الخالق، والوقوف عند حكمه وحدوده، ومن أمعن النظر في جميع المفاسد والأخطار والجرائم، وجدها ناشئة عن اختلاف التوازن، سواء في السلوك الفردي أو الجماعي، فسورة الطيش والغضب والكبرياء والحقد، والشح والهمز واللمز والخيانة والسب، ومؤامرات السوء بسائر أنواع المكر، والسرقة والكذب والاحتيال والقتل، وسائر الجنايات، والبغي والنفاق بجميع فنونه، والانهماك في الحسد، والانطلاق في إشباع شهوات النفس ورغباتها على حساب الآخرين، كل هذا وأمثاله سببه اختلاف التوازن الناشئ من عدم مراقبة الله، وتحقيق عبادته والاستعانة به - جل وعلا- في كل شيء، وكلها تؤدي إلى فساد المجتمعات وتؤذن بخرابها، لأنها السبب في إثارة العداوات واستفزاز الغضب والوثبات، المؤدية إلى الحروب الفاتكة المخربة المعدمة، كما جرى وسيجري أضعافه؛ لأن العالم المادي اليوم يتسابق في صنع ما يدمر المدنية، ويفتك بالحياة من تأثير ما ذكرناه، ومن تقديس العقل وإيثار المادة والنفعية على ما سواهما من الروحانيات التي بها تقوم السموات والأرض، وينضبط التوازن. وكل الجريمة تعود في ذلك على اطراح وحي الله فيما أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - والكفر بالغيب وقصر الإيمان على المحسوس الملموس، مما ركزه طغاة اليهود في مذهب (دارون وفرويد) وغيرها من المذاهب اليهودية التي حلت وأفسدت مجتمعات أوربا وأمريكا، وأخذت الشيوعية منها بقسط، والرأسمالية بقسط، وكلتاهما في الكفر والخبث سواء، وسلوكهما الباطل واختلال توازنهما سيجريان على العالم مختلف الويلات والدمار الرهيب، الذي لا يعلم مداه إلا الله، وهما وإن كانت تقع عليهما المسئولية مباشرة، لكن السبب في ذلك هو تخلي ورثة محمد - صلى الله عليه وسلم - عن القيادة، وانحطاطهم إلى هذه الحالة المشاهدة التي جعلتهم لا في العير ولا في النفير، ولو صدقوا ما عاهدوا الله عليه من حصر العبادة بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأنقذوا العالم وطهروه من كل فتنة. فورثة محمد - صلى الله عليه وسلم - يجب عليهم القيام بإصلاح هذا الكون، وأن يفتحوا القلوب قبل البلاد، ويقوموا بتطهير الأرض من كل كفر وظلم وفسق وفجور، وأن يكونوا قوامين بالقسط، كما أمرهم الله، دافعين للباطل بسيوف الحق، التي هي سيوف الموحدين، وما يؤيدها من أنواع الحديد، وهذه المهمة لا تتحقق لهم إلا إذا ضبطوا توازنهم بحيث تتوازن جميع طاقاتهم، فلا يطغي بعضها على بعض، ولا يتعطل بعضها لحساب بعض، أو يتحد بلا حساب، فإن التوازن في داخل النفس البشرية حسبما رسمه الله هو الواقي من كل انحراف يكون في المجتمع، وهو الوسيلة لتفجير الطاقات، وبتحقيقه يصدق العمل للقول، وبعدمه يكذب العمل للقول؛ ولذا قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2-3] والمقت: أشد أنواع الكره والغضب. وإذا كان مختل التوازن بهذه المنزلة عند الله فلا عجب من حالتنا اليوم؛ لأن الذي يمقته الله لا يوفقه ولا يرحمه الرحمة الصحيحة الخاصة بالمؤمنين، ولا ينصره على أعدائه، بل يسلطهم عليه، ويمده في الغواية مداً، بدلاً من أن يرده هداية ورشداً، والله ليس بظلام للعبيد، فمن طغى عليه حب المادة وإيثار زهرة الحياة، هانت عنده حدود الله، وضعفت قوته في أمر الله، فكان باخساً لحق الله، مطففاً في معاملته معه، لم يخص الله منه، ولا بمثل معاملته للمخلوق، فهذا لم يكن من أنصار الله الذين كتب الله على نفسه نصرتهم، وتحقيق الغلبة لهم في الدارين، ووعدهم أن يحييهم حياة طيبة يهنئوا فيها بالأمن والسعادة، بل انعكست حاله، فكان في أمر مريج وعيشة ضنك، لا يستريح فيها مع وفرة ماله، وطيب مساكنه، وارتفاع رتبته بين البشر، فوجود ما ينغص عيشته من الأخطار والمخاوف والإرهاصات المتنوعة، والحروب التي ينتظرها ويستعد لها، أو التي يتقلب فيها مابين حروب باردة أو كاوية، فلذاته ممزوجة بالمخاوف والمصائب. وكذلك من طغى على قلبه حب لهو الحديث المتنوع والمجون، على حب ذكر الله وما نزل من الحق، أو طغى على قلبه حب شهواته ومعشوقاته على حب الله ورسوله، فهذا وهذا لا تندفع جوارحه في طاعة الله وتحقيق عبادته على الوجه المطلوب، من المسارعة في مرضاته وحمل رسالته والجهاد في سبيله لنصرة دينه، وقمع المفتري عليه، بل على العكس من كل هذا، وهذا يندفع اندافعاً بهيمياً إلى إشباع شهواته ونيل ملذاته، والتذوق من كل صوت حرام ومأكل ومشرب، ويكون على حد قوله تعالى:﴿ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ [محمد: 12]. وهناك نوع آخر طغى ويطغى عليه التنسك إلى حد يقطع صلته بالواقع، أو يجعله يقتصر من دينه على صلوات ونحوها دون أن يهتم بشئون الحياة ويسعى لتسييرها على وفق شرع الله، فإنه يكون مفرطاً في جنب الله، ومتجاهلاً نفسه غير محترم لها في الوقت الذي يظن أنه قد احترمها وصرفها إلى عبادة الله، ويكون مخرجاً نفسه من الخيرية العظيمة التي هيأ الله أمة محمد لها، وأساء إلى دين الله بفسحه المجال لأهل الباطل، وإحداثه فراغاً هائلاً ينفذون منه في كل ميدان إلى ما يريدونه؛ لأنه بجموده قد ترك ثغور الإسلام الأخرى في جميع ميادين الحياة مفتوحة لغزو كل مبطل. والتصوف - وإن قل - فقد خلف أهله رجالاً هم الأكثرون من محسوبي الإسلام يصلون صلاة هي مجرد حركات، لا يلتهب بها شعورهم وحماسهم، ويصومون كصيام البهائم المحبوسة عن الطعام، ويحجون ويعتمرون دون أن يشهدوا منافع لهم، بل يشهدوا الزحام واللكام، ويتبادل بعضهم الشتائم، ويرجعون دون أن ينتفع دينهم من نسكهم بشيء، وهكذا مما تنكبت به الأمة عن حال سلفها، فضاعت كرامتهم، وتبددت طاقاتهم، وكانوا مدداً لأعدائهم من حيث لا يشعرون. ومن هنا نفذ علينا اليهود وأفراخهم النصارى وتلاميذهم من أبنائنا الذين انصبغوا برجسهم وثقافتهم، فانصبغت أكثر المناهج في سائر ميادين الحياة بصبغة مادية وثنية إلحادية، بعيدة عن حكم الله فيما أنزل، والسبب الأكبر في ذلك يعود إلى اختلال التوازن في المسلمين - سوقتهم وسراتهم - وقصرهم الدين على جهة دون جهة، مما جعلهم عرضة للغزو المتنوع، وجعل المسلمين في عقر دارهم، فيهم شبه من مسلمي (أوربا) ومسلمي (روسيا) اليوم، ويقيمون بعض الشعائر ويصلون في المساجد، لكن أولادهم في معزل عنهم ويتولى تربيتهم من لا يرضي، في دينه وأمانته، وكل هذا من اختلال توازنهم وانعزالهم عن أزمة الأمور، في جميع ميادين الحياة، وتصميهم على سلب دون إيجاب، فصارت عبودية الله كأنها في شيء دون شيء، والله أوجب على عباده العمل على إقامة حكمه وتسيير دفة الأمور وفق شرعه في كل ناحية وألا يندفعوا مع أي تيار أو يسايروا أحداً حيث سار، بل يدفعوا تيار الباطل، ويدفعوه بوحي ربهم، ويُسيُروا العالم على ضوء هدايته ببذل غاية مجهودهم وتفجير أقصى طاقاتهم، امتثالاً لقوله تعالى:﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ [الحج: 78] لا بعض جهاده، بل بالمبالغة في ذلك، وهذا إذا حصل توازنهم بتحقيق عبودية الله، ولم يحصل فيهم الاختلال. الثامن والعشرون بعد المائة: الضارع إلى الله صدقاً بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يتجرد من جميع مؤثرات الجاهلية بكافة أنواعها، سواء المألوفة عنده في بيئته أو المستوردة عليه، فينخلع عنها وتبدأ منها عن بغض وعداء، مكتفياً بتلقي الهداية في جميع شئونه من كتاب ربه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، والجاهلية ليست رسماً خاصاً أو صبغة خاصة مقصورة على قرن أو قرون مضت. إنما الجاهلية: كل سلوك مخالف لملة إبراهيم وشريعة سيد المرسلين في أي ناحية من نواحي الحياة، والجاهلية التي ينتهجها أكثر الناس اليوم أفظع من كل جاهلية سبقتها؛ لأنها باسم العلم والفن تجعل الناس بمعزل عن منهج الله في الحياة، بل فيها الاعتداء الكامل على سلطان الله في الأرض، والسيطرة على عبيده بكل ظلم ومهانة، والجناية على عقولهم بالدجل والتضليل، وقتل أرواحهم بالأفكار السامة والعقائد المنحرفة التي تضيع دينهم ودنياهم، وفيها من الإغراء على كفر النعمة وإنكار الخالق، أو التنكر لدينه وشريعته والتنديد بها، مما هو تهجم على حكمته واستهانة بعزته، وفيها من التحسين للخلاعة والرذيلة والعمل على إذهاب الحياء ما لا تقبله جاهلية أبي لهب وأبي جهل، فأكبر مهمة للعابد لله تغيير واقعه مما حل به من أنواع الجاهلية بأي وصف ولقب وأي خطة، بل من ضروريات الصدق للضارع إلى ربه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ أن ينخلع من كل عمل أو قول أو اعتقاد جاهلي، وأن يتخلص من ضغط أهل مجتمعه، فلا يصطلح معهم أو يتفق أو يلتقي معهم في أي ناحية، فلا يتعامل في سوقه معاملة جاهلية مبتعدة عن شريعة الله، ولايلتقي مع أي مصرف عمولته على خلاف شرع الله، ولا يلتقي مع أي مصرف في عمولته على خلاف شرع الله، ولا يدخل أولاده في أي مدرسة يكون التعليم فيها على خلاف ملة إبراهيم وشريعة سيد المرسلين، ولا تجره المصلحة العائلية المزعومة إلى الهزيمة بإدخالهم في أي مدرسة كانت فيها خطر على العقيدة بما يخالف التصور الإسلامي الصحيح،ولا يسمح في بيته بدخول أي لون من ألوان الجاهلية من التبرج وإظهار المفاتن أو تضييق الثياب، أو الحفلات الحديثة النابية عن أخلاق الإسلام، فضلاً عن الاختلاط والعياذ بالله، بل تكون مهمته السامية أن يستعلي على هذا المجتمع ويترفع عن جميع عاداته ونظمه، وأن يعمل على تغييره بكل وسيلة من وسائل الحكمة، والتوجيه بسائر وسائل النشر والإعلام المختلفة، لا تخالطه الأنانية والميوعة، فلا يحاول الركون إليه أبداً؛ لأنه يحرمه أن يعيش كما يطلبه الله على وفق شريعته إما بالدجل والتضليل أو بالقهر والضغط المتنوع؛ لأن المجتمع الجاهلي - مهما اختلف اسمه ولقبه- يدعي بعض أهله أن لهم الحق في وضع التصورات والقيم وسن القوانين والنظم التي يجب خضوع الباقين لها؛ مما يجعل بعضهم أرباباً يشرعون وبعضهم عبيداً ينفذون، وقد يدعي الجميع منهم أن له الحق في سلوك ما يهواه، فكيف يلتقي معهم العابد لله حقاً؟ طبعاً لا يلتقي معهم إلا المطفف مع الله أو الجاهل بحكم الله. التاسع والعشرون بعد المائة: العابد لله حقاً والضارع إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يعلم أنه لا يصلح نفسه ولا مجتمعه، بل ولا يصلح جميع أوضاع العالم، إلا بتحقيق عبادة الله وإقامة دينه حسبما شرعه، وليس حسب نظريات قلقة من فلسفات اليهود والملاحدة باسم الحرية والديمقراطية أو الاشتراكية.. إلى آخر المصطلحات الجوفاء. فإن العدالة المطلوبة المنشودة في كل هذه المصطلحات السابقة إنما ينبثق فيه المجتمع من التصور الإسلامي الصحيح المرتكز على عقيدة توحيد الألوهية، التي يرد الأمر فيها كله لله ويقبله عباده الصادقون عن رضا وطواعية وتسليم لأمر الله ورسوله. فلا يطمع أحد بغير ما آتاه الله أو يحقد على غيره من أجل ذلك، كما لا يحاول أحد أن يوجه الناس ضد قضاء الله وقدره، كما يجري ممن ينازع سلطان الله بحكم الأرض أو بعضها على خلاف وحيه الذي بعث به نبيه وعمل به هو وصحابته. فقد بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - والمجتمع العربي فيه أنواع من البؤس والنزعات الطائفية، والاستعمار المحيط به، فلم يأمره بالدعوة إلى قومية يتكتل فيها العرب، ولا بالدعوة إلى اشتراكية يغريهم فيها بالمساواة الكاذبة. ولو دعا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك لاستجاب له أكثر العرب أو كلهم بلا عنت ولا عناء، ولكن الله يعلم أن هذا ليس طريقا مجدياً لحمل الرسالات، ولا لتطهير الضمائر أو إصلاح الجوارح، كما أنه ليس الطريق الصحيح لتخليص الناس وتحريرهم من عبودية بعضهم لبعض واستعداء بعضهم على بعض. فالعبودية الحقة الواجبة لله عى الخلق هي سيطرة سلطان الله على الضمائر والجوارح وسائر الأحاسيس. الثلاثون بعد المائة: بتحقيق عبادة الله يعرف الإنسان نفسه فيغالي بقيمتها، ذلك أنه لا يعرف قيمة نفسه إلا الذي يعرف الله حق معرفته، ويقدره حق قدره، فينزهه عن العبث، ويتيقن أنه لم يخلق السموات والأرض ومابينهما باطلاً؛ لأن ظن الذين كفروا، والله لم يخلقهما إلا بالحق وأجل مسمى، لنهاية لم يطَّلعْ عليها أحد من خلقه، ثم يعرف وظيفته في الأرض وأن اقامة فيها خليفة له، فيتصور وظيفة الخليفة وواجب الخليفة، وذلك التصور ناشئ من اعتقاد أنه لم يخلقه الله عبثاً، تعالى الله وتقدس عن ذلك. وعلى أساس ذلك يشمخ برأسه، متشرفاً بوظيفته العالية الجليلة، مراعياً خدمة مولاه العلي العظيم في تحقيق أوامره، وتنفيذ وصاياه وتشريعاته، مترفعاً عن الخيانة في ترك شي منها، أو التقصير في تنفيذه، وهنالك يتمسك بوحي ربه الذي أورثه إياه من نبيه، وأمده به قبساً ونوراً يهتدي به ويهدي سواه، كما أمره وأوجب عليه، فيعرف قيمته وشرفه بين المخلوقات من ناحيتين: إحداهما: أنه خليفة للملك العظيم، مالك الملك، إله السموات والأرض، فكما يعتز من هو نائب الحاكم من حكام الدنيا باستخلاف الحاكم له، فإن اعتزاز المؤمن العارف بوظيفته لله، والراجي مقامه عند الله، أعظم من اعتزاز ذلك أضعافاً مضاعفة، وهذا الاعتزاز يكسبه الاستمساك بوحيه، والقوة في تنفيذ أوامره، والغلظة على مخالفية، ومحبة أحبابه وأهل طاعته وموالاتهم، وبغض أعدائه المنابذين لوحيه ومعاداتهم ولو كانوا أقرب قريب. ويعلم حق العلم أن الله أقامه مقام القيادة والتوجيه، فلا يقصر في استلام القيادة، ولا يتراخى في مسكها، ولا يقصر في توجيه عموم البشرية إلى الله بما أوحاه إليه، ولا يجمد في قصره على أسلوب واحد أو تصريف واحد، بل ينوع أساليب هدايته ويصرفها إلى كل مثل، ويشبع بها كل مادة، ويكيف بها كل برنامج من برامج التعليم، ومواد النشر والإعلام المختلفة مستغنياً بوحي ربه، المتضمن لكل هداية، والمتكفل بالرد على كل ناحية من نواحي الإلحاد والنظريات المختلفة،والوافي بجميع الحلول لكل المشاكل، معتقداً كفايته عما سواه. ثانيتهما: إنه وارث لنبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في حمل رسالته وتبليغ دعوته وتوزيع أنوار هدايته، وأن يسلك مع الناس نفس المسلك الذي سلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحصر التلقي من هذا الرسول، كما كان هو حاصراً للتلقي من عند ربه، لا يطيع آثماً ولا كفوراً، متحذراً من كل واحد أن يفتنه عن بعض ما أنزل الله إليه، غير متبع أهواءهم في أي شأن من الشئون، فكذلك المسلم الوارث لنبيه يحصر تلقي الهداية على سنته قولاً وفعلاً، وإقراراً، مما هو تبيين لكلام ربه، ولا يتعداه مثقال ذرة، ولا ينخدع بزخارف القول من غير المسلمين المؤمنين، ولا يسلم لشيء من نظرياتهم المخالفة لمدلول وحي الله، أو ينهزم هزيمة فكرية أمام ما يزعمونه من اكتشافات يظهر بها مؤقتا مما يخالف الوحي، لأن اكتشافاتهم مهما اطردت وتطورت فهي قاصرة جداً، والجديد منها ينقض القديم، ولا يزال الله يريهم من آياته وعجائب صنعه وقدرته ما يتبين لهم به أنه الحق، كما وعد بذلك في الآية (53) من سورة فصلت. فالمؤمن بالله العابد لله المغالي بقيمته بين العالم، لا ينهزم فكرياً أمام ما يذيعونه من نتائج اكتشافاتهم، جازماً أن ما خالف الحق منها سيكذبه اكتشاف جديد موافق لوحي الله، سواء كان قريباً أو بعيداً؛ لأن الله عز وجل لا معقب لحكمه ولا مبدل لكلماته، وكل ما أخبر به على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. لابد أن يتحقق وأن ينكشف كذب غيره، وأن تنعكس حالة كل من خالفه وابتغى الخير في سواه، وبهذا اليقين يصمد ثابتاً لا يتغير بشي من جعاجع الناس وفراقعهم، ولا يستخفونه بتقليدهم أو إصدار فتاوى موافقة لأهوائهم ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [المؤمنون: 71]؛ لأنهم إذا استخفوه وفتنوه فغيروا مجرى سيره، تدنى برأسه وسقط إلى مستواهم المادي البهيمي ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 10] وحينئذٍ تذهب ميزته المحمدية بين سائر الأمم. الثاني والثلاثون بعد المائة: هو أن المستعين بالله يملك نفسه ويملك وقته، ويحتفظ بحرية الحركة تلقاء ما يواجه من أمور الحياة طيبها ومكروهها، دون أن يخيفه شيء أو يعوقه أي مؤثر، فيعتمد على الله ثم يثق بنفسه، فيمده الله بقوة معنوية يقدر بها على فعل الكثير، دون استمداد من أحد أو انتظار عونه، وإنما بالاستعانة الصادقة بالله، يحرك قواه الكامنة ويفجر طاقاته وملكاته المدفونة فيه، ويستغل كل فرصة متاحة له دون أي تفريط أو تسويف، فلا يؤجل عمل اليوم لغد، أو يتريث عنه متعلقاً بالأماني؛ لأن ذلك مخالف للاستعانة، ومؤخر أو حارم من حصول الخير. فالاستعانة الصحيحة بالله أعظم دعامة لتحقيق المستقبل وتخفيف عبئه، وتحمل مشاق لتنفيذ كل منهاج في الحياة، والمستعين بالله حقاً ينجح بين العدة الروحية والمادية فلا يخيب مسعاه بإذن ربه، وضده إما أن يغفل أو يكسل، فتطول فترة عنائه التي يبتغي الخلاص منها، وإما أن يقتصر على الماديات مغفلاً جانب الله إلى نفسه من جهة، ويسيره حسب سنته الكونية بما يشقيه - وإن نجح مؤقتاً - لحكمه قضاها الله لاستدراجه وعقوبة غيره به. فإنه لابد من انعكاس أمره كما جرى لكل أمة منحرفة في القديم، وللأمم الشيوعية في الحديث، كذلك من نحا منحاها أو قابل باطلها بباطل معاكس له، ولم يقابلها بما نزل من عند الله من الحق، فإن هذا النوع من الناس تئول به جهوده إلى الانحدار والهزيمة حسياً ومعنوياً، مهما عالج أو غالط، فالله غالب على أمره. الثالث والثلاثون بعد المائة: العابد لله يطهر قلبه من أدران الذنوب وينقيه من الوساوس، ويصقله بذكر الله والتوبة، نادماً متحسراً على كل لحظة فاتت، متلهفاً على ما فرط منها غير عمل صالح، ومتحسراً على ما أمضاه منها في باطل، ومنتهماً على المزيد مما صلح منها، وقد أورد الأصبهاني حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله، وسوء عمله، وإنما العمال بخواتيهما والليل والنهار مطيتان، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغتر أحدكم بحلم الله،فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله))[3]. ففي هذا الأثر حض على اغتنام فرص العمر وترك التسويف في الطاعة والتوبة والاستزادة من الأعمال، وعدم الاغترار بإمهال الله وحلمه، ويا عجباً ممن ينظف منزله ومتجره ومكتبه كل يوم، ويجدد لذلك الأثاث والبضائع، بل يجدد ثيابه وينظف ما تدنس منها دائباً، ولا ينظف قلبه، ولا يجدد لكل خطيئة أو تقصير توبة، ولا يصفي قلبه لله من كل شيء، كل هذا من الغفلة والغرور ولا يرضى لثيابه بالدنس، ويعمل على دنس قلبه، بل على مزيد منه بترك تطهيره، وفي الحديث: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقلت وإلا علت قلبه، فذلك الران الذي قال الله فيه: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾))[4]. فالعابد لله يراقب الله بمحاسبة نفسه على كل خطرة أو نظرة، وعلى كل حركة وسكون ليصقل قلبه من سواد المعصية فعلاً والتقصير في الطاعة فلا يلقى الله بقلب أسود، فإذا تدنس ثوبه ذكر دنس قلبه فسعى لتنقيته وتطهيره قبل ثوبه؛ لقوة معرفته أنه محل نظر الله. وإنما كان العابد لله منقياً لقلبه منزهاً لأحاسيسه ليسلم تفكيره مما سوى الله، فتنضبط جوارحه وحركاته وفق حدود الله، فتكسب نفسه الاعتدال والتوازن، وكلما اعتراها شيء من نزعات الشياطين أصلحه بمراقبة الله والتوبة النصوح؛ ليرجع إليها توازنها واعتدالها، فلا تفقد مدد الله، فإن الإنسان في أشد الحاجة إلى تعهد حياته المعنوية والتنقيب في أرجاء نفسه، ليعمل مايصونها من التفكك، والعلل الناشئة من الشرك الذي هو اتباع الهوى، أو المعصية التي لا تكون إلا من غفلة أو غيبوبة منهزم عقل. فإن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يتماسك مع حدة الاحتكاك بأنواع الشهوات والمغريات، وتأثير وساوس شياطين الجن، وقرناء السوء من شياطين الإنس، وهذه عوامل الهدم في الكيان البشري، تهدم الضمير وتسلب العقل وتقضي على الفطرة، ولا ينجي منها إلا مواصلة الجهاد في تنقية القلب وتطهيره مما سوى الله، ولذا كان المؤمن دائماً في جهاد أكبر، لحماية مملكته الغالية التي بين جنبيه من استعباد الهوى والشهوات، واستعمار شياطين الجن والإنس لها. الرابع والثلاثون بعد المائة: عبودية الله تستلزم الإخبات له، فالعابد لله يكون مخبتاً له، والإخبات: الاطمئنان، فهو النزول بالنفس عن الكبرياء والغطرسة بأن تستذل لله وحده، وترى فقرها وحاجتها إليه ملازمين لها،ويسمى المكان المطمئن في اللغة: (خبتاً) والإخبات لله هو: الذل والاطمئنان عند ذكره خوفاً ووجلاً، والرضا بقضائه بالصبر على المصائب، وهو عدم الجزع والهلع لا الاستسلام بالكلية، بل يعالج قضاء الله بما قضاه من الأشياء التي تدفعه أو تخفف وطأته، وأ، يكون العابد مقيما للصلاة، مصطبرا عليها كما أمره الله، ليستعين بها على طاعته وتنفيذ وصاياه، وأن يجود بماله بالإنفاق فيما يرضي الله. وقد أوضح معنى الإخبات في قوله عز وجل: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الحج: 35-34] فالإخبات من لوازم العبودية؛ لأنها مبنية على الذل والخضوع ومنه يسمى الطريق الممهد المذلل بالآلات معبد، لكن هذا الذل لا ينبغي إلا لله وحده، أما لسواه فلا يكون محموداً، بل هو جبن وخنث وميوعة، وقد يكون شركاً والعياذ بالله. وبعكس المخبت (المغرض الانتهازي) الذي يعبد الله على حرف، فإن نال خيراً ونجاحاً عاجلاً رضي واطمأن به ومن أجله، وإن أصابه شر أو انتكس مقصوده بحدوث فتنة أو محنة سخط على الله، وانقلب عن طاعته أو شك فيه - والعياذ بالله - فهذا ليس من العابدين لله، بل هو انتهازي ليس عنده إيمان ولاعقيدة، وعاقبته الخسران المحتم من الله في قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [ الحج: 11]. الخامس والثلاثون بعد المائة: العابد لله يلتفت إلى حكمة في مصالحة الأمور، فيدفع الشر والإساءة بالتي هي أحسن، ويكون حكيماً في المعاملة، يستجلب الود والإخاء، ويعفو عن الزلات، ويقابل المسيء بالإحسان، ليستبقي مودته، ويكسب صداقته، بدلاً من أن يشاوره، فيستعجل الخلاف، ويتفاقم الشر، ويعظم الخطر، ويتسع الصدع، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34] وهذا إذا كانت الإساءة ليس لها مساس بالدين أولاً، ولم تصدر من خبيث الطبع ثانياً، ولم تتكرر ثالثاً، فإن كان لها مساس بالدين وجب الغضب لله، غيرة له وحمية لدينه، فيعالجها بمقتضى الشرع من إزالة المنكر، وتأديب فاعله حسب حاله، وحال خطيئته، ناوياً بذلك رحمته بتطهيره مما قال أو فعل مع نصرته للحق، فإن الرحمة الصحيحة لا تتحقق إلا بذلك، فرحمته بنصحه وزجره وتأديبه ليرتدع فتطهر جوارحه وأحاسيسه من رجس الخطيئة وشؤمها، وتركه غش له وإيذاء لجوارحه، وتنجيس لروحه، وخيانة لرب العالمين وإخلال بعبوديته. وأما خبيث الطبع فلا ينفع معه التسامح، ولا يجدي فيه المعروف والإحسان، بل يزيد في تمرده وغروره واستعلائه على الأخيار، فعلاجه ودفع ضرره بقمعه بالعقوبة الرادعة الملائمة، نصحاً لله ولكتابه ولرسوله وعباده المؤمنين، وما أحسن قول الشاعر: واخش الأذى عند إكرام اللئيم كما ![]() تخشى الأذى إن أهنت الحر ذا النبل ![]() إن الصنيعة للأنذال تفسدهم ![]() كما تضر رياح الورد بالجعل ![]() وكذلك من تكرر بإهدار الكرامة والنيل من المؤمن، وإن لم يكن خبيث الطبع فإنه يردع حتى لا يكون ذلك سجية له، فيكون ردعه تهذيباً له ورحمة. فالعابد لله يجمع بين الصبر والانتفاضة، وبين الحلم والغلطة حسب الحدود الشرعية، بحيث لا يطغي كل منهما على الآخر، وقيل: لئن كنتُ محتاجاً إلى الحلم إنني ![]() إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ![]() ولستُ أود الجهل خدناً وصاحباً ![]() ولكنني أرضى به حين أحرج ![]() السادس والثلاثون بعد المائة: عبودية الله توجب على العابد اعتزال المخالفين صراط الله، المنابذين لوحيه،فلا يجالسهم أو يقترب منهم، إلا لمصلحة دين الله، وما يستوجب خدمة عباده الصادقين، ولا يخالطهم على باطل أو يجلس معهم وهم يخوضون في آيات الله؛ لأن العامل لشيء من ذلك مخل بعبودية الله، بل قد انطفأت جمرة الغيرة لله من قلبه، لنقص حب الله فيه أو انعدامه منه والعياذ بالله، وقد قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68]. السابع والثلاثون بعد المائة: عبودية الله توجب على العابد ألا يوالي من خالف أوامر الله أو تجاوزه حدوده، أو عمل على إيذاء المؤمنين أو التنكيل بهم، ولا يتعاون مع فاعل ذلك، ولا يعينه، ولا يدفع عنه عقوبة، ولا يحسن إليه؛ لأنه بذلك يكون مسيئاً إلى الحق وأهله، مشجعاً للباطل وفاعليه، ومؤذياً أولياء الله، وناصراً أعداءه، وبذلك تكون المبارزة لله بالمحاربة كما ورد في الحديث القدسي: ((من عادي لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة))[5].. الحديث. بل عمله منافٍ لأصل التوحيد من الحب في الله والموالاة لأجله، والبغض في الله، والمعاداة من أجله. فالعابد لله لابد أن يعلن البراءة ممن انتهج غير شريعة الله وحكمه، واتبع غير سبيل المؤمنين، حاله في ذلك حاله أبينا إبراهيم إذ تبرأ من قومه المشركين. الثامن والثلاثون بعد المائة: فالعابد لله حقاً يكون صادق الوعد، لا يلويه عن الصدق أي مصلحة أو شهوة، وقد مدح الله نبيه إسماعيل عليه السلام بأنه كان صادق الوعد، وذم المنافقين بإخلافهم الوعد وترك الصدق في قوله تعالى:﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75-77]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً))[6]. وقيل له - صلى الله عليه وسلم -: أيكون المؤمن جباناً؟ قال: ((نعم))، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال (لا))[7].التاسع والثلاثون بعد المائة: والعابد لله يأمر أهله بالصلاة والزكاة مصطبراً على ذلك، ممتثلاً أمر الله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه:132]. والأهل يشمل الأولاد ذكوراً وإناثاً، والزوجات، والإخوان، والأخوات، وسائر الأقارب أصولاً وفروعاً. ويتسع معنى الأهل باتساع القدرة ونفوذ الكلمة، فالحاكم يدخل في عموم أهله جميع رعاياه مهما كثر عددهم واتسعت بلادهم، فهو مسئول عنهم جميعاً. والصلاة عمود الدين، وهي الفارق بيننا وبين المشركين، والمسلم المؤمن مطالب من الله بقتال الناس حتى يشهدوا الشهادتين، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإذا كان مطالباً بقتالهم، فكيف يغفل عمن هم تحت يده، أو يهملهم في إقامة هذه الشعائر؟!! الأربعون بعد المائة: عبودية الله تقتضي تحقيق ألوهيته في الأرض كألوهيته في السماء، فتخضع القلوب لسلطانه، وتنقاد الجوارح لطاعته وتمتلئ القلوب من محبته وتعظيمه، وتندفع جميع القوى والطاقات في نصرة دينه، وقمع المفتري عليه، وجعل الحاكمية له وحده، وتكريس كل الجهود لانتزاعها من كل ظالم وطاغوت يريد الاستبداد بها وفق أهوائه. فالعابد لله لا يقر أحداً على ذلك، فضلاً عن أن يخضع له؛ لأن من أقره وخضع له طوعاً يكون عابداً له قد اتخده نداً لله سبحانه وتعالى. أما الخاضع له والمنفذ لحكمه استحساناً فهذا مشرك، بخلاف المرغم عليه وهو ساخط، فإن حكمه حكم من أُكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. فإن عبادة الله تحصر السلطان له وحده في سائر ميادين الحياة، ولا تعتبر لعباد الله جنسية سوى العقيدة التي يتساوى فيها جميع الناس، والخارج عن ذلك ليس عبداً لله ؛ لأن عمله مناقض لمدلول الشهادتين. الحادي والأربعون بعد المائة: العابد لله حقاً عن حب ومعرفة، هو الذي يخر لتلاوة آيات الله خاشعاً مسبحاً، وإجلالاً لعظمة الله وتقديراً له حق قدره، واعترافاً بجميله، وقياماً بشكره، فيتدبر ما يتلوه أو يتلى عليه من وحي ربه، ويعمل بمدلوله بعد تفهمه الناتج من ذلك الخشوع والتدبر والتعظيم، فيكون هادياً مهدياً، صالحاً مصلحاً، مهتدياً بنفسه، داعياً إلى ربه، موزعاً لأنوار الوحيين، مصلحاً بها قلبه، مطهراً بها جوارحه، وساعياً لإصلاح ما قدر على إصلاحه من أهل الأرض على ضوئها، فيكون خليفة صالحاً لله في أرضه، كما أوجب عليه، وخلقه من أجل ذلك، ويكون مقتدياً بنبيه - صلى الله عليه وسلم - محسناً التصرف في ميراثه، مستجلباً بذلك مدد الله ونصرته على أعدائه مهما كانوا، ويحقق إنسانيته الكاملة بانتفاعه بكتاب الله علماً وعملاً. أما من كان على خلاف ذلك فقد دسى نفسه، ونزل بها عن مستوى الإنسان الرفيع إلى مستوى الحيوان الوضيع؛ لأن من لم ينتفع بوحي الله من كتاب وسنة وقد حمله الله إياه فهو كالحيوان، بل شبهه الله بأبلد البهائم وأخسها، فقال: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ [الجمعة: 5] وهذا المثل لمن لم ينتفع بوحي الله لعدم تقبله والانطباع به؛ لأنه ببلادته كالحمار الذي يحمل الكتب، فإنه لو حملها على ظهره طول عمره لم ينتفع بها لعدم فهمه، فالإنسان الذي شرفه الله وأمده بقبس من نوره فيما أوحاه إلى رسله، إذا زهد فيه وأعرض عن هدايته، وتخلى عن واجبه لله فيه، شابه ذلك الحمار في بلادته، وهو الجاني على نفسه بطرحه لما شرفه الله به، فاستحق ذلك المثل السيئ من الله الذي هو أحكم الحاكمين. ولكن كثيراً ممن رضي بالحياة الدنيا وقصر عمله عليها، وصار غاية همه ومنتهى قصده تأمين معيشته البهيمية، وتربية عياله، وجمع المال أو اكتسابه لهذه الغاية، دون تفكير بحمل رسالته وحماية عقيدته وتركيزها والتضحية بالنفس والمال في سبيل الله، لتنفيذ هذا المخطط، وتوسيع رقعة الإسلام - فهذا النوع الكثير من الناس اليوم- لو قيل لواحد منهم: (أنت كالحمار) غضب وزمجر، ووقع في عرضك، وقال عن نفسه أنا الرجل وأنا وأنا) وهو غافل سادر لا يدري أنه مستحق لهذا الوصف السيئ من رب العرش العظيم.وبسبب هذا الشعور الخاطئ وقلة الاهتمام بما أوجب الله من حمل الرسالة لتوزيع الهداية وحماية العقيدة تغلب على المسلمين الجامدين والمحسوبين على الإسلام طغام، ممن تسيرهم الأرتال الخمسة الماسونية اليهودية، وتحركهم المبادئ المادية التي غرسها اليهود على أيدي المستعمرين؛ لأن هؤلاء الطغام انشغلت قلوبهم - التي تركها المسلمون المفرطون فارغة - بتلك المبادئ، واستعلت تحمساً لها، فتصلبوا للدفاع في سبيلها ونجحوا - مؤقتاً- نجاحاً جروا به الخراب والدمار في كل ناحية، وسببه تبلد المسلمين لانطفاء جمرة الغيرة لله في قلوبهم. والله الذي ضرب هذا المثل لمن لم ينتفع بوحيه بحسن حمله ورعاية الأمانة فيه، قد ضرب مثلاً أسوأ منه لمن انحرف عن وحيه وانسلخ منه مبتغياً سواه، مما تهواه نفسه من المذاهب والأذواق، فشبهه بالكلب الذي من طبيعته أنه ﴿ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ كما نص على ذلك في الآيات [175-176] من سورة الأعراف، وقد ذكرت في عدة مواضع أن هذا المثل هو من معجزات القرآن الخالدة، فإننا نرى المنحرف عن وحي الله إلى شهواته وأطماعه يلهث كالكلب، بل نجد هذا الصنف من الناس يتهارطون في صحفهم وإذاعاتهم، تهارط الكلاب، وإذا سكت بعضهم لم يسكت الآخر عنه فيعود إليه. وهذه من بعض عقوبات الله على الكفرة ومن شابههم من أدعياء الإسلام، الذين إذا ذكروا بآيات الله خروا عليها صما وعمياناً، لا تعيها آذانهم، ولا ترعاها قلوبهم، فلا تنطلق بها جوارهم، فإنهم بذلك يحدثون فراغاً هائلاً تنفتح به جميع ثغورهم أمام غزو أعدائهم المتنوع كما حصل، ولا ينجو المسلمون منه حتى يحققوا عبادة الله بأخذ وحيه بقوة، وأن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، مبتعدين عن مشابهة أهل الكتاب في أي شيء كما سنوضحه. [1] أخرجه البخاري (32)، وأخرجه مسلم (124). [2] انظر التخريج السابق. [3] أخرجه الطبراني في الصغير (1/ 314) رقم (520)، والبيهقي في الشعب (5/ 453) رقم (7254) وغيرهم من طرق عن مطرف بن مازن عن سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً به. وقال ابن عدي في الكامل (6/ 430) وهو بهذا الإسناد منكر. اهـ. ومطرف بن مازن كذبه يحيى بن معين، وقال النسائي: ليس بثقة. انظر ميزان الاعتدال (6/ 443). [4] أخرجه الحاكم في المستدرك(1/ 45)، وابن حبان في صحيحه (3/ 210) رقم (930) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه به. [5] أخرجه البخاري (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [6] أخرجه البخاري (6094)، ومسلم (2607) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. [7] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان(4812)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (1/ 54)، ومالك في الموطأ (2/ 990) رقم (1795) من حديث صفوان بن سليم مرسلاً.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (8) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري في العبادة والسلوك: الثاني والأربعون بعد المائة: يجب أن تسيطر عبودية الله على العابد الصادق في سائر أنحاء سلوكه في تصرفه بماله, وفي تربيته لعياله, وفي معاملته مع الناس في الشارع, والمتجر, والمصنع, والمؤسسة والدائرة, وفي جميع واقعيات الحياة, من شئونه الاجتماعية, ونظرته السياسية, ومعاملاته الاقتصادية, وسلوكه في الحكم, إن كان حاكماً, أو منتظماً في دواوين الحكم. فيراقب الله ويخشاه ويتقيه في كل من ذلك، ففي المسلك الاقتصادي يعتبر المال مال الله, لا يصرفه في التبذير ولا في شهواته ورغباته, بل لا يصرف منه أقل قليل في معصية، ولو كانت صغيرة؛ لأن المعصية الصغيرة إذا اقترن بها صرف حقير المال كانت كبيرة. فالعابد لله كما يكتسب المال من حقه لا ينفقه إلا في حقه من طاعة الله, وما يستعين به على حمل رسالته, والقيام بإعلاء كلمة الله, بأي وجه من الوجوه، ومن الإنفاق الواجب عليه, ناوياً الاستعانة به على ذلك، مجتنباً الأشر والبطر ومجاراة السفهاء, أما في ميدان التربية, فيربي عياله وخدمه ومن يمونه من المسلمين تربية دينية صحيحة لا مادية صرفة, بل يجمع فيها بين الروح والمادة, مغلبًا جانب الروح لا جانب المادة, ملاحظاً مسئوليته أمام الله في كل من هم تحت مسئوليته وإشرافه, فلا يذهب للصلاة ويترك من تحت يده, بل لا يدع لهم مجالاً للتمرد على حكم الله والإعراض عنه, والانشغال بغيره, كيلا يكون خائناً لله في ميدان التربية والتعليم، ولا ينام ويغفل عنهم, ولا يتركهم لقرناء السوء، أو يعتمد في تربيتهم على المدارس المادية, ولا يجلب إليهم ممن يسير على مخطط مخالف لوحي الله, بل لا يعتمد ولا يثق بأي معلم حتى يراه صالحاً مطيعاً لله، عالماً بحكمه, وقافاً عند حدوده، معظماً لحرماته, ويبعد أولاده عن التعلم ممن خالف هذه الصفات, إذ لا خير في العلوم المادية إذا خلت عن الدين, فكيف إذا انحرفت بصاحبها عنه, فالمفضل لها ليس عابداً لله، بل هو من عبيد المادة. والعابد لله حقاً من يجعل المستقبل الديني غاية همه, ومنتهى قصده, معتمداً على الله في تحصيل المادة, ساعياً لها سعياً لا يضر بدينه، ويفضل أن يكزن ابنه عابدا لله حاملا لرسالته، ولو في أبسط حرفة, على أن يكون رئيساً ملحداً؛ لأن ولده من كسبه ولا ينتفع إلا بصلاحه وسلامة دينه وسعيه في مرضاة الله, وبعكسها يحرم النفع ويجني الأوزار، إذا كان ضلاله بسبب تفريطه في تعليمه العلم النافع, فعبودية الله تهديه لذلك وتجعله يؤثر الناحية الدينية. أما معاملته مع الناس في السوق والشارع, والمتجر والمصنع, والمؤسسة ونحوها, فإنه يقيم حكم الله في نصحهم وتوجيههم إلى الله, وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وحضهم على الفضيلة, والتعاون معهم على البر والتقوى, وعدم مجاراتهم, أو السكوت على ما يراه من إثم وعدوان, وأن يكون طبيباً لقلوبهم، رحيماً بهم في النصح والتعليم, لا يستهزئ بهم ولا يدعهم بدون توجيه وإنكار، ومن أعياه أمره منهم ابتعد عنه وهجره وقاطعه حتى يفيء إلى أمر الله, ولا يسمح لأي نوع من الفساد أو دواعي الفتنة أن ينتشر في سوقه أو أي مرفق من مرافق بلده أبدًا. وفي سلوكه في الحكم يقف عند حدود الله، ولا يتخطى شريعته أبداً, وفي معاملته مع الحكام ومصاحبته لهم, يذكرهم بأمر الله، وسلطانه الأعلى, ويسدد خطاهم فيما قصروا فيه, ويعظهم ويقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً، ولا يداهنهم بالسكوت أو يغريهم بالمدح الباطل، فإن هذا خيانة لله من جهة, وغش لهم من جهة أخرى، وكله مخل بعبودية الله. الثالث والأربعون بعد المائة: لا تقوم أي دعوة إصلاحية، ولا ينجح أي مجهود لتقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع من أنواع الفساد, وتزكية النفوس من الغش والأحقاد, والنفاق والشهوات و الأنانية، إلا بتحقيق عبودية الله على أساس تصحيح العقيدة والاستقامة على الإخلاص لله والصدق معه, حباً له وطمعاً في ثوابه, وشوقاً إلى لقائه, والأنس بقربه ورضوانه, وخوفاً من غضبه وعقابه, وطرده من رحمته, وحرمانه من رؤيته، فيخضع لسلطانه بتدبر وحيه من كتاب وسنة والقيام بتنفيذهما, وتقرير القيم, ووضع موازين النظم على أساسهما, وجعل سلطته خاضعة لهما, مسيرة في فرضهما وتنفيذهما على المجتمع,إذ بدون ذلك تتأرجح الأخلاق, وتتخبط المفاهيم, وتطيش الأوزان، وتتغلب الأغراض النفسية والشهوات, وهمزات الشياطين على كل حركة لا تقوم على أساس العبودية لله, والخضوع لحكمه والتزام وحيه. ولذا كانت جميع دعوات الرسل إلى عبادة وتقرير منهج (لا إله إلا الله) لتحرير الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات, ولكي يتوجهوا إلى خالقهم، وينشغلوا بحبه وذكره, والعمل بطاعته, ويستلهموا الهداية في كل شأن من شئونهم, ونائبة تنوبهم من وحي الله فقط لا يلتفتون إلى غيره, ولا يريدون سواه, وبذلك ينجح عملهم ويثمر مجهودهم وتتوحد صفوفهم؛ لأنه لا يشعر بعضهم بضغط بعض, بل ولا يراه حاصلاً, إنما يرى حكم الله هو المسيطر, وذلك بعدما تتقرر (لا إله إلا الله) في القلوب، وتتكيف بها الأعمال والنظريات والمقترحات, وسائر الأحوال، فتطهر الأرض من طواغيت الأهواء وأرباب الحكم المبني عليها, وهم الذين عارضوا الرسل وقاوموهم. ولو دعتهم رسل الله إلى التكتل تحت قومية أو وطنية يقيمون لأجلها حكماً علمانياً لما عارضوهم, بل طاروا فرحاً بما اقترحوه؛ لأنه يؤيد أهواءهم ويبعثهم على مللهم ونحلهم، ورغباتهم التي هي افتراء على الله وابتعاد عن سبيله, ولكن يأبى ذلك؛ لأنه ليس فيه تحرير صحيح ولا تطهير, وإنما فيه إقرار للتسلط وعبادة الهوى وتوسيع لرقعة الشقاق والجرائم بدل الوحدة والأمن، فالله لم يرسل (نوحاً) لتقرير سلطان قومه على ما يريدونه من التكتل الوطني والعمل المادي, ولم يرسل (هوداً) ليقرر سلطان (عاد) ويجعل لهم الخيرة في النوع الذي يريدونه من الحكم والشهوات،ولم يرسل (صالحاً) إلى (ثمود) لهذا الغرض الذي يعشقه القوميون من مخططات الماسونية اليهودية, ولم يرسل خليله (إبراهيم) ليقرر سلطان قومه ويبيح لهم ما أرادوا, بل قال لهم: ﴿ أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 86-87] وإنما أرسلهم لتقرير عقيدة (لا إله إلا الله) وتوحيد سلطتها, وإعلاء كلمتها على جميع أهوائهم وشهواتهم،فما رضوا برسل الله من أجل انتزاع سلطتهم، وقاوموهم للإبقاء عليها والاحتفاظ بها, مع أنهم لا ينكرون ربوبية الله، ولكن لا يريدون الخضوع لسلطانه، والتقيد بأوامره المزيلة لسلطتهم، والقامعة لأهوائهم. وكذلك لم يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم لإقرار سلطان العرب أو غيرهم على ما يريدون, ولو كان هكذا لقلَّ المخالف, بل قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [ المؤمنون: 71] إن العرب وقت البعثة المحمدية كانوا أشد شراً من حالهم في مطلع هذا القرن الرابع عشر الهجري، والعشرين الميلادي, إنهم أسوأ حالة منا في البؤس والشقاء, والفرقة والتناحر والاستعمار المطوق لهم من جميع الجهات، فالجنوب العربي يتقلب بين استعمار الفرس والأحباش, وباقي الجهات تحت نفوذ الرومان والفرس, ولم يسلم من الاحتلال المباشر إلا ما لا يستحق الاحتلال من الأراضي, التي يصور لنا الشاعر العربي معيشة أهلها في فخر واعتزاز، وتنويه وإعجاب: فما العيش إلا الضب يحرشه الفتى ![]() وورد بمستن اليرابيع أكدر ![]() فلو قام يدعوهم ويلهب شعورهم إلى قومية يتكتلون تحت لوائها وشعاراتها؛ ليطردوا بها المحتل لبلادهم، وسائر ثغورهم، لاستجابوا له بدون كلفة ولا تعنت, واستراح من عنادهم وإيذائهم، وقد يتوجوه ويملكوه أمرهم لما يعرفون من شرفه وأمانته, ولأنه يدعوهم إلى ما لا يخالف أهواءهم ولا يطمس مللهم ونحلهم, ويكبت مقاصدهم؛ لأن الدعوة القومية فيها إقرار لكل ذي باطل على باطله فيما يتعلق بالله. وكذلك لو دعاهم إلى مذهب اجتماعي من مخترعات اليهود المفسدين يثير بها الأكثرية الغوغائية على طبقة الأشراف و الأثرياء، لاستجاب له الأكثر, ثم كان الأقل مغلوباً وانتصر في الحال, بدلاً من أن يتعثر بدعوة (لا إله إلا الله) التي لا تدع لأحد من كل الطبقات شيئاً من الخيرة في أمره, ولكن الله لا يريد شيئاً من ذلك ولا يرضاه ولو في فترة قصيرة؛ لأن الله لا يرضى الشرك لحظة واحدة, ولا يجيز لأحد من أنبيائه وأتباعهم الممالأة عليه أبداً, وليس من حكمته التدرج في خلقه على ضلال؛ لأنه لا يجدي في النهاية, بل يكون هادماً لمقصود الرسالات, ومعجزاتها, ومبادئها الثابتة, من أول وهلة إلى النهاية. ولو علم الله في ذلك خيراً لأمر أنبياءه أو بعضهم أو خاتمهم محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى مبدأ قومي، أو مذهب اجتماعي, يسير الناس عليه, حتى إذا تجمعوا وقهر بعضهم بعضاً عليه دعاهم بعده إلى التوحيد الخالص بعدما أركسهم في الشرك المتنوع, ولكن يأبى الله أن يشوب دعوة الرسل, أو يتقدمها شيء من ضروب الوثنية المادية، واتباع الهوى، بل كانت الغاية والحكمة بعث الرسل بالتوحيد الذي ينتزع فيه سلطان الأهواء والشهوات من كل ناحية, فلا يبقى للأهواء والشهوات مرتع في الحكم, أو في سائر أنواع السلوك, وهو العليم الحكيم-جل وعلا- يريد أن يمحو سلطان البشر على البشر من أي نوع كان؛ حتى لا يحكم أحد أحداً إلا بحكم الله المطهر للنفوس والجوارح، والمصلح لجميع الأحوال بتحقيق العبودية له وحده. الرابع والأربعون بعد المائة: العابد لله يكون مرهف الإحساس، قوي الشعور, صادق العزيمة عظيم الهمة, يطير إلى الله بجناح الشوق، مسارعاً في مرضاته, نشيطاً في طاعته, محباً للقائه, غير ضجر ولا ملول، فلا يُفقد في مواقف الطاعة ومواقع الجهاد, فضلاً من أن يتفقده أهل الحسبة أو يأطروه؛ لأن من كان كذلك فشعوره بارد,ومحبته ضعيفة، وشوقه مفقود. فعباد الله حقاً يطيرون إليه بأجنحة من الشوق دون زاجر أو مرهب, سوى ما في قلوبهم من معرفة الله الصحيحة ومحبته الصادقة التي انبعث منها الشوق إلى لقائه, تصديقاً بوعده ورغبة في جنته, فتجدهم رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار، يستهمون على الجهاد نصرة لدين الله وطلباً للشهادة المسرعة بهم إلى ما وعدهم ربهم, قد قادهم إلى الله علمهم به, وتقديرهم له حق قدره, وقيامهم العملي بشكر نعمته وبره وإحسانه, ومعرفتهم لوظيفتهم في الأرض من أنهم خلفاؤه فيها, وأمناؤه على وحيه ورسالته, فلذلك لا يبغون عنهما بديلاً. بخلاف الجهلة الذين لعبت عليهم الماسونية واليهودية، وجعلتهم يعملون للطين لا للدين، ويقاتلون في سبيل الشيطان, شيطان الهوى وشيطان الإنس الذي يحبونه ويعملون له من دون الله, ولذا قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [يس: 60- 61] وقد أوضحت معنى الشيطان في أول التفسير, فليرجع إليه. الخامس والأربعون بعد المائة: الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يستلزم من صاحبه تجديد حياته كل ساعة بمراقبة الله وخشيته والرجوع إليه بالتوبة والاستغفار, والتزام حكمه في كل شيء, لئلا يتعثر في سيره، أو يستمر على تعثره بدوام ميله مع الشهوات واقترافه للدنايا بسبب إثرته التي لا ينجيه منها إلا تصديق ذلك الابتهال بالعمل, وحسن المراقبة ودوام الاستغفار الصحيح وصدق الاستعانة بربه, حتى لا يكله إلى نفسه ويدعه حيران يتخبط في ضلال حيرته، ويدور في حلقات مفرغة من التجارب المخفقة المضيعة لوقته وطاقاته. السادس والأربعون بعد المائة: الاستعانة الصادقة بالله تحيي الأمل في الإرادة الضعيفة الباردة أو المخدرة المسلولة, وينهض عزيمة العبد الراقدة أو المتبرة, فتجعله يستأنف سيره إلى الله, ويسترجع قواه حسياً ومعنوياً, وتزيل عنه الكنود القديم الذي يعوقه عن ذلك، ويجعله ينال منزلته الحقيقية في الدنيا وفي الآخرة, ذلك أن المستعين بالله محب له, واثق به, معتمد عليه، ناصب وجهه إليه، ملتزم لحكمه, ساعٍ فيما يرضيه, فيكون متسلحاً بالأسلحة الروحية مع الأسلحة المادية فلا يغلبه غالب, وقد جربت الدنيا ذلك على أيدي الصحابة الكرام. السابع والأربعون بعد المائة: الضراعةالصادقة المتكررة من عبدالله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ حياة متجددة من المقبل عليه, وعودة ونقلة حاسمة من الغافل عنه, تتغير بها معالم النفس المتغذية بوحي الله, كما تتغير الأرض الموات بالمقادير الكافية من الماء والمخصبات، إنه بالتكرار لهذه الضراعة يصقل قلبه بتكرير مناجاة محبوبه الأعظم، وتتحرك جوارحه لتصديق ما في قلبه بتكرير مناجاة محبوبه الأعظم, وتتحرك جوارحه لتصديق ما في قلبه من الحب والإخلاص لله, فتنفجر طاقاته في حمل رسالة ربه والجهاد في سبيله، ويتوقد ذكاؤه, وتتبارك جهوده ومساعيه ببركة قربه من ربه وعمله لوجهه الكريم؛ لأن الضارع الصادق بهذه الآية تنحصر تحركاته من أقوال و أعمال لله وفق شرعه, لا يشوبها شائبة من نزغات الهوى والشيطان, فيحظى بهذه الثمرة باطناً وظاهراً. وبعكسه البعيد من الله يكون محروماً من النور المعنوي، وعقيماً من النجاح الصحيح فمواهب الذكاء والمعرفة والقوة والجمال تتحول إلى نقم ومصائب, وشقاق ومتاعب، عندما يبتعد صاحبها من الله فيحرم من بركته وتوفيقه، هذا إذا قدر له نجاح مادي مؤقت يئول إلى هكذا، وإلا فالغالب هزيمته وإفلاسه, ولذلك يخوّف الله عباده سوء العاقبة بقوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ [ الذاريات: 50 - 51] وكل ما يجريه الله من المهلكات والمروعات في الدنيا فهو إشعار لعباده بما يتعرضهم من المعاطب بسبب التفريط في جانبه, فكما تلتمس النجاة من الخطر الداهم الذي تنظره بعينك فاحسب أعظم حساب لما يوعدك الله به, فاهرب منه إليه. الثامن والأربعون بعد المائة: العابد لله حقاً لا يتجاوز نصوص الوحيين من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم معتقداً كفايتهما في كل شيء، مستيقناً أن ربه – سبحانه – ليس (نسياً) وأنه لا يعزب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض، وأن علمه محيط بالسابق واللاحق, وأن أحكامه وتشريعاته كافية مغنية لحل جميع المشاكل في كل عصر، وأن ما يجري مما يسميه أعداء الله تطوراً إنما هو زيغ وضلال وتهتك وانحلال، وأن التطور الصحيح يجب أن يمشي وفق ما شرعه الله, فإذا خالفه فليس تطوراً, بل هو رجوع إلى جاهلية وهمجية جديدة وإن ظهر بألوان وأسماء مخترعة شتى للدجل والتضليل. فإن خبثاء القصد والعمل قد بهرجوا جاهليتهم بطلاء العلم والمعرفة والحضارة والمدنية ليسوّغوا تسميته تطوراً, والعلم الصحيح والمعرفة الحق على خلاف ما يريدون؛ لأنهما يدلان إلى الله ويخضعان صاحبهما لحكمه, فالعابد لله المتصور لمقصوده من إرسال الرسل يعرف أن الجاهلية ليست صورة معينة لفترات تاريخيه قد مضت وانتهت بلا رجعة, وليس مقابل ما يسمى بالعلم والمعارف والرقي والحضارة؛ لأنها لو كانت كذلك من هذا النوع أو ذاك لفندها القرآن وعاب أهلها بعدم معرفتهم العلوم والفنون المادية والنظم الإدارية أو السياسية، ولأوضحها لهم ليخرجوا بها من جاهليتهم إلى طور جديد, فأعطاهم البديل من الجهل المادي بعلم الكيمياء والفلك والرياضة والطبيعة والجيولوجيا وغيرها، وأعطاهم البديل من الجهل السياسي بالنظريات السياسية المختلفة في المكر والخديعة. ولكن جاهليتهم ليست من عدم علمهم بهذه الأشياء وممارستهم لها, فإن عندهم علوماً مادية ورياضية على حسب متطلبات بيئتهم وزمانهم, وعندهم من فنون القوة والجمال شيئاً لم يبلغ بعضه من بعدهم، كما قال تعالى في الآية (9) من سورة الروم, والآية (69) من سورة التوبة، والآية (21) من سورة المؤمن, وغيرها، وعندهم من أساليب المكر السياسي ما يلائم أحوالهم مما يماثل المكر المعاصر أو يزيد. وإنما جاهليتهم مبنية على اتباع الهوى والشهوات, وتقليد الآباء، ومسايرة الناس بغير هدى من الله, بل على أساس رفض وحي الله ومحاربة رسله وأتباعهم، وإعلان بغضهم، والتنفير عنهم, وتمجيد الاعتماد على النفس وانطلاقها في التصورات والأفعال دون وازع سوى حكم الطاغوت أو القوة المادية, هذه حقيقة الجاهلية الأولى المعادية لرسل الله، سواء كانت جاهلية عربية أو رومانية أو يونانية أو فرعونية أو فارسية أو هندية أو صينية, فلا عبرة بالأسماء ولا بالانتساب، إنما العبرة بالحالة النفسية التي تأبى الانقياد لأمر الله والانصياع لحكمه؛ اتباعاً للهوى ورغبة في الأنانية والنفوذ المطلق بأي صورة ظهرت، وبهذا التعريف الظاهر المنضبط الصحيح يتضح لعبد الله أن لكل قوم في كل زمان جاهلية، فيحذرها ويفر منها إلى الله بالاستمساك بوحيه والاستغناء به والرجوع إليه في كل ورد وصدر, واعتقاد أن جميع المظاهر والتصورات والأعمال المخالفة له جاهلية ورجس من مبتكرات الطواغيت المختلفة, ويدرك الأغوار البعيدة والمقاصد الخبيثة لما يطنطن به الملحدون والمغفلون من كلمات الحرية والحضارة والمدنية, التي هي من شعارات الماسونية البارزة في الثورة الفرنسية وألاعيبها في السلطنة التركية، تلك الأمور التي كان من ثمراتها الحنظلية تمركز اليهودية العالمية وأذنابها بكثير من المراكز الحساسة في أغلب الدول المنصبغة بالجاهلية الحديثة, سواء ادعت العروبة أو الإسلام أو النصرانية أو غيرها من الألقاب المبهرجة, كما كان من ثمراتها فصل الدين عن الدولة, بل إقصاؤه عن جميع واقعيات الحياة ومناصبته العداء، واستغلالهم مسمى (الحرية) لجميع أنواع الإلحاد والعهارة التي تهز القيم الدينية والأخلاق النبوية والأعراف المنبثقة عنهما, وتجاهر بتسفيه أهلها وتشكيك الناس فيهما، وإطلاق العنان للشهوات البهيمية تحت رعاية دولهم, مما يجعل هذه الدول على غاية من (الدياثة) لإقرارها السوء في أعراض أهاليها, وتشجيعهم على ذلك, ويعملون بكل جد ونشاط على جعل الإنسان يعبد نفسه بخدمتها والسعي وراء متطلباتها دون الالتفات إلى الله جعل الإنسان يعبد إنساناً مثله باسم المبدأ أو الفلسفة للمبدأ أو الزعامة فيه, وإعطائه قداسة الألوهية بتعظيم صورته وعرض تماثيله على الجماهير والانحناء له حياً وميتاً في قبره, بل يعملون على عبادة الشخص لفئة خاصة أو وطنه كما هو معروف معمول به في مناهج القوميات التي قلبوا فيها دين الحق، دين تعدد بمختلف الغايات والأصنام الناطقة والاتجاه إليها, مما جعلهم في أحط أنواع الجاهلية واعتقادهم في سوء التأثير والإصرار بسبب عمق التضليل وقوة الدجل واللعب بالعواطف واستغلال العلم المادي وسائر الفنون في هذا السبيل, بحيث قال شاعرهم: لا رب إلا الشعب جل جلاله ![]() فله العبادة لا شريك له ينوب ![]() وقال الشاعر الوثني الآخر: انطلق في ضحاها ومساها ![]() يا أخي قد أصبح الشعب إلها ![]() مع أنه الشعب الذي يتغنى المغرضون باسمه ويأخذون كل شيء باسمه ويحاكمون ويقتلون ما شاءوا باسمه ليس له من أمره و لا مثقال ذرة بل يسوقه الحكم العسكري الغاشم إلى ما يريده, ويحركه تحريك الآلة بحيث تكون الأنعام أحسن منه حالة, وقد قدمنا فيما مضى أن ذلك عقوبة من الله يجريها على من تنكب عبادته فيبتليه بعبادة من لا يرحمه ولا يقبل منه معذرة ولا تسويفا، ومنشأ هذه الأحوال التي يتردى فيها الإنسان هو الانتقاص من كفاية وحي الله وعدم الاستغناء به والانشغال بتدبره؛ فتحصل الرغبة في غيره أو طلب المزيد من غيره لحل المشاكل، فتتلطخ الأدمغة وتفسد التصورات, وبفساد التصور يحصل الانحراف وينقلب الاتجاه بانقلاب المفاهيم, حتى أن الذين ابتلوا بالنظريات العصرية والمذاهب الثورية يرفضون الأخلاق والفضيلة, ويزدرون ما يسمى (الحق) فلا يوجد عندهم ميزان صحيح للحق والفضيلة، كأن الحق والقيم الخلقية ليست إلا أشياء نسبية، اقتصرت شرعيتها وفائدتها على زمان أو مكان خاص أو بيئة مخصوصة، وقد لقبوا المجتمعات المؤسسة على الدين والأخلاق النبوية بالجمود والتزمت والتأخر، وعملوا على القضاء عليها باسم العلم والفنون والتصنيع والتجميل, كأن ذلك لا يتم إلا على حسابها، وصدق معنى الحديث المروي عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنها ستكون فتنة)) قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: ((كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾ [الجن:1-2] من قال به صدق, ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم))[1]. فكل ما حدث وما يحدث من النظريات والفتن والفساد وأنواع المحن سببه الانحراف عن تحقيق العبودية لله، والانصراف عن وحيه زهداً فيه أو انتقاصاً له إلى غيره من العلوم المادية والنظريات الماسونية اليهودية المتنوعة, وهداية الله النافعة في كل ميدان والدالة على عبوديته وطريق مرضاته والمحققة للوحدة والأمن الصحيح والعيشة الراضية في الدارين لا تحصل إلا من طريق الوحيين: كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالمنحرف عنها والمنصرف إلى غيرها مبتعد عن عبودية الله وهدايته ونيل وعده الصادق. وروى الإمام أحمد والنسائي والدارمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: ((هذا سبيل الله)). ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال:"هذه سبل, على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153][2]. ولا يحصل الاستغناء بالنصين وتحقيق اعتقاد كفايتهما إلا بالإقبال التام عليهما وبذل الجهد في معرفة معانيهما, وحصر التلقي لجميع أنواع الهداية منهما, وحصر معالجة المشاكل كلها فيهما, والتصميم الجازم على دفع كل ما عارضهما مع اعتقاد فساده واعتقاد ظهور ما خفي من فساد, عاجلاً أو آجلاً, فيرفض كل مذهب أو نظرية أو علم يخالفهما من أي مصدر كانت, وبذلك تكمل عبوديته لله ويصدق في ضراعته لله بسؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم. التاسع والأربعون بعد المائة: العابد لله لا يقرأ القرآن لأجل المزيد من المعلومات فقط, ولا لأجل تحصيل الثواب الموعود به على كل حرف, فيشرع في قراءته أو يكررها دون تفهم وخشوع, ودون تصميم على التنفيذ لأوامر الله فيه بكل قوة وتحمس, ولا تكون قراءته بقصد الاستمتاع بفصاحته أو التذوق من بلاغته, شأن المائقين المتحذلقين من ذوي الابتعاد والشكوك في الماضي والحاضر، بل يقرأ القرآن لأجل أن يتلقى كلام رب العالمين, كلام الملك العلام, مالك الملك المختص بالفصل يوم القيامة, اليوم الذي لا ينجو فيه إلا العاملون بالقرآن. فعبودية الله تستلزم من عبده الصادق أن يقرأ ذلك الكتاب كقراءة الجندي والموظف الذي يقرأ كتاب رئيسه ليعمل بمقتضاه, وينفذ وصاياه متشرفاً به – إن كان مخلصا – فعبد الله المخلص له، الصادق معه, يتشرف بقراءة كتابه العزيز ووحيه الثاني المفسر له من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, ويفرح بهما أعظم فرحة، ويتلقاهما كتلقي الجندي في الميدان لتوصيات رئيسه, معرضاً عما سواهما, لا يرفع به رأساً, وبذلك تحصل الطواعية لله ولرسوله، وتنحصر صلة العبد بهما، وينفصل عما عداهما انفصالاً كاملاً, عن شعور إيماني عميق، منبثق من محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومنابذة ما عداهما فراراً من الإثم، والتزاماً بقواعد المحبة وضوابطها. وإذا قرأ عباد الله كتاب الله على هذا النحو وتلقوه بهذه الصورة, انفتحت لهم كنوز العلم والمعرفة، وتيسر لهم العمل به دون إحساس بأي تكليف, بل يستطيعون العمل لله, ويتلذذون به, ويتنافسون بالتضحية في سبيله, ويتسابقون إلى الفداء؛ لأن ذواتهم تكيفت بوحي الله الذي انخنست به قلوبهم, وتغلغل في شرايينهم، وهناك تتفجر طاقاتهم وتصبح ثقافتهم ثقافة محمدية متحركة, زحافة في كل ميدان, وإلى كل صقع ووادِ, لا تقتصر على ملازم الكتب أو أعمدة الصحف والمجلات, و لا تتحجر في الصناديق والدواليب, وإنما تحرك أهلها ذات اليمين و ذات الشمال، حيث أراد الله من الزحف المقدس، الذي قام به أسلافنا عباد الرحمن, والذي لا نزال نسعى في آثاره وبقاياه من الأرض. هذا نتاج القرآن لمن أقبل عليه بفرح وحب، وتشرف وتشوق، وتعاهده حتى ينغرس في قلبه, وينمو في عروقه، ولقد كان السلف لا يتجاوزن بعض آيات منه حتى يحفظوها ويتدبروها ويقوموا بواجبها من التنفيذ، ولم يكن همهم مقصوراً على الاستكثار من قراءته كحالنا في هذا العصر, لشعورهم بعظم المسئولية من الواجبات والتكاليف حتى حصلت عندهم الملكة على تحملها بكاملها، ورعايتها حق رعايتها. فإن هذا القرآن لم يجعله الله كتاب قصة وفن أو أدب وتاريخ، وإنما جعله الله ميثاقه العظيم المتين لعباده في الأرض؛ ليكون منهاجاً لسيرهم في جميع ميادين الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ومرجعاً وحيداً لهم في سائر ما ينوبهم من ذلك، لا يبقى رمزاً في الخيال مجمداً في الذهن، أو محجوراً في مكان، أو مقصورا على شيء دون شيء, والذين يريدون حصره في شيء من ذلك من المثقفين ثقافة عصرية مادية حسب مخطط أعداء الإسلام قد سلكوا أقبح مسالك الشرك في تنقيص الله وبخسهم لحقه وانتزاعهم لسلطانه, وتأليه أنفسهم من دونه, بجعل الحاكمية لغيره من البشر الذين يريدون أن تكون لهم الخيرة من أمرهم. يتبع
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
أقول عن هؤلاء المتلبسين بأقبح أنواع الشرك وأفظعها: إنهم لا يرضون لمواثيقهم و أنظمتهم التي دبروها أن تكون خيالاً في الذهن، لا وجود له في الخارج, أو يكون العمل بها مقصوراً على ناحية دون ناحية, بل يعتبرون هذا ردة وخيانة، كما لا يجوزون لأحد من الشعوب المدينة بها أن يخرج عن طاعة واضعيها، أو يختار لنفسه منهجاً يلائمه سواها، فيعتبرونه متمرداً أو عميلاً خائناً ومتآمراً على سلامة الوطن أو الدولة، إلى غير ذلك من التهم التي يصبون عليه بسببها أنواع العقوبات, فقد جعلوا لأنفسهم منزلة أعظم من الله، إذ جعلوا لأنفسهم ونظمهم الوضعية كامل الإيمان والسلطة والنفوذ في كل شيء دون الله ووحيه العزيز، الذي يزعمون أنه في الضمير فقط, بالله عليكم أي شي في الضمير لا يلهب الحماس, ولا يحرك الجوارح؟!! هذا خيال لا وجود له. وهل يقبلون من أحد دعوى الوطنية في ضميره, وهو لا يعمل لصالح وطنه, ولا ينطق لصالح وطنه؟ أو هل يقبلون من أحد دعوى إيمانه بالقومية في ضميره، وهو يسلك المسالك المخالفة لها في عرفهم العصبي؟ أو يقبلون دعوى الإيمان بالشيوعية وفروعها من الاشتراكيات في الضمير, دون التقيد بخططها ومواثيقها الماركسية؟ إذا كانوا لا يرضون ذلك – وطبعاً لا يرضونه – فما قيمة دعواهم أن الدين في الضمير؟ أو أن العبادة مختصة في المساجد والمعابد، أو أن القرآن جاء بشريعة ودين لعصور قديمة متخلفة؟ أو نحو ذلك من المفتريات الماسونية. حقاً, إن ما في الضمير لا بد أن ينطق به اللسان، وتتحرك به الجوارح والأحاسيس، فإن حلَّ حب الله و رسوله حقاً في الضمير؛ كان وحي الله من كتاب وسنة غذاء للقلب, ومتعة للأحاسيس، فانشغل اللسان بوحي الله وذكره, وتحركت الجوارح إلى طاعته وتنفيذ أوامره، وابتعدت عن موجبات سخطه بدافع روحي لا مثيل له، بحيث إن الإنسان يقدر على التهرب من النظم الوضعية، فيخالفها بشتى الوسائل، ولكن الوازع الديني من خشية الله ومراقبته, والطمع في ثوابه الجزيل, والخوف من عذابه الأليم المقيم، يجعله لا يستهين بأوامر الله، أو يتهرب من تنفيذها، لما حل في ضميره من الحب والمراقبة، وعلى العكس إذا خلا الضمير من حب الله وتعظيمه، وحل فيه حب غير الله أو تعظيم غير الله والخوف منه, انصرف إليه واستمال إلى ما يقذفه عليه, وتحرك إلى ما يريده دون مبالاة بالله, كما هو المشاهد من حال أكثر أهل هذا العصر. ثم إنا نسأل الذين يحصرون الدين في الضمير، نقول لهم: هل تسمحون للمسلم الصحيح أن ينطق بما يمليه ضميره, ويتحرك لما يوجهه إليه ضميره المحب لله حقيقة؟ أو تقيدونه به من كل ناحية على حسب ما تريدون؟ فأي قيمة لما في ضميره. بل أي حرية تتشدقون بها؟ إن المواثيق الماركسية والدساتير الوطنية – بأي صبغة صبغت – لا قيمة لها، إذا كانت خيالاً في الضمير، لا يظهر مفعولها ويبرز وجودها في الخارج, ولكن جندت لها جميع القوى الإعلامية والثقافية والعسكرية حتى انطبعت بها الأدمغة، وفرضت على الناس، وأبرز باسمها طواغيت شتى، فرضوا ألوهيتهم ونفوذهم على البشر, بمختلف أنواع التسلط من فكري وعسكري, فما بال الدين يبقى أكذوبة مزعومة في الضمير؟ وما بال المسلمين يظلون متسولين عطف غيرهم عليهم؟ إن من أعظم الواجب لتصديق حب الله وتحقيق تعظيمه في قلوبهم: الخشوع لذكر الله وما نزل من الحق, وتدبر القرآن بكل حب وشغف ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]. والتصميم على تنفيذ أوامر الله والزحف برسالاته والسعي لإعلاء كلمته في الأرض أشد مما يسعى غيرهم من أهل المبادئ العصبية، والمذاهب المادية الوثنية، فمن العار أن يغلبهم أولئك، إنهم لا يحققون عبودية الله حتى يرعوا ميثاقه الأعظم بتنفيذ وصاياه في وحيه وإقامة حكمه، وأن يقوموا لله قومة الصادق المخلص، لا يخشون غيره ولا يرقبون سواه، فكل منهم مطالب بتحقيق شعار المسلمين ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 79] ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162-163]. وكيف يحقق هذا الشعار بدون تدبر القرآن والتزام نصوصه وتحكيمه فقط على نفسه وعلى غيره في كل ورد وصدر؟ لابد من ذلك، وبتحقيقه يحصل البعث الإسلامي من جديد، وتحصل الوقفة الصحيحة أمام كل جاهلية، مهما انصبغت بالأسماء والألقاب، ومهما ادعت لنفسها من العلم الذي ادعاه أسلافها من الجاهليات, إذ يقابل عباد الله خططهم بما يدفعها و يدمغها ويزهقها ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81] أما الذي يتبع معهم أو يؤول النصوص على وفق أهوائهم أو اكتشافاتهم, أو يضرب بعضها ببعض طالباً وراغباً الراحة في حياة بهيمية يذوب بسببها في بوتقتهم، أو يقتصر من كلام الله على مجرد التلاوة, فهذا فيه شعبة أو شعب من النفاق شعر بها أو لم يشعر, وبعضهم يكون جاهلاً ناقص الإيمان، وبعضهم فيه مشابهة للذين يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكّروا به أو فيه مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني – أي: مجرد تلاوة – ومنهم من هو سَمّاع للقوم الظالمين, فيه استعداد تام لقبول الكذب. وجميع أهل هذه الأصناف مذموم عند الله كما هو صريح وحيه, فلا يكون من المحققين لعبادته بالعمل الصحيح لدينه، وقد روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين"[3]. وفي الأثر المعروف الذي رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - وقد ذكره الطلمنكي -: حدثنا يزيد بن عبد ربه: حدثنا بقية، حدثنا عتبة، عن أبي حكيم: حدثنا عمارة بن راشد الكناني، عن زياد، عن معاذ بن جبل، قال: يقرأ القرآن رجلان, فرجل له فيه هوى ونية يفليه فلي الرأس, يلتمس أن يجد فيه أمراً يخرج به على الناس، أولئك شرار أمتهم، أولئك يعمي الله عليهم سبل الهدى، ورجل يقرأه ليس له فيه هوى ولا نية[4] يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به, وما اشتبه عليه وكل إلى الله ليتفقهن فيه فقهاً [5] وما فقهه قوم قط, حتى لو أن أحدهم لبث عشرين سنة ليبعثن الله له من يبين له الآية التي أشكلت عليه أو يفهمه إياها من قبل نفسه, قال بقية: أشهدني ابن عيينة حديث عتبة هذا[6]. الخمسون بعد المائة: العابد لله الذي يأخذ حمده وتقديسه بشغاف قلبه, ويشكره شكراً عملياً على فضله وإحسانه, ومجموع آلائه، مصدقاً بها وقائماً بحقوقها عن حب وتعظيم، وشوق إلى لقائه، وخوف من سخطه وعقابه، وطمعاً قي قربه وثوابه ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يوم الجزاء والحساب هو الذي يصدق بضراعته إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وهذه الضراعة لا تكون صادقة إلا إذا كان صاحبها محسناً معاملته مع الله، أعظم مما يحسن معاملته مع الناس, فإن المعاملة بمعناها العقلي والشرعي تشمل قبل كل شيء: معاملة المرء مع الله, ربه الذي خلقه وصوره, وشق سمعه وبصره, وأمده بالجوارح والقوى والأحاسيس، وسخر له مافي الأرض جميعاً، وأفاض عليه صنوف النعم، وهداه للتفكير في استعمال المواهب والاستثمار والتكسب، وأودع في كل مادة خصائص ومكيفات نافعة للناس في شتى أحوالهم. هذا الرب الجليل العظيم المتفضل الكريم هو الذي يستحق أحسن المعاملة من طاعة أوامره عن رغبة ومحبة، واجتناب نواهيه عن خوف وحذر, وتنفيذ تشريعاته, وإقامة حدوده, عن تشرف وتطيب, معتقداً أحقيتها, ونجاح علاجها للمشاكل دون ما سواها أبداً, مقتصراً على طلب الهداية وسائر أنواع التثقيف من وحيه الكريم, كتاباً وسنة، ويكون مراقباً لله في سائر حركاته وتدبير شئونه، وبذلك يكون عابداً لله حقاً, ويهديه الله للصدق باستعانته في كل شيء. وإذا راقب الله في ذلك كله سهل عليه حسن المعاملة مع سائر الناس, فلا يبخس أحداً أو يغشه، أو يكذب عليه أو يطمع في عرضه أو ماله, أو يحمل موجدة عليه, لمراقبته لله، وحسن معاملته له أولاً, فهذا معنى الأثر: "الدين المعاملة"[7]. وما أجهل من يقصر معناه على معاملة الناس فقط, بل هذا مع جهله باخس لحق رب العالمين, أو جاحد له. ثم إن هذا الزعم مغالطة مفضوحة لمن تدبر أحوال أهلها؛ لأنه لا يحصل حسن المعاملة للناس تماماً, إلا بالتزام حسن المعاملة مع الله بالتزام حكمه وحفظ حدوده وحسن مراقبته في السر والعلن, فإن من يخشى الله بالغيب هو الذي يحسن المعاملة للناس بدون مقابل, أما الذي لا يخشى الله بالغيب ولا يرجو لقاءه ونيل مثوبته, فإنه وإن أحسن المعاملة للناس وقتاً ما فإنما يحسنها طمعاً في استجلاب مودتهم، أو مراغمة لخصومه, أو في مقابلة شيء, أو لمكر خفي, أو غير ذلك, ولابد أن تنعكس أحواله. ثم إنه – أيضاً -: إن أحسنها في ميدان أو ميادين صغيرة, فلا بد أن يسيئها في أشياء كبيرة, وميادين أخرى، كما نجده من حال الأوربيين, الذين افتتن بهم بعض من رأى مظاهر سلوكهم, وصدق مواعيدهم,. وأمانتهم المؤقتة، ولكنه ينسى ما يفعلونه مع الشعوب التي يستعمرونها, وينسى تكالبهم على ذلك, وتعاونهم على الإثم والعدوان, ومبلغ ضراوتهم بالدم الإنساني, لأدنى طمع وأرخص غاية, كما ينسى قسوة قوانينهم في الماديات، وعبادتهم لها من دون الله، كل هذا ينساه أطفال العقول من المتجولين في بلادهم للسياحة أو الدراسة من أبنائنا, فتبهرهم مظاهر القشور دون أن تنفذ بصيرتهم إلى اللباب، فيلتفتوا إلى ما يعمله هؤلاء من الظلم الجماعي المتنوع. بل إن صعاليكنا هؤلاء ينسون أن من خان أمانة الله في نبذ كتابه, ورفض حكمه وشريعته, فهو لخلقه أخون, وإن من لم يحسن المعاملة لله في السر والعلن, فمعاملته للمخلوق لا تتجاوز النفعية والانتهازية, مهما زعم وادعى، وكم رأينا فيما مر علينا من التجارب من متناقضات الأقوال والأفعال للماديين، وتقلباتهم في مسالكهم السياسية والاقتصادية وغيرها ما يبرهن على أنهم لا يحسون في قرارة نفوسهم بأي وخز في ضمائرهم، لعدم الوازع الديني من خوف الله وحسن معاملته؛ لأنهم في مكان بعيد من عبادة ربهم، فالصادق في ضراعته لله بـ (إياك نعبد) هو الذي يحسن معاملته لله حقاً كما فصلناه, وبحسن معاملته لله تحسن معاملته لخلقه, والعكس بالعكس, والعياذ بالله. الحادي والخمسون بعد المائة: لما كان تطور الأحاسيس، وتجدد الحركات في الإنسان نابعاً من داخل نفسه، وكان الحافز عليهما في بعض الأحيان رغبة بموعد, أو تجدداً لحالة, أو رفعة منزلة, أو ورود شيء من الذكريات يمد ضعفه بقوة, أو يأسه برجاء, أو كسله بنشاط،أو خموله بحزم, ولكن هذا الحافز المحرك في النفس لابد أن يخبو لما يعترضه, أو يسنح في النفس مما ينسخه, كان لابد للإنسان من قوة روحية معنوية, لها روافدها الكافية في قرارة نفسه, ألا وهو الإيمان بالمحبوب الأكبر للمسلمين الحنفاء الحقيقين. فهو الإيمان الذي لا تنضب روافده، بل تتزايد في نفوس المؤمنين صادقي المحبة الذين يذكرونه في كل حال من أحوالهم، ويقدسونه ويكبرونه في نفوسهم تكبيراً معنوياً, نطقوا به فتحركت كوامن نفوسهم بما تنفجر به الطاقات بكل ما أرادوه وصمموا عليه, من تنفيذ أوامره ونصرة دينه, ولم يكن في نفوسهم مجال للخوف من سواه أبداً, ولا مجال للكسل عن طاعته, أو الخمول في تنفيذ حكمه, أو اليأس من مدده ورحمته, فهؤلاء هم أهل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لا يعتري نفوسهم ما يعتري نفوس غيرهم من الماديين، والذين تدفعهم حوافز وقتية إلى شيء ما، ثم تخبوا أو تتلون بهم حسب اختلافها وتلونها. بل هم بذكر محبوبهم الله العظيم الكريم, وشوقهم ورغبتهم إليه ورجاء ما عنده مما هم موقنون به، تتجدد في نفوسهم تلك المزايا السالفة (كالآلات الأوتوماتيكية) فيملكون أنفسهم ويضبطون وقتهم, ويستغلون مشاعرهم نحو ربهم, ويحتفظون بحرية حركتهم لله وحده, لا يصرفونها لسواه, أو يملكونها غيره. ومن هنا يدرك السر في إيجاد إقامة الصلاة المكررة وهداية الله لهم فيها إلى الضراعة له بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأنهم بصدق الاتجاه في العبادة والاستعانة يتمكنون من مجابهة الأهوال، ومقارعة الأعداء, دون انتظار أمداد خارجية أو استعمال المكر بين الشعوب, كما يفعله غيرهم, فالتاريخ يشهد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كاتب جميع الملوك مهدداً لهم في وقت واحد, قائلاً لكل ملك: "أسلم تسلم" [8] ثم أصحابه من بعده حاربوا أكبر دول العالم فارس والروم دون أن يهادنوا أحدهما أو يستعينوا به على قتال الآخر, بل حصروا استعانتهم بالله وتوكلهم عليه, فزادهم قوة معنوية وأمدهم بنصره. فإن جميع ما أودعه الله في بني آدم يصلحه الإيمان به على الحقيقة، ويحركه محبته الصادقة ويستنهضه, رجاء ما عنده من النعيم المقيم في جنة عرضها السموات والأرض, ويفجر طاقاته التكبير المعنوي الصحيح، الذي يجعل صاحبه لا يقر له قرار على الضيم أو الانزواء في عقيدته, بل ينطلق بها كالليث الصائل, لا يدع فرصة لعدوه أبداً، ولذا لما رأى اليهود عظمة هذا الدين المفجر للقوى الكامنة, والملكات المدفونة, والمهيئ لأهله كل فرصة, عملوا على إشغال أهله بشتى الدسائس والمؤامرات, وصرفهم عن حقيقته بأنواع البدع والخرافات, ليحرموهم بركته ومدده، فيلعبوا بهم على الحبلين. لعنهم الله., فليعتبر المسلمون وليرجعوا إلى الأصل المعين. الثاني والخمسون بعد المائة: الضراعة إلى الله – جل وعلا – بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مشعرة بهروب صاحبها من الشياطين والمغرضين، شياطين الجن أو شياطين الإنس, الدجالين الذين يبثون في وسائل الإعلام المختلفة زخرف القول غروراً, لعبيد المادة والشهوات والمبادئ والأغراض، هذه الضراعة بتلك الآية الشريفة هروب صادق من هؤلاء إلى الله الحبيب لكل مؤمن، والمتلطف إلى خلقه بنعمه وفضله المتواصل، ذلك الحبيب الذي يجب على العقلاء أن يطيروا إليه بأجنحة معنوية من الشوق، يحدوها الطمع في رضوانه والهرب من سخطه وعقوبته. فإن بصدق الضراعة إلى الله بهذه الآية قولاً وعملاً وقصداً، ينال الإنسان أهليته من كرامة الله في الدنيا والآخرة، فإن الله خلقه ليكرمه ويسوده في الأرض، فإذا عصى الله وطاوع الشيطان – أي شيطان مبتعد عن وحي الله وأمره – فقد سعى في إهانة نفسه بدل كرامتها، وفي رقها لكل شيطان بدلاً من تحريرها لله وحده، وفي تأخير منزلتها وجعلها ذنبًا للغير، بدلاً من رفعتها وسؤددها، وكونها راسا مسيِّرًا لا ذنبًا مسيَّرًا. فهذه الضراعة الجليلة القدر بهذه الآية الكريمة لا يتقدم بها الجهلة بالله وبدينه, من ذوي الشعور النافر عنه إلى غيره, كما لا يتقدم بها تقدماً صحيحاً من هو مسلم بالانتساب من ذوي الشعور البارد، وإنما يتقدم بها أهل التوحيد، العارفون بالله الذين يشعرون بواجبهم لله في حياتهم, فيجددون العهد معه والضراعة إليه بها؛ ليعينهم على مهمتهم التي بها بر من يستحق البر, وقمع من يستحق القمع, من كل ظالم لحق الله, مستهين بأمره, رافض لرسالته, وهو – جل وعلا- يعين الصادق بضراعته إليه فيها, ويسهل عليه طريق عبادته, ويؤهله لتحمل مشاق الدعوة إليه، والصبر في ذاته, ويوفقه للتوبة مما يلم به من الذنوب، التي تغلبه شهوته على ارتكابها، ويفرح بتوبته منها أشد من فرح المضيع لراحلته وقوته في أرض فلاة إذا وجدها، كما ورد في الحديث [9] فدينه محض الرحمة والخير والبركة واليسر, وفيه عصمة من زيغ الأهواء, وتسلط طواغيتها ودجاجلتها. الثالث والخمسون بعد المائة: هذا التوجيه العظيم من الله لعباده المؤمنين بصدق الضراعة إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مع كونه فيه حسم تام للتعلق بغير الله, فإن فيه حسماً صحيحاً لمواد التشاؤم التي تعتري الماديين, عبيد الدرهم والدينار والمتاع, عبيد الأهواء والشهوات, عبيد المطامع والأغراض المختلفة, ممن تتجسد أوهامهم بحسب تجسم أنانيتهم وانتهازيتهم, فيعيشون في الأزمات المتلاحقة، والأنانيات المسعورة, وكثيراً ما يخيب تفاؤلهم وتنعكس آمالهم، فيجرهم تشاؤمهم إلى الانتحار الحسي أو المعنوي بخلاف المؤمن المخبت لله المتوكل عليه، المطمئن إلى إنجاز وعده في العاجل والآجل، فإنه في حبور وسرور, وترفع عما ينحط إليه غيره. الرابع والخمسون بعد المائة: العابد لله حقاً يغتنم جميع الفرص بدون إضاعة فيهتبل فرصة صحته خوفاً من المرض, فيستعمل نشاطه في طاعة الله، بسائر أنواع الجهاد والكفاح، جهاد النفس،وجهاد شياطين الجن, وجهاد شياطين الإنس, المحاولين فتنة الناس عن الدين، مستعملاً شكر الله على الصحة والعافية في هذا السبيل، ويغتنم فرصة غناه وثروته فيجود ببذلها في سبيل الله, تقوية لعقيدته, وزحفاً برسالته, وصيانة لدينه, مهتبلاً فرصتها قبل زوالها بصروف الدهر, التي يقبلها الله كيف يشاء، وعاملاً على تقييدها بشكر الله باستعمالها الصحيح، عكس عباد الهوى الذين يصرفون ثروتهم ومكاسبهم في الأشر والبطر, أو في الصد عن سبيل الله؛ شأن الكفرة والملاحدة، فإن من سلك مسلكهم فقد تنكب عن عبادة الله. كما أن المسرف المبذر للمال, مخالف لأمر الله ومخل بعبوديته، إذا بدد المال في الشهوات والأغراض، والكماليات والبذخ بأنواعه، أو صرفه لرياء الناس وهو مذموم من الله، ومعاقب على ذلك. والعجيب أن هذا النوع من المبذرين يبخل على الله, فلا يصرف المال في الجهات الدينية، بل ويأمر الناس بالبخل في هذا السبيل، كما وصفهم الله في الآية (37) من سورة النساء, والآية (24) من سورة الحديد، فهذا المال من أقوى الطاقات الحيوية للمسلم الحامل رسالة ربه, فإذا أساء التصرف فيه صار مدداً للشيطان وأعوانه، لا مدداً لدين المسلم وعقيدته، ومن هنا تظهر حكمة تحريم الإسراف والتبذير، وحكمة حكم الله على المبذرين بأنهم إخوان الشياطين؛ لأن ثروتهم تسيل على أعداء الله وأعدائهم من الأجانب في الخارج أو من المعتنقين لمبادئهم ومذاهبهم في الداخل، ممن اصطبغوا بصبغة الوطنية ونحوها، وانسخلوا من صبغة الله. فالعابد لله يضبط ثروته بحصر إنفاقها في سبيله، لا يصرفها في غيره, ولا يبخل بها عليه فيعاقبه بحرمانها أو خسرانها حسبما تقتضيه حكمته – جل وعلا – وكما يغتنم العابد لله صحته قبل حلول سقمه، وفرصة غناه قبل فقره, فكذلك يغتنم فراغه قبل شغله, فيهتبل فرصة نعمة الفراغ باستعمالها في طاعة الله، وخدمة دينه بكافة أنواعها، والجهاد في سبيله قبل مشاغل العيلة أو الفتن، ويغتنم فرصة قوة شبابه قبل حلول هرمه وضعفه، فإنه إن فرط في ذلك كان خاطئاً ومحاسباً من الله عليه، والجامع لهذا الاهتبال الواجب هو أن يغتنم كل فرصة، بل كل ساعة ودقيقة من عمره، باستعمالها في مرضاة الله وطاعته، والعزم الأكيد على الجهاد في سبيله بجميع أنواعه ومتطلباته، لا يخلي لحظة واحدة من عمل أو عزم صحيح أكيد على العمل؛ لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، فكيف يفرط في أوقاته ولحظاته الغالية، التي لا يقبل الدنيا لها ثمناً؟ ولذا ورد في الحديث: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"[10]. وفي حديث الآخر عنه صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتا مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر"[11]. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ"[12]. وقد أشبعت الكلام على هذه الأحاديث في كتاب (من كنوز السنة للحق والحقيقة) والله الموفق. ومن بديع الحكم في ذلك قول القائل: (أتدري كيف يسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده). ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجله بغتة فيلقى ربه خاسراً أو نادماً, والذين ضيعوا أعمارهم سدى وباعوها على شياطين الهوى والدجاجلة يخبرنا الله عنهم بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمونَ مَا لبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات: 46]. الخامس والخمسون بعد المائة: تكرار الضراعة الصادقة مع الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يجعل المؤمن صلب العود, عظيم المراس, لا يميل مع كل ريح، ولا يضعف أو يلين أمام أي قوة, ولا ينحني مع أي خلة ولا يندهش أمام أي مفاجأة، أو يحزن عند أي مصيبة؛ لتوجهه إلى الله بكليته، واعتماده عليه في كل نائبة، واحتسابه العوض منه عن كل شي، فحبيبه الأوحد هو الله، وهو ذخيرته وملجؤه، وهو هدفه وغايته، وبذلك تكون شجاعته كاملة، وبطولته خالدة, وأخلاقه فاضلة، وصبره معيناً لا ينفذ، بخلاف ما عداه من أهل الهوايات المادية، والغوايات النفسية، فإنهم وإن كان في بعضهم شجاعة وصبر واستخفاف بالنوائب، فإنهم لابد أن تنال منهم الأحداث مأربها ويلويهم خصمهم على ما يريد في أدنى ما يصابون به من كوارث. أما عباد الله أصحاب تلك الضراعة الصادقة فهم على ما قلناه كما صور لنا التاريخ عزمهم وثباتهم على ما يلاقون من المواقف الحرجة, والنكسات المريرة، كما في واقعة الجسر, وقبلها وبعدها, مما وهب الله لهم به الحياتين؛ لأنهم حرصوا على الموت، ولم يحرصوا على المادة والشهوات، ولم يوقف الزحف الإسلامي ويعكسه إلا الخصلة الأخيرة من الحرص على المادة والشهوة, والالتفات إليهما، مما جعلهم ينكصون على أدبارهم بعدما استنشقوا النصر في ضواحي (باريس). [1] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه(6/125) رقم (30007) طبعه مكتبة الرشد, والبراز في مسنده (3/72) رقم (836) من طريق ابن أخي الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب به. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن علي و لانعلم رواه عن علي إلا الحارث, اهـ. قلت: ابن أخي الحارث الأعور مجهول. انظر ميزان الاعتدال (7/459) والحارث الأعور كذبه شعبة. انظر التقريب (1029). [2] أخرجه أحمد (1/435), والنسائي في الكبرى(6/343) والدارمي (1/78)=رقم (202). [3] أخرجه مسلم برقم (817) من حديث نافع بن عبد الحارث عن عمر رضي الله عنه. [4] يعني بذلك: نية السوء التي لا يرضاها الله. [5] كذا في الأصل , ولعل فيه سقطاً. [6] لم أقف عليه فيما بين يدي من مصادر. [7] لم أقف عليه. [8] أخرجه البخاري في صحيحه برقم(7), ومسلم (1773) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [9] الحديث المشار إليه أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2744). [10] أخرجه البخاري في صحيحه (6412) من حديث ابن عباس رضي الله عنه [11] أخرجه الحاكم في المستدرك (4/341) من حديث ابن عباس رضي الله عنه وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. [12] أخرجه الترمذي (2306) من طريق محرز بن هارون عن الأعرج عن أبي هريرة به . واستنكره ابن عدي في الكامل على محرز بن هارون. انظر الكامل (6/442), وكذا الذهبي في ميزان الاعتدال (6/30). والعقيلي في الضعفاء (4/230).
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
تفسير سورة الفاتحة (9) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الاستعانة بالله وحده: وما مصيبة المسلمين أخيراً إلا عدم الصدق الكامل بتحقيق الضراعة مع الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، وقصر الاعتماد على ولائه ونصرته - جل وعلا-، وهو القائل: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الأنفال: 40] لم يقل مولاكم الدولة الفلانية أو الفئة الفلانية، ولا نصرتكم عند هذه أو تلك، وقد قدمت فيما مضى أن هذه الآية كما تحفز أصحابها الصادقين إلى القوة المعنوية، فإنها تحفزهم إلى القوة المادية من تسخير جميع ما وهب الله لهم على وجه الأرض، أو في جوفها أو أجوائها من كل مادة؛ للاستعداد بجميع متطلبات القوة، بحيث يكونون أغنى من غيرهم، كما أشرت سابقاً إلى قوة الإيمان، التي قهر بها أسلافهم كل قوة مادية، وأن التفوق الصحيح لا يحصل إلا بها، بل قد يستحيل التفوق المادي على من هم أكثر عدداً وعدة، وأغزر علماً بالماديات، ولكن السبق الذي لا يغلبه غالب هو السبق الروحي بتحقيق مدلول هذه الآية. السادس والخمسون بعد المائة: بصدق الضراعة إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يحصل الانتعاش النفسي في هزيمة الأعداء، والتغلب على الأزمات والصعاب، والاستطالة على العوائق، والانتصار في أغلب المعارك، للاستهانة بما يلاقيه الصادق الضارع بها من الشدائد و الأهوال والمتاعب، لارتفاع قوته المعنوية وصفاء روحه، لما تضمنت من الروافد الروحية العظيمة؛ لأن فيها توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، والتوحيد العلمي الاعتقادي، ولأن المسلم المؤمن يضرع بها إلى الله غالباً بعد البسملة وبعد قراءة ثلاث آيات عظيمات، تتضمن تقديسه والثناء عليه، والتوسل بذكر عظيم أسمائه وصفاته، والاعتراف بحكمه وعدله، وتنزيهه عما لا يليق به، كما يقتضيه الحمد المطلق والاعتراف له بالنعمة الكاملة والفضل المتواصل، كما يقتضيه مسمى الرب المربي لخلقه على العموم. والاستعانة به وحده هي تحقيق التوكل عليه والتفويض إليه واعتراف العبد بأن ناصيته بيده، وانحصار رجائه له - تبارك وتعالى -، وإسلام ناصيته له، والهروب إليه بهذه الضراعة عن رق ما سواه وتسلط ما سواه، والأنس بأنواره المعنوية عن ظلمات غيره بأنواعها، كما أن في هذه الضراعة العظيمة براءة العبد من حوله وقوته، بل من كل حول وقوة لسواه تعالى، وتفويضهما إليه، وجميع ما قلناه من بعض معانيها هو توسل إلى الله بكامل توحيده المرضي له والمحبب إليه، مما له أعظم التأثير في حصول ما ذكرناه للصادقين، كما حصل ذلك للسلف الصالح، الذين نصرهم الله بالريح وبجنود لم يروها، وأمدهم بالعزة والعلم والحكمة، ودفع عنهم بها آلام الكروب، ونجاهم من الهموم والأحزان، وجعلهم في بهجة روحية منقطعة النظير. وكل من صدق هذه الضراعة بفعله وحسن قصده، حصل من الله على ما حصلوا، أما من كان نطقه بها وتكريره لها عادة تقليدية موروثة، كحال أكثر الناس اليوم فحظه منها على حسب تطفيفه مع الله، بعدم الغيرة لدينه، والغضب لحرماته، وعدم الدفع برسالته، والجهاد والإنفاق في سبيله، وعدم مساندة المسلمين وحبهم، وبغض الكافرين وحربهم، فمن هذه المواقف السلبية تترتب فوائد الآية، وثمرة نتائجها، وفي الأثر: (كما تدين تدان). أما بحصول ما ذكرناه من صدق المبتهل بها عملياً فإنه يتحفز للقيام بواجب الله، وحمل رسالته، وتنفيذ وصاياه، والعمل على إعلاء كلمته بالحكم بشريعته؛ فيشمخ إلى تحقيق الأمر وهو: السابع والخمسون بعد المائة: وهو الجهاد في سبيل الله على ضوء هذه العقيدة التي شرحنا كثيراً من مدلولها فيما مضى، فإن من تمام معرفة الله وقوة توحيده والصدق بالضراعة إليه ألا يترك صولة الباطل، فضلاً عن السماح له بالانتشار، بل يغضب لله ويصول على الباطل، قبل أن يصول عليه وينصب نفسه مهاجماً لا مدافعاً؛ لأنه متى ترك صائل الباطل أو استهان بانتشاره استفحل أمره، وعظم شره وخطره، والمدافع في الغالب لا خير فيه، ورجاء انتصاره قليل. وعزة المؤمن أن يكون كالليث الصائل في نصرة عقيدته، والدفع بها إلى الأمام، لا أن يتميع فيغزى في عقر داره، أو يكون مهدداً فيشتد همه وغمه ويكون عرضة للعدو الخارجي والمنافق الداخلي، ولكن بصولته في الجهاد وإقدامه عليه يندحر العدو ويُقْمَع المنافق، وينكبت، فيتبدل همه وغمه فرحاً ونشاطاً وقوة، ولذا قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ ﴾ ولم يقل: دافعوا ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾[التوبة: 15-14] فعدوك في العقيدة، كالجمل الحاقد، لا يذهب غيظه ويزيل حقده، إلا التأديب الرادع الذي يخرج ما في صدره، من الاستعلاء والرغبة في الانتقام بما يدمغه ويخيفه. والجهاد وإن كان مكروهاً للنفوس، فعاقبته خير وعزة وبركة، ولا تكرهه نفوس العابدين لله حقاً، الضارعين إليه صدقاً، ومشروعيته لحفظ العقيدة، وسلامة نفوس أهلها من الفتنة عن الدين،التي هي أشد من القتل و أكبر جرماً، والعمل على إعلاء كلمة الله؛ ليدين الناس بحكمه ويستسلموا له، ولو لم يسلموا فإنه ليس للإكراه على الدين، فإن العقيدة أمرها باطني، وإنما هو لإخضاع الناس لحكم الله، وردعهم عن فتنة المسلمين بشتى الوسائل وأن يكون دين الله عالياً وكلمة الكفر سافلة بجميع أنواعها، لأنها افتراء على الله، وهو وإن كان فيه قتل حسي لبعض النفوس، فمصلحته راجحة لاستبقاء أكثرها وإحيائها، حياة معنوية طيبة كما وصفها الله - تعالى-. فالصادق مع الله بتكرار هذه الضراعة بهذه الآية لا يخاف من صولة الباطل، ولا يستسلم له أبداً، بل يواصل كفاحه بشتى أنواع الجهاد ووسائله الممكنة، غير هياب ولا وجل، فلا يرهب الموت لسببين يقويان عزمه ويضبطان قوته وتفكيره، عن الانحلال والشتات، ويجعلانه يستأسد أمام أعدائه وخصومه في العقيدة الإسلامية وهما: 1- إيمانه القوي بأن طلب السلامة لا يؤخر من أجله أو يزيد في أيام عمره أو ساعتها، وإنما يكون سبباً لهلاكه الحسي أو المعنوي، كالبهيمة المسخرة المذللة بما اكتسبه من سوء مغبة الهزيمة والهوان. 2- إيمانه بحياة أخرى سعيدة بجوار الله ورضاه، فيكون مشتاقاً إلى لقائه والفوز بجنانه. وهذان السببان كلاهما يضبطان أعصابه، ويمدان روحه وبصيرته بمدد من الله، ويحققان له الرجولة والبطولة في المواقف الحرجة، فيكون على حد قول الشاعر المخاطب نَفْسَه: أقول لها وقد طارت شعاعاً ![]() من الأبطال ويحك لن تراعي ![]() فإنك لو طلبت بقاء يوم ![]() على الأجل الذي لك لن تطاعي ![]() وقول الشاعر الآخر المسلي لنفسه، المقوي لعزيمته، بتصويره الواقع الذي لا مفر منه في سنة الله الكونية والشرعية: أقول لها إذا جشأت وجاشت ♦♦♦ مكانك تحمدي أو تستريحي بل يكون هو أعلى شأناً منهما، وأقوى صبراً، وأعز نفساً، وأصدق عزيمة، لما انحشى في جوانحه من حب الله وتعظيمه، والشوق إليه و الإخلاص له قصداً وعملاً، والله الموفق. الثامن والخمسون بعد المائة: في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ اعتراف من العابد لله بأن الله هو الذي أقدره ويقدره على العبادة، ففي هذا تجديد لحمد الله وتأكيد لمعاني التوحيد المرضي لله، ولذا جعلها الله بينه وبين عبده، كما ورد الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال في ضمنه:"هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"[1]. فإن هذه الآية التي ارتبط بها ما بعدها هي خير ذخيرة للمؤمن الصادق فيما بينه وبين الله، فمن واجب المبتهل بها أن يفرغ قلبه مما سوى الله ويصفيه لله وحده، وأن يندفع بجوارحه إلى لله حسب أوامره مستمطراً عونه تعالى ومدده، والله لا يخيبه أبداً، ولن يخلف الله وعده. التاسع والخمسون بعد المائة: هذا التعليم من الله لعباده لذلك الابتهال بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وتكريره المتواصل في كل ركعة وفي كل قراءة، يشعرهم بوجوب الاستقامة على عبادة الله، والحيلولة دون ما يعوقهم أو يصدهم أو يفتنهم عنها، وذلك بحماية عقيدتهم وصيانتها، والعمل على نشرها وتقويتها، والدفع بها إلى الأمام، كيلا يسمحوا لأي تيار أن يجرفهم عنها. وحماية عقيدتهم هي بالاكتفاء بوحي الله كما أوضحناه في الأمر الثامن والتاسع والأربعين بعد المائة، وصيانتها بالابتعاد التام عن الملاحدة والمبتدعين وسد المسامع عما يشيعونه ويذيعونه في وسائل إعلامهم، ورفضها ومقارعتها لمن عنده علم بتزييفها، وحصانة عن التأثير بها، والمحاذرة من جميع وسائل الفتنة عن العقيدة والدين بقطع مادتها، وعدم السماح بدخولها أو انتشارها، وحفظ الثغور الحسية أو المعنوية عن تغلغلها، ومقاطعة أهلها من المتساهلين بالدين، أو المشككين فيه، أو المحرفين لنصوصه، والمحاولين تقريبه إلى نظريات الماديين والفلاسفة، أو تأويله حسب أذواقهم، فإن بغضهم وهجرهم من الواجبات، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68] وقال تعالى في الآية (140) من سورة النساء: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ فضرر المنافق والملحد أشد بكثير من ضرر الكافر الأصلي الصريح، وهو أشد فتكاً في الروح من الجرب المعدي للجسم. وخير مشغل للقلب والحواس عن الغزو الفكري ما قدمناه في الأمر الثامن والتاسع والأربعين بعد المائة، وما ذكرناه قبلها في عدة وجوه مع الانشغال بنشر الدعوة وتركيز العقيدة، والاعتناء بتدعيمها، والدفع بها إلى الأمام، فإنه مع نفعه للناس فيه وقاية لصاحبه بإذن الله. الستون بعد المائة: تعليم الله للمؤمنين هذه الضراعة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بصيغة الجمع، وكون الفرد منهم ملزماً بهذه الصيغة، فيه إعلام من الله مؤكد بالتذكير بأن هذا الدين الإسلامي الحنيف هو الرابطة الوحيدة بين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وتباعد أقطارهم وبلادهم، فهو الذي يجعل جميع الأمم الإسلامية كمجتمع واحد وأسرة واحدة؛ حتى يصبحوا بهذه القوة المتكتلة كالجسد الواحد، طبقاً لما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم وصف وأجمعه حيث قال: "إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[2]. فربط الإسلام المسلمين فيما بينهم كربط كل عضو من أعضاء البدن بالآخر إذا تألم جزء منه تألم كله ولا يستقيم تماماً إلا بالفلاح الذي يرد له العافية مما أصابه وبتركه فالمرض يسري ويستفحل شره، فكذلك الأسرة الإسلامية في جسدها الممتد في مشارق الأرض ومغاربها يجب عليها رعاية هذا الجسد، والعمل على وقايته من الأمراض الحسية والمعنوية، وصيانته من كل نائبة، والدفاع عن كل جزء منه، بل الصولة الصحيحة دون حماه، ليكون مرهوب الجانب، وأن يتكاتف المسلمون المؤمنون جميعاً على تحقيق هذه الوحدة المؤكدة في وحي الله، والتي يكررون الضراعة مع الله بمقتضاها في كل تلاوة للفاتحة، وفي كل ركعة من الصلاة أيضاً، وأن يقضوا على كل مظاهر الفرقة، ويجتثوا جذورها، وأن يحاربوا جميع التيارات المناوئة لهذا الدين بعقيدته الوحدوية، محاربة علمية دقيقة شاملة، لأن تلك التيارات غزت الأدمغة باسم العلم والفن، فمقابلتها بغيره شطط لا يجدي نفعاً، فلا بد من تكريس جهودهم لمقاومة المذاهب الفكرية مقاومة علمية عميقة، ونقدها نقداً مفنداً دامغاً، وأن يقابلوا كل مؤسسة بمثلها مما يعارضها وينقضها، فيقابلوا المدرسة بمدرسة، والجامعة بجامعة، ودور. التربية والحضانة بمثلها، والمعاهد والمجامع العلمية المادية بما يقابلها من المعاهد الإسلامية، ومعاهد التربية الحديثة المادية بمعاهد تربية روحية تفوقها، ويقابلوا النوادي الثقافية والرياضية الناشفة من الدين بنوادٍ أخرى مشبعة بروح الدين، ويقابلوا المكتبات المادية أو المكتبات المؤسس بعضها أو أكثرها لخدمة المذاهب الفكرية والمبادئ العصبية الجاهلية المجددة بمكتبات تخدم العقيدة الإسلامية، وترويج كتبها بأحدث وسيلة وأرخص ثمن، ويقابلوا الصحف المادية والمغرضة، بصحف دينية فيها تركيز على العقيدة وكشف الباطل وإظهار عورات أهله، ويقابلوا الإذاعات المغرضة وسائر الإعلام من القصص والمجلات و أشرطة الأفلام وغيرها بإذاعات ووسائل إعلامية أخرى توجه الناس إلى الحق وتضبط عقولهم وأوقاتهم، وتحفظها من سرقة شياطين الإنس واختطافها، وهكذا فليقابلوا كل وسيلة هدم بوسيلة بناء، ويرخصوا أنفسهم وأموالهم في سبيل ذلك، ويحتفوا بولاة أمورهم، ويسندوهم ويتعاونوا معهم، ويتركوا المواقف الانعزالية والحالات الانهزامية، فلا يتلبسوا بها أبداً، ليكونوا من الصادقين مع الله، ويجب ذلك ويتعين بصفة حتمية على ولاة أمور المسلمين من الملك الكبير إلى الموظف الصغير، لينتشلوا جسد هذه الأمة الذي تداعت عليه عصابات الضلال من كل ناحية بشتى أنواع الإثم والعدوان، وبجميع أنواع الغزو الفكري والعسكري والحروب الباردة والكاوية، والتي تلتقي فيها جميع المعسكرات على حرب الإسلام وتحطيم جسمه حسبما خططته لهم اليهودية الصهيونية على أيدي الماسونيين وعملائهم وكسبهم من المنصبغين بدعايتهم والمتلطخين برجسهم والذين كانوا لهم عوناً، بل كانوا أشد على الإسلام منهم، لتنديدهم بالإسلام وتشهيرهم بالمسلمين، أو مناصرتهم لأعداء الله وأعداء المسلمين باسم القومية أو بدعوى النفعية، مما جعلهم يستفزون قصار النظر ضدهم بسبب المواقف التي خذلوهم بها، وقد عملت الماسونية اليهودية على إبراز هذا الداء الدوي في جسم الأمة الإسلامية لهذا الغرض، كما قامت من قبل بإشغال الملوك والسلاطين بأنواع الفتن وألوان المطامع والأهداف الأنانية عن نجدة من يستحق النجدة، كما حصل للسلطان التركي الذي قصر همته على احتلال مصر في وقت تكالُب الصليبيين على الأندلس، ولم يعبأ بنصرة أهله وانتشالهم من مخالب الأعداء، على الرغم من استنجاد الملك به، ولو قدم لنصرة مسلمي الأندلس وانتشال بلادهم لظفر بالجميع وحصل له أكثر من مراده، وكان عزة الدهر ومفخرة التاريخ، وكانت نجدته أعظم نفعاً للمسلمين وأشد قمعاً للكفار من نجدة المعتصم للمستنجدة به القائلة وامعتصماه. وما أحوج المسلمين اليوم في كل مكان إلى أمثال (معتصم) ينجدهم ممن يتجنى عليهم ويقسرهم قسراً على ترك دينهم بشتى أنواع التنكيل، والتضييق عليهم بالمعيشة حتى في حرمانهم من الاكتساب، والعمل على إبادتهم بما يختلقه من الأكاذيب، وإن الذي يقوم بنجدة المسلمين ويتبنى قضاياهم ويكون صاعقة على أعدائهم؛ سيحتل مكانه عظيمة فريدة في هذه المعمورة، وتكسب حكومته التي تقوم بذلك أعظم وأكبر ثقة، وتكون معقد آمال المسلمين بإذن الله ومهجرهم ومحط رحالهم،، ويجعل الله لها رهبة في قلوب العالم، فينصرها بالرعب الذي جعله نصرة لنبيه صلى الله عليه وسلم وللصادقين من خلفائه إلى يوم القيامة. وهذه الرابطة الإسلامية هي التي تدل عليها نصوص الوحي ومقتضياته من كتاب وسنة، وليس في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فقط، بل في نصوص كثيرة، فقد أكثر القرآن الكريم إطلاق النفس بصيغة الجمع مريداً الأخ، تنبيهاً منه - تبارك وتعالى- على أن رابطة الإسلام تجعل المسلم أخاً للمسلم كنفسه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾[النساء: 29]،﴿ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ [البقرة: 84]، أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، فلا تقتلوا إخوانكم ولا تخرجوهم، وقوله: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوآ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11] أي: إخوانكم. وقوله: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 12] أي: بإخوانهم، وقوله﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [البقرة: 188] أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم لا يخذله و لا يسلمه التقوى هاهنا - يشير إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"[3]. وقال أيضاً: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن مثل ما يحب لنفسه"[4]. كما هو نص الإسماعيلي من طريق روح ابن عبادة عن حسين المعلم، وكلاهما صحيحان متفق عليهما من رواية قتادة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً"[5]. وقوله: "ما من مؤمن نصر مؤمناً في يوم يحب فيه نصرته إلا نصره الله في يوم يحب فيه نصرته، وما من مؤمن خذل مؤمناً في يوم يحب فيه نصرته إلا خذله الله في يوم يحب فيه نصرته"[6]. والنصوص في ذلك كثيرة مشهورة، وقد قدمت طرفاً صالحاً مما يجب على عباد الله المسلمين المؤمنين نحو بعضهم البعض، وذلك من خلال الوجه الخامس والأربعين إلى ما فوق التسعين، وفي خلال تلك ذكرت أن العابد لله لا يترك أخاه المؤمن عرضة للأحداث وفريسة للظلمة، هذا يعضه وهذا يفتنه أو يفنيه، وأن العابد لله يدخل السرور في بيوت المسلمين، ويذب عنهم كل نائبة ويحمي ذمارهم - فليرجع إلى تلك الوجوه من طلب الزيادة- والحاصل: أن الرابطة الحقيقية والدعامة الصالحة الثابتة هي رابطة الدين ودعامته وأن النداء بأي رابطة غير الإسلام من الروابط القومية والمذاهب المادية ممنوع بإجماع المسلمين ولا يجوز قطعاً، بل هو إما أن يكون معصية كبيرة وإثماً عظيماً، أو يكون شركاً مخلاً بأصل العقيدة ومضاداً لها كما أوضحناه سابقاً، ونزيد هنا إيضاحاً: أما كونه معصية وإثماً عظيماً فإنه مخالفة للأمر وارتكاب للنهي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من دعا إلى عصبية"[7] وقال في حديث جابر الذي رواه البخاري وغيره: "دعوها فإنها منتنة" فقوله: "دعوها" أمر صحيح بتركها، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما قرره الأصوليون؛ لأن الله يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، ولأن الله اعتبر إبليس عاصياً بمخالفة أمر واحد فأبعده من ملكوت السموات، ولعنه بالطرد من رحمته، ومن تأمل في واقع كل أمة إسلامية عتت عن أمر ربها ورسله ونادت بالقومية ونحوها من المبادئ العصبية والمادية، وجدها تتخبط في صنوف الفتنة وعذاب الشقاق والأزمات المتلاحقة نتيجة الحرمان من رحمة الله ووجد طواغيتهم الذين تبنوها سياسياً وفلسفياً قد حاق بهم الرجم الحسي والمعنوي، الذي هونصيب الشياطين المبتعدين عن أمر الله وصراطه المستقيم، وإذا كان الأمر المطلق للوجوب شرعاً وعقلاً، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر والنهي بقوله: "فإنها منتنة"[8].وحسبك بالنتن موجباً للابتعاد التام، لدلالته على الخبث البالغ المضر في العاقبة، فدل هذا الحديث الصحيح على مخالفة النداء بالقومية ونحوها، لأمر الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأن صاحبه متعاطٍ للنتن الخبيث، والله - جل وعلا- يقول: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ [النور: 26] ويقول تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157] لاسيما وقد تبرأ من ذوي العصبيات، ونفى حكم الشهادة عن المقتول في سبيلها بقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية فليس مني ولست منه"[9]. وقال صلى الله عليه وسلم: "الشهيد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا"[10]. وهذا حصر لمدلول الشهادة على ذلك، ولا سيما وقد ورد جواباً على أسئلة الصحابة عن الرجل الذي يقاتل شجاعة أو حمية عصبية، فأجابهم بذلك، وورد عنه صلى الله عليه وسلم في أصح الأحاديث أنه قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئٍ مسلم بغير حق ليهريق دمه"[11].والإلحاد: هو الميل عن دين الحق بأي صورة، وسنن الجاهلية كثيرة قد تبلغ المئات، منها ما يتعلق بالأصول: كدعوى القومية والوطنية، والحب والبغض لغير الله، والمولاة والمعاداة في غير سبيله، بل في سبيل العصبيات والمنافع والمصالح، ورفض الحكم بما أنزل الله والحكم بغيره، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عكسهما، والانصراف عن الله إلى غيره بأي حال من الأحوال، وتقديس الأشخاص والمذاهب والمبادئ، والغضب لهم دون الغضب لله. وهذا كله و أضعافه متحقق الوقوع ومجهور به في عالم القوميات كلها. ومنها ما يتعلق بالفروع، كالتبرج ونحوه، وأكل الربا والميتة، والرسول صلى الله عليه وسلم أتى بلفظ التعميم الشامل للجميع، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الناس إلى الله" دليل قاطع على أن المتلبس بشيء من هذه الصفات هو أبغض الآدميين إلى الله، ومما يدل على التحريم الشديد للعصبيات القومية والمذهبية قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية"[12] وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بالبراءة منه. وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جُثَا جهنم، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم".[13]. وقال أيضاً - صلوات الله وسلامه عليه-: " من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"[14]. وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه والضياء المقدسي والطبراني في الكبير كلهم بالإسناد إلى أُبي كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال في (أضواء البيان): فانظر كيف سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء: (عزاء الجاهلية) وأمر أن يقال للداعي به: (اعضض على هن أبيك) أي: فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية، فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي - صلى الله عليه وسلم - له. واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة ونظراؤهم من رؤساء الكفرة- إلى أن قال: واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفا- في منع النداء برابطة غير الإسلام، كالقوميات والعصبيات النسبية، لاسيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام ورفض الرابطة السماوية.. إلى آخر ما قاله في ج3/ ص445- جزاه الله خيراً. وأما كونها قد تكون شركاً مناقضة لملة إبراهيم ومصادقة لأصل التوحيد فيما قرره بعضهم أو كلهم في فلسفة قوميتهم وأصولها من أن النصراني ونحوه إذا كان عربياً أفضل وأولى بالنصرة والمؤاخاة من مسلم غير عربي، وقد جرتهم هذه القاعدة إلى التخلي عن قضايا المسلمين في كل مكان، ولاسيما في الهند وكشمير والزنجبار ونيجيريا وقبرص وغيرها، ولم يكفهم مجرد التخلي، بل عكسوا الأمر، فساعدوا خصومهم من النصارى والمجوس والوثنيين، ووقفوا إلى جانبهم، وهذا أقوى أنواع الموالاة التي نهى الله عما هو أقل منها في القرآن، وأجرى مواليهم كمجراهم، ففي أول سورة الممتحنة سبع آيات افتتحها الله بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الممتحنة: 1] فنهى عن الإلقاء إليهم بالمودة إشعاراً منه بطريق الأولى عن مؤازرتهم، فضلاً عن مساعدتهم على المسلمين، فهذا كفر كما نصت عليه آيات سورتي المائدة والتوبة، ثم أمرنا بعد ذلك باتباع ملة إبراهيم - عليه الصلاة و السلام- والاقتداء به في منابذته للكفرة من قومه، وهذا يهدم أفكار القوميين من أساسها، ثم رخص في البر لمن لم يعادنا في الدين ويوالِ المعادين أو يظاهرهم على إخراجنا من أي بلد، ومعروف مواقف النصارى ونحوهم من مساندة الصهاينة ضدنا في فلسطين، وتشجيعهم للاحتلال في كل بقعة تكون الأغلبية لهم، وقومنا يعكسون الأمر فيستدلون بالآية الثامنة التي فيها مجرد البر للمسالم منهم على موالاتهم وتفضيلهم على المسلمين الأعاجم، ويعمون عن الآيات السبع قبلها؛ لأنها تعكس مقاصدهم وترغم أنوفهم، وقد قال - جل وعلا-: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ [المجادلة: 22]. فالآيات كثيرة في المنع الشديد عن حب الكافر أو موالاته ولو كان أقرب قريب. ولكن القوم يقلبون الحقائق ويلبسون على مستمعيهم باعتراف بعض الحكومات المحسوبة على الإسلام بدولة الصهاينة، وهؤلاء حكومتهم علمانية مثلهم لا مسلمة كشعوبهم، فما ذنب الشعب المسلم إذا ابتلي بحكومة علمانية أبرزها المكر والعهر السياسي المنبثق من المعسكرين؟ هذا من أظلم الظلم، ولكن الله فضحهم بمساندتهم حكومات كافرة معترفة بدولة العصابات الصهيونية على المسلمين الذين لم يعترفوا بإسرائيل كموقفهم من (نيجيريا وقبرص وباكستان) ومناصرتهم للوثنين والنصارى حتى من غير العرب، كالهند المعترفة بإسرائيل والتي جعلت بلادها مسرحاً لها، وليس هذا موضع بسط أحوالهم ومتناقضاتهم لأنه تفسير، ولكن اضطررنا لذكره استطراداً لبيان مناقضة مدلول الشهادتين، وهدم الملة الخبيثة بتفضيل الكافر وتأييده على المسلم ومن مناقضة فكرة القوميات لأصل الدين، وسعيهم الدائب على تأسيس دولة علمانية تسمح لكل مفترٍ على الله أن يجهر بفريته ويدعو لها، وتكبت المسلم عن مقاومتها بحجة الطائفية، وهذا إعلاء لكلمة الكفر بشتى أنواعها، وخفض لكلمة الله، خلافاً لمقصود الله من إرسال الرسل ومشروعية الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يخفي أن أسلافنا إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار باسم الإسلام ورابطته الدينية لا بأي رابطة قومية أو مادية مما بثه اليهود وتبناه تلاميذ الماسونية. الحادي والستون بعد المائة: الضراعة إلى الله سبحانه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بصيغة الجمع، لا يقصد بها جمع المفرد؛ لأن الشخص الواحد لا يكون جمعاً، كما لا يقصد التعظيم بنون الجمع؛ لأن العابد ضارع إلى الله بذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة، بل نون الجمع هنا تعبير من المسلم عن مجموع المسلمين كما علمه الله، لذلك فهو: أولاً: كالتأكيد بأن المؤمنين إخوة تتساوى أقدامهم في عبادة الله والتحرك لها، والتوجه إلى الله وطلب المدد منه، فلو قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لكان مقتصراً على ذكر عبادة نفسه دون غيره، وهذه فرقة وأنانية مخالفة للتضامن والارتباط، والله يربي عباده على عكس ذلك، ويوجههم إلى ما يحصل به صفاء قلوبهم، واتحاد هدفهم الصحيح نحوه، ووحدة صفوفهم في حياتهم الدينية، التي هي على خلاف حياة الماديين، حتى إن بعضهم يستسقي لبعض في صلاة الاستسقاء والقنوت بدعائه، شعوراً عميقاً منهم بهذه الوحدة والاتحاد. فإذا قال المسلم الصادق: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فقد ذكر عبادة نفسه وعبادة غيره من المسلمين في سائر بقاع الأرض على العموم، لذلك الارتباط العقائدي الذي يجعلهم عصبة واحدة متضامنين في معاملتهم مع الله، وعلاقتهم به في سائر نواحي حياتهم التي يجب أن تكون متكيفة بروح العبادة لله قلباً وقالباً، وظاهراً وباطناً، ليتحقق الوصف النبوي السالف الذكر. وثانياً: في الضراعة باسم المجموع تنبيه على حتمية الإتيان بالصلاة مع الجماعة، وقد اعتبرها بعض المحققين شرطاً لصحتها، والأحاديث الصحيحة تؤيد ذلك، لاسيما عدم سماح النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى الذي لا قائد له، ويعتذر بالبعد وكثرة الهوام بالمدينة، إذ كان جوابه له بما معناه: لا أجد لك رخصة وأنت تسمع النداء[15]. يتبع
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |