الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال - الصفحة 26 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كيفية نقل محادثات واتساب بين أندرويد وiOS.. خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          الحسنة بعشر، فما بالكم أيام العشر؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          مزدلفة ليلة السكينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          ماذا تعلمنا من الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          المعذبون في قبورهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          النوم المحمود والمذموم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »          عظمة أنهار الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          "شيبتني هود وأخواتها" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          حكمة سليمان وملكة سبأ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          خط التوقيت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العام > ملتقى الحوارات والنقاشات العامة
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الحوارات والنقاشات العامة قسم يتناول النقاشات العامة الهادفة والبناءة ويعالج المشاكل الشبابية الأسرية والزوجية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #251  
قديم 21-04-2026, 11:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (249) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (32)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
المسألة الرابعة عشرة:
قوله -تعالى-: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ): فيه وجوب التسمية على الذبيحة؛ سواء كان ما أريد بها النسك كما في الهدي أو الأضحية أو العقيقة، أو كانت للأكل؛ فالكل يجب أن يذكر اسم الله -عز وجل- عليه؛ قال -تعالى-: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ . وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ . وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ . وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) (الأنعام: 118-121). أي: إن أطعتموهم في استحلال الميتة إنكم لمشركون؛ لأنكم قبلتم تشريع غير الله -عز وجل-.
وقد دلَّت هذه الآيات الكريمة على حل أكل ما ذكر اسم الله عليه، وكان الذابح مسلمًا أو كتابيًّا، وأما المشرك فلا تحل ذبيحته؛ لقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ) (المائدة:5)؛ فدل بمفهومه على أن طعام غير الذين أوتوا الكتاب ليس حلًّا لنا كذبيحة المشرك والملحد والهندوسي والبوذي والشيوعي، وغيرهم من أصناف الملل غير أهل الكتاب لا يحل أكله ولو ذكر اسم الله عليه، وأما ذبيحة المسلم والكتابي فدلت الآيات التي تلوناها على جواز الأكل منها إذا ذكر اسم الله عليه.
قال ابن قدامة -رحمه الله-: "فَصْلٌ: فَأَمَّا مَا ذَبَحُوهُ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ، فَنَنْظُرُ فِيهِ؛ فَإِنْ ذَبَحَهُ لَهُمْ مُسْلِمٌ، فَهُوَ مُبَاحٌ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فِي الْمَجُوسِيِّ يَذْبَحُ لِإِلَهِهِ، وَيَدْفَعُ الشَّاةَ إلَى الْمُسْلِمِ يَذْبَحُهَا فَيُسَمِّي: يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا. "قلتُ: وذلك لأن المسلم إذا سمَّى الله لم يقصد بالذبح إلا الله -عز وجل-، وتبقى نية المشرك في قلبه لا أثر لها". وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَمَّا يُقَرَّبُ لِآلِهَتِهِمْ، يَذْبَحُهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ ذَبَحَهَا الْكِتَابِيُّ، وَسَمَّى اللَّهَ وَحْدَهُ، حَلَّتْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْحِلِّ وُجِدَ.
وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهَا، أَوْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا، لَمْ تَحِلَّ. قَالَ حَنْبَلٌ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَا يُؤْكَلُ. يَعْنِي مَا ذُبِحَ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: يَدَعُونَ التَّسْمِيَةَ عَلَى عَمْدٍ، إنَّمَا يَذْبَحُونَ لِلْمَسِيحِ.
فَأَمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ، فَرُوِيَتْ عَنْ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ فِيمَا ذُبِحَ لِكَنَائِسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ مُطْلَقًا. وَهُوَ قَوْلُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ؛ لِأَنَّهُ ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ إبَاحَتُهُ. وَسُئِلَ عَنْهُ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ، فَقَالَ: كُلُوا، وَأَطْعِمُونِي. وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ. وَأَكَلَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ. وَرَخَّصَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ، وَمَكْحُولٌ، وَضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) (المائدة: ?)، وَهَذَا مِنْ طَعَامِهِمْ.
"قلتُ: تغليب عموم: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) على عموم: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)، وعلى عموم قوله -تعالى-: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (الأنعام: 145) -وهذا مما أهل به لغير الله- غير صحيح؛ لأن عموم قوله -تعالى-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) لم يدل دليل على تخصيصه.
وأما قوله -تعالى-: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) فقد خصص بالإجماع بلحم الخنزير -وقد استحله النصارى-، وشرب الخمر وأكل الميتة؛ فإن هذا لا يحل لنا وإن كان من طعامهم؛ فكذلك ما لم يذكر اسم الله عليه، وبالأولى ما ذكروا غير اسم الله عليه فإن ذلك مما أهل به لغير الله ولم يحله الله لنا ولا لهم، ففي الحقيقة هذا ليس طعامهم الذي أحله الله لهم، بل أوجب عليهم أن يذكروا اسم الله عليه، فتركوا ذلك أو خالفوه فذكروا اسم غيره فلا يحل؛ فهذا القول -الذي هو تحريم أكل ذبائح أهل الكتاب إذا تركوا اسم الله عليها أو ذكروا غير اسم الله عليه فلا تحل- هذا هو الصواب بلا شك).
قال القاضي: مَا ذَبَحَهُ الْكِتَابِيُّ لِعِيدِهِ أَوْ نَجْمٍ أَوْ صَنَمٍ أَوْ نَبِيٍّ، فَسَمَّاهُ عَلَى ذَبِيحَتِهِ، حَرُمَ؛ (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: ?). وَإِنْ سَمَّى اللَّهَ وَحْدَهُ، حَلَّ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (الأنعام: ???)، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ؛ لِقَصْدِهِ بِقَلْبِهِ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ" (انتهى من المغني).
قلتُ: والصحيح أن ما ذبحوه لأعيادهم ولو ذكروا اسم الله عليه لا يؤكل منه؛ لأن في ذلك تعظيمًا لعيدهم، وإن لم تحرم الذبيحة ولن تصبح كالميتة.
وقال الإمام النووي -رحمه الله- في شرح قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌لَعَنَ ‌اللهُ ‌مَنْ ‌ذَبَحَ ‌لِغَيْرِ ‌اللهِ) في صحيح مسلم: "وأما الذبح لغير الله: فالمراد به أن يذبح باسم غير الله -تعالى-؛ كمن ذبح للصنم أو الصليب، أو لموسى أو لعيسى -صلى الله عليهما- أو للكعبة ونحو ذلك؛ فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة؛ سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا؛ نص عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا. فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله -تعالى- والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا، وذكر الشيخ إبراهيم المروزي من أصحابنا: أن ما يذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه؛ لأنه مما أُهِل به لغير الله -تعالى-. قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارًا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم. والله أعلم".
وللحديث -بقية إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 08-06-2026 الساعة 10:40 PM.
رد مع اقتباس
  #252  
قديم 08-06-2026, 10:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (250) بناء إبراهيم -عليه السلام- البيت وتأذينه في الناس بالحج (33)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ . وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ . ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (الحج: 25-29).
فيه فوائد:
تكملة الفائدة الرابعة عشرة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في قوله -تعالى-: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: 3): "ظاهره: أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود، فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه نحن متقربين به إلى الله -سبحانه- كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: باسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه: باسم المسيح، أو الزهرة؛ فلأن يحرم ما قيل فيه: لأجل المسيح والزهرة أو قصد به ذلك، أولى" (انتهى).
وقال الكاساني الحنفي في (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع) في شروط حل الذبيحة: "ومنها: "التسمية حالة الذكر عندنا وعند الشافعي، ليست بشرط أصلًا، وقال مالك -رحمه الله-: إنها شرط حالة الذكر والسهو حتى لا يحل متروك التسمية ناسيًا عنده، والمسألة مختلفة بين الصحابة -رضي الله تعالى عنهم-.
أما الكلام مع الشافعي -رحمه الله- فإنه احتج بقوله -تبارك وتعالى-: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ) (الأنعام: 145)، أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يقول: إنه لا يجد فيما أوحي إليه محرمًا سوى الأشياء الثلاثة، ومتروك التسمية لم يدخل فيها، فلا يكون محرمًا، ولا يقال: يحتمل أنه لم يكن المحرم وقت نزول الآية الكريمة سوى المذكور فيها ثم حرم بعد ذلك متروك التسمية بقوله -عز وجل-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)؛ لأنه قيل: إن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة، ولو كان متروك التسمية محرمًا لكان واجدًا له، فيجب أن يستثنيه كما استثنى الأشياء الثلاثة.
ولنا: قوله -عز وجل-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) (الأنعام: 121)، والاستدلال بالآية من وجهين: أحدهما: أن مطلق النهي للتحريم في حق العمل. والثاني: أنه سمى كل ما لم يذكر اسم الله عليه فسقًا بقوله -عز وجل-: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).
ولا فسق إلا بارتكاب المحرم، ولا تحمل إلا على الميتة وذبائح أهل الشرك بقول بعض أهل التأويل في سبب نزول الآية الكريمة؛ لأن العام لا يخص بالسبب عندنا، بل يعمل بعموم اللفظ لما عرف في أصول الفقه مع ما أن الحمل على ذلك حمل على التكرار؛ لأن حرمة الميتة وذبائح أهل الشرك ثبتت بنصوص أخر، وهي: قوله -عز وجل-: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) (المائدة: 3)، وقوله -عز وجل-: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (المائدة: 3)، وقوله: (وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ) (المائدة: 3)، فالحمل على ما قاله يكون حملًا على ما قلنا، ويكون حملًا على فائدة جديدة فكان أولى، وقوله -عز وجل-: (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) (الحج: 36)، ومطلق الأمر للوجوب في حق العمل ولو لم يكن شرطًا لما وجب.
وروى الشعبي عن عدي بن حاتم -رضي الله عنهما- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيد الكلب، فقال: (‌مَا ‌أَمْسَكَ ‌عَلَيْكَ ‌وَلَمْ ‌يَأْكُلْ ‌مِنْهُ، ‌فَكُلْهُ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ، فَإِنْ وَجَدْتَ عِنْدَهُ كَلْبًا آخَرَ فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ) (متفق عليه)، فنهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الأكل، وعلل بترك التسمية؛ فدل أنها شرط.
أما الآية الكريمة: ففيها أنه كان يجد وقت نزول الآية الشريفة محرمًا سوى المذكور فيها، فاحتمل أنه كان كذلك وقت نزول الآية الشريفة، ثم وجد تحريم متروك التسمية بعد ذلك لما تلونا، كما كان لا يوجد تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم الحمار والبغل عند نزولها، ثم وجد بعد ذلك بوحي متلو أو غير متلو -على ما ذكرنا-.
وأما الكلام مع مالك -رحمه الله- فهو احتج بعموم قوله -تبارك وتعالى-: (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) من غير فصل بين العمد والسهو؛ ولأن التسمية لما كانت واجبة حالة العمد فكذا حالة النسيان؛ لأن النسيان لا يمنع الوجوب والحظر كالخطأ، حتى كان الناسي والخاطئ جائز المؤاخذة عقلًا؛ ولهذا استوى العمد والسهو في ترك تكبيرة الافتتاح والطهارة وغيرها من الشرائط، والكلام في الصلاة عمدًا أو سهوًا عندكم كذا ههنا.
ولنا: ما روي عن راشد بن سعد عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: "ذبيحة المسلم حلال؛ سمَّى أو لم يسمٍّ، ما لم يتعمد" (أخرجه أبو داود في مراسيله بسند ضعيف)، وهذا نص في الباب. وأما الآية فلا تتناول متروك التسمية لوجهين: أحدهما: أنه قال -عز وجل-: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) أي: ترك التسمية عند الذبح فسق، وترك التسمية سهوًا لا يكون فسقًا، وكذا كل متروك التسمية سهوًا لا يلحقه سمة الفسق؛ لأن المسألة اجتهادية وفيها اختلاف الصحابة؛ فدل أن المراد من الآية الكريمة متروك التسمية عمدًا لا سهوًا. والثاني: أن الناسي لم يترك التسمية، بل ذكر اسم الله -عز وجل- والذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب؛ قال الله -تعالى-: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) (الكهف: 28)، والناسي ذاكر بقلبه لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سئل عن رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله عليه، فقال -رضي الله عنه-: اسم الله -عز وجل- في قلب كل مسلم فليأكل.
وعنه في رواية أخرى قال: إن المسلم ذكر الله في قلبه، وقال : كما لا ينفع الاسم في الشرك لا يضر النسيان في الإسلام ، وعنه -رضي الله عنه- في رواية أخرى قال: في المسلم اسم الله -تعالى-، فإذا ذبح ونسي أن يسمي فكل، وإذا ذبح المجوسي وذكر اسم الله تعالى فلا تطعمه، وعن سيدنا علي -رضي الله عنه- سئل عن هذا فقال: إنما هي علة المسألة، فثبت أن الناسي ذاكر، فكانت ذبيحته مذكورة التسمية فلا تتناولها الآية الكريمة.
وأما قوله: إن النسيان لا يدفع التكليف، ولا يدفع الحظر حتى لم يجعل عذرًا في بعض المواضع على ما ضرب من الأمثلة، فنقول: النسيان جعل عذرًا مانعًا من التكليف والمؤاخذة فيما يغلب وجوده، ولم يجعل عذرًا فيما لا يغلب وجوده؛ لأنه لو لم يجعل عذرًا فيما يغلب وجوده؛ لوقع الناس في الحرج، والحرج مدفوع" (انتهى باختصار يسير).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #253  
قديم 08-06-2026, 10:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (251) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (1)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "هذا إخبار من الله -تعالى- عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم -عليه السلام- إمام الحنفاء، أمر الله -تعالى- رسوله محمَّدًا -صلى الله عليه وسلم- أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل وعبادة الله وحده لا شريك له والتبري من الشرك وأهله، فإن الله -تعالى- آتى إبراهيم رشده من قبل أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشبَّ أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله -عز وجل-، فقال: (لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ) أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟! (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) (الشعراء: 71). أي: مقيمين على عبادتها ودعائها.
(قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون فهم على آثارهم يهرعون فعند ذلك قال لهم إبراهيم: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فلتخلص إليَّ بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها. وهذا كما قال -تعالى- مخبرًا عن نوح -عليه السلام-: (فَأَجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ) (يونس: 71). وقال هود -عليه السلام-: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ . إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود: 54- 56)، وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: (وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا) (الأنعام: 81)، وقال -تعالى-: (قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) (الممتحنة: 4)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف: 26- 28) يعني: لا إله إلا الله.
(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ): يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ) أي هو الخالق الذي قدَّر قدرًا وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء.
(وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) أي: هو خالقي ورازقي بما سخَّر ويسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن وأنزل الماء وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا لـ(نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا) (الفرقان: 49).
وقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا، كما قال -تعالى- آمرًا للمصلي أن يقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) (الفاتحة: 6- 7)، فأسند الإنعام إلى الله -سبحانه وتعالى-، والغضب حذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) (الجن: 10)؛ ولهذا قال إبراهيم: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه.
(وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد.
(وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) أي: هو الذي لا يقدر على غفر الذنوب في الدنيا والآخرة، إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء.
(رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ): وهذا سؤال من إبراهيم -عليه السلام- أن يؤتيه ربه حكمًا.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله: (وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عند الاحتضار: (اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى) قالها ثلاثًا. وفي الحديث في الدعاء: (اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ وَأَمِتْنَا مُسْلِمِينَ وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مُبَدِّلِينَ).
(وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) (الشعراء: 84):
وقوله: (وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) أي: واجعل لي ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال -تعالى-: (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ . سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) (الصافات: 108- 110).
قال مجاهد وقتادة: (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله -تعالى-: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (العنكبوت: 27)، وكقوله: (وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) (النحل: 122).
قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة.
وقوله -تعالى-: (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) أي: أنعم علي في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم.
وقوله: (وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ) كقوله: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) (إبراهيم: 41)، وهذا مما رجع عنه إبراهيم -عليه السلام- كما قال -تعالى-: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 114). وقد قطع الله -تعالى- الإلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْء) (الممتحنة: 4).
وقوله: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ) أي: أجرني من الخزي يوم القيامة، ويوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم.
قال البخاري في قوله: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ): وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَأَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ)، حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ).
هكذا رواه عند هذه الآية، وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: (يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ. فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي فَيَقُولُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَلَّا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ. فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ) (رواه البخاري).
وقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير قوله: (وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ): أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ رَأَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ. وَقَالَ لَهُ: قَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ هَذَا فَعَصَيْتَنِي. قَالَ: لَكِنِّي الْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ وَاحِدَةً. قَالَ: يَا رَبِّ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَإِنْ أَخْزَيْتَ أَبَاهُ فَقَدْ أَخْزَيْتَ الْأَبْعَدَ. قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنِّي حَرَّمْتُهَا عَلَى الْكَافِرِينَ. فَأُخِذَ مِنْهُ. قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَنْتَ أَخَذْتَهُ مِنِّي. قَالَ: انْظُرْ أَسْفَلَ مِنْكَ. فَنَظَرَ فَإِذَا ذِيخٌ يَتَمَرَّغُ فِي نَتْنِهِ، فَأُخِذَ بِقَوَائِمِهِ فَأُلْقِيَ فِي النَّارِ) هذا إسناد غريب، وفيه نكارة.
والذيخ: هو الذكر من الضباع، كأنه حوَّل آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته، فيلقى في النار كذلك.
وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وفيه غرابة. ورواه أيضًا من حديث قتادة عن جعفر بن عبد الغافر عن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بنحوه.
وقوله: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ) أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا: (وَلَا بَنُونَ) ولو افتدى بمن في الأرض جميعًا، ولا ينفع يومئذٍ إلا الإيمان بالله، وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك؛ ولهذا قال: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي: سالم من الدنس والشرك.
قال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) حي يشهد أن لا إله إلا الله.
وقال مجاهد والحسن، وغيرهما: (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) يعني: من الشرك.
وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن؛ لأن قلب الكافر والمنافق المنافق مريض، قال الله: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) (البقرة: 10).
وقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن إلى السُّنة" (انتهى من تفسير ابن كثير).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #254  
قديم 08-06-2026, 10:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (252) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (2)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوة يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).
في الآيات فوائد:
الفائدة الأولى: وجوبُ الدَّعوةِ إلى الله -عز وجل- والأمرُ بالمعروفِ، وأعظمُهُ: التوحيدُ، والنهيُ عَنِ المنكرِ، وأعظمُهُ: الشركُ.
الفائدة الثانية: أنه يبدأ في الدعوة الأقربين قيامًا بحق الله سبحانه ثم قيامًا بحق القرابة، فالنصيحة للآباء والأمهات والإخوة والأخوات والعمات والأعمام، والأخوال والخالات، والأبناء والبنات، مقدمة على الآخرين؛ لأن النصيحة أعظم ما يقدِّمه العبد لقرابته في نجاتهم من سخط الله -عز وجل- وعقابه؛ قال الله -تعالى- لنبيه محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء: 214)، وفي التلاوة المنسوخة: "وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ".
وفي الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما أنزل الله عليه: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، قام على الصفا فقال: (يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، ‌اشْتَرُوا ‌أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) (متفق عليه). وفي الرواية الأخرى: (أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (رواه مسلم).
الفائدة الثالثة: الآية والحديث السابق دليل على أن القرابة للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- ولو كان من أقرب الناس إليهم لا تنفع مَن لم يؤمن منهم ويعمل الصالحات، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لم يملك لأبيه من الله شيئًا إذ كفر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- صرَّح لفاطمة ابنته -رضي الله عنها-، ولعمه العباس ولعمته صفية -رضي الله عنهما- أنه لا يملك لهما من الله شيئًا، وفي هذا رَدٌّ على كل الذين يغالون في أهل بيته -عليه الصلاة والسلام- ممن لم يؤمنوا؛ حتى غلوا في عمه أبي لهب! وكره بعضهم أن يقرأ في الصلاة أو حتى في المصحف سورة المسد؛ لأجل ذِكْر عمه أبي لهب؛ بزعم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-!
ونعوذ بالله من الضلال؛ فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تلاها وقرأها، وما من سورة من سور المفصل إلا قرأها -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، ومع ذلك يتجرؤون على ترك سورة عظيمة من القرآن؛ لأجل زعمهم أن هذا يؤذي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وملعون مَن آذى النبي -صلى الله عليه وسلم-، نعوذ بالله من الضلال، ولوازم هذا القول الكفر الصريح.
وكذا غَلَوْا في عمه أبي طالب وزعموا وفاته وجده عبد المطلب؛ فضلًا عن أبي النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمه أنهم ماتوا على الإيمان، بزعمهم أن الإيمان هو المعرفة -وقد كانت عند أبي طالب المعرفة-، رغم الآيات التي نزلت في عمه أبي لهب بالتصريح بأنه سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد. وكذلك في عمه أبي طالب رغم تصديقه الباطن بنبوته -صلى الله عليه وسلم-، وإقراره بلسانه أن دين محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- خير أديان البرية دينًا، ومع ذلك قال الله -تعالى-: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة: 113- 114). وأنزل الله -عز وجل- في أبي طالب: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (القصص: 56).
الفائدة الرابعة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَعْبُدُونَ): استفهام إنكار في حقيقته وإن أجاب قومه عليه بحقيقة الأمر وأنهم يعبدون أصنامًا فَيَظَلُّوا لها عاكفين أي: ملازمين مقيمين، ماكثين خدمًا لها -فيما يظنون-. وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: الصلاة لأصنامهم يعني عاكفين أي: مصلين، وهذا أعظم الجهل وأعظم الظلم أن يعبد الإنسان ويخضع لمَن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئًا.
الفائدة الخامسة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ): تضمَّنَتِ الآيةُ الحُجَّةَ التي ضمنها إبراهيم سؤاله لهم؛ وهي: أنها لا تسمع دعاءهم، ولا تملك نفعهم ولا ضرهم، وهذه صفة كل من يعبد من دون الله من الشمس والقمر والكواكب، والأحجار والأشجار، والنُّصب، وكذلك القبور وأصحابها الأموات، فيهم نفس الصفات؛ لا يسمعون دعاء مَن يدعوهم، ولا ينفعونه ولا يضرونه؛ قال الله -تعالى-: (وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ . وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 106- 107).
والعجب: أن المشركين من قوم إبراهيم يقرون بأنها لا تسمع، ولا تنفع ولا تضر؛ كما دَلَّ على ذلك قولهم: (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ)؛ فهذا الإضراب معناه: أنها لا تسمعنا إذا دعونا، ولا تنفعنا ولا تضرنا، ولكن وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. وقال الله -تعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: 13- 14)؛ فدَلَّ على أنهم كانوا يقرون لله -عز وجل- بالربوبية وتدبير الأمر، ومِلْك النفع والضر.
ثم صار الحال بالمشركين المنتسبين إلى الإسلام اليوم أن صاروا شَرًّا من هؤلاء؛ حيث ينسبون إلى الأولياء -بل وغير الأولياء- ممَّن ينقلون عنهم: تصريح هؤلاء بوحدة الوجود، والقول بمساواة الأديان، وأن:
‌الـربٌ ‌عـبـدٌ والـعــبـد ربٌ يا ‌ليت ‌شعري ‌من ‌المكلـف؟
إن قـلــت عـبـدٌ فـذاك ربٌ أو قـلـت ربٌ أنَّـي يــكـلـف؟
وأن أحد هؤلاء المزعوم ولايته بالباطل، كان يقول على المنبر: "أشهد أن لا إله إلا لكم إلا إبليس صلى الله عليه وسلم! فقال الناس: كَفَر كَفر؛ فَسَلَّ السيف ونزل مَن على المنبر. ففرَّ الناس من المسجد، وفعل ذلك في ثلاثين جمعة في نفس اليوم، فأي خرافة شَرٌّ من هذا؟!
فهم ينسِبون إليهم الضر والنفع، والمِلْك، والإحياء والإماتة، وإجابة الدعوات والطلبات! بل نسبوا لهم الخلق والرزق والحكم الباطن للكون، وعلى كل ذرات وجوده! بل قال بعض الغلاة من الشيعة:
إن عليًّا -رضي الله عنه- جاعل الأرض مِهَادًا وبانٍ فوقكم سبعًا شدادًا!"، وهذا كفر صريح.

وزعم بعضهم: أن السيدة زينب -رضي الله عنها- هي رئيسة الديوان والحكومة الباطنة؛ ليروِّجوا عند الجهلاء دعاءهم من دون الله، وطلب حاجاتهم منهم، فصاروا شَرًّا من المشركين القدماء؛ إذ أشرك المعاصرون في الربوبية والألوهية، ولولا الجهل عند أهل الجهل منهم، لكان كفرهم بأعيانهم ضروريًّا.
الفائدة السادسة: صرَّح المشركون بأن سبب شركهم هو التقليد للآباء والأسلاف، وكذا كان شرك مشركي قريش، بل وحجتهم الأساسية في مواجهة براهين التوحيد التي جاء بها الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ وفي قصة موت أبي طالب قال له أبو جهل وعبد الله بن أمية حين قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ)، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَالَا يُكَلِّمَانِهِ، حَتَّى قَالَ آخِرَ شَيْءٍ كَلَّمَهُمْ بِهِ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. (متفق عليه). وقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، ‌لَأَقْرَرْتُ ‌بِهَا ‌عَيْنَكَ) (رواه مسلم).
فدَلَّ على أن التقليد هو أعظم شبهة عند القوم؛ ولذا لا ينتشر الشرك إلا مع انتشار التقليد وتعظيم الشيوخ حتى يقبل قولهم بلا حجة؛ أحيانًا بزعم الكشف والإلهام، وأحيانًا بزعم ملاقاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة والنوم وإخبارهم عنه بذلك، بل وبعضهم ربما ادَّعى رؤية الله -عز وجل!- تعالى عن أقوالهم علوًّا كبيرًا.
فالتقليد من أخطر الأمور التي لا بد من محاربتها، ولا بد من نشر اتباع الدليل، ولم يأمر أحدٌ من العلماء بهذا التقليد الذي يحصل في العصور المتأخرة بإلغاء الأدلة من عقول طلبة العلم، وترسيخ التقليد المطلق في نفوسهم، فصار يسهل بعد ذلك أن يتلقوا أنواع الشرك والكفر من الشيوخ، وهم معظِّمون لهم!
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #255  
قديم 08-06-2026, 10:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (253) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (3)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).
الفائدة السابعة:
دلَّ قوله -تعالى-: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ) على وجود العداوة والبغضاء مع الآلهة المعبودة من دون الله، وهي وإن كانت حجارة أو خشبًا لا يعقل؛ فإنه قد صار لها رمزية الآلهة، فتسميتها وحقيقة عداوتها وبغضها هو لفكرة عبادتها من دون الله، وبغض عابديها؛ كما قال -سبحانه وتعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الممتحنة: 4-6).
فالكفر بما يُعبد من دون الله وعداوة فكرة عبادتها، وعداوة عابديها حتى يؤمنوا بالله وحده؛ هذه المسألة هي أعظم مسألة تبدأ بها كلمة الشهادة: (لا إله إلا الله)؛ فهي تبدأ بالنفي للألوهية الباطلة التي ادَّعاها المشركون لآلهتهم ثم إثبات الألوهية الحقة لله وحده، وهذه العداوة واجبة، بل ركن في الإيمان لا يحصل الإيمان والتوحيد إلا بها، وهي ما ينقم أعداء الإسلام علينا نحن المسلمين، وخاصة أهل السنة والجماعة؛ الذين يقيمون عقيدة الولاء والبراء، ويقيمون النفي والإثبات، ويصرِّحون بكفر مَن عبد غير الله، ويرفضون فكرة ما يُسمَّى: بـمُسَاواة الأديان، وما يسمى: بالدين الإبراهيمي الجديد القائم على مُسَاواة الأديان الثلاثة: اليهودية والمسيحية والإسلام؛ بزعم انتسابها إلى إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وهو -عليه الصلاة والسلام- بريء منها؛ قال الله -عز وجل-: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: 67- 68).
وهي إنما هي فكرة لخداع المسلمين دون غيرهم؛ فهل ترون ما يفعل اليهود ومَن والاهم مِن المشركين مِن النصارى ومَن وَالَاهم بالمسلمين في غزة -سابقًا- وفلسطين والضفة الغربية، وما يفعلونه في حروبهم المختلفة في الخليج، وكيف قتلوا في الخليج والعراق وأفغانستان، وكيف قتلوا ملايين المسلمين وهم يزعمون أنهم يعتقدون مُسَاواة هذه الأديان؟! فهذا إنما هو لخداع المسلمين فقط؛ وإلا اليهود يعتقدون أنه لا دين يعلو إلا اليهودية التي هم عليها، وهي على ما هي عليها الآن من التحريف والتبديل لا يمكن أن تُنسَب إلى موسى -عليه السلام-، وكذا المسيحية والنصرانية لا يمكن أن تُنسَب إلى عيسى -عليه السلام-.
وهذه البراءة وفكرة معاداة عبادة غير الله هي أوضح المسائل عند إبراهيم -عليه السلام-، وهو بَدَأَ بها كما نسمع في دعوة أبيه وقومه، وفي قوله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ . وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الزخرف: 26-28)، فهي كلمة لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها بأمر الله.
وأما إذا كان المعبود من دون الله صالحًا كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهو يكره عبادة غير الله، ويأمر بالتوحيد وينهى عن الشرك، ولم يَرْضَ بأن يُعبد من دون الله: فإن العداوة لا تكون لهم؛ لأنهم لا يرضون بأن يعبدهم أحدٌ من دون الله، أو مع الله، ولو انتسب إليهم وزعم حبهم؛ ولذا ففي هذه الحالة العداوة تكون لمن أمر الناس بعبادتهم مِن: شياطين الإنس والجن، والأحبار والرهبان، والشيطان الذي صارت العبادة له؛ قال الله -تعالى-: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (يس: 60-61)، وقال -عز وجل-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ . اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: 30-31).
وقال الله -عز وجل-: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) (المائدة: 72).
وفي حديث الشفاعة عند الطبراني بإسنادٍ حسنٍ -أو أعلى كما قال الألباني في تخريج أحاديث مختصر العلو-، وكذا عند أبي الدنيا والدارقطني في رؤية الله: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيَامًا أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ القَضَاءِ، وَيَنْزِلُ اللَّهُ -عز وجل- فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ مِنَ العَرْشِ إِلَى الكُرْسِيِّ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، أَنْ يُوَلِّيَ كُلَّ نَاسٍ مِنْكُمْ مَا كَانُوا يَتَوَلَّوْنَ وَيَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا؟ أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلاً مِنْ رَبِّكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَنْطَلِقُونَ وَيُمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى القَمَرِ وَإِلَى الأَوْثَانِ مِنَ الحِجَارَةِ وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. قَالَ: وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- وَأُمَّتُهُ. قَالَ: فَيَتَمَثَّلُ الرَّبُّ -عز وجل- فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُ: مَا لَكُمْ لَا تَنْطَلِقُونَ كَمَا انْطَلَقَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ لَنَا لإِلَهًا مَا رَأَيْنَاهُ بَعْدُ. فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَهُ إِنْ رَأَيْتُمُوهُ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَلَامَةً إِذَا رَأَيْنَاهَا عَرَفْنَاهُ. فَيَقُولُ: مَا هِيَ؟ فَيَقُولُونَ: يَكْشِفُ عَنْ سَاقٍ. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ كَشَفَ عَنْ سَاقٍ فَيَخِرُّ كُلُّ مَنْ كَانَ نَظَرَهُ، وَيَبْقَى قَوْمٌ ظُهُورُهُمْ كَصَيَاصِي البَقَرِ يُرِيدُونَ السُّجُودَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ، وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ. ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ. فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفَأُ مَرَّةً، فَإِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ فَمَشَى، وَإِذَا أُطْفِئَ قَامَ. قَالَ: وَالرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمَامَهُمْ حَتَّى يَمُرَّ فِي النَّارِ (قلتُ: أَيْ: عَلَيْهَا وَفَوْقَهَا)، فَيَبْقَى أَثَرُهُ كَحَدِّ السَّيْفِ، ‌دَحْضَ مَزَلَّةٌ. قَالَ: يَقُولُ: مُرُّوا. فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ نُورِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ العَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالبَرْقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالسَّحَابِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الكَوْكَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الفَرَسِ (قلتُ: أَيْ: جَرْيِهِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّجُلِ (قلتُ: أَيْ: جَرْيِ الرَّجُلِ)، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمَيْهِ يَحْبُو عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، تُجَرُّ يَدٌ وَتَعْلَقُ يَدٌ، وَتُجَرُّ رِجْلٌ وَتَعْلَقُ رِجْلٌ، وَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَخْلُصَ، فَإِذَا خَلُصَ وَقَفَ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا، أَنْ نَجَّانِي مِنْهَا بَعْدَ إِذْ رَأَيْتُهَا.
قَالَ: فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى غَدِيرٍ عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُ فَيَعُودُ إِلَيْهِ رِيحُ أَهْلِ الجَنَّةِ وَأَلْوَانُهُمْ، فَيَرَى مَا فِي الجَنَّةِ مِنْ خَلَلِ البَابِ فَيَقُولُ: رَبِّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: أَتَسْأَلُ الجَنَّةَ وَقَدْ نَجَّيْتُكَ مِنَ النَّارِ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابًا لَا أَسْمَعَ حَسِيسَهَا. قَالَ: فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ، قَالَ فَيُرَى أَوْ يُرْفَعُ لَهُ مَنْزِلٌ أَمَامَ ذَلِكَ، كَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ حُلُمٌ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ لَهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْهُ؟! فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، وَيَرَى أَمَامَ ذَلِكَ مَنْزِلاً كَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ حُلُمٌ، قَالَ: رَبِّ أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أُعْطِيتَكَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ أَحْسَنُ مِنْهُ؟! فَيُعْطَى مَنْزِلَهُ، قَالَ: وَيُرَى أَوْ يُرْفَعُ لَهُ أَمَامَ ذَلِكَ المَنْزِلِ مَنْزِلٌ آخَرُ كَأَنَّمَا هُوَ إِلَيْهِ حُلُمٌ، فَيَقُولُ: أَعْطِنِي ذَلِكَ المَنْزِلَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: فَلَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَهُ تَسْأَلُ غَيْرَهُ؟ قَالَ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَأَيُّ مَنْزِلٍ يَكُونُ أَحْسَنَ مِنْهُ؟ قَالَ: فَيُعْطَاهُ فَيَنْزِلُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ -عز وجل-: مَا لَكَ لَا تَسْأَلُ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ سَأَلْتُكَ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُكَ، وَأَقْسَمْتُ لَكَ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرْضَ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا مُنْذُ خَلَقْتُهَا إِلَى يَوْمِ أَفْنَيْتُهَا وَعَشَرَةَ أَضْعَافِهِ؟ فَيَقُولُ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ العِزَّةِ؟ فَيَضْحَكُ الرَّبُّ -عز وجل- مِنْ قَوْلِهِ). قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ إِذَا بَلَغَ هَذَا المَكَانَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ ضَحِكَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ سَمِعْتُكَ تُحَدِّثُ بِهَذَا الحَدِيثِ مِرَارًا كُلَّمَا بَلَغْتَ هَذَا المَكَانَ ضَحِكْتَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُحَدِّثُ هَذَا الحَدِيثِ مِرَارًا، كُلَّمَا بَلَغَ هَذَا المَكَانَ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ ضَحِكَ حَتَّى تَبْدُوَ أَضْرَاسُهُ. قَالَ: (فَيَقُولُ الرَّبُّ -عز وجل-: لَا، وَلَكِنِّي عَلَى ذَلِكَ قَادِرٌ، سَلْ. قَالَ: فَيَقُولُ: أَلْحِقْنِي بِالنَّاسِ. فَيَقُولُ: الحَقِ النَّاسَ. قَالَ: فَيَنْطَلِقُ يَرْمَلُ فِي الجَنَّةِ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ النَّاسِ رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ دُرَّةٍ فَيَخِرُّ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ مَا لُكَ؟ فَيَقُولُ: رَأَيْتُ رَبِّي أَوْ تَرَاءَى لِي رَبِّي. فَيُقَالُ: إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ مِنْ مَنَازِلِكَ. قَالَ: ثُمَّ يَلْقَى رَجُلاً فَيَتَهَيَّأُ لِلسُّجُودِ لَهُ، فَيُقَالُ: مَهْ. فَيَقُولُ: رَأَيْتُ أَنَّكَ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ. فَيَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا خَازِنٌ مِنْ خُزَّانِكَ، عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِكَ، تَحْتَ يَدِي أَلْفُ قَهْرَمَانٍ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ).
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #256  
قديم 08-06-2026, 11:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (254) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (4)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).
الفائدة الثامنة:
بعد أن بَيَّن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- عداوته لما يَعْبُدُون من دون الله واستثنى ربَّه رب العالمين، شرع يَذْكُر أدلة توحيد الربوبية التي تستلزم وتَقْتَضِي توحيد الألوهية وإفراده -سبحانه وتعالى- بالعبادة، وجعل يَلْفِت أنظارهم إلى أفعاله -سبحانه وتعالى- التي انْفَرَد بها، وكلُّ مَن تَأَمَّل ما يَقَع في هذا الوجود عَلِم أن أحدًا لا يَفْعَل هذه الأشياء إلا الله؛ ولذا وَجَب على العبد أن يَتَوَجَّه إليه ويَدْعُوه وحده ويَسْتَغْفِرُه، ويَطْمَع في مغفرة ذنوبه يوم القيامة فقال: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ).
وكل عاقل يَجْزِم أنه لم يَفْعَل لنفسه شيئًا منها، ولا آباؤهم ولا أمهاتهم، ولا أحد من الخَلْق، بل الله -سبحانه- الذي انْفَرَد بذلك، وأكثر الخلق عند هذه المسألة يُقِرُّون ويَعْتَرِفُون بذلك حتى مشركي العرب عَبَدَة الأوثان الذين بُعِث فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -تعالى-: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف: 9)،وقال -تعالى-: (وَلَئِنْ سأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) (الزخرف: 87)، وقال -تعالى-: (قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمَنْ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ) (يونس: 31). أي: أفلا تَتَّقُون الشرك به في العبادة.
وإنه لَمِن أعظم مصائب الزمان أن يُوجَد أناس يَنْتَسِبُون إلى الإسلام ثم هم يُخَالِفُون في هذه المسائل التي أَقَرَّ بها المشركون من أقوام الأنبياء: فَنَجِد في زماننا مَن يَنسب إلى الأولياء الخَلْق والرزق والملك، بل وأن لا يَكُون لهم شريك في الملك، وتدبير الأمر، ومغفرة الذنوب، وشفاء الأمراض، وكشف الكُرُبَات، وتدبير الأكوان، بمخالفة النصوص القرآنية الصريحة، بل للمعلوم من الدين بالضرورة.
بل ويَحْتَجُّون على اعتقادهم الشركي الكفري بآيات فيها الاشتراك اللفظي لكلمة الخَلْق والرزق، والتدبير والدعاء؛ مثل: احتجاجهم بقوله -تعالى- عن عيسى -عليه السلام-: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) (آل عمران: 49)، مع أن المعنى الذي لا إشكال فيه هو: أن عيسى -عليه السلام- يُشَكِّل من الطين على هيئة الطير، والله -سبحانه- هو الذي يَخْلُقُها طيرًا عند نفخ عيسى، فما هو فِعْل لله -عز وجل- من تحويل الطين المُشَكَّل إلى طير حي لا يَشْتَبِه عند عاقل بفعل المخلوق الذي شَكَّل الطين أو نَفَخ من فمه نفخة لا يَمْلِك بها شيئًا، وإنما الله -عز وجل- الذي أَرَاد أن يَخْلُق هذا الطير عند هذه النفخة.
وكذلك في معنى إحياء الموتى: فالله الذي يُحْيِيهم عند دعاء عيسى -عليه السلام-؛ فإنه كان يَدْعُو الله -عز وجل- ثم يَدْعُو الموتى فَيُخْرِجُهم الله -عز وجل- أحياء.
بل النصارى اعتقادهم في ذلك خير من اعتقاد هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام زورًا وبهتانًا، ويُخَالِفُون في أوضح مسائل التوحيد: ففي (أعمال الرسل) من (العهد الجديد) في رسالة بطرس قال: "يسوع -أي: المسيح- رجل تَبَرْهَن من قِبَل الرب بقواتٍ وعجائب صَنَعَها الله بيده".
ثم إن القاعدة التي قَعَّدُوها أن كل ما كان معجزة لنبي صَحَّ أن يَكُون كرامة لولي، لا دليل على عمومها حتى تُصْبِح قاعدة؛ فَنَسَبُوا من أجل ذلك إلى الأولياء خَلْق الأجنة في بطون النساء، وطَلَبُوا منهم أن يُحبِّلوا النساء، وأن يَخْلُقُوا الأجنة -والعياذ بالله!-.
وكذا نَسَبُوا لهم أنهم يُحْيُون ويُمِيتُون بقوله: "مُت أو اخْرُج حيًّا، أو نحو ذلك"، وهذا هو الضلال المبين، وكذلك قضية الأرزاق يَحْتَجُّون بقول الله -عز وجل-: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (النساء: 8)؛ الذي يَعْلَم كل عاقل أن المقصود بذلك العطاء، كما يُقَال: أرزاق العمال ونحو ذلك أي: العطايا التي يَأْخُذُونها، وأما ما انْفَرَد الرب -عز وجل- به من الرزق، فهو أنه -سبحانه وتعالى- يَخْلُق الأرزاق في السماوات والأرض، وأنه هو الذي يُوصِلُها إلى خلقه مما يَعْجِز عنه جميع الخَلْق، بل هو -سبحانه وتعالى- يُدَبِّر هذا الرزق في أجساد عباده من الأنبياء والأولياء؛ فضلًا عن غيرهم بقدرته وحده لا شريك له.
وكذلك في أمر التدبير الذي انْفَرَد الله -عز وجل- به: فاستدلوا على مشاركة الأولياء والأنبياء بتدبير الأكوان وتدبير الأمر بقوله -عز وجل-: (وَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا) (النازعات: 5)، وفرق بين (وَيُدَبِّرُ الْأَمْرَ) التي فيها الألف واللام الاستغراقية، وبين تدبير أمرٍ من الأمور؛ فالإنسان يُدَبِّر أمر أسرته ومصاريف شركته، ونحو ذلك، والملائكة تُدَبِّر أمورًا كَلَّفَها الله -عز وجل- بها وهم يَفْعَلُون ما يُؤْمَرُون، والله الذي أَقْدَرهم على ذلك؛ فكيف يُقَال: هذا التدبير يَنْتَقِل إلى تدبير الأكوان، وأن الأكوان بيدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بيد علي أو بيد القطب الغوثي الذي تَحْصُل جميع الحركات والسكنات والأرزاق بأمره؟! تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
فالذي يَقْدِر على تدبير الأكوان، وتدبير الأمر كله هو الله -عز وجل- لا يَقْدِر على ذلك إلا هو، الملك الذي له مُلك السماوات والأرض.
وأما احتجاجهم على دعائهم الأموات بنحو قوله -عز وجل-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) (البقرة: 260).
فقالوا: طيور صَارَت أمواتًا ودَعَاهُنَّ إبراهيم، فأجابته! وهل هذا إلا اشتراك لفظي في كلمة الدعاء بين دعاء الطلب في قضاء الحاجات، وكشف الكُرُبَات، وشفاء الأمراض الذي لا يَقْدِر عليه إلا الله، وهو فِعْلُه -سبحانه وتعالى- الذي ذَكَرَه إبراهيم في الاحتجاج عليهم، وبين دعاء الشيء للحضور، وقد أَحْيَا الله له الطيور بنصِّ القرآن: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) فأَتَتْه؛ فهل طَلَب إبراهيم منها قضاء حاجة أو شفاء مرض، أو هداية أو مغفرة، أو تدبير أمر؟!
بل هي بمنزلة نداء السيد لعبدِه أن يَحْضُر بين يديه، وأن يَدْعُوه للحضور، وليس أن ذلك يَدْعُوه لقضاء الحاجات؛ فيا للعجب! كل العجب الذي تَضْحَك منه عقول العالم على التسوية بين المختلفين، والتفرقة بين المتساويين!
فالمخلوقون كلهم متساوون في الضعف والعجز إلا ما أقْدَرهم الله -عز وجل- عليه، والعجب أن هؤلاء يُضَلِّلُون أهلَ السُّنة والتوحيد، ويَدَّعُون أنهم أهل الحق، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #257  
قديم 08-06-2026, 11:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,976
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الدِّين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال

الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (255) دعوة إبراهيم لأبيه وقومه وإنكاره عليهم عبادة الأوثان وتضرعه إلى الله -عز وجل- (5)



كتبه/ ياسر برهامي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل- في سورة الشعراء: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ . قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ . قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ . قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ . فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ . الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ . وَالَّذِي هُو يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ . وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ . وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ . وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ . رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ . وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ . وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ . يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (الشعراء: 69- 89).
الفائدة التاسعة:
دلَّ قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) على انفراد الرب -سبحانه وتعالى- بالإحياء والإماتة، وهذا من توحيد الربوبية الذي أقرَّ به المشركون من قريش كما قال عز وجل: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ)، ولم يخالف في ذلك إلا النمرود الجبار قديمًا، وهو الذي حاج إبراهيم في ربه، قال الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (البقرة: 258).
ولم يكن ادعاؤه أنه يحيي ويميت فيما يُشاهد من الإماتة والإحياء، ولكنه إنما أتى برجل ليس عليه جرم فقتله، وأتى برجل عليه جريمة يستحق عليها الإعدام فأطلقه.
والعجب: أنه خالف في زماننا في هذه المسألة العظيمة غلاة الصوفية الذين ينتسبون إلى الإسلام، ويزعمون أنهم يتبعون محمدًا صلى الله عليه وسلم، فخالفوا في ذلك ونسبوا إلى الأولياء بعد الأنبياء الإحياء والإماتة!
وفي "خرافات الشعراني" في كتابه "طبقات الصوفية" شيء كثير من ذلك، ويا ليتهم قالوا ذلك على سبيل الدعاء لله -عز وجل-، والتسبب في أن يحيي الله -عز وجل- الموتى كما كان عيسى -صلى الله عليه وسلم- يفعل، لكنهم يجعلون ذلك من باب التدبير الذي نسبوه لأوليائهم! فهم عندهم مدبرو شئون العباد، ولا يكادون يذكرون الله -عز وجل- في قصصهم الخرافية في إثبات هذه الصفة من صفات الربوبية!
ومن أشهر قصصهم السخيفة: قصة إبراهيم الدسوقي مع التماسيح، وهم يزعمون أن التماسيح قد كثرت على عهد إبراهيم الدسوقي في النيل، فاختطف تمساحٌ منها صبيًّا فجاءت أمه إلى إبراهيم الدسوقي، فأرسل رجلًا من أصحابه فوقف على شاطئ النيل، فقال: "يا معشر التماسيح من اختطف منكم صبياً فليأت به فخرج التمساح يمشي، وقال: سمعًا وطاعة لسيدي إبراهيم الدسوقي، ومن كرامته عليَّ أن لا أدخل عليه إلا وأنت على ظهري (ولا ندري كيف يركب على ظهر تمساح وهو من الزواحف التي تمشي على بطنها!)، فدخل هذا المريد على ظهر التمساح، فقال إبراهيم الدسوقي: أخرج الصبي فأخرجه حيًّا يلعب! ثم قال للتمساح: مت الآن فمات من ساعته!".
وهذا دون أي وسيلة من وسائل القتل التي يستعملها الناس، ثم أشار للنيل فتحول مجرى النيل بعيدًا عن قرية دسوق في ذلك الوقت!
وهذه القصة يتناولها الكبار والصغار والعجائز؛ زعمًا منهم أنها من كرامات إبراهيم الدسوقي.
ومن أعجب هذه القصص: "قصة الشيخ الشهاوي الذي كان من شيوخ الشافعية في زمنه وأرسل رجلًا من أتباعه ليبشر بأوراد الطريقة في السودان فغضب الشيخ المرغني زعيم الطريقة الختمية هناك، فقبض روح الرجل فجاءه أصحابه، وقالوا: أدرك صاحبنا، فإن الشيخ المرغني قد قبض روحه فهم صدَّقوا أيضًا (هذه الخرافة) فطار إليه (هذا قبل وجود الطيران)، ومعه أحد مريديه فوجد الجنازة قد وضعت والشيخ المرغني سيصلي عليه، قال: فوقفت بينه وبين الجنازة، فقلت: لما قبضت روح الرجل؟ فقال: المُلك ملكي أفعل فيه ما أشاء. فقال له: أليس لك شريك في الملك؟! فقال المرغني: ليس لي شريك في الملك!
قال الشهاوي: فتوجهت إلى قبر السيد البدوي ليأتي ليدرك الرجل قبل أن يصلى عليه ويدفن، فإذا نحن برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأيناه رعبنا جميعًا، فرد روح الرجل فقام يمشي كالمجنون ثم إن الرجل اشتكى لشيخه الشهاوي: أنه كلما طلب باب رزق لم يجد فيه رزقًا، وقال الشهاوي له: إن الشيخ المرغني حين قبض روحك شطب رزقك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين رد روحك لم يرد عليك رزقك؛ فلا رزق لك في الأرض إلا في أرزاق الناس!". نعوذ بالله من الضلال!
فعندهم الأولياء لا شريك لهم في الملك، وهم يقبلون مثل هذه الخرافات وكأنهم لم يسمعوا قول الله -عز وجل-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ . إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: 13-14). وقوله -سبحانه وتعالى-: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) (سبأ :22)، والآية في الملائكة التي عبدها المشركون من قريش على أنها بنات لله سبحانه و-تعالى-، فبيَّن الله أنهم لا يملكون شيئًا، فتجرأ هذا المتكبر على ربه -عز وجل- حتى قال: "الملك ملكي أفعل فيه ما أريد!"، ويقول له الآخر: "أليس لك شريك في الملك؟ فيقول: لا شريك!"؛ كأنهم لم يسمعوا تلبية النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين عبر الزمان: "إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك". نعوذ بالله من الشرك والخذلان.
وهذا الضلال والشرك الأكبر في الربوبية ثم في الألوهية؛ لأنهم يطلبون من الأموات أن يردوا روح الرجل بعد أن قبضها غيره؛ فلا بد من التحذير من ذلك وبيان بطلانه من خلال تلاوة آيات القرآن العظيم التي تدل على أن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا بد أن نبيِّن للناس خطر هذا التقليد الأعمى للشيوخ وتصديقهم فيما يدَّعون حتى فيما هو من صفات الله -سبحانه وتعالى- وربوبيته، وما يجوزونه من دعاء الأموات بزعمهم أنهم يجيبون من دعاهم، ويقضون حاجات الناس.
الفائدة العاشرة:
قوله -تعالى- عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ): هذه عبودية مستقلة تدل على توحيد الله -عز وجل-، وأنه وحده الذي يغفر الذنوب والإيمان باليوم الآخر، وهذه المغفرة هي النافعة يوم القيامة، قال -سبحانه وتعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: 135)، فالاستغفار سبب لتوبة الله -عز وجل- على عبده، وإذا أطلق الاستغفار والطمع فيه؛ فالمقصود به: أنه مع التوبة إليه سبحانه و-تعالى-، ويوم القيامة يكون الاستغفار مع التوبة مقبولًا تمحى به الذنوب إذا كان الإنسان قد أخلص نيته لله -عز وجل-.
وقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الدعاء والطمع في مغفرة الذنوب يوم الدين علامة على الإيمان وترك ذلك علامة على الكفر، كما في الحديث في مسلم وغيره عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ابن جدعان فإنه كان يصل الرحم ويفعل المعروف: أينفعه ذلك عند الله -عز وجل-؟ فقال: (لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي ‌خَطِيئَتِي ‌يَوْمَ الدِّينِ).
والخطيئة في حق الأنبياء على الصحيح من أهل العلم إنما هي الاجتهاد الذي قد يقع فيه خطأ أو نسيان أو فيه فتور عن الذكر كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّهُ ‌لَيُغَانُ ‌عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ) (رواه مسلم)، وقال: (وَاللهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ فِي الْيَوْمِ ‌أَكْثَرَ ‌مِنْ ‌سَبْعِينَ ‌مَرَّةً) (رواه البخاري).
ولقد ذكر الله -عز وجل- نسيان آدم فقال: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) (طه: 115)؛ وذلك لأن الأنبياء يلزمهم من التحفظ والذكر والتذكر لأوامر الله أكثر مما يلزم غيرهم، وكذلك ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل موسى نفس الفرعوني الكافر وهو لم يؤمر بقتله، أنه كان خطأ، فقال: (وَإِنَّمَا ‌قَتَلَ ‌مُوسَى الَّذِي ‌قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً) (رواه مسم)، والخطأ في الاجتهاد قد وقع من النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في أسرى بدر، وكذلك في مسائل ثبت فيها أنه -صلى الله عليه وسلم- أخطأ أولًا ثم نزل الوحي بتوجيهه كما في قصة زينب بنت جحش التي أنزل الله فيها: (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) (الأحزاب: 37)، وكذلك قصته مع الأعمى صلى الله عليه وسلم: (عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) (عبس: 1-2)، أو يكون هناك فعل لخلاف الأولى؛ فهذا ما يسمى خطيئة في حق الأنبياء، وليس بخطيئة في حق غيرهم لعلو منزلتهم ومزيد قربهم من الله -سبحانه وتعالى-.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 149.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 145.15 كيلو بايت... تم توفير 4.50 كيلو بايت...بمعدل (3.01%)]