|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#5
|
||||
|
||||
|
الصلاة ذلك المحفل الكبير 5 (يتبع) محمد شفيق ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] مقتضى الدين ومنتهاه: ما أن تستقر ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [الفاتحة: 4] في روعك، وينشأ لديك سؤال: ما الدين؟ حتى يجيئك الجواب: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. لم يمهلنا الله سبحانه وتعالى زمنًا طويلًا حتى ندرك كُنْه الدين؛ فالدين أن نعبد الله وبه نستعين، وأن يتعبَّدنا الله ويعين؛ كأنه إقراض واقتراض؛ صفقة إيمانية محضة بين العبد وربِّه. أملزمون نحن بهذا العقد الذي سُطِّرت بنوده خمس مرات على مدار اليوم كله؟ أو ليست الصلاة وُجدت لهذا المقصد الذي يشرف بالمصلين إلى مقام العبودية؟ وكما أنها مقصد فهي أداة في ذات الوقت؛ مقصد لأنها منشأ العبادة، وأداة لأنها استعانة ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]، وأنت تقرأ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ [الفاتحة: 5] تشعر بعظم المسؤولية والتكليف؛ وهي أن ترقى إلى مقام العبودية، وإنه لمقام شاهق مكلف، لا طائل لعبد أن يوفيه حقه؛ لكن إزاء ذلك تشعر وكأن الرب يطمئنك، ويربت على كاهلك، ويهدئ من روعك، كأن الله سبحانه يناجي عبده: يا عبدي، لا عليك إن طلبت العون فأنا أهل أن أعين، وأن أهون عليك ما تعسَّر، وأن أيسِّر لك ما تعذَّر. لقد أدرك المصلي هذا المنعطف الخطير في السورة، فأحس بعظم المسؤولية والتكليف، وارتعشت أطرافه؛ لكن عون الله ثبَّته، وانحنى ظهره، غير أن سندًا من الله أقامه ودعمه، وانفرطت آماله، بيد أنه أمهله ومكَّنه، إنه ارتعد وسكن في ذات الوقت، لم يستفق من مشاعره المختلطة إلا والإمام يدعو دعاء الهداية والاستقامة. ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] استقامة وثبات على الدين: فما أن استعجلوا مستقرهم ومستودعهم، وهدأ روعهم حتى أدركوا أن سُلَّم التكاليف لا زال في تصاعُد، لم يتوقف عند العبادة والاستعانة فقط؛ بل تجاوز الأمر إلى الاستقامة والثبات؛ إنها لعملية مسترسلة لازمة متواصلة؛ كأنما هي خرزات إذا ما استحكمت واحدة ألحقت بها الأخرى مستمسكة، حتى تكتمل القلادة، وهي منسدلة لها منظر أنيق، وزينة الدين هي الاستقامة والثبات على تعاليمه. ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، لقد نطق بها المصلون؛ فتسلل إلى فهمهم معنى عميق، ما طلبت الهداية إلا لأن الطريق شائك، كؤود، وعر، زلِق، ولأن التعثر من شأنه أن يعيق السير، ومن شأنه أن يضعف الهمم، ومن شأنه أن يرجع بالعبد القَهْقَرى. لقد أيقن المصلي أنه مخطئ، ولا بد إن لم يتبين الطريق جيدًا، وأنه واقع لا محالة، ومتعثر لا مناص، ما العمل إذًا، إلا أن يستهدي من ضلال، ويتحرَّى من زلل. والمصلون واقفون، كل له نصيب في أرض محشر الصلاة، بحسب ما تبيَّن من الحق، وما استرشد من الصواب، وما استعصم من الخطأ. الآن، لقد استوعب العبد أن له إلهًا أسرع إلى الحضور، وأحق بأن يستأذن، وأنه له الحمد؛ لأنه رحمان رحيم، وأنه ملك يوم الدين، وأن موضوع الدين هو العبادة، والعبادة لا تكون إلا بالاستعانة، والاستعانة هي طلب الهداية إلى الصراط المستقيم. فما الصراط المستقيم؟ أراه يلتفت وهو خائف يستفهم، يريد مثالًا يقتدي به، يريد نمطًا ينطبع به، وأرى في أعين المصلين الحرص وهم يستبقون ويلتمسون ماهية الصراط المستقيم، أي صراط هذا الذي هم ملزمون به؟ إنه ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 7]. أهو لغز بين كلمات ثلاث؟ ما الإنعام؟ ما "المغضوب عليهم"؟ وما "الضالين"؟ إن السورة بقدر ما سهلت بها الكلمات فقد توسعت بها المواضيع والسياقات- إلا أن يتدبر العبد ويستحضر قلبه- هل الإنسان مطالب أن يستفرغ الذهن والوقت، ويعمل الفكر، ويجهد العقل حتى يدرك منتهى ما يريده الله؟ إن سورة يوم الدين، أو الفاتحة، أو أم الكتاب- كما تُسمَّى- جعلها سبحانه سورة فيَّاضة لا ينضب معينها قط، لكل منها نصيب، ينهل منها العالم والمتعلم، والقارئ والأُمِّي، ولن يحرم بركتها ذو لسان عجم، لا بد وأن ينقذف في قلبك منها خير وبركة ما دمت ملازمًا المحراب من صلاة إلى أخرى، بعدد أنفاس العمر. والتدبر مفتاح من استعجل بصائر الكتاب والسور، وخفايا الآيات والدُّرر.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |