|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (11) اسم الله (الشافي) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التَّعرُّف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المعرفة، والتَّعبُّد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180). وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). - لم يرد ذِكْر هذا الاسم الكريم "الشافي" في القرآن بصيغة الاسم، ولكن ورد بصيغة الفِعْل كما في قوله -تعالى-: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 80). وأما السُّنة: فقد ورد في دعاء النَّبي -صلى الله عليه وسلم- للمريض: (أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغادِرُ سَقَمًا) (متفق عليه). - دلالة اسم الله "الشافي" تدل على أنه هو شافِي الأجسام من العِلَل والأمراض، وشافِي القلوب والعقول من أمراض الشُّبُهات والشهوات والأحزان والمكدِّرات: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 80). قال الحليميُّ -رحمه الله-: "الشَّافي الذي يشفي الصدور من الشُبَه والشكوك ومن الحسد والغلول، ويشفي الأبدان من الأمراض والآفات لا يقدر على ذلك غيره". الوقفة الأولى: الله وحده هو الشافي من علل الأبدان: - الأمراض والأسقام للأبدان من سُنَن الحياة التي لا بدَّ منها، ولا انفكاك عنها، كتبها الله -جلَّ جلاله- وقدَّرها؛ لِتُذكِّر الناس بالنعمة المنسية على الدَّوام "نعمة الصحة والعافية": لذلك كان من دعائه -صلى الله عليه وسلم- إذا رأى مُبتلىً: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانِي مِمَّا ابْتَلاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). - أكثر الناس بلاءً في أبدانهم الأنبياء والصَّالحون، وأقل الناس بلاءً في أبدانهم الكفار والفجار: عن مصعب بن سعد عن أبيه -رضي الله عنه- قال قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاء قال: (الْأَنْبِياءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دخل أعرابي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (هَلْ أَخَذَتْكَ أُمُّ مِلْدَمٍ قَطُّ؟) قال وما أم ملدم؟ قال: (حَرٌّ يَكُونُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ)، قال: ما وجدت هذا قط. قال: (فَهَلْ أَخَذَكَ هَذَا الصُّداعُ قَطُّ؟) قال وما هذا الصُّداع؟ قال: (عِرْقٌ يَضْرِبُ عَلى الْإِنْسانِ فِي رَأْسِهِ) . قال: ما وجدت هذا قط. فلما ولى قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا) (رواه أحمد، وصححه الألباني). - لولا الأمراض لما تذكّر أحدٌ افتقاره إلى خالقه وحاجته إليه في كشف البلاء وتخفيف الشدّة، وشهود آثار اسمه "الشافي": قال -تعالى-: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) (يونس: 107)، وفي رُقية النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: قال: (اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شافِيَ إِلَّا أَنْتَ) (رواه البخاري). وحكى -تعالى- من قِيل إبراهيم -عليه السلام-: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 80). - وأما الأطباء فهم سببٌ يُجري الله على أيديهم بالأسباب المشروعة الظاهرة للشفاء ما يشاء، فإذا انعدمت الأسباب انعدم أثر الطبيب: ففي حديث أبي رِمثة -رضي الله عنه-، قال: انطلقت مع أبي نحو النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال له أبي: أرني هذا الذي بظهرك -كأنه يريد أن ينظر إلى خاتم النبوة-، فإني رجل طبيب، فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُ الطَّبِيبُ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ، طَبِيبُها الَّذِي خَلَقَها) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). - بل حتى معجزات الأنبياء أو كرامات الأولياء، لا تمنحهم وصف "الشافي" اسمًا ولا وصفًا: قال -تعالى- حكاية عن عيسى -عليه السلام-: (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) (آل عمران: 49). وفي حديث غلام الأخدود: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ -كَانَ قَدْ عَمِيَ- فَأَتَى الْغُلَامَ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي. قَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ) (رواه مسلم). - وقد شرع الله الشافي أسبابًا لشفاء الأبدان، وأعطاها سُنَنها بمشيئته(1): قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ خَلَقَ الدَّاءَ والدَّوَاءَ فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني). الوقفة الثانية: الله وحده هو الشافي من علل القلوب والصدور: - أمراض القلوب والصدور (الشُّبُهات والشهوات: نفاق - شك - هوى - حسد - حُبُّ الشهرة والرياسة - كبر - غرور - وساوس وأمراض نفسية - أحزان وهموم - ....)، أشدُّ وأخطر من أمراض الأبدان؛ لأن آثارها تبقى بعد الموت: قال -تعالى- عن أهل النفاق والزيغ: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا) (البقرة: 10)، وقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران: 7). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَزَلَ فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) (رواه البخاري ومسلم). - الشافي وحده الذي يحفظ القلوب من الزيغ، ويشفي القلوب والصدور من أمراضها: عن شهر بن حوشب قال: قلت لأُمِّ سلمة -رضي الله عنها-: يا أُمَّ المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثر دعائه: (يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ) قالت: فقلت: يا رسول الله ما أكثر دعاءك: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك؟ قال: (يا أُمَّ سَلَمَةَ، إِنَّهُ لَيْسَ آدَمِيٌّ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصابِعِ اللَّهِ، فَمَنْ شاءَ أَقامَ وَمَنْ شاءَ أَزاغَ)، فتلا معاذ: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - جعل الشافي -سبحانه- التزام تعاليم الوحي المنزَّل سبيلاً للشفاء من أمراض القلوب والصدور: قال -تعالى-: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا) (الإسراء: 82)(2). وقال -سبحانه-: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57). الوقفة الثالثة: أسباب جعلها الشافي لشفاء القلوب والأبدان: - لقد أمر الشافي -سبحانه- بالأخذ بالأسباب وحثَّ عليها، وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فلا يجوز للمؤمن أن يُعطِّل الأسباب، بل لا يكون متوكلًا على الحقيقة إلا بتعاطي الأسباب، وهذه بعض الأسباب: 1- سائر الأدوية والعلاجات المباحة التي يتوصل إليها الإنسان: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ خَلَقَ الدَّاءَ والدَّوَاءَ فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ). 2- العسل: قال -تعالى-: (فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (النحل: 69). 3- الحبة السوداء: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (فِي الْحَبَّةِ السَّوَدَاءِ شِفاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ إِلَّا السَّامَ) (رواه البخاري ومسلم). 4- الحجامة: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (الشِّفاءُ فِي ثَلاثَةٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ، أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ، أَوْ كَيَّةٍ بِنارٍ، وَأَنَا أَنْهى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ) (رواه البخاري). 5- ماء زمزم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (ماءُ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني). وقد جُرِّب الاستشفاء بماء زمزم وجرت أمورٌ عجيبة لكثير من الناس. 6- الدعاء وقراءة القرآن، والصدقة: في دعاء النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- للمريض: (أَذْهِبِ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، اشْفِ وَأَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفاءَ إِلَّا شِفاؤُكَ، شِفاءً لَا يُغادِرُ سَقَمًا) (رواه البخاري ومسلم). وكان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يزور المرضى، ويدعو لهم، ويرقيهم بكتاب الله كما كان يرقي نفسه بالقرآن. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (داوُوا مَرْضاكُمْ بِالصَّدَقَةِ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). خاتمة: التحذير من إساءة الظن بالله واليأس من الشفاء: - قد لا تُؤتي هذه الأسباب ثِمارها في العلاج، إما لتناولها بطريقة خاطئة، أو لضعف يقين المريض: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنَّ أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اسْقِهِ عَسَلًا) فسقاه، ثم جَاءَه فقال: إنِّي سقيته عسلاً فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال له ثلاث مرَّات، ثم جَاءَ الرابعة فقال: (اسْقِهِ عَسَلًا) فقال: لقد سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ) فسقاه فبرأ. (متفق عليه). - وقد تقتضي حكمة الله -تعالى- شدة المرض، أو تأخر الشفاء؛ رفعًا لدرجات العبد يوم القيامة، وتكثيرًا لحسناته، أو تكفيرًا لسيئاته: قال -تعالى- عن أعظم مُبتلىً عرفته البشرية: (وَأَيُّوبَ إِذْ نادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ) (الأنبياء: 83- 84). - علِّق قلبك بالشافي وتعبَّد له في المرض بالرضا والطمع: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) (يونس: 107)، (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 80). اللهم يا شافي اشفِ مرضانا وعافِ مُبتلانا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ (1) قال الشيخ ابن عثيمين: "الشافي هو الله -عز وجل-؛ لأنه الذي يشفي المرض، وما يصنع من الأدوية أو يقرأ من الرقى فما هو إلا سبب قد ينفع وقد لا ينفع، فالله هو المسبب -عز وجل-؛ ولهذا ربما يمرض رجلان بمرض واحد، ويداويان بدواء واحد، وعلى وصفة واحدة، فيموت هذا ويسلم ذاك؛ لأن الأمر كله بيده الله -عز وجل-، فهو الشافي. وما يصنع من أدوية أو يقال من رقى فهو سبب، ونحن مأمورون بذلك السبب؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ خَلَقَ الدَّاءَ والدَّوَاءَ فَتَدَاوُوا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ)". وقال بعضهم: المشاهد أن عافية أهل البوادي أكمل، وأتم من عافية أهل المدن، مع وجود الأطباء عند أهل المدن، وهذا يعرفه كل أحد، بل يُضرب به المثل، ومع ذلك: إذا أراد الله -تعالى- للعبد المرض فلا بدَّ أن يقع ذلك لا محالة في البادية أو في المدينة، فها نحن نشاهد الناس يذهب الواحد منهم لأكبر المستشفيات، ثم يموت حيث طلب الشفاء، وبعضهم قد يعاني من نفس العلة، ولا يتعاطى كبير سبب، ويُمتَّع، ويعيش! لأن الذي يأتي بالمرض هو الله، والذي يشفي ويرفع المرض هو الله وحده! (2) قال الإمام الطبري -رحمه الله-: "يقول -تعالى- ذكره: وننزل عليك يا محمد من القرآن ما هو شفاءٌ يُستشفى به من الجهل ومن الضلالة، ويُبصَّرُ به من العمى، للمؤمنين، ورحمة لهم دون الكافرين به؛ لأن المؤمنين يعلمون بما فيه من فرائض الله، ويحلُّون حلاله ويحرِّمون حرامه فيدخلهم بذلك الجنة، ويُنجيِّهم من عذابه، فهو لهم رحمةٌ ونعمة من الله، أنعم بها عليهم" (تفسير الطبري).
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (12) اسم الله (الغني) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التَّعرُّف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المعرفة، والتَّعبُّد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180). وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). - ورد اسم الله -سبحانه- "الغني" في القرآن الكريم في ثماني عشرة آية؛ منفردًا تارة ومقترنًا بغيره من الأسماء الحسنى تارة أخرى: كقوله -تعالى-: (قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّمواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) (يونس: 68)، وقوله: (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15). وجاء في دعاء النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ) (رواه أبو داود). - مدخل وعظي لإثارة النفوس للتَّعرُّف على هذا الاسم الجليل "الغني" من خلال سؤال: "من هو الغني في الناس؟". الجواب: هو الذي عنده الشيء الكثير من الأموال ومتاع الدنيا، فهو الذي يملك مثلاً بيتًا فاخرًا أو أكثر، وسيَّارة فارهة أو أكثر، بل ربما يملك الشركات والمصانع والمزارع والأراضي والطائرات الخاصَّة والجُزُر في البحار، وغير ذلك من متاع الدنيا. وهنا يأتي السؤال الآخر: هل هذا الغني تراه يحتاج إلى أحد؟ الجواب: ربما يجيب بعض الغافلين بلا. وأما جواب اليقظين سيكون بأجل. يحتاج إلى الكثير والكثير من الاحتياجات في اليوم الواحد؛ ألا يحتاج إلى طبيب إذا مرض؟ ألا يحتاج إلى زيادة ماله دائمًا بالعمل حتى لا ينقص ولا يَفنى؟ ألا تمر عليه الليالي الكثيرة بلا نوم ينتابه القلق على أمواله ويحتاج إلى المهدِّئات كي ينام بعض الساعات؟ ألا يحتاج إلى من يحسب له هذه الأموال دائمًا؟ بل ألا يحتاج إلى عامل الصرف الصَّحي ليُصلح له المرافق في بيته الفاخر إذا تعطَّلت؟ ألا يحتاج إلى كذا... وكذا... بل لننظر إلى جانب آخر: أليس هو فقيرًا للقوة إن كان ضعيف البدن؟ أليس هو فقيرًا للجمال إن كان دميم المنظر؟ أليس هو فقيرًا إلى القبيلة والخدم والحراس ليحرسوه من أعدائه؟ أليس هو فقيرًا إلى العلم بين آلاف البشر الذين يسبقونه؟ أليس...؟! أليس...؟! ومع ذلك فكل الذين فوقه في صفة، فقراء في غيرها، وهي ليست على كمالها، ولا بدَّ فيها من نقص يعتريها! إذًا مَن هو الغني الذي لا يحتاج إلى غيره؟ من هو الغني الكامل في كل صفاته وأوصافه؟ إنه الله. نعم، إنه الله. قال -تعالى-: (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15). - فتعالوا لنتعرَّف على معنى "الغني" في حق الغني سبحانه: قال الخطابيُّ -رحمه الله-: "الغني هو الذي استَغنَى عن الخلق وعن نُصرَتِهم وتأييدهم لملكه، فليستْ به حاجةٌ إليهم، وهم إليه فُقَراءُ مُحتاجُون، كما وَصَف نفسه، فقال: (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15)" (شأن الدعاء). وقال ابن الأثير -رحمه الله-: "هو الذي لا يحتاج إلى أحد في شيء وكل أحد محتاج إليه، وهذا هو الغنى المطلق...". وقال السعديُّ -رحمه الله-: "هو الغني بذاته، الذي له الغنى التَّام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته، فلا يتطرَّق إليها نقص بوجه من الوجوه" (التفسير). من صور غنى الغني -سبحانه-: أولًا: أن غناه دائم لا ينقطع "مطلق"، فما من غني إلا غناه مسبوق بفقر، ومهما بلغ فهو ناقص، وهو لا بدَّ إلى فقر، فإما أن يذهب المال عنه، أو يذهب هو عن المال: قال -تعالى-: (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) (آل عمران: 26)، وقال -تعالى-: (ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ) (النحل: 96). - أما الله الغني -سبحانه- فغناه أزلي غير مسبوق بفقر، أبدي دائم لا يَقنى ولا ينقص: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) (المنافقون: 7)، وقال -تعالى-: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزائِنُهُ) (الحجر: 21). وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ، أَوِ الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -عز وجل-: (يا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قامُوا فِي صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسانٍ مَسْأَلَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَما يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) (رواه مسلم). ثانيًا: ما أعدَّه -تعالى- لأهل الجنة من النعيم بما لا يتصوره عقل ولا خيال: فلِغناه المطلق، جعل لهم فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، مما اشتهته النفوس، من المطاعم والمشارب، والملابس، والمناكح، والمناظر الحسنة؛ كل ذلك على أكمل الوجوه وأفضلها، مع الخلد الدائم فيها، قال -تعالى-: (وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ) (الزخرف: 71). وقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوابٍ وَأَباريقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعينٍ . لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا) (الواقعة: 10- 26). - كل ذلك النعيم لا يتكرر مع كثرتهم وخلودهم: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ) (البقرة: 25). ثالثًا: غناه -تعالى- عن طاعة الطائعين: فلو آمن أهل الأرض كلهم جميعًا ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو كفروا جميعًا لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، فهو الغني عن ذلك، قال -تعالى-: (إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) (إبراهيم: 8)، وقال -تعالى-: (يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر: 15)، وقال -تعالى-: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ) (الأنعام: 133). وفي الحديث القدسي: (يا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلى أَتْقى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ مِنْكُمْ ما زادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يا عِبادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يا عِبادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي) (رواه مسلم). من آثار الإيمان باسم الله الغني: 1- المؤمن أغنى الناس في الدنيا: إن اسمه سبحانه "الغني" يُثمر في قلب المؤمن الغنى القلبي، الذي يُثمر الاستغناء بالله -تعالى- وحده عن الناس، وعزَّة النفس والقناعة والرضا بما آتاه الله: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الْغِنى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلكِنَّ الْغِنى غِنَى النَّفْسِ) (رواه البخاري ومسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ) (رواه البخاري ومسلم). - كم من فقير مُعدم غني النفس سخي، لا يبالي بالدنيا جاءت أو ذهبت؛ لأن همَّه الآخرة والوصول للجنة، وكم من صاحب أموال مُعذَّب بأمواله؛ لأنه لا يزال يلهث ليجمع المزيد من الدنيا: قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)(1). 2- كثرة الافتقار والتَّذلُّل والالتجاء إلى الغني سبحانه: فالمؤمن الغني مهما بلغ من الغنى الدنيوي، فهو دائمًا يشعر بالفقر والذلَّة إلى ربه، لأنه عرف قدر ربه، وعرف قدر نفسه، بخلاف الغني الفاجر؛ قال -تعالى- عن الغني الجاهل: (وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ . قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا . وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا) (الكهف: 34- 36). وقال -تعالى- عن الغني الصَّالح، نبيه الملك سليمان -عليه السلام-: (فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل: 40). قال السعديُّ: "إنَّ من عرف ربه بالغنى المطلق عرف نفسه بالفقر المطلق"(2). 3- إنزال الحاجات به -سبحانه- وحده: المؤمن يتعبَّد لله باسمه "الغني"، فلا يُنزل حاجته بالمخلوق الفقير، وإنما يُنزلها بالغني الكريم؛ قال -تعالى-: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) (النساء: 32). وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ نَزَلَتْ بِهِ فاقَةٌ فَأَنْزَلَها بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقَتُهُ، وَمَنْ نَزَلَتْ بِهِ فاقَةٌ فَأَنْزَلَها بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عاجِلٍ أَوْ آجِلٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرامِكَ وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِواكَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وكان يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدى وَالتُّقى وَالْعَفافَ وَالْغِنى) (رواه مسلم). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ (1) المؤمن أغنى الناس؛ لأنه في رعاية الغني -سبحانه-، فالمؤمن ولو كان فقيرًا في الظاهر، لكنَّه غني في الباطن؛ لأنه غنيٌ بمولاه الغني -سبحانه-. (2) أنت فقير إلى الله في كل شيء، وليس للمال فحسب، أنت فقير إلى التوفيق، أنت فقير إلى القبول، أنت فقير إلى الذرية، وغير ذلك من عطاياه لك في الدنيا. وأما في الآخرة فأنت فقير إلى العفو والمغفرة، أنت فقير إلى النجاة من النار والفوز بالجنة. أنت فقير إلى أن يجمعك الغني بذريتك في الجنة، أنت فقير إلى أن يجمعك بالنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وصحبه الكرام، وغير ذلك.
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (13) اسم الله (الوارث) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التَّعرُّف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتَّعبُّد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). الوقفة الأولى: مع مواضع ورود اسم الله "الْوَارِث" في القرآن: - ورد اسم الله "الوارث" في ثلاث آيات في كتاب الله بصيغة الاسم: في قوله -تعالى-: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (الحجر: 23). قال أبو السعود -رحمه الله- في تفسيره: "أي: نحن الباقون بعد فناء الخلق قاطبة، المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك". وقول الله -تعالى-: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ) (الأنبياء: 89). قال البغوي -رحمه الله- في تفسيره: "أثنى على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق، وأنه أفضل من بقي حيًّا". وقوله -تعالى-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 58). قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: "ولم يكن لما خربنا من مساكنهم منهم وارث، وعادت كما كانت قبل سكناهم فيها، لا مالك لها إلا الله الذي له ميراث السماوات والأرض". - وورد في موضع واحد بصيغة الفعل: في قوله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) (مريم: 40)؛ قال ابن جرير -رحمه الله-: "بأن نُميتَ جميعَهم فلا يبقى حيّ سوانا إذا جاء ذلك الأجل". الوقفة الثانية: من آثار التعبد باسم الله "الْوَارِث": 1- اسم الله الوارث يبين عظمة الرَّبِّ -سبحانه- وأنه -عز وجل- مالك الملك ووارثه والمتصرف فيه، وأن كل شيء دونه إلى فناء، إلى جانب أنه يكشف حقيقة التَّملُّك عند الخلائق: قال -تعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن: 26- 27)، وقال -سبحانه-: (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (القصص: 88)(1). 2- اليقين بأن الله -تعالى- هو "المالك الحقيقي" الذي تعود إليه الممالك، وليس أهل القرى الظالمة كما ظنوا، فلم يقوموا بحقِّ النِّعمة، ولم يشكروا ربَّهم الذي وهبهم إياها: قال -تعالى-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 58). وقال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) (مريم: 40). 3- اليقين بأنَّ الله -تعالى- هو الوارِث، الذي يُورث الأرض مَن يشاء من عباده الذين أدوا ما عليهم من واجبات العبودية تجاه ربهم: قال -تعالى-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: 105). وقال -تعالى- عن نبيِّ الله موسى -عليه السلام- وهو يخاطب قومه: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128). وقال -تعالى- عن المؤمنين بعد هلاك الفراعنة الظالمين: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 5). وقال -تعالى- لأصحاب محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا) (الأحزاب: 27). 4- التَّعبُّد لله باسمه "الوارث" يدفع المؤمنين إلى النَّفقة في سبيله؛ لأنهم علموا أن المالك هو الله، وأنهم مستخلفون فقط فيما عندهم من الأموال: قال -تعالى-: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد: 7). وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ) (رواه مسلم). 5- التَّعبُّد لله باسمه "الوارث" يُذكر المؤمنين دائمًا أنَّ الله -تعالى- لما جعل الجنة ثوابًا، فهو كذلك يُورثهم إيَّاها، فلا يزول ملكهم لها، فتزداد سعادتهم: قال -تعالى-: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) (مريم: 63)، وقال -تعالى- عن المؤمنين بعد ما ذكر بعضًا من صفاتهم: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (المؤمنون: 10- 11). وقال -تعالى- في وصف سعادتهم بذلك: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: 43). وقال -تعالى-: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر: 33- 35). الخاتمة: - إذا كانت الخلائق تتعاقب على الأرض، فيرث المتأخر المتقدم، ويرث الولد الوالد، والزوج زوجته، وهكذا، ويستمر التوارث حتى ينقطع حبل الحياة في الدنيا، ولا يبقى إلا الوارث -سبحانه- مالك الملك: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (آل عمران: 180)؛ فحري بالعاقل -فضلًا عن المؤمن- أن يزهد في متاع الدنيا الزائل، وينتظر من "الوارث" -تبارك وتعالى- ميراث الآخرة الباقي؛ قال -تعالى-: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (الأعراف: 43). فاللهم يا "وارث" متعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منا، واجعلنا من الوارثين الجنة يوم القيامة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ويُحكى في بعض كتب السِّيَر: "أن الخليفة العباسي هارون الرشيد -رحمه الله- (كان ملكه يمتد من الصين شرقًا إلى فرنسا غربًا) خرج يوماً للصيد، فمرَّ برجل يقال له: بهلول، قد اعتزل الناس، فقال هارون: عظني يا بهلول. قال: يا أمير المؤمنين! أين آباؤك وأجدادك من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أبيك؟ قال هارون: ماتوا. قال: فأين قصورهم؟ قال: تلك قصورهم. قال: وأين قبورهم؟ قال: هذه قبورهم. فقال بهلول: تلك قصورهم، وهذه قبورهم، فما نفعتهم قصورهم في قبورهم؟ قال: صدقت، زدني يا بهلول. قال: أما قصورك في الدنيا فواسعة، فليت قبرك بعد الموت يتسع، فبكى هارون. وقال: زدني فقال: يا أمير المؤمنين! قد ولاك الله فلا يرى منك تقصير ولا تفريط. فزاد بكاءه وقال: زدني يا بهلول. فقال: يا أمير المؤمنين: هـبْ أنك ملكت كنوز كـسرى وعُمرت السنين فـكان ماذا؟ أليس القـبر غـايـــة كـل حيٍ وتُســـأل بعده عن كـل هذا؟
__________________
|
|
#14
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (14) اسم الله (الهادي) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التَّعرُّف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتَّعبُّد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التَّعبُّد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). - ورد اسمه -سبحانه- (الهادي) في القرآن الكريم مرتين وذلك في قوله -تعالى-: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان: 31)، وقوله -سبحانه- : (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الحج: 54). - معناه في حق الله -تعالى-: قال الشيخ السعدي: "(الهادي) أي: الذي يهدي ويرشد عباده إلى جميع المنافع وإلى دفع المضار، ويعلمهم ما لا يعلمون، ويهديهم لهداية التوفيق والتسديد، ويلهمهم التقوى ويجعل قلوبهم منيبة إليه منقادة لأمره" (تفسير السعدي). الوقفة الأولى: أنواع الهداية في الدنيا: النوع الأول: الهداية العامة المشتركة بين الخلق إلى ما يصلح أمور معاشهم وحياتهم، من تحصيل المنافع وكسب الأرزاق وطلب الأقوات: قال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى:2-3)، وقال -تعالى-: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه: 50). قال ابن القيم -رحمه الله-: "أي: أعطى كل شيء صورتَه التي لا يشتبه فيه بغيره، وأعطى كل عضو شكلَه وهيئته، وأعطى كل شيء موجودٍ خَلْقَه المختصَّ به، ثم هداه إلى ما خلَقَه له من الأعمال" (انتهى). وقال -تعالى-: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تَرْجَعُونَ) (المؤمنون: 115). قال ابن القيم -رحمه الله-: "ولم يترك النوع الإنساني الذي هو خلاصة الوجود، الذي كرمه وفضله على كثير من خلقه مهملًا وسدًى معطلًا، لا يأمره ولا ينهاه ولا يُثيبُه ولا يعاقبه؟!" (بدائع الفوائد). النوع الثاني: هداية الدلالة والبيان والإرشاد إليه -عز وجل-، وهذا النوع من الهداية قد خصَّ الله -تعالى- به المكلفين من الإنس والجن دون غيرهم، وهو وظيفة الرسل وورثتهم من العلماء الربانيين: قال الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، وقال -تعالى-: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء: 15)، وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: 165). - ومع ذلك فقد يبعث الله الرسل وينزل الكتب بهداية الدلالة والبيان، لكن الناس لا يستجيبون: قال -تعالى-: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت: 17). النوع الثالث: هداية التوفيق والإلهام، وهي الهداية المستلزمة للاهتداء، فلا يتخلُّفُ عنها؛ قال -تعالى-: (يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (النحل: 93)، وقال -تعالى-: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) (الإسراء: 97). وقال -تعالى-: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) (القصص: 56)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: 28). وقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضَلَّ لَهُ) (رواه مسلم). وعن سعيد بن المسيب عن أبيه -رحمهما الله- قال: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقَالَ: (أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ). وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (رواه البخاري ومسلم). قال -تعالى-: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 125). الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الهادي): أولاً: محبة الله -عز وجل- وتعظيمه والثناء عليه: حيث أعطى كل شيء خلقه وهداه إلى ما لا بد منه في قضاء حاجاته، وأعظم من ذلك هدايته -سبحانه- لعباده حيث أنزل الكتب وأرسل الرسل لبيان سبل الهدى والحق والتحذير من طريق الغواية والضلال، ومنح لعباده العقول التي تدلهم على الله -عز وجل- وتهديهم إليه بما أودع في هذا الكون من الآيات الباهرات التي تدل على وحدانيته -سبحانه-. ثانيًا: إذا علم العبد أن هداية التوفيق والإلهام لا يملكها إلا الله -عز وجل-: فإن هذا يشعره بافتقاره التام إلى ربه -سبحانه- في طلب هذه الهداية والإعانة عليها، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) (الأعراف: 43). (ترديد النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- يوم الخندق وهم محاصرون من الأعداء: "والله لولا الله ما اهتدينا" (متفق عليه). ثالثًا: السؤال والدعاء للهادي -سبحانه- بأن يهديه إلى صراطه المستقيم، ويثبِّته على الحق والهدى حتى يلقاه: كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يدعو فيقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى) (رواه مسلم). وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالسَّدَادَ) (رواه مسلم). وشُرِع الدعاء في الصلاة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة: 6). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يفتتح صلاته إذا قام من الليل، فقال: (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (رواه مسلم). رابعًا: من عرف أنواع الهداية، علم أن الموفق إلى هداية التوفيق من الله هو مَن أطاع الأنبياء الذين جاءوا بهداية الإرشاد والبيان: قال الله -تعالى-: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء: 80)، وقال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت: 69). وقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران: 31)، وقال: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الشورى: 52)، وقال: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7)، وقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63). خامسًا: سعي المؤمن إلى أن يكون هاديًا إلى الله -عز وجل- وإلى صراطه المستقيم: وذلك بنشر العلم والدعوة إلى الله -سبحانه-، وإرشاد الناس إلى الحق، فكلما دعا غيره إلى الخير ليهديه كافأه الله بمزيد الهداية؛ قال ابن القيم -رحمه الله-: "كما أَن هدايته للغَيْر وتعليمه ونصحه يفتح لَهُ بَاب الهداية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكلما هدى غيره وعلَّمه هداه الله وعلَّمه، فيصير هاديًا مهديًّا كما في دعاء النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه الإمام أحمد وغيره: (اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني). وقال -تعالى-: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108). فاللهم اهدنا، واهدِ بنا، واجعلنا سببًا لمن اهتدى، وجنِّبنا طرق الزيغ والضلالة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ (1) من بديع ودلائل قدرة الله وعظمته في هداية المخلوقات: ما كان من هدايته للنحل والنمل في بناء بيوته المعقدة الإنشاء، البالغة الدقة، ذات الغرف والدهاليز، والمخازن والأقبية، موافقة لقوانين الهندسة المعمارية! فضلاً عن نظام العمل الاجتماعي التعاوني المدهش في تلك الخلايا. فلسبعة أمتار قد يصل ارتفاع عش النمل الأبيض، ونحو 30 ألف بيضة في اليوم من "الملكة"، وما سيتتبعه من بناء غرف جديدة لتسع هؤلاء القادمين الجدد من النمل؛ فأي هداية وأي جهد وعمل دؤوب مبذول؟! وانظر للكلاب وهدايتها التي تنعكس في تعدد خدماتها ووفائها للإنسان، من حراسة الماشية والمنازل والحدود والأفراد، وإنقاذ المفقودين والمسافرين، وقيادة فاقدي البصر، وخدمة توصيل بعض الأغراض للمقعدين وذوي الاحتياجات الخاصة، ووسيلة للجر والنقل، ووسيلة للاتصال أيام الحروب والأزمات، ومهمة استكشاف المخدرات، والمواد المحظورة، واستكشاف المناجم! فمَن الذي "هداها" لتفعل كل هذه الخدمات للإنسان؟! صدق الله القائل في محكم آياته: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى).
__________________
|
|
#15
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (15) اسم الله (الدَّيَّان) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم). الوقفة الأولى: في ذكر دلائل هذا الاسم الكريم: - لم يرد اسم الله "الدَّيَّان" في كتاب الله -عز وجل-، وإنما ورد في السُّنَّة من حديث عبد الله بن أنيس -رضي الله عنه-، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ -أَوْ قَالَ: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ-) قَالَ: وَأَوْمَى بِيَدِهِ إِلَى الشَّامِ عُراةً غُرْلًا بُهْمًا، قُلْتُ: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: (لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُطَالِبُهُ بِمَظْلَمَةٍ)، قَالُوا: وَكَيْفَ وَإِنَّا نَأْتِي عُراةً غُرْلًا بُهْمًا؟ قَالَ: (بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) (رواه ابن أبي عاصم، وحسنه الألباني). وزاد في رواية الحاكم والبيهقي وتلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (غافر: 17). وجاء من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيُدِينُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى الشَّاةُ الْجَمَّاءُ مِنَ الْقَرْنَاءِ) (أخرجه مسلم والطبراني في الأوسط، واللفظ له). وورد في حديث أبي قلابة عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-: "الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالْإِثْمُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَنَامُ، فَكُنْ كَمَا شِئْتَ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ" (رواه البيهقي في الأسماء والصفات، وأحمد في الزهد). - معنى "الدَّيَّان" في حق الله -تعالى-: قال الخطابي -رحمه الله-: "الديان: هو المجازي، يقال: دنت الرجل، إذا جزيته أدينه، والديان أيضًا: الحاكم، ويقال: من ديان أرضكم؟ أي: من الحاكم بها" (شأن الدعاء). الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه "الديان": 1- إذا عرف العبد أن ربه هو "الدَّيَّان" يجازي ويحاسب، ويحكم بين العباد، وهو مالك يوم الجزاء والحساب، وأن الحساب دقيق، فعليه أن يحاسب نفسه قبل أن يُحَاسب: قال -تعالى-: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا . وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا . يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا . بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا . يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ . فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 1-8). وفي الأثر عن عمر -رضي الله عنه- قال: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُم، تَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ)" (أخرجه أحمد في الزهد). ولما نزل قول الله -تعالى-: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ . ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ) (الزمر: 30-31)، قال الزبير بن العوام -رضي الله عنه-: "يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُكَرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: (نَعَمْ)، فَقَالَ: "إِنَّ الأَمْرَ إِذًا لَشَدِيدٌ؟!" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وعن عائشة -رضي الله عنها-: أَنَّ رَجُلًا قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يُكَذِّبُونَنِي وَيَخُونُونَنِي وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتُمُهُمْ وَأَضْرِبُهُمْ فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَ: (يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا، لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذُنُوبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمُ اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ). قَالَ: فَتَنَحَّى الرَّجُلُ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَهْتِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَمَا تَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَهُمْ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ كُلُّهُمْ. (رواه الترمذي، وصححه الألباني). 2- إذا عرف المظلوم والمقهور أن ربه هو "الدَّيَّان"، وأن هناك يومًا سيقتص فيه "الدَّيَّان" -سبحانه- من الظالمين، ويشفي صدور المظلومين ممَّن ظلمهم، فيأخذ لهم حقهم الذي ضاع في الدنيا؛ كان في ذلك أعظم تسلية لقلوبهم ونفوسهم في هذه الدنيا، قال -تعالى-: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم: 42). وقال -تعالى-: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) (المطففين: 4)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) (متفق عليه). وفي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: (أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) (أخرجه مسلم). ولما حَبَس هارون الرشيد أبا العتاهية، شاعر الزهد المعروف، قال أبياتًا مؤثرة: أَمـَا وَاللَّهِ إِنَّ الــظُّــلْـمَ شُــؤْمٌ وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَـمـْضِي وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتـَمـِعُ الـخُـصـُومُ - الجزاء من جنس العمل، فمن يفعل خيرًا يجازَ به، ومن يظلم أو يسيء سيعامل بالمثل، وهي قاعدة كونية، وعدل إلهي في الدنيا قبل الآخرة، تدل على أن المرء سيحصد ما زرعه من أفعال: قال ابن قتيبة -رحمه الله-: "ويقولون: كما تدين تدان، أي: كما تفعل يُفعل بك، وكما تجازي تجازى، وهو من قولهم: دنته بما صنع، أي: جازيته". قال -تعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة: 67)، وقال -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: 60)، وقال -تعالى-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152). فاللهم يا ديَّان يـوم الدين فرِّج هـمومًا في الـفـؤاد لها دبـيـب وصل حبلنا بحبل رضاك وانظر إلينا وتب علينا عسانا نتوب
__________________
|
|
#16
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (16) اسما الله "القاهر" و"القهَّار" (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرف على الله -تعالى- أجلُّ أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). - ورد اسمه -سبحانه- "القَاهِر" في القرآن مرتين، وورد اسمه "القَهَّار" ست مرات، ومن أقوى هذه المواضع دلالةً: قوله -تعالى-: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 18)، وقوله -تعالى-: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر: 16). وورد في السنة في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا تضوَّر -تقلب- من الليل: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) (رواه النسائي، وصححه الألباني)(1). دلالة اسمي الله "القاهر - القهار" في حقِّ الله -تعالى-: - قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وعظمته وعلوه وقدرته على الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت قهره وحكمه". وقال الحليمي -رحمه الله-: "الذي يَقْهَر ولا يُقْهَر بحال". - مدخل وعظي بالوقوف على علة اختيار نبي الله يوسف -عليه السلام- اسمي الله (الواحد والقهار) في مخاطبة السجناء: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)(2). الوقفة الأولى: "القهار" لا يخرج شيء عن إرادته: - القهار قريب من اسمه "القدير والجبار": فهو -سبحانه- قادر على أن يفعل ما شاء، وإذا شاء شيئًا وقع ولا بد، وإن لم يشأ لم يكن (الموت والبعث والنشور، وقسمة الأرزاق، والقوة والضعف، والفقر والغنى، والنصر والهزيمة، وغير ذلك من القضاء الكوني) لا يرد قضاءه رادٌّ، ولا غالب لأمره؛ لأنه القهار، قال -تعالى-: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (الرعد: 41)، وقال: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الزخرف: 32). - انظر إلى الذين ظنوا أنهم كانوا على الناس قادرين، ولرقابهم قاهرين، وعلى مصائرهم مستعلين، بعد ما ملكوا الدنيا، واستقووا بالجند والعتاد... أين هم؟! كلهم قد فَنِي وباد؛ لأنَّ من فوقهم "قهار" مَن تجبر مِن العباد؛ قال الله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ . إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ . وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ . وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ . الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ . فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ . فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ . إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) (الفجر: 6- 14). وقال السعدي -رحمه الله- في التفسير: "كل مخلوق فوقه مخلوق يقهره، ثم فوق ذلك القاهر قاهر أعلى منه، حتى ينتهي القهر للواحد القهار. فالقهر والتوحيد متلازمان متعينان لله وحده". فكيف يغتر البعض بقوة بعض الأمم -اليوم- وجبروتها، إلى درجة الظن بأنهم لا يُغلبون من قوة، ولا يُقهرون من عتاد وعدد؟ وينسى أن الله -عز وجل- هو صاحب الكبرياء الحقيقي، والجبروت الحقيقي؛ قال -تعالى-: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً) (فصلت: 15)، وقال -تعالى-: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ) (ق: 36). - لما زعم فرعون أنه على كل شيء قادر، وأنه لجميع الخلائق قاهر: (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف: 127)، قابله تعبد المؤمنين بالاستعانة بالواحد القهار: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: 128)، فكانت النتيجة أن قهره القهار، وجعله وقومه نكال الآخرة والأولى: (فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ . فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ) (الزخرف: 55- 56). الوقفة الثانية: من آثار التعبد باسم الله (القاهر) (القهار): أولًا: زيادة التوحيد في قلب العبد، فكونه -تعالى- "القهار" لغيره فهذا دليل على الوحدانية (تأمل وتدبر.. لم ترد "القهار" في القرآن إلا مسبوقة بـ"الواحد"): قال -تعالى-: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: 16)، وقال -تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (ص: 65)، وقال: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (إبراهيم: 48)، وقال: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر: 16)، وقال: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الزمر: 4)، وقال: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف: 39)(3). ثانيًا: التعلق بالله وحده والتوكل عليه سبحانه، وقطع العلائق بالأسباب المقهورة مع فعلها؛ لأنَّ حقيقة التوكل هي تمام الاعتماد على الله -تعالى- مع تمام الثقة بكفايته وإعانته، وهذا لا يُصرف إلا للواحد القهار، أمَّا المقهور فلا يُتوكل عليه لعدم قدرته على الإعانة استقلالاً، وتعرضه للفناء والقهر حالاً: قال -تعالى-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) (الفرقان: 58). ثالثًا: تعظيم الله -عز وجل- والخوف منه وحده، وسقوط الخوف من المخلوقات الضعاف المقهورين المغلوبين من القلب، سواء كان ذلك خوفًا على الرزق أو خوفًا على الأجل: قال -تعالى-: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 18). رابعًا: شعور العبد بضعفه وذلته أمام قهر الله -عز وجل- وجبروته مما يكون له الأثر في تواضع العبد واستكانته لربه: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الزمر: 13). خامسًا: إذا علم العبد أنَّ اسم (القهار) خاص بالله -تعالى-، وأنه لا يصلح أن يسمى به المخلوق أو يوصف به، وأنه صفة ذم للمخلوق -لأنها في الغالب لا تكون إلا مصحوبة بالظلم والعدوان وخاصةً مع الضعفاء- اجتنب الظلم والعدوان لغيره. فاللهم يا واحد يا قهار، اقهر أعداء الإسلام والمسلمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) (القهار) فعَّال، مبالغة من (القاهر) فيقتضي تكثير القهر. (2) مجمل كلام العلماء في ذلك: أنَّ السجين يشعر بالقهر ممن قهره، ويظل هذا الشعور لا يفارقه، لا سيما إن كان مظلومًا، فإذا استحضر أنَّ له ربًّا يقهر الجبارين والظالمين توجه إليه ورجاه في تخليصه من قهر المخلوقين. (3) قال ابن القيم -رحمه الله-: "القهار لا يكون إلا واحدًا، ويستحيل أن يكون له شريك، بل القهر والوحدة متلازمان". وقال: "لا يكون القهار إلا واحدًا؛ إذ لو كان معه كفؤ له فإن لم يقهره لم يكن قهارًا على الإطلاق، وإن قهره لم يكن كفؤًا، فكان القهار واحدًا".
__________________
|
|
#17
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (17) اسما الله (المقدم والمؤخر) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرف على الله أجلُّ أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجلُّ أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم). - لم يرد ذكر هذين الاسمين الكريمين (المُقَدِّم، المُؤَخِّر) في القرآن الكريم، وإنما وردا في حديث صحيح؛ وذلك في دعائه -صلى الله عليه وسلم- في استفتاحه لصلاة التهجد: (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ؛ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) (رواه البخاري). الوقفة الأولى: معنى (المُقَدِّم، المُؤَخِّر) في حق الله -تعالى-: - قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "المقدم والمؤخر من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يُطلق واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخر، فإنَّ الكمال من اجتماعهما، فهو -تعالى- المقدم لمن شاء، والمؤخر لمن شاء بحكمته" (الحق الواضح المبين). - وقال الخطابي -رحمه الله-: "هو المنزل للأشياء منازلها، يقدم ما شاء منها ويؤخر ما شاء. قدَّم المقادير قبل أن يخلق الخلق، وقدَّم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات، وقدَّم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخَّر من شاء عن مراتبهم وثبطهم عنها، وأخَّر الشيء عن حين توقعه لعلمه بما في عواقبه من الحكمة. لا مقدم لما أخَّر ولا مؤخر لما قدَّم... والجمع بين هذين الاسمين أحسن من التفرقة" (الأسماء والصفات). وتقديم وتأخير (المُقَدِّم، المُؤَخِّر) -سبحانه- كوني وشرعي: أولًا: التقديم والتأخير الكوني: كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها والشروط على مشروطاتها؛ قال السعدي -رحمه الله-: "وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له". ثانيًا: التقديم والتأخير الشرعي: كما فضَّل الأنبياء على بقية الخلق، وفضَّل بعضهم على بعض، وفضَّل بعض عباده على بعض، وقدَّمهم في العلم والإيمان والعمل والأخلاق وسائر الأوصاف، وأخَّر من أخَّر منهم بشيء من ذلك، وكل هذا تبع لحكمته. (الحق الواضح المبين للسعدي). الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسميه (المُقَدِّم، والمُؤَخِّر): أولاً: الإيمان بأنه سبحانه (المقدم والمؤخر) يثمر في قلب المؤمن التعلق بالله وحده، وهذا يخلص القلب من الخوف من المخلوق أو رجائه؛ لأنه لا يملك تقديم شيء أو تأخيره إلا بإذن الله -تعالى- وحده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وقال -تعالى- عن ثبات السحرة لما علموا أنَّ الأمر لله وحده: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ . قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ . إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء: 49- 51). ثانيًا: العلم بأنَّ التقدم الحقيقي النافع هو التقدم إلى طاعة الله -عز وجل- وجنته ومرضاته، والتأخر عن ذلك هو التأخر الحقيقي المذموم، أمَّا التقدم في الدنيا والتأخر عنها فليس بمقياس للتقدم والتأخر(1): قال الله -تعالى- عن العبد المغرور الجاهل بحقيقة التقديم والتأخير: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف: 34- 36). وقال -تعالى- عن التقدم الحقيقي: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 133). وعن أبي واقد الليثي -رضي الله عنه- قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس في المسجد والناس معه، إذ أقبل نفر ثلاثة، فأقبل اثنان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذهب واحد، قال: فوقفا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمَّا أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأمَّا الآخر فجلس خلفهم، وأمَّا الثالث فأدبر ذاهبًا، فلما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) (متفق عليه). ثالثًا: الإيمان بحكمته سبحانه البالغة في تقديم ما قدَّم وتأخير ما أخَّر، وهذا يشمل كل شيء قُدِّم أو فُضِّل على غيره أو أُخِّر عنه، ومن ذلك: ما يحصل للمؤمن من تقديم أمر لا يحب تقديمه أو تأخير أمر يكره تأخيره؛ فإنَّ مقتضى هذين الاسمين الكريمين ومقتضى حكمته -سبحانه- يجعل المؤمن يرضى ويسلم ويعتقد بأنَّ الخيرة فيما اختاره الله له من تقديم أو تأخير، وقد يكون في ذلك الرحمة واللطف وهو لا يشعر: قال -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)(2). رابعًا: تقديم من قدَّمه الله -عز وجل- وتأخير من أخَّره -سبحانه-، وذلك بأن يكون ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء هو ميزان الله -عز وجل- في ذلك كله: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13). وقال -تعالى- عن طالوت: (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 247). وجاء في سيرة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنَّ سهيل بن عمرو والحارث بن هشام وأبا سفيان بن حرب وجماعة من كبراء قريش من الطلقاء، استأذنوا على عمر -رضي الله عنه-، فأذن قبلهم لصهيب وبلال -رضي الله عنهما-، فوجد أبو سفيان في نفسه، وقال: لم أر كاليوم قط؛ يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه! فقال لهم سهيل -رضي الله عنه-: "أيها القوم إني والله أرى في وجوهكم الغضب، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم؛ دُعي القوم إلى الإسلام ودُعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف إذا دُعوا يوم القيامة وتُركتم؟!" (التوابون لابن قدامة). فاللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسررنا وما أعلنا، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال ابن القيم -رحمه الله-: "العبد سائر لا واقف، فإمَّا إلى فوق وإمَّا إلى أسفل، وإمَّا إلى أمام وإمَّا إلى وراء. وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة. ما هو إلا مراحل تُطوى أسرع طيٍّ إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر. وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيرًا لِلْبَشَرِ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (المدثر: 35- 37)، ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة" (مدارج السالكين). (2) قصة عامل دورة المياه: كان رجل صالح فقير جدًّا، يعمل خادمًا على دورة مياه عامة، فقررت الهيئة الحكومية إجراء اختبار للعاملين في القراءة والكتابة (محو الأمية)، ومن نجح جددوا له عقد الخدمة والعكس. فجاء الرجل ليلة الامتحان إلى إمام المسجد، وطلب منه أن يدعو الله له بالنجاح، فقال الشيخ الفقيه: "اللهم قدِّر له الخير"، فقال الرجل متسائلًا: أنا أقول لك أن تدعو لي بالنجاح! فقال الشيخ: إنك لا تدري أيَّ الحالين لك خير! وانصرف الرجل غير راضٍ بما قال الشيخ. وفي اليوم التالي ذهب إلى الامتحان، وظهرت النتيجة بعد ذلك بالرسوب، وعليه تم إخراج الرجل من عمله، وظل الرجل حزينًا كئيبًا أيامًا وهو يفكر في أسباب الرزق لأولاده! فقام بصناعة عربة خشبية صغيرة جدًّا لبيع اللب والفول السوداني بجوار دورة المياه! ودارت الأيام والشهور، ووجد الرزق أكثر من راتب عمله السابق، فقرر أن يستأجر محلاً صغيرًا تحسينًا للرزق. ودارت الشهور والسنون والرزق يزداد يومًا بعد يوم، فقرر شراء محل أكبر وأفضل، وهكذا ظل الرزق يزيد والرجل يطور من عمله حتى صار الرجل من أكبر التجار في بلده! الله أكبر! وهنا يأتي السؤال: ماذا لو نجح الرجل في امتحان محو الأمية؟! لكنه -عز وجل- المقدم والمؤخر بحكمة تخفى عن العباد.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |