«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله - الصفحة 51 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         سلسلة دول الإسلام في أعالي البحار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          المرأة والأسرة --------- متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 152 - عددالزوار : 109584 )           »          شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 28 - عددالزوار : 25056 )           »          أعمال اليوم الثاني عشر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          حكم الإشهاد على الطلاق والرجعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          وقفات مع عشر ذي الحجة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 7 - عددالزوار : 4950 )           »          أعمال يوم العيد وما بعده (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          الحديث الثامن والثلاثون: استحباب إدخال السرور على المسلمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          ثمرات اتصاف المسلم بالرحمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          من فضائل حسن الخلق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 1361 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #501  
قديم 08-04-2026, 12:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قول الله تعالى:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... ﴾



تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136].

قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

نهى عز وجل المؤمنين في الآيات السابقة عن أكل الربا، وأمرهم بتقواه عز وجل واتقاء النار، وطاعته عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم، ورتَّب على ذلك الفلاح والرحمة، ثم أتبع ذلك بأمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وجنته الواسعة التي أعدها للمتقين، وهذا أشبه بالبيان والتأكيد؛ لقوله: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132].

قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: «سارعوا» بدون عطف، وقرأ الباقون بالعطف: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾، فهو معطوف على «أطيعوا»، أو على «اتَّقوا».

والمسارعة: المسابقة والمنافسة؛ كما قال تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21]، وقال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [الواقعة: 10 - 12]، وقال تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]، وقال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26].

والمسارعة: مفاعلة كالمغالبة، أي: ليسبق بعضكم بعضًا، أي: تنافسوا أيكم يسبق الآخر إلى مغفرة ربكم وجنته الواسعة، وفي هذا أمر بالمسارعة والمنافسة، وهو أيضًا مبالغة في طلب الإسراع، وفي ذلك كله ما لا يَخفى من الإغراء والترغيب في المسارعة إلى مغفرة الرب وجنته.

﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: المغفرة: ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته؛ أي: وسارعوا إلى طلب ونيل مغفرة من ربكم بالاستغفار والتوبة من الذنوب، وبالأعمال الصالحة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31].

وفي الحديث: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»[1].

وفي تنكير وتنوين «مغفرة» ووصفها بقوله: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تعظيم لها؛ لأنها من الرب الخالق المالك المدبر- سبحانه - المربي عبادَه بجميع النعم الظاهرة والباطنة.

﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: معطوف على «مغفرة»، أي: وسارعوا إلى جنة عرضها السموات والأرض.

والجنة هي الدار التي أعدها الله لعباده المؤمنين وأوليائه المتقين، فيها من ألوان النعيم ما لا يَقدِر قدرَه إلا الربُّ العظيم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، فيها كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذن سمِعت، ولا خطر على قلب بشر»[2].

أي: وسارعوا إلى جنة من ربكم عرضها السموات والأرض بالأعمال الصالحة.

وبحصول مغفرة الرب - عز وجل - يزول المكروه والمرهوب، وبدخول جنته يحصل المحبوب والمطلوب- نسأل الله من فضله.

﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: الجملة في محل جر صفة لـ«جنة»، أي: عرضها كعرض السماوات والأرض؛ كما قال تعالى في سورة الحديد: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 21].

والعرض يطلق على ما يقابل الطول وليس مرادًا هنا، ويطلق على الاتساع، وهو المراد هنا، والشيء العريض هو الواسع في العرض بخلاف الطويل غير العريض، فهو ضيق، ولهذا ذكر هنا عرض الجنة للدلالة على سَعتها، وكما قيل:
كأن بلاد الله وهي عريضة
على الخائف المذعور كِفَّةُ حابِلِ[3]




وأيضًا: فإن الجنة مقببة مستديرة، والشيء المقبب المستدير عرضه كطوله.

والجنة قبة تحت العرش؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، أُراه فوقه عرش الرحمن، ومنه تُفجَّر أنهار الجنة»[4].

قال ابن كثير[5]: «وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيهًا على اتساع طولها، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح» وذكر حديث: «إذا سألتم الله الجنة...».

وفي هذا الحديث دلالة على أن الجنة فوق السماوات تحت العرش في أعلى عليين، كما أن النار تحت الأرض في أسفل سافلين.

﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الجملة في محل جر صفة ثانية لـ«جنة».

﴿ أُعِدَّتْ ﴾: بُني الفعل لما لم يُسمَّ فاعله؛ ليوافق قوله في النار: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131]، ولأن المعد لها معلوم وهو الله - عز وجل - كما قال تعالى: ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 89].

ومعنى ﴿ أُعِدَّتْ ﴾: هيِّئت وجهِّزت؛ أي: أعدها الله - عز وجل - وجهزها ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين اتقوا الله - عز وجل - واتَّخذوا وقايةً من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وبالإيمان ظاهرًا وباطنًا؛ كما قال تعالى في آية سورة الحديد: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21].

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

أمَر عز وجل في الآية السابقة بالمسارعة إلى مغفرته وجنته التي أعدها للمتقين، ثم نوَّه ببعض صفاتهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ الآية.

قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: اسم موصول في محل جر صفة «للمتقين».

وبدأ بذكر وصفهم بالإنفاق في السراء والضراء، ليقابل - والله أعلم - ما نهى عنه قبل هذا في قوله: ﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130]؛ لأن الإنفاق ضد أكل الربا، فالإنفاق مأمورٌ به ومحمود، وأكل الربا منهي عنه ومذموم.

ولأن المال شريك الحياة وعزيز على النفس، فإنفاقه دليل صدق وقوة الإيمان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان»[6].

والإنفاق: إخراج المال وبذله، والمراد به هنا الإنفاق في سبيل الخير ابتغاءَ مَرضاة الله تعالى من النفقات الواجبة؛ كالزكاة والإنفاق على الأهل، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة من الصدقات والهَدية، ونحو ذلك.

ولم يذكر مفعول ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾؛ ليعم كل ما ينفق ويبذل من نقودٍ وأعيانٍ ومنافعَ، وغير ذلك، كما لم يذكر المنفق فيه؛ ليعم جميع مجالات الإنفاق، واجبة كانت أو مستحبة.

﴿ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾؛ أي: في حال السراء والضراء، والسراء: ما يسر، أي: في حال الرخاء والسعة واليسر، ونحو ذلك، و«الضراء»: ما يضر، أي: في حال الشدة والضيق والعسر، ونحو ذلك.

فهم ينفقون في الحالين، فليسوا ينفقون في السراء فقط، ويمسكون في الضراء، بل ينفقون حتى في الضراء، فلا يَمنَعهم ضيقُ الحال من الإنفاق قدرَ وُسعهم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7].

وإذا كانوا ينفقون في السراء والضراء، فهم ينفقون في جميع الأحوال والأوقات؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274]، والإنفاق في الضراء أشدُّ وأصعب، وعليه المحك، فهو أدلُّ على حقيقة التقوى.

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾: معطوف على ما قبله، وهذه هي الصفة الثانية من صفات المتقين. و«الكاظمين»: جمع «كاظم»، و«الكظم» معناه: الكتم والإمساك مع شدة الألم والتأثر.

وفي الحديث: «إذا تثاءَب أحدكم فليَكظِم ما استطاع»[7]؛ أي: أن يمنع فتح فمه ما استطاع مع شدة ذلك.

والغيظ: الحنق وشدة الغضب الموجب للانتقام بالقول، والفعل بالطبيعة البشرية، فالكاظم الذي امتلأ قلبه غيظًا وغضبًا وحبسَه؛ قال تعالى: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]؛ أي: ممتلئ قلبه حزنًا، وقال تعالى عن يونس - عليه السلام -: ﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48]؛ أي: ممتلئ قلبه غمًّا وهمًّا؛ أي: والذين يكتمون ويخفون ويمسكون غيظهم وغضبَهم، فإذا اغتاظوا وثاروا، واشتد غضبهم، حبَسوا غيظهم ومنعوه، ولم يَحمِلْهم على الانتقام أو التشفِّي بقول أو فعل، وهذا من أشد ما يكون على النفس؛ وذلك لأن أقوى القوى تأثيرًا في النفس القوة الغاضبة، تشتهي إظهار الغضب والتنفس بما في داخل النفس من الغضب، فإذا استطاع الإنسان إمساك مظاهرها مع الامتلاء منها، دلَّ ذلك على عزيمة في النفس وقهرًا لإرادة الشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة، وهو القوة حقًّا، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»[8].

وقال صلى الله عليه وسلم: «فما تَعدون الصُّرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يَملِك نفسه عند الغضب»[9].

وكظمُ الغيظ من أعظم الصفات؛ لأن الغضب إذا اشتدَّ قد يوقع الإنسان فيما لا تُحمَد عُقباه من الأفعال؛ كالقتل وإتلاف المال، وربما قتَل نفسه بأي وسيلة كانت.

ومن الأقوال كالطلاق والسب والشتم، وربما التلفظ بالكفر؛ نسأل الله السلامة والعافية.

وقد رُوي أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا، وأقلِل لعلي أَعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب، فأعاد عليه، حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: لا تغضب»[10].
وفي رواية عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب»، قال الرجل: ففكرتُ حين قال صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله[11].

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما مِن جُرعة أحبُّ إلى الله مِن جُرعةِ غيظٍ يَكظِمُها عبدٌ، ما كظمها عبدٌ لله إلا ملأ جوفَه إيمانًا»[12].

وعن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخيِّره من أي الحور شاء»[13].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا غضِب أحدُكم وهو قائم فليجلِس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليَضطجع»[14].

ولهذا فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغضبان الذي اشتدَّ به الغضب لا عبرة بأقواله ولا بإقراراته؛ من طلاقٍ أو قذفٍ أو عتقٍ أو بيعٍ أو شراءٍ، أو غير ذلك.

﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾: هذه هي الصفة الثالثة من صفات المتقين، فترقوا من كظم الغيظ، إلى العفو عن الناس.

﴿ وَالْعَافِينَ ﴾: جمع «عاف»، والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، أو التسامح عن الحق أو بعضه؛ أي: الذين إذا أساء إليهم أحدٌ من الناس بقولٍ أو فعلٍ، لم يقابلوا إساءته بالانتقام، بل يعفون عنه، ولا يكون في قلوبهم أيةُ مَوجدة عليه، كما يعفون ويتسامحون عن بعض حقهم أو كله، كل ذلك طلبًا للأجر من الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40].

فيتبعون كظمَ الغيظ بالعفو عمن أساء إليهم من الناس، وفي هذا تتويج وتكميل لكظمهم الغيظ؛ لأن العفو منزلة أعلى وأجل من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة، والتجاوز كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37]، وقال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43].

ويعفون ويتسامحون عن بعض حقهم أو كله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 237].

و«العفو»: صفة عظيمة، ومنزلة رفيعة، ولو لم يكن إلا أنه من أعظم صفات الرب عز وجل، وبخاصة إذا كان العفو عند المقدرة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ [النساء: 149].

أما إذا كان العفو عن عجز عن الانتقام، فهذا لا يُحمَد ولا يُمدَح صاحبه، بل يذم؛ لأنه عفو العاجز؛ كما قال الشاعر يذم قومه:
لكن قومي وإن كانوا ذوي حسبٍ
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظُلْم أهل الظلم مغفرةً
ومن إساءة أهل السوء إحسانَا
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا
شنوا الإغارة فرسانًا وركبانَا[15]


وفي قوله: ﴿ عن الناس ﴾: دلالة على أن العفو مشروع ما أمكن عن الناس جميعًا من المؤمنين، وغيرهم ما لم يكن غير المؤمن محاربًا، وهذا فيما هو من حقوق الخلق، أما ما كان من حق الله تعالى، فلا يجوز العفو عنه؛ لأنه ليس لأحدٍ من الخلق أن يعفو عن حق الله تعالى، أو يُسقطه.

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: أثنى الله - عز وجل - على المتقين بالصفات المذكورة، وهي الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ثم أتبعها بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في إشارة واضحة إلى أن عملهم هذا من الإحسان، وأن هذه الصفات الثلاث كلها من الإحسان.

فيكون في الآية وصفهم بأربع صفات: الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان، أي: إنهم محسنون، فهم محسنون بالإنفاق وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، وهم محسنون أيضًا باتباع كظم الغيظ، والعفو عمن أساء إليهم بالإحسان إليه، وهذه درجة عظيمة أعلى من الكظم والعفو، وأعم منهما وأجل؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 34، 35]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقَصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله»[16].
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #502  
قديم 08-04-2026, 12:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله


وفي التعبير بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ دون وصفهم بالمحسنين زيادة ترغيب بالإحسان، والذي يشمل الإحسان في عبادة الله تعالى بالإخلاص له - عز وجل - والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، والإحسان إلى عباد الله تعالى بإيصال النفع الديني والدنيوي إليهم ودفع الشر عنهم في ذلك كله، كما أن فيه إثبات المحبة لله تعالى، وإذا كان عز وجل يحب المحسنين، فمفهوم ذلك أنه لا يحب المسيئين، بل يبغضهم.

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

ذكر عز وجل في الآيتين السابقتين صفات المتقين، مما يتعلق بفعل الطاعات من الإنفاق والكظم للغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، ثم أتبع ذلك بذكر صفتهم وحالهم إذا وقع منهم فاحشةٌ أو ظلمٌ، فذكر أولًا حال كمالهم، ثم ذكر حال تَدارُكهم لنقائصهم.

قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾: الواو: عاطفة، والجملة معطوفة على الموصول في الآية السابقة، فهي في محل جر صفة رابعة ﴿ للمتقين ﴾.

«إذا»: ظرفية شرطية، ﴿ فَعَلُوا ﴾: فعل الشرط، و«الفاحشة»: كل ما فَحُشَ وقَبُحَ في الشرع وعُرف المسلمين؛ كالزنا واللواط، ونكاح الابن زوجةَ أبيه، وغير ذلك؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32]، وقال تعالى حكايةً عن لوط أنه قال لقومه: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ﴾ [الأعراف: 80]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 22].

وكل ما تجاوَز الحد في الفساد، فهو فاحشة؛ كعقوق الوالدين وشهادة الزور والسرقة، وغير ذلك من الكبائر، وأفحشُ الفواحش الشركُ بالله.

﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: «أو» عاطفة تفيد التقسيم والتنويع؛ أي: أو ظلموا أنفسهم بما دون الفاحشة، وهي الصغائر.

وقد تحمل الفاحشة هنا على ما يُستفحش من الذنوب كالزنا ونحوه من الكبائر، ويُحمل ظلم النفس على ما سوى ذلك من الذنب؛ كبائرَ كانت أو صغائرَ.

كما قيل: العطف في الآية من عطف العام على الخاص؛ لأن الذنوب كلها ظلم للنفس، وقيل: «أو» بمعنى الواو، أي: فعلوا فاحشة وظلموا أنفسهم.

وكل خروج عن طاعة الله تعالى فهو ظلم للنفس، سواء كان تركًا لما أمر الله به، أو ارتكاب لما نهى الله عنه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36].

وذلك أن النفس وديعةٌ عند الإنسان، يجب عليه أن يسعى في سلامتها وخلاصها وفكاكها، وفيما يُسعدها في دينها ودنياها وأُخراها، فيحملها على فعل أسباب السعادة والنجاة، وينأَى بها عن أسباب الشقاء والهلاك، ولهذا قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه فمُعتقها أو مُوبقها»[17].

وكما قيل:
وما الناس إلا عاملان فعامل
يُتبِّرُ ما يبني وآخر رافع[18]




﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾: جواب الشرط «إذا»، أي: ذكروا الله - عز وجل - بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم؛ فذكروا الله تعالى بقلوبهم؛ بذكر عظمته ووعده ووعيده، وذكروه بألسنتهم بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والاستغفار والتوبة، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك.

وذكروا الله تعالى بجوارحهم، فابتعدوا بها عن معصيته خوفًا من عقابه، واستقاموا بها على طاعته رجاءً في ثوابه.

﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾: الفاء: للتعقيب والترتيب، والاستغفار: طلب الغَفْر، أي: طلب الستر للذنوب، وعدم المؤاخذة عليها؛ أي: فطلبوا من الله - عز وجل - المغفرة لذنوبهم، أي: لما وقع ويقع منهم من المعاصي والآثام، من فعل فاحشة، أو ظلم للنفس، أو غير ذلك.

فجمعوا بين الندم على الذنب، والعزم على عدم العودة إليه بقلوبهم، والإقلاع والبعد عنه بجوارحهم، وطلب المغفرة والتوبة والاستغفار بألسنتهم.

﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه ﴾: هذه الجملة اعتراض بين قوله: ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، وقوله: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

والغرض من هذا الاعتراض واضحٌ، وهو بيان وتأكيد وجوب التعلق بالله والرجوع إليه وحده، وتسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب، والتعريض بالمشركين الذين يدعون غير الله، ويتخذون الشُّفعاء بينهم وبين الله تعالى.

و«مَنْ» في قوله: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾: اسم استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، والنفي بصيغة الاستفهام أبلغ لكونه مشربًا بالتحدي، كأنه يقول: ائتوا لي بأحد يغفر الذنوب إلا الله، لا أحد يغفر الذنوب غيره.

﴿ إِلَّا اللَّه ﴾: «إلا» أداة حصر؛ أي: لا أحد يغفر الذنوب بستْرها والتجاوز عنها إلا الله تعالى؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الدعاء الذي علمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت»[19].

وكما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110].

عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه - عز وجل - قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، وفي رواية: «قد غفرتُ لعبدي فليفعل ما شاء»[20].

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم»[21].

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك، لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني»[22].

وعن علي - رضي الله عنه - أن أبا بكر - رضي الله عنه - حدَّثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضَّأ، فيُحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، أو ثم يُصلي ويستغفر الله - عز وجل - إلا غفر الله له»[23].

وفي رواية: «ما من رجل يُذنب، ثم يقوم فيتطهَّر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ إلى آخر الآية»[24].

﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا ﴾: معطوف على قوله: ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾، والإصرار على الشيء: الاستمرار عليه.

﴿ عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾: «ما»: موصولة أو مصدرية؛ أي: لم يستمروا على الذي فعلوا، أو على فعلهم من الفاحشة أو ظلم النفس، بل أقلَعوا وتابوا.

فجمعوا بين الندم على فعل الذنب، والعزم على عدم العودة إليه بقلوبهم، والإقلاع والبعد عنه بجوارحهم، وطلب المغفرة والتوبة والاستغفار منه بألسنتهم.

﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أنهم يعلمون عظمة من عصوه - سبحانه وتعالى - ويعلمون عِظَمَ معصيته ومخالفة أمره بفعل فاحشةٍ، أو ظلم للنفس، أو غير ذلك، ويعلمون أن المغفرة لا تحصل مع الإصرار، ويعلمون أن الله - عز وجل - يغفر ويتوب على مَن استغفر وتاب إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾ [التوبة: 104]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25].

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.

ذكر عز وجل صفات المتقين في الآيات السابقة، ثم أتبعها بذكر جزائهم في هذه الآية.

قوله: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ ﴾: الإشارة للمتقين المتصفين بالصفات السابقة، وأشار إليهم بإشارة البعيد تنويهًا بشأنهم.

﴿ جَزَاؤُهُمْ ﴾: ثوابهم ومكافأتهم على عملهم.

﴿ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾؛ أي: ستر من ربهم - عز وجل - لذنوبهم عن الخلق، وتجاوز منه تعالى عنها، وفي قوله: ﴿ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ تعظيم لهذه المغفرة.

﴿ وَجَنَّاتٌ ﴾: معطوف على مغفرة، وهي جمع «جنة»، وجمعت؛ لأنها جنان كثيرة ومتنوعة، ودرجات ومنازل مختلفة، حسب اختلاف الأعمال؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الغابر في الأفق»، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين»[25].

ولما سألت أم حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قُتل يوم بدر- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: «يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى»[26].

﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾: صفة لـ«جنات»؛ أي: تجري من تحت غرفها وقصورها وأشجارها الأنهار، يَشربون منها ويغتسلون فيها، ويتنعَّمون بمشاهدتها، ويصرِّفونها حيث شاؤوا من غير أخدود.

قال ابن القيم:
أنهارها في غير أُخدودٍ جرَت
سبحان مُمسكها عن الفَيضان[27]




وهي أنواع أربعة؛ كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15].

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾؛ أي: مقيمين في هذه الجنات إقامةً أبدية لا تحول ولا تزول؛ لأن الجنة لا تَفنى ولا يَفنى نعيمُها، ولا أهلها بإجماع المسلمين.

﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾: معطوف على قوله: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾.

﴿ وَنِعْمَ ﴾: فعل لإنشاء المدح، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره «هو».

و«أل» في ﴿ الْعَامِلِينَ ﴾ للعهد، أي: نعم أجر العاملين هذا الجزاء.

﴿ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾؛ أي: ثواب العاملين وجزاؤهم، أي: نَعِمَ وحَسُنَ وعَظُمَ هذا الجزاء بالمغفرة من ربهم، والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، مع الخلود فيها، وهذا أجر العاملين بتقوى الله تعالى المتصفين بالصفات العظيمة المذكورة.

وفي هذا ثناء منه - عز وجل - وامتداح لأجرهم وتعظيم له؛ كما قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 31].

نعمت جزاءُ المتقين الجنةُ
فيها الأماني والمنى والمنة[28]




والتعريف في ﴿ الْعَامِلِينَ ﴾ للعهد، أي: ونعم أجر العاملين هذا الجزاء، وفي هذا تفضيل للجزاء، وللعمل المجازَى عليه، وللعاملين، أي: إذا كان لأصناف العاملين أجور - كما هو المتعارف - فنعم أجرُ العاملين بتقوى هذا الأجر.

وسُمى ثوابهم «أجرًا» لأنه - سبحانه وتعالى - تكفَّل به وضمِنه لهم، وأوجَبه على نفسه تفضلًا منه وكرمًا، وامتنانًا على عباده.

[1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، درجات المجاهدين في سبيل الله (2790)، وأحمد (2/ 335)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3244)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (2824)، والترمذي في التفسير (3197)، وابن ماجه في الزهد (4328)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] البيت لعبدالله بن العجاج؛ انظر: «ديوانه» (ص311).

[4] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2790)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[5] في «تفسيره» (2/ 98).

[6] أخرجه مسلم في الطهارة (223)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

[7] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3289)، ومسلم في الزهد والرقائق - تشميت العاطس وكراهة التثاؤب (2994)، وأبو داود في الأدب (5028)، والترمذي في الصلاة (370)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري في الأدب (6114)، ومسلم في البر والصلة - فضل مَن يَملِك نفسه عند الغضب، وبأي شيء؟ (2609)، وأحمد (2/ 236)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[9] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2608)، وأبو داود في الأدب (4779)، وأحمد (1/ 382)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.

[10] أخرجه أحمد (5/ 34)، من حديث الأحنف بن قيس عن عم له يقال له: جارية بن قدامة السعدي.

[11] أخرجه أحمد (5/ 373).

[12] أخرجه أحمد (1/ 327) قال ابن كثير في «تفسيره» (2/ 102): «إسناده حسن ليس فيه مجروح».

[13] أخرجه أحمد (3/ 440)، وأبو داود في الأدب (4777)، والترمذي في البر والصلة (2021)، وابن ماجه في الزهد (4186).

[14] أخرجه أحمد (5/ 152)، وأبو داود في الأدب (4782)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[15] الأبيات لقريط بن أنيف؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة» (1/ 5).

[16] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب - استحباب العفو والتواضع (2588)، والترمذي في البر والصلة (2029)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[17] سبق تخريجه.

[18] البيت للبيد؛ انظر: «ديوانه» (ص56).

[19] أخرجه البخاري في الأذان (834)، ومسلم في الذكر والدعاء (2705)، والنسائي في السهو (1302)، والترمذي في الدعوات (3531)، وابن ماجه في الدعاء (3835)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

[20] أخرجه مسلم في التوبة (2758)، وأحمد (2/ 296).

[21]أخرجه مسلم في التوبة (2749)، وأحمد (2/ 304، 305).

[22] أخرجه أحمد (3/ 29).

[23] أخرجه أحمد (1/ 2، 10)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1395).

[24] أخرجه الترمذي في الصلاة (406).

[25] أخرجه البخاري في بدء الخلق - ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة (3256)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها - ترائي أهل الجنة أهل الغرف؛ كما يرى الكوكب (2831)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

[26] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2809)، والترمذي في التفسير (3174)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[27] «النونية» (ص229).

[28] البيت مجهول النسبة؛ انظر: «صناعة الإعراب» (2/ 455).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #503  
قديم 14-04-2026, 03:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم




فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136].

1- الحث والترغيب والإغراء بالمسارعة إلى مغفرة الله عز وجل وجنته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآيات.

2- أن الحياة مَيدان للمنافسة والمسابقة والمسارعة إلى مغفرة الله تعالى وجنته، فأين المشمِّرون؟! ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة فجاء عمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، وقال: لأَسبقنَّ أبا بكر إن سبقته، فجاء أبو بكر- رضي الله عنه - بجميع ماله، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر: ما تركت لأهلك؟ قال: تركتُ لهم مثله، وسأل أبا بكر: ما تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله، قال عمر رضي الله عنه: فعلمت أنني لن أسبق أبا بكر بعد اليوم»[1].

وقد رُوي عن الحسن: «إذا رأيتُ الرجل ينافسك في الدنيا، فنافِسه في الآخرة»[2]. وفي هذا المطلب العظيم أُزهقت نفوس المجاهدون، وأُفنيت أعمار العلماء الربانيين في خدمة القرآن والسنة والشرع المبين، وفيه أُنفقت أموال المحسنين، وسهِرت لأجله عيون العابدين.

3- عناية الله - عز وجل - بالمؤمنين؛ حيث يأمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وجنته.

4- إثبات صفة المغفرة العظيمة الواسعة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، ففي تنكيرها وكونها منه - عز وجل - إشارة إلى عظمتها وسعتها.

5- إثبات ربوبية الله عز وجل الخاصة بعباده المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾.

6- سَعة الجنة وعظمتها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾، ولأنها من الله - عز وجل - وعنده.

7- أن التخلية قبل التحلية، وإزالة المرهوب مقدَّمة على توفير المطلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ)، فقدَّم ﴿ مَغْفِرَةٍ ﴾؛ لأن بها التخلية وزوال المرهوب، ثم ذكر الجنة التي بها حصول المطلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾.

8- فضل التقوى والترغيب فيها والبشارة لأهلها؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

9- أن الجنة موجودة الآن معدَّة للمتقين؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

10- امتداح الله - عز وجل - للمتقين وثناؤه عليهم بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

11- فضل الاتصاف بالصفات المذكورة، وهي الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، والاستغفار من الذنوب، وعدم الإصرار عليها؛ لأن الله امتدح المتقين بها، وخصها من بين خصال التقوى.

وإذا كان عز وجل قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثم ذكر صفاتهم، وقال في سورة الحديد: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21]، ففي هذا وذاك دلالةٌ على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمرجئة.

12- فضيلة الإنفاق والترغيب فيه في جميع الأحوال؛ لأن الله امتدح به المتقين وقدَّمه على الصفات بعده؛ لما فيه من نفع الآخرين.

13- فضيلة كظم الغيظ، والترغيب في الإمساك بزمام النفس عند الغضب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾.

14- الترغيب في العفو عن الناس وفضله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾.

15- إثبات صفة المحبة لله تعالى كما يليق بجلاله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

16- محبة الله تعالى للمحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا غاية مطلبهم، ويُفهم من الآية عدمُ محبته للمسيئين.

17- الترغيب في الإحسان إلى الناس مطلقًا، وأن منه الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس؛ لأن الله لما ذكر هذه الصفات أتبعها بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

18- أن المتقين ليسوا بمعصومين عن فعل الفاحشة أو ظُلم الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾.

19- أن فعل الفاحشة أو ظلم النفس، لا يَخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم»[3]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخيرُ الخطائين التوابون»[4].

وهذان الأبوان - عليهما السلام - لما تابا وأنابا إلى الله تعالى، وتاب الله عليهما، صارت منزلتهما عند الله تعالى بعد التوبة أفضلَ مِن منزلتهما قبل المعصية والتوبة، وهكذا حال كلِّ تائبٍ إلى الله تعالى إذا صدَق في توبته ورجوعه إلى الله تعالى، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء.

20- أن الذنوب منها ما هو مُستفحَش، ومنها ما هو دون ذلك، لكنه ظلم للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ أي: فعلوا ما يُستفحش، أو ظلموا أنفسهم بما دون ذلك، مع أن الكل ظلم للنفس، لكن الذنوب بعضها أفحش من بعض، كما أن منها كبائرَ، ومنها صغائرَ.

21- مبادرة المتقين إذا فعَلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم إلى ذكر الله تعالى، والاستغفار لذنوبهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾.

22- أن ذكر الله تعالى سببٌ للتوبة والاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾.

23- لا أحد يغفر الذنوب إلا الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، فهو سبحانه يغفر الذنوب جميعًا مغفرة تامةً؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ [طه: 82].

وعن الأسود بن سريع - رضي الله عنه - قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بأسير، فقال: «اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله»[5].

فلا يتعاظَمه – سبحانه - ذنبٌ أن يغفره، بل إنه يبدِّل السيئات حسنات، كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ [الفرقان: 70].

أما المخلوق، فإنه لو غفر لمن أساء إليه - وهذا في الناس قليل - فإنه غالبًا يتبع ذلك بالمن والأذى لمن عفى عنه، وربما يذكِّره بين حين وآخرَ بذلك.

24- عدم إصرار المتقين على ما فعلوا من فاحشة أو ظلم للنفس وهم يعلمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

25- وجوب الاستغفار من الذنوب، والتحذير من الإصرار عليها؛ لأن الإصرار على الذنب سبب لعدم التوفيق للتوبة، وقد يجعل من الصغيرة كبيرة؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار»[6].

26- أن من استمر على ذنبٍ وهو لا يعلم أنه ذنب، فإنه قد يُعذر؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾.

27- رفعة شأن المتقين بالإشارة إليهم بإشارة البعيد ﴿ أُولَئِكَ ﴾.

28- التنويه بما أُعدَّ للمتقين من الجزاء العظيم؛ من مغفرة ربهم لذنوبهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار؛ لقوله تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، وبهذا يزول عنهم المرهوبُ، ويحصل لهم المطلوب.

29- أن من أعظم نِعم الجنة جَريان الأنهار من تحت قصورها وغرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾.

30- خلود أهل الجنة فيها خلودًا أبديًّا؛ وأمنُهم من الخروج منها، ومن انقطاع نعيمهم؛ لقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾، وهذا نعيم معنوي يضاف إلى ما هم فيه من ألوان النعيم.

31- امتداح الله تعالى وثناؤه لما أعدَّه للمتقين من عظيم الأجر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾، عمِلوا قليلًا فأُجروا كثيرًا، وعند الصباح يَحمَدُ القوم السُّرى، وعند الجزاء يجد العامل جزاءَه كاملًا موفورًا.

32- الحث والإغراء على العمل؛ أي: العمل الصالح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾.

33- تكفل الله عز وجل بثواب أهل الجنة وجزائهم، لهذا سمَّاه «أجرًا» تفضلًا منه وكرمًا.

[1] أخرجه أبو داود في الزكاة (1678)، والترمذي في المناقب (3675)، من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[2] أخرجه ابن أبي شيبة المصنف (7/ 88)، وأحمد في الزهد (ص176)، وابن أبي الدنيا في الزهد (ص229).

[3] سبق تخريجه.

[4] أخرجه الترمذي في صفة القيامة (2499)، وابن ماجه في الزهد - ذكر التوبة (4251)، من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث غريب».

[5] أخرجه أحمد (3/ 435).

[6] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 651).







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #504  
قديم 22-04-2026, 05:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ... ﴾


قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 137 - 143].

قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾.

نهى الله - عز وجل - في الآيات السابقة المؤمنين عن أكل الربا، وأمرهم بتقواه، واتقاء النار، وطاعته - عز وجل - ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمسارعة إلى مغفرته - عز وجل - وجنته التي أعدَّها للمتقين، وأثنى عليهم بذكر صفاتهم، ومَدَح جزاءَهم وثوابهم.

وفي هذه الآية وما بعدها عودٌ إلى قصة أُحد، وفيها تسليةٌ للمؤمنين وتعزية لهم في مصابهم في أُحد، وفيها تشجيع وبشارة لهم، وتقوية لنفوسهم، وإحياء لعزائمهم وهِممهم، وذكر الحِكم الباهرة، والفوائد الظاهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم.

قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ ﴿ قَدْ ﴾: للتحقيق، وتأكيد الخبر ﴿ خلت ﴾: مضت وسبقت، والخطاب في قوله: ﴿ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ لهذه الأمة.

﴿ سُنن ﴾: جمع «سنة»، وهي: السيرة والطريقة، والمثال المُتَّبع، كما قال الشاعر:
فلا تجزعن من سنةٍ أنت سرتها
فأوَّل راض سنة من يسيرها[1]




والمراد: قد خلت سُنن الله في الأمم قبلكم في نصرة المؤمنين وإهلاك المكذبين، كما قال تعالى: ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر: 85]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38]، وقال تعالى: ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الحجر: 13]، وسنن الله تعالى ثابتة لا تتبدَّل ولا تتحوَّل في نُصرة أوليائه، وإهلاك أعدائه وأعدائهم، كما قال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الفتح: 23]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 62]، وقال تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴾ [الإسراء: 77].

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾؛ أي: فسيروا في الأرض بأبدانكم وقلوبكم، أي: فسيروا في الأرض سيرًا حسيًّا بأبدانكم على أقدامكم ومراكبكم؛ لتقفوا بأنفسكم على ديار أولئك المكذبين، وتشاهدوها بأبصاركم، فذلك أقوى في الاعتبار من السماع.

وسيروا في الأرض سيرًا معنويًّا بقلوبكم، بالتفكر في أحوال تلك الأمم، وهذا أعمُّ وأوسع، والمراد بالأرض أرض الله عامة، وبخاصة أرض وديار المكذبين.

﴿ فَانْظُرُوا ﴾: بأبصاركم وعيونكم، وتأملوا وتفكروا ببصائركم وقلوبكم.

فالسير الحسي في الأرض أقوى في الاعتبار؛ لأنه يجتمع فيه التأمل والتفكر في القلب، والنظر والمشاهدة بالبصر، وليس الخبر كالعيان.

والسير المعنوي في الأرض أوسعُ وأعم؛ لأنه يشمل التفكر بالقلب بكل ما سمع، وإن لم يشاهده.

﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾: الجملة في محل نصب مفعول ﴿ فَانْظُرُوا ﴾، و﴿ كَيْفَ ﴾: اسم استفهام، وعاقبة الشيء نهايته وما يؤول إليه؛ أي: كيف كانت عاقبة ونهاية المكذبين لله ورسوله أن عاقبهم الله بأنواع العقوبات، وحلَّت بهم المثلات، فصارت نهايتهم الهلاك، وزال ملكهم، وصاروا أثرًا بعد عين، وصارت ديارهم بلاقع بسبب الذنوب والمعاصي والكفر بالله، وتكذيب رسله، وفي هذا تسليةٌ للمؤمنين في مصابهم في أُحد، وتحذير للأمة كلها من مسالك المكذبين وعقوباتهم؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [الأنعام: 11]، وقال تعالى: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [غافر: 82]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [غافر: 21]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ [محمد: 10]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴾ [طه: 128]، وقال تعالى: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40].

فأهلك قوم لوط بالحاصب، وثمود بالصيحة، وقارون بالخسف في الأرض، وقوم نوح وفرعون بالغرق.

قوله تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

قوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾: الإشارة إلى القرآن الكريم، ومنه ما ذكِّروا به في هذه الآيات من مؤاخذة المكذبين.

وأشار إلى القرآن بإشارة القريب ﴿ هَذَا ﴾؛ لأنه حاضر في الأذهان.

﴿ بَيَانٌ ﴾: مصدر «بيَّن» يقال: بيَّن يُبيِّن تَبينًا وبيانًا. وجاء التعبير باسم المصدر عن الموصوف بالبيان، وهو القرآن من باب المبالغة، حتى كأن الموصوف هو الصفة نفسها. فالقرآن بيان، وفيه البيان.

والبيان: الإيضاح، وكشف الحقائق الواقعة، والهدى والرشاد، وحذف المتعلق في قوله: ﴿ بَيَانٌ ﴾؛ ليعم بيان كل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89].

﴿ للناس ﴾؛ أي: بيان للناس كلهم، فالقرآن عام من حيث «التبيين»، فهو بيان لكل شيء، ومن حيث «المبَيَّن له» فهو بيان لجميع الناس؛ أي: هذا القرآن بيان لكل شيء، وهدى وإرشاد للناس كلهم، به تقوم عليهم الحجة؛ كما قال تعالى: ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185].

فيه بيان الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وبيان أخبار الأمم السابقة، وما جرى بين الرسل وأتباعهم، وبين المكذبين من أقوامهم، وعاقبة كل منهم، بنصر الله لأوليائه المؤمنين، وإهلاكه لأعدائه المكذبين.

﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾: معطوف على ﴿ بيان ﴾، فهو بيان للناس عامة، ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خاصة؛ لأنهم هم الذين يهتدون بهدي القرآن ويعملون به، ويتعظون بمواعظه.

والموعظة: ذكر الأحكام مقرونة بالترغيب والترهيب؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ﴾ [التوبة: 33]؛ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح.

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.


قوله: ﴿ وَلَا تَهِنُوا: الواو: استئنافية، و«لا»: ناهية، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. والوهن: الضعف؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾ [مريم: 4]؛ أي: لا تضعفوا عن الجهاد وقتال الكفار في المستقبل بسبب ما نالكم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 104]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ [محمد: 35].

﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾: معطوف على ما قبله، وكرَّر «لا» للتأكيد، والحزن: الأسف والأسى على مصاب قد مضى من حصول شرٍّ، أو فوات خير، أي: ولا تحزنوا بقلوبكم على من قُتل منكم، فكل مصيبة دون الدين تهون، وفي الله عوض عن كل فائت، وكما قيل:
وكل كسرٍ فإن الله جابرُه
وما لكسرِ قناةِ الدين جُبران[2]




فنهاهم عن الوهن والضعف؛ لإشعارهم أنهم أقوياء بالله تعالى؛ ليزدادوا قوة وإقدامًا، ونهاهم عن الحزن على ما مضى؛ إذ لا فائدة في ذلك، ولئلا تَفتُرَ عزائمُهم، أو يفت ذلك في عضدهم؛ ولهذا قال بعده: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ الواو: حالية، أي: والحال أنكم أنتم الأعلون، ويحتمل كون الواو: استئنافية، أي: وأنتم الأعلون شرعًا ومنزلة بالإيمان، وأنتم الأعلون العالون قدرًا بنصر الله تعالى لكم حتى ولو أصابكم ما أصابكم، فالعقبى لكم في الدنيا والآخرة والنصر لكم في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، وفي هذا بشارة لهم.

و﴿ الْأَعْلَوْنَ ﴾: جمع «الأعلى»، وفُتِح ما قبل الواو في ﴿ الْأَعْلَوْنَ ﴾ للدلالة على الألف المحذوفة في «الأعلى» لالتقاء الساكنين.

﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾: «إن»: شرطية، و«كنتم»: فعل الشرط، وجوابه محذوف دل عليه ما سبق، أي: إن كنتم مؤمنين، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8].

فأنتم الأعلون بإيمانكم، وبكون مصابكم أقلَّ من مصابهم، مع أن عددكم وعدتكم أقل منهم، وأنتم الأعلون بوعد الله لكم بالنصر في المستقبل في دينكم ودنياكم وأخراكم.

قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾.

قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾.

قوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ: قرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية أبي بكر بضم القاف: «قُرْحٌ»، وقرأ الباقون بفتح القاف ﴿ قَرْحٌ ﴾، ومعناهما واحد، فـ«القرح» بضم القاف وفتحها: «الجرح».

وقيل: إن «القُرح» بالضم: «الجرح»، و«القَرح» بالفتح: «ألم الجرح»، والقولان متلازمان؛ لأن الألم من لازم الجرح.

ومعنى ﴿ يَمْسَسْكُمْ ﴾: يُصبكم؛ كما قال تعالى: ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ﴾ [البقرة: 214]؛ أي: أصابتهم، والمعنى: إن يصبكم جراح وقتل.

﴿ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لاتصاله بـ«قد»، والمراد بـ«القوم» كفار مكة، أي: فقد أصاب المشركين قرحٌ مثله، أي: جراح وقتل، وذلك في بدر حيث قُتل منهم سبعون وأُسر سبعون، فكنتم كفافًا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165]؛ أي: أصبتم منهم في بدر مثلي ما أصابوا منكم في أُحد، أي: ضعفه، حيث قتلتم منهم سبعين رجلًا وأسرتم سبعين.

وفي هذا تسليةٌ للمؤمنين بأن ما أصابهم من قتل وجراح يوم أُحد، قد أصاب عدوهم مثله يوم بدر، فليس المصاب خاصًّا بهم، وفي هذا تخفيفٌ لمصاب المؤمنين، أي: هذا بهذا، والإنسان إذا علِم أن عدوَّه قد أصابه مثل مصابه، هانت عليه مصيبته، مع الفرق الشاسع والبون الواسع بين قتلى الفريقين، فقتلى المؤمنين في الجنة، وقتلى المشركين في النار، ولهذا لما قال أبو سفيان: الحرب سجال، يوم لنا، ويوم لكم، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه: فقالوا: «لا سواء، لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»[3]، والمصائب إذا عمَّت خفَّت، ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر[4]:
ولولا كثرةُ الباكين حولي
على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن
أسلي النفس عنه بالتأسي


ولما حضرت الإسكندر المقدوني الوفاة أمَر أمَّه أن تَكتُب على باب قصره بألا يأتي أحدٌ للعزاء إلا من لم تُصبه مصيبة، فلما مات كتبت ذلك، فلم يأتها أحد يعزيها، فسألت لم ذلك؟ فقيل لها: إنك كتبت على باب القصر أنه لا يأتيك للعزاء إلا من لم تُصبه مصيبة، وما من الناس أحد إلا وقد أصابته مصيبة، فقالت: يا ولدي لقد عزيتني عن نفسك بنفسك.

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ ﴾: الواو: استئنافية، وأشار للأيام بإشارة البعيد «تلك»؛ لأن الأيام منها ما هو بعيد ومنها ما هو قريب، كما أن منها ما هو سابق ومنها ما هو لاحق.

والأيام تشمل الأيام المعروفة والأزمنة، وما يقع فيها من النقم والنعم، كما قال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾ [إبراهيم: 5]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ﴾ [الجاثية: 14].

﴿ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾: تكلَّم عز وجل بضمير العظمة إشارةً إلى عظمته - عز وجل - وكمال سلطانه في تدبير أمر هذا الكون، ومداولة الأيام بين الناس.

ومعنى ﴿ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾؛ أي: نجعلها دولًا بينهم، فتارة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء، وتارة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء.

وهذا من سنن الله تعالى الكونية، ففي بدر كانت الدولة للمسلمين على المشركين، وفي أُحد كانت الدولة للمشركين على المسلمين، لحكمٍ وأسرارٍ عظيمة ذكرها الله تعالى في هذه الآيات، ولهذا لما سأل هرقل أبا سفيان: «كيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا سجالٌ، ينال منا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الرسل تُبتلى وتكون لهم العاقبة»[5].

قال ابن القيم[6] في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحد: «ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم، جرت بأن يدالوا مرة، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يميز الصادق من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، اقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين؛ ليتميز مَن يتَّبعهم ويُطيعهم للحق، وما جاؤوا به، ممن يتَّبعهم على الظهور والغلبة خاصة».

فالأيام دول، ودوام الحال من المحال، فمِن عِزٍّ إلى ذلٍّ، ومن ذُلٍّ إلى عِزٍّ، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، ومن غنى إلى فقر، ومن فقر إلى غنى، ومن صحة إلى سقم ومن سقم إلى صحة، وهكذا، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]، وقال تعالى: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44].
وقال الشاعر:
فيوم علينا ويوم لنا
ويوم نُساء ويوم نسر[7]




وقال الآخر:
ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى
من العيش ما يصفو وما يتكدر[8]




قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾: هذا شروع في بيان الحكمة فيما أصابهم يوم بدر.

﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: الواو: عاطفة، والمعطوف عليه مقدر دل عليه ما سبق، أي: أصابكم ما أصابكم من القرح، وجعلنا الأيام دولًا، ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، واللام في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾: للتعليل؛ أي: ولأجل أن يعلم الله الذين آمنوا»، أي: لأجل أن يعلم علمًا يترتب عليه مجازاتهم؛ لأن الله - عز وجل - قد علم أزلًا المؤمنين من غيرهم، وعلم كل شيء، لكنه - عز وجل - لا يحاسب الخلائق على ما في علمه السابق أزلًا قبل إيجادهم وحصول الإيمان منهم أو عدمه، وإنما يحاسبهم بعد وجود ذلك وحصوله منهم؛ أي: وليعلم الله الذين يرضون ويُسلمون بما يقدِّره الله تعالى من مداولة الأيام بين الناس، فيصبرون على الضراء، ويشكرون عند السراء، ويلبسون لكل حالة لَبُوسها الشرعي، فلا تُجزعهم المصيبة، ولا تُبطرهم النعمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له»[9].

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #505  
قديم 22-04-2026, 05:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11]، والمراد بالفتنة في الآية ضد الخير.

فمداولة الأيام وما يحصُل فيها من خيرٍ أو شرٍّ، أو نصرٍ أو هزيمة، فيه أعظم الابتلاء والامتحان للعباد؛ ليتميز المؤمن الصادق من الكافر والمنافق، كما قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]، وقال تعالى: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأنفال: 37].

﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾: معطوف على قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾؛ أي: جعل الله تعالى الأيام دولًا بين الناس، وجعل الدولة للكفار عليهم في أُحد؛ ليعلم الذين آمنوا ويتخذ منكم أيها المؤمنون شهداء، أي: يجعل ويختار، ويصطفي منكم شهداءَ؛ أي: أناسًا يستشهدون ويقتلون في سبيله؛ حيث قُتِل في هذه الغزوة سبعون رجلًا منهم، اختارهم الله واصطفاهم للشهادة في سبيله.

والشهداء: جمع شهيد، وهو الذي يقتل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، سمي شهيدًا؛ لأن تعريضه نفسه للقتل شهادة فعلية منه على صدق إيمانه، ولأن الملائكة تشهده، وغير ذلك؛ أي: ليعلم الذين آمنوا بصبرهم حالَ الشدة، وشكرهم حال الرخاء، ولكي يختار ويصطفي من المؤمنين شهداءَ.

﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وقتال المؤمنين، والصد عن دين الله، وقابل قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ بقوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، في إشارة إلى فضل الشهادة ومحبة الله للشهداء، وأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار- كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما - [10]، فهو كقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، وفي قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: احتراس من أن يظن ما حصل لهم من الدولة في أحد من محبة الله لهم.

وأيضًا: ﴿ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالقعود عن القتال من المنافقين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]، ولهذا لم يتخذ منهم شهداءَ.

و﴿ الظَّالِمِينَ ﴾ جمع «ظالم»، والظلم النقص؛ كما قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]، وهو أيضًا: وضع الشيء في غير موضعه على سبيل العدوان.

وأظلم الظلم الشرك بالله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13].

فالظالم مَن اعتدى في حق الله، أو حق عباده، ونقص حق الله، أو حق عباده، فمن أشرك بالله أو عصاه، فقد ظلم واعتدى، ونقص حق الله تعالى، ومن اعتدى على عباد الله تعالى، فقد ظلمهم ونقص حقهم، ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، بل يبغضهم بقدر ظلمهم، ومفهوم هذا محبته للمقسطين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42].

قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله داخل ضمن الحكمة في إصابتهم بالقرح، وجعل الأيام دولًا، أي: ولأجل أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين.

قوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ﴾: «التمحيص»: التنقية والتصفية والتخليص؛ أي: يمحص الله الذين آمنوا، أي: ليبتليهم ويُصفيهم بما أصابهم من القرح، وإدالة الكافرين عليهم؛ ليتبين ويتميز المؤمنين الخُلَّص منهم والصفوة، ولينقيهم من ذنوبهم بذلك المصاب؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179].

﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله، و«المحق»: إهلاك الشيء وإذهابه بالكلية، أي: ويهلك الكافرين؛ أي: ومن حكمة الله تعالى في إصابتكم بالقرح ومداولة الأيام، وجعل الدولة لهم عليكم استدراجًا لهم ليَمحقهم؛ لأنهم إذا انتصروا ازدادوا طغيانًا وبغيًا وبطرًا؛ اغترارًا منهم بما حصل لهم من نصر، فيعودون لقتالكم مرة بعد أخرى، فيكون محقُهم ومعاجلتهم بالعقوبة والهلاك في الدنيا الموصول بهلاكهم وعذابهم في الآخرة في النار وبئس القرار.

وقد أهلك جميع الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وأصرُّوا على الكفر، فما أصاب المؤمنين فضيلة وشهادة وتمحيص، وما أصاب الكافرين مَحق وهلاك، وشتان بين الحالين.

قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.

ذكر عز وجل أن مِن الحِكَم فيما أصاب المسلمين في أُحد، تمييز المؤمنين وتمحيصهم، واصطفاء شهداء منهم، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية؛ تأكيدًا لما قبلهً، وبيانًا لتحتُّم هذا الابتلاء والتمحيص، فدربُ الجنة ليس مفروشًا بالورود والرياحين.

قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ﴿ أم ﴾: هي المنقطعة التي بمعنى «بل» الانتقالية، وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم، والاستفهام للتوبيخ والإنكار والنفي، و﴿ أن ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لـ«حسب»؛ أي: أحسبتم دخول الجنة، ومعنى «أحسبتم» أي: أظننتم.

﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾: الواو: حالية، و«لمَّا»: حرف نفي وجزم، وهي أشدُّ نفيًا من «لم»، وتفيد ترقُّب حصول المنفي، و﴿ يعلم ﴾: مجزوم بها حرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة، والحال أن الله لما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؛ أي: ولم تُبتلوا بالجهاد والشدائد، فتُجاهدوا وتصبروا؛ ويعلم الله ذلك منكم بعد وقوعه، فيجازيكم عليه بدخول الجنة.

والمعنى: لا تحسبوا ولا تظنوا ولا يَخطر ببالكم - أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقوله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3].

وفي الحديث: «حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات»[11].

قال الشاعر:
فدربُ الصاعدين كما علِمتم
به الأشواكُ تَكثُر لا الورود[12]




وقال الحسن: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقع في القلب وصدَّقه العمل»[13]، ولهذا يقال: «التمني رأس مال المفاليس».

وقال الشاعر:

ترجو النجاة ولم تَسلُك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس[14]





وسلعة الله تعالى غالية، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»[15].
قال ابن القيم[16]:
يا سلعةَ الرحمن لستِ رخيصةً
بل أنت غاليةٌ على الكَسلان
يا سلعةَ الرحمن ليس ينالها
في الألف إلا واحدٌ لا اثنان


ومعنى ﴿ جَاهَدُوا ﴾: بذلوا جهدهم بأموالهم وأنفسهم في القتال في سبيل الله.

﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾؛ أي: الصابرين على طاعة الله تعالى، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل هذه الأقسام الثلاثة تجتمع في القتال في سبيل الله، ففيه الصبر وحبس النفس على طاعة الله؛ لأن القتال أمرٌ شاقٌّ على النفوس؛ كما قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]، وفيه الصبر عن معصية الله بعدم الفرار وترك القتال، وفيه الصبر على أقدار الله المؤلمة من القتل والجراح والمشقة، ونحو ذلك، وقد كان من أسباب ما أصاب المسلمين في أُحد عدم صبر الرماة؛ فحصل على المسلمين ما حصل.

قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾.

قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: الواو: عاطفة، واللام: واقعة في جواب القسم، أي: والله لقد كنتم، و«قد» للتحقيق، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر، واللام، و«قد».

﴿ تَمَنَّوْنَ ﴾ أصلها تتمنون، والتمني: طلب ما يَصعُب ويتعسَّر حصوله، أو يستحيل، كما في قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يومًا= فأخبره بما فعل المشيب[17]
=

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: إشارة إلى أن ما حصل منهم لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الخروج إلى أُحد، أو البقاء في المدينة والتحصن فيها، أشار عليه الشباب - وبخاصة مَن لم يشهدوا بدرًا - بالخروج، وكانوا يتمنون أن يموتوا ويستشهدوا، كما استشهد بعض إخوانهم في بدر، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾؛ أي: كنتم تمنون الموت بالقتل والاستشهاد مع مَن استُشهد في بدر، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾؛ أي: من قبل هذا اليوم.

وها أنتم اليوم في أُحد لقيتموه وجعل لكم ما تمنون، ولهذا قال: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿ رَأَيْتُمُوهُ ﴾: أبصرتُموه وشاهدتُموه بأعينكم فيما بينكم، والضمير يعود إلى الموت؛ أي: رآه مَن استشهد منكم في «أُحد» بنفسه، ورآه مَن لم يستشهد بغيره، وقيل: رأيتم أسبابه في صفوف المقاتلين ولمعان السيوف، وحدِّ الأسنة، واشتباك الرماح.

﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الجملة حالية؛ أي: والحال أنكم تنظرون عيانًا بيانًا على أشد ما تكونون إحساسًا، فأين بلاؤكم وصبركم، وكيف جَبنتم وتخاذَلتُم وانهزمتُهم؟!

[1] البيت لخالد بن زهير الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي؛ انظر: «ديوان الهذليين» (1/ 155).

[2] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «ديوانه» (ص80).

[3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 84)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 771).

[4] انظر: «ديوانها» (ص84).

[5] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2804)، ومسلم في الجهاد والسير (1393)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنه.

[6] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 510).

[7] البيت لنمر بن تولب؛ انظر: «ديوانه» (ص347).

[8] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43).

[9] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (2999)، من حديث صهيب رضي الله عنه.

[10] سبق تخريجه قريبًا.

[11] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (2823)، والترمذي في صفة الجنة (2559)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[12] البيت لوليد الأعظمي - شاعر عراقي - في ديوانه «الزوابع»؛ انظر: «الأعمال الشعرية الكاملة» (ص85).

[13] أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (6/ 163)، وفي «الإيمان» ص(92)، وأحمد في الزهد ص(263)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 65).

[14] البيت لأبي العتاهية؛ انظر: «ديوانه» (ص194).

[15] أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق (2450)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: «حديث حسن غريب».

[16] «النونية» (ص354).

[17] البيت لأبي العتاهية. انظر: «ديوانه» (ص32).









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #506  
قديم 04-05-2026, 11:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾


قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾[آل عمران: 137 - 143].

1- تذكير الله تعالى هذه الأمة بسنن الله تعالى الخالية في الأمم الماضية؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾.

2- الحث على السير في الأرض والنظر فيها والاعتبار بالأمم السابقة وديارهم، وما آلت إليه أحوالهم، وعاقبة المكذبين منهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾؛ أي: سيروا في الأرض وانظروا فيها مُعتبرين متعظين، لا متفرجين، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يُصيبكم مثل ما أصابهم»[1].

3- أن للمسير في الأرض ومشاهدة آثار الغابرين أثرًا في الاعتبار أقوى من أثر السماع.

4- أن ما حصل للمؤمنين من الابتلاء في أُحد بسبب المخالفة، هو من سنن الله تعالى مع أتباع الأنبياء؛ مما يوجب الحذر من مخالفة أمر الله ورسوله.

5- سوء عاقبة المكذبين لله تعالى ورسله؛ لقوله تعالى: ﴿ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ مما يوجب الحذر من مسالكهم.

6- أن القرآن الكريم بيان لكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ﴾ بحذف المتعلق؛ أي: بيان لكل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38].

7- أن القرآن الكريم بيان وإرشاد وهدى لجميع الناس المؤمن والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ للناس ﴾.

8- أن القرن الكريم هدى وموعظة للمتقين خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾.

9- أن كثيرًا من الناس لا ينتفع بالقرآن، ولهذا خصَّ الله تعالى من بين الناس المتقين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالقرآن، فيهتدون به ويتعظون.

10- فضيلة التقوى، وأن مَن لم يهتد بالقرآن ولم يتَّعظ به فليس من المتقين.

11- نهى الله - عز وجل - المؤمنين عن الوهن والضعف فيما يستقبلهم من الأحداث والنوائب، وعن الحزن على ما فاتهم فيما مضى، وما وقع لهم من المصائب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾.

12- وضوح الحكمة التشريعية في النهي عن الوهن وعن الحزن؛ لأن الوهن ينافي ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان، وبخاصة المؤمن من الحزم والعزم في جميع أموره، كما أن الحزن على ما مضى لا يرد فائتًا، بل قد يكون سببًا لفتور العزيمة وضعف الإرادة.

13- تقوية عزائم المؤمنين، وتثبيت قلوبهم، وتشجيعهم للمضي قدمًا والتغلب على ما يلاقيهم من الصعاب والنوائب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾، وكما قيل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم2]




14- أن المؤمنين هم الأعلون في كل حال؛ في حال النصر وعدمه، لأنهم يحيون ويقاتلون لهدف نبيل، وهو إعلاء كلمة الله تعالى ونُصرة دينه، فهم الأعلون في كل حال، والعقبى لهم في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾. وكما قيل:
علو في الحياة وفي الممات
.........................[3]




15- أن من شرط الإيمان ألا يُهين المؤمن ولا يضعف أمام الأعداء، وما يلاقيه من الصعاب؛ لأنه قوي بالله تعالى والله معه، ومُعينه وناصرُه، وألا يحزن على ما مضى وفات، فلن يُفيده ذلك، ومن الله تعالى عوضٌ عن كل فائت، وما كان في الله تلفه كان على الله خلفه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

16- ينبغي أن يكون المؤمن قويًّا بالله تعالى في أي حال؛ من شدة أو رخاء، أو غنى أو فقرٍ، أو صحة أو مرضٍ، أو نصرٍ أو عدمه؛ لأن العزة لله تعالى ولرسوله والمؤمنين، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 141].

17- أن الوهن والضعف تجاه العدو والنوائب، والحزن على ما مضى، نقص وضعف في الإيمان، وليس من صفات المؤمنين، وإذا كان الله - عز وجل - قد نهى المؤمنين عن الوهن والضعف أمام الأعداء وفي طلبهم وقتالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ﴾ [النساء: 104] - فإن مما يَحز في النفس، ويُحزن القلب، وَيندى له الجبين، أن تجد الوهن والضعف قد دبَّ، بل واستشرى بين كثير من المسلمين أمام أنفسهم، فضعفوا عن القيام بكثير من حقوق الله تعالى، وحقوق الأمة، حتى أصابهم الوهن والضعف في أعظم حقوق الله تعالى بعد الشهادتين، وهي الصلاة، التي هي عمود الإسلام وقاعدته التي تدور عليها رَحاه، فمنهم من تركها بالكلية، ومنهم من يصليها حينًا ويتركها أحيانًا، ومنهم من لا يُقيمها كما شرعها الله، ولا يصليها مع جماعة المسلمين في المساجد، كما أصابهم الوهن والضعف في القيام بحقوق الأمة ومصالحها، وتحمُّل مسؤولياتها؛ كالأذان والإمامة في المساجد، والتدريس والتعليم في شتى المراحل، والأعمال الوظيفية على اختلافها وتنوعها، وغير ذلك من مسؤوليات الأمة، بسبب ضعف الاحتساب وعدم استحضار النية، وعدم الشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى في الحفاظ على مصالح الأمة ومكانتها.

وضعفت بسبب ذلك العزائم وتحطَّمت المعنويات، وتقاعست الهمم، فالقائمون على المساجد من المؤذنين والأئمة، لسان حال فريق منهم ومقالهم يقول: ربطني المسجد وقيَّد حريَّتي، ولسان حال كثير من المدرسين ومقالهم يقول: النصاب كثير، ولسان حال كثير من الموظفين ومقالهم يقول: الدوام طويل، وهكذا وكما قيل:
كل من لقيت يشكو دهره
ليت شعري هذه الدنيا لمن[4]




وكل هذا وذاك مما جعل الأمة في مؤخرة الركب، تتقدم الأمم وتنتظم فيها الحياة كما تنتظم دقات عقارب الساعة، بينما يراوح المسلمون مكانهم ويعيشون حياة التخلف والفوضى والجهل والفقر والمرض، ولن يعود للأمة عزُّها ومجدها وكرامتها، ولن تنهض من كبوتها وتتبوأ مكانتها اللائقة بها بين الأمم إلا بالعودة حقًّا إلى دينها، وتحمل المسلمين جميعًا؛ دولًا ومؤسسات وأفرادًا مسؤولياتهم، وقيام كل منهم بواجبه المنوط به في عمله، وبهذا تنتظم حياة الأمة دينًا ودنيا، وتأخذ مكانها بين الأمم، وما ذلك على الله بعزيز.

18- تسلية المؤمنين وتعزيتهم والتخفيف عليهم بأن ما أصابهم مِن قرحٍ يوم أُحد، فقد أصاب القوم قرح مثله في بدر، والأيام دول، فيوم لهم ويوم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140].

19- أن مما يهون المصيبة على المصاب تذكيره بأن ما أصابه قد أصاب غيره مثله أو أشد، وأن المصائب جمَّة، وليست حكرًا على أحد، وأعظم مصيبة المصيبة في الدين، وأعظم مصيبة أُصيبت بها الخليقة فقدُ محمد صلى الله عليه وسلم؛ كما قال حسان رضي الله عنه[5]:
وما فقَد الماضون مثل محمد
ولا مثله حتى القيامة يفقد




20- أن الأيام دول بين الناس، تكون فيها الدولة لهؤلاء على هؤلاء، ولهؤلاء على هؤلاء، وتتقلب فيها الأحوال بالنسبة للأفراد والجماعات والدول، فمن عزٍّ إلى ذلٍّ، ومن ذل إلى عزٍّ، ومِن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، ومن غنى إلى فقر، ومن فقر إلى غنى، إلى غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: 140].

21- تمام ربوبية الله تعالى وسلطانه في خلقه؛ خلقًا وملكًا وتدبيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾.

22- أن ما حصل على المؤمنين في أُحد من قرح بقتل سبعين رجلًا منهم، وجعل الدولة لعدوِّهم عليهم؛ لحِكمٍ وأسرار عظيمة، منها: أن يظهر في علم الله الذين آمنوا، ويتخذ منهم شهداءَ، ويُمحِّصهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾، وقوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُو ﴾ [آل عمران: 141].

23- أن في الابتلاء بالمصائب ونحوها تميزَ المؤمنين وتمحيص الصفوة منهم وتنقيتهم من الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.

24- أن الله - عز وجل - لا يحاسب العباد على ما في علمه الأزلي عنهم، وإنما يحاسبهم على ما وجد وظهَر منهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.

25- فضيلة الشهادة ومكانة الشهداء عند الله؛ لأن الله يتخذهم ويصطفيهم لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169].

26- فضل شهداء أُحد - رضي الله عنهم - لأن الله اتَّخذهم شهداءَ، وشَهِدَ لهم بالشهادة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾.

27- نفي محبة الله للظالمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾.

28- إثبات المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه يحب العادلين؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾.

29- التحذير من الظلم؛ سواء كان في حق الله تعالى، أو في حق الخلق، في دمائهم أو أعراضهم أو أموالهم؛ لأن الله تعالى لا يحب الظالمين، بل يبغضهم وينتقم منهم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55].

30- أن من حكمة الله تعالى في إدالة الكافرين على المؤمنين كما حصل في أُحد، وفي جعل الأيام دولًا بين أهل الحق وأهل الباطل؛ ليغتر أهل الباطل ويستمروا في عنادهم واستكبارهم، فيَمحقهم الله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾.

31- أن نهاية أهل الكفر المحق والهلاك والدمار، والخُسران والبَوار.

32- الإنكار على مَن يَطمَع في دخول الجنة بلا جهادٍ ولا صبر، ولا ابتلاء؛ لقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾، والمعنى: لا تحسبوا ذلك فإن حسبتم دخول الجنة بغير جهاد، فأنتم جاهلون، كما أنكم إن لم تحسبوا ذلك، ولم تقوموا بالجهاد، وتصبروا عليه، فأنتم مفرطون.

33- أن سلعة الله الجنة غالية الثمن لا تُنال بالتمني، وإنما تنال بالجهاد والصبر والعمل.

34- أن الجهاد والصبر من أسباب دخول الجنة؛ الجهاد بالنفس والمال والعلم والعمل، والصبر بأنواعه الثلاثة؛ الصبر على طاعة الله تعالى، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة.

35- إقامة الحجة على مَن كانوا يتمنون الموت من قبل أن يَلقوه، بجعْلهم يرونه وهم ينظرون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾.

36- لا ينبغي أن يتمنَّى الإنسان المكروه وما قد يَعجِز عنه، وإنما يسأل الله تعالى العافية، فإذا ابتُلي فعليه الصبر؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية»[6].

وليس في الآية دليلُ كراهية تمني الشهادة، بل فيها دليل على عدم كراهية ذلك؛ لأن الله تعالى أقرَّهم على أمنيتهم ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها.

وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، وَدِدت أن أُقاتل في سبيل الله فأُقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل»[7].

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك»[8].

وقد أجاب الله دعاءه فقُتل وهو يصلي بالمسلمين بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال عبدالله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
حتى يقولوا إذا مرُّوا على جدثي
أرشدك الله من غاز وقد رشدا[9]



37- ينبغي ألا يعتمد الإنسان على نفسه وقوته وجهده، بل يجب أن يعتمد على ربه - عز وجل - ويسأله العون والتوفيق، مع فعل السبب، ويخاف من شؤم نفسه وذنوبه، وكما قال علي رضي الله عنه[10]:
إذا لم يكن عون من الله للفتى
فأول ما يجني عليه اجتهاده





[1] أخرجه البخاري في التفسير، قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الحجر: 80]، (4702)، ومسلم في الزهد والرقائق، «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين» (2980)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

[2] البيت للمتنبي؛ انظر: «ديوانه» (2/ 272).

[3] من شطر بيت لابن الأنباري؛ انظر: «ديوان المعاني» (2/ 179).

[4] البيت للمعري؛ انظر: «روض الأخبار» (ص141).

[5] انظر: «ديوانه» (ص63).

[6] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- لا تتمنوا لقاء العدو (2966)، ومسلم في الجهاد والسير- كراهة تمني لقاء العدو (1742)، وأبو داود في الجهاد (2631)، من حديث عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه.

[7] أخرجه البخاري في التمني (7227)، ومسلم في الإمارة (1876)، والنسائي في الجهاد (3152)، وابن ماجه في الجهاد (2753)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه البخاري في الحج (1890)، من حديث سالم عن أبيه عن عمر رضي الله عنهما.

[9] انظر: «حلية الأولياء» (1/ 191).

[10] انظر: «ديوانه» (ص37)، «الفرج بعد الشدة» للتنوخي (1/ 177)، «محاضرات الأدباء» (1/ 532).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #507  
قديم 04-05-2026, 11:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



تفسير قوله تعالى:

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ... ﴾




قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148].

قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾.

قال ابن كثير[1]: «لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قُتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قمئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجَّه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قُتل، وجوَّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء - عليهم السلام - فحصل وهن وضعف وتأخُّرٌ عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه».

وعن ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مرَّ على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قُتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ[2].


ورُوي أن أناسًا من أهل النفاق قالوا: إن كان محمد قد قُتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: «إن كان محمد قد قُتل فإن رب محمد لم يُقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه، وموتوا على ما مات عليه»[3].


وفي رواية أنه قال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنَع هؤلاء - يعني: المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدَّم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أُحد، فمضى فقُتِل»[4].


قوله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ: الواو: استئنافية، و«ما»: نافية، و﴿ مُحَمَّدٌ ﴾: هو نبينا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

﴿ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ ﴿ إِلَّا ﴾: أداة حصر؛ أي: ما هو إلا رسول من عند الله، مهمته تبليغ رسالة ربِّه، وليس بدعًا من الرسل، بل هو من جنس الرسل قبله؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 9].

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾: صفة لـ﴿ رَسُولٌ ﴾، وهي محط القصر؛ أي: ما هو إلا رسول موصوف بخلوِّ الرسل قبله، أي: مُضيهم، وانقراضهم قبله، وسيخلو ويمضي مثلهم، و﴿ قد ﴾: للتحقيق ﴿ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾؛ أي: مضت؛ كقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ [آل عمران: 137]؛ أي: قد مضت وسبقت من قبله الرسل، فمنهم من مات ومنهم من قُتل؛ كما قال تعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61].

و«أل» في ﴿ الرُّسُلُ ﴾ للعموم؛ أي: قد خلت من قبله جميع الرسل، فهو خاتمهم، وفي هذا توطئة لقوله بعده: أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} الآية، والهمزة للاستفهام، ومعناه التوبيخ والإنكار والنهي، والفاء للتعقيب.

و«إن»: شرطية، و﴿ مَاتَ ﴾: فعل الشرط, ﴿ انْقَلَبْتُمْ ﴾: جواب الشرط، والخطاب لمن شهدوا بدرًا وغيرهم من المؤمنين.

﴿ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾: «أعقاب» جمع «عقب»، وهو: «العرقوب» مؤخر القدم.

وفي الحديث: «ويل للأعقاب من النار»[5]؛ أي: مؤخرة الأقدام.

والانقلاب على العقب: الرجوع على الوراء، ورجوع القهقرى، والسير على غير هُدى، وأصل الانقلاب التحوُّل من حالٍ إلى حال.

والمعنى: أفإن مات أو قُتل كغيره من الرسل، ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ أي: رجعتم وارتددتُم عن دينكم؛ أي: أتنقلبون على أعقابكم وترجعون عن دينكم، وتتركون الجهاد إن مات أو قُتل رسولكم، والمراد: اثبُتوا على دينكم، ولا ترتدُّوا عنه، وإن مات رسولكم أو قُتل، كما ثبتت الأمم قبلكم على أديانهم، ولم يرجعوا ويرتدوا بعد أنبيائهم.

وكنى بالرجوع والارتداد عن الدين بالانقلاب والرجوع على الأعقاب تقبيحًا له وذمًّا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22].

﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا: انتقل الكلام من صيغة الخطاب إلى صيغة العموم والغيبة، فلم يقل: «وإن انقلبتم على أعقابكم، فلن يضر الله شيئًا»؛ ليكون الحكم عامًّا لكل مَن رجع وارتدَّ عن دينه منهم ومن غيرهم، كما أن فيه عدمَ مواجهتهم بالخطاب بهذا بعد أن وبَّخهم وحذَّرهم من ذلك، إضافةً إلى ما في تنويع التعبير من لفت الانتباه، والواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَنْقَلِبْ ﴾: فعل الشرط.

﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾: جواب الشرط، والفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لاتصاله بـ«لن» و﴿ شَيْئًا ﴾: نكرة في سياق النفي، فتعم أيَّ شيء؛ أي: فمن يرجع على عقبيه ويرتد عن دينه، فلن يضر الله أيَّ شيء، وإنما يضرُّ نفسه؛ لأن الله تعالى لا تضره طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أنَّ أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحدٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا»[6].

﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: أنكر عز وجل ووبَّخ مَن انقلب على عقبيه، ثم أثنى وامتدح الشاكرين ممن ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتثلوا أمره، ولم يرتدوا عن دينه، والسين في قوله: ﴿ وَسَيَجْزِي ﴾ للتنفيس، وهي تحوُّل الفعل المضارع من كونه صالحًا للحال والاستقبال معًا إلى كونه خالصًا للاستقبال.

والجزاء: الثواب والمكافأة على العمل، و﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾: جمع «شاكر»، وهم الذين شكروا الله تعالى على نعمه، واستعانوا بها على طاعته والثبات على العبودية له، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم حيًّا وميتًا، وفي مقدمتهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضوان الله عليهم - الذين ثبتوا على دينه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وارتداد مَن ارتد من العرب.

فهم سادات الشاكرين وفي مقدمتهم أميرهم أبو بكر - رضي الله عنه - كما قال علي رضي الله عنه: «﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾: الثابتين على دينهم، منهم أبو بكر وأصحابه، فكان علي - رضي الله عنه - يقول: كان أبو بكر أمير الشاكرين، وأمير أحباء الله، وكان أشكرهم وأحبهم إلى الله»[7].

قال ابن القيم[8]: «فظهَر أثرُ هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد مَن ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم».

و«الشكر» يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح، كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا[9]




وشكر الله تعالى بالقلب بالاعتراف باطنًا بنعم الله تعالى، واستشعار أنها من الله تعالى وبفضله، لا بحول الإنسان وقوته.

والشكر باللسان يكون بالثناء على الله تعالى بلسان المقال بحمده تعالى على نعمه؛ من نعمة الإسلام والإيمان والخلق، والرزق وغير ذلك، والاعتراف بها، ونسبتها إلى الله تعالى، والتحدث بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11].

وشكر الله تعالى بالجوارح يكون باستعمالها في طاعته، والثبات على دينه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويكون بظهور أثر نعمة الله تعالى على العبد في مأكله ومشربه وملبسه، ومسكنه ومَركبه، ونحو ذلك؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»[10].

ولم يذكر أو يحدد جزاءهم، ليُدلل على عظمته وكثرته؛ لأنه على قدر من جازاهم به وهو العظيم سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، وأيضًا فإن جزاءهم متفاوت ومختلف؛ لأنه على قدر شكرهم، والمعنى: وسيجزي الشاكرين بمغفرة ذنوبهم، ورِفعة درجاتهم، وبالثواب العظيم والفضل الواسع والجزاء الحسن؛ كما قال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 160].

وقال صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يُضاعف الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة»[11].

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾.

بيَّن في الآية السابقة أن محمدًا صلى الله عليه وسلم سيمضي كما مضى غيره من الرسل، إما بموت أو قتل، وحذَّر من الرجوع عن دينه بعد ذَهابه، ثم بيَّن في هذه الآية أنه ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله تعالى في أجلها المكتوب المحدد، وفي هذا تسليةٌ للأمة بموته، وأنه لا عذر في الرجوع عن دينه، كما أن فيه حضًّا على الجهاد، ولومًا على تركه خشية القتل.

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، تدل على نفي هذا الشيء وامتناعه قدرًا وكونًا.

﴿ لِنَفْسٍ ﴾: «نفس»: نكرة في سياق النفي، فتعم كلَّ نفسٍ من أنفس الآدميين وغيرهم من جن وحيوان.

و«أن» والفعل بعدها في قوله: ﴿ أَنْ تَمُوتَ ﴾ في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان، و«إلا» في قوله: ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: أداة حصر.

و«إذن الله» ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وهو المراد هنا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾.

وإذن شرعي، ومنه قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: 39]، وقوله تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21].

والفرق بينهما: أن ما أذن الله به كونًا لابد من وقوعه، ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله تعالى، وما أذن الله به شرعًا فلا يلزم وقوعه، ولابد أن يكون محبوبًا لله تعالى.

فمعنى ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾؛ أي: إلا بقضائه وقدره؛ أي: لا يمكن أن تموت نفس أيُّ نفس إلا بإذن الله تعالى وقضائه وقدره الكوني، فمهما حاول الناس أن يميتوا أحدًا، فلن يستطيعوا ما لم يأذن الله تعالى بذلك قدرًا وكونًا.

وهذه العقيدة الراسخة هي سرُّ بطولات وتضحيات المجاهدين في الإسلام؛ كما قال سيف الله المسلول، خالد بن الوليد رضي الله عنه: «لقد خُضت أكثر من مائة معركة، وما في جسدي شبرًا إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، أو رَمية بسهم، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء[12].

وكما قال الشاعر:
سأَعيش رغم الداء والأعداء
كالنسر فوق القمة الشمَّاء
النور في جنبي وبين جوانحي
فعلامَ أخشى السيرَ في الظَّلماء[13]


و«الموت»: خروج الروح من البدن ومفارقتها له، وفي الحديث: «يا محمد، عِشْ ما شئت فإنك ميت، وأحبِب ما شئت فإنك مفارقه»[14].

﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾، ﴿ كِتَابًا ﴾: مصدر مؤكد للجملة التي قبله؛ أي: أن الموت مكتوب ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد: 38].

ومعنى ﴿ كِتَابًا ﴾؛ أي: أنه مكتوب في اللوح المحفوظ الذي فيه مقاديرُ كل شيء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [فاطر: 11].

ومكتوب عند نفخ الروح في الإنسان في بطن أمه؛ كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه -: إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم علقة مثل ذلك، ثم مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فيَكتب رزقه وأجلَه، ثُمَّ يُكْتَبُ شقيٌّ أو سعيد»[15].

ومكتوب أيضًا فيما يُقدَّر ويُقضى كلَّ سنة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 1]، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4].

ولا يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره، فليَصل رحمه»[16].

فإن معنى الحديث أن صلة الرحم سببٌ لسَعة الرزق وطول العمر- في المقدر والمكتوب في اللوح المحفوظ عند الله تعالى، بمعنى أن الله قدَّر وكتب سَعة رزق هذا وطول عمره بسبب صلته لرحمه - وكل ذلك مكتوب عند الله تعالى، كما أن صلة الرحم سببٌ للبركة في الرزق والعمر، والذكر الحسن بعد الموت.
......................
والذكر للإنسان عمر ثان[17]




﴿ مؤجلًا ﴾؛ أي: محددًا بأجل، أي: بوقت معلوم لا يزيد ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر.

فكتب لكل نفس متى تموت وكيف تموت كتابًا مؤجلًا محددًا؛ كما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾ [المنافقون: 11]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ﴾ [نوح: 4]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ﴾ [الأنعام: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴾ [الحجر: 24].

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾: الواو: عاطفة، و«من»: شرطية، ﴿ يُرد ﴾: فعل الشرط، ﴿ نُؤته ﴾: جواب الشرط، مجزوم وعلامة جزمه حذف الياء؛ أي: ومن يقصد بعمله جزاء الدنيا دون الآخرة، وفي هذا تعريضٌ بمن يحضر القتال لأجل الغنيمة.

﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: نُعطه جزاء عمله في الدنيا، من الدنيا حسب ما قدر له، وليس له في الآخرة من نصيب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾ [الإسراء: 18].

﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾؛ أي: ومَن يقصد بعمله جزاء الآخرة، ويعمل لها، نُعطه منها مع ما قُسِم له في الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19].

وفرق ما بين الإرادتين والمرادَين، وشتان ما بين العطاءين.
شتان بين الحالتين فإن تُرد
جمعًا فما الضدانِ يجتمعان[18]




فعطاء الدنيا، بل الدنيا بما فيها متاع قليل، متاع غرور، لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وعطاء الآخرة أعظم وأجزل وأدومُ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64]، وقال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 20، 21].

﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾؛ أي: وسنجزي ونثيب، ونكافئ الشاكرين على شكرهم بالاعتراف بنعم الله تعالى بقلوبهم، والثناء عليه بها بألسنتهم، وظهور أثرها عليهم، والاستعانة بها بجوارحهم على طاعة الله تعالى بالمغفرة والجزاء العظيم، والثواب الجزيل والفضل الواسع، وهم الذين أرادوا ثواب الآخرة دون من أراد الدنيا وحدها؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ [الشورى: 20]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإنسان: 22].

قوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾.

في هذه الآية تشجيعٌ، وحفزٌ لهِمَم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتثبيت لهم - وهم خير الأصحاب - بذكر ما جرى لكثير من الأنبياء وأتباعهم من قتال وقتلٍ، وما كان عليه أتباع الأنبياء قبلهم من القوة، وتحمُّل ما يصيبهم في سبيل الله، وعدم الضعف والاستكانة، وقوة الصبر، وفيها تسليةٌ للمسلمين عما أصابهم يوم أُحد، وعما وقع في نفوسهم بسبب الإرجاف بقتله صلى الله عليه وسلم، وتوبيخ لمن جزَعوا وضعُفوا بسبب ما أصابهم.

قوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ ﴾ قرأ ابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف، وبعدها همزة مكسورة «وكآئن»، وقرأ الباقون بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مشددة: ﴿ وَكَأَيِّنْ ﴾، وهي كلمة مبنية على السكون على القراءتين في محل رفع مبتدأ، تفيد التكثير مثل «كم» الخبرية.

﴿ مِنْ نَبِيٍّ ﴾: جار ومجرور مميز «كأين»؛ لأنها لفظة مبهمة، والمعنى: وكم من نبي، أي: وكثير من النبيين.

﴿ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو، ويعقوب بضم الكاف وكسر التاء من غير ألف: «قُتِل» بصيغة المبني للمجهول، وقرأ الباقون بفتح الكاف والتاء وألف بينهما ﴿ قاتَل ﴾ بصيغة المفاعلة من القتل، وهي المدافعة بالقتل بين فريقين.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #508  
قديم 04-05-2026, 11:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

والفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة (قُتل)، ضمير مستتر يعود إلى (نبي)، والتقدير: وكأين من نبي قاتل هو، أو كأين من نبي قُتل هو.

وتكون جملة ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ ﴾ جملة تامة مستقلة، والوقف على ﴿ قاتَل ﴾، وعلى (قُتل) في القراءة الأخرى.

وعلى هذا تكون جملة ﴿ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾: مستأنفة في محل نصب على الحال، أي: حال كونه معه ربيُّون كثير، و(مع): ظرف مكان متعلق بـ«قاتل» أو «قُتل»، والهاء مضاف إليه، وهو في محل رفع خبر مقدم، و﴿ ربيُّون ﴾: مبتدأ مؤخر.

ويكون المعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتَل، أو قُتِل حال كونه معه ربيُّون كثير، فالقتال واقع من النبيين، والقتل واقع عليهم، وفي الحالين معهم ربيون كثير من أصحابهم مقاتلون. ويجوز أن يكون الفاعل على قراءة (قاتل) ونائب الفاعل على قراءة «قُتل»: (ربيون): والوقف على قوله (كثير)، والمعنى على هذا: وكثير من النبيين قاتل ربيون كثيرون معه، أو قُتل ربيون كثيرون معه من أتباعه، وعلى هذا فالقتال واقع من الربيين والقتل واقع عليهم.

وعلى تقدير أخصر يجوز أن يكون الفاعل على قراءة «قاتل» ضمير يعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم و(ربيون)؛ أي: وكأين من نبي قاتل وقاتَل معه ربيون كثير.

وعلى قراءة (قُتل) يجوز أن يكون نائب الفاعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، و(ربيون) أي: وكأين من نبي قُتل وقُتل معه ربيون كثير، ويكون الوقف على هذا على قوله: ﴿ كثير ﴾، والقراءتان بمثابة آيتين، فالقتال واقع من الجميع الأنبياء والربيين، والقتل واقع عليهم جميعًا.

﴿ ربيُّون ﴾: جمع «ربي؛ مثل: «الربانيين»: جمع «رباني»، وكلاهما منسوب إلى «الرب»، لكن ﴿ ربيُّون ﴾ كسرت راؤه عند النسب، وهم المتبعون شريعة الرب، أو منسوب إلى «الرِّبة» بكسر الراء، وهي الطائفة والجماعة، فـ«ربيون»، أي: طوائف وجموع كثيرة من الأتباع الذين تربَّوا على الإيمان وطاعة الله تعالى وعبادته، رباهم الله تعالى واختارهم لربوبيته الخاصة.

﴿ كثير ﴾: صفة لـ﴿ ربيُّون ﴾ أي: ربيون كثيرون.

﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ: الفاء: عاطفة، و«ما»: نافية، والضمير في «وهَنوا»، وما بعده يعود إلى الربيين» على القراءتين (قاتَل)، و«قُتل».


﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾؛ أي: فما عجزوا، أو جبنوا وما خارت عزائمهم.

﴿ لِمَا أَصَابَهُمْ ﴾: اللام: تعليلية، و«ما»: موصولة؛ أي: بسبب الذي أصابهم ﴿ في سبيل الله ﴾؛ أي: في طريقه ونصرة دينه؛ أي: في القتال في سبيل الله لإعلاء كلمته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا، فهو في سبيل الله»[19].

والمعنى: فما وهَنوا بسبب الذي أصابهم في سبيل إعلاء كلمة الله، بل زادهم ذلك شجاعةً وعزيمة وإقدامًا، لقوة إيمانهم ويقينهم أن ما يُصيبهم في سبيل الله مغنم، وليس بمغرم؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، ولما دميت إصبع النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى الغزوات قال:
هل أنت إلا إصبع دميت
وفي سبيل الله ما لقيت»[20]





وقال عمير بن حمام رضي الله عنه: «بخ بخ، لئن بقيت إلى أن آكلَ هذه التمرات، إنها لحياة طويلة»[21].

﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾؛ أي: في مقاومة العدو، بل كانوا أقوياءَ بقلوبهم وأبدانهم.

﴿ وما استكانوا ﴾: «الاستكانة»: الذل والخضوع ضد العز؛ أي: وما ذلُّوا وما ضَعُفوا لعدوِّهم، مع أنه قُتل كثيرٌ منهم، أو قُتل أنبياؤهم، بل كانوا أعزاءَ شامخي الرؤوس؛ لأنهم يعلمون أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [المنافقون: 8]، وأن قتلاهم في الجنة وقتلى عدوهم في النار.

ويدخل في الوصف بقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ من قُتل منهم ومن لم يُقتل؛ أي: فما وهن مَن بقي منهم؛ لما أصابهم من قتل أصحابهم وغير ذلك، وما ضعفوا وما استكانوا.

وما وهَن مَن قُتل منهم عند القتل، ولا ضعفوا ولا استكانوا، بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام، فلم يستشهدوا مُدبرين مستكينين أذلة، بل استشهدوا أعزَّةً كرامًا مقبلين غير مدبرين.

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ بعد أن نفى عنهم الوهن في سبيل الله والضعف والاستكانة، ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ في إشارة واضحة إلى وصفهم بالصبر؛ أي: والله يحب الصابرين على طاعته، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل ذلك متحقق بمن قاتل في سبيل الله من غير وهن ولا ضعف ولا استكانة.

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾.

نفى عز وجل في الآية السابقة عن هؤلاء الربيين الصفات السلبية في قتالهم مع أنبيائهم، وهي: الوهن والضعف والاستكانة؛ مما يدل على حسن فعلهم وثبات قلوبهم ورباطة جأشهم، وعظيم صبرهم، ثم أتبع ذلك بما يدل على حُسن قولهم بدعائهم ربهم بالمغفرة والتثبيت والنصر، وعظيم رجائهم بنصر الله تعالى، فجمعوا بين فعل السبب قولًا وفعلًا، وبين الاعتماد على الله عز وجل.

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾: الواو: عاطفة، و«ما»: نافية، و﴿ كان ﴾: فعل ماض ناقص، و﴿ قَوْلَهُمْ ﴾ خبرها مقدم، قُدِّم؛ لأنه خبر عن مبتدأ محصور.

﴿ إلا ﴾: أداة حصر، ﴿ أَنْ قَالُوا ﴾: «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع اسم كان مؤخر، أي: وما كان قولهم إلا هذا القول ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ﴾ الآية؛ أي: وما كان قولهم في قتالهم، وتجاه ما أصابهم في سبيل الله مِن قتل كثيرٍ منهم، أو قتل أنبيائهم، إلا هذا القول؛ أي: طلب مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين.

﴿ رَبَّنَا ﴾؛ أي: يا ربنا، حُذفت منه «يا» تخفيفًا، وتبركًا بالبداءة باسمه - عز وجل - ونادوه وتوسَّلوا إليه باسم أو وصف الربوبية الذي معناه: الخلق والملك والتدبير، فكأنهم يقولون: يا من له التصرف وإجابة الدعاء:
﴿ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾؛ أي: استر ذنوبنا وتجاوز عنها.

﴿ وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾؛ أي: واغفر لنا إسرافنا في أمرنا، وتجاوَز عنه، أي: اغفر لنا صغائر الذنوب وكبائرها، وما حصل منا من تقصيرٍ أو إفراط؛ لأنهم يعلمون أن ما أصابهم هو بسبب ذنوبهم وإسرافهم؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30].

فعلموا أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن ما أصابهم بسبب ذلك، فسألوا الله المغفرة، والاعتراف بالذنب توبة.

و«الإسراف»: مجاوزة الحد، و«الأمر» واحد الأمور، وهو الشأن، أي: وإسرافنا في أمورنا وشؤوننا، والإسراف في الأمر قسمان:
القسم الأول: الإسراف ومجاوزة الحد في الغلو، كما في قصة النفر الذين حرَّموا على أنفسهم بعض المباحات؛ كما في حديث أنس - رضي الله عنه - قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ قال أحدهم: أما أنا فإني أُصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء، فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»[22].

والقسم الثاني: الإسراف ومجاوزة الحد في التقصير، وهو نوعان:
النوع الأول: إسراف في تعدي حدود الله تعالى بترك واجبٍ أو الإخلال به، كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229].

والنوع الثاني: إسراف في قُربان حدود الله تعالى؛ أي: محارمه، بفعل محرم؛ كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187].

والإسراف يكون في المأمور واجبًا أو مندوبًا، ويكون في المنهي محرمًا كان أو مكروها، كما يكون في المباح كالإسراف في النفقة ونحو ذلك؛ قال ابن القيم: «لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يَستزلهم ويهزمهم، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحدٍّ، وأن النصرة منوطة بالطاعة، قالوا: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾، فوفَّوْا المقامين حقَّهما؛ مقام المقتضي وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه، ومقام إزالة المانع من النصرة، وهو الذنوب والإسراف»[23].

﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾: سألوا ربهم أولًا مغفرة ذنوبهم وإسرافهم في أمرهم؛ تطهيرًا وتزكية لهم، ثم سألوه تثبيت أقدامهم ونصرهم على القوم الكافرين؛ تقديمًا للتخلية على التحلية.

﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾: الواو: عاطفة، أي: اجعل أقدامنا ثابتة راسخة عند ملاقاة الأعداء، فلا تزل بنا أقدامنا، فنَفِرَّ عند اللقاء، وثبِّت أقدامنا عند ورود الشبهات، وأمام الشهوات.

وتثبيت الأقدام يكون حسيًّا كما في مواطن القتال والنزال، وبه يحفظ الله المؤمن من الفرار من الزحف.

ويكون معنويًّا، وبه يحفظ الله المؤمن من الزيغ عند ورود الشبهات، ومن الوقوع في حبائل الشهوات.

وتثبيت الأقدام علامة ظاهرة على ثبات القلوب، والذي هو سبب ثبات الأقدام.

﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ: أي: واجعل النصر والغلبة والظهور لنا على القوم الكافرين؛ أي: على أعدائنا، وهذا اعترافٌ منهم أنه لا ناصرَ لهم سوى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160].

وهذا يدل على عِظم رجائهم بالله تعالى، وثقتهم بوعده ونصره، فلم يصدهم ما أصابهم عن رجاء نصره، وفي الحديث: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي»[24].

قوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

قوله: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: الفاء: استئنافية، و«آتاهم »: أعطاهم، وهي تنصب مفعولين، الأول: ضمير الهاء، والثاني: ﴿ ثواب ﴾.

و﴿ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: جزاءها وأجرها بالنصر على أعدائهم، والظفر بهم، وكون العزة والغلبة لهم في الدنيا، وتيسير أمورهم فيها، هذا جزاؤهم المعجل، وخير من ذلك وأفضل، وأعظم منه وأجزل، ثوابُهم المؤجَّل في الآخرة، ولهذا وصفه بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾؛ أي: وحسن جزاء الآخرة، أي: والجزاء الحسن في الآخرة، بالمغفرة، ورفعة الدرجات؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله»[25].

وبمضاعفة الحسنات، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وأحسن ذلك وأعظمه وأفضله وأجله النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، فالحسنى الجنة والثواب الحسن، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم.

ولم يصف ثواب الدنيا بالحسن؛ لأنه لا مقارنة بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الشورى: 36]، بل ولا مقارنة بين الدنيا كلها وما فيها، وبين الآخرة وثوابها؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [العنكبوت: 64].

وقال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شربة ماء»[26]، وثواب الدنيا وإن كان فيه حسنٌ؛ كما في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ [البقرة: 201]، فهو حسن نسبي مشوب بالمنغصات؛ لأن الدنيا دار شقاء وعناء، لا تصفو، ونعيمها مشوب بالكدر، كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4].

وكما قيل:
ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى
من العيش ما يصفو وما يتكدر[27]




وقال الآخر:
هي الحياة فلا يَغْرُرْك ما فيها
من الزخارف واحذر من دواهيها




﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في ختم الآية بهذا إشارة إلى أن المذكورين محسنون، فأحبهم الله؛ ولهذا أثابهم بهذا الثواب العظيم في الدنيا والآخرة؛ أي: والله يحب المحسنين في عبادة الله تعالى إخلاصًا له ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم والمحسنين إلى عباده.

ولم يقل: والله يحبهم لأنهم محسنون لبيان محبته - عز وجل - المحسنين منهم ومن غيرهم، وأن من عمل مثلهم فهو محسن يستحق الثواب.

ومن أحبه الله وفَّقه لكل خير، وحفظه من كل شر، ويسَّر له أمور دينه ودنياه وأخراه، وألقى في قلوب الخلق محبته، نسأل الله تعالى من فضله؛ كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به»[28].

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - إذا أحب عبدًا نادى جبريل إني أحب فلانًا فأَحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيُحبه أهلُ السماء، ثم يوضَع له القبول في الأرض»[29].

[1] في «تفسيره» (2/ 108).

[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102)، وذكره ابن كثير (2/ 109)، ونَسَبه إلى البيهقي في دلائل النبوة.

[3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 102) مختصرًا عن أنس رضي الله عنه، وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 83).

[4] أخرجه البخاري في المغازي (4048)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[5] سيأتي تخريجُه برواياته عند تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾ [المائدة: 6].

[6] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2577)، والترمذي في صفة القيامة (2495)، وابن ماجه في الزهد (4257)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[7] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 97-98).

[8] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 55).

[9] البيت لبشر؛ انظر: «المفضليات» (ص344).

[10] أخرجه الترمذي في الأدب (2819)، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - رضي الله عنهما - وقال: «حديث حسن».

[11] أخرجه مسلم في الصيام (1151)، والنسائي في الصيام (2215)، والترمذي في الصوم (764)، وابن ماجه في الصيام (1638)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[12] أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (16/ 273)، وذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 441).

[13] البيتان لأبي القاسم الشابي؛ انظر: «ديوانه» (ص11).

[14] سبق تخريجه.

[15] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3208)، ومسلم في القدر (2643)، وأبو داود في السنة (4708)، والترمذي في القدر (2137)، وابن ماجه في المقدمة (76).

[16] سبق تخريجه.

[17] سطر بيت لأحمد شوقي؛ انظر: «الشوقيات» (1/ 63).

[18] البيت لابن القيم؛ انظر: «النونية» (ص148).

[19] سبق تخريجه.

[20] أخرجه البخاري في الجهاد والسير- من ينكب في سبيل الله (2802)، ومسلم في الجهاد والسير- ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى (1796)، والترمذي في التفسير (3345)، من حديث جندب بن سفيان رضي الله عنه.

[21] أخرجه مسلم في الإمارة (1901)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

[22] أخرجه البخاري في النكاح (5063)، ومسلم في النكاح (1401)، والنسائي في النكاح (3267).

[23] «بدائع التفسير» (1/ 516)؛ بتصرف واختصار.

[24] أخرجه البخاري في الدعوات (6340)، ومسلم في الذكر والدعاء (2735)، وأبو داود في الصلاة (1484)، والترمذي في الدعوات (3387)، وابن ماجه في الدعاء (3853)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[25] سبق تخريجه.

[26] سبق تخريجه.

[27] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43).

[28] أخرجه البخاري في الرقاق (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[29] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3209)، ومسلم في البر والصلة (2637)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #509  
قديم 12-05-2026, 12:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,090
الدولة : Egypt
افتراضي رد: «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله

«عون الرحمن في تفسير القرآن»

الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم



فوائد وأحكام من قوله تعالى:

﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾


قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 144 - 148].

1- بيان أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم، سيمضي ويفارق الحياة كما مضى من قبله من الرسل، إما بموت أو قتل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾، وفي هذا مقدمة وإرهاص بين يدي موت الرسول صلى الله عليه وسلم.

2- الرد على الذين يغلون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويرفعونه إلى مقام الربوبية أو الألوهية، فهو صلى الله عليه وسلم عبد لا يعبد ورسول لا يكذب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ الآية.

3- في التذكير بمضي الرسل عليهم السلام قبل محمد صلى الله عليه وسلم تهيئة للأمة وإعداد لها؛ ليخف عليها مصابها به وتسلية لها؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ الآية.
4- أن الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، و(أل) للعموم، أي: قد خلت من قبله جميع الرسل.

5- في قوله تعالى: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ : إشارةً إلى جواز أن تكون مفارقة الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيا؛ إما بسبب الموت أو القتل، وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال الله: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ إلى قوله: ﴿ الشَّاكِرِينَ ﴾، وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها».

قال عمر - رضي الله عنه -: «والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات»[1].

وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «أقبل أبو بكر- رضي الله عنه - على فرسه من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُسَجًّى ببُرد، أو مُغَشًّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبَّله، ثم بكى فقال: بأبي أنت وأمي، يا نبي الله، لا يجمع الله عليك مَوْتَتَين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها»[2].

ومع أنه صلى الله عليه وسلم مات على فراشه إلا أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت بخيبر، فهذا أوان قطعت أبهري»[3].

وذلك حين أكل من الشاة المسمومة التي أهدتها إليه اليهودية، فقد تكون وفاته صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنه صلى الله عليه وسلم مات شهيدًا قتله اليهود.

وهو صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل أكمل حياة في البرزخ من الشهداء، وإن ماتوا على فرشهم، ولهذا فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم لما قالوا له: كيف نسلم عليك وقد أرمت؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله - عز وجل - قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء عليهم السلام»[4].

6- التحذير من الانقلاب على الأعقاب والردة عن الإسلام بموت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله، والتهديد والوعيد لمن فعل ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾.

7- بلاغة القرآن الكريم وبلوغه الغاية في التنفير، فيما يريد التنفير منه بوصفه الردة عن الإسلام بالانقلاب على الأعقاب، ففي هذا أبلغ وأشد التنفير من ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: 22]، وذلك أن الارتداد على العقب عَلَمٌ في انتكاس الأمر، ومَثَلٌ للحور بعد الكور.

8- أن الإسلام دين التقدم والرقي؛ لمفهوم قوله: ﴿ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾؛ لأنه إذا كانت الردة عن الإسلام رجوع إلى الوراء، فالتمسك به هو عين التقدم والرقي بلا شك.

وإذا كان الله - عز وجل - وبَّخ الأمة وأنكر عليهم ارتداد مَن ارتد منهم بسبب موت النبي صلى الله عليه وسلم أو قتله، مع أنه رسول الأمة، وبموته انقطاع الوحي من السماء، كما قالت أم أيمن لما جاء إليها أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما - يزورانها فبكت، فقالا لها: «ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها»[5].

ومع أن مصيبة الأمة به صلى الله عليه وسلم لا تعدلها مصيبة؛ كما قال حسان رضي الله عنه:
فما فقَد الماضون مثلَ محمدٍ
ولا مثلُه حتى القيامة يُفقد[6]




فيجب ألا يَفُت في عَضُدِ الأمة أو يُزعزع إيمانها، أو بعض لوازمه - فقدُ مَن هو دونه صلى الله عليه وسلم من العظماء في الأمة؛ كالحاكم العادل، والعالم الرباني، والجواد الكريم، ونحوهم، وينبغي للأمة أن تستعد في كل أمر من مهماتها من أمور الولاية والدين بعدة أناس من أهل الكفاءات في ذلك إذا فقد أحدهم قام غيره مقامه؛ لأن في الآية إشارة للأمة ألا تكون بحال يُزعزها عن إيمانها، أو عن بعض لوازمه فقدُ رئيس أو عظيم، وما ذاك إلا بالاستعداد لكل طارئ!

9- أن من انقلب على عقبيه وارتد عن الإسلام، لن يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾.

10- أن الله - عز وجل - لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تَضُرُّه معصية العاصين؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ﴾.

11- وعد الله تعالى لا يخلف وعده بالجزاء العظيم للشاكرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾، وفي هذا تفضل منه - عز وجل - عليهم من وجهين: مدحهم بوصفهم بالشاكرين، مع أن القيام بطاعته واجب عليهم، ووعده لهم بالجزاء وتكفله لهم بذلك، مع أنه لا يجب عليه شيء لخلقه.

12- أنه لا يمكن أن تموت نفس إلا بإذن الله تعالى وقدره الكوني؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾.

13- أن آجال الأنفس وغيرها محددة لا تتقدَّم ولا تتأخر؛ لقوله تعالى: ﴿ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: 49].

14- إثبات الإرادة والاختيار للإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾، وفي هذا الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور على فعله لا اختيار له.

15- أن لكل من الناس وجهة هو موليها، فمن مريد ثواب الدنيا، ومن مريد ثواب الآخرة، وشتان ما بين الإرادتين والمرادين، والله غالب على أمره، وصدق الله العظيم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وصدق المصطفى الكريم؛ حيث قال: «كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمُعتقها أو موبقها»[7].

16- ليس في الإخبار بإعطاء كل من مريد الآخرة ومريد الدنيا منهما، والمقابلة بينهما - ما يدل على جواز إرادة الدنيا دون الآخرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]، فهذا لا يدل على جواز فعل الشر، كما أنه ليس فيه ما يدل على منع مريد الآخرة من ذكر نصيبه من الدنيا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77].

17- أن الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، فمن أراد بعمله ثواب الآخرة أعطاه الله منها، ومن أراد بعمله ثواب الدنيا أعطاه الله منها، ولكل امرئٍ ما نوى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يتزوَّجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه»[8].

18- تفضيل الآخرة وثوابها على الدنيا وثوابها، ولهذا قدم إرادة ثواب الآخرة على إرادة ثواب الدنيا؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة للآخرة، ولهذا سميت دنيا، والآخرة هي الحيوان.

19- عدل الله - عز وجل - في إيتاء كل مريد من مراده، سواء من الآخرة، أو من الدنيا ومجازاة كلٍّ بما عمِل.

20- أن فضل الله - عز وجل - واسع يسع البر والفاجر والمؤمن والكافر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾ [الإسراء: 20].

21- أن من أراد بعمله ثواب الآخرة، فهو من الشاكرين الذين وعدهم الله تعالى بالجزاء؛ لأن الله ختم الآية بقوله: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ؛ أي: الذين شكروا نعم الله تعالى عليهم بطاعته واجتناب معصيته، رجاء ثوابه والدار الآخرة.

22- فضيلة الشكر والترغيب فيه والحث عليه؛ لقوله تعالى في الآية السابقة: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾، وقوله في هذه الآية: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾.

23- أن كثيرًا من الأنبياء السابقين وكثيرًا من أتباعهم، قاتلوا أو قتلوا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾.

24- الثناء على الأنبياء السابقين وأتباعهم بالتضحية والصبر، وتحمل القتال والقتل في سبيل الله، بلا وهنٍ ولا ضعفٍ ولا استكانة؛ لقوله: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾.

25- إغراء المؤمنين وحثهم على القتال مع نبيهم، والتضحية والصبر على القتال والقتل في سبيل الله، دون وهن أو ضعف أو استكانة؛ كما هو حال أتباع الأنبياء قبلهم، فعن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله، فقعد وهو محمَّر وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحمٍ أو عصبٍ، ما يَصرِفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه عن دينه، وليُتمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله، والذئب على غنمه»[9].

26- أن القتال في سبيل الله والجهاد مشروع في الملل السابقة.

27- محبة الله تعالى للصابرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾، وهذا يدل على علو مكانتهم عنده، وعظم ما أعد لهم من الأجر؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

28- إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته، وهي من الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾.

29- الترغيب في الصبر والحث عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾.

30- بيان ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن من الشجاعة والقوة والعزيمة والعزة وعدم الذل والاستكانة إلا لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾.

31- الثناء على هؤلاء الربيين بجمعهم بين الجهاد بالفعل بالصبر على القتال والقتل وعدم الوهن في سبيل الله، وعدم الضعف والاستكانة، وبين الجهاد بالقول بالتوسل إلى ربهم بطلب مغفرة ذنوبهم، وإسرافهم في أمرهم، وتثبيت أقدامهم، ونصرهم على القوم الكافرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾.

وبهذا جمعوا بين فعل السبب والتوكل على الله، والاستعانة به ودعائه، وهكذا ينبغي للمؤمنين في حربهم وسلمهم وجميع أحوالهم.

32- فضيلة هذا الدعاء ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾... إلخ، والترغيب فيه؛ لما فيه من تعظيم الرب وسؤاله المغفرة، والاعتراف بالذنب والإسراف؛ لأن الاعتراف بذلك توبة، ولما فيه من الافتقار إلى الله تعالى، وطلب التثبيت والعون منه، والنصر على القوم الكافرين، وهذا من جوامع الدعاء.

33- ينبغي الحذر من الذنوب ومن الإسراف في الأمور، وسؤال الله تعالى المغفرة، والتثبيت والعون والنصر؛ لأن الإنسان لا يخلو من تقصير، وليس في غنى عن الله تعالى طرفة عين، ولا أقل من ذلك.

34- امتنان الله تعالى على المذكورين بسبب قتالهم مع أنبيائهم ودعائهم، بإعطائهم ثواب الدنيا بالنصر، وحسن ثواب الآخرة بالجنة وعظيم الأجر؛ لقوله تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾.

35- أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، حيث يجمع تفضلًا منه للعبد بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، بخلاف العقوبة، فإن من عوقب في الدنيا لا يعاقب في الآخرة، فلا يجمع له بين عقوبتين، عدل منه عز وجل.

36- شتان بين الدنيا وثوابها والآخرة وثوابها؛ ولهذا وصف الله - عز وجل - ثواب الآخرة بالحسن دون ثواب الدنيا، فقال تعالى: ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾.

37- إثبات الآخرة والبعث والحساب والجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾.

38- محبة الله تعالى للمحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾، ومفهوم هذا أنه لا يحب المسيئين.

39- في ختم الآية بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ : ثناء على المذكورين بوصفهم بالمحسنين.

40- الترغيب في الإحسان والحث عليه؛ الإحسان في عبادة الله تعالى إخلاصًا له، ومتابعة لرسله، والإحسان إلى عباد الله؛ لأن الله تعالى يحب المحسنين ومَن أحبه الله تعالى أثابه وأكرَمه.

[1] أخرجه البخاري في المغازي (4454).

[2] أخرجه البخاري في الجنائز (1242)، وفي المغازي (4454).

[3] أخرجه أبو داود في الديات (4512)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه أبو داود في الصلاة (1047)، والنسائي في الجمعة (1374)، وابن ماجه في الجنائز (1636)، من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه.

[5] أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (2454)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[6] انظر: «ديوانه» (ص63).

[7] أخرجه الترمذي في الدعوات (3517)، وابن ماجه في الطهارة وسننها (280)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».

[8] أخرجه البخاري في بدء الوحي (1)، ومسلم في الإمارة (1907)، وأبو داود في الطلاق (2201)، والنسائي في الطهارة (75)، والترمذي في فضائل الجهاد (1647)، وابن ماجه في الزهد (4227)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[9] أخرجه البخاري في المناقب (3852)، وأبو داود في الجهاد (2649).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 290.83 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 285.44 كيلو بايت... تم توفير 5.40 كيلو بايت...بمعدل (1.86%)]