|
|||||||
| ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#31
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. الجُود والكرم - من أسماء الله الحسنى (الجواد)، ودليله حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله -تعالى- جواد يحب الجُود، ويحب معالي الأخلاق، ويكره سفاسفها» (السلسلة الصحيحة، وكذلك (الكريم)، كما في قوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} (الانفطار:6)، وغيرها من الآيات، وكذلك في الحديث عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إن الله -عز وجل- كريم يحب الكرم ومعالي الأخلاق، ويبغض سِفسافها» (السلسلة الصحيحة). - وما الفرق بين السخاء والجود والكرم؟ - هذه مترادفات تختلف في المعنى إذا اجتمعت، قيل: السّخاء هو العطاء بعد السؤال، والجود هو عطاء من غير سؤال، والكريم يشمل العطاء وغيره؛ فهو في عموم الأخلاق وليس في العطاء فقط! كما في كتاب الله -تعالى-: {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} (يوسف:31)، وكذلك: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} (النمل:29)، وكذلك، من ذلك يوصف الله -عز وجل- بـ(الجود) وبـ(الكرم)، ولا يوصف بـ(السخاء)، وكذلك في وصف النبي-صلى الله عليه وسلم -: «كان -صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، حتى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن؛ فإذا لقيه جبريل -عليه السلام- كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أجود بالخير من الريح المرسلة» (متفق عليه). - إن حب المال غريزة عند ابن آدم؛ بل إن الله -تعالى- قرن في آيات كثيرة بين المال والنفس: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (التوبة:44)، وآيات كثيرة مثلها، ولكن لا ينبغي أن يبلغ حب المال درجة (البخل)، وربما يزيد إلى درجة (الكنز)، ومنع الزكاة. - إن الكرم خلق عظيم، ينبع من قلب مؤمن بالله، يحسن الظن بالله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «والصدقة برهان» (مسلم)، والكريم يحبه أهل السماء وأهل الأرض، وأجره لا يعلمه إلا الله -عز وجل- ويبقى أثره بعد موته، ويدعو له أهل السماء وأهل الأرض. استدركت على صاحبي: - كثير من الناس يظن أنه ليس من أهل الكرم والإنفاق، ذلك أنه لا يملك مالا كثيرا؛ فيستصغر النفقة القليلة (الدينار) و(الدينارين) و(الخمسة)، ويظن أن الإنفاق يكون بمبالغ معتبرة، ونسي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم -: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا الطيب-، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» (صحيح الجامع). تناول صاحبي هاتفه. - إليك هذه الأحاديث في باب الجود والكرم: عن أبي قتادة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله؛ فإن بخل أحدكم أن يعطي ماله للناس فليبدأ بنفسه، وليتصدق على نفسه، فليأكل وليكتس مما رزقه الله -عز وجل-». (السلسلة الصحيحة). عن أبي ذر قال: انتهيت إليه وهو يقول في ظل الكعبة: «هم الأخسرون ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة»، قلت: ما شأني؟ أيرى في شيءٌ؟ ما شأني؟ فجلست إليه وهو يقول، فما استطعت أن أسكت، وتغشاني ما شاء الله، فقلت: من هم بأبي أنت وأمى يا رسول الله؟ قال: «الأكثرون أموالا، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا» (البخاري). حدثنا والله أبو ذر بالربذة، كنت أمشي مع النبي -صلى الله عليه وسلم - في حرة المدينة عشاء استقبلنا أحد؛ فقال: «يا أبا ذر، ما أحب أن أحدا لي ذهبا يأتي علي ليلةٌ أو ثلاثٌ عندي منه دينار، إلا أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا»، وأرانا بيده. ثم قال: «يا أبا ذر». قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: «الأكثرون هم الأقلون إلا من قال هكذا وهكذا» (البخاري). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم - دخل على بلال وعنده صبرة من تمر فقال: «ما هذا يا بلال»؟ «قال: شيء ادخرته لغد»؛ فقال: «أما تخشى أن ترى له غدا بخارا في نار جهنم يوم القيامة؟ أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا» (صححه الالباني) وأيضا هذه مجموعة أخرى من الآيات والأحاديث المعينة على تجاوز (البخل) وحب المال: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (سبأ:39)، {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} (النور:33)، {وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (البقرة:272). {الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة:274). وعن عبدالله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: اعلموا إنه ليس منكم أحد إلا ومال وارثه أحب إليه من ماله، مالك ما قدمت، ومال وارثك ما أخرت» (رواه مسلم). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (مسلم)، عن مطرف عن أبيه قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ{ألهاكم التكاثر}، قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي! (قال): وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟» (مسلم). اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#32
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. جبـر الخـواطـر كل أحد يتعرض للحظة ضعف أو انكسار أو قلة حيلة، يحتاج فيها إلى من يواسيه، ويجبر خاطره. - أليس الجبر نقيض الكسر؟! ومنه الجبيرة التي توضع للعظم إذا انكسر؟ - بلى، هو كذلك، و(الخاطر) هو القلب أو النفس، ولا شك أن (جبر الخواطر) أحب إلى الله من (جبر العظم)، ويكون (جبر الخواطر) بالمواساة، وإدخال السرور بالتعويض عن مفقود، أو سد حاجة، أو إعانة، أو تقوية، بكلمة طيبة، أو تذكير بآية. صاحبي (عادل)، هين، لين، حبيب إلى القلب، لم تصدر منه كلمة أو تصرف يزعج أحدا من رواد المسجد منذ تجاورنا لأكثر من عشرين سنة، وقد اعتاد أن يذهب كل نهاية شهر إلى منطقة (الصليبية)، ويأخذ معه مواد غذائية وأظرفا فيها نقود يوزعها هناك على أسر محتاجة، لم يخبرني بعمله هذا ولكن سمعت من طرف ثالث. - هل لي أن أذهب معك في زيارتك القادمة لـ(الصليبية)، استغرب معرفتي بالأمر، تابعت حديثي: - لا تسألني كيف علمت بالأمر، ولكن لدي أموال زكاة أود توزيعها. وبالفعل، ذهبنا؛ فوجدنا بيوتا متلاصقة، نصفها مبني بالطوب والنصف الآخر معدني رخيص، وطرقا ترابية، وأولادا يلعبون حفاة بكرة قديمة، أدينا المهمة، وفي طريق عودتنا: - هل تعلم الأجر العظيم في جبر الخواطر المكسورة؟ في حديث عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله -عز وجل-، سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد-يعني مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة- شهرا، ومن كف عضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجته حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه (على الصراط) يوم تزل الأقدام» (صحيح الترغيب). - هذا من فضل الله علي، وهو خلق اكتسبته من والدي -رحمه الله-؛ كنت أراه يسعى على الفقراء والأرامل، ولم يكن كثير مال؛ فكان يأخذ من مؤونتنا المنزلية ويوزعها على من يعرف من المحتاجين، وإذا طرق أحد باب منزلنا، لا يتركه حتى يقضي حاجته ما استطاع، ولو بكلمة طيبة، كان دائما يردد قول الله -تعالى-: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} (الإسراء:28)، يقول والدي -رحمه الله- هذه تعاليم الله -عز وجل- لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، إن لم يكن لديك ما تعطيهم فقل لهم قول لطيفا برفق ووعد بالجميل عند سنوح الفرصة، واعتذر عن عدم تمكنك من مساعدتهم في الوقت الحاضر، لتجبر خواطرهم! أعجبني تخلقه الجميل بأخلاق والده. - رحم الله والدك، لقد غرس فيك خلقا جميلا، وبهذا أمر الله -عز وجل- رسوله - صلى الله عليه وسلم - في سورة الضحى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}. قال ابن قدامة -رحمه الله-: «وكان من توجيهات ربنا -سبحانه وتعالى- لنبيه - صلى الله عليه وسلم -، فكما كنت يتيما يا محمد -صلى الله عليه وسلم - فآواك الله، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك؛ فنهى الله عن نهر السائل وتقريعه؛ بل أمر بالتلطف معه، وتطييب خاطره، لا يذوق ذل النهر مع ذلك السؤال» (تفسير ابن كثير)، {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}. فانظر روعة العطاء المستمر في هذه الآية حتى يصل بالمسلم لحال الرضا؛ فهذه الآية رسالة إلى مهموم ومغموم، وتسليه لصاحب الحاجة، وفرج لكل من وقع ببلاء وفتنة، أن الله يجبر كل قلب لجأ إليه بصدق، ويجبر الله كل الخلق، ويجبر من يدعوه باستجابة الدعاء وكشف الضر؛ كما قال -تعالى-: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ} (النمل:٦٢). - نعم، إن الله يجبر خاطر من لجأ إليه بصدق؛ فمن معاني اسم الله (الجبار)، (جبر الرحمة) فهو -عز وجل- يجبر خاطر المنكسرين؛ فللعبد أن يدعوه -سبحانه- (يا جبار.. اجبر كسري)، فهو ملجأ الضعفاء والمنكسرين والمظلومين -سبحانه-. كان صاحبي هو الذي يتولى القيادة. - دعني أقرأ لك ما ورد في تفسير السعدي لآيات سورة (الضحى): {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} أي: وجدك لا أم لك، ولا أب، بل قد مات أبوه وأمه وهو لا يدبر نفسه، فآواه الله، وكفله جده عبد المطلب، ثم لما مات جده كفله الله عمه أبا طالب، حتى أيده بنصره وبالمؤمنين. {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} أي: وجدك لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق. {وَوَجَدَكَ عَائِلًا} أي: فقيرًا {فَأَغْنَى} بما فتح الله عليك من البلدان، التي جبيت لك أموالها وخراجها. فالذي أزال عنك هذه النقائص، سيزيل عنك كل نقص، والذي أوصلك إلى الغنى، وآواك ونصرك وهداك، قابل نعمته بالشكران. ولهذا قال: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} أي: لا تسئ معاملة اليتيم، ولا يضق صدرك عليه، ولا تنهره، بل أكرمه، وأعطه ما تيسر، واصنع به كما تحب أن يصنع بولدك من بعدك. {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} أي: لا يصدر منك إلى السائل كلام يقتضي رده عن مطلوبه، بنهر وشراسة خلق، بل أعطه ما تيسر عندك أو رده بمعروف وإحسان. اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#33
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق {والكاظمين الغيظ} - لا شك أن الأصل في الأخلاق أنها مكتسبة، وأنها من عمل العبد وكسبه؛ ولذلك يثاب عليها أو يعاقب! - ولكن بعض الناس أخلاقهم حسنة بالفطرة. - هذا صحيح كما في حديث الأشجّ عبد القيس، إذ قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحِلم والأناة، فقال: أخلقين تخلقت بهما؟ أم خُلقين جُبلت عليهما؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل خلقين جبلت عليهما، فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله»، وهذا الحديث دليل على أن المرء يكتسب معظم أخلاقه، ومن كان لديه خلق حسن بالفطرة فليشكر الله -عز وجل-، وليحافظ على هذا الخلق؛ لأنه نعمة عظيمة، والحديث الآخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما العلم بالتعلم وإنما الحِلم بالتحلم ومن يتحرَّ الخير يعطه، ومن يتق الشر يوقه»، وعن أبي سعيد الخدري: «ومن يستعفف يعفه الله -عز وجل-، ومن يتصبر يصبره الله» ؛ فهذه الأحاديث وغيرها تبين أن المرء يسعى لاكتساب الأخلاق الحميدة ويجاهد نفسه عليها، ويعينه الله على ذلك، ويعمل كل ذلك بإخلاص رجاء الثواب العظيم لمن حسن خلقه. صاحبي أكثر الناس هدوءًا، لم أره يومًا يغضب على أحد، ولا يرفع صوته على أحد، أغبطه على حلمه! - في أشهر الصيف (6، 7، 8، 9)، تصل درجة الحرارة إلى أرقام قياسية في الكويت، حتى تكون أحيانًا- ودون مبالغة- أسخن بقعة على سطح الأرض، كما تطلب الجهات المسؤولة الاقتصاد في استهلاك الكهرباء؛ فنخفف درجة التكييف والإضاءة في المسجد. بعد صلاة العصر، شعرت أن إمامنا منزعج، جلست معه وصاحبي (الحليم)، بعد أن غادر المصلون أخبرني أن أحد المصلين أتى مبكرا وأخذ يوبخ المكلف بالنظافة في المسجد وكاد يضربه، تدخلت، رفع صوته عليّ، ونهرني بكلمات شديدة لتخفيف التكييف وعدم الإضاءة بشكل كامل، كظمت غيظي ولم أجبه؛ فغادر المسجد وتعهد ألا يصلي معنا! وسيشكونا إلى المسؤولين! - متى حصل ذلك؟ - قبل الصلاة، هذه الصلاة، صلاة العصر. - ابتداء، جزاك الله خيًرا على كظم غيظك وعدم الرد، واحتسب ذلك عند الله، وفي كل مسجد تجد أحدهم يتصرف بهذه الطريقة. - تدخل صاحبي (الحليم). - أنت أحفظ منا لكتاب الله {والكاظمين الغيظ}، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (صحيح الأدب المفرد). وأخذ صاحبي يورد ثواب كظم الغيظ. - أولها ما أعده الله: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران). قاطعته:
اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#34
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. ويُؤثرون على أنفسهم! (أبو فراس) بدأ يرتاد مسجدنا منذ شهر تقريبًا، يصلي في الصف الأول، في الجهة اليمنى خلف الإمام، ولكنه كثيرا ما يتنازل عن مكانه لغيره ممن يأتي متأخرا؛ فيبتعد أكثر عن الإمام، قررت أن أكلمه، في أول فرصة، وبالفعل وبعد صلاة العشاء، سألني عن قوله -تعالى-: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} (الإسراء:78)، أجبته: - لدي ملاحظة يا أبا فراس، رأيتك أكثر من مرة تتنازل عن مكانك في الصلاة لغيرك، لم ينكر ملاحظتي، قال: - نعم، من باب المحبة والإيثار -قالها مبتسمًا-، ولزيادة المودة مع الإخوان. - هذه نية طيبة، ولكن الإيثار لا يكون في أعمال البر والتقرب إلى الله؛ بل في أمور الدنيا. استغرب صاحبي مقولتي! - دعني أبين لك، يقول الله -تعالى-: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} (آل عمران:133)، ويقول -تعالى-: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} (البقرة:148)، ويقول -تعالى-: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد:21)، ويقول -سبحانه-: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين:26)، هذه الآيات كلها تحث على التنافس والتسابق، في أمور الآخرة، مغفرة الله، والجنة، والفوز بالآخرة، وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه» (متفق عليه). قاطعني: - ذات مرة دخلت المسجد وقت أذان العصر، لم يكن المؤذن موجودا، فلم يؤذن أحد، وصلينا العصر دون أذان! لا أدري لم تحرجنا جميعا من رفع الأذان؟ - هذا يحدث في كثير من المساجد، يتحرج الناس من رفع الأذان والتقدم للإمامة إذا تأخر المؤذن والإمام، مع ما في هذا العمل من أجر عظيم، لنرجع إلى موضوعنا. - فالإيثار لا يكون في أعمال الآخرة، مثل: الأذان، والتبكير إلى الصلاة، والصف الأول، وحفظ القرآن، والصدقات، إلخ، وإنما في نيل الدنيا، ومع ذلك الحديث عندما جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني مجهود (ضعيف متعب جائع)!، فأرسل إلى بعض نسائه - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: والذي بعثك بالحق نبيا ما عندي إلا ماء! ثم أرسل إلى أخرى؛ فقالت: مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك! فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من يُضيف هذا الليلة رحمه الله؟» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله؛ فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: «هل هناك شيء؟» قالت: لا، إلا قوت صبياني، فقال الأنصاري: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأضيئي السراج وأريه أنا نأكل فإذا أهوى ليأكل قومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف فلمّا أصبح غدا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لقد عجب الله من صنيعكما الليلة» . وفي الإيثار يقول الله -تعالى-: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} (الإنسان). قاطعني: - والله هذه أول مرة أفهم المعنى الصحيح (للإيثار)، لم أكن أعرف الفرق بين الحالين! - كلنا نتعلم كل يوم، حتى قراءة الفاتحة بصورة صحيحة، نتعلمها! والأنصار ضربوا أروع الأمثال في الإيثار، وشهد الله لهم بذلك كما في آيات الحشر, {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر:9). في تفسير السعدي: من جملة أوصاف الأنصار الجميلة أنهم {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} وهذا لمحبتهم الله ولرسوله أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه, {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها. وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا. وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم، الإيثار، وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للآخر مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة ،والخصاصة وهذا لا يكون إلا من خلق ذكي، ومحبة الله -تعالى- مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها، ومن ذلك قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده وباتوا جياعا، والإيثار عكس الأثرة، فالإيثار محمود، والأثرة مذمومة؛ لأنها من خصال البخل والشحّ، ومن رزق الإيثار فقد وقي شحّ نفسه {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ووقاية شح النفس، يشمل وقايتها الشح، في جميع ما أمر به فإنه إذا وقي العبد شح نفسه، سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، ففعلها طائعًا منقادًا منشرحًا بها صدره وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه، وإن كان محببا للنفس، وتدعو إليه، وتتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم يوق شح نفسه، بل ابتلي بالشحّ ،بالخير الذي هو أصل الشر ومادته. وفي إثبات مكانة الأنصار التي وصلوا إليها بالايثار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمنى أن يكون منهم كما في الحديث: عن عبدالله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا؛ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟». كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أَمَنُّ. قال: «ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». قال: كلما قال شيئا قالوا الله ورسوله أَمَنُّ. قال «لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا. أترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وتذهبون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#35
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. الرِّفـق.. أتيت المسجد قبل صلاة الظهر بنصف ساعة، فإذا بأحد المصلين يمسك بطفل يعنفه، وينهره، ويصرخ عليه!، ولما رآني كأنه شعر بحرج، فتركه وهو يتوعده بسوء العاقبة!!. - خير يا (فلان) ماذا حصل؟ - هؤلاء الأطفال، يلعبون الكرة في ساحة المسجد، صرخت عليهم فهربوا إلا هذا وقف مكانه. استغربت شدته مع أن هؤلاء الأطفال! يصلون معنا، وهم أبناء المؤذن، وجيران المسجد! - دعهم يلعبون في هذه الساحة، فذلك آمن لهم من الخارج، ولا ضرر على المسجد أو المصلين من لعبهم الكرة هنا.. أخذت (فلان) من يده، دعنا نتمشى قليلًا حتى يحين موعد الأذان. - أجابني إلى طلبي مُحرجًا. - يا (أبا سعد)، هؤلاء أطفال صغار يحتاجون من يعاملهم برفق ولين، إنك لا تدري عن أحوالهم في بيوتهم، ولكن الرفق سمة المؤمن، ولاسيما مع الضعيف والصغير وكبير السن، والرفق خير من العنف دائمًا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» ، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه» . قاطعني: - صدقت يا أبا عبدالله، واللهِ إني أعلم كل ذلك، ولكني أصابتني كآبة وضيق نفس وكدر، من مشكلات في العمل وفي البيت، أتيت المسجد لأصلي وأدعو الله، وأقرأ القرآن، لعل الله يذهب عني، كل ذلك. - ونِعم بالله! والعبد المؤمن يلتزم مكارم الأخلاق، ولاسيما عند مكاره المواقف، مطلوب منا الصبر، عند الصدمة الأولى، والرفق حال ضيق الصدر، والحلم، حال الغضب، والرفق من أجمل الأخلاق التي ينبغي أن يجاهد العبد نفسه أن يكتسبها؛ ففي صحيح مسلم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله»، وفي رواية: «من أُعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من الخير، ومن حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من الخير»، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان أرفق الناس بالصبيان، كان - صلى الله عليه وسلم - يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم. - نعم، أحتاج أن أذكر نفسي بهذه الأحاديث، وأجاهد نفسي أن أكتسب هذا الخُلق، تقول زوجتي: إن أسلوبي وطريقة حديثي مع الأطفال شديدة ولم أكن أشعر بذلك؛ بل أظنها طبيعية، هكذا تربيت في بيت والدي، ولكن يبدو أنني أحتاج إلـى إعادة تأهيل، وفي موضوع الرفق خاصة. كان (فلان) يتحدث بصوت خافت كأنما يحدّث نفسه. - إن الأخلاق الحسنة يمكن اكتسابها بمجاهدة النفس، وتربيتها والمحاولة، بعد المحاولة، ودعاء الله -تعالى-، ومن يسعَ لنيل خُلق حسن، يُعنْه الله، وييسرْ عليه. - زدني من هذه الأحاديث في باب الرفق، لا زال أمامنا ربع ساعة إلى الأذان. - الأحاديث في الرفق كثيرة، مثلاً من يصلي بالناس يجب أن يخفف ويرفق بهم، كما في حديث معاذ، عندما كان يصلي بالناس وقرأ سورة البقرة أو النساء وأطال، فترك أحدهم الصلاة وكانت معه ناضحتان، ثم بلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يشكو معاذًا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أفتّان أنت يا معاذ؟! أفتّان أنت يا معاذ؟ أفتان أنت يا معاذ؟ فلولا صليت بـ{سبح اسم ربك} {والشمس وضحاها} {والليل إذا يغشى}؛ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة» ، وعن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني لأدخل الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي فأخفف من شدة وجد أمه به»، وحديث ذلك الذي تكلم في الصلاة، وهو معاوية بن الحكم السلمي يقول: بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله (وهو يصلي)، فرماني القوم بأبصارهم؛ فقلت في نفسي: «واثكل أمي»، ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكتُّ! فلما فرغ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي! -ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه-؛ فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني: قال لي: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن»، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد؛ فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مه مه! قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُزرموه دَعُوه، فتركوه حتى بال ثُمَّ إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه، فقال له: «إنَّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنَّما هي لذكر الله -عزَّ وجلَّ- والصلاة وقراءة «القرآن»، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنَّه عليه، في شرح رياض الصالحين لابن عثيمين -رحمه الله-: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناسُ فيُفرض عليهم» ، وعنها -رضي الله عنها- قالت: «نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصال رحمة بهم؛ فقالوا: إنك تواصل! قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ يُطعمني ربي ويسقيني» ، معناه يجعله في قوة من أكل وشرب.
اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#36
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. حُسن العِشرة - لا يمكن أن تصف (أبا عبدالله) إلا بأنه حسن العشرة، يألف ويؤلف، يردّ الحسنة بأحسن منها، ولا يردّ السيئة بمثلها؛ بل يعفو ويغفر؛ لا يشتكي من أحد، ولا يتذمر من شيء، خير صديق في سفر، وأفضل جليس في حضر، هكذا وصف صاحبي (أبو أحمد)، صديقنا. - صدقت، كلما خالطت (أبا عبدالله) اكتشفت فيه خصلة حسنة، في رحلتنا الأخيرة إلى مكة، كان أكثر الرفقة خدمة لنا، مع وجود الخادم معنا، إلا أنه كان لا يدع الخادم وحده، بل يمتثل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم؛ فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم؛ فإن كلفتموهم فأعينوهم» (البخاري)، وحديث أنس - رضي الله عنه -: «خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لمَ لمْ تفعله» . دعنا نقرأ شيئا مما ورد في حسن العشرة. كنت وصاحبي ننتظر العشاء الأخير في مكتبة المسجد. «وأقل درجات حُسن الصحبة (كف الأذى)، وهو واجب، كما في الحديث «المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء، والذي نفسي بيده، لا يدخل الجنة عبد لا يأمن جاره بوائقه». قاطعني: قول الله -تعالى-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} (آل عمران:159)، فيه وصف للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر لأمته من بعده: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21). آسف على المقاطعة، تابع حديثك، قالها معتذرا بابتسامة، تابعت قراءتي: وأولى الناس بحسن العشرة أقربهم الأبوان، والزوجة، والأبناء، والأرحام، والجيران، والأصدقاء، وعامة المسلمين، وعامة البشر، والحديث في الوالدين معروف، «جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك»، ثم الزوجة التي قال عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، استدرك علي بعد أن استأذن.
اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#37
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. التغـافـل.. - من عجائب الأخلاق أن الغفلة مذمومة، لكن استعمالها محمود أحيانا؛ وإنما ذلك لأن من هو مطبوع على الغفلة يستعملها في غير موضعها، وفيما يجب التحفظ، وهو مغيب عن فهم الحقيقة، فدخلت تحت الجهل فذمت لذلك، وأما المتيقظ الطبع، فإنه لا يضع الغفلة إلا في موضعها الذي يذم فيه البحث والتقصي والتغافل، فهما للحقيقة، وإضرابا عن الطيش، واستعمالا للحلم، وتسكينا للمكروه؛ فلذلك حمدت حال التغافل وذمت الغفلة. - عبارة جميلة، من أين اقتبستها؟! - من كتاب الأخلاق والسير، لابن حزم الأندلسي. - (ابن حزم)، شيخ الأندلس، ومذهب الظاهرية، قرأت له كتاب (طْوق الحمامة) و(الفصل في الملل والنحل)، و(درّ القواعد في فقه الظاهرية). كنت وصاحبي في مكتبة المسجد، بعد صلاة ظهر الخميس، صيامًا. - كل هذه الكتب التي تزيد على ألف كتاب، ثم جمعها في قرص أصغر من البنصر. - هذه نعمة من رب العالمين، جعلت البحث أسهل والوصول إلى المعلومة أسرع وأدق. - ماذا عن التغافل؟ أظن أن أحتاج أن أدرب نفسي عليه، أشعر أني دقيق في كل شيء، وأحب أن أجد تفسيرا منطقيا لكل تصرف. - لم أكن أعلم أنك كذلك. - نعم، لدي هذا الطبع، معظم الأوقات. - التغافل، يريح النفس، ويبقي المودة، ويسهل التعامل مع الآخرين، وهو مطلوب وبشدة، مع الأقرب، الزوجة، والإخوان، وغيرهم. - روى البيهقي في شعب الإيمان في مناقب الإمام أحمد بن عثمان بن زائدة قال: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل؛ فحدثت به أحمد بن حنبل فقال العافية عشرة أجزاء كلها في (التغافل). ينبغي على المرء أن يغض الطرف، ويتجاهل، الزلات، والأخطاء، والعيوب، وألا يدقق، ويتابع، ويحاسب على كل شيء، (فيمرر) الأمور التي قد تضايقه، كأنها لم تُقل، ولم تقع، ويقبل الغدر، ويقيل العثرة، ينسب إلى الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: «شرط الصحبة، إقالة العثرة ومسامحة العشرة، والمواساة في العُسرة». شاركنا المجلس مؤذن مسجدنا (أبو حفص)، دخل في الحوار مباشرة. - ألم يرد في البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن المشركين كانوا يسبون النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمد», وكذلك في حادثة سلام اليهود عليه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة من حديث عائشة -رضي الله عنها-: «جاء أناسٌ من اليهودِ إلى النبيِّ -صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ- فقالوا : السَّامُ عليك يا أبا القاسمِ. فقلتُ : السَّامُ عليكم ، وفَعَلَ اللهُ بكم وفعل. فقال عليه السلامُ : مَهْ يا عائشةُ! فإنَّ اللهَ لا يُحبُّ الفحشَ ولا التفحشَ. فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، ألستَ ترى ما يقولون؟! فقال : ألستِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عليهم ما يقولون ، أقولُ : وعليكم؛ فنزلتْ هذه الآيةُ : {بما لم يُحَيِّكَ به اللهُ}؛ أي : إنَّ اللهَ سلَّم عليْكَ ، وهم يقولون : السَّامُ عليك » (متفق عليه). عقب صاحبي: وهل يكون التغافل مع الأعداء أيضا؟! قالها مستغربًا: نعم، إن كانت هناك مصلحة، ولا يقع أذى من فعلهم! - قال النووي في شرح هذا الحديث، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - مهلا يا عائشة، استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم يترتب عليه مفسدة. - يقول الإمام ابن القيم في التغافل: «من أساء إليك ثم جاء ليعتذر من إساءته، فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته حقا كان أو باطلا وتكل سريرته إلى الله» (مدارج السالكين)، وذلك أن قبول الأعذار من التغافل. عقب أبو حفص: وفي كتاب الله -تعالى- في وصف عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} (الفرقان:63)، وكذلك: {إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} (القصص:55). وفي قصة يوسف -عليه السلام- عندما قال إخوته: {قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} (يوسف:77). وفي وصف ابن الاثير لصلاح الدين الأيوبي: «كان -رحمه الله- حليما حسن الأخلاق متواضعا صبورا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحاب يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه» وكانت العرب تردد: ليس الذكي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي أي المتغافل عن زلاتهم! - نعم، إن حسن الخلق، يتطلب الفطنة والتغافل. - لعل معظم مشكلات المتزوجين حديثا،- ولاسيما الشباب- ناتجة عن تتبع الزلات والمحاسبة، والتدقيق، مع أن الحياة الزوجية أحوج ما تكون إلى التغافل، الكل يقع منه التقصير- ولا سيما المرأة حديثة الزواج- فإن لم يتغافل الزوج عن تقصيرها لا تدوم العشرة! حتى وإن طالت العشرة، ينبغي على الزوج أن يكون حليما، رفيقا، متغافلاً، مقيلاً للعثرات، وإن لم تعتذر الزوجة! في الحديث «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -عِندَ بَعضِ نِسائِه، فأرسَلَت إحدى أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ بصَحفةٍ فيها طَعامٌ، فضَرَبَتِ التي النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في بَيتِها يَدَ الخادِمِ، فسَقَطَتِ الصَّحفةُ فانفَلَقَت، فجَمَع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِلَقَ الصَّحفةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجمَعُ فيها الطَّعامَ الذي كان في الصَّحفةِ، ويقولُ: غارَت أُمُّكُم. ثُمَّ حَبَسَ الخادِمَ حتَّى أُتيَ بصَحفةٍ مِن عِندِ التي هو في بَيتِها، فدَفَعَ الصَّحفةَ الصَّحيحةَ إلى التي كُسِرَت صَحفَتُها، وأمسَكَ المَكسورةَ في بَيتِ التي كَسَرَت». ولأحمد وأبي داود والنسائي من حديث عائشة -رضي الله عنها-: « قالت : ما رأيتُ صانعةً طعامًا مثلَ صفيةَ ، أهدتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إناءً فيه طعام ٌ، فما ملكْتُ نفسي أن كسرتُه فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ما كفَّارتُه ؟ قال : إناءٌ كإناءٍ وطعامٌ كطعامٍ ». ولو حصلت هذه الحادثة عند أحد شباب اليوم لطلق زوجته في حينها! - إليكم بعض الأقوال في التغافل: قال بعض الحكماء: وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل، وقال أكثم بن صيفي: من شدد نفر، ومن تراخى تألف، والشرف في التغافل. وقال شبيب بن شيبة الأديب: العاقل هو الفطن المتغافل. وقيل لبعض العارفين: ما المروءة؟ قال التغافل عن زلة الإخوان. اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#38
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق.. {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} اتفقت وصاحبي أن نخرج لتناول العشاء مساء الأربعاء؛ فصليت العشاء في مسجدهم، واستوقفه أحدهم ونحن نغادر المسجد، ابتعدت قليلا، لأعطيهم فرصة الحديث. توليت القيادة، وبدأ هو الحديث: - أصبحت الاستدانة هذه الأيام وسيلة سهلة للحصول على المال، حتى لا يكاد أحد يسدد الدَّيْن؛ لذلك اتخذت شعارا بيني وبين نفسي أن من أدينه، أعلم أنه لن يسدد الدَّيْن مع أنه يكتب ورقة بالمبلغ وموعد السداد ويُشهد على ذلك اثنين! كان صاحبي متضايقا بعض الشيء. - كلامك صحيح، ولكن لا نستطيع التعميم؛ فربما يمر أحدهم بضائقة مالية نتيجة حادث سير، أو مرض مفاجئ، أو مصيبة في تجارة؛ فيضطر إلى الاستدانة، والإنسان وقت الحاجة، يعطي كل المواثيق، والعهود، ووقت السداد يثقل عليه الأمر، وربما يعجز عنه صدقا. - إن (الدَّيْن)، شأنه عظيم في شريعتنا، ولاسيما في الآخرة، كما في حديث سهل بن حنيف، قال - صلى الله عليه وسلم -: «أول ما يهراق من دم الشهيد يغفر له ذنبه كله إلا الدَّيْن»، فلا يسقط حق الدائن حتى يستوفيه من المدين ولو بالحسنات يوم القيامة! - ومع ذلك فإن الله -عز وجل- حث الدائن أن ييسر على المدين، وأن يُنظره: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة:280)، والأحاديث في إنظار المعسر، كثيرة، عن قتادة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من نفس عن غريمه أو محا عنه كان في ظل العرش يوم القيامة» ، وفي رواية: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» . قاطعني: هذا إن كان المدين صادقا، عندما طلب الدَّيْن ينوي أداءه، ويسعى بصدق لأدائه ببذل الأسباب، لا من ينوي أن يستدين ولا يرد الدَّيْن! - نحن لا نتدخل في النيات يا (أبا أحمد)، علينا بالظاهر من أحوال الناس، وتعرف حديث ذلك الرجل، قال - صلى الله عليه وسلم -: «كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتيانه إذا أتيتم معسرا فتجاوزوا عنه لعل الله يتجاوز عنا، فلقي الله، فتجاوز عنه»، وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعته يقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة، قلت: يا رسول الله، سمعتك تقول من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة، قال - صلى الله عليه وسلم - له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدَّيْن، فإذا حل الدَّيْن فأنظره فله بكل يوم مثليه صدقة» . - هذا الحديث أول مرة أسمعه! يعني له أجر الصدقة بمبلغ الدَّيْن، كل يوم؟ ثم بمثليه كل يوم بعد حلول سداد الدَّيْن؟ هذا أجر عظيم، مع أن الدَّيْن قائم. - نعم هو كذلك، والحديث صحيح؛ لذا يحتسب الدائن الأجر من الله طيبة نفسه، دون تذمر أو شكوى، أو إلحاح، أو ضيق نفس، ولاسيما إذا كان ممن أنعم الله عليه بالمال؛ فهذا باب عظيم من أبواب الخير، كما في الحديث عند مسلم: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان يخالط الناس، وكان موسرا، وكان يأمر غلمانه أنه تجاوزوا عن المعسر، قال الله -عز وجل-: نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه». قاطعني: - طبعا، هذا الرجل أتى بالتوحيد وتجنب الشرك، وأتى بالواجبات، ولكن لم يكن له من أعمال البر الأخرى إلا (التجاوز عن المعسر). - وربما كان مقصرا في بعض الواجبات، فهذا العمل العظيم رجح كفة حسناته على سيئاته، فكان من أهل الجنة! - وعلى المدين أن يكون صادقا لحظة الاستدانة، وأن ينوي إرجاع الدَّيْن حتى يعينه الله على ذلك... كما في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله عليه», «جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاهُ دَينًا كانَ عليْهِ فاشتدَّ عليْهِ حتَّى قالَ لَهُ: أحرِّجُ عليْكَ إلَّا قضَيتَني! فانتَهرَهُ أصحابُهُ، وقالوا: ويحَكَ! تدري من تُكلِّمُ؟ قالَ إنِّي أطلبُ حقِّي؛ فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: هلَّا معَ صاحبِ الحقِّ كنتُم! ثمَّ أرسلَ إلى خَولةَ بنتِ قيسٍ فقالَ لَها: إن كانَ عندَكِ تمرٌ فأقرِضينا حتَّى يأتيَنا تمرُنا فنَقضِيَك؛ فقالت: نعَم، بأبي أنتَ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: فأقرضَتْهُ فقضى الأعرابيَّ وأطعمَهُ! فقالَ: أوفيتَ أوفى اللَّهُ لَكَ؛ فقالَ: أولئِكَ خيارُ النَّاسِ إنَّهُ لا قُدِّست أمَّةٌ لا يأخذُ الضَّعيفُ فيها حقَّهُ غيرَ متَعتَعٍ » . وعن ابي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا، تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين علي», وعن أنس بن مالك الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد دينا لأداه الله عنك؟ قل يا معاذ: اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك» . اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
|
#39
|
||||
|
||||
|
مكارم الأخلاق .. السَّماحة.. رافقت صاحبي إلى سوق (المباركية)؛ ليشتري الطيب والبخور كعادته كل عام، يتزود لنفسه وللمسجد، تكفل لأكثر من عشر سنوات بلوازم تطييب المسجد. - سوف نشتري من محلنا المعتاد. وبالفعل، رحب بنا البائع، عرف صاحبي، طلب منه (نصف كيلو) ..لفت البائع انتباه صاحبي إلى زيادة السعر. - لقد زادت الأسعار قليلا، هذا العام. - لن أدفع أكثر مما دفعته في المرة السابقة!!. - كم أخذت نصف الكيلو؟! - دفعت خمسمئة دينار، ولن أزيد!. - أصبحت الآن ستمئة، زادت رسوم الشحن والجمارك في بلد المنشأ. - هي خمسمائة، لا غير. - أخذ صاحبي يجادل البائع، إلى أن أخذ ما أراد بالسعر الذي أراد! غادرنا المحل.. - هل تعرف المصطلح اللغوي لنقاشك مع البائع حول السعر؟! - كلا، في الكويت نسميه (مكاسرة)، (يكاسر). - في اللغة (مماكسة)! - أول مرة أسمع هذه الكلمة. - هي كذلك، وهي من الأمور التي تذكر في كتب الفقه، وأنها جائزة، ويستدلون على ذلك بحديث جابر بن عبدالله بن حرام يقول: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأعيا جملي، فأردت أن أسيبه، فلحقني الرسول - صلى الله عليه وسلم - ودعا له، وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله من قبل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: بعنيه بأوقية، قلت: لا، قال: بعنيه بوقية، قلت لا، قال: بعنيه، قلت: فعلت، واستثنيت حملانه إلى المدينة، فلما بلغنا المدينة، أتينه بالجمل، وانتقدت ثمنه ثم رجعت، فأرسل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: أتراني إنما ماكستك لآخذ جَملك؟ خُذ جملك، ودراهمك». وفي رواية النسائي: عن جابر بن عبدالله قال كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر وكنت على جمل فقال: «مالك في آخر الناس؟ قلت: أعيا بعيري فأخذ بذنبه ثم زجره؛ فإن كنت إنما أنا في أول الناس يهمني رأسه؛ فلما دنونا من المدينة قال: ما فعل الجمل؟ بعنيه قلت: لا؛ بل هو لك يا رسول الله، قال: لا بل بعنيه، قلت: لا بل هو لك، قال: لا بل بعنيه قد أخذته بأوقية اركبه فإذا قدمت المدينة فأتنا به فلما قدمت المدينة جئته به؛ فقال لبلال يا بلال زِن له أوقية وزده قيراطا، قلت هذا شيء زادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يفارقني فجعلته في كيس فلم يزل عندي حتى جاء أهل الشام يوم الحرة فأخذوا منا ما أخذوا». والبائع كان سمحا معك، يبدو أنه ذو خلق ودين! - نعم، أحسبه كذلك هو حريص على الصلاة، وكثيرًا ما يذكر لي حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جابر - رضي الله عنه -: «رحم الله عبدا سمحًا إذا باع سمحا، وإذا اشترى سمحًا، وإذا اقتضى سمحا». قبل أن نصل مركبتنا، مررنا على مطعم صغير، اقترح عليّ صاحبي أن نتناول عشاء خفيفا، وافقت دون تردد؛ فقد بدرت الفكرة لي قبل أن يتكلم صاحبي! - إن السماحة خلق كريم؛ ولاسيما في مواطن الشحّ، في الصحيحين عن أبى هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اشترى رجل من رجل عقارا، فوجد الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب؛ فقال للبائع: خذ ذهبك أنا اشتريت منك الأرض ولم أشتر الذهب، وقال الذي باع له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها؛ فتحاكما إلى حكيم فقال لهما: ألكما ولد؟ قال أحدهما: نعم، وقال الآخر: لي جارية (بنت)، قال: أنكحا الغلام الجارية وأنفقا على أنفسهما منه، فقبلا!» ، والسماحة تكون أثناء البيع، وبعد البيع، إذا تراجع أحدهما، وفي طلب الثمن، وفي دفع الثمن: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فكنت على بكر صعب لعمر؛ فكان يغلبني فيتقدم أمام القوم فيزجره عُمر ويرده ثم يتقدم فيزجره عُمر ويرده؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: (بعنيه) قال: هو لك يارسول الله! قال: (بعنيه) فباعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هو لك يا عبدالله بن عمر فاصنع به ما شئت». وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: «كان لرجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنّ من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فلم يجدوا إلا سنا فوق سنه قال أعطوه؛ فقال أوفيتني فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن خياركم أحسنكم قضاء». - إن المرء يطلب البَرَكة- سواء كان بائعا أو مشتريا- والبركة لا تأتي إلا بالصدق والإخلاص كما في حديث حكيم بن حزام، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا، محقت بركة بيعهما». - لا شك أن المؤمن يطلب البركة في كل شؤونه؛ بل حتى بعد أن تتم البيعة وأراد المشتري أن يتراجع؛ فمن الكمال إقالة البيعة كان في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة» وفي شرح رياض الصالحين: فكان البيع أمرًا ضروريًا لحاجة بني آدم، ولكن من الناس من يبيع بالعدل، ومن الناس من يبيع بالظلم، ومن الناس من يبيع بالإحسان، الناس ثلاثة أقسام، قسم يبيع بالعدل لا يظلم ولا يظلم، وقسم يبيع بالجَور والظلم كالغشاش والكذاب وما أشبه ذلك، وقسم يبيع بالفضل والإحْسان فيكون سمحا في البيع وفي الشراء، إن باع لم يطلب حقه وافيا بل ينزل من الثمن ويمهل في القضاء، وإن اشترى لا يهمه أن يزيد عليه الثمن ويبادر بالوفاء فيكون محسنا. وقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - للمتسامحين في البيع والشراء فقال: «رحم الله امرأ سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى، سمحًا إذا قضى سمحًا إذا اقتضى»؛ فالإنسان كلما كان سمحا في بيعه وشرائه وتأجيره واستئجاره ورهنه وارتهانه وغير ذلك فإنه أفضل، وقال الله -تعالى- عن شعيب :إنه قال لقومه: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}، أوفوا المكيال أي: ما تبيعونه كيلًا والميزان ما تبيعونه وزنا أو فوه ولا تنقصوا منه شيئا، وهذا دليل على أن الوفاء في العقود مما جاءت به الشرائع السماوية السابقة. - إن التجارة باب عظيم من أبواب الرزق فيه خير كثير لمن راقب الله فيه، في الحديث: «عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق». - قاطعت صاحبي: هذا الحديث لا يصحّ، رواه سعيد بن منصور في سننه مرسلا، وذكره الألباني في السلسلة الضعيفة، والحديث الصحيح هو: عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده -رضي الله عنهما- أنه خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: «يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه؛ فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى وصدق». وعن قيس بن أبي غرزة قال: كنا نسمى في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السماسرة فمّر بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمّانا باسم هو أحسن منه؛ فقال: «يا معشر التجار، إن البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة». اعداد: د. أمير الحداد
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |