قصة أصحاب الأخدود، دروس وعبر - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5299 - عددالزوار : 2698152 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4901 - عددالزوار : 2046756 )           »          10 خطوات لالتقاط صور مميزة في العيد باستخدام الهاتف الذكي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          من هو العقل المدبر الخفى وراء ثورة الهواتف الذكية؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          توقعات بتباطؤ زخم الذكاء الاصطناعى التوليدى بسبب التكاليف التشغيلية الباهظة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          10 أفكار ذكية لاستغلال الأيفون القديم بدل تركه فى الدرج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          كيف تفعل ميزة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعى على تيك توك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          كيف يرى الذكاء الاصطناعى العالم؟.. تعرف على تقنية الرؤية الحاسوبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          تحديث iOS 27 يقدم أداء أسرع ونظام أكثر استقرارًا للمستخدمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          خطوات حماية أطفالك أثناء استخدام iPhone.. دليل شامل للرقابة الأبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-05-2026, 06:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,760
الدولة : Egypt
افتراضي قصة أصحاب الأخدود، دروس وعبر

قصة أصحاب الأخدود، دروس وعبر

أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
الخطبة الأولى
عباد الله: نقف اليوم مع قصة من قصص القرآن الكريم والسنة الصحيحة؛ للعظة والعبرة؛ كما قال الله سبحانه: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 176]، وقال جل وعلا: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [يوسف: 111]، خاصة ونحن نشاهد اليوم كل ذلك الابتلاء والدمار، والهلاك والقتل الذي يجري على أرض فلسطين، فنتذكر بذلك قصةً من قصص القرآن والسنة، فيها العظة والعبرة والدروس؛ نقف معها وقفات لعلنا أن نتعظ بها ونعتبر.

تلكم هي قصة أصحاب الأخدود، التي ذكرها الله تعالى في سورة البروج؛ قال الله سبحانه: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: 1 - 8]، فهذه الآيات، تحكي قصةً حقيقيةً وقعت لثُلة من المؤمنين على يد ملك كافر ظالم مجرم، وقد جاء تفاصيل هذه القصة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في صحيح مسلم من حديث صهيب رضي الله عنه قال: ((كان فيمن كان قبلكم ملك، وكان له ساحر)) أي: يساعده في الظلم والجبروت، فكبِر هذا الساحر، وقال للملك: إني قد كبرت، فابعث إليَّ غلامًا كي أعلمه السحر.

هذا الخبر من الساحر يدل على أول علامة لخذلان هذا الملك الكافر؛ فقد جاء في الحديث: ((إذا أراد الله بأمير خيرًا جعل له بطانةً حسنة، تذكِّره إن نسيَ، وتُعينه إذا ذكر، وإذا أراد الله بأمير شرًّا جعل له بطانةً سيئة، لا تذكره إذا نسي، ولا تعينه إذا ذكر))، فبعث إليه الملك بغلام ذكي فطن، بحث عنه في مملكته كلها، ثم أرسله إليه؛ فلما وصل إليه ذلك الغلام بدأ يعلمه السحر؛ والله سبحانه وتعالى قد قال: ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ﴾ [طه: 69]، فالسحر والسحرة لا فلاح فيهم ولا منهم، ولكن بعض الملوك والحكَّام، والأمراء والرؤساء يستخدمون السحرة لإغواء الشعوب وإخضاعها، كما كان فرعون يفعل في قومه.

وقد اختار له هذا الغلام النجيب لكي يتعلم السحر، فبدأ يعلمه السحر، وكان في طريق الغلام إلى الساحر صومعة راهب؛ فدخل عليه، فاستمع إلى كلامه فأعجبه، وكان أحيانًا يتأخر عن الساحر فيضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال له الراهب: إن تأخرت على أهلك فاعتذر لهم بالساحر، قل: حبسني الساحر، وإن تأخرت على الساحر فقل: حبسني أهلي؛ حتى لا يضربك.

واستمر على هذه الحال؛ وهو شاب ذكي فطن، يقارن بين ما يتعلمه من الساحر وما يتعلمه من الراهب.

والراهب كان على دين عيسى عليه السلام، يعلمه التوحيد والعقيدة الصحيحة قبل أن تحرَّف النصرانية كما هي عليه اليوم، والساحر كان يعلمه الدجل والشعوذة والكهنوت، لكي يغوي الناس ويضحك عليهم؛ ليؤيدوا الظلمة من الملوك والفجرة.

وفي يوم من الأيام وقف في طريق الناس دابة عظيمة منعتهم من السير، فرأى الغلام الناس مجتمعين على هذه الدابة، فقال في نفسه: اليوم سأختبر ما هو الحق؟ أمر الساحر أم أمر الراهب؟ ثم أخذ حجرةً وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، فرمى الحجرة فقتل بها الدابة، فاشتهر أمره بين الناس، وترك الساحر وشأنه، وبلغ الخبر الراهب، فقال له الراهب: يا بني، إن الله قد أكرمك، وقد صرت أفضل مني، وإنك ستُبتلى فاصبر، ولا تدل الظلمة عليَّ.

واشتهر أمر هذا الغلام، وصار مستجاب الدعوة، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وصار له صيت، حتى وصل خبره إلى جليس الملك الكافر، وكان قد أُصيب بالعمى، فأخذ مجموعةً من الهدايا وأتى بها إلى الغلام، ثم قال: هذه الهدايا لك، لأني قد أُصبت بالعمى، وأريد منك أن تشفيني، فقال له الغلام: إن الشافي هو الله، وإنك إن آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن جليس الملك بالله، ودعا الغلام الله سبحانه وتعالى فشفاه، فرجع إليه بصره.

فذهب إلى الملك ليجلس معه كعادته، فرآه الملك مبصرًا، فقال له: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فعذبه حتى دله على الغلام، ثم ذهبوا إلى الغلام فأتوا به إليه، فعُذب حتى دلهم على الراهب، ثم ذهبوا إلى الراهب وأتوا به إلى الملك، فطلب الملك من الراهب أن يرجع عن دينه، وأن يعلن عبوديته للملك الكافر، فأبى، فأمر جنوده أن يضعوا المنشار على مَفرق رأسه ويشقوه به حتى أصبح نصفين؛ لم يرده ذلك عن دينه، ثم عاد إلى جليسه الذي كان معه، فطلب منه أن يترك دينه فرفض، فأمر به أن يشق بالمنشار رأسه إلى أخمص قدميه، ففعلوا به ذلك؛ لم يرده ذلك العذاب عن دينه.

ثم رجع إلى الغلام، وما زال حريصًا عليه؛ لأنه قد صار له شأن ومكانة وكرامة، ما زال به يهدده ويرغبه، فلم ينفع معه الترغيب، فقال لهم: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فإذا وصلتم إلى أعلى الجبل فاطلبوا منه أن يعود عن دينه، فإن لم يعُد فاقذفوه من الجبل حتى يهلك، ففعلوا به ذلك، وصعدوا به إلى أعلى قمة الجبل، وطلبوا منه أن يرتد عن دينه، فقال: ((اللهم اكفِنيهم بما شئت))، فارتجف بهم الجبل فسقطوا من رأسه، وعاد يمشي بخير حتى دخل إلى قصر الملك، فرآه الملك فقال له: ماذا فعل أصحابك؟ قال: كفاني الله إياهم بما شاء، قال له: هل ترجع عن دينك؟ قال: لا، فأمر مجموعةً أخرى من جنده أن يأخذوه على قارب، حتى إذا وصلوا به منتصف البحر دعوه إلى الارتداد عن دينه، فإن رجع وإلا رموه وقذفوه في وسط البحر، فلما وصلوا إلى منتصف البحر دعا الله عليهم، وقال: ((اللهم اكفِنيهم بما شئت))، فانكفأ بهم القارب وغرقوا، ورجع هو بالقارب سالمًا، ثم دخل مرةً أخرى على الملك، فرآه فاستغرب، فقال: ما فعل أصحابك؟ قال: كفاني الله إياهم بما شاء، ثم قال للملك: لن تستطيع أن تقتلني إلا إذا فعلت ما أمرتك به، قال: وما هو؟

انظروا إلى هذه الخطة الحكيمة لشخص يريد أن ينتصر لدينه، حتى لو كان ثمن هذا النصر أن تذهب روحه، وانظروا إلى الملك هذا الكافر الطاغوت الذي لم ينتبه لهذه الخطة بسبب طغيانه وفساده، ويريد أن يتخلص من هذا الغلام بأي شيء، فقال له: وما هو؟ قال: أن تجمع الناس، أهل هذه المدينة في صعيد واحد، ثم تأخذني فتصلبني وتربطني على جذع شجرة مرتفعة حتى يراني الناس، ثم تأخذ سهمًا من كنانتي وتضعه في كبد القوس، ثم تقول بأعلى صوتك: بسم الله رب الغلام، ثم ارمِ به وستقتلني وأموت.

هذه الخطة من هذا الغلام هدفها عظيم، لم ينتبه لها هذا الملك الكافر؛ ففعل ما أمره به الغلام، وجمع الناس، ثم صلبه، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضعه في كبد القوس، ثم قال بأعلى صوته: باسم الله رب الغلام، ثم رمى، فخرج السهم فأصاب الغلام في صدغه، فوضع الغلام يده على صدغه ثم مات، فلما مات قال من حضر من الناس: آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام.

فجاءه جنوده وحاشيته، قالوا: أيها الملك، ما كنت تحذر منه قد وقع، كنت تخاف من واحد أو اثنين من المؤمنين، فإن الشعب كله قد آمن الآن، فماذا فعل؟ وهكذا الطغاة يريدون أن تبقى لهم الكراسي ولو هلك الشعب كله أو ثلاثة أرباعه؛ فأصدر أوامره بأن تحفر الأخاديد على أفواه السكك، أي أطراف الطرق، كل طريق يُعمل على آخره خندق، وتُشعل النار في تلك الخنادق، ثم يجمعون الناس ويدعونهم إلى الارتداد عن دينهم والكفر بالله، فمن لم يكفر يقذفوه في الخندق فيحترق بالنار، وهم يشاهدونه حتى يصبح رمادًا، ففعلوا ذلك، وأحرقوا مئات الناس، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا ممن لم يرجع عن دينه، وبقي الناس على دينهم لا يتراجعون، إلا امرأةً واحدة طلب منها أن تتراجع عن دينها أو تُقذف في النار، فترددت، وكانت تحمل طفلًا رضيعًا في حضنها، فأنطق الله طفلها، فقال لها: ((يا أماه، اصبري؛ فإنكِ على الحق))، فثبتت حتى أُلقيت في الخندق، وكان هذا الغلام أحد الغلمان الذين أنطقهم الله في المهد مثل عيسى عليه السلام.

هذه الحادثة العظيمة والقصة الأليمة التي ذُكرت في القرآن الكريم موجزة، وفصلتها السنة، فيها العظة والعبرة.

وقد نزلت هذه الآيات على محمد صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه في مكة مستضعفون، تؤذيهم قريش وتعذب من آمن منهم، وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه وقد عذبه بعض كفار قريش، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مستظل ببردة له تحت الكعبة، فقال: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال له: ((لقد كان من كان قبلكم يُؤتى بالرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها، ثم يُؤتى بالمنشار فيُوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر... ولكنكم قوم تستعجلون)).

وقد ذكر الله تعالى هذه القصة لمحمد صلى الله عليه وسلم في مكة، من أجل أن يسليه وأصحابه المستضعفين، الذين كانوا ينتظرون الفرج والنصر على أولئك المجرمين الذين كانوا يعذبونهم في مكة.

فما أحوجنا اليوم أن نتدارسها ونتأمل فيها، ونستخرج منها الدروس والعبر، ونحن نرى شيئًا مماثلًا لها اليوم في غزة وفي فلسطين، وفي بلدان كثيرة متعددة من بلاد المسلمين التي تسلط عليها أهل الكفر والفجور، حتى نتعظ ونعتبر، ونعلم أن العمل لهذا الدين يحتاج إلى صبر وفداء، ورجال ثابتين صامدين أمام كل الابتلاءات، حتى يأتيهم نصر الله ويهلك أعداءهم!

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
عباد الله: سمعتم إلى تلك القصة الموجزة الأليمة في القرآن وفي السنة؛ ولعلنا نقف معها بعض الوقفات، ونستنبط بعض الدروس والعبر؛ ومنها:
1- قصة أصحاب الأخدود قصة تدل على أن الابتلاء للمؤمنين سنة ماضية في كل الدعوات وعند جميع الرسل؛ ولذلك قال الراهب للغلام: ((إنك ستُبتلى، فلا تدل عليَّ))، فمن سار في طريق الإيمان والاستقامة لا بد أن يبتليه الله ليعلم صدقه من كذبه: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]، فلا بد من الابتلاء للمؤمن حتى يصدق في إيمانه، أو ينفضح زيفه ونفاقه؛ إن كان من المنافقين.

2- هذه القصة تدل على أن الكفر ملة واحدة، وأن الظلم مذهب جميع الكافرين، وقد كان هذا الملك، وهو آخر ملوك الدولة الحميرية، ويسمى ذو نواس الحميري؛ بسبب ظلمه وجبروته وإحراقه لهذه الثلة المؤمنة، فقد أزهق الله ملكه، وتشتت وانتهت مملكته، وقد كان هؤلاء المؤمنون مع هذا الغلام من نصارى نجران، وما زال موطن الأخدود موجودًا حتى الآن في منطقة نجران، ومعروفًا للناس للعظة والعبرة.

3- أن هذه القصة تبين لنا أن النصر ليس كله بالفوز العسكري والتمكن من هزيمة الخصم؛ بل إن النصر له مفاهيم كثيرة في القرآن والسنة، ومن أعظم أنواع النصر أن تنتصر بمبادئك، وقيمك، وأن تثبت على دينك مهما عُذبت، أو ظُلمت، أو أُحرقت؛ فهذا من أعظم أنواع النصر.

4- أن الغلام قد أثبت لنا أنه انتصر على الملك الكافر، وأثبت لنا قومه الذين آمنوا معه أنهم انتصروا؛ فقد ثبتوا على المبدأ رغم قلة الوقت بعد إيمانهم، وهذا من توفيق الله لهم كما حصل لسحرة فرعون؛ فقد انتصروا على فرعون وثبتوا على إيمانهم، رغم قلة الوقت بعد إيمانهم.

5- أن المبادئ إذا دخلت إلى القلوب، واعتقدها الإنسان بصدقٍ، ثبت عليها، وما نشاهده اليوم في أرض غزة هو عنوان للنصر إن شاء الله، فلا تظنوا النصر هو التمكين فقط، ولا تظنوا الهزيمة هي الدمار والقتل فقط، فكل الناس سيموتون، ولكن هناك من يموت شريفًا، وهناك من يموت وضيعًا، والنصر الحقيقي أن تموت وأنت ثابت على دينك، ولم تبِعه بعرَض من الدنيا، فما يجري اليوم في أرض فلسطين هو نوع من أنواع النصر لهم، وإن رأيناه في نظرتنا القاصرة أنه هزيمة، نعم دُمرت بيوت، وقُتل أشخاص، وذهبت مدن وشوارع وممتلكات؛ فهذه كلها فداء للدين والعقيدة.

6- أن الشهادة اصطفاء ومنة، يبحث عنها المخلصون وقد لا يجدونها، ويعطيها الله سبحانه وتعالى من أراد من خلقه: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [محمد: 4]، اتخاذ الشهداء منة واصطفاء من الله، كاتخاذ الأنبياء والمرسلين.

ولقد حاول خالد بن الوليد أن يموت شهيدًا، وشارك في عشرات الغزوات، ولكن الله لم يرِد له ذلك فمات على فراشه؛ نعم، هو مأجور بنيته وإن مات على فراشه، لكن أن تموت شهيدًا في سبيل الله ثابتًا على المبدأ الصحيح، فهذه منة وكرم من الله سبحانه وتعالى.

7- أن موت الشهيد ليس كموت غيره؛ فالشهيد لا يشعر بألم الموت إلا بمثل قرصة الناموس، حتى لو مُزق جسده، حتى لو سقطت عليه المباني، حتى لو أُحرق؛ لا يشعر الشهيد من ألم الموت إلا مثل قرصة البعوضة، هذه كرامة الشهداء، ثم تنتقل أرواحهم إلى أجواف طير خضر، تطير بهم وتروح عليهم في الجنة: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ [آل عمران: 169].

8- أن هذا الغلام مع صغر سنه، إلا أنه بذرت فيه العقيدة الصحيحة السليمة، فثبت عليها ومات من أجلها، وهذا يدلنا على أهمية تربية الناشئة على العقيدة السليمة، والاهتمام بالأبناء والبنات وهم صغار، فحتى الساحر كان يعرف هذه القاعدة، وقال للملك: ائتني بغلام صغير ذكي حتى أعلمه السحر؛ لأن الأطفال آنية فارغة تملؤها بما شئت؛ تملؤها بالعسل أو بالخمر، تملأ قلوبها بالأخلاق والعقائد الصحيحة، أو تملؤها بالخرافات والشعوذة، والدجل والفساد والانحراف.

لذلك يجب أن ينتبه الناس لأبنائهم وبناتهم وهم صغار، ويبنوا فيهم العقيدة الصحيحة والأخلاق الحسنة، حتى يكبروا عليها، ويسيروا على هذه العقيدة، وأن يصبروا إذا ابتُلوا في طريقها.

9- أهمية تعلق النفوس بالله وحده لا شريك له، وثباتها على التوكل والاعتماد، وتفويض أمرها إلى الله سبحانه وتعالى؛ فهذا الغلام لم يبحث يمنةً ولا يسرةً، وإنما اعتمد على الله وحده، وصدق في توكله، وعاد إلى الملك مرتين؛ من ثباته وعقيدته وكمال توكله.

والتوكل على الله أمر من أصول العقيدة، ولا يتم إيمان الإنسان إلا بكمال التوكل؛ فالتوكل سبب للثبات حين يقل الناصرون لك، ويذهب عنك من يساعدك، وهذا التوكل يُبنى بالتربية الجادة، ومن خلال مدارسة القرآن والسنة، ومن خلال القيام والصيام، والذكر والصلاة.

وما تشاهدونه اليوم في غزة من ثباتٍ لأولئك الشباب، وللنساء، وللرجال، وللكبار، وللصغار، لم يأتِ من فراغ؛ بل أتى من جهود مضنية في التربية، في المساجد، في المدارس، في الجامعات، في المعسكرات، على الإيمان، على العقيدة، على كمال التوكل، على الارتباط بالله، لا بمخلوق، بل ربطوا أمرهم بالله، وتوكلوا عليه؛ لذا نحن نتعجب من ثباتهم لضعف إيماننا وقلة توكلنا، وهم يعطوننا كل يوم درسًا في الثبات، ودرسًا في التوكل، ودرسًا في الالتجاء إلى الله.

تسمع كبيرهم وصغيرهم وهم يرَون الدماء والأشلاء من أقاربهم وعائلتهم ولسانهم، ينطق بذكر الله، وقلبهم متعلق بالله، وإرادتهم صلبة كالجبال، من أين أتوا بهذا كله؟ من كمال التربية الجادة، والتوكل والارتباط بالله سبحانه وتعالى.

ما أحوج الناس أن يربوا أنفسهم على هذه المعاني، وهم يتعرضون اليوم هنا وهناك للاعتداء والبطش، والقتل والدمار.

10- إن من صفات المسلم الإصرار على تبليغ الحق مهما أصابه في طريقه؛ فقد كان بإمكان ذلك العجوز الراهب أن يبتعد عن تعليم الغلام ويبقى في صومعته، ولا يعرفه أحد، وكان بإمكان ذلك الغلام أن يتعلم الدين ويبقى يتعبد الله في نفسه وفي بيته؛ فلا يكفي أن تعتنق العقيدة دون أن تنشرها لغيرك؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))؛ لذلك انطلق الغلام في الدعوة والبلاغ، ونجا في المرة الأولى، وكان بإمكانه أن يهرب، فرجع إلى القصر مرةً ثانية، ونجا في المرة الثانية من البحر، وكان بإمكانه أن يهرب، ولكنه رجع إلى القصر مرةً ثالثة ليدعو ذلك الملك إلى الله، وإلى الإيمان به وترك الكفر والشرك بالله.

هذا الإصرار هو ثمرة العقيدة الصحيحة، وانتظار الأجر والثواب من الله، فهذه الدنيا ونعيمها وملكها لا يساوي لحظات من لحظات نعيم الجنة، التي يسعى إليها المؤمنون الأبطال المجاهدون في سبيل الله سبحانه وتعالى.

لذلك لا تستغربوا من تمسُّك أهل غزة بمبادئهم وديارهم رغم الحصار، رغم القتل، رغم اجتماع أهل الباطل عليهم لإخراجهم؛ فإنهم يفضلون البقاء في الخيام مع الجوع والخوف، والمطر والألم، على أن يذهبوا ليعيشوا في القصور في أماكن أخرى، ينقلهم إليها أولئك المجرمون.

11- أن الكفر ملة واحدة؛ فقد اجتمع اليهود والنصارى، والبوذيون والهندوس، والشيوعيون واللادينيون والملحدون على المسلمين في أكثر من بلد، فالأخبار تنُقل لكم من غزة فترَون حجم الدمار والقتل والفساد، لكن لا يُنقل إليكم ما يجري في الفلبين، في روسيا، وفي جزيرة القرم، ما يجري في يوغسلافيا أو غيرها من الدول الأخرى، ما يجري في الهند من ذبح للمسلمين وقتلٍ لهم من عباد البقر؛ فالكفر ملة واحدة، يتفقون على محاربة الإسلام ويجتمعون عليه، ولا غرابة في ذلك، بل الغرابة أن أصحاب الدين الواحد الذين ينتسبون إلى الإسلام ودينهم ملةٌ واحدة، لم يجتمعوا ويتحدوا وينتصروا لإخوانهم المستضعفين؛ كيف عباد البقر وعباد الصليب وعباد بوذا يوالي بعضهم بعضًا، وينتصر بعضهم لبعض، والمسلمون الذين يقولون: لا إله إلا الله، ويعبدون ربًّا واحدًا، ويصلُّون إلى قبلة واحدة، لا ينتصرون لإخوانهم المستضعفين هنا وهناك؟ إذًا هذا انتساب مزيف إلى الدين، وهذه دعوى مزيفة أنك مسلم، لأن دين الإسلام يقتضي أن تكون وليًّا لأخيك المسلم: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ [الأنفال: 73].

أيها المؤمنون: لا أطيل عليكم؛ خُتمت الآيات بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [البروج: 10]، توعدهم الله بعذاب جهنم؛ أن يحرقهم كما أحرقوا المؤمنين، أن يعذبهم في نار تلظى لا يخرجون منها بسبب ما فعلوه بالمؤمنين، وهذا لا يمنع أن يعذبهم بعذاب في الدنيا، وقد حصل لهم؛ فقد شتت الله ملك ذلك الكافر، وانتهى ملكه، وهُزم، ولم يبقَ له أثر.

وهذا ما نأمله ونرجوه من الله سبحانه وتعالى في اليهود المجرمين والصليبيين الحاقدين؛ أن نرى عقوبتهم في الدنيا قبل الآخرة؛ لأنهم يحرقون المسلمين، ويعذبون المؤمنين بسبب واحد هو: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [البروج: 8]، كل من آمن بالله العزيز الحميد، فإن أهل الكفر والباطل يعذبونه.

وما نشاهده اليوم من كرامات الله جل وعلا لعباده المؤمنين، أولًا: بالصبر والثبات، وثانيًا: ببعض الظواهر المنتشرة في بلاد الكفار التي نرجو أن تكون بدايةً لعذابهم في الدنيا قبل الآخرة.

إن ما نشاهده اليوم من اشتعال النيران والحرائق في إسرائيل، نرجو أن يكون بدايةً لاشتعالها في سائر أجسادهم وديارهم.

إن الله يغار على دينه ويغار على أوليائه، ولكن له سنة كونية ماضية هي الإمهال؛ يُمهل الكافر، يُمهل المجرم، حتى تنتهي هذه السُّنة ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، كما فعل بالنمرود، وكما فعل بفرعون، وكما فعل بهذا الملك الكافر المجرم، وسيفعل بإذن الله وكرمه ومنته بهؤلاء المجرمين الذين يعذبون عباد الله المؤمنين، سواء في فلسطين، أو في الهند، أو في الفلبين، أو في غيرها من ديار المسلمين.

أيها المؤمنون: الدروس والعِبر كثيرة من هذه القصة، وهي لفتة من أجل أن نتدبر القرآن، ونأخذ منه العظة والعبرة، ولا نيأس ولا نقنط، وأن نعلم أن الابتلاء طريق عباد الله الصالحين المؤمنين؛ لأن الله قد وعدهم جنات عظيمة فيها من النعيم المقيم؛ وفي الحديث الصحيح: ((أن غمسةً واحدةً يغمس فيها البائس في الجنة ثم يُرفع فيُقال له: هل مر بك بؤس قط؟ فيقول: لا يا رب)).

فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياكم على دينه، وأن يجعلنا من عباده المؤمنين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين...




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 64.43 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 62.76 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]