أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد - الصفحة 12 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4866 - عددالزوار : 1971730 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5266 - عددالزوار : 2642209 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 52 - عددالزوار : 54702 )           »          الأكل من عمل اليد تشبه بالأنبياء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          الحديث السادس والثلاثون: من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          4 حيل لمكياج ثابت فى الحر.. كلمة السر تقشير البشرة بانتظام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          اعرفى الطريقة الصحيحة لاستخدام تونر البشرة.. سر بسيط يمنحك إشراقة متجددة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          6 أخطاء في ترتيب الليفينج تخليها غير مريحة حتى لو كانت على الموضة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          طريقة عمل فطائر بالجبن والسمسم والعسل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          وصفات طبيعية لتفتيح منطقة العين.. من شرائح الخيار لماء الورد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #111  
قديم 24-11-2025, 04:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 175,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

عيوبُ الخطب المنبرية



الأستاذ نواف بن محمد الرشيد


إنَّ المشكلة الأساسية لوجوبِ أمثال هذه العيوب التي سأتطرقُ إليها هي : عدمُ استشعارُ الخطيب أنَّه يقومُ مقامَ رسول اللهِ صلى اللهِ عليه وسلم ، وأنَّهُ يعرضُ عقلهُ على الناس . قيل لعبد الملك : أسرع إليكَ الشيبُ . فقال : كيف لا وأنا أعرض عقلي في كُلِّ جُمعةٍ على الناس !
حتى لا أطيل عليكم سأوحال أن ألخص عيوب ( بعض ) الخطباء على نقاطٍ أولها :

· عدمُ تركيز الخطيب على موضوعٍ مُعينٍ ، فيلم به من جميع أو غالب نواحيه ؛ فتجدُ البعض يبتدأُ خطبته بأهمية صلةِ الأرحام ثمَّ ينتقلُ إلى خطورةِ الغيبة ثمَّ يُعرِّجُ على التكاسل في أداءِ الصلاة جماعة ثمَّ يختم بتحريمِ أكلِ أموالِ الناسِ ظُلماً !! فما أنْ تخرج أيها المستمعُ من الجامع حتى تنسى جميع ما قالهُ الخطييب! لأنَّه لم يُركز على موضوعٍ واحدٍ !
· افتقادُ فنِّ الإلقاء ففنُ الإلقاء لهُ دورٌ مُهمٌ في التأثيرِ على المستمعِ ، وتنبيهِ الغافل ، وتنشيط الخامل ، وشدِ انتباههِ للخطيب ، فتجدُ كثيراً من الخطباءِ يُوَفقون في موضوع خطبتهم وفي صياغتها بأسلوبٍ علميٍ رصينٍ ثمَّ يُميتُ بهجتها ، ويُطفئ نورها ، بإلقائهِ البارد المنخفض ، أو بصراخِهِ الموجع المزعج ! فلا يرفع فوق الحاجة ، ولا يخفضه خفضاً يمنعُ الاستفادة !
· تَرديدُ ألفاظٍ مُعينةٍ مَخصوصةٍ وكأنَّها قرآنٌ مُنزّل ، لا تتمُ الخطبةُ ولا تصح إلاَّ بترديدها ! وغالبُ الترديد والتكرار يكونُ في الخطبةِ الثانية . حدثني من أقطعُ بصدقهِ أنه يُصلي معَ خطيبٍ مُذْ عشر سنوات ، والخطبةُ الثانيةُ هي هي بسجهعا ، وترتيبها ، ودعواتها ، لا يُنقِصُ الخطيب حرفاً ولا يزيدُ !
· عدمُ تصور الخطيب عظم شأن المنبر وأنَّه يقوم مقام رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فتجده وبكلِ تهاونٍ يكتبُ خطبته التي سيلقيها على المئات من المسلمين -الذين حضروا من أجل أن يستمعوا ويستفيدوا ويتعلموا – يكتبها بعدَ فجر يومِ الجمعة ! وإني – والله – لأعجبُ من جرأة أمثالِ هؤلاء على المنابر ، وقبضهم الدفاتر والمحابر !

· تكرارها – أي الألفاظ – في الخطبة الواحدة وهذا واضحٌ ملموس ؛ فتجد بعضهم يكرر الجمل من أجل أن يشتد الانتباه . وتكرارُ الكلام مذموم . قالت جارية ابن السماك له : ما أحسنَ كلامك لولا أنَّك تكثر تكراره ، وتكرار ترداده ! قال : أردده حتى يفهمه من لم يفهمه . قالت : إلى أنْ يفهمه من لم يفهمه قد ملَّه من فهمه !
ويقول الزهري : ( إعادةُ الحديث أشدُّ مِن نَقْل الصّخر )
· الإطالة ؛ فيحسبُ بعضهم أنَّه كُلما كانتِ الخطبة طويلة كان التأثير أبلغ وأقوى ! وما درى أنَّه بفعلهِ هذا قد خالفَ سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي قال : ( إنَّ طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته ، مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، واقصروا الخطبة ، وإنَّ من البيان لسحراً ). و قد يُنفِّر الناس من الحضور لإدائها ! . يُقال أطال خطيب بين يدي الإسكندر فزبره ، وقال : ليس تحسن الخطبة بقدر طاقة الخاطب ، ولكن على حسبِ طاقة السامع !
وقيل سمع خالد بن صفوان مِكثاراً يتكلم ، فقال : يا هذا ، ليستِ البلاغةُ بخفةِ اللسان ، وكثرةِ الهذيان ، ولكنها إصابةُ المعنى ، والقصدُ إلى الحجة .
ونصيحتي للخطباء أن يُراعوا هذه ( العيوب ) ويجتنبوها ، فإني وجدتها منتشرة في كثيرٍ من البلدان الإسلامية التي صليتُ فيها الجمعة ، واللهُ وحدهُ المستعان .







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #112  
قديم 31-01-2026, 02:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 175,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

خطبة الجمعة بين الكفاءة والتضييع


. عبدالحميد الرواي











حرَّم الله -عز وجل- البيع والشراء في وقت صلاة الجمعة على مَن يجب عليه شهود الجمعة، ونهى عن كثير من الأعمال المباحة في ذلك الوقت؛ رعايةً لشأن الجمعة وإرشادًا إلى أهميتها.
ومن رفعة شأن هذه الشعيرة أنها تكون كفارة لما يمكن أن يَعْرض للمسلم من آثام طيلة أسبوعه الذي مضى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ، كَفَّارَاتٌ لِما بيْنَهُنَّ»[1].
من أجل ذلك، كان الصعود إلى منبر كان يَصعد على مِثْله رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمانة ومسؤولية، يُسأل عنها كل خطيب يوم يقوم الناس لرب العالمين.
ولعل الاندفاع للحديث عن الدور التربوي لخطبة الجمعة، هو في الواقع، من منطلق الهمّ الذي يشغل بال جيل الصحوة الإسلامية، الذي يبحث عن الدين من نَبْعه الصافي مشرقًا وضّاءً كما كان منذ قرون خلت. فعودة المسجد للقيام بدوره الحضاري والإنساني، تُعدّ طفرة جبارة في مجال البلاغ المبين، ولذلك فإن البداية السليمة في مجال الدعوة لعبور التخلُّف، ومُجابَهة الشعور بالإحباط والانهزامية العالقة بضمائر المسلمين، ينبغي أن تبدأ من المسجد، الذي يجب أن يكون محور التغيير في حياة المسلمين؛ وذلك أن أيّ مؤسسة لا ترقى إلى العطاء التربوي المتكامل، وتَنْفُذ إلى نفوس الشباب وتُخالط مشاعرهم وتُوجّههم نحو الخير كما هو المسجد؛ لما يشيعه من نفحات إيمانية، وما يرتبط به من اطمئنان نفسي وراحة قلبية، فالصوت الذي ينبعث من المنبر، تُردّده جنبات المسجد، يبدو وبلا شك وكأنه صادر عن الملأ الأعلى؛ حيث يُدْخِل على قلب المؤمن الرهبة والخشية، والفزع والتقوى، والطاعة والامتثال، ويحمل الروح إلى فضاءات لا متناهية من اليقظة والشفافية، بعيدًا عن كل زيغ أو التواء.
في رحاب الموعد الأسبوعي
خطبة الجمعة، في الحقيقة، فرصة ثمينة على الخطيب استغلالها بفقه وذكاء، حتى تُؤتي ثمارها، وتُحقّق أغراضها، ولن يكون ذلك إلا إذا وضَع الواعظ لخطبته منهجًا واضحًا، وحدَّد لنفسه أهدافًا تتماشى مع محيطه الاجتماعي، والمستوى الإدراكي لسامعيه، وما أحسن أن يُعالِج الخطيب موضوعًا واحدًا في سلسلة من الخطب، يُذَكِّر في بداية كل خطبة بالعنصر الذي تم التعرُّض له في الخطبة الماضية، ويتساءل عن مدى تأثير ذلك في سلوك الأفراد والمصلين.
ولعل خير ما يستعين به الواعظ لإنجاح خطبته مراعاته -ما أمكن- للشروط التالية:
الاستئناس بالأمثلة الملموسة والأدلة الواضحة.
ربط المستمعين بوقائع دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته العَطِرة، وبصور من أمجاد المسلمين، حتى ترجع للمسلمين ثقتهم بأنفسهم ورسالتهم العالمية.
التعرُّض بين الفينة والأخرى للانحرافات الاجتماعية السائدة في المحيط القريب من السامعين، والتماس الحلول من كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
الابتعاد عن الألفاظ الغريبة، والمعاني الشاذَّة، وكذا عن الأمور الخلافية، ورفع الصوت في مواطن، وخفضه في أخرى بحسب المعنى والحاجة.
الحرص على ضبط ما يَنقله من أحاديث وروايات ودقة الاستدلالات.
الإيجاز الذي يُعين على تثبيت الحقائق، وإيصالها إلى السامع بيُسْر؛ لأن الكلام الكثير يُنْسِي بعضُه بعضًا.
استيعاب الخطبة بشكل جيد، ومراجعتها قبل الصعود للمنبر تفاديًا للتلعثم والارتباك الذي يذهب بفائدة العديد من الخطب.
مزالق خطيرة
جسامة مسؤولية الخطيب تكمن في أنه يصبح محط أنظار الناس، ومنبع قدوتهم، يُحصون عليه حسناته وسيئاته، لذا، فعلى الخطيب والواعظ أن يُصدِّق فِعْلُه قولَه؛ لأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان.
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «ما انتفعتُ بكلام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ ما انتفعت بكلامٍ كتبه إليَّ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ فقد كتب إليَّ: «أما بعد، فإن المرء يَسُرّه إدراك ما لم يكن ليفوته، ويسوؤه فَوْت ما لم يكن ليُدركه، فليكن سرورك بما نِلْتَ من أمر آخرتك، وليكن أَسَفُك على ما فاتك منها، وما نِلْت من أمر دنياك فلا تكن به فَرِحًا، وما فاتك منها فلا تَأْسَ عليه جزعًا، وليكن همّك ما بعد الموت»[2].
وقال أبو الأسود الدؤلي في نُصْح الواعظ بالصدق والعمل بعلمه قبل تبليغه:
يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ
هَلاَ لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى
كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا
فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى
بِالْقَوْلِ مِنْك وَيُقْبَلُ التَّعْلِيمُ
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ
عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ[3]
وفي مثال عملي، كتب الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري -رحمهما الله- يقول: «اجمع لي أمر الدنيا، وصِفْ لي أمر الآخرة»؛ فكتب إليه الحسن البصري يقول: «إنما الدنيا حُلم، والآخرة يقظة، والموت متوسّط بينهما، ونحن في أضغاث أحلام، ومَن حاسب نفسه ربح، ومَن غفل عنها خسر، ومن نظر في العواقب نجا، ومن أطاع هواه ضلّ، ومَن حلُم غَنم، ومَن خاف سلم، ومَن اعتبر أبصر، ومن أبصر فهم، ومن فهم علم، ومن علم عمل، فإذا زللتْ فارجع، وإذا ندمت فأقلع، وإذا جهلت فاسأل، وإذا غضبت فأمْسِك، واعلم أن أفضل الأعمال ما أُكرهت النفوس عليه».[4]
فما أحوج الكثير من وُعّاظنا إلى استلهام معاني هذه الموعظة، وتبليغ مقاصدها إلى العامة والخاصة؛ لأنه بغير الوعظ الصادق والتبليغ الأمين، لن يكون لخطبة الجمعة تأثير، وتظل شعيرة مُفرَّغة من محتواها الحقيقي والأصيل.
وعلى الخطيب الواعظ ألا يستغل مكانته بين الناس لتحقيق مكاسب مادية أو مصالح شخصية، وأن يتورّع عن مَواطن الشبهات، وتحضرني هنا موقف تربوي من مواقف سلف الأمة الصالحين؛ فقد دخل التابعي الجليل عبد الله بن مُحيريز حانوتًا بدابق يريد أن يشتري ثوبًا، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز فأَحْسِن بَيْعه، فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: «إنما نريد أن نشتري بأموالنا. لسنا نشتري بديننا»[5].
التعلُّم من خطب النبي صلى الله عليه وسلم
عن جابر -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه مُنْذِر جيش يقول: «صبَّحكم ومسَّاكم»، ويقول: «بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين»، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى، يقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة».
وقال ابن قتيبة في عيون الأخبار: «تتبعتُ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجدتُ أوائل أكثرها «الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونؤمن به ونتوكل عليه، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له». ووجدت في بعضها «وأوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحثّكم على طاعته». ووجدت كل خُطَبه مفتاحها الحمد، إلا خطبة العيد، فإن مفتاحها التكبير»[6].
وكانت أول خطبة خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة أن قال -بعد أن حمد الله وأثنى عليه-: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، تَعْلَمَنَّ وَاللهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ لَيْسَ لَهُ تَرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكَ، وَآتَيْتُكَ مَالًا، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَا يَرَى شَيْئًا، ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ؛ فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ عَشَرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»[7].
وفي خطبة أخرى قَالَ: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وأستعينه، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَهُ اللهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ؛ إِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُهُ. أَحِبُّوا مَنْ أَحَبَّ اللهُ، أَحِبُّوا اللهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَمَلُّوا كَلَامَ اللهِ تَعَالَى وَذِكْرَهُ، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ؛ واعَبْدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاصْدُقُوا اللهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وَتَحَابُّوا بِرُوحِ اللهِ بَيْنَكُمْ. إِنَّ اللهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُهُ. وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبركاته»[8].
ومن خطبه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله تعالى، قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة، وصِلُوا الذين بينكم وبين ربكم بكثرة ذِكْركم له، وكثرة الصدقة في السر والعلانية، تُؤجَروا، وتُحْمَدوا، وتُرزَقوا. واعلموا أن الله سبحانه قد فرض عليكم الجمعة، فريضة مكتوبة، في مقامي هذا في شهري هذا في عامي هذا، إلى يوم القيامة، مَن وجد إليها سبيلًا، فمن تركها في حياتي أو بعدي جحودًا بها واستخفافًا، وله إمام جائر أو عادل؛ فلا جمَع الله شَمْله، ولا بَارَك له في أَمْره، ألا ولا صلاة له، ألا ولا زكاة له، ألا ولا صوم له، ألا ولا وضوء له، ألا ولا حج له، ألا ولا بِرّ له حتى يتوب، فإن تاب؛ تاب الله عليه، ألا ولا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رجلًا، ألا ولا يَؤُمَّنَّ أعرابيٌّ مُهاجِرًا، ألا ولا يَؤُمَّنَّ فاجِرٌ مؤمنًا، إلا أن يَقهره بسلطانٍ يَخاف سيفه وسوطه»[9].
وبعد، فإن الحاجة أصبحت مُلِحَّة أكثر من أيّ وقت مضى لرفع مستوى خطبة الجمعة، إلى المرتبة التي بلغتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والتابعين لهم بإحسان من سلف الأمة، يوم كان المسجد مَنْبع إشعاع الإيمان، والعلم، والصلاح، والمرتع الذي تربَّى فيه الجيل القرآني الفريد في تاريخ الأمم جميعًا؛ جيل الصحابة -رضوان الله عليهم-، الذين كانوا مثالًا حيًّا لخير أُمَّة أُخرجت للناس، وتابعيهم بإحسان، الذين اندفعوا إلى مختلف أقطار الأرض علماء، وخلفاء، وقادة أقاموا الدين والدنيا على حدّ سواء.
والدعوة الإسلامية اليوم تقتضي أن يكون خطيب المسجد أول المساهمين في إيقاظ شعور الناس، وتنبيههم إلى ما في نصوص الشريعة، وأحكامها من سُموّ، وإلى ما في الإسلام من أخلاق وحِكَم، وأن الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج متكامل للحياة.
ومن الخطورة بمكان تَصدُّر الجهال، فقد «تقدّم الزمن بالمجتمعات، وليس بمعقول أن يكون خطيب المنبر هو نموذج المُتعلِّم الأُمّي في مجتمع المثقفين المعاصر، فيصير المنبر علامة على التخلُّف العقلي، وأضحوكة تقترن بالرثاء، يضحك عليها الصغار، ويبكي عليها الكبار»[10].

[1] صحيح مسلم: 233.
[2] العقد الفريد: 3/77.
[3] البيان والتبيين: 1/ 198.
[4] العقد الفريد: 3/78.
[5] مختصر تاريخ دمشق ١٤/٣٤.
[6] عيون الأخبار: 2/231.
[7] منهاج الصالحين، عز الدين بلبق، ص873.
[8] إعجاز القرآن: ص 885.
[9] العقد الفريد، مرجع سابق.
[10] من تقديم دكتور: عبد الصبور شاهين لخطب الشيخ، محمد الغزالي ص5، دار الاعتصام.








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #113  
قديم 27-04-2026, 06:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 175,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

الخطابة عند الشيخ علي الطنطاوي - رحمه الله تعالى - (1)

د. وفا علي وفا علي

لقد تبين من سيرة الشيخ علي الطنطاوي ـــ رحمه الله تعالى ــ وما أثر من خطابته أنه ممن وهبوا الاستعداد الفطري والملكة البيانية والقدرة التأثيرية التي نماها بما حفظ من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والتَّتَلْمذ الواعي على علوم الشرع واللغة وعلوم النفس والاجتماع وغير ذلك من مجالات العلم والفكر التي كان لها أبعد الأثر في تكوينه الثقافي والفكري والإلقائي؛ ولا عجب أن يلقب ـــ رحمه الله تعالى ــ بفقيه الأدباء وأديب الفقهاء.

وللطنطاوي ـــ رحمه الله تعالى ــ أكثر من ألف خطبة ألقاها على مدى ثلث قرن تناول فيها شتى الموضوعات لكن لم يتبقَّ منها إلا القليل؛ إذ إنها كانت في أغلبها مرتجلة، ومن هنا يمكن الاعتماد على ما تحت أيدينا منها لعله يكون دليلًا على ما ضاع وكاشفًا لطبيعته.

أولًا: الخطبة الدينية:
وهي التي تعتمد على إثارة العاطفة لتحبب إليها الخير وتنفِّرها من الشر وتوجهها إلى تقوى الله وحبه وخشيته، وموضوعها ديني روحي، وثمرته سعادة الفرد والمجتمع، وتمجيد الله وطاعته وابتغاء الخير منه[1].

ومن خطب الطنطاوي الدينية خطبة بعنوان "دعوة الإسلام" ألقيت على منبر مسجد جامعة دمشق سنة 1951م[2].

وقد تناول الطنطاوي في هذه الخطبة أفكارًا كثيرة يربطها خيط واحد هو طبيعة الإسلام ومزاياه.

فتكلم عن مكانة دعوة الإسلام بين الدعوات الأخرى، وجعل ذلك هدفًا لخطبته فقال: "... إن دعوتنا هي دعوة الكمال، فكلما تردَّد الإنسان بين طريقتين دعونا إلى خير الطريقتين.

إن تردد العقل بين حق وباطل، كانت دعوتنا هي دعوة الحق، وإن تردد الطبع بين فضيلة ورذيلة، كانت دعوتنا هي دعوة الفضيلة، وإن تردد المرء بين لذة وواجب كانت دعوتنا هي دعوة الواجب"[3].

ثم وضح طبيعة هذه الدعوة؛ ليكشف الطريق للسالكين في قوله: "ونحن نعترف أنها دعوة لأصعب الطريقتين، وأشق الأمرين؛ ذلك لأن الانحدار من الهوى سهل، ولكن الصعود إلى المثل الأعلى صعب، والماء ينزل وحده حتى يستقر في قرارة الوادي، ولكنه لا يصعد إلا بالمضخات.

والذي يدعو إلى الإثم يغري الناس بكل لذيذ ممتع، يهواه القلب، ويعشقه الطبع، من لذة النظر، ولذة اللمس، واللذة الأخرى التي ركَّبها الله في كل نفس، فما الذي يغري به الناس داعي الصلاح؟

ليس له ما يغريهم به إلا رضا الله والعمل للآخرة، وترك عاجل محقق، لآجل هو عند ضعاف الإيمان غير محقق؛ لذلك أثنى الله على المؤمنين بالغيب، ووعدهم أعلى المراتب في الجنة؛ ولذلك يجتمع على حرب دعوتنا، أولياء النفس والشيطان، واللاهون العابثون الذين لا يفكرون بشيء، ولا يهتمون لشيء"[4].

ثم بين الغاية السامية من دعوة الإسلام التي تستهدف الانتقال بالإنسان والارتقاء به من حيوانيته إلى ملكيته، ومن عالم الأرض إلى عالم السماء، ومن الدنيا فقط إلى الدنيا والآخرة جميعًا؛ لينعم ويسعد في ظل خالقه وما شرعه من أجله، فقال: "... ورأس دعوتنا أن نوقظ الملك في الإنسان، حتى يكف يده عن الظلم، وجوارحه عن اتباع الشهوة إلا من طريق الحلال، وأن يسأل الإنسان نفسه: لماذا خلقت وإلى أين المسير؟ ويتفكر في خلق السماوات والأرض وفي خلق نفسه وفي غاية الخلق، وفي حقيقة المصير.... ونحن ندعو إلى رفع الأنظار إلى السماء لنتصل بالله....

ونحن ندعو إلى مد البصر إلى الأمام. فننظر إلى بعيد، ونعمل ليومنا واليوم الآخر. ودعوتنا واضحة صريحة، وطريقنا مستقيم بيِّن، لا حجب لدينا ولا أستار، ولا خفايا ولا أسرار"[5].

ويوضح الطنطاوي طبيعة دعاة الإسلام وما يتسمون به من قوة وثبات ناشئين من ثبات الدعوة وقوتها؛ لأنها من صنع الله وليست من صنع بشر يخطئ ويصيب، بقوله: "... ونحن ثابتون على دعوتنا، لا نستطيع أن نساوم فيها، أو ننقص منها؛ لأنها ليست دعوة وضعية نحن وضعناها، فنحن نملك التصرف فيها، بل هي دعوة إلهية، ألقاها ربنا من فوق سبع سماوات على رسول منا، فمن شاء فليتبعها ليكن معنا، ومن شاء فليخالفها، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، إنما نحن دعاة وعلى الله الحساب"[6].

ويستشهد الطنطاوي بالتاريخ الإسلامي الذي يؤكد ثبات دعوة الإسلام التي لا تتزلزل أمام الشدائد ولا تنال منها العوائق، وإنما تتغلب على كل الأخطار وتخرج منها أقوى مما كانت؛ لأنها دعوة محفوظة بحفظ الله تعالى.

فيقـــول: "وهذه الدعوة أقوى من أن يردها شيء؛ لأنها ذكر الله، ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].

وقد لقي الإسلام مصائب شديدة، ورأى أيامًا أشد سوادًا، وقامت في وجهه مصاعب فكرية ومادية، فما وقفت سيره لحظة؛ من مكايد المشركين واليهود، إلى القرامطة، والباطنية، والتَّتَر، والصليبين، إلى الصليبين واليهود اليوم مرة ثانية، والإسلام هو الإسلام....

ولقد كانت فتنة القرامطة مثلًا تملأ الأرض كلها، وتهدد الإسلام، حتى إن أتباعها اقتلعوا الحَجَر الأسود، وذبحوا الحجاج على ظهر الكعبة، حتى سالت دماؤهم من ميزاب الرحمة، وحسب ضعاف الأحلام، أنها نهاية الإسلام، فأين القرامطة اليوم، وأين من يعرف خبرهم؟[7]


وينتقل الطنطاوي من الكلام على مزايا دعوة الإسلام، إلى تصحيح الفهم المغلوط الذي يقيد الإسلام بالعبادة فحسب، ويحجر على رحابته التي تتَّسِع لكل مظاهر الحياة وتضبط حركتها بميزانه القويم.

فيقــــول: ".. إن أول ما ندعو إلى فهمه أن الإسلام ليس دينًا كالأديان، إن الدين عند العلماء الأوربيين، ومن يتكلَّم بلسانهم، ويأخذ عنهم، هو ما يربط الإنسان بالله، ومكانه المسجد أو الكنيسة أو المعبد؛ ولذلك قالوا: إن الدين لله والوطن للجميع، وقالوا بفصل الدين عن السياسة، وفصل الدين عن العلم، وهذا كله حق في دين الإسلام وفي غير الإسلام من الأديان، ولكن ميزة الإسلام أنه ليس دينًا فقط، بل هو دين، وهو تشريع، وهو أخلاق، وهو سياسة، وهو علم.

افتحوا أي كتاب من كتب الفقه، تروا فيه باب العبادات، وهذا وحده الدين في عُرْف الأوربيين، وباب المعاملات، وهذا هو القانون المدني، وباب العقوبات، وهذا هو القانون الجزائي، وباب المناكحات، وهو قانون الأحوال الشخصية، وأحكام الإمارة والبيعة، وهو الدستور أي القانون الأساسي، وباب الجهاد، وهو القانون الدولي.

فالإسلام للفرد: يبين له ما يحل له وما يحرم عليه، وكيف يقوي جسمه ويصلح نفسه، ويكمل أخلاقه.

والإسلام للأسرة يحدد صلات الولد بأبيه، والأخ بأخيه، والزوج بزوجه ماليًّا وأدبيًّا.

والإسلام للسوق: يبين حلال المعاملات من حرامها.

والإسلام للحاكمين والمحكومين، والمسلمين والمحاربين، فلا يخطو المسلم خطوة ولا يعمل عملًا، إلا وللإسلام فيه حكم من الأحكام الخمسة: وهي الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم"[8].

ولما تكلم الطنطاوي عن شمولية الإسلام لكل مناحي الحياة، خشي أن يفهم من قوله أنه يدعو إلى الانغلاق والتقوقع، فرأى أن عليه أن يوضح موقفه الذي يرتضيه الإسلام من الحضارة الغربية التي تخبط الناس فيها كثيرًا بين القبول والرفض.

يقول الطنطاوي: "ونحن لا نكره هذه الحضارة الغربية، ولا نرفضها جملة كما يفعل الجهلة المتعصبون، ولكن لا نقبلها كذلك جملة، كما يفعل القردة المقلدون، بل نحكِّم فيها شرعنا وعقولنا فنأخذ منها ونَدَع.

نأخذ أخذ المبصر المميز، لا أخذ الأعمى الجهول، ولا كمن كان في الظلام فخرج إلى النور فغشيت عيناه، ولا القرد الذي قلد النجار فعلق ذنبه في الشق.."[9].

ويوضح الطنطاوي حاجة الأمة إلى أخذ كل نافع من حضارة الغرب؛ لتعود الأمة إلى ريادتها وتقوم بدورها القيادي كما كانت من قبل.

وذلك بقوله: "بل إنه ليجب علينا وجوبًا أن نأخذ كل نافع من حضارة الغرب ووسائل القوة، وطرائف العلم، وأسباب القوة. وألا نتخلف عن ركب المدنية، فلقد كنا أبدًا في الطليعة، ولولا وقوف الأتراك، الذين كانوا قادتنا يومئذٍ، ما سبقتنا أوربا أبدًا" [10].

ويشيد الطنطاوي بمعجزة الإسلام التي ربطت بين أتباعه برباط لا نظير له، وصنعت منهم أمة واحدة على اختلاف أجناسها وألوانها وألسنتها لا مثيل لها.

فيقــول: "إن من معجزات الإسلام أنه سبق عصره سبقًا طويلًا، فصنع أمة ليس في وحدتها نظير من أمم شتى، مختلفة ألسنتهم وألوانهم تجمعهم كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" والقبلة، البيت الحرام" [11].

وإذا كانت أمة الإسلام لها ما يميزها بين الأمم، فإن لنظامها الإسلامي ما يميزه بين الأنظمة العالمية يوضح ذلك بقوله: "وإذا كانت الشيوعية، وكانت الديمقراطية، تحاول أن تحل مشاكل العالم، فالإسلام يحلها على طريقته وأسلوبه، وهو نظام كامل لا نحتاج معه إلى البحث عن الديمقراطية في الإسلام، والشيوعية في الإسلام، تقربًا إلى أهلها وتزلُّفًا، كما يصنع بعض قُصَّار النظر منا، ولو عقلت أمم الإسلام لكانت كتلة ثالثة ضخمة تطفئ هذه النار التي ينفخ فيها الشيوعيون ليحرقوا بها الحضارة وأهلها، وتعيد إلى الدنيا الأمن والسلام بالإسلام"[12].

ويوضح الطنطاوي علاقة العروبة بالإسلام؛ حتى يبطل الكيد ويسد ذرائع الأعداء الذين يستغلون كل وسيلة لتفريق الصف المسلم وإحياء عصبية الجاهلية لتمزيقه وتفتيت وحدته، وذلك بقوله: "ونحن لا نكره الدعوة إلى العروبة، إنها دعوتنا نحن معشر المسلمين وكل داعٍ للإسلام داعٍ لها، وهذه أمم الأعاجم من الفرس والترك والهند والصين، ما الذي علمهم العربية وحبب إليهم أهلها إلا الإسلام.

وكل دعوة إلى العروبة دعوة إلى الإسلام، إذ ما العربية، وما الإسلام، لولا محمد؟
لــولا محـمد لبقـي العرب أمة بدوية جاهلـية، لم يدر بها التـاريخ ولـم تـحس بـها الحضارة"[13].

ويدعو الطنطاوي الأمة إلى إقامـة شـرع الله مبينًا جماله ونظامه ومزاياه التي تحتم الأخذ به كمنهج للحياة، له من أصالته ومرونته واتِّساعه ما يفي بكل قضية ويستوعب كل جديد، قــال: "ونحن ندعو إلى التشريع الإسلامي، ولكن لا كما يرجف بنا المخالفون، ويشيعون عنا، إننا لا نريد أن نطبق حاشية ابن عابدين مثلًا بكل ما فيها، ولا كتب المـتأخرين، بـل ننظر إلى الأحكام التي ورد عليها النص في الكتاب والسنة أو الحديث الصحيح، فلا نخالفها.

أما الأحكام التي بنيت على عرف واستندت إلى اجتهاد، فإنه لا ينكر في مثلها تغير الأحكام بتغير الأزمان.

ففي الحقوق الأساسية لا يشترط الإسلام شكلًا معينًا للحكومة، ولا طريقًا معينًا لإدارتها، إنما يشترط الانتخاب الصحيح في الحاكم؛ أي: البيعة، والشورى في الحكم، وذلك بعد التقيد بنصوص الدين، وكل حكومة انتخابية سواء كانت جمهورية محددة بمدة، أو ممتدة مدى الحياة، وكانت لا تخالف هذه النصوص، فهي حكومة إسلامية.

أما هذا النظام البرلماني فلا يخالف روح الإسلام، ولكنه لم يثبت على التجربة، ولم ينجح إلا في إنكلتره، وهي معدنه ومنها مخرجه.

وفي الحقوق المدنية نقبل كل قاعدة، وكل حكم لا يخالف النص ويتضمن تحقيق العدالة.

ومن مزايا الإسلام أنه ترك أكثر الأحكام في المعاملات لاجتهاد المجتهدين؛ ليراعي فيها الزمان، والمكان، وأحوال الرعية وأعرافها؛ ولذلك كثرت فيها المذاهب وتعددت الأقوال، حتى صار عندنا ثروة حقوقية لا تعادلها ثروة، لا الحقوق الرومانية، ولا الحقوق الغربية اليوم، وأنا أقول ما أقول عن بينة، وأثبت ما أقول بالأدلة"[14].

ويستنكر الطنطاوي ترك الأمة لهذا التشريع الرباني، وإهمالها لجهود علمائه بقوله: "فلماذا ندع هذا كله، ونشحذ القانون المدني من فرنسا، أو ممن شحذوه من فرنسا، إننا إن لم نأخذ آراء فقهائنا على أنها دين، فلنأخذها على أنها ثروة قومية، ومفخرة وطنية؛ ولأنها مشتقة من طبيعة مجتمعنا؛ ولأنها تعالج مشاكل أمتنا"[15].

ثم يقترح الطنطاوي أن يرجع في التشريع إلى أهله من العلماء وأهل الخبرة؛ حتى تكون القوانين موافقة لشرع الله، لا لأهواء النفوس وانحرافات البشر، وضلالات الجهال.

فيقول: "ونحن ندعو إلى تكوين لجنة من كبار العلماء، ممن لهم بصر واسع في الفقه، ووقوف على الأدلة، وإدراك لمقاصد الشريعة، وبعد عن التعصب الفكري والمذهبي، فيعرض عليها مشروع كل قانون قبل إقراره لبيان حكم الله فيه"[16].

ثم يختم الطنطاوي خطبته بعرض خصائص الدعوة الإسلامية وركائزها المميزة لها في إجمال، فيقول: "إن دعوتنا هي دعوة الإيمان بالله وحده لا شريك له، لا نقيم أصنامًا من حجر ولا أصنامًا من لحم ودم، وأنه هو الذي يُقسم الأرزاق ويقدر الأعمار، فلا نخاف في الحق أحدًا، ولا نطيع في معصية الخالق مخلوقًا، ولا ندع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هي دعوة الصدق والاستقامة فلا يكون المسلم غشَّاشًا ولا كذَّابًا ولا سراقًا، ولا دجَّالًا ولا شحاذًا، ولا بطالًا ولا فظًّا ولا غليظًا، ولا رخوًا ذليلًا.

هي دعوة المحبة والأخوة: المسلم أخو المسلم، لا يؤذيه بيد ولا لسان، ولا يظلمه ولا يدعو عليه. والخلق كلهم عيال الله. فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. وفي (كل كبد حَرَّى أجر) حتى في الإحسان للحيوانات العَجْماوات.

هي دعوة القوة والعزة والجهاد: جهاد النفس، وجهاد العدو، الجهاد باللسان، والجهاد بالمال، والجهاد بالنفس، وأن يعمل المسلم للدنيا كأنه يعيش فيها أبدًا، وأن يعمل للآخرة كأنه يموت غدًا.

وإن المرأة أخت الرجل، لها حقوقها المالية والاجتماعية، ولها طلب العلم، ولها المنزلة والكرامة، على ألا تتكشف التكشُّف المؤدي إلى المعصية، فتبدي أكثر من الوجه والكفَّين في غير ما فتنة منها أو بها. وألا تختلط بالرجال الاختلاط المؤدي إلى الفساد، لا في الجامعة، ولا في السوق، ولا في النزهة، ولا في الدار، وألا تخلو امرأة برجل أصلًا إلا إن كان مَحْرَمًا لها، وألَّا تسافر إلا مع مَحْرَم لها.

وإن من واجبات المسلم محاربة المنكرات، والبدع في الدين، والتمسك بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وإن الإسلام، نشر العدالة الاجتماعية بين الناس، ومنع الظلم، وألَّا يتخذ بعض الناس بعضًا أربابًا من دون الله، وألا يستعبد أحد أحدًا"[17].

ثم يؤكد الطنطاوي على أن حمل الناس على أخلاقيات الإسلام وشرائعه لا ينبغي أن يكون طفرة واحدة؛ حتى لا يحدث ذلك نتيجة عكسية، وإنما يفترض أن يكون ذلك بالتدريج وحسب سُلَّم الأوليات؛ لأن الفساد قد طال أمده، فيحتاج إلى حكمة ووقت في اقتلاعه.

يقول: "ولسنا ندعو إلى الطفرة ولا إلى الثورة، لا خوفًا من أحد، فإن المسلم لا يخاف إلا الله، ولكن اعتقادنا أن الذي يأتي بالطفرة، يذهب بالطفرة، وأن التدرج سنة الله، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلًا..

والفساد ما جاء في يوم واحد، حتى يذهب في يوم واحد، لقد قصر النساء الملاءة أصبعًا أصبعًا، حتى خرجن سافرات، بالأكمام اليابانية، وحتى اختلط في الجامعة الفتيات المسلمات وبنات الصالحين بالشباب الأجانب، فلنرجع إلى الصلاح خطوة خطوة وأصبعًا أصبعًا"[18].

كما يرد الطنطاوي تهم دعاة التكشف والاختلاط بالمنطق والدليل، مؤكدًا على أن التصون والعفاف هو التقدم والارتقاء.

وذلك بقوله: "ولا تلقوا بالًا لمن يقول إنها "رجعية"، فإن هذا التكشف هو الرجعية؛ لأن الناس ولدوا متكشفين، وكانوا كذلك في فجر البشرية، ثم تحضروا فاستتروا، فالذي يدعو إلى التكشف هو الرجعي؛ وكل حمير الدنيا عراه (مباح في عرفهن الحماري) العري والاختلاط، وإنما يمتاز البشر بالتصون والتستر والعفاف"[19].

وينهي الطنطاوي خطبته بعد ذلك باستفهامات استنكارية وتقريرية ينعى فيها على من تنكَّب طريق هذه الدعوة وجهلها، أو عاداها وجحدها، مؤكدًا أن النصر والمستقبل لها؛ لأنها الدعوة الصحيحة الثابتة المؤيدة من الله تعالى.

فيقول: ".. هذه هي الدعائم الكبرى والأركان، وستتم بما يجيء من البيان إشادة البنيان.

فما الذي يعاب على هذه الدعوة؟ ما الذي يدفع أقوامًا إلى السخط عليها أو الخوف منها؟ أليست دعوة الحق؟ أليست دعوة الفضيلة؟ أليست دعوة العزة؟ أليست دعوة الكمال؟

بلى، وإن الظفر لها والمستقبل لأصحابها؛ لأنه لا يصح إلا الصحيح، ولا يبقى إلا الأصلح.

والله معنا ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [الحج: 38][20].

وبهذا العرض الرائع، والفهم الدقيق لدعوة الإسلام، يكون الطنطاوي قد أسدى إلينا بخطبته تلك رسالة موجزة ومركزة، بها تفسير دقيق لمعنى الإسلام وعرض شيق لمزاياه، استحقت بحق أن تبلغ للناس، وتنشر عليهم وتترجم لهم، ليتمسك بها المؤمن، ويرتدع بها السفيه، ويتعلم بها الجاهل.

[1] فن الخطابة، د/ أحمد محمد الحوفي، ص 99، ط الأولى 1996م، دار نهضة مصر.

[2] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص9.

[3] السابق، ص9.

[4] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص9، 10.

[5] السابق 10، 11.

[6] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 11.

[7] فصول إسلامية، ص 12.

[8] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 12.

[9] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 14.

[10] فصول إسلامية، ص 14.

[11] فصول إسلامية، ص 15.

[12] فصول إسلامية، ص 15.

[13] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 16، 17.

[14] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 16، 17.

[15] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 18.

[16] السابق، ص18.

[17] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص19، 20.

[18] فصول إسلامية، ص 20.

[19] فصول إسلامية، علي الطنطاوي، ص 20.

[20] فصول إسلامية، ص21.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #114  
قديم 29-04-2026, 10:57 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 175,536
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد

الخطيب وفقه الطوارئ




الشيخ شريف عبدالعزيز


الخطابة باختصار هي فن الإلقاء والقدرة على توصيل المعلومة وتحقيق الهدف. وكلما كان الخطيب بارعاً في الإلقاء، متمكناً من نواصي الكلام، جامعاً بين البلاغة والفصاحة، كان أجدر وأحق بالتأثير وتحقيق أغراضه الخطابية.

غير أن الأمر ليس بالسهولة التي يعتقدها البعض؛ فالخطابة صورة من صور النشاط البشري القائم على التفاعل بين الأطراف، وذلك في إطار زمني ومكاني محدد، لذا فمن الوارد جداً أن تحدث بعض الأمور الطارئة التي لم تكن في الحسبان، وإذا لم يكن الخطيب على دراية بفقه التعامل مع تلك المواقف، واستعداد دائم لكل ما هو مفاجئ وطارئ، فإن النتيجة غالباً ما تكون سلبية وسيئة وربما وصلت إلى حد ضياع الفريضة بالكلية. لذلك فالخطيب في حاجة ماسة وأكيدة لمعرفة فقه الطوارئ وكيفية مواجهة المواقف المحرجة والطارئة والصعبة.
أولاً: فقه الطوارئ
الطوارئ جمع كلمة طارئ أو طارئة. وهي (اسم/نعت) تعني حدث مفاجئ أو غريب غير متوقع، تُستخدم للإشارة إلى الأمور العارضة، المصائب، أو الحالات الاستثنائية، وتكتب الهمزة فيها على ياء لأن ما قبلها مكسور. وأهم مرادفاتها: عارض، مفاجئ، غير متوقع، داهية، مستجد.
وفقه الطوارئ له معنيان: العام ويقصد به المنظومة الفقهية العامة الشاملة التي تهدف لتحقيق التيسير ورفع الحرج في أوقات النوازل والأزمات العامة كالحروب والأوبئة، بالحفاظ على التوازن بين استخدام الرخص واستمرارية المصالح ودرأ المفاسد دون إلغاء ثوابت الشريعة ونصوصها القطعية.
أما المعنى الخاص هنا فيقصد به قدرة الخطيب على التعامل مع الأمور الطارئة أثناء إلقائه للخطبة، وحسن تخلصه من المواقف المحرجة والصعبة دون المساس بأصل الفريضة والحيلولة دون وقوع أحداث مؤسفة بسبب هذه الطوارئ والمستجدات.
ثانياً: أقسام الطوارئ وكيفية التعامل معها
المواقف الطارئة والمحرجة لا تقع على نمط واحد وقسم واحد يشمل جميع الحوادث، ولكنها تتباين فيما بينها، وتختلف درجتها واتساعها وحدتها حسب كل قسم منها، والخطيب الذي يفقه هذا الفقه الهام يستطيع أن يميز فيما بينها، ويحسن التصرف معها والتخلص منها مهما كانت شدتها وخطرها.
ومن أبرز هذه الأقسام وكيفية التعامل معها:
1-الطوارئ التقنية: مثل انقطاع الكهرباء أو تعطل أجهزة الصوت، أو تعطل المراوح وأجهزة التهوية.
هذا الطارئ يتكرر كثيراً في مساجد القرى والبوادي، وفي المناطق الشعبية أو ذات المستوى الضعيف من الدخل، حيث لا يتاح بسهولة صيانة الأجهزة الكهربائية أو استبدالها بالأحدث، كما هو الحال في مساجد المدن الجامعة، لذلك لابد للخطيب في تلك المساجد من استعداد وتدريب دائم على تعطل أجهزة الصوت أو انقطاع الكهرباء، وذلك بسلوك إحدى طريقين: أما بتقوية صوته والتدريب على الخطابة بدون مكبرات صوت، وهذا يحتاج لرفع الصوت وتقويته واجتناب العوامل التي تؤثر على الصوت مثل المثلجات والسكريات، والتدريب على الإلقاء في الأماكن المفتوحة مثل الحدائق أو شاطئ البحر.
والطريق الثاني: اختصار الخطبة وتلخيص مضمونها في عدة نقاط سريعة دون الاستطراد في الاستدلال، وما لا يدرك جله، لا يترك كله.
2-الطوارئ الصحية: مثل التعب المفاجئ للخطيب.
وهذا الطارئ يقع على قسمين: الأول أن يكون التعب المفاجئ شديداً بحيث لا يستطيع إكمال الخطبة، وهنا لا بد من استخلاف الخطيب بغيره، كاستخلاف الإمام لأحد المأمومين.
والثاني أن يكون التعب خفيفاً لا يمنعه من إكمال خطبته، وهنا يتعين على الخطيب الاستعانة بخطبة بديلة تكون عامة تناسب كل المقامات والأحوال، وفي نفس الوقت قصيرة وتؤدي الغرض، لأن التطويل قد يقود لزيادة التعب أو سوء الإلقاء فلا يستفيد أحد من الكلام.
3-الطوارئ النقاشية: مثل اعتراض أحد الحاضرين على شخص الخطيب أو موضوع الخطبة أو استدلالاته.
وهذا القسم تحديداً هو أصعب الأقسام، ويحتاج إلى الهدوء والصبر والثقة بالنفس وعدم الاندفاع في الرد؛ فالمعترضون على الخطيب ليسوا نسيجاً واحداً، وليست غاياتهم واحدة. فالبعض قد يكون مدفوعاً بأغراض غير نزيهة، كأن يكون اعتراضه من باب الحقد والحسد والمكايدة، أو مدفوعاً بتحريض آخرين ممن يريدن إفشال الخطيب والإطاحة به من منصبه، وقد يكون المعترض جاهلاً لم يفهم كلام الخطيب وربما ظنَّ أن الخطيب يقصده هو بعينه بموضوع الخطبة، وقد يكون المعترض متأثراً بالإعلام الذي وضع صورة نمطية سلبية عن الخطباء والدعاة والوعاظ، أو متأثراً بوشاية وأكاذيب راجت عن الخطيب دون بينة، فراح يؤكدها باعتراضه العلني، وقد يكون المعترض صاحب حاجة أو رسول من خلفه بأمر هام، وأخيراً قد يكون المعترض محقاً والخطيب قد وقع في أمر خاطئ تزداد خطورته إذا كانت يتعلق بالعقيدة، فوجب تصحيحه فوراً.
وقبل بيان الأسلوب الأمثل في مواجهة المعترضين، لا بد من معرفة حكم مقاطعة الخطيب أثناء خطبة الجمعة بالكلام أو الحركة. فالكلام يوم الجمعة والخطيب يخطب على المنبر حرام وفاعل ذلك آثم عاصٍ حتى ولو كان كلامه في ذكر الله في تلك الساعة. فالجمعة سكون وسكوت، ويجب أن يخشع المصلي بقلبه وجوارحه لما تشمله من الوعظ والعلم الذي يحتاج إليه الناس، فلا يجوز الحديث حتى ولو كان انشغاله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو من أوسع الواجبات المأمور بها حتى ولو كان بكلمة (صه) أو كلمة (انصت) والدليل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: " «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت» ".
ولكن إذا عرضت للمصلي حاجة لا يستطيع دفعها كالنعاس أو قضاء الحاجة أو وجع يحتاج فيه إلى حركة وعدم سكون، فليتحول من مكانه ويتحرك في المسجد، والدليل على ذلك حديث: «"إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره "» (رواه أبو داود والترمذي، وزاد البيهقي) و"والإمام يخطب". كما يجوز له أن يصنع ما يباح في الصلاة كإرشاد الأعمى خشية السقوط، أو ما لا بد له من ضرورات الحياة التي قد تؤدي إلى الهلاك أو فوات مصلحة عظيمة كطلب المصلين من الإمام أن يستسقي لهم. فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائم يخطب فاستقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائماً، ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يديه » …"(رواه البخاري ومسلم).
ويجوز للمأموم أن يصحّح للخطيب آية أخطأ فيها ويفتح عليه إذا احتاج وهو على المنبر، وكذلك يجوز الردّ على الخطيب إذا قرّر الشِّرك والبدعة والمنكر أثناء الخطبة ما لم يؤدِّ ذلك إلى حدوث فتنة أو منكر أشدّ في المسجد، فحينئذ يؤجّل الإنكار إلى ما بعد الخطبة فيقوم ويبيّن، وإذا قال الخطيب كلاماً باطلاً لم يجب الإنصات له كما ورد أنّ بعض السّلف كانوا يتكلمون عندما كان الحجاج الظالم يلعن علياً -رضي الله عنه- على المنبر ويقولون: إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا.
وبعد هذا البيان، يكون مواجهة الخطيب على المعترضين عليه باستحضار الإخلاص في الردّ، وترك الانتصار للنفس، واستعمال الصبر وكظم الغيظ، والهدوء والتأني في الردّ، ثم يلزمه للردّ عدة أمور:
يلزمه المتانة العلمية وقوة المحاجة لتفنيد الشبهات ودحض الافتراءات وبيان الحق.
يلزمه القدرة على الارتجال، لمواجهة مواضيع شتى قد يلقيها المعترض عليه دفعة واحدة.
يلزمه قوة الشخصية والثقة التامة بعدالة وشرعية مكانته ودعوته كمبلغ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
يلزمه الاستقامة والخلق القويم، والترفع عن مواضع الشبهات وترك قوادح المروءة، وقد كان أهل العلم يسقطون رتبة ودرجة طالب العلم إذا أكل في الطريق، أو أتى بسفاسف الأمور.
وأخيراً يلزمه قبول الحق إذا كان في جانب المعترض والاعتراف بخطئه، وله في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأسوة والقدوة الحسنى، فقد كانت يخطب أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ -رضوان الله عليهم- وهم سادة الصحابة وأئمتهم، فيراجعهم بعض الحاضرين، فلا يغضبون ولا يعجلون في الردّ، وأحياناً قد تعجبهم المقاطعة والردّ. فقد أخرج الطبراني في الأوسط وأبو يعلى في مسنده، عن أبي قبيل قال: "خطبنا معاوية في يوم جمعة فقال: إنما المال مالنا والفيء فيئنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثانية قال مثل مقالته، فلم يرد عليه أحد، فلما كانت الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن شهد المسجد فقال: كلا، بل المال مالنا والفيء فيئنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه بأسيافنا، فلما صلى أمر بالرجل فأدخل عليه، فأجلسه معه على السرير، ثم أذن للناس فدخلوا عليه، ثم قال: أيها الناس، إني تكلمت في أول جمعة فلم يرد علي أحد، وفي الثانية فلم يرد علي أحد، فلما كانت الثالثة أحياني هذا أحياه الله، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: سيأتي قوم يتكلمون، فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار تقاحم القردة ـ فخشيت أن يجعلني الله منهم، فلما رد هذا علي أحياني، أحياه الله، ورجوت أن لا يجعلني الله منهم".
4-الطوارئ الفوضوية: مثل الشغب الذي قد يحدثه بعض الحاضرين، أو لعب الأطفال أو بكاؤهم، أو وفاة أحد الحاضرين.
وهذا النوع من الطوارئ يحتاج إلى ضبط نفس وعدم تهور وتسرع في الرد. فبالنسبة للشغب الذي يحدثه البعض بالعراك الجانبي بين بعض الحضور، أو بنوبة مرض كالصرع من أحدهم، أو بفوضى يحدثه أحد المجانين الذين يتسللون لحضور الجمع، أو بلعب الأطفال وشغبهم وبكائهم، فيكفي الخطيب أن يأمر عمال المسجد وحفظته بإخراج المتسبب في الشغب من المسجد بهدوء ودون عصيبة حتى لا يتطور الأمر لشجار عام بين المصلين. أما بالنسبة لوفاة أحد الحاضرين، فهنا تبرز موهبة الخطيب وقدرته على استغلال الحدث الجلل في التأثير على الناس وإيقاظ قلوبهم وشحذ هممهم للاستعداد للموت. وهنا يلزم الخطيب الارتجال القوي واستدعاء الآيات والأحاديث التي تتكلم عن حسن الخواتيم وموت الفجأة، ليحقق أفضل استفادة من الحدث المأساوي.
5-الطوارئ الكارثية: مثل حدوث زلزال، أو وقوع حريق، أو تهدم جزء من بنيان المسجد. وهنا يلزم الخطيب إعمال فقه الأولويات مع فقه الطوارئ، بالحفاظ على أرواح المصلين والحاضرين، بسرعة الخروج من المكان، وتأمين الناس من الأخطار، مع الحفاظ على رباطة الجأش لمنع الناس من التدافع والهلع الذي قد يؤدي لمضاعفة الخسائر. فالحفاظ على النفس مقدم على إقامة الفريضة وقتها. وحينما يزول الخطر ويأمن الناس، يستطيع الخطيب إقامة الفريضة وجمع الناس ولو في غير المكان، مع ارتجال خطبة مسبقة عن الأمر وكيفية التعامل معه.
وملخص الكلام في فقه الطوارئ، أنه يلزم الخطيب عدة أمور عامة:
1-الثقة بالنفس وعدم التسرع في الرد، والهدوء وترك التشنج والعصبية.
2-الاستعانة بالله والاخلاص والتجرد وترك الانتصار للنفس.
3-المتانة العلمية وقوة الحجاج للرد على الشبهات والشائعات.
4-قوة الارتجال.
5-إعداد خطبة بديلة مختصرة تكون عامة وتناسب كل الأوقات.
6-التدريب على أمثال هذه الطوارئ، خاصة انقطاع الكهرباء وتعطل أجهزة الصوت، واعتراض البعض.
7-قبول الحق والاعتراف بالخطأ واستيعاب المعترضين بطلاقة الوجه وحسن الاستهلال وجمال الختام.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 115.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 112.89 كيلو بايت... تم توفير 3.09 كيلو بايت...بمعدل (2.67%)]