|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#411
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 331 الى صـــ 350 الحلقة (411) ثالثها: أنها المنفعة في الجنس، قاله الحسن البصري، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته ديناو بثويين قيمتهما دينار، لا بثوب قيمته ديناران. رابعها: أنها تفاوت المنفعة في الجنس، قاله سعيد بن جبير، فيحرم التفاضل في الحنطة بالشعير؛ لتفاوت منافعهما، وكذلك الباقلاء بالحمص، والدخن بالذرة. خامسها: أنها كونه جنسًا تجب فيه الزكاة، قاله ربيعة، فحرم الربا في جنس تجب فيه الزكاة من المواشي والزروع وغيرهما، ونفاه عما لا زكاة فيه. سادسها: أنها الاقتيات والادخار، وهو مذهب مالك، ونفاه عما ليس بقوت كالفواكه، وعما هو قوت لا يدخر كاللحم. سابعها: أنها كونه مكيل جنس أو الوزن مع جنسين، وهو مذهب أبي حنيفة، فحرم الربا في كل مكيل وإن لم يؤكل كالحمص والنورة والأشنان، ونفاه عما لا يُكال ولا يُوزن وإن كان ماكولًا كالسفرجل والرمان. ثامنها: أنَّ العلة الطعم فقط، سواء كان مكيلًا أو موزونًا أم لا، وهو مذهبنا، وإليه ذهب أحمد وابن المنذر. تاسعها: أنها المطعوم الذي يكال أو يوزن، وهو مذهب سعيد بن المسيب، وقول قديم للشافعي. ونفوه عما لا يؤكل ولا يُشرب، أو يؤكل ولا يوزن كالسفرجل والبطيخ. ومحل بسط أدلة المذاهب كتب الخلاف والفروع، واتفقوا على أنَّ من شرط الصرف أنْ يكون ناجزًا، واختلفوا في حده، فقال أبو حنيفة والشافعي: ما لم يفترقا. وقال مالك: إن تأخر القبض في المجلس بطل الصرف وإن لم يفترقا. وهذِه متعلقات به: فإنَّ البخاري فرق أبوابه. الأولى: سيأتي في باب بيع الشعير بالشعير: فتراوضنا. يعني: زدت أنا ونقص هو. وفيه: اصطرف مني (١)، افتعل من الصرف، والأصل اصترف بالتاء، والذهب ربما أنث لغة حجازية، القطعة منه ذهبة، والجمع: أذهاب وذهوب، قاله كله في «المنتهى». وقال الأزهري (٢): لا يجوز تأنيثه إلاَّ أن يجعل جمعًا لذهبة. وعن صاحب «العين»: الذهب: التبر، والقطعة منه ذهبة تُذكر وتؤنث (٣). وعن ابن الأنباري: الذهب أنثى، وربما ذكر. وعن الفراء: وجمعه ذهبان. ثانيها: أسلفنا في باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، الكلام على «هاء وهاء». وقال صاحب «العين»: هو حرف مستعمل في المناولة، تقول: هاء وهاك، وإذا لم تجئ بالكاف مددت، فكانت المدة في هاء خلفًا من كاف المخاطبة (٤). وعن الفراء: أهل نجد يقولون: ها يا رجل، وأهل نجد بنصبها كقول أهل الحجاز، وبعضهم يجعل مكان الهمزة كافًا. وفي «المنتهى»: هاء بالهمز والسكون. وفي «الجامع»: فيه لغات: بألف ساكنة وهمزة ------------- (١) سيأتي برقم (٢١٧٤). (٢) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٢٩٧ (ذهب). (٣) «العين» ٤/ ٤٠ - ٤١. (٤) «العين» ٤/ ١٠٢. مفتوحة، وهو اسم للفعل، ولغة أخرى: ها يا رجل، فتحذف التاء للجزم، ومنهم من يجعله بمنزلة الصوت، فيقول: ها يا رجل. وذكر السيرافي فيها سبع لغات. ثالثها: قوله: (سواء بسواء) (١). قال ابن التين: ضبط في غير أمًّ بالقصر، وهو في اللغة ممدود مفتوح السين: أي المماثلة في المقادير. وقوله هناك في باب بيع الفضة بالفضة: «ولا تشفُّوا بعضها على بعض» (٢). الشف: النقصان والزيادة، شفَّ يشفُّ شفُّا: زاد، وأشف يشف: إذا نقص، والاسم منه الشَّف والشِّف. قال ابن التين: أراد في الحديث: لا تزيدوا بعضها على بعض ولا تنقصوا، وكأن الزيادة أولى إلَّا أنَّه عداه بعلى، و(على) مختصة بالزيادة، و(عن) مختصة بالنقصان، ولا يصح حمله على النقص مع (على) إلا على مذهب من يجيز بدل الحروف بعضها من بعض، فيجعل (على) موضع (عن) وفيه بعد. رابعها: الربا يقع في التبايع إمَّا بالزيادة أو بالنسيئة، فالزيادة لا تكون إلَّا في الجنس الواحد كالذهب بالذهب مثلًا، بخلاف النسيئة فإنها قد تكون فيه وفي الجنسين كالذهب بالورق وعكسه نسيئة، وهذان الأمران حرام عند الشافعي، وبه قال عامة الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقال أبو حنيفة كذلك في النقدين، وقال الذي عداهما: يجوز التفرق قبل القبض، فأجاز فيها النسيئة. -------------- (١) في الرواية الاتية برقم (٢١٧٥). (٢) سيأتي برقم (٢١٧٧). وذهب جماعة من الصحابة إلى أنَّ الربا إنما هو في النسيئة خاصة، فأمَّا في التفاضل فجائز إذا كان يدًا بيدٍ، حكي ذلك عن ابن عباس وزيد بن أرقم وأسامة بن زيد وعبد الله بن الأثير والبراء بن عازب، واختلف عن ابن عباس؛ ففي مسلم أنَّ أبا سعيد قال له: أرأيت هذا الذي تقول أشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، أو شيء وجدته في كتاب الله؟ فقال: لا ولأنتم أعلم برسول الله - ﷺ - مني، ولكن أخبرني أسامة بن زيد أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إنَّ الربا في النسيئة» (١). وسيأتي في البخاري أيضًا (٢). وفي رواية الأثرم عنه أنه قال: ما أنا بأقدمكم صحبة ولا أعلمكم لكتاب الله، ولكني سمعت زيد بن أرقم والبراء بن عازب يقولان: سمعنا رسول الله - ﷺ - يقول: «لا يصلح بيع الذهب والفضة إلَّا يدًا بيدٍ»، فقال أبو سعيد: إنما سمعته يقول: «مثلًا بمثل فمن زاد فهو ربا». وعند الترمذي (٣) وابن المنذر والأثرم: أنه رجع إلى قول الجماعة. قال ابن التين: ورواية ابن عباس عن أسامة إنْ كانت محفوظة، فيحتمل أنْ يكون سمع بعض الحديث فحكى ما سمع، وذلك أن يكون - عليه السلام - سُئل عن الذهب بالفضة، أو الشعير بالتمر فقال: «إنما الربا في النسيئة». ورد الخطابي قول من زعم النسخ؛ لأنَّه لم يكن مشروعًا قط حتى نسخ، وهذا مما غلط فيه كثير من العلماء، يضعون التحريم موضع النسخ ----------- (١) مسلم (١٥٩٦) كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل. (٢) سيأتي برقم (٢١٧٨ - ٢١٧٩) باب: بيع الدينار بالدينار نساء. (٣) الترمذي بعد حديث (١٢٤١) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الصرف. لمن يقول: شرب الخمر منسوخ ولم يكن شربه مشروعًا قط، وإنما كانوا يشربونها على عادتهم المتقدمة قبل الحظر (١). ولابن حزم من طريق حيان بن عبيد الله، عن أبي مجلز: قال عبد الله لأبي سعيد: جزاك الله خيرًا ذكرتني أمرًا قد كنت أنسيته، فأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه بعد ذللك (٢). ورواه الطبري بلفظ: فلقيه أبو سعيد فقال: يا ابن عباس ألا تتقي الله حتى متى تؤكل الناس الربا!؟ ثم ساق الحديث «يدًا بيد، مثلًا بمثل، فما زاد فهو ربا». قال ابن حزم: حيان عن أبي مجلز لا حجة فيه؛ لأنه منقطع لم يسمعه من أبي سعيد ولا من ابن عباس، قال: وقد روي رجوعه، سليمان بن علي الربعي وهو مجهول لا يدرى من هو، عن أبي الجوزاء، وروى عنه أيضًا أبو الصهباء أنه كرهه، وروى عنه طاوس ما يدل على (التوقف) (٣)، وروى عنه الثقة المختص به خلاف هذا، ثم روى بإسناده إلى سعيد بن جبير عنه أنَّه قال: ما كان الربا قط (هاك وهاك) (٤)، وحلف سعيد بن جبير بالله ما رجع عنه عبد الله حتى مات (٥) وفي حديث سعيد عن أبي صالح قال: صحبت ابن عباس حتى مات، فوالله ما رجع عن الصرف. وعن سعيد بن جبير: سألت ابن ---------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٦٨. (٢) «المحلى» ٨/ ٤٧٩. (٣) في الأصل: (الثقة) والصواب المثبت إن شاء الله. (٤) في «المحلى» ٨/ ٤٨٣: في هاء وهات. (٥) «المحلى» ٨/ ٤٨٢ - ٤٨٣. عباس قبل موته بعشرين ليلة عن الصرف، فكان يأمر به ولم ير به بأسًا (١). قال ابن حزم: وفي حديث أبي مجلز عن ابن عباس الذي أسلفناه (وكذلك ما يُكال ويوزن) هذِه اللفظة مدرجة من كلام أبي سعيد ثم أوضحه؛ لأنه لما تم كلام رسول الله - ﷺ - قال أبو مجلز: وكذا ما يُكال، مفصولًا عن الحديث الأول (٢). وروى الأثرم في البيوع عن الحسن البصري: لو لم يرجع عنه لما التفت إليه. فائدة: ذكر محمد بن أسلم قاضي سمرقند في كتاب «الربا»: أنَّ من الاحتيال الذي الربا إذا قال: اشتر هذا حتى أشتريه منك، وأسند عن ابن عمر كراهته، وعن إبراهيم أيضًا. وسماه الحسن: المواضعة وكرهه، وكذا طاوس. قال محمد بن أسلم: ولقد كره الحسن وابن سيرين أنْ يشتري الرجل التجارة ويحملها إلى منزله، فيضعها في بيته يبتغي بها من يشتريها بالنسيئة. ------------ (١) بمعناه رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ١١٨ (١٤٥٤٩) وفيه: بستة وثلاثين ليلة. (٢) «المحلى» ٨/ ٤٨٣. ٥٦ - باب مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يُئْوِيَهُ إِلَى رَحْلِهِ، وَالأَدَبِ فِي ذَلِكَ ٢١٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺيَبْتَاعُونَ جِزَافًا -يَعْنِي: الطَّعَامَ- يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٥٠] ذكر فيه حديث ابن عمر: رَأَيْتُ النَّاسَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَبْتَاعُونَ جِزَافًا -يَعْنِي: الطَّعَامَ- يُضْرَبُونَ أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِمْ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ. هذا الحديث سلف في باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، مع الكلام عليه (١). ------------ (١) سلف برقم (٢١٣٣). ٥٧ - باب إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أَوْ دَابَّةً فَوَضَعَهُ عِنْدَ البَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنَ المُبْتَاعِ. ٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المَغْرَاءِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ. يَعْنِي: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ. قَالَ: «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ؟». قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «الصُّحْبَةَ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ». [انظر: ٤٧٦ - فتح: ٤/ ٣٥١]. ثم ساق حديث عائشة: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى رسول الله - ﷺ - إِلَّا يَأتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ .. الحديث. وفي آخره إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ». وشيخ البخاري فيه فروة بن أبي المغراء، معدي كرب الكوفي، وروى الترمذي عن رجل عنه مات سنة خمس وعشرين ومائتين (١). ------------ (١) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٢٣/ ١٧٨ (٤٧٢١). وأثر ابن عمر سلف (١)، وصححه ابن حزم (٢)، ولا مخالف كما قال ابن المنذر، فهو كالإجماع. وحديث عائشة سلف في الصلاة مطولًا (٣). وقد اختلف العلماء في هلاك المبيع قبل أنْ يقبض، فذهب أبو حنيفة والشافعي أنَّه من ضمان البائع. وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور: من ضمان المشتري. وفرَّق مالك بين الثياب والحيوان، فقال: ما كان من الثياب والطعام، وما يغاب عليه فهو من ضمان البائع. قال ابن القاسم: لأنَّه لا يعرف هلاكه ولا بينة عليه، ويتهم أن يكون ندم فيه فغيبه، وأمَّا الدواب والحيوان والعقار فمن المشتري. وبالأول قال سعيد بن المسيب وربيعة والليث فيمن باع عبدًا واحتبسه بالثمن وهلك في يده قبل أنْ يأتي المشتري بالثمن، وأخذ به ابن وهب، وكان مالك قد أخذ به أيضًا. ----------- (١) عني المصنف -رحمه الله- بقوله: سلف، أنه سلف ذكره وقد سلف ذكر هذا الأثر في شرح حديثي (٢١١٥ - ٢١١٦) باب: إذا اشترى شيئًا فوهب … ولم يعن أنه سلف في «صحيح البخاري» فلينتبه لذلك. وأقول: الأثر وصله الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٦، والدارقطني ٣/ ٥٣ - ٥٤، والحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣ من طريق الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه عبد الله بن عمر، به. (٢) «المحلى» ٨/ ٣٨٣. وقال في ٨/ ٣٦٤ - ٣٦٥: قول ابن عمر الثابت عنه، وذكره. وقال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٤٣: موقوف صحيح الإسناد. وصححه أيضًا العلامة الألباني في «الإرواء» (١٣٢٥). (٣) سلف برقم (٤٧٦) باب: المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس. وقال سليمان بن يسار: هو من المشتري، سواء حبسه البائع ومنعه من الثمن أم لا. ورجع إليه مالك. احتج الأولون بفساد بيع الصرف قبل القبض، فدل أنه من ضمان البائع، ولا خلاف أنَّ من اشترى طعامًا مكايلة فهلك قبل القبض في يد البائع أنه من البائع، فكذا ما سواه قياسًا، والشارع قد نهى عن بيع ما لم يقبض؛ لأنه لم يضمن. وفرَّق غيرهم بين الصرف وبين ما نحن فيه بانتفاء حق التوفية هنا. قيل: وإنما نهى عن بيع ما لم يقبض إذا لم يضمن بدليل إتلاف المشتري، فإنه قبض. ووجه استدلال البخاري بحديث عائشة هنا أنَّ قوله - عليه السلام -: «قد أخذتها» في الناقة لم يكن أخذًا باليد، ولا بحيازة شخصها، وإنما كان التزامه؛ لأنه باعها بالثمن وإخراجها من ملك أبي بكر؛ لأنَّ قوله: «قد أخذتها» يوجب أخذًا صحيحًا وإخراجًا للناقة من ذمة الصديق إليه بالثمن الذي يكون عوضًا عنها، فهل يكون الضياع أو التصرف بالبيع قبل القبض إلَّا لصاحب الذمة الضامنة لها؟ وفيه من الفقه: إخفاء السر في أمر الله -عز وجل- إذا خشي من أهل العصر. وفيه: أنَّ الصديق أوثق الناس عند رسول الله - ﷺ -، وأنه من أمنِّ الناس عليه في صحبته وماله؛ لأنه لم يرغب بنفسه عنه في حضر ولا سفر ولا استأثر بماله دونه. ألا ترى أنه أعطاه إحدى ناقتيه بلا ثمن فأبى إلَّا به، وسره حتى تكون الهجرة خالصة لله. وفي استعداد الصديق الناقتين دلالة على أنه أفهم الناس لأمر الدين، لأنه أعدهما قبل أن ينزل الإذن بالهجرة، لأنه قبل ذلك رجا أنه لا بد أن يؤذن له، كما أخرجه البيهقي في «دلائله» (١) وغيره- فأعدَّ ذلك. وفيه: أنَّ الافتراق الذي يتم به البيع في قوله: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» (٢) إنما يكون بالكلام عند من يراه لا بالأبدان، لقوله - عليه السلام - لأبي بكر: «قد أخذتها بالثمن» قبل أن يفترقا، وتم البيع بينهما، وسيأتي بعض معانيه في باب: التقنع، من اللباس إنْ شاء الله (٣). وبهذا الحديث أخذ مالك وأحمد وأبو حنيفة أنَّ بيع العين الغائبة على الصفة جائز، ومنعه الشافعي في أظهر قوليه، وجائز عند مالك أنْ يبيع على أن المشتري بالخيار إذا رأى، وأنكره البغداديون من أصحابه. قال ابن التين: اختلف قول مالك في ضمان ما اشتري على الصفة وهو غائب، فقال مرة: هو من البائع، وبه أخذ ابن القاسم. وقال مرة: من المشتري، وبه أخذ أشهب. وعند أبي حنيفة أنَّ البيع جائز، وإن لم يشترط المشتري الخيار، ويجب له الخيار حكمًا، ويستدل بهذا الحديث، وأنه - عليه السلام - أخذها بالثمن، ولم يذكر شرط خيار رؤية، ودليل البغداديين: أنه عقد عَري عن الصفة فكان فاسدًا كالسلم إذا عري عنها. وفي «تاريخ دمشق» وغيره: أنَّ الصديق لمَّا قدَّم الناقة إلى رسول الله - ﷺ - ليركبها، قال: «لا أركب ناقة ليست لي» قال: هي لك، قال: «بالثمن» (٤). ----------- (١) «دلائل النبوة» ٢/ ٤٧١ - ٤٧٥. (٢) سلف برقم (٢٠٧٩) باب: إذا بين البيعان ولم يكتما ونصحا. (٣) انظر شرح الحديث الآتي برقم (٥٨٠٧) كتاب: اللباس، باب: التقنع. (٤) «تاريخ دمشق» ٣٠/ ٧٧ - ٧٨. فيستدل أنَّه رآها عند العقد، لا كما استدل به من صحة بيع الغائب عند الوصف. وقوله: (أعددتهما للخروج)، كذا هو بخط الدمياطي، وفي «الحاشية»: عددتهما، وادعى ابن التين: أنه وقع في البخاري عددتهما، ثم قال: وصوابه: أعددتهما، لأنه رباعي وأمَّا عددت، فمن العدد، وليس هذا موضعه. وقوله: (لم يرعنا): أي: لم يفزعنا. وقوله: «أخرج من عندك» كذا هو بلفظ «من» وادعى ابن التين أنَّه وقع بلفظ «ما» ثم قال: وصوابه «من» ولا حاجة إلى ذلك. ٥٨ - باب لَا يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ ٢١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ». [٢١٦٥، ٥١٤٢ - مسلم: ١٤١٢ - فتح: ٤/ ٣٥٢] ٢١٤٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا. [٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١ - مسلم: ١٤١٣، ١٥١٥، ١٥٢٠ - مسلم: ٤/ ٣٥٣] وذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ». وحديث أبي هريرة: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرُّجُلُ عَلَى بَيْع أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ المَرْأَة طَلَاقَ أخْتِهَا لَتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا. هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١). وحديث ابن عمر يأتي أيضًا في باب: النهي عن تلقي الركبان (٢). وفيه: النهي عن بيع بعض على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله، أو يأذن له الخاطب. --------- (١) رواهما مسلم (١٤١٢، ١٤١٣) كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه. (٢) سيأتي قريبًا برقم (٢١٦٥). قال صاحب «المطالع»: يأتي كثير من الأحاديث على لفظ الخبر، وقد يأتي بلفظ النهي، وكلاهما صحيح. وقال ابن الأثير: كثير من روايات الحديث «لا يبيع» بإثبات الياء، والفعل غير مجزوم، وذلك لحن وإنْ صحت الرواية فتكون لا نافية، وقد أعطاها معنى النهي، لأنه إذا نفي أنْ يوجد هذا البيع، فكأنه قد استمر عدمه، والمراد من النهي عن الفعل: إنما هو طلب إعدامه أو استبقاء عدمه، فكان النفي الوارد من الواجب عندهم يفيد ما يراد من النهي (١)، ولما قرر ابن حزم حرمة ذلك -أعني: البيع على البيع، والسوم على السوم، وأنَّ الذمي كالمسلم فيه، وأنَّه إنْ فعل فالبيع مفسوخ- قال: هذا خبر معناه الأمر، لأنه لو كان معناه الخبر لكان خلفًا لوجود خلافه، والخلاف مقطوع ببعده عن الشارع (٢). وقال النووي: في جميع النسخ: «ولا يسوم» بالواو يعني في مسلم، وكذا «لا يخطب» مرفوع وكلاهما لفظه لفظ الخبر، والمراد به النهي، وهو أبلغ في النهي، لأنَّ خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، والنهي قد يقع خلافه، فكان المعنى عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتمم (٣). فإن قلت: ترجم على السوم، ولم يذكره. قلت: كأن البيع هنا السوم، وبه صرح مالك في «الموطأ» (٤). وقال أبو عبيد: قال أبو عبيدة وأبو زيد وغيرهما: البيع هنا الشراء والنهي وقع عليه لا على البائع؛ لأنَّ العرب تقول: بعت الشيء بمعنى ----------- (١) «شرح مسند الشافعي» ٤/ ٦٠ - ٦١. (٢) «المحلى» ٨/ ٤٤٧ - ٤٤٨ بتصرف. (٣) «مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٩٢. (٤) «الموطأ» ص ٤٢٤ - ٤٢٥. اشتريته. قال أبو عبيد: وليس للحديث عندي وجه غيره، كما أنَّ الخاطب هو الطالب (١). فإنْ قلت: ترجم حتى يأذن له أو يترك، ولم يذكره. قلت: ذكره في الباب المذكور في الخطبة على الخطبة، فكأنه أشار إليه من باب لا فارق. وحقيقة البيع على البيع: أنْ يأمر المشتري بالفسخ، ليبيعه مثله في مجلس خيار المجلس والشرط، والمعنى في تحريمه، أنَّه يوغر الصدور، ويورث الشحناء، ولهذا لو أذن له في ذلك ارتفع التحريم على الأصح. وفي معناه: الشراء على الشراء قبل لزومه بأن يأمر البائع بالفسخ ليشتريه، وسيأتي في البخاري في الشروط، بلفظ: «لا يزيدن على بيع أخيه» (٢)، وأخرجه مسلم بلفظ «لا يزيد الرجل على بيع أخيه» (٣)، وأما السوم على سوم غيره، فهو أن يأتي الرجل قد أنعم لغيره في بيع سلعته بثمن، فيزيده ليبيع منه، أو يأتي إلى المشتري فيعرض عليه مثلها أو أجود منها بانقص من ذلك. وفي كلام الشيخ أبي حامد أن هذا سوم، والأول استيام، والمعنى في حرمته ما فيه من الإيذاء والقطيعة والعداوة، وسواء كان ذلك الغير مسلمًا أو كافرًا (٤). ------------ (١) «غريب الحديث» ١/ ٢١٠. (٢) سيأتي برقم (٢٧٢٣) باب: ما لا يجوز في الشروط في النكاح. (٣) مسلم (١٤١٣) كتاب النكاح، باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك. (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: وبه صرح ابن حزم الظاهري. وفي الكافر وجه لابن حربويه (١)، وهو قول الأوزاعي. قال ابن التين: وأجمع العلماء أن حكم الذمي كالمسلم في ذلك إلا الأوزاعي فإنه أجازه. قلت: والظاهر جريانه في البيع على بيعه أيضًا. ولفظ (الأخ) في الحديث خرج مخرج الغالب. وقام الإجماع على كراهة سوم الذمي على مثله، نقله ابن بطال (٢)، والشافعي في «رسالته» توقف في صحة هذا النهي (٣)، فقال البيهقي عقبه: هو ثابت من أوجه، وإنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن، وأما ما يطاف به فيمن يزيد فطلبه طالب فلغيره الزيادة (٤)؛ لأنه - عليه السلام - باع قدحًا وحلسًا فيمن يزيد، رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أنس، وحسنه الترمذي (٥). ------------ (١) هو القاضي العلامة، المحدث المثبت، قاضي القضاة، أبو عبيد، علي بن الحسين بن حرب بن عيسى البغدادي، قال ابن زولاق: كان عالمًا بالاختلاف والمعاني والقياس عارفًا بعلم القرآن والحديث فصيحًا عاقلًا عفيفًا، قوالًا بالحق سمحًا متعصبًا. قال الخطيب: توفي ابن حربويه في صفر سنة تسع عشرة وثلاثمائة. انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٣٩٥، «المنتظم» ٦/ ٢٣٨، «تاريخ الإسلام» ٢٣/ ٥٨٦ (٤٢٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٥٣٦ (٣٠٩)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٨١. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٦٨. (٣) «الرساله» ص ٣١٢. (٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٣٤٥. (٥) أبو داود (١٦٤١)، الترمذي (١٢١٨)، النسائي ٧/ ٢٥٩، ابن ماجه (٢١٩٨) من طريق الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك. وهو حديث ضعفه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٥٧ - ٥٨ (٢٢٩٧)، والحافظ الذهبي في «الميزان» ١/ ١٦٨، والألباني في «الإرواء» (٨٦٧، ١٢٨٩)، وفي «ضعيف أبي داود» (٢٩١). وانظر: «البدر المنير» ٦/ ٥١٤ - ٥١٦. فرع: إنما يحرم أيضًا إذا حصل التراضي صريحًا، فإن لم يصرح ولكن جرى ما يدل على التراضي كأشاور عليك، وكذا إذا سكت، فالأصح لا تحريم، وقال بعض المالكية: لا يحرم حتى يرضوا بالزوج ويسمى المهر، واستدل بقول فاطمة بنت قيس: خطبني أبو جهم، ومعاوية، فلم ينكر الشارع ذلك، بل خطبها لأسامة (١). وقد يُقال: لعل الثاني لم يعلم بخطبة الأول، وأما الشارع فأشار بأسامة؛ لا أنه خطب ولم يعلم بأنها رضيت بواحد منهما ولو أخبرته لم يشر عليها. وقال القرطبي: اختلف أصحابنا في التراكن فقيل: هو مجرد الرضا بالزوج والميل إليه، وقيل: تسمية الصداق. قال: وهذا عند أصحابنا محمول على ما إذا كانا شكلين (٢). وزعم الطبري أن النهي هنا منسوخ بخطبته - عليه السلام - فاطمة لأسامة (٣). ثم أعلم أنه قام الإجماع على تحريم ما أسلفناه كما تقرر، فلو خالف وعقد فهو عاصٍ، وينعقد البيع عندنا وعند أبي حنيفة وآخرين. وقال داود: لا ينعقد، وبه صرح ابن حزم منهم كما سلف، وعن مالك روايتان كالمذهبين. وقال جماعة من أصحابه: يفسخ قبل الدخول لا بعده، وجمهورهم على إباحة البيع والشراء فيمن يزيد، وبه قال الشافعي كما سلف، وكرهه بعض السلف. فصل: وأما بيع الحاضر للبادي فهو أن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول البلدي له: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى. ----------- (١) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤٧) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا. (٢) «المفهم» ٤/ ١٥٨. (٣) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٤٧) وقد تقدم. وفي مسلم من حديث جابر: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (١)، والمعنى فيه، التضييق على الناس، وأهل الحاضرة أفضل: لإقامتهم الجماعات وعلمهم. واختلف في أهل القرى هل هم مرادون بهذا الحديث؟ فقال مالك: إن كانوا يعرفون الأثمان فلا بأس به، وإن كانوا يشبهون البادية فلا يباع ولا يشار عليهم. واختلف هل يبيع مدني لمصري أو عكسه، فمنعه مالك واستخفه في «العتبية». واختلف إذا أنفذ البادي متاعه هل يبيعه الحضري؟ منعه ابن القاسم، وابن حبيب، وأجازه الأبهري. واختلف هل يشتري له؟ فأجازه في كتاب محمد و«العتبية» مالك، ومنعه ابن حبيب. فرع: لو وقع البيع، فقال ابن القاسم: يفسخ حضر البدوي أو بعث بالسلعة، ورواه ابن حبيب لمالك، وقاله أصبغ، في بيع المصري للمدني. وقال ابن عبد الحكم: لا يفسخ. ورواه سحنون عن ابن القاسم، وهو قول الشافعي محتجًّا بحديث: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» ولم يقع الفساد في ثمن ولا مثمن ولا في عقد البيع، فلا فسخ. فرع: فإن فعل وباع فهل يؤدب؟ قال ابن القاسم: نعم إن اعتاده. وقال ابن وهب: يزجر عالمًا كان أو جاهلًا، ولا يُؤدب. فصل: والنجش: هو أن يزيد في الثمن لا لرغبة بل ليخدع غيره. ----------- (١) مسلم (١٥٢٢) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي. و(تناجشوا): تفاعلوا من النجش، وأصله الختل، يقال: نجش الرجل إذا اختال وخدع، وأنكر ذلك على قائله، وإنما هو الإثارة والإطراء. والأصح عندنا أنه لا خيار خلافًا لمالك وابن حبيب، ووفاقًا لأبي حنيفة. وعن مالك: له الخيار إذا علم، وهو عيب من العيوب كما في المصراة. وقال ابن حبيب: لا خيار إذا لم يكن للبائع مواطأة. وقال أهل الظاهر: البيع باطل مردود على بائعه إذا ثبت ذلك عليه. وكأن البخاري بوب على قولهم كما سيأتي (١). وادعى ابن بطال أن قول مالك أعدلها وأولاها بالصواب (٢). فرع: قال ابن القاسم في السائم والخاطب: لا يفسخ ويؤدب. وقال غيره: يفسخ. فصل: الخطبة على خطبة من صرح بإجابته حرام إلا بإذنه كما سلف، فإن لم يُجَبْ ولم يُرَدْ لا يحرم. وعند المالكية: إذا تراكنا أو سميا صداقًا أو اتفقا ولم يبق إلا العقد أقوال عندهم، وسيأتي إيضاحه في موضعه. فصل: قوله: «لتكفأ ما في إنائها» هذا مثل قوله: «ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها» إرادة ضررها فتصير بمنزلة من كفأ إناءها، أي: قلبه على وجهه. وقيل: هو أن يخطب الرجل المرأة وله امرأة فتشترط عليه طلاق ---------- (١) بوب البخاري باب: النجش ومن قال: لا يجوز ذلك البيع. ويأتي بعد باب. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٧١. الأولى لتنفرد به. وتكفأ بفتح التاء والفاء كذا في رواية أبي الحسن. قال ابن التين: وهو ما سمعناه، ووقع في بعض رواياته كسر الفاء، وثالثة بضم التاء. وذكر الهروي الحديث وقال: لتكتفيء: تفتعل من كفأت (القدر) (١) إذا كببته لتفرغ ما فيها (٢)، وهذا مثل إمالة الضرة حق صاحبتها من زوجها إلى نفسها. وقال الكسائي: كفئت الإناء: كببته، وكفأته وأكفأته: أملته، ومنه الحديث: كان إذا مشى تكفأ تكفؤًا (٣). أي: تمايل إلى قدام كما تتكفأ السفينة في جريها. قال: والأصل فيه الهمزة تركت. ---------- (١) ساقطة من الأصل. (٢) «غريب الحديث» ١/ ٣٩٣. (٣) بهذا اللفظ رواه الترمذي (٣٦٣٧)، وأحمد ١/ ٩٦ و١٢٧، والترمذي في «الشمائل المحمدية» (٥)، والحاكم ٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦ من طريق عثمان بن مسلم بن هرمز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي - رضي الله عنه - قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - بالطويل ولا بالقصير … إذا مشى تكفأ تكفؤًا كأنما انحط من صبب لم أر قبله ولا بعده مثله. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذِه الألفاظ. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٧٤٦): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «مختصر الشمائل» (٤). والحديث رواه مسلم (٢٣٣٠/ ٨٢) عن أنس بلفظ: إذا مشى تكفأ. ![]()
__________________
|
|
#412
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 351 الى صـــ 370 الحلقة (412) ٥٩ - باب بَيْعِ المُزَايَدَةِ وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا بِبَيْعِ المَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ. ٢١٤١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الحُسَيْنُ المُكْتِبُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بِكَذَا وَكَذَا، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. [٢٢٣٠، ٢٢٣١، ٢٤٠٣، ٢٤١٥، ٢٥٣٤، ٦٧١٦، ٦٩٤٧، ٧١٨٦ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٤/ ٣٥٤] ثم ذكر حديث جابر في بيع المدبر، وهو حديث أخرجه مسلم أيضًا (١). وشيخ البخاري فيه بشر بن محمد المروزي (٢) انفرد به عن الخمسة، مات سنة أربع وعشرين ومائتين. والحسين المكتب هو ابن ذكوان العوذي، مات سنة خمس وأربعين ومائة. وأثر عطاء روى ابن أبي شيبة بعضه عن وكيع، عن سفيان، عمن سمع مجاهدًا وعطاء قالا: لا بأس ببيع من يزيد (٣). وعند البيهقي من حديث زيد بن أسلم: سمعت رجلًا تاجرًا -يقال له: شهر- يسأل عبد الله بن عمر عن بيع المزايدة، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع أحدكم على بيع أخيه حتى يذر، إلا المغانم والمواريث (٤). --------- (١) مسلم (٩٩٧) كتاب: الزكاة، باب: الابتداء في النفقة بالنفس .. (٢) ورد بهامش الأصل: وثقة ابن حبان وقال: كان مرجئًا. (٣) «المصنف» ٦/ ٤٦٩ (٣٢٩٦١). (٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٣٤٤. قال أحمد- فيما حكاه الخلال عنه: هذا حديث منكر (١). وروى ابن أبي شيبة عن عمر أنه باع إبلًا من إبل الصدقة فيمن يزيد. وعن حماد: لا بأس ببيع من يزيد (٢). والمعُتِقُ في حديث جابر رجل من بني عذرة كما ثبت في مسلم (٣). وفي رواية: يقال له أبو مذكور، وجاء أنه من الأنصار (٤). ويحتمل أن يكون عذريًا حليف الأنصار، والمعتَق: يعقوب (٥)، والمشتري: نعيم، كما صرح به في الحديث، وهو ابن عبد الله النحام، أسلم قديمًا. والنحمة: السعلة. والثمن: ثمانمائة درهم كما ذكره البخاري في موضع آخر (٦) ومسلم أيضًا (٧)، وفي أبي داود بسبعمائة أو تسعمائة (٨)، وفي النسائي: وكان محتاجًا وعليه دين فلما باعه قال: «اقض دينك» (٩). وموضع الترجمة: «من يشتريه مني»؟، وفي النسائي تكراره (١٠)، وقد سلف حكم ذلك في الباب قبله. ------------- (١) لم أقف عليه. (٢) «المصنف» ٦/ ٤٦٩ (٣٢٩٥٦ - ٣٢٩٥٧). (٣) مسلم (٩٩٧). (٤) السابق. (٥) جاء مُسَمًّى هكذا عند أبي داود (٣٩٥٧)، والنسائي في «المجتبى» ٧/ ٣٠٤، وفي «الكبرى» ٤/ ٥٠ (٦٢٤٩)، وأحمد ٣/ ٣٠٥ و٣٦٩، والبيهقي ١٠/ ٣٠٨ - ٣٠٩. (٦) سيأتي برقم (٦٧١٦) كتاب: كفارات الأيمان، باب: عتق المدبر وأم الولد. (٧) مسلم (٩٩٧). (٨) أبو داود (٣٩٥٥). (٩) النسائي ٨/ ٢٤٦. (١٠) «الكبرى» ٣/ ١٩٢ (٥٠٠٦) و٤/ ٥٠ (٦٢٤٩). وقد اختلف العلماء في بيع المزايدة، فأجازها الأربعة وأكثر العلماء في المغانم وغيرها. وكان الأوزاعي يكره المزايدة إلا في الغنائم والمواريث، ولعل عمدته ما سلف، لكنه منكر، وهو قول إسحاق، وروي عن أبي أيوب وعقبة بن عامر كراهية الزيادة، وعن إبراهيم النخعي أنه كره بيع من يزيد. قال مالك: لو ترك الناس السوم عند أول من يسوم بها أخذت بشبهة الباطل من الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه، ولم يزل الأمر عندنا على ذلك، وحديث الباب حجة على من كرهه؛ لأنه قد قال: «من يشتريه مني»؟ فعرضه للزيادة، وأحب أن يستقصي فيه للمفلس الذي باعه عليه. وهذا الحديث يفسر نهيه أن يسوم الرجل على سوم أخيه أو يبيع على بيع أخيه أنه أراد بذلك إذا تقاربا من تمام البيع كما قال جمهور الفقهاء. وعلى هذا المعنى حمل العلماء ما روي عن أبي أيوب وعقبة أن ذلك بعدما رضي البائع ببيعه الأول. وفي «المستخرجة» لابن القاسم: إذا وقع على رجلين يكونان شريكين. قال عيسى: لا يعجبني ذلك من قوله، وهو الأول. قال: ولا ينبغي للصالح أن يقبل من أحد مثل الذي أعطاه غيره، وإنما يقبل الزيادة وبها ينادي. واعلم أن البخاري ترجم على الحديث أيضًا: باب من باع مال المفلس أو المعدم فقسمه بين الغرماء أو أعطاه حتى ينفق على نفسه (١). واعترض ابن التين على ترجمته هنا فقال: ليس فيه بيان لما بوب عليه من بيع المزايدة؛ لأنه إنما قال: «من يشتريه مني»؟ وكذا قال ------------- (١) سيأتي برقم (٢٤٠٣) كتاب في الاستقراض. الإسماعيلي: ليس فيه ما ترجم له، فإن المزايدة أن يعطي آخرُ أكثر مما أعطى الأول. قلت: وأثر عطاء مطابق لها، وقال عبد الملك: لم يخلص للبخاري السبب الموجب لبيعه في ديوانه كله على تكريره له، ولا يباع المدبر لدين بعده في حياة سيده، ويباع بعد موته فيقضي ديون سيده ويعتق ثلث ما بقي منه. وقد روي بإسناد فيه نظر أنه كان عليه دين (١). وهذا يعضده تبويب البخاري. وقالت فرقة: لسيده بيعه كسائر الوصايا، وقال بعض العلماء: لا يجوز لأحد أن يختلع من جميع ماله لهذا الحديث؛ ولقوله - عليه السلام - لكعب: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك» (٢) ولنهيه سعدًا أن يجاوز الوصية في الثلث (٣). ومن تراجمه عليه أيضًا: باب بيع المدبر (٤). ------------- (١) رواه النسائي ٨/ ٢٤٦، وفي «الكبرى» ٣/ ١٩٢ (٥٠٠٤). رواه أحمد ٣/ ٣٩٠: حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء عن جابر أن رجلًا دبر عبدًا له وعليه دين، فباعه النبي - ﷺ - في دين مولاه. والإسناد فيه نظر؛ لأن فيه شريكًا وهو ابن عبد الله النخعي سيِّئ الحفظ. انظر: «التقريب» (٢٧٨٧). لذا قال الثلاثة المعلقون على «المسند» ط. الرسالة: حديث صحيح دون قوله: وعليه دين … إلخ، وهذا إسناد ضعيف، … قلت: قد تابع شريكًا الأعمش، فيما رواه النسائي ٨/ ٢٤٦، وفي «الكبرى» ٣/ ١٩٢ (٥٠٠٤) على قوله: وكان عليه دين. (٢) سيأتي برقم (٢٧٥٧) كتاب: الوصايا، باب: إذا تصدق أو أوقف بعض ماله. (٣) سلف برقم (١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: رثى النبي سعد بن خولة. (٤) انظر ما سيأتي برقمي (٢٢٣٠ - ٢٢٣١). وقد اختلف العلماء فيه كما حكيته لك، والمنع هو قول مالك وأبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة. قال أبو حنيفة: إن مات سيده ولم يخرج من الثلث سعى في فكاك رقبته، وإن مات سيده وعليه دين فبيع للغرماء سعى لهم وخرج حرًّا. وأجازه الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور وإسحاق، وهو قول عائشة ومجاهد والحسن وطاوس، وباعت عائشة مدبرة لها سحرتها (١). وكرهه ابن عمر وزيد بن ثابت ومحمد بن سيرين وابن المسيب والزهري والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى والليث (٢)، وحكى ابن أبي شيبة المنع عن شريح وزيد بن ثابت وسالم والحسن (٣). وجوَّز أحمد بيعه بشرط أن يكون على السيد دين. وعند مالك: يجوز بيعه عند الموت، ولا يجوز في الحياة، حكاه ابن ------------ (١) حديث رواه الأئمة: مالك في «الموطأ» ٢/ ٤٢٢ - ٤٢٣ (٢٧٨٢)، والشافعي في «المسند» ٢/ ٦٧ (٢٢١)، وأحمد ٦/ ٤٠، والبخاري في «الأدب المفرد» (١٦٢)، والدارقطني (٤/ ١٤٠، والحاكم ٤/ ٢١٩ - ٢٢٠، وابن حزم في «المحلى» ١١/ ٣٩٥، والبيهقي ٨/ ١٣٨ و١٠/ ٣١٣، والبغوي في «شرح السنة» ١٢/ ١٨٨ - ١٨٩ (٣٢٦١) من طريق أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. ووقع عند أحمد: عن ابن أخي عمرة -ولا أدري هذا أو غيره- عن عمرة. هكذا على الشك. وصححه أيضًا الأئمة: الحاكم فقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. والمصنف في «البدر المنير» ٨/ ٥٢٠. والحافظ في «التلخيص» ٤/ ٤١ فقال: إسناده صحيح. والألباني في «الإرواء» (١٧٥٧). وفي تعليقه على «الأدب المفرد» (١٦٢) فقال: صحيح الإسناد. (٢) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٠٥. (٣) «المصنف» ٤/ ٣٣٠ - ٣٣١ (٢٠٦٥٤ - ٢٠٦٥٨). الجوزي عنه. وحكى مالك إجماع أهل المدينة على بيع المدبر وهبته، وحديث الباب حجة للجواز، وأجاب عنه ابن بطال بأن في الحديث أن سيده كان عليه دين فثبت أن بيعه كان لذلك؛ ولأنها قضية عين تحتمل التأويل. وتأوله بعض المالكية على أنه لم يكن له مال غيره فرد تصرفه. وهذا مصرح به في نفس الحديث فلا حاجة إليه (١). وأما حديث: «المدبر لا يباع ولا يشترى، وهو حر من الثلث» فالأشبه وقفه على ابن عمر (٢)، ووهاه ابن حزم، قال: وروي عن أبي ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٤٩. (٢) رواه الدارقطني ٤/ ١٣٨، والبيهقي ١٠/ ٣١٤ من طريق عمرو بن عبد الجبار -أبو معاوية الجزري- عن عمه عبيدة بن حسان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: «المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث». قال الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة بن حسان. وهو ضعيف وإنما هو عن ابن عمر موقوف من قوله. وكذا ضعفه البيهقي. وقال عبد الحق الأشبيلي في «الأحكام» ٤/ ١٧: إسناده ضعيف، والصحيح موقوف. وأعله أيضًا ابن القطان في «البيان» ٣/ ٥٢١ (١٢٩٥). وضعفه المصنف -رحمه الله- في «البدر» ٩/ ٧٣٣. وقال الحافظ في «الدراية» ٢/ ٨٧: فيه: عبيدة بن حسان. وهو ضعيف. وقال الألباني في «الإرواء» (١٧٥٦)، وفي «الضعيفة» (١٦٤): موضوع. ورواه الدارقطني ٤/ ١٣٨ من طريق أبي النعمان عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أنه كره بيع المدبر. وقال: هذا هو الصحيح، موقوف، وما قبله لا يثبت مرفوعًا، ورواته ضعفاء. ورواه البيهقي ١٠/ ٣١٣ - ٣١٤ من طريق يحيى بن يحيى، أنبأ حماد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يباع المدبر. وقال: هذا الصحيح عن ابن عمر من قوله موقوفًا. ثم الحديث رواه ابن ماجه (٢٥١٤)، والعقيلي في «الضعفاء» ٣/ ٢٣٤، والطبراني ١٢/ ٣٦٧ (١٣٣٦٥)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٣٢٠، والدارقطني ٤/ ١٣٨، = جعفر محمد بن علي، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا أنه باع خدمة المدبر (١). ---------- = والبيهقي في «السنن» ١٠/ ٣١٤ من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «المدبر من الثلث». هكذا مرفوعًا بهذا اللفظ. ونقل ابن ماجه عن شيخه في هذا الحديث عثمان بن أبي شيبة أنه قال: هذا خطأ. ثم قال ابن ماجه: ليس له أصل. وقال أبو زرعة في «علل ابن أبي حاتم» ٢/ ٤٣٢ (٢٨٠٣): حديث باطل. وضعفه أيضًا العقيلي وابن عدي وابن حزم في «المحلى» ٩/ ٣٥. ورواه الدارمي ٤/ ٢٠٦٩ (٣٣١٦) من طريق شريك، عن الأشعث، عن نافع، عن ابن عمر، به موقوفًا. ورواه البيهقي في «السنن» ١٠/ ٣١٤، وفي «المعرفة» ١٤/ ٤٣٢ (٢٥٦٢٣) من طريق الشافعي، عن علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، به موقوفًا أيضًا. قال البيهقي: قال الشافعي: قال لي علي بن ظبيان كنت أحدث به مرفوعًا، فقال لي أصحابي: ليس بمرفوع، وهو موقوف على ابن عمر فوقفته، والحفاظ يقفونه على ابن عمر. ثم قال: والصحيح مرفوعًا كما رواه الشافعي. قلت: هو خطأ مطبعي أو تصحيف، وصوابه: والصحيح موقوفًا، كما قال في «المعرفة». ونقل الخطيب البغدادي ١١/ ٤٤٤ - ٤٤٥ عن علي بن المديني ويحيى بن معين أنهما قالا: الحديث عن علي بن ظبيان مرفوع، حديث منكر. اهـ بتصرف. وأورد ابن عبد البر الحديث المرفوع في «الاستذكار» ٢٣/ ٣٦٢ (٣٤٩٢٧) وقال: هذا خطأ من علي بن ظبيان، لم يتابع عليه، وإنما يرويه غيره عن ابن عمر، قوله. وقال عبد الحق ٤/ ١٧: علي بن ظبيان ضعيف عندهم، وأصح ما فيه أنه من قول ابن عمر. وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر» ٩/ ٧٣٦: اتفق الحفاظ على تصحيح رواية الوقف- وتضعيف رواية الرفع. وقال في «الخلاصة» ٢/ ٤٦٠: أطبق الحفاظ على تصحيح رواية الوقف. (١) رواه سعيد بن منصور في «سننه» ١/ ١٢٩ (٤٤٣) والدارقطني ٤/ ١٣٨، والبيهقي ١٠/ ٣١٢ من طريق عبد الملك بن أبي سليمان. ورواه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٧ (٢٢٠٥٢)، ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٣١٢ من طريق الحكم. كلاهما عن أبي جعفر به. قال الحافظ الذهبي في «المهذب» ٨/ ٤٣٣٧: منقطع. وعن جابر: إن أولاد المدبرة إذا مات سيدها ما نراهم إلا أحرارًا (١)، وهو مذهب الجمهور. وعن ابن شهاب وربيعة أن عائشة باعت مدبرة (٢)، فأنكر ذلك عمر وأمرها أن تشتري غيرها بثمنها وتدبرها (٣). وقال ابن سيرين: لا بأس ببيع خدمة المدبر (٤). ونقل عن ابن المسيب أيضًا (٥). وقيل: إن سيده كان سفيهًا، فلذلك تولى بيعه بنفسه، حكاه ابن بطال (٦)، وعليه يدل تبويب البخاري السالف في الفلس. فائدة: قام الإجماع على صحة التدبير، ومذهبنا ومذهب مالك في آخرين أنه يجب عتقه من الثلث. وقال الليث وزفر: من رأس المال. فرع: جمهور العلماء -كما حكاه ابن رشد- على جواز وطء المدبرة إلا ابن شهاب فإنه منعه. وعن الأوزاعي كراهته وإن لم يكن وطئها قبل التدبير (٧). ---------- (١) رواه البيهقي ١٠/ ٣١٦ (٢١٥٩٥). (٢) تقدم تخريجه عن عائشة. (٣) «المحلى» ٩/ ٣٥ - ٣٦. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ١٣٨ (١٦٦٥٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» ١/ ١٣٣ (٤٧٢). (٥) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٩/ ١٤٣ (١٦٦٧٩)، وسعيد بن منصور في «سننه» ١/ ١٣٠ (٤٤٦). (٦) «شرح ابن بطال» ٧/ ٤٩. (٧) «بداية المجتهد» ٤/ ١٦٣٩. ٦٠ - باب النَّجْشِ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ البَيْعُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ. وَهْوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: («الخَدِيعَةُ) (١) فِي النَّارِ، وَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهْوَ رَدٌّ». ٢١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ النَّجْشِ. [٦٩٦٣ - مسلم: ١٥١٦ - فتح: ٤/ ٣٥٥] (وعن ابن عمر) (٢): نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ النَّجْشِ. الشرح: حديث «الخديعة في النار» أخرجه أبو داود بإسناد لا بأس به (٣)،(١) في هامش الأصل: الخداع، وعلَّم أنها نسخة. (٢) فوقها في الأصل: مسند متصل. (٣) رواه أبو داود في «المراسيل» (١٦٥): حدثنا وهب بن بقية، عن خالد، عن يونس، عن الحسن أن النبي - ﷺ - قال: «المكر والخديعة والخيانة في النار». قلت: وعزو المصنف -رحمه الله- لهذا الحديث هكذا، فيه نظر من وجهين: الأول: أنه أطلق عزوه لأبي داود، فلربما أوهم أنه في «السنن»، وليس كذلك، إنما هو في «المراسيل» فقط. الثاني: أن الحديث عند أبي داود، مرسلًا عن الحسن، بالرغم من أنه روي عن أربعة من الصحابة موصولًا! وها أنا ذا أذكرهم على وجه الاختصار؛ كي تتم الفائدة: الأول: عن قيس بن سعد: رواه ابن عدي في «الكامل» ٢/ ٤٠٩، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ٣٢٤ (٥٢٦٨) و٧/ ٤٩٤ (١١١٠٦) من طريق الجراح بن مليح عن أبي رافع، عن قيس بن سعد قال: لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المكر والخديعة في النار» لكنت من أمكر الناس. قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٥٦: إسناده لا بأس به. = __________= الثاني: عن أبي هريرة: رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» ١/ ٣٧٠ (٣٨١)، ومن طريقه الطبراني في «مسند الشاميين» ٣/ ٣٠٤ (٢٣٣٦)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٢١٢، والبيهقي في «الشعب» ٣٦٧/ ٥) ٦٩٧٨) من طريق كلثوم بن محمد بن أبي سدرة. وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ٢٠٩ من طريق حكيم بن نافع. كلاهما عن عطاء بن أبي مسلم الخراساني عن أبي هريرة مرفوعًا: «المكر والخديعة في النار». قال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥: فيه انقطاع بين عطاء وأبي هريرة. وقال في «الفتح» ٤/ ٣٥٦: في إسناده مقال. وله عن أبي هريرة طريق أخرى: فرواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٣)، وابن عدي ٥/ ٥٢٦ من طريق مكي بن إبراهيم عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبي هريرة، به. قال البزار: عبيد الله ليس بالحافظ ولم يشاركه غيره في هذا. وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٠٢: عبيد الله أجمعوا على ضعفه. وقال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٤٤: إسناده ضعيف. الثالث: عن أنس بن مالك: رواه ابن عدي ٤/ ٣٩٦، والحاكم ٤/ ٦٠٧ من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد الكندي عن أنس، عن رسول الله - ﷺ - قال: «المكر والخديعة والخيانة في النار». قال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٤٦، وفي «الفتح» ٤/ ٣٥٦: في إسناده مقال. لكن قال الألباني في «الصحيحة» ٣/ ٤٧: إسناده حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير سنان بن سعد. والحديث بمجموع طرقه السالفة صححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٥٧) قاطعًا بذلك. الرابع: عن عبد الله بن مسعود: رواه ابن حبان ٢/ ٣٢٦ (٥٦٧) و١٢/ ٣٦٩ (٥٥٥٩)، والطبراني في «الكبير» ١/ ١٣٨ (١٠٢٣٤)، وفي «الصغير» ٢/ ٣٧ - ٣٨ (٧٣٨)، وأبو نعيم الأصبهاني في «الحلية» ٤/ ١٨٨ - ١٨٩ والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٧٥ (٢٥٣،٢٥٤)، = وحديث «من عمل عملًا» إلى آخره أسنده في موضع آخر كما سيأتي (١). وحديث ابن عمر: أخرجه مسلم (٢)، وقد سلف قريبًا بيانه وحكمه. وقال ابن عبد البر: ورواه أبو سعيد إسماعيل بن محمد قاضي المدائن، عن يحيى بن موسى البلخي، أنا عبد الله بن نافع، عن مالك به، لكن بلفظ التخيير، وهو أن يمدح الرجل السلعة بما ليس فيها، هكذا قال التخيير وفسره، ولم يتابع على هذا اللفظ، والمعروف النجش (٣). -------- = والحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٤٥ من طريق عثمان بن الهيثم، عن أبيه، عن عاصم، عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار». قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٢/ ٣٥٩ (٢٧٢١): إسناده جيد. وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٧٩: رجاله ثقات، وفي عاصم بن بهدلة كلام لسوء حفظه. قال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٦٤: المتقرر فيه عند أهل العلم أنه حسن الحديث يحتج به لا سيما إذا وافق الثقات. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٥٨). ثم الحديث قد رواه الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٤٦ عن محمد بن سيرين قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: «المكر والخديعة في النار». ثم قال: فإن كان حديث أنس محفوظًا فيحتمل أن يكون محمد بن سيرين سمعه منه. تنبيه: قال الحافظ الذهبي في كتابه «الكبائر» ص ١٧٩ في سياقه ذكر فصل جامع لما يحتمل أنه من الكبائر، قال: وقال: «المكر والخديعة في النار» إسناده قوي. قلت: هكذا ذكر الحديث، ولم يبين أي أسانيد الحديث عناه بالقوة. (١) سيأتي برقم (٢٦٩٧) كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح .... (٢) مسلم (١٥١٦) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيعه الرجل على بيع أخيه. (٣) «التمهيد» ١٣/ ٣٤٧. قلت: ومن فعل النجش فهو عاص إن كان عالمًا بالنهي كما نص عليه إمامنا (١)، وهو إجماع، والبيع جائز لا يفسده معصية رجل نجش عليه. قال أبو عمر: والنجش أيضًا أن يفعل ذلك ليغر الناس في مصلحته، والمشتري لا يعرف (٢) أنه ربا. قال المطرزي في «المعرب»: هو بفتحتين، وروي بالسكون. ---------- (١) ورد بهامش الأصل: قال الرافعي: أطلق الشافعي في «المختصر» بعضه الناجش وشرط في بعضه من باع على بيع أخيه أن يكون عالمًا بالحديث الوارد، قال الشارحون: السبب فيه أن النجش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد معلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يعلم هذا الخبر بخصوصه، فالبيع على بيع الأخ إنما علم تحريمه من الخبر الوارد فيه؛ لئلا يعرفه من لا يعرف الخبر، متابعة الخبر بخصوصه، والبيع على بيع الأخ الخبر الوارد به ولا يعرفه من لا يعرف الخبر تابعه في «الروضة» وقد نص الشافعي على المسألة وشرط في النجش العلم بالحديث كما نقله البيهقي في «السنن الكبير» فقال في نصه: قال الشافعي: فمن نجش فهو عاص بالنجش إن كان عالمًا بنهي رسول الله - ﷺ -. هذا لفظه. وذكر الشافعي نحوه في «اختلاف الحديث». وحاصل مذهب الشافعي في البيع على البيع والنجش اشتراط العلم غير أنه سكت عن بيانه في موضع. والنص المذكور في «اليتيمة». هذا خلاف كلام الإسنوى -رحمه الله تعالى- وكلام المصنف جارٍ على النص. (٢) «التمهيد» ١٣/ ٣٤٨. ٦١ - باب بَيْعِ الغَرَرِ وَحَبَلِ الحَبَلَةِ ٢١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. [٢٢٥٦، ٣٨٤٣ - مسلم: ١٥١٤ - فتح: ٤/ ٣٥٦]. ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وكأن البخاري فهم من بيع حبل الحبلة الغرر، وهو في أفراد مسلم من حديث أبي هريرة: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١). وأخرجه ابن حبان من حديث ابن عمر (٢)، وأخرجه أحمد من حديث ابن مسعود (٣). وفي الباب عن -------- (١) مسلم (١٥١٣) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع الحصاة. (٢) «صحيح ابن حبان» ١١/ ٣٤٦. (٣) «المسند» ١/ ٣٨٨ من طريق يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع. عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا بلفظ: «لا تشتروا السمك في الماء؛ فإنه غرر». وهكذا رواه الطبراني ١٠/ ٢٠٩ (١٠٤٩١) والبيهقي ٥/ ٣٤٠ من طريق الإمام أحمد. وكذا ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ١٠٥ (٩٧٨). قال الدارقطني في «العلل» ٥/ ٢٧٦: الموقوف أصح. وكذا قال البيهقي. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -، وإنما هو من قول ابن مسعود. وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ١٠: هذا إسناد ضعيف؛ لحال يزيد بن أبي زياد، فإنه كان سيئ الحفظ ويقبل التلقين، ثم هو منقطع بين المسيب بن رافع وبين ابن مسعود. = عمران بن حصين (١)، وابن عباس (٢). وجاء تفسير هذا الحديث كما ترى، وإنْ لم يكن مرفوعًا فهو من قول ابن عمر وحسبك، وجعله الخطيب مدرجًا من كلام نافع (٣)، وبهذا التأويل قال مالك والشافعي، وهو الأجل المجهول، ولا خلاف بين العلماء أنَّ المبيع إلى هذا لا يجوز. وقال آخرون في تأويله: معناه: بيع ولد الجنين الذي في بطن الناقة. وقال أبو عبيدة هو نتاج النتاج (٤)، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو أيضًا مجمع على بطلانه؛ لأنه بيع غرر ومجهول، وبيع ما لم يُخلق. و(حبل) بفتح الباء، وغلط من سكَّنها، وهو مختص بالآدميات إلَّا ما ورد في هذا الحديث، قاله أبو عبيد وابن السكيت، وفي «المحكم»: ---------- = وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على «المسند» (٣٦٧٦): إسناده ضعيف. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٢٣١). قلت: ورواه موقوفًا ابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٦ (٢٢٠٤٠)، والطبراني ٩/ ٣٢١ (٩٦٠٧). وصححه موقوفًا أيضًا المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٤٦٣. (١) ذكره المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٤٥٩ وعزاه لابن أبي عاصم في كتاب «البيوع» نقلًا عن الضياء في «أحكامه» وكذا عزاه الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٧. (٢) رواه ابن ماجه (٢١٩٥)، وأحمد ١/ ٣٠٢ من طريق أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي كثير عن عطاء، عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الغرر. وقد أعله المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٤٥٩ بأيوب بن عتبة. وكذا البوصيري في «الزوائد» (٧٢٩). وضعف إسناده أيضًا الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٢٧٥٣). وله شاهد انظر تخريجه في «البدر المنير» ٦/ ٤٦٢. (٣) «الفصل للوصل» ١/ ٣٨٦. (٤) «غريب الحديث» ١/ ٢٠٨. كل ذات ظفر حبلى (١). ونقله الجوهري عن أبي زيد (٢). وقال ابن دريد: يُقال لكل أنثى من الإنس وغيرهم: حبلت (٣). وكذا ذكره الهجري والأخفش في نوادرهما. وفي «الجامع»: امرأة حبلى، وسنورة حبلى، وحكاه في «الموعب» عن صاحب «العين» (٤) والكسائي. وقوله: نتجًا، قال الجوهري: نتجت الناقة -ما لم يسم فاعله- تنتج نتاجًا، وقد نتجها أهلها نتجت إذا تولوا نتاجها، بمنزلة القابلة للمرأة فهي منتوجة (٥). وأنتجت الفرس إذا حان نتاجها. قال يعقوب: إذا استبان حملها، وكذلك الناقة فهي نتوج، ولا يقال: منتج. ورأيت الناقة على منتجها. أي: الوقت الذي تنتج فيه، وهو مفعل بكسر العين، ويقال للشاتين إذا كانتا سنًّا واحدة: هما نتيجة. وغنم فلان نتائج. أي: في سن واحدة. وحكى الأخفش: نتج وأنتج بمعنًى. وجاء في الحديث: فأنتج هذان وولد هذا (٦). وقد أنكره بعضهم. يعني: أنَّ الصواب كونه ثلاثيًّا. وأمَّا الغرر فهو ما احتمل أمرين أغلبهما أخوفهما، وأشار ابن بطال إلى أنَّه ما يجوز أن يوجد وألا يوجد، كحبل الحبلة وشبهه، وكل شيء لا يعلم المشتري هل يحصل أم لا فشراؤه غير جائز، لأنه غرر، وكل شيء حاصل للمشتري، أو يعلم في الغالب أنَّه يحصل له فشراؤه جائز (٧). ----------- (١) «المحكم» ٣/ ٢٧٣ (حبل). (٢) «الصحاح» ٤/ ١٦٦٥ مادة: (حبل). (٣) «جمهرة اللغة» ١/ ٢١٣ مادة [حبل] باب الباء والحاء والسلام. (٤) «العين» ٢/ ٢٣٦. (٥) «الصحاح» ١/ ٣٤٣ مادة: (نتج). (٦) سيأتي برقم (٣٤٦٤) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث أبرص وأعمى وأقرع. (٧) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٧٢. فالغرر الغالب مانع، بخلاف اليسير، وهو من أكل المال بالباطل. قال ابن الأثير: هو ما كان على غير عهدة ولا ثقة، ويدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان من كل مجهول (١). وزعم ابن حزم أنَّ بيع ذلك من المغيبات وشبهها جائز، ويتصرف المرء في ملكه بما شاء، والتسليم ليس شرطًا في صحة البيع، وليس هذا بغرر؛ لأنه بيع شيء قد صح في ملك بائعه وهو معلوم الصفة والقدر، فعلى ذلك يباع ويملكه المشتري ملكًا صحيحًا، فإنْ وجده وإلَّا اعتاض عنه آخر (٢). وما ذكره الطبري عن ابن عون، عن ابن سيرين قال: لا أعلم ببيع الغرر بأسًا (٣). وذكر ابن المنذر عن ابن سيرين قال: لا بأس ببيع العبد الآبق إذا كان علمهما فيه واحدًا. وحكي مثله عن شريح (٤). وذكر عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيرًا شاردًا، فليس بغرر للضابط السالف، فإن قيل: يحتمل قول ابن سيرين أنه لا بأس ببيع الغرر إن سلم. فالجواب: أنَّ السلامة وإنْ كانت فإنما هي في المال، كذا في ابن بطال، قال: والمال لا يراعى في البيوع في الأكثر من مذاهب أهل العلم، وإنما يراعى السلامة في حال عقد البيع. وقد ذكرنا أن الغرر هو ما يجوز أن يوجد وألا يوجد، وهذا المعنى موجود في عقد الغرر وإنْ سلم ماله، فلذلك لم يجز، وقد يمكن أن يكون ابن سيرين ومن أجاز بيع الغرر لم يبلغهم النهي عن ذلك، ولا حجة لأحد خالف السنة (٥). --------- (١) «النهاية في غريب الحديث» ٣/ ٣٥٥ (غرر) نقلًا عن الأزهري. (٢) «المحلى» ٨/ ٣٨٩. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣١٨ (٢٠٥١١). (٤) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ٢١٠ (١٤٩٢٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣١٨ (٢٠٥١٥). (٥) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٧٢. ٦٢ - باب بَيْعِ المُلَامَسَةِ وَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. ٢١٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُنَابَذَةِ، وَهْيَ: طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَنَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ، وَالمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ. [انظر: ٣٦٧ - مسلم: ١٥١٢ - فتح: ٤/ ٣٥٨] ٢١٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نُهِيَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: اللِّمَاسِ، وَالنِّبَاذِ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ١٥١١ - فتح: ٤/ ٣٥٨] ثمِ ساق حديث أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نهَى عَنِ المُنَابَذةِ، وَهْيَ: طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَنَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ، وَالمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ. وحديث أبي هريرة قَالَ: نُهِيَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أَنْ يَحْتَبِيَ الرجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ عَلَى مَنْكِبِهِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: اللَّمَاسِ، وَالنِّبَاذِ. الشرح: تعليق أنس أسنده في باب بيع المخاضرة، كما سيأتي (١)، وهو من أفراده. وحديث أبي سعيد وأبي هريرة أخرجهما مسلم (٢)، وسلف الثاني -------- (١) سيأتي برقم (٢٢٠٧). (٢) مسلم (١٥١١ - ١٥١٢) كتاب: البيوع، باب: إبطال بيع الملامسة. في تفسير الاحتباء (١). وسعيد (خ. م. س) بن عفير هو ابن كثير بن عفير (٢). روى مسلم عن رجل عنه. وعامر بن سعد هو ابن أبي وقاص، له أربعة عشر أخًا وست عشرة أختًا، منهن عائشة. والملامسة: أن يلمس ثوبًا مطويًّا ثم يشتريه على ألا خيار له إذا رآه، أو يقول: إذا لمسته فقد بعتكه، أو يبيعه شيئًا على أنَّه متى لمسه فقد لزم البيع وسقط الخيار. ووجه البطلان في الأول أنه بيع غائب، وفي الثاني: التعليق والعدول عن الصيغة الشرعية، وفي الثالث: الشرط الفاسد، وفيه احتمالٌ تفريعًا على صحة نفي خيار الرؤية، وعلى التأويل الثاني له حكم المعاطاة. والمنابذة: فسرها في الحديث كما سلف، وهي مفاعلة من نبذه ينبذه إذا طرحه، فيجعلان النبذ بيعًا قائمًا مقام الصيغة ويجيء فيه خلاف المعاطاة، فإنَّ المنابذة مع قرينة البيع هي نفس المعاطاة. ولها تفسير ثان: وهو أن يقول: بعتك على أني إذا نبذته إليك لزم البيع. وثالث وهو أنَّ المراد نبذ الحصاة، والكل باطل. وعبارة ابن حبان في «صحيحه»: المنابذة أن ينبذ المشتري ثوبًا إلى البائع وينبذ البائع إلى المشتري ثوبًا، فيبيع أحدهما بالاخر على أنهما إذا وقفا بعد ذلك على الطول والعرض لا يكون لهما الخيار إلَّا ذلك النبذ فقط (٣). ---------- (١) سلف برقم (٣٦٨) كتاب: الصلاة، باب ما يستر العورة. (٢) ورد بهامش الأصل: يعني أن عفيرًا جده. (٣) «صحيح ابن حبان» ١١/ ٣٥١. وظهر أنَّ بيع الملامسة والمنابذة غير جائز، وهو من بيع الغرر والقمار؛ لأنَّه إذا لم يتأمل ما اشتراه ولا علم صفته فلا يدري حقيقته وهو من أكل المال بالباطل. وقد سلف اختلاف العلماء في بيع الأعيان الغائبة. قال مالك: لا يجوز بيعها حتى يتواصفا، فإن وجد على الصفة لزم المشتري، ولا خيار له إذا رآه، وإن كان على غيرها فله الخيار، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي مثله عن محمد بن سيرين (١)، وحكاه ابن حزم عن أيوب والحارث العكلي والحكم وحمَّاد (٢). وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: يجوز بيع الغائب على الصفة وغير الصفة، وللمشتري خيار الرؤية إن وجد على الصفة، وروي مثله عن ابن عباس والشعبي والنخعي والحسن البصري ومكحول والأوزاعي وسفيان، وللشافعي قولان: أحدهما كقول أبي حنيفة، وأظهرهما المنع، وهو قول الحكم وحمَّاد فيما حكاه ابن بطال (٣). واحتج الشافعي بأنَّ مالكًا لم يجز بيع الثوب المدرج في جرابه، ولا الثوب المطوي في طيه حتى ينشرا وينظر إلى ما في جوفهما، وذلك من الغرر، وأجاز بيع الأعدال على الصفة والبرنامج، فأجاز الغرر الكثير ومنع اليسير، فيقال له: قد سُئل مالك عن هذا فقال: فرق ما بين ذلك الأمر المعمول به وما مضى من عمل الماضين، أن بيع البرنامج لم يزل من بيوع الناس الجائزة بينهم، وأنه لا يراد به الغرر ولا يشبه الملامسة. ---------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٣١٧. (٢) «المحلى» ٨/ ٣٣٨. (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٧٤. واحتج الكوفيون على الجواز بأنه - عليه السلام - نهى عن بيع الحب حتى يشتد، فدل ذلك على إباحة بيعه بعدما يشتد وهو في سنبله، لأنه لو لم يكن كذلك لقال: حتى يشتد ويزال من سنبله، فلمَّا جعل الغاية في البيع المنهي عنه هي شدته ويبوسته دلَّ على أنَّ البيع بعد ذلك بخلاف ما كان عليه في أول أمره، ودلَّ ذلك على جواز بيع ما لا يراه المتبايعان إذا كانا يرجعان منه إلى معلوم، كما يرجع في الحنطة المبيعة المغيبة في السنبل إلى حنطة معلومة، واحتجوا بأنَّ الصحابة تبايعوا الأشياء الغائبة، فباع عثمان من طلحة دارًا بالكوفة بدار بالبصرة (١)، وباع عثمان من عبد الرحمن فرسًا بأرض له (٢)، وباع ابن عمر من عثمان مالًا له بالوادي بمال له بخيبر (٣)، وليس في الأحاديث عنهم صفة شيء من ذلك واحتج الأولون بأنَّ تبايع الصحابة الأشياء الغائبة محمول إمَّا على الصفة، أو على خيار الرؤية، وفي الخبر أنَّ عثمان قيل له: غبنت، قال: لا أبالي لي الخيار إذا رأيت، فترافعا إلى جبير بن مطعم، فقضى بالبيع وجعل الخيار لعثمان، لأجل الغبن (٤). وقد صحت الأخبار بنهيه عن الملامسة والمنابذة وشبههما أنَّ المبيع كان يدخل في ملك المبتاع قبل تأمله إياه ووقوفه على صفته، وكل ما اشتري كذلك من غير رؤية ولا صفة فحكمه حكم بيع الملامسة ----------- (١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٠، والبيهقي ٥/ ٢٦٨. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٤٥ - ٤٦ (١٤٢٤٠) والبيهقي ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨. (٣) سلف برقم (٢١١٦) باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته. (٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٠. ![]()
__________________
|
|
#413
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 371 الى صـــ 390 الحلقة (413) والمنابذة، ومن منع البيع على صفة والبرنامج؛ لأنه من بيوع الغرر، فقد يجاب بأنَّ الصفة تقوم مقام المعاينة، لأنَّ العلم يقع بحاسة السمع والشم والذوق كما يقع بحاسة العين، وقد أجاز الجميع بيع المصبر، والجوز في قشرته، والحب في سنبله، للحاجة في ذلك، ولأنّ القصد لم يكن إلى الغرر؛ فلذلك يجوز بيع الأعيان على الصفة والبرنامج؛ لضرورة الناس إلى البيع؛ لأنهم لو منعوا منه منعوا من وجه يرتفقون به من فتح الأعدال ونشرها، لمشقة ذلك عليهم، فلأنه قد لا يشتريها من يراها فجاز بيعها على الصفة، لأنها تقوم مقام العيان كما في السلم، وجواز بيعه لجواز بيع العين، وليس الأعدال كالثوب الواحد المطوي أو الثوبين؛ لأنَّ نشرهما وطيهما لا مؤنة فيه ولا ضرر، وقد قال - عليه السلام -: «لا تصف المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها» (١) فأقام الصفة مقام الرؤية (٢). ---------- (١) سيأتي برقم (٥٢٤٠) كتاب: النكاح، باب: لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها. (٢) انتهى بنصه من «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٧٤ - ٢٧٦. ٦٣ - باب بَيْعِ المُنَابَذَةِ وَقَالَ أَنَسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. ٢١٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ١٥١١ - فتح: ٤/ ٣٥٩] ٢١٤٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ المُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ. [انظر: ٣٦٧ - مسلم: ١٥١٢ - فتح: ٤/ ٣٥٩] ثمِ ساق حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذةِ. وعن أبي سعيد (١): نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: عن المُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ. قد تقدَّم ذلك كله في الباب الماضي. وشيخ البخاري عياش بن الوليد -بالشين المعجمة والمثناة تحت- الرقام البصري، مات سنة ست وعشرين ومائتين، انفرد به البخاري (٢)، وعياش بن عباس القتباني انفرد به مسلم (٣)، ومن عداهما، عباس -بالسين المهملة- منهم ابن الوليد النرسي (٤). واعلم أن البخاري ترجم على حديث أنس الذي علقه هنا وفي ---------- (١) فوقها في الأصل: مسند متصل. (٢) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥٦٢ (٤٦٠٣). (٣) «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥٥٥ (٤٦٠٠). (٤) السابق ١٤/ ٢٥٩ (٣١٤٥). الباب الماضي باب: بيع المخاضرة، ثم أسنده بلفظ: نهى رسول الله - ﷺ - عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة (١). وقد أسلفت لك أنه من أفراده. والمحاقلة: هو بيع الزرع في سنبله بصافية عندنا، مأخوذ من الحقل وهي الساحات التي تزرع، فسميت محاقلة؛ لتعلقها بزرع في حقل. وقال الماوردي: الحقل: السنبل، وهو في لسان العرب: الموضع الذي يكون فيه الشيء كالمعدن. ووجه النهي عنها أنه بيع مقصود مستتر بما ليس من صلاحه، وأيضًا فإنه بيع حنطة وتبن بحنطة، فإنَّ الشافعية الخالصة من التبن، ولعدم العلم بالمماثلة أيضًا، فلو باع شعيرًا في سنبله بحنطة صافية وتقابضا في المجلس، أو باع زرعًا قبل ظهور الحب بحب، جاز؛ لأنَّ الحشيش غير ربوي. ومنهم من فسَّر المحاقلة ببيع الزرع قبل أن يطيب، وقيل: هو حقل ما دام أخضر، وقيل: هي المزارعة بالثلث والربع أو نحوه مما يخرج منها، فيكون كالمخابرة. وحديث جابر في «الصحيح»: نهى عن المخابرة والمحاقلة إلى آخره (٢)، يرده. والمخاضرة: بيع الثمار خضراء لم يبد صلاحها. والمزابنة: بيع الرطب على رءوس النخل بتمر على وجه الأرض، واستثنى منه العرايا كما سيأتي (٣). ----------- (١) سيأتي برقم (٢٢٠٧) باب: بيع المخاضرة. (٢) سيأتي برقم (٢٣٨١) كتاب: المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب .... (٣) ورد بهامش في الأصل: ثم بلغ في السابع بعد الخمسين كتبه مؤلفه. ٦٤ - باب النَّهْىِ لِلْبَائِعِ أَنْ لَا يُحَفِّلَ الإِبِلَ وَالبَقَرَ وَالغَنَمَ وَكُلَّ مُحَفَّلَةٍ وَالمُصَرَّاةُ التِي صُرِّيَ لَبَنُهَا وَحُقِنَ فِيهِ، وَجُمِعَ فَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا. وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ حَبْسُ المَاءِ، يُقَالُ: صَرَّيْتُ المَاءَ إِذَا حَبَسْتَهُ. ٢١٤٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْ أَنْ يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ». وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «صَاعَ تَمْرٍ». وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَهْوَ بِالخِيَارِ ثَلَاثًا». وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: «صَاعًا مِنْ تَمْرٍ». وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا، وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ. [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣ و١٥١٥ و١٥٢٠ و١٥٢٤ - فتح: ٤/ ٣٦١] ٢١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي: يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُلَقَّى البُيُوعُ. [٢١٦٤ - مسلم: ١٥١٨ - فتح: ٤/ ٣٦١] ٢١٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ ٣/ ٩٣ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣ و١٥١٥ و١٥٢٠ و١٥٢٤ - فتح: ٤/ ٣٦١] ذكر فيه حديث الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لَا تُصَرُّوا الابِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ فهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ [بعد] (١) أن يَحْتَلِبَهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ». وَيُذْكَرُ (٢) عَنْ أبِي صَالِحٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ، وَمُوسَى بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -: «صَاعَ تَمْرٍ». وَقالَ بَعْضُهُمْ، عَنِ ابن سِيرِينَ: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَهْوَ بِالخِيَارِ ثَلًاثا». وَقَالَ بَعْضُهُمْ، عَنِ ابن سِيرِينَ: «صَاعًا مِنْ تَمْرٍ». وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثا، وَالتَّمْرُ أَكْثَرُ. ثم ساق حديث عبد الله بن مسعود: مَنِ اشْتَرى شَاةً مُحَفَلَةً فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا من تمر. وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُلَقَّى البُيُوعُ. ثم ذكر حديث الأعرج عن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَلَقوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ». ثم ترجم: ------------ (١) ساقطة من الأصول والمثبت من اليونينية. (٢) فوقها في الأصل: معلق ٦٥ - باب إِنْ شَاءَ رَدَّ المُصَرَّاةَ وَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ ٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا المَكِّيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ، أَنَّ ثَابِتًا -مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنِ اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ». [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣ و١٥١٥ ومسلم ١٥٢٠ و١٥٢٤ - فتح: ٤/ ٣٦٨] ثم ساق من حديث أبي هريرة: «مَن اشْتَرى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبتهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ». الشرح: حديث أبي هريرة من طرقه أخرجه مسلم (١)، ولما ذكر ابن حزم من رواه عن الأعرج ومن رواه عن أبي هريرة قال: هؤلاء الأئمة الثقات الأثبات رواه عنهم من لا يحصيهم إلَّا الله، فصار نقل كافة وتواترٍ لا يرده إلَّا محروم غير موفق (٢). وحديث ابن مسعود من أفراد البخاري. والوليد (د. ت. قال) بن رباح دوسي مولى ابن أبي ذباب لم يخرجا له، إنما أخرج له أصحاب السنن، خلا النسائي، وهو صدوق (٣). وموسى (م. د. ق. س) بن يسار روى له الجماعة إلَّا البخاري. كذا بخط الدمياطي، ولم يعلَّم له المزي علامة الترمذي. ------------- (١) مسلم (١٥٢٤) كتاب: البيوع، باب: حكم المصراة. (٢) «المحلى» ٩/ ٦٦. (٣) انظر: «الجرح والتعديل» ٩/ ٤ (١٥)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٤٩٣، «تهذيب الكمال» ٣١/ ١١ (٦٧٠٣). وثقه ابن معين (١). وشيخ البخاري في الحديث في باب: إنْ شاء رد المصرَّاة، محمد بن عمرو، وهو البلخي السواق، روى له مع البخاري الترمذي، مات سنة ست وثلاثين ومائتين (٢)، وشيخ شيخه مكي، وهو ابن إبراهيم الحنظلي البلخي الحافظ، روى عنه البخاري، والجماعة بواسطة، قال عبد الصمد بن الفضل: سمعته يقول: حججت ستين حجة وتزوجت ستين امرأة، وكتبت عن سبعة عشر تابعيًّا. مات سنة خمس عشرة ومائتين ببلخ وقد قارب المائة (٣). وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وزياد هو ابن سعد البلخي. والتعليق عن أبي صالح أخرجه مسلم من حديث سهيل ولده عنه (٤)، وكذا أخرج تعليق موسى بن يسار من حديث داود بن قيس عنه به (٥). وتعليق مجاهد قال البزار: حدثنا محمد بن موسى القطان، ثنا عمران بن أبان، ثنا محمد بن مسلم، عن ابن أبي نجيح، عنه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «من ابتاع مصراة فله أنْ يردها وصاعًا من طعام». ثم قال: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ------------ (١) انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٩٨ (١٢٧٣)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٦٨ (٧٤٠)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٤٠٤، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ١٦٨ (٦٣١٣). (٢) انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ (١٥٥)، «ثقات ابن حبان» ٩/ ٨٣، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٢٣ (٥٥١٨). (٣) انظر: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ٣٧٣، و«التاريخ الكبير» ٨/ (٢١٩٩)، و«ثقات العجلي» ٢/ ٢٩٦ (١٧٨٥)، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ٤٧٦ (٦١٧٠). (٤) مسلم (١٥٢٤/ ٢٤). (٥) مسلم (١٥٢٤/ ٢٣). إلَّا محمد بن مسلم، ورواه عن محمد عمران وأبو حذيفة (١). وما ذكره عن ابن سيرين: «صاعًا من طعام». أخرجه مسلم من حديث قرة عنه به، وفيه: «وهو بالخيار ثلاثة أيام». وفيه: «صاعًا من طعام لا سمراء» (٢). قال البيهقي: المراد بالطعام هنا التمر لقوله: «لا سمراء»، وكذا رواه عوف عن الحسن مرسلًا وفيه: «إناء من طعام، أو يأخذها» قال: ورواه إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أنس مرفوعًا، وفيه «وصاعًا من تمر» وفي حديث عوف، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة: «هو بالخيار، إن شاء ردها وإناء من طعام» (٣). وما ذكره البخاري، عن ابن سيرين ثانيًا أخرجه مسلم أيضًا من حديث أيوب عنه، فذكره (٤). وادَّعى الداودي أنَّ قول ابن سيرين ليس بمحفوظ. ورواه البيهقي من طريق يزيد بن هارون، ثنا هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين: «من اشترى مصراة فردها، فليرد معها صاعًا من تمر لا سمراء» (٥). ------------- (١) ووصله الحافظ بإسناده في «التغليق» ٣/ ٢٤٨ وذكر له متابعات، قوى إسناد الحديث بها. وله يذكر المصنف -رحمه الله- وصل تعليق الوليد بن رباح فنقول: رواه أحمد بن منيع في «مسنده» كما في «التغليق» ٣/ ٢٤٩: ثنا أبو أحمد هو محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، ثنا كثير هو ابن زيد، عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من اشترى مصراة فليرد معها صاعًا من تمر» ثم قال الحافظ: وكثير بن زيد مختلف فيه. (٢) مسلم (١٥٢٤). (٣) «السنن الكبرى» ٥/ ٣١٨ - ٣١٩. (٤) مسلم (١٥٢٤). (٥) «السنن الكبرى» ٥/ ٣١٨. ورواه ابن ماجه من حديث هشام عنه، وفيه «وهو بالخيار ثلاثة أيام» وقال: «صاعًا من تمر لا سمراء» يعني: الحنطة (١). قال الإسماعيلي: حديث ابن مسعود هو من قوله، وقد رفعه أبو خالد الأحمر، عن التيمي، ورواه ابن المبارك ويحيى بن سعيد وجرير وغيرهم موقوفًا عليه، ثم أسند من حديث أبي عثمان، عن عبد الله قال النبي - ﷺ -: «من اشترى شاة محفلة فردها، فليرد معها صاعًا من تمر». وفي ابن ماجه من حديث جابر، عن أبي الضحى، عن مسروق عنه أنه قال: أشهد على الصادق المصدوق أنه قال: «بيع المحفلات خلابة، ولا تحل الخلابة لمسلم» (٢) قال البزار: ولا نعلمه يروى عن أبي الضحى إلَّا من حديث جابر الجعفي (٣). ---------- (١) «سنن ابن ماجه» (٢٢٣٩). (٢) «سنن ابن ماجه» (٢٢٤١). ورواه أيضًا أحمد ١/ ٤٣٣، والبزار في «البحر الزخار» ٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧ (١٩٦٣)، والبيهقي ٥/ ٣١٧، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٨/ ٢٠٩ - ٢١٠، وفي «الاستذكار» ٢١/ ٨٥ (٣٠٥٥٧) من طريق المسعودي عن جابر عن أبي الضحى، به. والحديث ضعفه ابن القطان في «البيان» (١٦٤٦، ٢٠٤٦). وقال البوصيري في «الزوائد» (٧٤٧): إسناد ضعيف، جابر هو الجعفي متهم بالكذب. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٤١٢٥): إسناده ضعيف. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٤٨٧)، وفي «ضعيف الجامع» (٢٣٥٧). والحديث رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ١٩٨ (١٤٨٦٥)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٤٤ (٢٠٨٠٧)، والبيهقي ٥/ ٣١٧ من طريق الأعمش عن خيثمة عن الأسود عن عبد الله بن مسعود، موقوفًا. قال البيهقي: إسناده صحيح. وكذا قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٦٧. وقال النووي -قدس الله روحه- في «المجموع» ١١/ ٢٢٩: الوقف أصح، والرفع ضعيف. (٣) «مسند البزار» ٥/ ٣٣٧ (١٩٦٣). وفي الباب غير حديث أبي هريرة وابن مسعود، ابن عمر أخرجه ابن ماجه (١)، وابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة (٢)، ورجل من الصحابة ------------- (١) ابن ماجه (٢٢٤٠). والحديث رواه أيضًا أبو داود (٣٤٤٦)، والبيهقي ٥/ ٣١٩ من طريق عبد الواحد بن زياد، عن صدقة بن سعيد الحنفي، عن جميع بن عمير التيمي، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أيها الناس من باع محفلة فهو بالخيار ثلاثة في أيام، فإن ردها رد معها مثلي لبنها -أو قال- مثل لبنها قمحًا». وهذا لفظ ابن ماجه. وهو حديث أعله البيهقي، فقال: تفرد به جميع بن عمير، قال البخاري: فيه نظر. وقال في «المعرفة» ٨/ ١١٨: هذِه الرواية غير قوية. وقال ابن حزم في «المحلى» ٩/ ٦٩: فيه: صدقة بن سعيد، وجميع بن عمير، وهما ضعيفان فسقط. وضعفه أيضًا الخطابي في «معالم السنن» ٣/ ٩٩ فقال: ليس إسناده بذاك. ووافقه المنذري في «المختصر» ٥/ ٨٩، وكذا النووي في «المجموع» ١١/ ١٩٧. وقال المصنف -رحمه الله- في «خلاصة البدر» ٢/ ٦٨: إسناده لا يقوى. وضعف الحافظ إسناده في «الفتح» ٤/ ٣٦٤. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٤٨٦). وفي «ضعيف الجامع» (٥٣١٨). وسيذكره المصنف قريبًا عازيًا إياه لأبي داود، ومضعفًا لإسناده. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٣٤٤ (٢٠٨٠٩) و٤/ ٤٠١ (٢١٤٣٣) و٧/ ٢٩٧ (٣٦٢٣٩). ورواه أيضًا الترمذي (١٢٦٨)، وأحمد ١/ ٢٥٦، وأبو يعلى ٤/ ٢٣٣ (٢٣٤٥) و٤/ ٢٤٤ (٢٣٥٦)، والطبراني ١١/ ٢٩٢ (١١٧٧٤) من طريق أبي الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: «لا تستقبلوا السوق ولا تحفلوا ولا ينفق بعضكم لبعض». وهذا لفظ الترمذي. وهو حديث صححه الترمذي. وأشار أبو زرعة لصحته في «العلل» ١/ ٣٧٦ (١١٢٠). وأورده الحافظ الذهبي في «المهذب» ٤/ ٢٠٨٣ - ٢٠٨٤ (٨٧٨٧) وذكر تصحيح الترمذي، واكتفي، فكأنما أقره. وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على «المسند» (٢٣١٣): إسناده صحيح. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٣٢٤). أخرجه البيهقي، وفيه: «صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر» قال البيهقي: يحتمل أنْ يكون هذا الشك من بعض الرواة، لا أنه على وجه التخيير، ليكون موافقًا للأحاديث الثابتة في هذا الباب (١). إذا تقرر ذلك فالكلام على المصراة من أوجه: أحدها: المحفلة: هي المصراة، مأخوذ من حفل الناس، أي واحتفلوا إذا اجتمعوا وكثروا، وكل شيء كثرته فقد حفلته، وما كانت التصرية في الإبل والبقر والغنم وما في معناها يؤخر صاحبها حلبها حتى يجتمع لبنها في ضرعها، فإذا رآها من يطلبها يحسبها غزيرة اللبن فيزيد في ثمنها، ثم يظهر له بعد ذلك نقص لبنها عن أيام تحفلها. وذكر ابن سيده مادة حفل، وأنها للاجتماع (٢). وقوله: (وحقن فيه) أي: حبس، وتفسيره في المصرَّاة أنَّه من صرَّيت صحيح، وليس هو من الصِّرار، إذ لو كان منه كانت مصرورة. ووقع في «غريب البخاري» للقزاز قال: صوت الناقة، وأصرت. قال ابن التين: وأراه وهلًا من الكاتب؛ لأنه قال: تقول: تصريت الماء تصرية إذا جمعته، فدلَّ على وهله. قلت: قال ابن سيده: صريت الناقة، وصرت وأصرت: تحفل لبنها في ضرعها، وصريت الناقة وغيرها من ذوات اللبن، وصرَّيتها وأصريتها: حفلتها. وناقة صرياء: محفلة، وجمعها: صرايا، على غير قياس (٣). ----------- (١) «السنن الكبرى» ٥/ ٣١٩. (٢) «المحكم» ٣/ ٢٦٢ (حفل). (٣) «المحكم» ٨/ ٢٣٧ - ٢٣٨. ثانيها: الأفصح: (لا تُصروا) بضم أوَّله على مثال: لا تزكوا، وما بعده منصوب على أنه مفعول، وروي رفعه، وروي بفتح أوله من الصرِّ وأصله: تصريوا، فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى ما قبلها، لأنَّ واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا، فانقلبت الياء واوًا واجتمع ساكنان، حذفت الأولى وبقيت واو الجمع. ويحتمل أنْ يكون أصلها مصررة أُبدلت إحدى الرائين كقوله تعالى: ﴿مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] أي: دسسها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس، ويحتمل أن يكون أصلها مصرورة، فأبدل من إحدى الرائيين ياءً، وغلط أبو على البغدادي فذكره في باب الثنائي المضعف، وكلهم ذكرها في الثلاثي المعتل اللام (١). ------------ (١) قلت: أبو علي البغدادي هذا هو القالي، إسماعيل بن القاسم، والمنقول عنه هذا ذكره في كتابه «البارع في اللغة»، كذا ذكره محقق الكتاب (ط. مكتبة النهضة، بغداد، ودار الحضارة العربية، بيروت) ص ٧١٧ في تذييل ألحقه بالكتاب تحت عنوان: لحق بما اقتبسته بعض الكتب من البارع من القسم الضائع منه. ناقلًا إياه عن «الروض الأنف». وعبارة السهيلي في «الروض» ٢/ ٢٧: وقد غلط أبو علي في «البارع»، فجعل المصراة بمعنى المصرورة، وله وجه بعيد، وذلك أن يحتج له بقلب إحدى الرائين ياء، مثل: قصِت أظفاري، غير أنه بعيد في المعنى. اهـ. والذي أنكره السهيلي وأظن المصنف -رحمه الله- نقله عنه، أو ممن نقله عنه، هو قول الشافعي -أسكنه الله عليين- كذا نقله عنه الخطابي في «المعالم» ٣/ ٩٥ واستشهد له بقول الشاعر: وقلت: خذوها هذِه صدقاتكم … مُصَرَّرة أخلافها لم تجدد وهذا حكاه الحافظ في «هدي الساري» ص ١٤٣، وعنه الزبيدي في «التاج» ١٩/ ٥٩٨ ثم إني رأيت في «المقصور والممدود» لابن ولاد ص ٦٣ قال: والصري، ثم ذكر كلامًا فيه. ثالثها: معنى التصرية: الجمع كما سلف، نهى عن جمع اللبن في ضرعها عند إرادة بيعها حتى يعظم ضرعها، فيظن المشتري أنَّ كثرة لبنها عادة مستمرة. وعبارة الشافعي أنه ربط أخلافها اليومين والثلاثة لجمع لبنها -وهو صواب- وهي حرام: لما فيها من الغش. رابعها: هذا الحديث أصل في الرد بالغش والتدليس، وقد سلف من حديث ابن مسعود أنه خلابة، ولا تحل خلابة مسلم، ولا تختص بالنعم على الأصح عندنا، بل تعم كل مأكول والجارية والإنسان، نعم لا يرد مع الجارية والإنسان شيئًا، وقد جاء في أبي داود: «من باع محفلة فالبيع صحيح، وللمشتري الخيار» (١). والأصح أنه على الفور كالرد بالعيب. وفي قول: يمتد ثلاثة أيام. وهذا مختاري، لحديث أبي هريرة في مسلم «فهو بالخيار ثلاثة أيام» (٢) وإذا ردها بعد تلف اللبن رد معها صاع تمر، سواء اشتراها به أم لا، لحديث الباب، وهو الأظهر عند الشافعي، وبه قال مالك في رواية، والليث وابن أبي ليلى وأبو يوسف وأبو ثور وفقهاء الآثار. والواجب: التمر الوسط من تمر البلد، كما حكاه أحمد بن بُشرى المصري عن النص، وقيل: يكفي صاع قوت؛ لأنه ورد في أبي داود: القمح، وليس إسناده بذاك (٣). ---------- (١) تقدم تخريجه قريبًا. (٢) مسلم (١٥٢٣). (٣) تقدم تخريجه. وعن مالك أنه إذا كان في موضع لا تمر فيه فصاع حنطة، وعنه: يُرد مكيله ما خلف من اللبن تمرًا أو قيمته. خامسها: قال بحديث المصراة جمهور العلماء منهم ابن أبي ليلى ومالك والليث وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وخالف أبو حنيفة، وطائفة من أهل العراق، وبعض المالكية، ومالك في رواية عنه غريبة، وابن أبي ليلى في رواية، فقالوا: يردها ولا يرد معها صاعًا من تمر، قالوا وهذا الحديث مخالف للأصول المعلومة من وجوه ثمانية. وقد ذكرتها مع جوابها في «شرح العمدة»، فليراجع منه، وذكرت فيه حكايته صحيحة بإسنادي تتعلق به (١)، بل قال أبو حنيفة ------------ (١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٧/ ٦٣ - ٧٣. والحكاية التي أشار المصنف -رحمه الله- إليها قال: ومن الحكايات الصحيحة في هذا الباب ما أنبأنا به عن أبي الفضل أحمد بن عساكر، عن أبي المظفر عبد الرحيم السمعاني، عن والده عبد الكريم، عن أبي المعمر المبارك الأزجي، عن أبي القاسم يوسف بن علي الزنجاني، عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، قال: سمعت القاضي أبي الطيب الطبري قال: كنا في حلقة الذكر بجامع المنصور، فجاء شاب خراساني فسأل عن مسألة المصراة، فطالب بالدليل، فاحتج المستدل بحديث أبي هريرة الوارد فيها، فقال الشاب -وكان حنفيًّا-: أبو هريرة غير مقبول الحديث، قال القاضي: فما إن استتم كلامه حتى سقطت عليه حية عظيمة من سقف الجامع، فوثب الناس من أجلها، وهرب الشاب من يديها وهي تتبعه فقيل له: تب تب. فقال: تبت، فغابت الحية فلم ير لها أثرًا. وهذا إسناد جليل صحيح رواته كلهم ثقات. اهـ، «الإعلام» ٧/ ٧٠ - ٧١. قلت: لم يتفرد المصنف -رحمه الله- بذكر هذِه القصة، والتي لا أجد عليها تعليقًا إلا أن أقول: لا تعليق، وسبحان من لا يعلم مقادير عباده إلا هو. فقد ذكرها الحافظ الذهبي في «تاريخ الإسلام» ٤/ ٣٥٤، وفي «سير أعلام النبلاء» ٢/ ٦١٨ - ٦١٩ معلقة عن أبي سعد السمعاني، ثم قال: إسنادها أئمة، وأبو هريرة إليه المنتهى في حفظ ما سمعه من الرسول - عليه السلام - وأدائه بحروفه، وقد أدى حديث = ومحمد: التصرية عيب، ولا يرد به. وحكي عن أبي حنيفة أنه يرجع بأرش التصرية، قالوا: ويعارضه حديث الخراج بالضمان، ووجهه أن مشتري المصراة ضامن لها لو هلكت عنده واللبن عليه، فلا يكون له، وأين هذا من قوة ذاك؟ ثم هذا عام وحديث المصراة خاص، ولا يعترض على السُّنة بالمعقولات. قال مالك فيما نقله عنه ابن عبد البر: أو لأحد في هذا الحديث رأي؟ قال ابن القاسم: وأنا آخذ به، إلَّا أنَّ مالكًا قال لي: أرى أهل البلد إذا نزل بهم هذا أنْ يعطوا الصالح من عيشهم، قال: وأهل مصر عيشهم الحنطة (١). وروي عنه أنه قال: أو لأحد في هذا الحديث رأي؟ وعنه أنَّه لمَّا سُئل عنه قرأ: ﴿فَليحْذَرِ اَلَذِينَ﴾ الآية. [النور: ٦٣] وزعم أبو حنيفة أنَّه كان قبل تحريم الربا، وروى أشهب نحوه عن مالك (٢)، وأنَّ ذلك كان حين كانت العقوبة بالمال، وهو واهٍ؛ لأنَّه إثبات نسخ بالاحتمال، وهو غير سائغ. وقيل: نسخه حديث الخراج بالضمان والكالئ بالكالئ. ومنهم من حمله على ما إذا اشترط ذلك وليس بشيء، ومنهم من ادَّعى نسخه بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولم يجعلوا حديث المصراة أصلًا يقيسون عليه ولد ---------- = المصراة بألفاظه، فوجب علينا العمل به، وهو أصل برأسه. وكذا ذكرها الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» ١٢/ ٦٥٦ معلقة عن أبي القاسم الزنجاني. (١) «التمهيد» ١٨/ ٢٠٢. (٢) انظر: «التمهيد» ٨/ ٤١١، و«الاستذكار» ٢١/ ٢٥، ٨٧. الجارية إذا ولدت عند المشتري ثم ردت بالعيب. فالشافعي: يحبس الولد، ومالك يخالفه، ووافقه ابن القاسم، وخالفه أشهب، ومن جملة ما ردوا به الحديث اضطرابه، حيث قال مرة: «صاعًا من تمر» ومرة قال: «من طعام». ومرة قال: «مثل -أو مِثْلي- لبنها قمحًا». وجوابه: أنَّ الأخبار كلها متفقة على إثبات الخيار، ومنهم من قال: إنَّه مخالف لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فإذن يعلُّ الحديث بذلك (١). وقال محمد بن شجاع فيما نقله الطحاوي: نسخه حديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (٢). فلمَّا قطع بالفرقة الخيار ثبت بذلك أنْ لا خيار لأحد بعد هذا، إلا ما استثناه الشارع في قوله: «إلَّا بيع الخيار» (٣) ثم أفسده الطحاوي بأنَّ الخيار المجعول في المصراة خيار عيب، وخيار العيب لا تقطعه الفرقة (٤)، وهو كما قال ابن حزم: صحَّ عن ابن مسعود: «من اشترى محفلة فليرد معها صاعًا من تمر» (٥) وصحَّ أيضًا عن أبي هريرة من فتياه، ولا مخالف لهما من الصحابة في ذلك، وعن زفر: يردها وصاعًا من تمر أو شعير أو نصف صاع من بر. وقال ابن أبي ليلى في أحد قوليه، وأبو يوسف: يردها وقيمة صاع من تمر. وقال ----------- (١) «التمهيد» ١٨/ ٢٠٧ - ٢٠٩، ٢١٤ - ٢١٥ بتصرف. (٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩ والحديث سلف برقم (٢٠٧٩) باب: إذا بيّن البيعان ولم يكتما ونصحا. (٣) سلف برقم (٢١١١) باب: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. (٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩. (٥) سلف برقم (٢١٤٩). أبو حنيفة ومحمد: إنْ كان اللبن حاضرًا لم يتغير ردها ورد اللبن، ولا يرد معها صاع تمر ولا شيئًا، وإن كان قد أكله لم يكن له ردها، لكن يرجع بقيمة العيب فقط (١). وعن داود: لا يثبت الخيار بتصرية البقر؛ لأنها ليست مذكورة في الحديث. قلت: فيه: «من باع محفلة» كما تقدم، وهو أعم. وعند المالكية: لو ردَّ عين اللبن لم يصح ولو اتفقا؛ لأنه بيع الطعام قبل قبضه. وقال سحنون: إقاله، فإنْ تعذرت ففي الاكتفاء بصاع قولان عندهم، ولو ردت بعيب غيره ففي الصالح قولان لهم. ونقل ابن عبد البر عن مذهب الشافعي وأحمد تعدد الصالح في الأولى (٢). تنبيهات: أحدها: أكثر أصحاب مالك أنَّ التصرية عيب خلافًا لبعض متأخريهم، ذكره ابن التين. ثانيها: في الحديث أربعة أدلة للجمهور نهيه - عليه السلام - عنها، وهي عيب، وجعل الخيار لمبتاعها، وإيجابه الصالح من التمر، وعندهم لا يجب، وأن اللبن له قسط من الثمن. ثالثها: في «المدونة» أنه إذا حلبها ثالثة، فإن كان ما تقدَّم اختيارًا فهو رضا، وقال مالك: له ذلك (٣). وقال محمد: يلزمه. وقال عيسى: --------- (١) «المحلى» ٩/ ٦٧. (٢) «التمهيد» ١٨/ ٢١٧. (٣) «المدونة» ٣/ ٢٨٧. يحلف في الثالثة ما كان رضي بها. رابعها: انفرد أحمد بقوله: إذا حلبها له الأرش ولا رد، فخالف النص، وانفرد ابن أبي ليلى وأبو يوسف فقالا: يرد قيمة ما حلب من اللبن. خامسها: في الحديث أنَّ بيع شاة لبون بمثلها غير جائز؛ لأنَّ اللبن يأخذ قسطًا من الثمن، قاله الخطابي (١). ----------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٥٢. وورد في هامش الأصل ما نصه: فرع: يتعدد الصالح بتعدد المصراة كما نقله ابن قدامة عن الشافعي. قال بعض أشياخي: ولم أره في كلام أشياخنا يعني الشافعية. ٦٦ - باب بَيْعِ العَبْدِ الزَّانِي وَقَالَ شُرَيْحٌ (١): إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّنَا. ٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». [٢٢٣٤، ٦٨٣٩ - مسلم: ١٧٠٣ - فتح: ٤/ ٣٦١] ٢١٥٣ - ٢١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ قَالَ: «إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابِعَةِ. [٢٢٣٢ و٢٢٣٣ و٢٥٥٥ و٢٥٥٦ و٦٨٣٧ و٦٧٣٨ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح: ٤/ ٣٦٩] وعن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». وعنه وزيد بن خالد أنه - ﷺ - سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: «إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ». قَالَ ابن شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. الحديثان في «الصحيح» (٢). ----------- (١) فوقها في الأصل: مسند متصل. (٢) الحديث الأول سيأتي برقمي (٢٢٣٤، ٦٨٣٩)، ورواه مسلم (١٧٠٣)، والحديث الثاني سيأتي بأرقام (٢٢٣٢ - ٢٢٣٣، ٢٢٥٥ - ٢٥٥٦، ٦٨٣٧ - ٦٨٣٨)، ورواه مسلم (١٧٠٤). وفي رواية أيوب بن موسى: «فليجلدها الحد» (١). قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدًا ذكر فيه الحد غيره (٢). وقال الدارقطني: رواه ابن جريج وعدَّد جماعة، فقالوا: عن سعيد، عن أبي هريرة، لم يذكروا أبا سعيد (٣). وفي مسلم كذلك (٤) وذكره البخاري في كتاب المحاربين متابعة من جهة إسماعيل ابن أمية (٥). قال الدارقطني: والمحفوظ حديث الليث يعني عن سعيد عن أبيه في الكتاب (٦). وقوله: (ولم تحصن): قال الطحاوي: لم يقل هذِه اللفظة غير مالك عن الزهري. قال ابن عبد البر: رواها ابن عيينة ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب، كما رواه مالك. قال: وتابع مالكًا على هذا السند يونس بن يزيد ويحيى بن سعيد، ورواه عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عبيد الله، عن شبل بن حامد المزني أنَّ عبد الله بن مالك الأوسي أخبره أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل عن الأمة .. الحديث، -------- (١) رواها مسلم (١٧٠٣/ ٣١)، وستأتي برقم (٢٢٣٤)، ورواها مسلم (١٧٠٣/ ٣٠) من طريق الليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. (٢) «التمهيد» ٩/ ٩٧ - ٩٨. قلت: كلا توبع أيوب على ذكر الحد، كما سلف تخريجه. (٣) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٧٦ - ٣٧٨، و«الإلزامات والتتبع» ص ١٣٦ - ١٣٧. (٤) مسلم (١٧٠٣/ ٣٠). (٥) ستأتي بعد حديث (٦٨٣٩) كتاب: الحدود، باب: لا يثرب على الأمة. (٦) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٧٨. ![]()
__________________
|
|
#414
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 391 الى صـــ 410 الحلقة (414) إلَّا أنَّ عقيلًا وحده قال: مالك بن عبد الله، وعكس آخرون، وكذا قال يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن شبل به، فجمع الإسنادين جميعًا فيه، وانفرد مالك بإسناد واحد عند عقيل والزبيدي وابن أخي الزهري، فيه أيضًا إسناد آخر عن ابن شهاب عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أنَّه - عليه السلام - سُئل عن الأمة إذا زنت .. الحديث، هكذا قال ابن عيينة في هذا الحديث جعل شبلًا مع أبي هريرة وزيد، فأخطأ وأدخل إسناد حديث في آخر، ولم يتم حديث شبل. قال أحمد بن زهير: سمعت يحيى يقول: شبل لم يسمع من رسول الله - ﷺ - شيئًا، وفي رواية: ليست له صحبة، يقال: شبل بن معبد، وشبل بن حامد، روى عن عبد الله بن مالك، عن رسول الله - ﷺ -، قال يحيى: وهذا عندي أشبه. وقال محمد بن يحيى النيسابوري: جمع ابن عيينة في حديث: أبا هريرة وزيد بن خالد وشبلًا، وأخطأ في ضمه شبلًا إلى أبي هريرة وزيد، في هذا الحديث، وإن كان عبيد الله بن عبد الله قد جمعهم فيه، فإنه رواه عن أبي هريرة وزيد عن رسول الله - ﷺ -، وعن شبل، عن عبد الله بن مالك، عن رسول الله - ﷺ - فترك ابن عيينة حديثه، وضم شبلًا إلى أبي هريرة وزيد وجعله حديثًا واحدًا، وإنما ذا حديث وذاك حديث، وقد ميزهما يونس بن يزيد، وتفرد معمر ومالك بحديث أبي هريرة وزيد، وروى الزبيدي وابن أخي الزهري وعقيل حديث شبل فاجتمعوا على خلاف ابن عيينة، كذا قال محمد بن يحيى: إن مالكًا ومعمرًا انفردا بحديث أبي هريرة وزيد، وقد تابعهما يحيى بن سعيد الأنصاري (١). ---------- (١) «التمهيد» ٩/ ٩٤ - ٩٦ بتصرف. قلت: قد خرجه البخاري أيضًا من طريق صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة وزيد (١)، فذكره (٢). وصححه الترمذي من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة (٣). ورواه النسائي وأدخل بين الأعمش وأبي صالح، حبيب بن أبي ثابت (٤). وأخرجه من حديث الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة في الرابعة أو الثالثة ببيعها ولو بضفير، وقال: هذا خطأ (٥). قلت: وروى أيضًا من حديث عمارة بن أبي فروة، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة، عن عائشة مرفوعًا: «إذا زنت الأمة» الحديث، ذكره ابن عبد البر، ورواه إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن حميد، عن أبي هريرة، وهذان خطأ (٦). وروي أيضًا من حديث أبي جميلة عن علي أنه - عليه السلام - أُخبر بأمة فجرت، فأرسلني إليها فقال: «أقم عليها الحد»، ثم قال: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم» أخرجه ابن أبي شيبة (٧)، وممن كان --------- (١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وذكر فيه: ولم تحصن. (٢) سيأتي برقمي (٢٢٣٢ - ٢٢٣٣) باب: بيع المدبر. (٣) الترمذي (١٤٤٠). (٤) «السنن الكبرى» ٤/ ٢٩٩ (٧٢٤٢). (٥) السابق ٤/ ٣٠١ (٧٢٥٥). (٦) «التمهيد» ٩/ ٩٨. (٧) «المصنف» ٥/ ٤٨٧ (٢٨٢٦٧). ورواه أيضًا أبو داود (٤٤٧٣)، وأحمد ١/ ٩٥، ١٤٥، وعبد الله بن أحمد ١/ ١٣٥، ١٣٥ - ١٣٦، والبزار في «البحر الزخار» ٣/ ١٦ (٧٦٢)، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٣٠٤ (٧٢٦٨ - ٧٢٦٩)، وأبو يعلى في «مسنده» ١/ ٢٧١ (٣٢٠)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩. جميعًا من طريق عبد الأعلى عن أبي جميلة، عن علي، به. = يجلدها إذا زنت أو يأمر برجمها ابن مسعود وأبو برزة وفاطمة وابن عمر وزيد بن ثابت وإبراهيم النخعي وأشياخ الأنصار -قاله عبد الرحمن بن أبي ليلى- وعلقمة والأسود وأبو جعفر محمد بن علي وأبو ميسرة (١). إذا عرفت ذلك فمعنى: «تبين زناها» أي: ثبت بالبينة أو بالإقرار أو بالحبل على خلفت فيه، والأمة: المملوكة، وجمعها إماء، وإموان. وفقه الباب: الحض على بيع العبد الزاني، والندب إلى مباعدة الزانية. ومعنى قوله: «بحبل من شعر»: المبالغة في التزهيد فيها، وليس هذا من وجه إضاعة المال؛ لأنَّ أهل المعاصي نحن مأمورون بقطعهم ومنابذتهم. والضفير: هو الحبل المضفور، فعيل بمعنى مفعول، تقول: ضفرته إذا فتلته. وقال ابن فارس: هو (حَبْك) (٢) الشعر وغيره عريضًا (٣). وهو مثل تضربه العرب للتقليل، مثل لو منعوني عقالًا ولو فرسن شاة، ولم يذكر الحد في الثالثة اكتفاءً بما تقدم من تقرره ووجوبه، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥]. --------- = ورواه ابن أبي شيبة أيضًا ٧/ ٢٨٠ (٣٦٠٧٧) مختصرًا. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٧٣٦، ١١٣٧ - ١١٣٨، ١٢٣٠): إسناده ضعيف. وضعفه العلامة الألباني في «الإرواء» (٢٣٢٥). والحديث رواه مسلم (١٧٠٥) بنحوه موقوفًا. (١) رواه عنهم جميعًا ابن أبي شيبة ٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨ (٢٨٢٦٨ - ٢٨٢٧٠، ٢٨٢٧٢ - ٢٨٢٧٨). (٢) كذا بالأصل، وفي «المجمل» ٢/ ٥٦٤: نسجك. (٣) «مجمل اللغة» ٢/ ٥٦٤. يعني بالعذاب: الجلد، لأنَّ الرجم لا ينتصف، وإحصان الأمة إسلامها عند مالك والكوفيين والشافعي وجماعة كما نقله عنهم ابن القطان، وقيل: معناه: لم تعتق فيزول بالعتق، وقيل: معناه: ما لم تتزوج، وقد اختلف فيه في قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] هل هو الإسلام أو التزويج -فتحد المزوجة وإن كانت كافرة، قاله الشافعي- أو الحرية. وحديث علي: «أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن». أخرجه مسلم موقوفًا (١) والنسائي مرفوعًا (٢)، فتُحد الأمة على أي حالة كانت، ويعتذر عن الإحصان في الآية فإنه أغلب حال الإماء، وزعم أبو عمر أن من قرأ (أحصن) بالفتح فمعناه: تزوجن وأسلمن، ومن ضم قال: زوجن (٣). ومعنى «لا يثرب»: لا يلومن ولا يعذبن بعد الجلد، ويؤيده أنَّ توبة كعب بن مالك (٤)، ومن فرَّ يوم حنين حين تاب الله عليهم (٥)، كانت شرفًا لهم، ولم تكن لهم ملامة، فبان أنَّ اللوم والتثريب لا يكون إلَّا قبل التوبة أو الجلد. وقال الخطابي: معناه لا يقتصر على تعييرها وتوبيخها دون الجلد (٦)، ولا شك أنَّ الإكثار من اللوم يزيل الحياء والحشمة، ------- (١) مسلم (١٧٠٥) كتاب: الحدود، باب: تأخير الحد عن النفساء. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٠٤ (٧٢٦٨) وقد تقدم بنحوه. (٣) «التمهيد» ٩/ ٩٨. (٤) سيأتي حديثه هذا مطولًا برقم (٤٤١٨)، ورواه مسلم (٢٧٦٩). (٥) خبرهم في سورة التوبة [٢٥ - ٢٦]. (٦) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٥٣. وغالب أحوال العبيد عدم الاندفاع باللوم، بخلاف الحر. العبد يقرع بالعصا … والحر تكفيه الملامة (١) وأوجب أهل الظاهر بيع الأمة إذا زنت الرابعة وجلدت، والأمة كلها على خلافه، وكفى بقولهم جهلًا خلاف الأمة له. واختلف العلماء في العبد إذا زنى، هل الزنا عيب يجب رده به أم لا؟ فقال مالك: هو عيب في العبد والأمة، وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور. وقال الشافعي: كل ما ينقص من الثمن فهو عيب. وقال الكوفيون: هو في الجارية عيب لأنها تستولد دون الغلام، وكذلك ولد الزنا عيب يرد به. وقال مالك: إذا كانت الجارية ولد زنا فهو عيب، وإنما جعل الزنا عيبًا؛ لأنه ربما بلغ الحد به مبلغ تلف النفس، وإنَّ المنايا قد تكون من القليل والكثير، وإذا صح أنَّه عيب وجب على البائع إعلامه، فإذا رضي به صح البيع كسائر العيوب، وإذا لم يبِّينه كان للمبتاع رده إن شاء. فإن قلت: فما معنى أمره - عليه السلام - ببيع الأمة الزانية والذي يشتريها يلزمه من اجتنابها، ومباعدتها ما يلزم البائع. فالجواب: أنَّ فائدة ذلك -والله أعلم- المبالغة في تقبيح فعلها، وإعلام أنَّ الأمة الزانية لا جزاء لها إلَّا البيع أبدًا، وأنها لابقاء لها عند سيد، وذلك زجر لها عن معاودة الزنا وأدب بالغ، ولعل الثاني يعفها بالوطء، أويبالغ في التحرز عليها أو يزوجها أو يصونها بهيبته، أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها، وأشباه ذلك. ----------- (١) من قول الشاعر: خلف بن خليفة الأقطع. من شعراء العصر الأموي. وهل يجلدها السيد أم لا؟ قال مالك والشافعي وأحمد: نعم، وخالف أبو حنيفة فقال: لا يقيمه إلَّا الإمام بخلاف التعزير، احتج في «الهداية» بحديث «أربع إلى الوالي» فذكر منها الحدود (١)، ولا نعلمه (٢). وهل يكتفي السيد بعلم الزنا أو لا؟ فيه روايتان عند المالكية، ومنهم منْ فرَّق بين المزوجة فلا يقيمه السيد، وغيرها فيقيمه، وفي الحديث أنَّ الأمة لا تُرجم وإن كانت مزوجة، وأنَّ الزاني إذا حد ثم زنى ثانيًا حد أيضًا. واستنبط بعضهم من قوله: «ولو بضفير»، جواز البيع بالغبن، لأنه بيع حقير بثمن يسير، وليس بجيد؛ لأنَّ الغبن المختلف فيه إنما هو مع الجهالة من المغبون، وأمَّا مع علم البائع بقدر ما باع وما قبض فلا يختلف فيه؛ لأنه عن علم منه ورضا، فهو إسقاط لبعض الثمن لا سيما والحديث خرج على جهة التزهيد وترك الغبطة. وأجمع فقهاء الأمصار أنَّ العبد في الحد كالأمة. وانفرد أهل الظاهر فقالوا بجلده مائة، عملًا بظاهر القرآن، لكنهم خالفوا ظاهره في الأمة؛ فإنهم نصفوا عملًا بالآية الأخرى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. وزعم بعضهم فيما حكاه الطحاوي (٣) أنَّ قوله: (ويجلدها) على التأديب لا الحد، ويحتمل أنَّ الله تعالى أعلم نبيه أنَّ حد الإماء إذا --------- (١) «الهداية» ٢/ ٣٨٥. (٢) وأورده الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ٣٢٦ وقال: غريب. وتبعه الحافظ فقال في «الدراية» ٢/ ٩٩: لم أجده. (٣) في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٣٧. زنين قبل الإحصان جلد خمسين، فأعلم بذلك الناس. وكان الشطر فيهن بعد الإحصان بالتزويج ما هو أغلظ من ذلك إذ كان هو المفعول بالقياس على الحرائر، ثم أبان الله جل وعز أنَّ حكمهن بعد الإحصان كحكمهن فيه تخفيفًا ورحمة بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] الآية. تنبيهان: أحدهما: تردد ابن شهاب (لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة)، قد جزم المقبري أنه في الثالثة، كما ذكره البخاري أولًا. ثانيهما: سقوط الرجم عن الأمة بالإجماع بين العلماء كما ادعاه ابن التين، وكان قتادة يرى زواج المملوك إحصانًا له، وبه قال أبو ثور. قال: واختلفوا إذا زنت المملوكة ولا زوج لها، فروي عن ابن عباس لا حد لها (١). وقرأى ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة، وقال أكثر العلماء: تجلد وإن لم تزوج ومعنى الإحصان فيهن الإسلام وعليه قرأه ﴿أَحْصِنَّ﴾ بفتح الهمزة (٢)، وقيل: على هذا أيضًا تزوجن، واحتج بقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] (٣). -------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٤٨٩ (٢٨٢٨٨). (٢) قال أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي في «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١/ ٣٨٥: قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي بفتح الهمزة والصاد، وقرأ الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد. وانظر: «الحجة للقراء السبعة» ٣/ ١٥٠ - ١٥١. (٣) تتمة هامة: تعليق شريح المذكور أول الباب -والذي فات المصنف رحمه الله ذكر من وصله- وصله سعيد بن منصور كما في «تغليق التعليق» ٣/ ٢٥٢: ثنا هشيم: أنا هشام، عن ابن سيرين أن رجلًا اشترى من رجل جارية كانت فجرت، ولم يعلم بذلك المشتري، فخاصمه إلى شريح، فقال: إن شاء رد من الزنا. قال في «الفتح» ٤/ ٣٦٩: إسناده صحيح. ٦٧ - باب البَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ ٢١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اشْتَرِي وَأَعْتِقِي، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ العَشِيِّ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٦٩] ٢١٥٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها سَاوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوا الوَلَاءَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قُلْتُ لِنَافِعٍ حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا؟ فَقَالَ: مَا يُدْرِينِي. [٢١٦٩، ٢٥٦٢، ٦٧٥٢، ٦٧٥٧، ٦٧٥٩ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٧٠] ذكر فيه حديث عائشة في شرائها بريرة من طريقين. وشيخ البخاري في الثاني حسَّان بن أبي عباد، واسمه حسَّان (١) (٢)، فهو أبو علي حسَّان بن حسَّان، من أفراد البخاري، قال أبو حاتم: مُنكر الحديث (٣). قال الكلاباذي: مات سنة ثلاث عشرة ومائتين (٤).(١) في هامش الأصل: في «الكاشف»: وقال البخاري: كان المقرئ يثني عليه. (٢) أي اسم أبي عباد: أبو حسان. (٣) «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٣٨. (٤) نقله عنه محمد بن طاهر المقدسي في كتاب «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٩٤. فائدة: ذكر ابن عدي في كتابه «أسامي من روى عنهم البخاري في جامعه الصحيح» ص ١١٧: حسان بن حسان البصري (٧٢) رجل، وحسان بن أبي عباد البصري (٧٣) رجل، فجعلهما اثنين. وهو وهم منه -رحمه الله- لأنهما رجل واحد. = --------- = صرح بذلك الحافظ مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» ٤/ ٦١ (١٢٥٩)، والحافظ في «تهذيب التهذيب» ١/ ٣٨١ وقال في «الفتح» ٤/ ٣٧٠: وحسان، وقع عند المستملي: ابن أبي عباد، وعند غيره: حسان بن حسان، وهما واحد. وقال في موضع آخر ٧/ ٣٥٥: حسان بن حسان، هو أبو علي البصري، ويقال أيضًا: حسان بن أبي عباد، ووهم من جعله اثنين. وهو ما قرره أبو عبد الله الحاكم في كتاب «المدخل إلى الصحيح» ٢/ ٢٣٠ في سياقه لذكر أسامي من أخرج البخاري ومسلم حديثهم في «الصحيح»، فقال: وأخرج البخاري وحده (٦٣٦) حسان بن أبي عباد. ولم يذكر الآخر، فجعلهما واحدًا. وأما عن طعن أبي حاتم فيه وقوله: منكر الحديث. فرأيت الحافظ -رحمه الله- ترجمه في «هدي الساري» ص ٣٩٦ في الفصل التاسع: في سياق أسماء من طعن فيه من رجال البخاري، والجواب عن هذِه الاعتراضات. فقال: حسان بن حسان، وهو حسان بن أبي عباد البصري، ثم ذكر كلام أبي حاتم، وقال: روى عنه البخاري حديثين فقط، أحدهما في المغازي، والآخر في كتاب الحج. اهـ بتصرف. وتعقب بأن البخاري أخرج له ستة أحاديث، ليس حديثين فقط، في كتاب العمرة (١٧٧٨)، وكتاب البيوع (٢١٥٦)، وكتاب الوصايا (٢٧٤٦)، وكتاب المغازي (٤٠٤٨)، وكتاب التفسير (٤٩٦٠)، وكتاب الاستئذان (٦٢٩٦). وورد في هامش (م) في هذا الموضع: قال ابن الرفعة في «الكفاية»: استنكار بعضهم إذنه في اشتراط الولاء ومنعه منه بعد ذلك، وأجيب بأن قوله - عليه السلام -: «اشترطي بهم» المراد به: عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، وقيل: معناه: اشترطي أو لا تشترطي فهو لاغٍ لا يضر شرطه ولا تركه. وقيل: أذن فيه ثم منعه؛ ليكون أقطع لعادتهم. كما روي أنهم كانوا لا يرون جواز الإحرام بالعمرة في أشهر الحج، فأمرهم - عليه السلام - بالإحرام بالحج في أشهر الحج، فأحرموا به، ثم أمرهم بفسخ الإحرام بالحج بالعمرة للمبالغة في رجوعه عمَّا كانوا يعتقدون منعه. وعلى هذا التأويل يكون هذا الشرط خاصًّا في بيع بريرة لا غير، واختاره العمراني. = والأُمَّة مجمعة على أنَّ المرأة إذا كانت مالكة أمر نفسها جائزًا لها أمرها أنَّ لها أنْ تبيع وتشتري، وليس لزوجها عليها في ذلك اعتراض، فإنْ كان في البيع محاباة قصدت إليها، فالمحاباة كالعطية، وقد اختلف العلماء في عطيتها بغير إذن زوجها، وقد سلف في الزكاة. وفي قوله: «اشتري وأعتقي» بعد أنْ ذكرت له استشارة الزوج. وفيه: الاستثناء قبل النقل. وفيه: إذن الشارع لها في الاشتراء. وفيه: دلالة أنها أعلمته قبل الشراء، وهو دليل على بعض المالكية القائلين هو بيع فاسد، وأنها ابتاعت عن غير علمه، وقرنت البيع بالعتق. ففيه: أنَّ البيع الفاسد يفوت بالعتق عنده، والحديث يرده. وقال أصحاب أبي حنيفة: ملكت بالقبض في هذا العقد الفاسد ملكًا تامًّا ومذهبه مثلنا، إلَّا أنه قال: يرد المبيع بيعًا فاسدًا مع النماء المنفصل والمتصل، وإذا وطئ غرم الأرش. وقال الشافعي: لا تأثير للقبض في البيع الفاسد، وبه قال سحنون في الحرام البين، وانفصلت الشافعية بوجوه: منها: أنَّه يجوز أنْ يكون هذا الشرط تقدم العقد، وإنما تفسد المقارنة. ------------ = وقيل: إن قوله: «واشترطي لهم الولاء» غير محفوظ في الحديث، وإنما رويت هذِه الزيادة من طريق هشام بن عروة، ولم يتابع عليها. كذا حكاه البغوي وغيره. وفي «الذخائر» أن بعض الناس قال: إنما وقع البيع على نجوم كتابها. والجديد أنه لا يصح بيع المكاتب، وأجب عن ذلك بأن بريرة أظهرت العجز، فعجزها أهلها، وفسخوا العقد بإقدامهم على بيعها، والفسخ يحصل بالبيع أو مجمل ذلك، وهي قضية عين. ومنها: أنَّ عائشة قضت بالصحة، وإنْ قارنه فساد بدليل قوله: «واشترطي لهم الولاء» (١) وهو لا يأمر بشرط فاسد. ومنها: أنَّ (لهم) بمعنى (عليهم)، مثل ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] وغيره، ومنازع فيها. والتخصيص بعيد إذ لو وقع لنقل كما نقل في عناق أبي بردة (٢)، وشهادة خزيمة بشهادتين (٣)، وتخصيص ابن عوف بلبس الحرير (٤)، وحسَّان بإنشاد الشعر في المسجد (٥)، وفيهما نظر. ---------- (١) سيأتي برقم (٢١٦٨) باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل. (٢) سلف برقم (٩٦٥) كتاب: العيدين، باب: الخطبة بعد العيد، ورواه مسلم (١٩٦١). (٣) سيأتي برقم (٢٨٠٧) عن خارجة بن زيد أن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: نسخت الصحف في المصاحف، ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقرأ بها، فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري، الذي جعل رسول الله - ﷺ - شهادته شهادة رجلين … وأما عن سبب ذلك فروى أبو داود (٣٦٠٧)، والنسائي ٧/ ٣٠١ - ٣٠٢، وأحمد ٥/ ٢١٥ - ٢١٦، والطبراني ٢٢/ ٣٧٩ (٩٤٦)، والحاكم ٢/ ١٧ - ١٨، والبيهقي ١٠/ ١٤٥ - ١٤٦ من طريق الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي- أن النبي - ﷺ - ابتاع فرسًا من أعرابي … الحديث. وفيه: فقام النبي - ﷺ - حين سمع نداء الأعرابي فقال: «أو ليس قد ابتعته منك»؟ فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي - ﷺ - على خزيمة فقال: «بم تشهد» فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله - ﷺ - شهادة خزيمة بشهادة رجلين. والحديث صححه الحاكم فقال: حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه. وصححه المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٧/ ٤٦٢، والألباني في «الإرواء» (١٢٨٦). (٤) سيأتي برقم (٢٩١٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: الحرير في الحرب. (٥) سيأتي برقم (٣٢١٢) كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. وقوله: «اشتريها واشترطي لهم الولاء». تفرَّد به هشام بن عروة وكان قد ساء حفظه، واختلط في آخر عمره، وقد سلف التنبيه على ما فيه. وقوله: «فإنما الولاء لمن أعتق» فيه: حجة على أبي حنيفة حيث قال: لو والى رجل رجلًا ولا نسب بينهما توارثا وتعاقلا، ولهما أنْ يفسخا الموالاة ما لم يعقل أحدهما عن الآخر. وفيه أيضًا: نفي الإرث بالإسلام على يد شخص؛ خلافًا لعمر بن عبد العزيز، واستدل به من قال: إن عتق السائبة لمعتقه، وهو قول بعض أصحاب مالك، ومذهب مالك أنَّ ولاءه لجميع المسلمين، وعليهم عقله، وهو قول عمر والنخعي والشعبي. وزوج بريرة كان عبدًا كما قاله ابن عباس (١). وقال نافع: لا أدري كان حرًّا أو عبدًا. واسمه: مغيث (٢). --------- (١) سيأتي برقم (٥٢٨٠) كتاب الطلاق، باب خيار الأمة تحت العبد. (٢) كذا صرح ابن عباس باسمه فيما سيأتي برقم (٥٢٨١ - ٥٢٨٣). ٦٨ - باب هَلْ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ؟ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ؟ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ». وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ. ٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ: سَمِعْتُ جَرِيرًا رضي الله عنه [يَقُولُ:] بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [انظر: ٥٧ - مسلم: ٥٦ - فتح: ٤/ ٣٧٠] ٢١٥٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ». قَالَ: فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. [٢١٦٣، ٢٢٧٤ - مسلم: ١٥٢١ - فتح: ٤/ ٣٧٠] ثم ساق حديث جرير: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدا رَسُولُ اللهِ، إلى قوله: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. وحديث ابن عباس: «لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبِيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ». فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: «لَايَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. الشرح: حديث جرير سلف في الإيمان (١)، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (٢)، والتعليق أسنده مسلم من حديث أبي هريرة ---------- (١) سلف برقم (٥٧) باب: قول النبي - ﷺ -: «الدين النصيحة». (٢) مسلم (١٥٢١) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي. مرفوعًا: «حق المسلم على المسلم ست» فذكر منها: «وإذا استنصحك فانصح له» ذكره في الاستئذان (١). وأخرجه البيهقي من حديث أبي حمزة. عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا: «وإذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه» (٢). قال البيهقي: وروي معناه، عن حكيم بن أبي يزيد، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -، وقيل: عنه عن أبيه، عمن سمع النبي - ﷺ - (٣). وفيه: النهي عن بيع حاضر لبادٍ. وشيخ البخاري في حديث ابن عباس هو الصلت (م) بن محمد، من أفراده عن مسلم، صالح الحديث (٤)، كالصلت بن مسعود، انفرد به مسلم، ثقة (٥). إذا تقرر ذلك: فالبخاري أراد بحديث ابن عباس النهي، وبقول عطاء أن بيع الحاضر للبادي جائز بلا كراهة، وترجمته بعد تدل له، لأنَّ البدوي قد يستنصح الحضري. ويحتمل أنْ يكون - عليه السلام - قال ذلك على معنى المصلحة لأهل الحضر والنظر لهم؛ لالتزامهم الجماعة، وطلبهم للعلم والمذاكرة فيه. وقد قال (إثره) (٦): «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» أخرجه مسلم من حديث جابر وهو من أفراده (٧)، فإذا تولى الحضري البيع للبدوي رفع -------- (١) مسلم (٢١٦٢) كتاب: السلام، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام. (٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٣٤٧. (٣) السابق. (٤) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٢٨ (٢٨٩٩). (٥) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٢٩ (٢٩٠٠). (٦) ورد بهامش الأصل: أي إثر الحديث هو مخرج. (٧) مسلم (١٥٢٢) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الحاضر للبادي. في أثمان السلعة، بخلاف تولي البدوي ذلك بنفسه، فربما سأل أقل من سؤال الحضري وينتفع بذلك أهل الحضر، ولم يزل - عليه السلام - ينظر للعامة على الخاصة، فيريد البخاري على هذا التأويل أن ترك السمسرة على هذا التأويل، وترك بيع الحاضر للبادي من النصيحة للمسلمين. قال الطحاوي: فعلمنا من النهي أنَّ الحاضر إنما نهي أن يبيع للبادي؛ لأنَّ الحاضر يعلم أسعار الأسواق فيستقصي على الحاضرين، فلا يكون لهم في ذلك ربح، وإذا باعهم أعرابي على غرته وجهله بالأسعار ربح عليه الحاضرون، فأمر - عليه السلام - أنْ يخلي بين الأعراب والحاضرين في البيوع (١). واختلف العلماء في ذلك، فأخذ قوم بظاهر الحديث، وكرهوا بيع الحاضر للبادي، روي ذلك عن أنس وأبي هريرة وابن عمر (٢)، وهو قول مالك (٣) والليث والشافعي (٤) ورخص فيه آخرون، روي ذلك عن عطاء كما ذكره البخاري (٥)، ومجاهد قال: إنما نُهي عنه في زمانه فأما اليوم فلا (٦). وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقالوا: قد عارض هذا الحديث حديث: «الدين النصيحة» لكل مسلم (٧)، فيقال لهم: هذا عام وما نحن ------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١١. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٢ (٢٠٨٩٢)، عن أنس. وسيأتي قريبًا (٢١٥٩، ٢١٦١ - ٢١٦٢) عن ثلاثتهم. مرفوعًا. (٣) «بداية المجتهد» ٢/ ١٣٤. (٤) «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٦٥ - ٦٦. (٥) ورواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٢٠١ (١٤٨٧٧). وبنحوه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٢ (٢٠٨٩٦). (٦) رواه عنه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٢ (٢٠٨٩١). (٧) رواه مسلم (٥٥) كتاب: الإيمان باب: بيان أن الدين النصيحة. فيه خاص، وهو قاض على العام؛ لأنَّه استثناء، كأنه قال: الدين النصيحة إلا أنه لا يبيع حاضر لباد. فيستعملان جميعًا العام فيما عدا الخاص. وقال مالك في تفسير الحديث: لا أرى أنْ يبيع حاضر للبادي، ولا لأهل القرى، وأمَّا أهل المدن من أهل الريف فليس بالبيع لهم بأس، إلَّا من كان منهم يشبه أهل البادية، فإني لا أحب أنْ يبيع لهم حاضر. وقال في البدوي يقدم المدينة فيسأل الحاضر عن السعر: أكره أنْ يخبره. وقال مرة أخرى: لا بأس أن يشير عليه، روى عنه ابن القاسم القولين جميعًا (١). وقال ابن المنذر: قد تأول قوم نهيه على وجه التأديب لا على معنى التحريم، لحديث: «دعوا الناس» السالف (٢)، وليس ببيِّن عندي أنَّ هذا الكلام يدل على أنَّه تأديب بل هو عندي على الحظر. وقد اختلف في نسخه، وقد بيناه واضحًا في باب البيع على البيع وفي جعله الخيار للبائع دلالة على صحة البائع إذ الفساد لا خيار فيه، قال صاحب «اللباب»: نسخ هذا الخيار قوله: «البيعان بالخيار» (٣). فرع: إذا قدم البدوي يريد الابتياع فتعرض له بلدي يريد أنْ يبتاع له رخيصًا، فهل يحرم ذلك عليه كما في البيع؟ فيه تردد من حيث --------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٦/ ٤٤٧ - ٤٤٩. (٢) مسلم (١٥٢٢) وقد تقدم. (٣) سلف برقم (٢٠٧٩) باب: إذا بيّن البيعان .. البحث وظاهر إيراد البخاري هنا المنع. فائدة: في حديث طلحة بن عبيد الله في أبي داود من حديث سالم المكي: أنَّ أعرابيًّا حدَّثه أنه قدم بحلوبة له على عهد رسول الله - ﷺ -، فنزل على طلحة، فقال له: إنَّ رسول الله - ﷺ - نهى أنْ يبيع حاضر لبادٍ، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك، فشاورني حتى آمرك وأنهاك (١). ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث وابن لهيعة، عن سالم أبي النضر، عن رجل من بني تميم، عن أبيه، عن طلحة (٢). ورواه سليمان بن أيوب الطلحي، عن أبيه، عن جده، عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال يعقوب بن شيبة في أحاديث سليمان بن أيوب الطلحي وهي سبعة عشر حديثا رواها عن أبيه عن جده عن موسى بن طلحة عن أبيه، هذِه الأحاديث عندي صحاح. ولمَّا خرَّجه البزار من حديث ابن إسحاق عن سالم المكي، عن أبيه، قال: لا نعلمه يروى عن طلحة إلَّا من هذا الوجه، ولا نعلم أحدًا قال: عن سالم، عن أبيه: عن طلحة إلَّا مؤمل بن إسماعيل، وغير مؤمل يرويه عن رجل (٣). ---------- (١) أبو داود (٣٤٤١). ورواه أيضًا أبو يعلى ٢/ ١٥ (٦٤٣)، والبيهقي ٥/ ٣٤٧ من طريق محمد بن إسحاق عن سالم المكي، به. وضعف إسناده المنذري في «المختصر» ٥/ ٨٣ فقال: في إسناده محمد بن إسحاق. وفيه أيضًا رجل مجهول. وكذا ضعف إسناده الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٤١). (٢) قال الدارقطني في «العلل» ٤/ ٢٢٠: وهو الصواب. (٣) «مسند البزار» ٣/ ١٦٩ - ١٧٠ (٩٥٦ - ٩٥٧). عن الأوزاعي: ليست الإشارة بيعًا. وعن مالك الرخصة في الإشارة، وقال مالك: لا يشير عليه؛ لأنه إذا أشار عليه فقد باع له (١). ولم يراع الفقهاء في السمسار أجرًا ولا غيره، والناس في تأويل الحديث على قولين: فمن كرهه كرهه بأجر وبغير أجر، ومن أجازه أجازه بأجر وبغير أجر. ------------ (١) «النوادر والزيادات» ٦/ ٤٤٧ - ٤٤٩. ٦٩ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ ٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. [فتح: ٤/ ٣٧٢] وبه قال ابن عباس (١)، ثم ذكر حديث ابن عمر: نَهَى النبي - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وهو من أفراده، وفيه أبو علي الحنفي، وهو عبيد الله بن عبد المجيد (٢). أراد البخاري في هذا الباب والذي قبله أن يجيز بيع الحاضر للبادي بغير أجر، ويمنعه إذا كان بأجر، واستدل على ذلك بقول ابن عباس: لا يكون له سمسارًا، وكأنه أجاز ذلك لغير السمسار إذا كان من طريق النصح. وقد أجاز الأوزاعي أن يشير الحاضر على البادي، كما سلف. ----------- (١) ورد بهامش الأصل: قول ابن عباس في نسختين مؤخر عن حديث ابن عمر. (٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٩١ (١٢٥٧)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٠٤ (٣٦٦١). ٧٠ - باب لَا يشري حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَ وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالمُشْتَرِي، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي (١) ثَوْبًا. وَهْيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ. ٢١٦٠ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ» [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣ و١٥١٥ و١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٣٧٢] ٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. [مسلم: ١٥٢٣ - فتح: ٤/ ٣٧٢] ثم ساق حديث أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَبْتَاعُ المَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ». وحديث معاذ: ثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. الحديثان سلفا، زاد في الثاني: (وإن كان أخاه أو أباه) (٢). ومعاذ هو: ابن معاذ، قاضي البصرة. وابن عون هو عبد الله. وقد اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي، فكرهته طائفة كما كرهت البيع له، (واحتجوا) (٣) بأن البيع في اللغة يقع على الشراء كما ----------- (١) في الأصل: (بعني)، والمثبت من اليونينية. (٢) الحديث الأول -حديث أبي هريرة- سلف برقم (٢١٤٠). والحديث الثاني -حديث أنس- لم يخرجه البخاري إلا في هذا الموضع، إنما أخرجه مسلم (١٥٢٣)، وبهذه الزيادة أخرجه (١٥٢٣/ ٢١). (٣) ورد بهامش الأصل: ورد النص بالنهي عن أن يبتاع المهاجر للأعرابي، في هذا الكتاب، وهو صريح في البيع. ![]()
__________________
|
|
#415
|
||||
|
||||
|
الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 411 الى صـــ 430 الحلقة (415) يقع الشراء على البيع، لقوله تعالى ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠]﴾ أي: باعوه، وهو من الأضداد (١) (٢)، وروي ذلك عن أنس (٣). وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهي إنما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ، روي ذلك عن الحسن البصري (٤)، واختلف قول مالك في ذلك فمرة قال: لا يشتري له ولا يشير عليه، ومرة أجاز الشراء له (٥)، وبهذا قال الليث والشافعي (٦). واحتج الشافعي بجواز الشراء له بقوله: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض» (٧). ---------- (١) انظر: «الأضداد» لابن الأنباري ص ١٩٩. (٢) ورد بهامش الأصل: آخر ٣ من ٧ من تجزئة الشيخ. (٣) رواه عنه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٢ (٢٠٨٩٢). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٢ (٢٠٨٨٨) وفيه: لا يرى بأسًا أن يشتري من الأعرابي للأعرابي. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٦/ ٤٤٧ - ٤٤٩. (٦) «مختصر المزني» ص ١٣٠. (٧) «الأم» ٣/ ٨١ - ٨٢. ٧١ - باب النَّهْىِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ؛ لأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي البَيْعِ، وَالخِدَاعُ لَا يَجُوزُ. ٢١٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. [انظر: ٢١٤٠ - مسلم: ١٤١٣، ١٥١٥، ١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ٢١٦٣ - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ فَقَالَ: لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا. [انظر: ٢١٥٨ - مسلم: ١٥٢١ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ٢١٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: مَنِ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. قَالَ: وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ تَلَقِّي البُيُوعِ. [انظر: ٢١٤٩ - مسلم: ١٥١٨ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ٢١٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ». [انظر: ٢١٣٩ - مسلم: ١٤١٢، ١٥١٧ - فتح: ٤/ ٣٧٣] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: عن أبي هريرة: نهى رسول الله - ﷺ - عَنِ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. ثانيها: حديث ابن طاوس عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ فَقَالَ: لَا يكون لَهُ سِمْسَارًا. ثالثها: حديث ابن مسعود: مَنِ اشْتَرى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا. قَالَ: وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ تَلَقِّي البُيُوعِ. رابعها: حديث ابن عمر أَنَّ النبي - ﷺ - قَالَ: «لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ». الشرح: هذِه الأحاديث الأربعة أخرجها مسلم أيضًا (١)، وعبد الوهاب المذكور في إسناد حديث أبي هريرة، هو ابن عبد المجيد الحافظ الثقة، اختلط (٢). قال ابن عبد البر: روي هذا المعنى بألفاظ مختلفة، فرواية الأعرج، عن أبي هريرة: «لا تلقوا الركبان» (٣)، ورواية ابن سيرين عنه: «لا تلقوا الجلب» (٤)، ورواية ابن أبي صالح وغيره: نهى أن -------- (١) حديث أبي هريرة الأول رواه مسلم برقم (١٤١٣)، وحديث ابن عباس الثاني رواه برقم (١٥٢١)، وحديث ابن مسعود الثالث رواه برقم (١٥١٨)، وحديث ابن عمر الرابع رواه برقم (١٥١٧). (٢) قال الحافظ العلائي في «كتاب المختلطين» (٣٢): عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، من رجال الصحيحين أيضًا، قال عقبة بن مكرم: كان قد اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع، وقال أبو داود: تغير، وكذلك قال العقيلي، وزاد: أن أهله حجبوه، فلم يرو شيئًا بعد ذلك، فهو من القسم الأول أيضًا. اهـ. قلت: والقسم الأول هذا يعني العلائي به ما قاله في مقدمة كتابه هذا ص ٣ قال: أما الرواة الذين حصل لهم الاختلاط في آخر عمرهم، فهم على ثلاثة أقسام: أحدها: من لم يوجب ذلك له ضعفًا أصلًا ولم يحط من مرتبته، إما لقصر مدة الاختلاط وقلته، كسفيان بن عيينة وابن راهويه، وإما لأنه لم يرو شيئًا حال اختلاطه فسلم حديثه من الوهم، كجرير بن حازم وعفان بن مسلم. اهـ بتصرف. ولزيادة بيان ينظر: «الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات» لابن الكيال (٣٨). وانظر في ترجمته «تهذيب الكمال» ١٨/ ٥٠٣ (٣٦٠٤). (٣) سلفت برقمي (٢١٤٨، ٢١٥٠)، ورواها مسلم (١٥١٥/ ١١). (٤) رواها مسلم (١٥١٩/ ١٧). تتلقى السلع حتى تدخل الأسواق. ورواية ابن عباس: «لا تستقبلوا السوق ولا يتلقى بعضهم لبعض» (١). والمعنى واحد، فحمله مالك على أنه لا يجوز أن يشترى أحد من الجلب والسلع الهابطة في الأسواق، وسواء هبطت من أطراف العصر أو من البوادي حتى يبلغ بالسلعة سوقها، وقيل لمالك: أرأيت إن كان ذلك على رأس ستة أميال؟ فقال: لا بأس بذلك، والحيوان وغيره في ذلك سواء. وعن ابن القاسم: إذا تلقاها متلقٍّ واشتراها قبل أن يهبط بها السوق، قال ابن القاسم: تعرض، وإن نقصت عن ذلك الثمن لزمت المشتري. قال سحنون: وقال لي غير ابن القاسم: يفسخ البيع (٢). وقال الليث: أكره تلقي السلع وشراءها في الطريق أو على بابك حتى تقف السلعة في سوقها، وسبب ذلك الرفق بأهل الأسواق؛ لئلا يقطع بهم عَمَّا له جلسوا يبتغون من فضل الله فنهوا عن ذلك؛ لأن في ذلك فسادًا عليهم. وقال الشافعي: رفقًا بصاحب السلعة؛ لئلا يبخس في ثمن سلعته، وعند أبي حنيفة: من أجل الضرر، فإن لم يضر بالناس تلقي ذلك لضيق المعيشة وحاجتهم إلى تلك السلعة فلا بأس بذلك (٣). وعن الأوزاعي نحوه (٤). ---------- (١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧. (٢) «النوادر والزيادات» ٦/ ٤٤٦ - ٤٤٧. (٣) انتهى من «التمهيد» ١٨/ ١٨٤ - ١٨٩ بتصرف. (٤) انظر: «الأم» ٣/ ٨٢، و«مختصر المزني» ص ١٣٠، «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٦٣ - ٦٤. وقال ابن حزم: هو حرام سواء خرج لذلك أم لا، بعد موضع تلقيه أم قرب، ولو أنه من السوق على ذراع فصاعدًا، لا لأضحية ولا لقوت ولا لغير ذلك، أضر ذلك بالناس أم لا، فمن تلقى جلبًا أي شيء كان فالجالب بالخيار إذا دخل السوق، متى ما دخله ولو بعد أعوام في إمضاء البيع، أورده، واحتج بحديث علي وابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود وابن عباس في النهي عن ذلك (١)، ثم قال: هذا نقل متواتر رواه خمسة من الصحابة، وأفتى به أبو هريرة وابن عمر (٢)، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة (٣). وقال ابن المنذر: كره تلقي السلع للشراء مالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق، وأجازه أبو حنيفة. واختلفوا في معنى التلقي، فذهب مالك إلى أنه لا يجوز تلقي السلع حتى تصل إلى السوق، ومن تلقاها فاشتراها منهم شركه فيها أهل السوق إن شاءوا وكان واحدًا منهم (٤). قال ابن القاسم: وإن لم يكن للسلعة سوق عرضت على الناس في العصر فيشتركون فيها إن أحبوا، فإن أخذوها وإلا ردوها عليه، ولم أردها على بائعها. وقال غيره: يفسخ البيع في ذلك. وقد سلف. ----------- (١) حديث ابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود وابن عباس هي أحاديث الباب، وكلها رواها مسلم أيضًا. أما حديث علي فرواه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠٢ (٢١٤٣٩). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٤٠١ (٢١٤٣٤). (٣) «المحلى» ٨/ ٤٤٩. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٦٣ - ٦٤، و«النوادر والزيادات» ٦/ ٤٤٣، و«الأم» ٣/ ٨٢. وقال الشافعي: من تلقى فقد أساء، وصاحب السلعة بالخيار إذا قدم به السوق في إنفاذ البيع أو رده؛ لأنهم يتلقونهم فيخبرونهم بكساد السلع وكثرتها، وهم أهل غرة ومكر وخديعة؛ حجته حديث أبي هريرة: «وإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار» (١). وذهب مالك أن نهيه عن التلقي إنما يريد به نفع أهل السوق لا نفع رب السلعة كما سلف (٢)، وعلى ذلك يدل مذهب الكوفيين والأوزاعي، وقال الأبهري: معناه: لئلا يستبد الأغنياء وأصحاب الأموال بالشراء دون أهل الضعف، فيؤدي ذلك إلى الضرر بهم في معايشهم. ولهذا المعنى قال مالك: إنه يشرك بينهم إذا تلقوا السلع؛ ليشترك فيها من أرادها من أهل الضعف ولا ينفرد بها الأغنياء (٣). ومذهب الشافعي: إنما أريد به نفع رب السلعة وقد سلف، وهذا أشبه بمعنى الحديث، فإن تلقاها فصاحبه بالخيار فجعل الخيار للبائع؛ لأنه المعذور فثبت أن المراد بذلك نفع رب السلعة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا كان التلقي في أرض لا يضر بأهلها فلا بأس به، وإن كان يضرهم فهو مكروه (٤). واحتج الكوفيون بحديث ابن عمر قال: كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا رسول الله - ﷺ - أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام (٥). ----------- (١) رواه مسلم (١٥١٩/ ١٧). (٢) انظر: «المنتقى» ٥/ ١٠٢. (٣) المصدر السابق. (٤) «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٦٣ - ٦٤. (٥) سيأتي برقم (٢١٦٦). وقال الطحاوي: في هذا الحديث إباحة التلقي، وفي الأحاديث الأُوَل النهي عنه، فأولى بنا أن نجعل ذلك على غير التضاد، فيكون ما نهى عنه من التلقي لما في ذلك من الضرر على غير المتلقين المقيمين في السوق، وما أبيح من التلقي هو ما لا ضرر فيه عليهم. وتأويل هذا الحديث يأتي في الباب الآتي على الأثر، قال الطحاوي: والحجة في إجازة الشراء مع التلقي المنهي عنه حديث أبي هريرة: «لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فهو بالخيار» (١) إذا أتى السوق ففيه جعل الخيار مع النهي، وهو دال على الصحة إذ لا يكون الخيار إلا فيه، إذ لو كان فاسدًا لأجبر بائعه ومشتريه على فسخه (٢). ------------ (١) رواه مسلم (١٥١٩). (٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٨ بتصرف يسير. ٧٢ - باب مُنْتَهَى التَّلَقِّي ٢١٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٧٥] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا فِي أَعْلَى السُّوقِ، يُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ. ٢١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِمْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥١٧، ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٧٥] ذكر فيه حديث نافع عن عبد الله قَالَ: كُنَّا نَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَنَشْتَرِي مِنْهُمُ الطَّعَامَ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ نَبِيعَهُ حَتَّى يُبْلَغَ بِهِ سُوقُ الطَّعَامِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هذا فِي أَعْلَى السُّوقِ، ويُبَيِّنُهُ حَدِيثُ عُبَيْدِ اللهِ. ثم ساقه من حديثه عن نافع عن عبد الله (١) قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مكانهم، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. هذان الحديثان أخرجهما مسلم بنحوه (٢). وقوله: (هذا في أعلى السوق) يريد أنهم كانوا يتلقونه في أعلى السوق وذلك جائز، وبينه ابن عمر بقوله: كانوا يتبايعونه في أعلاه ----------- (١) ورد بهامش الأصل: قوله: قال أبو عبد الله إلى قوله: عبيد الله، هو في نسختي مؤخر عن الحديث الثاني. (٢) مسلم (١٥٢٧) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض، و(١٥١٧) كتاب: البيوع، باب: تحريم تلقي الركبان. وإن ما كان خارجًا عن السوق في الحاضرة أو قريبًا منها بحيث يجد من يسأله عن سعرها أنه لا يجوز الشراء هنالك؛ لأنه داخل في معنى التلقي، وأما الموضع البعيد الذي لا يقدر فيه على ذلك فيجوز فيه البيع وليس بتلقٍ، قال مالك: وأكره أن يشتري في نواحي العصر حتى يهبط السوق (١)، وهذا أسلفناه في الباب الماضي. قال ابن المنذر: وبلغني هذا القول عن أحمد وإسحاق أنهما نهيا عن التلقي خارج السوق ورخصا في ذلك في أعلاه، واحتجا بحديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر: أنه - عليه السلام - نهى عن تلقي السلع حتى يهبط بها الأسواق (٢). ومذاهب العلماء في حد التلقي متقاربة، روي عن يحيى بن سعيد أنه قال: في مقدار الميل من المدينة أو آخر منازلها، هو من تلقي البيوع المنهي عنه. وروى ابن القاسم عن مالك أن الميل من المدينة تلقٍ، قيل له: فإن كان على ستة أميال؟ قال: لا بأس بالشرى وليس بتلقٍ. وروى أشهب عنه في (الصحانين) (٣) الذين يخرجون إلى الأجنة فيشترون الفاكهة قال: ذلك تلقٍ، وقال أشهب: لا بأس به، وليس ذلك بتلقٍ؛ لأنهم يشترون في مواضعه من غير جالب. وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك في الحضر أن يشتري ما مرَّ به من السلع، وإن كان على بابه إذا كان لها مواقف في السوق تباع فيها، وهو متلقٍّ إن فعل ذلك، وما لم يكن ----------- (١) «النوادر والزيادات» ٦/ ٤٤٥. (٢) انظر قول الإمام أحمد في «المغني» ٦/ ٣١٥. (٣) كذا بالأصل، ولم أقف لها على معنى، ولعلها كانت تطلق على تجار الفاكهة آنذاك! لها موقف وإنما يطاف بها فأدخلت أزقة الحاضرة فلا بأس أن يشتري وإن لم تبلغ السوق (١). وقال الليث: من كان على بابه أو في طريقه فمرت به سلعة فاشتراها، فلا بأس بذلك، والتلقي عنده الخارج القاصد إليه، قال ابن حبيب: ومن كان موضعه غير الحاضرة قريبًا منها أو بعيدًا، لا بأس أن يشترى ما مرَّ به للأكل خاصة لا للبيع، رواه أشهب عن مالك. ---------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٦/ ٤٤٣ - ٤٤٥. ٧٣ - باب إِذَا اشْتَرَطَ فِي البَيْعِ شُرُوطًا لَا تَحِلُّ ٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا [ذَلِكَ] عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ. مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٤/ ٣٧٦] ٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». [انظر: ٢١٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٦/ ٣٧٦] ثم ساق حديث عائشة في قصة بريرة. وقوله - عليه السلام -: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَا كانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَاب اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثم ذكر بعده عنها حديثًا آخر بنحوه، وهو حديث صحيح حفيل له طرق، وقد أفرد بالتأليف (١)، وقام الإجماع على أن من اشترط في البيع شرطًا لا يحل أنه لا يجوز شيء منها؛ عملًا بهذا الحديث واختلفوا في غيرها من الشروط على مذاهب مختلفة، فذهبت طائفة إلى أن البيع جائز، والشرط باطل على نص حديث بريرة، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وابن جرير، وبه قال أبو ثور، قالوا: ودلَّ هذا الحديث أن الشروط كلها في البيع تبطل وتثبت البيوع (٢). وذهبت أخرى إلى جوازهما، واحتجوا بحديث جابر في بيعه واستثنائه حمله إلى المدينة، روى ذلك عن حماد وابن شبرمة وبعض التابعين وذهبت ثالثة إلى بطلانها، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع وشرط (٣)، وهو قول عمر وولده وابن مسعود والكوفيين والشافعي (٤)، فحملوا هذِه الأحاديث التي نزعوا بها على العموم، ولكل واحد منهما موضع لا يتعداه، ولها عند مالك أحكام مختلفة، وقد يجوز عنده البيع والشرط في مواضع، فإما إجازتهما فمثل أن يشترط المشتري على ------------ (١) قال المصنف -رحمه الله- هذا حديث عظيم كثير الأحكام والقواعد والفوائد والفرائد، وقد اعتنى الأئمة بتعدد فوائده وآدابه وعنوانه ونكته وبلغوها عددًا جمًّا، كابن جرير الطبري وابن خزيمة إمام الأئمة. اهـ «الإعلام» ٧/ ٢٢٥. وليراجع أيضًا شرح حديث (٤٥٦). (٢) «المغني» ٦/ ٣٢٥. (٣) هذا الحديث سيرويه المصنف -رحمه الله- عما قليل بإسناده مطولًا، وهناك يأتي تخريجه والكلام عليه. (٤) انظر: «المبسوط» ١٣/ ١٣ - ١٥. البائع شيئًا ما في ملك البائع ما لم يدخل في صفقة البيع، وذلك مثل أن يشتري منه زرعًا ويشترط على البائع حصده، أو دارًا ويشترط سكناها مدة يسيرة، أو يشترط ركوب الدابة يومًا أو يومين، وقد روي أنه لا بأس أن يشترط سكنى الدار الأشهر والسنة (١)؛ ووجه إجازته لذلك أن البيع وقع على الشيئين معًا، وعلى الزرع والحصاد، والحصاد إجارة، وهي بيع منفعة، وكذا وقع البيع على الدار غير سكنى المدة وعلى الدابة غير الركوب. وأبو حنيفة والشافعي لا يجيزان هذا البيع كله؛ لأنه عندهم بيع وإجارة ولا يجوز؛ لأن الإجارة عندهم بيع منافع طارئة في ملك البائع لم تخلق بعد، وهو من باب بيعتين في بيعة. ومما أجاز مالك فيه البيع والشرط: شراء العبد بشرط عتقه، إتباعًا للسنة في بريرة، وهو قول الليث، وبه قال الشافعي في رواية الربيع، ولم يقس عليه غيره من أجل نهيه - عليه السلام - عن بيع وشرط، وأجاز ابن أبي ليلى هذا البيع وأبطل الشرط، وبه قال أبو ثور، وأبطل أبو حنيفة البيع والشرط، وأخذ بعموم نهيه عن بيع وشرط؛ لأن أبا حنيفة يقول: إن المبتاع يقول: إذا أعتقه كان مضمونًا عليه بالثمن، وهذا خلاف أصوله؛ لأنه كان ينبغي أن يكون مضمونًا عليه بالقيمة، كما قال وقلنا في البيع الفاسد (٢). ومضى أبو يوسف ومحمد على القياس فقالا: لا يكون مضمونًا بالقيمة، قال ابن المنذر: وما قالوه خطأ؛ لأن البيع إن كان غير جائز ------------ (١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٥٤٦ - ٥٤٧ (٢٣٠٠١ - ٢٣٠٠٣). (٢) سبق بيان ذلك. فالعبد في ملك البائع لم يُزل ملكه عنه، وعتق المشتري له باطل؛ لأنه أعتق ما لم يملك، ومما أجاز مالك فيه البيع وأبطل الشرط، وذلك شراء العبد على أن يكون الولاء للبائع، وهذا البيع أجمعت الأمة على جوازه وإبطال الشرط فيه لمخالفته السنة في أن: «الولاء لمن أعتق» فإنه - عليه السلام - أجاز هذا البيع وأبطل الشرط، وكذلك من باع سلعة وشرط أنه لم ينقد المشتري إلى ثلاثة أيام أو نحوها مما يرى أنه لا يريد تحويل الأسواق والمخاطرة، فالبيع جائز والشرط باطل عند مالك، وأجاز ابن الماجشون البيع والشرط، وحمله محمل بيع الخيار إلى وقت مسمى، فإذا أجاز الوقت فلا خيار له، وممن أجاز هذا البيع والشرط: الثوري، ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق، ولم يفرقوا بين ثلاثة أيام وأكثر منها، وأجاز أبو حنيفة البيع والشرط إلى ثلاثة أيام، وإن قال: إلى أربعة أيام، بطل البيع؛ لأن الخيار لا يجوز عنده اشتراطه أكثر من ثلاثة أيام، وبه قال أبو ثور. ومما يبطل فيه عند مالك البيع والشرط، وذلك مثل أن يبيعه جارية على أن لا يبيعها ولا يهبها، وعلى أن يتخذها أم ولد، فالبيع عنده فاسد، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. واعتلوا في فساد البيع بفساد الشرط فيه، وذلك عدم تصرف المشتري في المبيع وكما لا يجوز عند الجميع أن يشترط المبتاع على البائع عدم التصرف فيما اشتراه وهذا عندهم معنى نهيه عن بيع وشرط. وأجازت طائفة هذا البيع وأبطلت الشرط، هذا قول النخعي والشعبي والحسن وابن أبي ليلى، وبه قال أبو ثور، وقال حماد الكوفي: البيع جائز والشرط لازم. قال ابن المنذر: وقد أبطل الشارع ما اشترطه أهل بريرة من الولاء وأثبت البيع، فمثال هذا أن كل من اشترط في البيع شرطًا خلاف كتاب الله وسنة رسوله أن الشرط باطل والبيع ثابت؛ استدلالًا بحديث بريرة، واشتراط البائع على المشتري أن لا يبيع ولا يهب شروطًا ينبغي إبطالها وإثبات البيع؛ لأن الله تعالى أحل وطء ما ملكت اليمين، وأحل للناس أن يبيعوا أملاكهم ويهبوها فإذا اشترط البائع شيئًا من هذِه فقد اشترط خلاف كتاب الله، وهو مثل اشتراط موالي بريرة ولاءها لهم، فأجاز - عليه السلام - البيع وأبطل الشرط، فكذلك ما كان مثله، ومما يبطل فيه عند مالك والشافعي والكوفيين البيع والشرط بيع الأمة والناقة واستثناء ما في بطنها، وهو عندهم من بيوع الغرر؛ لأنه لا يعلم مقدار ما يصلح أن يحط من ثمنها قيمة الجنين، وقد أجاز هذا البيع والشرط النخعي والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور؛ واحتجوا بأن ابن عمر أعتق جارية واستثنى ما في بطنها. قال ابن المنذر: وهذا البيع معلوم ولا يضرهما أن يجهلا ما لم يدخل في البيع، ولا أعلمهم يختلفون أنه يجوز بيع جارية قد أعتق ما في بطنها، ولا فرق بين ذلك؛ لأن المبيع في المسألتين جميعًا الجارية دون الولد. وما أحسن الحكاية المشهورة في ذلك أنبأنا بها غير واحد عن الدمياطي الحافظ، منهم المعمر ناصر الدين محمد بن علي الحراوي (١)، أنا أبو القاسم بن أبي السعود، أنا أبو الرضا محمد بن -------- (١) هو محمد بن علي بن يوسف بن إدريس بن داود بن أحمد الدمياطي الحراوي، أبو عبد الله ناصر الدين الطبردار الكردي. ولد بثغر دمياط في شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وستمائة، سمع من الكثير من شيوخه وحدث، فسمع منه الفضلاء، وكان من أهل الخير والدين والصلاح، توفي = بدر بن عبد الله السنجي (١)، أنا أبو الحسن على بن محمد العلاف (٢)، أنا أبو الحسن على بن أحمد بن عمر الحمَّامي (٣)، ثنا جعفر بن محمد بن -------- = في يوم الخميس حادي عشر رجب سنة إحدى وثمانين وسبعمائة. انظر تمام ترجمته في: «ذيل التقييد» ١/ ١٩٣ (٣٦٠)، و«درر العقود الفريدة» ٣/ ١٩٢ (١٠٩٩)، و«الدرر الكامنة» ٤/ ٩٩ (٢٦٢)، و«شذرات الذهب» ٦/ ٢٧٢. (١) هو الشيخ الإمام الحافظ الخطيب، محدث مرو وخطيبها وعالمها، أبو طاهر محمد بن أبي بكر محمد بن عبد الله بن أبي سهل بن أبي طلحة، المروزي السنجي الشافعي. ولد بقرية سنج العظمى في سنة ثلاث وستين وأربعمائة، أو قبلها. قال أبو سعد السمعاني: كان إمامًا ورعًا متهجدًا متواضعًا سريع الدمعة، وله معرفة بالحديث، وهو ثقة دين، كثير التلاوة، توفي في التاسع والعشرين من شوال سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. انظر تمام ترجمته في: «الأنساب» ٧/ ١٦٦، و«تاريخ الإسلام» ٣٧/ ٣٣٠ (٤٦٧)، و«سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٢٨٤ (١٩٢)، و«تذكرة الحفاظ» (١٠٨٨) ووقع فيه: المروزي السبحي -بالباء والحاء- مولده بقرية سبح الكبيرة. وهو تصحيف عجيب غريب؛ فلم أجد قرية أو مكانًا بهذا الاسم!! ولم أجد في ترجمته من كناه بأبي الرضا، ولا من ذكر في اسمه ابن بدر، كما ذكره المصنف هنا، والله أعلم. (٢) هو المولى الجليل الحاجب الثقة، مسند العراق، أبو الحسن على بن المقرئ أبي طاهر محمد بن علي بن محمد بن يوسف بن يعقوب البغدادي، ابن العلاف. من بيت الحديث والقراءة، عَمَّر حتى رحل إليه الناس وكان ذا طريقة جميلة وخصال حميدة، وهو آخر من روى عن الحمامي انظر تمام ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٣٥/ ١٠٨ (١١٣)، و«سير أعلام النبلاء» ١٩/ ٢٤٢ (١٥٠)، و«شذرات الذهب» ٤/ ١٠. (٣) هو الإمام المحدث مقرئ العراق، ولد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. قال الخطيب: كان صدوقًا دينًا فاضلًا، تفرد بأسانيد القراءات وعلوها في وقته، مات في شعبان سنة سبع عشرة وأربعمائة. انظر تمام ترجمته في «تاريخ بغداد» ١١/ ٣٢٩، و«الإكمال» ٣/ ٢٨٩، و«المنتظم» = الحجاج (١)، ثنا عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير (٢)، ثنا محمد بن سليمان الذُهلي (٣)، ثنا عبد الوارث بن سعيد (٤) قال: قدمت مكة فوجدت بها أبا حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة فقلت: ما تقول في رجل باع بيعًا وشرط شرطًا؟ فقال: البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فسألته فقال: البيع جائز والشرط جائز. ---------- = ٨/ ٢٨ (٥٢)، و«تاريخ الإسلام» ٢٨/ ٤٢٦ (٣٠٠)، و«سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٤٠٢ (٢٦٥). (١) هو الشيخ الإمام القدوة المحدث، شيخ الصوفية، أبو محمد جعفر بن محمد بن نصر بن قاسم البغدادي. الخلدي الخواص، كان المرجع إليه في علم الصوفية وتصانيفهم وحكاياتهم، وثقة الخطيب، توفي سنة ثمان وأربعين وثلثمائة. قلت: وليس في اسمه الحجاج، كما ذكر المصنف! وانظر تمام ترجمته في: «طبقات الصوفية» ص ٤٣٤ - ٤٣٩، و«تاريخ بغداد» ٧/ ٢٢٦، و«الأنساب» ٥/ ١٦١، و«تاريخ الإسلام» ٢٥/ ٣٩٦ (٦٥٨)، و«سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٥٥٨ (٣٣٣). (٢) هو أبو محمد البصري القربي الضرير، نزل بغداد، حدث عن أبي الوليد الطيالسي، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، ومحمد بن سليمان الذهلي. قال الدارقطني: متروك. توفي سنة اثنتين وتسعين ومائتين. انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٩/ ٤١٣، و«تاريخ الإسلام» ٢٢/ ١٧٦ (٢٤٠). (٣) لم أقف له على ترجمة. (٤) هو ابن ذكوان، الإمام المثبت الحافظ، أبو عبيدة العنبري، مولاهم البصري التنوري، المقرئ. كان عالمًا مجودًا، من فصحاء أهل زمانه، ومن أهل الدين والورع، إلا أنه قدري مبتدع. انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١١٨، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٧٨ (٣٥٩٥)، و«تاريخ الإسلام» ١١/ ٢٥٣ (١٩٤)، و«سير الإعلام» ٨/ ٣٠٠ (٨٠). = فقلت: سبحان الله، ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا على مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: ما أدرى ما قالا؟ حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع وشرط، البيع باطل والشرط باطل. ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا؟ حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أشتري بريرة فأعتقها، البيع جائز والشرط باطل. ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: لا أدري ما قالا؟ حدثني مسعر بن كدام، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد الله قال: بعت من النبي - ﷺ - ناقة واشترط لي حملانها إلى المدينة، البيع جائز والشرط جائز (١). --------- (١) هذا الحديث رواه الطبراني في «الأوسط» ٤/ ٣٣٥ (٤٣٦١)، والخطابي في «معالم السنن» ٣/ ١٢٤، والحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص ١٢٨، وابن حزم في «المحلى» ٨/ ٤١٥ - ٤١٦، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ١٨٥ - ١٨٦ من طريق عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير [ووقع في «المعالم»: عبد الله بن فيروز الديلي] عن محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث بن سعيد، به. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي حنيفة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، إلا عبد الوارث. والحديث صححه عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ٣/ ٢٧٧! وقد تفرد بتصحيحه -فيما علمت- فتعقبه ابن القطان في «البيان» ٣/ ٥٢٧ (١٣٠١) فأعله بأبي حنيفة. وقال ابن قدامة في «المغني» ٦/ ١٦٥ - ١٦٦: لم يصح أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع وشرط. وقال النووي في «المجموع» ٩/ ٤٥٣: حديث غريب. وقال شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في «مجموع الفتاوى» ١٨/ ٦٣: هذا حديث باطل ليس في شيء من كتب المسلمين، وإنما يروى في حكايته منقطعة. وقال الذي موضع آخر ٢٩/ ١٣٢: حديث لا يوجد في شيء من دواوين الحديث، وقد أنكره أحمد وغيره من العلماء، وذكروا أنه لا يعرف، وأن الأحاديث الصحيحة تعارضه. = قال الحافظ أبو الفتح بن أبي الفوارس (١): هذا حديث غريب من حديث ابن شبرمة، عن مسعر وهذا الحديث تفرد به عبد الوارث بن سعيد (٢). قال المهلب: وحديث بريرة أصل في العقوبة بالأموال؛ لأن مواليها أبوا الوقوف عند حكم الله وحكم السنة، فلما عرفت عائشة رسول الله - ﷺ - بإبائهم واستمرارهم على خلاف الحق باشتراطهم ما لا يجوز، قال لها: «اشترطي لهم ذلك» فإن ذلك غير نافعهم ولا ناقض لبيعهم، فعاقبهم في المال بعشر ما وضعوا من الثمن، من أجل اشتراط الولاء واستبقائه لهم ولم يعطهم قيمة عقوبة. ---------- = وقال في «منهاج السنة» ٧/ ٤٣٠: أهل العلم بالحديث متفقون على أنه كذب على رسول الله - ﷺ - موضوع، وكذلك أهل العلم من الفقهاء. اهـ بتصرف. وقال العلامة ابن القيم -قدس الله روحه- في «إعلام الموقعين» ٢/ ٣٤٦: حديث لا يعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس، ولانعقاد الإجماع على خلافه. وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٣١٥: في إسناده مقال. وقال الذي «بلوغ المرام» ص ١٦٩: حديث غريب. وقال العظيم آبادي في «عون المعبود» ٩/ ٤١٣: حديث فيه مقال. وبيض له الألباني في «الضعيفة» (٤٩١) وقال: ضعيف جدًا. (١) هو الإمام الحافظ المحقق الرحال، أبو الفتح، محمد بن أحمد بن محمد بن فارس ابن أبي الفوارس، البغدادي. قال الخطيب: كان ذا حفظ ومعرفة وأمانة، مشهورًا بالصلاح، انتخب على المشايخ. انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١/ ٣٥٢، «المنتظم» ٨/ ٥، «تاريخ الإسلام» ٢٨/ ٣٠٢ (٥٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٢٢٣ (١٣٣)، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٦٠. (٢) نقله أيضًا المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٤٩٩ وعزاه للجزء الثالث من الأعيان الجياد من مشيخة بغداد، تخريج الحافظ شرف الدين الدمياطي. قال أبو عبد الله: فلو وقع اليوم مثل هذا وباع رجل جارية على أن يتخذها المشتري أم ولد وعلى أن لا يبيعها ولا يهبها، ثبت البيع ورجع البائع بقيمة ما وضع. ولنذكر نبذة من فوائده وألفاظه: ففيه: جواز كتابة الأمة، وكرهها القاضي في «معونته» (١) لما روي عن عثمان أنه قال: لا تكلفوا الأمة الكسب فتكتسب بفرجها (٢) وفيه: تنجيم الكتابة خلافًا للمالكية (٣)، والإعانة عليها، ويدل على أن الخير في الآية الصلاح والعفة لا المال. وفيه: جواز السؤال للضرورة. لقولها: أعينيني. وفيه: أخذ المكاتب للزكاة: وهو المعني بقوله ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] خلافًا لمالك. وفيه: جواز بيع المكاتب، وقد يقال: إنها عجزت نفسها، وأجازه مالك، ومنعه أبو حنيفة والشافعي (٤). وفي تعجيز المكاتب ثلاثة أقوال عند المالكية: ثالثها: ما في «المدونة»: نعم، إلا أن يكون له مال ظاهر (٥). ----------- (١) «المعونة» ٢/ ٣٨٢. (٢) رواه مالك في «الموطأ» ٢/ ٩٨١، ومن طريقه البيهقي في «السنن» ٨/ ٨ - ٩، وفي «المعرفة» ١١/ ٣٠٩ (١٥٦٢٨)، وفي «الشعب» ٦/ ٣٧٩ (٨٥٩١) من طريقه عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه سمع عثمان بن عفان، به. قال البيهقي في «السنن» ٨/ ٩: رفعه بعضهم عن عثمان، من حديث الثوري، ورفعه ضعيف. وكذال قال المصنف -رحمه الله- في «خلاصة البدر» ٢/ ٢٦٠. (٣) «المدونة» ٣/ ٣، ٤. (٤) انظر: «بدائع الصنائع» ٤/ ١٥١، و«الأم» ٣/ ١٧، و«المدونة» ٣/ ٤١٣. (٥) «المدونة» ٣/ ١١. ![]()
__________________
|
|
#416
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 431 الى صـــ 450 الحلقة (416) ----------- (١) رواه عنه الخطابي في «معالم السنن» ٤/ ٦١. وانظر كلام الخطابي بعده ففيه مهمات. (٢) سيأتي برقم (٢٥٦٣)، ورواه مسلم (١٥٠٤/ ٨). (٣) رواه النسائي ٦/ ١٦٤، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥ (٧٤٦)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٩٤ - ١٩٥ (٥٠١٥) و٣/ ٣٦٥ (٥٦٤٤)، وابن حبان ١٠/ ٩٣ - ٩٤ (٤٢٧٢)، والدارقطني ٣/ ٢٢، والبيهقي ٧/ ١٣٢. وجرير هو ابن عبد الحميد. (٤) راجع شرح حديث (٤٥٦). وقد تكلم في هذا التأويل، انظر ذلك في «الفتح» ٥/ ١٩١. (٥) «الأم» ٣/ ١٧. (٦) سيأتي برقم (٢٥٦٥) كتاب: المكاتب، باب: إذا قال المكاتب اشترني وأعتقني. (٧) قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ١٨٠: أما قول هشام بن عروة في حديثه هذا: «خذيها واشترطي لهم الولاء». فكذلك رواه جمهور الرواة عن مالك: واشترطي = أو خصت به عائشة، أو لم يكن الشرط في العقد، فهذِه تأويلات، وخطبته - عليه السلام - علي رءوس الأشهاد أبلغ في النكير وأوكد في التنفير. وقوله: «قضاء الله أحق» وفي لفظ: «شرط الله أحق» (١) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] وقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] فأثبت الولاء للمعتق. وفيه: الابتداء بالحمد عند الموعظة. وفيه: دليل على ابن عباس القائل بأن المكاتب حر بنفس الكتابة، لانتقال الولاء إلى عائشة، وعندنا وعند مالك: أنه عبد ما بقي عليه درهم (٢)، وعند ابن مسعود: يعتق بأداء نصف كتابته. وفيه: أن المسئول لا يجب عليه أن يعطي سائله إذا لم يخف عليه هلكة من موت أو أسر. وفيه: أن العدة لا تلزم؛ لأنه - عليه السلام - لم يلزمها ما شرطت لهم، ورد ذلك عليهم. ----------- = الولاء. ورواه الشافعي عن مالك عن هشام: إلا أنه قال: «أشرطي لهم الولاء». وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ١٩١: زعم الطحاوي أن المزني حدثه به عن الشافعي بلفظ: «وأشرطي» بهمزة قطع بغير تاء مثناة. (١) سلف برقم (٢١٥٥)، وسيأتي برقم (٢٥٦١)، ورواه مسلم ١٥٠٤/ ٦. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٧/ ٣١١، و«المدونة» ٣/ ٤٤. ٧٤ - باب بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ ٢١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، سَمِعَ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «البُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». [انظر: ٣١٣٤ - مسلم: ١٥٨٦ - فتح: ٤/ ٣٧٧] ذكر فيه حديث عمر، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «البُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». هذا الحديث سلف في باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة (١)؛ ولفظ الحديث والترجمة: «التمر بالتمر» (٢) بالتاء المثناة، وكذا هو بضبط الحفَّاظ، وتقدم الكلام على (هاء وهاء) واللغات في ذلك. قال ابن بطال هنا: وهي في كلام العرب خذ وأعط، المعنى: لا يجوز بيع التمر بجنسه إلا يدًا بيد. قال مالك: الأمر المجمع عليه عندنا أنه لا تباع الحنطة بالحنطة، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الحنطة بالتمر، ولا شيء من الطعام كله بعضه ببعض، إلا يدًا بيد، فإن دخل الأجل شيئًا من ذلك فلا يصلح وكان حرامًا، قال: وكذلك حكم الإدام كله (٣)، وعلى هذا عامة علماء الأمة بالحجاز والعراق، أن الطعام بالطعام من صنف واحد كانا أو من صنفين، فإنه لا يجوز فيه النسيئة، فهو بمنزلة ---------- (١) برقم (٢١٣٤). (٢) ورد في هامش الأصل: من خط الشيخ: عن أبي عمر أن الرواية: التمر، الأول بالمثلثة، والثاني بالمثناة. (٣) «المنتقى» ٥/ ٣. الذهب والورق، وكذلك حكم كل ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب، حكم ما ذكره رسول الله - ﷺ - من البر والشعير والتمر في ذلك. قال مالك: إذا اختلف ما يكال أو يوزن مما يؤكل أو يشرب فلا بأس فيه أن يؤخذ صاع من تمر بصاعين من حنطة، وصاع من تمر بصاعين من زبيب، وصاع من حنطة بصاعين من تمر، فإن دخل ذلك الأجل فلا يحل، قال: ولا تباع صبرة الحنطة بصبرة الحنطة، ولا بأس بصبرة الحنطة بصبرة التمر يدًا بيد (١). قال مالك: وكل ما اختلف من الطعام أو الإدام فبان اختلافه فلا بأس أن يشتري بعضه ببعض جزافًا، يدًا بيد، وشراء بعض ذلك جزافًا كشراء بعض الذهب بالذهب والورق جزافًا، واتفق أهل الحجاز والعراق على أن التفاضل جائز في كل ما اختلف أجناسه من الطعام؛ لأنه إذا اختلفت أجناسه اختلفت أغراض الناس فيه؛ لاختلاف منافعه، فلذلك جاز بيعه متفاضلًا، وكل ما جاز فيه التفاضل جاز بيع بعضه ببعض جزافًا معلومًا بمجهول، ومجهولًا بمجهول، وما لا يجوز فيه التفاضل فلا يجوز بيعه جزافًا، ولا يباع معلوم بمجهول، إلا أن مالكًا يجعل البر والشعير والسلت صنفًا واحدًا، لا يجوز فيه التفاضل أحدهما بصاحبه، وهو قول الليث والأوزاعي. وعند الكوفيين والثوري والشافعي يجوز بيع الشعير بالبر متفاضلًا، وهما جنسان عندهم، وهو قول إسحاق وأبي ثور (٢) (٣). ---------- (١) «المنتقى» ٥/ ٧. (٢) انتهى من «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٩٨ - ٢٩٩. الباب بتمامه سطرًا بسطر. (٣) «الأم» ٣/ ١٥، و«المغني» ٦/ ٧٩ - ٨٠. ٧٥ - باب بَيْعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ ٢١٧١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ كَيْلًا. [٢١٧٢، ٢١٨٥، ٢٢٠٥ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٣٧٧] ٢١٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ، قَالَ: وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ، إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ. [انظر: ٢١٧١ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٣٧٧] ٢١٧٣ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي العَرَايَا بِخَرْصِهَا. [٢١٨٤، ٢١٨٨، ٢١٩٢، ٢٣٨٠ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٧٧] ذكر فيه حديث ابن عمر: نهى رَسُولَ الله - ﷺ - عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ كَيْلًا. وعنه: نهى رسول - ﷺ - عَنِ المُزَابَنَةِ، قَالَ: وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلِ، إِنْ زَادَ فَلِي، وإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بيع العَرَايَا بِخَرْصِهَا. هَذان الحديثان أخرجهما مسلم (١). قوله: (قال: وحدثني زيد) يعني: ابن عمر هو القائل، وسيأتي للمزابنة باب فلنؤخر الكلام عليها إليه (٢)، واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الحديث الذي ذكره البخاري من جهة النص بيع ---------- (١) مسلم (١٥٣٩، ١٥٤٢) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا. (٢) النظر شرح الأحاديث الآتية (٢١٨٣ - ٢١٨٨). الزبيب بالزبيب، ولا الطعام بالطعام إلا جهة المعنى، قال: والبخاري ينحو نحو أصحاب الظاهر، فلو حقق الحديث ببيع الثمر في رءوس الشجر بمثله من جنسه يابسًا أو صحح الكلام على قدر ما ورد به لفظ الخبر كان أولى، وصح أنه - ﷺ -، سئل عن شراء التمر بالرطب فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، قال «فلا إذن» أخرجه مالك وأصحاب السنن الأربعة من حديث سعد بن أبي وقاص، وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم (١). -------- (١) «الموطأ» ٢/ ٦٢٤، «سنن أبي داود» (٣٣٥٩)، «سنن الترمذي» (١٢٢٥)، «سنن النسائي الكبرى» ٣/ ٤٩٦ (٦٠٣٤) و٤/ ٢٢ (٦١٣٧)، «سنن ابن ماجه» (٢٢٦٤)، «صحيح ابن حبان» ١١/ ١٧٢ (٤٩٩٧) و١١/ ٣٧٨ (٥٠٠٣)، «المستدرك» ٢/ ٣٨ - ٣٩. من طريق عبد الله بن يزيد أن زيدًا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص … الحديث. وعزاه المصنف -رحمه الله- هنا لابن خزيمة. وقال في «البدر المنير» ٦/ ٤٧٨: وعزاه غير واحد إلى «صحيح ابن خزيمة»! وكذا أطلق عزوه لابن خزيمة في «خلاصة البدر» ٢/ ٥٥، دون النص على «صحيحه» وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٨٥: وصححه ابن خزيمة. وعزاه لابن خزيمة في «تلخيص الحبير» ٣/ ٩. وكذا عزاه أيضًا الشوكاني في «النيل» ٣/ ٥٩٩. وأقول: الحديث لم يروه ابن خزيمة في «صحيحه»؛ فالحديث ليس فيه، وأدل لذلك أن الحديث أورده الحافظ في «إتحاف المهرة» ٥/ ١٤٦ - ١٤٨ (٥٠٩٥) وعزاه لمالك وابن الجارود والطحاوي وابن حبان والدارقطني والحاكم، ولم يعزه لابن خزيمة. وإنما رواه ابن خزيمة في «مختصر المختصر»، كذا عزاه النووي -قدس الله روحه- في «المجموع» ١٠/ ٢٩٠. والحديث رواه أيضًا الشافعي في «مسنده» ٢/ ١٥٩ (٥٥١)، وفي «الرسالة» ص ٣٣١ - ٣٣٢، وأحمد ١/ ١٧٥، والطحاوي في «شرح المعاني» ٤/ ٦، وفي «شرح المشكل» ٤/ ٢٥٥ - ٢٥٧ (٢٥٨٠ - ٢٥٨٦) من نفس الطريق المذكور سالفًا. ووهم ابن حزم في إعلاله (١). ---------- (١) قال في «المحلى» ٨/ ٤٦٢: حديث لا يصح؛ لأنه من رواية زيد بن أبي عياش وهو مجهول. وضعفه في موضع آخر ٨/ ٤٦٦. وقال في «الإحكام» ٧/ ٤٧٣: هذا خبر لا يصح؛ لأن زيدًا أبا عياش مجهول، فارتفع الكلام فيه. وضعفه أيضًا في الرسالة التي له في إبطال القياس فقال: حديث لا يصح؛ لجهالة أبي عياش. كذا حكاه عنه المصنف -رحمه الله في «البدر المنير» ٦/ ٤٨٢. قلت: لم ينفرد ابن حزم بإعلاله، فأعله الطحاوي في «شرح المعاني» ٤/ ٦ - ٧، وفي «شرح المشكل» ٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠، وعبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٣/ ٢٥٧. وقال المرغيناني في «الهداية» ٣/ ٧٠: مداره على زيد بن عياش وهو ضعيف عند النقلة. وأما الحديث فأطبق الأئمة على تصحيحه: فصححه الخطابي في «المعالم» ٣/ ٦٧ ورد على من أعله بزيد. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٧١: حديث محفوظ. وأشار لصحته في موضع آخر ١٩/ ١٧٣. وصححه المنذري في «المختصر» ٥/ ٣٤. وأطال النووي النفس في الكلام على هذا الحديث في «المجموع» ١٠/ ٢٩٠ - ٢٩٥ قائلًا بصحته. وصححه ابن الأثير في «الشافي» ٤/ ١٠٣. وذكره الحافظ ابن كثير -طيب الله ثراه- في «إرشاد الفقيه» ٢/ ١٩، وفي «تحفة الطالب» (٣١٠) وذكر تصحيح بعض الأئمة له، وسكت، فكأنما أقر بتصحيحه. وصححه المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٤٧٨. وقال في «الخلاصة» ٢/ ٥٥: وأعله بعضهم بما لو سكت عنه كان أولى به. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٨٦٦): صححه ابن المديني. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (١٥١٥): إسناده صحيح. وصححه الألباني في «الإرواء» (١٣٥٢). ٧٦ - باب بَيْعِ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ٢١٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ التَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ فَتَرَاوَضْنَا، حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنَ الغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». [انظر: ٢١٣٤ - مسلم: ١٥٨٦ - فتح: ٤/ ٣٧٧] ذكر فيه حديث عمر، وقد سلف الكلام عليه في آخر بيع الطعام قبل أن يقبض (١). وقوله: (فتراوضنا) أي: زدت أنا ونقص هو. وفيه: المراوضة في الصرف. وقوله: (حتى يجيء خازني من الغابة). فيه: أن العقوبة لا تلحق من لا يعلم. وقول عمر: (والله لا تفارقه حتى تأخذ منه). ظاهره أن التراخي في المجلس لا يضر في الصرف، وهو قول الشافعي خلافًا لمالك عملًا بقوله «إلا هاءً وهاءً ويدًا بيد» (٢). وقوله: (والله لا تفارقه حتى تأخذ منه). وفي الترمذي: والله لتعطينه وَرِقَه أو لتؤدين إليه ذهبه (٣). ----------- (١) في شرح حديث (٢١٣٥ - ٢١٣٦). (٢) انظر: «الأم» ٣/ ٢٥ - ٢٦، و«المدونة» ٣/ ٨٩ - ٩٠، و«المنتقى» ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢. (٣) الترمذي (١٢٤٣). فيه: حلف الإمام من غير استحلاف والتأكيد باليمين؛ لأنه أبلغ، وسمي الذهب بالورق وسائر ما ذكر ربًا، وكان الربا في الجاهلية الزيادة في الدين عند حلوله، وألحق به كل حرام. ٧٧ - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ٢١٧٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْتُمْ». [٢١٨٢ - مسلم: ١٥٩٠ - فتح: ٤/ ٣٧٩] ذكر فيه حديث يحيى بن أبي إسحاق -واسمه يزيد بن الحارث الحضرمي- عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عن أبيه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كيْفَ شِئْتُمْ». هذا الحديث أخرجه مسلم بزيادة: فسأله رجل فقال: يدًا بيد، فقال: هكذا سمعت رسول الله - ﷺ - (١). واسم أبي بكرة: نفيع بن الحارث. وولده عبد الرحمن أول مولود ولد في الإسلام بالبصرة سنة أربع عشرة، ومات سنة ست وسبعين. ومات والده أيضًا بالبصرة في ولاية أخيه زياد سنة تسع وأربعين. وقيل سنة إحدى. وقيل: سنة اثنتين وخمسين. ----------- (١) مسلم (١٥٩٠) كتاب: المساقاة، باب: النهي عن بيع الورق بالذهب دينًا. وكانت ولاية زياد المِصْرَين: البصرة والكوفة خمس سنين، أولها سنة ثماني وأربعين إلى أن مات بالكوفة في رمضان سنة ثلاث وخمسين. وسلف هناك ضبط «سواء بسواء» أعني: أخر باب: بيع الطعام قبل أن يقبض (١)، وكرر قوله: «وبيعوا الذهب بالفضة» وعكسه لئلا يشكل فيقال: لا يجوز بيعه ويجوز شراؤه. ---------- (١) راجع شرح حديثي (٢١٣٥ - ٢١٣٦). ٧٨ - باب بَيْعِ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ ٢١٧٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فِي الصَّرْفِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالوَرِقُ بِالوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ». [٢١٧٧، ٢١٧٨ - مسلم: ١٥٨٤ و١٥٩٦ - فتح: ٤/ ٣٧٩] ٢١٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» [انظر: ٢١٧٦ - مسلم: ١٥٨٤ و١٥٩٦ - فتح: ٤/ ٣٧٩] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخدري حَدَّثَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَقِيَهُ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا هذا الذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فِي الصَّرْفِ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالوَرِقُ بِالوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ». وحديث نافع عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ» وذكر مثله في الفضة «ولا تبيعوا منها غائبًا ابن بناجزٍ». حديث أبي سعيد أخرجه مسلم وفي رواية له: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل سواءً بسواء» (١). ----------- (١) مسلم (١٥٨٤) كتاب: المساقاة، باب: الربا. وفي السند الأول: حدثنا عبيد الله بن سعد، ثنا عمر بن يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن أخي الزهري، عن عمه. وابن أخي الزهري هو: محمد بن عبد الله بن مسلم، قتله غلمانه بأمر ابنه، وكان سفيهًا شاطرًا، قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر، ثم وثب غلمانه عليه بعد سنين فقتلوه أيضًا (١). وقد أسلفنا في ذلك الباب معنى «ولا تُشفوا» والمراد هنا: الزيادة، وهذا يرد على ابن عباس أنه كان يجيز الدرهم بالدرهمين يدًا بيد، ويقول: إنما الربا في النسيئة (٢)، وقد سلف ما فيه هناك، والإجماع على خلافه سلف عن خلف، وبذلك كتب الصديق إلى عماله (٣)، وروي مثله عن علي (٤)، وروى مجاهد عن ثمانية عشر من الصحابة مثله (٥). والشارع حرم الربا؛ حراسة للأموال وحفظًا لها، فلا يجوز واحد باثنين من جنسه؛ لاتفاق الأغراض بخلاف غير الجنس؛ لاختلاف الأغراض والمنافع، ولذلك قال: «وبيعوا الذهب بالفضة -وعكسه- كيف شئتم كان يدًا بيد». ---------- (١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٩/ ٢٥٥، «الكامل» لابن عدي ٣/ ٥٤، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٥٨. (٢) انظر ما سيأتي قريبًا (٢١٧٨ - ٢١٧٩)، ورواه مسلم (١٥٩٦). (٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧٠. ومن وجه آخر رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٤/ ٨٤ بنحوه. (٤) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ١٢٤ (١٤٥٧٠ - ١٤٥٧١)، وابن أبي شيبة ٤/ ٥٠٠ (٢٢٤٨٩). (٥) روى ابن أبي شيبة ٤/ ٥٠٠ (٢٢٤٩٠) عن مجاهد قال: أربعة عشر من أصحاب محمد - ﷺ - قالوا: الذهب بالذهب والفضة بالفضة، وأربوا الفضل، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وطلحة والزبير. و(الناجز): الحاضر، يقال: نجز المال إذا حضر، ومنه قوله: وما نجز فلان وعدًا، وفي إطلاق عدم الشف ما يقتضي تحريم قليل الزيادة وكثيرها أي: لا تبيعوا إحداهما زائدًا على الأخرى، تقول العرب: قد أشف فلان بعض بنيه على بعض: إذا فضل بعضهم على بعض. ويقال: ما أقرب شف ما بينهما -أي: فضل ما بينهما وفلان حريص على الشف، يعني: الربح. ٧٩ - باب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسْاءً ٢١٧٨، ٢١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنِّي، وَلَكِنَّنِي أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ». [انظر: ٢١٧٦ - مسلم: ١٥٨٤ و١٥٩٦ - فتح: ٤/ ٣٨١] ذكر فيه حديث أبي صالح الزيات عن أبي سعيد قالَ: الدِّينَارُ بِالدِّينَا رِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنَّ ابن عَبَّاس لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ رسول الله - ﷺ -، أوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَاب اللهِ؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنِّي، ولكن أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بن زيد أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا رِبًا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ». هذا الحديث سلف في آخر باب: الطعام قبل أن يقبض، واضحًا مع الجواب عنه، فراجعه (١)، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا وابن ماجه في: التجارات (٢). وقال ابن بطال: اختلف العلماء في تأويله، فروي عن قوم من السلف أنهم أجازوا بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يدًا بيد --------- (١) راجع شرح حديث (٢١٣٥). (٢) مسلم (١٥٩٦) كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل، والنسائي ٧/ ٢٧٨، وابن ماجه (٢٢٥٦). متفاضلة، رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس. قال: ما كان ربا قط في هات وهات. ورواية عن (ابن عمر) (١) وهو قول عكرمة وشريح. واحتجوا بظاهر حديث أسامة، فدل أن ما كان نقدًا فلا بأس بالتفاضل فيه، وخالف جماعة العلماء بعدهم هذا التأويل، وقالوا: قد عارض ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث أبي بكرة (٢)، وقد أنكره أبو سعيد عليه كما سلف، فهذِه السنن الثابتة لا تأويل لأحد معها، فلا معنى لما خالفها، وقد تأول بعض العلماء: «لا ربا إلا في النسيئة» أنه خرج على جواب سائل سأل عن الربا في الذهب بالورق والبر بالتمر أو نحو ذلك مما هو جنسان، فقال - عليه السلام - «لا ربا إلا في النسيئة» فسمع أسامة كلامه ولم يسمع السؤال فنقل ما سمع. وقال الطبري: المراد به الخصوص، ومعناه: لا ربًا إلا في النسيئة إذا اختلفت أنواع المبيع، فأما إذا اتفقت فلا يصلح بيع شيء منه من نوعه إلا مثلًا بمثل، والفضل فيه يدًا بيد ربًا، وقد قامت الحجة ببيانه - عليه السلام - في الذهب والفضة وعكسه، والحنطة بالتمر نَسَاءً أنه لا يجوز متفاضلًا ولا مثلًا بمثل فعلمنا أن قوله «لا ربا إلا في النسيئة» هو فيما اختلفت أنواعه دون ما اتفقت. وفيه: مناظرة العالم للعالم وتوقيفه على معنى قوله، ورده من الاختلاف إلى الإجماع، وإقرار الصغير للكبير بفضل المتقدم؛ لقول ابن عباس لأبي سعيد: أنتم أعلم برسول الله - ﷺ - مني. ---------- (١) في الأصل: (عكرمة)، والمثبت من «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٠٢. (٢) سلف قريبًا برقم (٢١٧٥). والنساء: التأجيل: يقال: باع منه بنسيئةِ ونظرةٍ وأخرةٍ ودينٍ، كله بمعنى واحد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]﴾ يعني: تأخير الأشهر الحرم التي كانت العرب في الجاهلية تفعلها من تأخير المحرم إلى صفر، ومنه انتسأ فلان على فلان تباعد عنه (١). ---------- (١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٠٢ - ٣٠٤ بتصرف يسير. ٨٠ - باب بَيْعِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً ٢١٨٠ و٢١٨١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا المِنْهَالِ قَالَ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ رضي الله عنهم عَنِ الصَّرْفِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ هَذَا خَيْرٌ مِنِّي. فَكِلَاهُمَا يَقُولُ نَهَى: رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا. [انظر: ٢٠٦٠، ٢٠٦١ - مسلم: ١٥٨٩ - فتح: ٤/ ٣٨٢] ذكر حديث أبي المنهال قَالَ: سَأَلْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ، فَكُل وَاحِدِ مِنْهُمَا يَقُولُ: هذا خَيْرٌ مِنِّي. فَكِلَاهُمَا يَقُولُ: نَهَى النبي - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا. ٨١ - باب بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ ٢١٨٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيْفَ شِئْنَا. [انظر: ٢١٧٥ - مسلم: ١٥٩٠ - فتح: ٤/ ٣٨٣] ذكر حديث أبي بكرة السالف قريبًا في باب: بيع الذهب بالذهب (١). وحديث أبي المنهال السالف في باب: التجارة في البر، ولفظه: نهى عن بيع الورق بالذهب دينًا (٢)، وأسلفنا هناك أن مسلمًا أخرجه أيضًا (٣). وأبو المنهال هو: عبد الرحمن بن مطعم البصري كما سلف أيضًا هناك. وقد قام الإجماع على أنه لا تجوز النسيئة، وهي: التأخير في بيع الذهب بالورق ولا عكسه، كما لا يجوز في بيع كل منهما بمثله، وهو الربا المحرم في القرآن، وفي هذا الحديث حجة للشافعي في قوله: من كان له على رجل دراهم ولذلك الرجل دنانير، فلا يجوز أن يقاض أحدهما ماله بما عليه، وإن كان قد حل أجلهما جميعًا؛ لأنه يدخل في معنى النهي عن بيع الذهب بالورق دينًا؛ لأنه غائب بغائب، وإذا لم يجز غائب بناجز، فأحرى أن لا يجوز غائب بغائب (٤). وأجاز ذلك مالك إذا كانا قد حلا جميعًا، فإن كانا إلى ---------- (١) سلف برقم (٢١٧٥). (٢) سلف برقم (٢٠٦٠ - ٢٠٦١). (٣) مسلم (١٥٨٩) كتاب: المساقاة، باب: النهي عن بيع الورق بالذهب دينًا. (٤) انظر: «الأم» ٣/ ٢٨. أجل لم يجز؛ لأنه يكون ذهبًا بفضة متأخرًا (١). وقال أبو حنيفة: يجوز في الحال وغير الحال، حجة من فصل أنه إذا حل الدين واجتمع المتضاربان فإن الذمم تبرأ كالعين إذا لم يفترقا إلا وقد تفاضلا في صرفهما، والغائب لا يحل بيعه بناجز ولا بغائب مثله، وحجته حديث ابن عمر: كنت أبيع الإبل بالبقيع بالدنانير وآخذ الدراهم أو بالعكس، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: «لا بأس به إذا كان بسعر يومكما ما لم تفترقا وبينكما شيء» (٢) وحجة من جوزه مطلقًا أنه - عليه السلام - لم يسأله عن الدين أحالي هو أو مؤجل؟ دل ذلك على استواء الحكم فيهما. ----------- (١) «المنتقى» ٥/ ٦٥. (٢) رواه أبو داود (٣٣٥٤ - ٣٣٥٥)، والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي ٧/ ٢٨١ - ٢٨٢، وابن ماجه (٢٢٦٢)، وأحمد ٢/ ٨٣ - ٨٤، و٢/ ١٣٩، وابن حبان ١١/ ٢٨٧ (٤٩٢٠)، والحاكم ٢/ ٤٣ - ٤٤، والبيهقي ٥/ ٢٨٤، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٩٢ و١٦/ ١٣ من طريق سماك بن حرب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، به. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٩٢: حديث ثابت صحيح. وقال الحافظ الذهبي في «السير» ١٧/ ٦٣٦: حديث حسن غريب. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٥٥٥٥، ٥٥٥٩، ٦٢٣٩): إسناده صحيح. قلت: والحديث انفرد سماك برفعه، فروي من غير طريقه موقوفًا. قال الترمذي: حديث لا نعرفه مرفوعًا، إلا من حديث سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، وروى داود بن أبي هند هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عمر موقوفًا. وضعفه أيضًا ابن حزم في «المحلى» ٨/ ٥٠٤. وقال البيهقي: الحديث يتفرد برفعه سماك عن سعيد من بين أصحاب ابن عمر. وإلى نحو هذا أشار عبد الحق في «أحكامه» ٣/ ٢٥٥. = ولو كان بينهما فرق لوقفه عليه. ![]()
__________________
|
|
#417
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 451 الى صـــ 470 الحلقة (417) ولو كان بينهما فرق لوقفه عليه. وأما تقاضي الدنانير من الدراهم وعكسه من غير أن يكون على الآخر فأجازه عمر بن الخطاب وابنه (١)، وروي عن عطاء والحسن (٢) وطاوس (٣) والقاسم، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٤)، وقال كثير منهم: إذا كان بسعر يومه، ورخص فيه أبو حنيفة بسعر ذلك وبأغلى وبأرخص، وكره ذلك ابن -------- = وقال الحافظ في «الدراية» ٢/ ١٥٥: الحديث روي موقوفًا وهو أرجح. وضعفه مرفوعًا أيضًا الألباني في «الإرواء» (١٣٢٦). وليس هذا هو منتهى القول في هذا الحديث، فقال النووي -قدس الله روحه- في «المجموع» ٩/ ٣٢٩ - ٣٣٠: حديث صحيح، روي بأسانيد صحيحة، قال الترمذي: لم يرفعه غير سماك، وذكر البيهقي أن أكثر الرواة وقفوه على ابن عمر. قلت: وهذا لا يقدح في رفعه، وقد قدمنا مرات أن الحديث إذا رواه بعضهم مرسلًا وبعضهم متصلًا، وبعضهم موقوفًا وبعضهم مرفوعًا كان محكومًا بوصله ورفعه على المذهب الصحيح الذي قاله الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين من المتقدمين والمتأخرين. اهـ بتصرف. وقال الذي موضع آخر ١٠/ ٧٤: الحديث مشهور مما انفرد به سماك. ووجدت المصنف -رحمه الله- قد نحا منحى النووي؛ فقال في «خلاصة البدر» ٢/ ٧١: هو من باب تعارض الوصل والوقف، والأصح تقديم الوصل. (١) رواه عن عمر، عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ١٢٧ (١٤٥٨٤). ورواه عن ابنه، النسائي ٧/ ٢٨٢، وفي «الكبرى» ٤/ ٣٣ (٦١٧٦) من طريق أبي هاشم الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. قال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٧٥: إسناد حسن. ورواه أيضًا عبد الرزاق ٨/ ١٢٦ (١٤٥٧٧) بإسناد آخر بنحوه. (٢) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٨ (١٤٥٨٧) (٣) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٦ (١٤٥٨٠) (٤) انظر: «المغني» ٦/ ١٠٧ - ١٠٨. عباس وأبو سلمة (١) وابن شبرمة، وهو قول الليث، وروي عن طاوس قول ثالث أنه كرهه في البيع، وأجازه في القرض (٢). قال ابن المنذر: والقول الأول أولى لحديث ابن عمر. قلت: ولا يدخل هذا في نهيه - عليه السلام - عن بيع الذهب بالورق ربًا، لأن الذي يقتضي الدراهم من الدنانير لم يقصد تأخيرًا في الصرف ولا نواه ولا عمل عليه فهذا الفرق بينهما. ---------- (١) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٧ (١٤٥٨١)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٨١ (٢١٢١٣ - ٢١٢١٤). وروى ابن أبي شيبة ٤/ ٣٨١ (٢١٢١١) عن ابن عباس أنه كره أن يعطى الذهب من الورق، والورق من الذهب. (٢) رواه عنه عبد الرزاق ٨/ ١٢٨ (١٤٥٨٨). ٨٢ - باب بَيْعِ المُزَابَنَةِ وَهْيَ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ، وَبَيْعُ العَرَايَا. (و) (١) قَالَ أَنَسٌ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ. ٢١٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ». [انظر: ١٧٨٦ - مسلم: ١٥٣٤ - فتح: ٤/ ٣٨٣] ٢١٨٤ - قَالَ سَالِمٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ العَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ. [انظر: ٢١٧٣ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٨٣] ٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ ٣/ ٩٩ كَيْلًا. [انظر: ٢١٧١ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٣٨٤] ٢١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ -مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ. [مسلم: ١٥٤٦ - فتح: ٤/ ٣٨٤] ٢١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ. [فتح: ٤/ ٣٨٤] ٢١٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْخَصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا. [انظر: ٢١٧٣ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٨٤] ----------- (١) علم فوقها في الأصل أنها نسخة. ذكر فيه حديث سالم، عَنْ ابن عُمَرَ: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ». قَالَ سَالِمٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَيْعِ العَريَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيْرِهِ. وحديث نافع عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا. وحديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ وَالمُحَاقَلَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ. وحديث ابن عباسٍ نَهَى رسول الله - ﷺ - عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ. وحديث نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَرْخَصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا. ٨٣ - باب بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ ٢١٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجِ، عَنْ عَطَاءٍ وَأبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَيْء مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا العَرَايَا. [انظر: ١٤٨٧ - مسلم: ١٥٣٦ (٨١) - فتح: ٤/ ٣٨٧] ٢١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الرَّبِيعِ: أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. [٢٣٨٢ - مسلم: ١٥٤١ - فتح: ٤/ ٣٨٧] ٢١٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ بُشَيْرًا قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرَى: إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا. قَالَ هُوَ سَوَاءٌ. قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ لِيَحْيَى وَأَنَا غُلَامٌ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا. فَقَالَ: وَمَا يُدْرِي أَهْلَ مَكَّةَ؟ قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ. فَسَكَتَ. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: وَلَيْسَ فِيهِ: نَهْى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ: لَا. [٢٣٨٤ - مسلم: ١٥٤٠ - فتح: ٤/ ٣٨٧] ذكر فيه حديث عطاء وأبي الزبير، عن جابر نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ مِنْهُ شيء إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا العَرَايَا. وحديث أبي سفيان عن أبي هريرة: أَنَّ رسول الله - ﷺ - رَخصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثنا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ بُشَيْرًا عن سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، وَرَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً أُخْرى: إِلَّا أَنهُ رَخَّصَ فِي العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا، يَأكُلُونَهَا رُطَبًا. قَالَ هُوَ سَوَاءٌ. قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ ليَحْيَى وَأَنَا غُلَامٌ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ فِي بَيْعِ العَرَايَا. فَقَالَ: وَمَا يُدْرِي أَهْلَ مَكةَ؟ قُلْتُ: إنَّهُمْ يَرْوُونَهُ عَنْ جَابِرٍ. فَسَكَتَ. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: وَلَيْسَ فِيهِ: نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قَالَ: لَا. ٨٤ - باب تَفْسِيرِ العَرَايَا وَقَالَ مَالِكٌ: العَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ، ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيْهِ، فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ. وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: العَرِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالجِزَافِ. وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: بِالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَتِ العَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ فِي مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ. وَقَالَ يَزِيدُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: العَرَايَا النَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاءُوا مِنَ التَّمْرِ. ٢١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَخَّصَ فِي العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَالعَرَايَا: نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا. [انظر: ٢١٧٣ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٤/ ٣٩٠] ثم ساق حديث موسى بن عقبة عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ - ﷺ - رَخَّصَ فِي العَرَايَا أنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: اَلْعَرَايَا: نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا. الشرح: أما حديث أنس المعلق فقد سلف، ويأتي مسندًا في باب: بيع المخاضرة (١)، وهو من أفراده، وأما حديث ابن عمر، فأخرجه --------- (١) هو التعليق المذكور في باب: بيع المزابنة، وسيأتي برقم (٢٢٠٧). مسلم (١)، وكذا حديث زيد بن ثابت (٢) وابن عمر في المزابنة سلف (٣). وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم (٤). وأبو سفيان (٥) مولى ابن أبي أحمد اسمه وهب، وقال مالك: قزمان مولى ابن أبي أحمد بن جحش الشاعر، ويقال: كان له انقطاع إلى ابن جحش فنسب إلى ولائهم، وقيل: هو مولى بني عبد الأشهل (٦). وحديث ابن عباس من أفراده، وحديث جابر أخرجه مسلم (٧)، وكذا حديث أبي هريرة (٨)، ومن تراجم البخاري عليه فيما سيأتي: باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل (٩). وحديث سهل أخرجه مسلم أيضًا (١٠)، وحثمة بالثاء المثلثة، واسم أبي حثمة: عبد الله، وقيل: عامر وكان دليله - عليه السلام - إلى أحد، وكان بعثه إلى خيبر هو وأبو بكر وعمر وعثمان للخرص (١١)، توفي رسول الله - ﷺ - --------- (١) مسلم (١٥٣٤) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. (٢) مسلم (١٥٣٩) باب: تحريم بيع الرطب بالتمر لا في العرايا. (٣) سلف برقم (٢١٧١) باب: بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام. (٤) مسلم (١٥٤٦) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض. (٥) ورد بهامش الأصل: ذكر القولين الدمياطي في حاشية نسخته للبخاري، وذكر الكلام وهو من قوله: أبو سفيان. إلى: الأشهل. (٦) انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٥/ ٣٠٧، «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٦٤ (٧٤٠٣). (٧) مسلم (١٥٣٦) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. (٨) مسلم (١٥٤١) باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا. (٩) سيأتي برقم (٢٣٨٢) كتاب: المساقاة. (١٠) مسلم (١٥٤٠). (١١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٨٦٦ (٣١٦٨)، و«الاستيعاب» ٢/ ٣٤٠ (١٣٣٦) و٣/ ١٩٥ (٢٩٤٠)، و«أسد الغابة» ٣/ ١٢٣ (٢٦٩٣) و٣/ ٢٥٣ (٢٩٥٩) و٦/ ٦٨ (٥٧٩٥)، و«الإصابة» ٤/ ٤٢ (٢٥٥). ولولده سهل ثماني سنين وقد حفظ عنه (١). وبُشير بضم الموحدة. والوسق: ستون صاعًا. والصاع: أربعة أمداد والمد: رطل وثلث. وقوله: (وقال ابن إدريس … إلى آخره) هو الإمام محمد بن إدريس الشافعي، كما نبه عليه الحافظ المزي، وأن له هذا الموضع وموضعًا آخر سلف في الزكاة (٢). وقال ابن التين فيهما: قيل هو الشافعي، وقيل -وهو الأكثر-: هو عبد الله بن إدريس الأودي الفقيه الكوفي. وقوله: (ومما يقويه): ذكر ابن بطال أنه من قول البخاري (٣)، وكذا ابن التين فقال: احتجاج البخاري له بقول سهل لا دليل فيه، لأنها تكون مؤجلة، وإنما يشهد له قول سفيان بن حسين المذكور بعد، وصرح من سلف أنه من تتمة كلام الشافعي، قال ابن بطال: وهو إجماع، مستغن عن تقوية، ولم يأت ذكر الأوساق الموسقة إلا في حديث مالك، عن داود بن الحصين. وفي حديث جابر من رواية ابن إسحاق، لا في رواية ابن أبي حثمة، وإنما يُروى عن سهل من قوله، من رواية الليث عن جعفر بن أبي ربيعة عن --------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «تجريده»: ولد سنة ثلاث، ولا يصح، بل المجزوم به أن تاريخ مولده غلط، فإنه شهد أحدًا والحديبية، وهذا يرد على الواقدي أنه ولد سنة ثلاث. وانظر ترجمته في: «الثقات» لابن حبان ١/ ١٨٠، «الاستيعاب» ٢/ ٦٦١، «تهذيب الكمال» ١٢/ ١٧٧ (٢٦٠٧). (٢) سلف في أول باب: في الركاز الخمس قبل حديث (١٤٩٩). وانظر: ترجمة الإمام العلم في «ثقات ابن حبان»، و«السير» ١٠/ ٥، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ٣٨٠. (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٢. الأعرج عن سهل: لا يباع التمر في رءوس النخل بالأوساق الموسقة إلا أوسق ثلاثة أو أربعة أو خمسة يأكلها الناس. وهي المزابنة ففي قول سهل حجة لمالك في مشهور قوله أنه يجوز العرايا في خمسة أوسق. وقد يجوز أن يكون الشك في دون خمسة أوسق، واليقين في خمسة؛ إذ الواو لا تعطي رتبة (١). وقوله: (وقال يزيد) هو ابن هارون أبو خالد السلمي (٢)، وسفيان بن حسين سلمي أيضًا أبو محمد، وقيل: أبو المؤمل، روى له الجماعة إلا البخاري فاستشهد به، وروى له مسلم في مقدمة كتابه (٣). وشيخ شيخ البخاري في الحديث الأخير عبد الله هو: ابن المبارك الإمام، وشيخ البخاري محمد هو: ابن مقاتل أبو الحسن المروزي، مات سنة ست وعشرين ومائتين (٤). إذا عرفت ذلك: فالمزابنة مفاعلة لا تكون إلا بين اثنين، من الزبن، وهو الدفع الشديد، ومنه الزبانية، وقيل من الحظر، أي: التحريم، وهو بيع الرطب على رءوس النخل بتمر على وجه الأرض، ومثله بيع العنب في الكرم بالزبيب؛ لأن الغبن فيها يكثر؛ لبنائها على التخمين، فيريد المغبون دفعه والغابن إمضاءه فيتدافعان. ووجه البطلان أنه بيع مال الربا بجنسه من غير تحقيق المساواة في المعيار الشرعي، وهو الكيل، وذلك إجماع. -------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٢. (٢) انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣١٤، «ثقات ابن شاهين» ترجمة (١٥٥٤)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٦١ (٧٠٦١). (٣) انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٢، «ثقات ابن حبان» ١/ ١٦٥، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٣٩ (٢٣٩٩). (٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد الأربعين. كتبه مؤلفه غفر الله له. قال الداودي: كانوا قد كثر فيهم المدافعة بالخصام، فسمي مزابنة، ولما كان كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذِه المبايعة عن حقه سُميت بذلك، وفي «الجامع» للقزاز: المزابنة: كل بيع فيه غرر، وهو بيع كل جزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، وأصله أن المغبون يريد أن يفسخ البيع، ويريد الغابن أن لا يفسخه فيتزابنان عليه، أي: يتدافعان. وعند الشافعي: هو بيع مجهول بمجهول، أو معلوم من جنس يحرم الربا في نقده، وخالفه مالك في هذا القيد فقال: سواء كان مما يحرم الربا في نقده أو لا، مطعومًا كان أو غير مطعوم (١). وعبارة ابن الجلاب: إنها بيع معلوم بمجهول من جنسه. زاد القاضي في «معونته»: أو مجهول بمجهول (٢)، وذكر ابن جرير اختلاف العلماء في معناها، فقال قوم: هي بيع ما في رءوس النخل بالتمر وكذا ذكر ابن فارس (٣) وهو ما في البخاري، وقال آخرون: هو بيع السنبل القائم بالحنطة. وقيل: هي بيع التمر قبل بدو صلاحه. وقال قوم: هي المزارعة. وقام الإجماع على المنع من بيع ما على رءوس النخل بثمر، لأنه مزابنة وقد نهي عنه. واختلفوا في بيع رطب ذلك مقطوعًا وأمكن فيه المماثلة، فالجمهور على المنع أيضًا بجنسه لا مماثلة ولا متفاضلًا، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الحنطة الرطبة باليابسة، والتمر بالرطب مثلًا بمثل، ولا نجيزه متفاضلًا. ---------- (١) انظر «الأم» ٣/ ٥٥، و«المنتقى» ٤/ ٢٤٤. (٢) «المعونة» ٢/ ١٠. (٣) «المجمل» ص ٤٤٨. قال ابن المنذر: وأظن أبا ثور وافقه، ولا خلاف بين العلماء أن تفسير المزابنة في هذا الحديث من قول ابن عمر، أو مرفوعًا كما قال ابن عمر، وأقل ذلك أن يكون من قوله، وهو راويه، كيف ولا مخالف فيه؟ قال: وقام الإجماع على تحريم بيع العنب بالزبيب، وعلى تحريم بيع الحنطة في سنبلها بصافية، وهو المحاقلة وسواء عند الجمهور كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعًا. فرع: عندنا حكم الرطب على الأرض والتمر على رءوس النخل كعكسه، ولو باع الرطب على رءوس النخل بالبسر أو البلح على الأرض فهو كبيعه بالرطب، ولو باعه بالطلع ففيه ثلاثة أوجه في الماوردي: ثالثها: يجوز بطلع الذكر دون طلع الإناث (١). وأما العرايا فهي مستثناة من المزابنة، وهو جمع عرية، وهي ما يفردها صاحبها للأكل، فعيلة: بمعنى فاعلة؛ لأنها عريت عن حكم ما في البستان، وقيل: بمعنى مفعولة؛ لأن صاحبها يعروها، أي: يأتيها، قاله الجوهري (٢). والعرية أيضًا: النخلة المعراة، وهي التي وهبت ثمرة عامها، والعرية أيضًا: التي تعزل عن المساومة عند بيع النخل. وقيل: هي النخلة التي أكل ما عليها، واستعرى الناس في كل وجه أكلوا الرطب من ذلك، وأنت معرٍ؛ وأدخلت فيها الهاء؛ لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء كالأكيلة والنطيحة، وعراه يعروه إذا أتاه يطلب منه عرية، وأعراه أعطاه إياها، وهي اسم للنخلة المعطى ثمرها، كما ---------- (١) «الحاوي الكبير» ٥/ ١٣٥. (٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤٢٤. قالوا: المنيحة للشاة تعطي للبن، وفسرها مالك (١) وأحمد (٢) وإسحاق والأوزاعي (٣) بأنها إعطاء الرجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا على ما اقتضاه أهل اللغة، غير أنهم اختلفوا في شروط لها وأحكام، وحاصل مذهب مالك أنها عطية تمر نخلة أو نخلات من حائط، فيجوز لمن أعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين والعروض ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا، وذلك بشرط أن يكون أقل من خمسة أوسق، وفي الخمسة أوسق خلاف، وأن يكون خرصها من نوعها ويابسها نخلًا وعنبًا، وفي غيرهما مما يوسق ويدخر للقوت، خلاف، وأن يقوم بالخرص عند الجداد، وأن يشتري كلها لا بعضها، وأن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من المعرى قبله على شرط القطع لم يجز؛ لتعدي محل الرخصة. وأما أبو حنيفة: فإنه فسرها بما إذا وهب رجل تمر نخلة أو نخلات ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرًا، أو يتمسك بالثمرة جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة التي لم تجب بناءً على أصله أن الهبة لا تجب إلا بالقبض، وهذا المذهب إبطال لحديث العرية من أصله، وذلك أنه تضمن أنه نفع مرخص فيه في مقدار مخصوص. وقال الطحاوي (٤): معناها عند أبي حنيفة أن يعري الرجلُ الرجلَ ثمرة نخلة من نخله فلم يسلم ذلك إليه حتى يبدو له، فرخص له أن يحبس ذلك، ويعطيه مكانه خرصه تمرًا، وهذا التأويل كأنه أشبه؛ ---------- (١) «التمهيد» ١٢/ ٤٦ - ٤٧. (٢) «المغني» ٤/ ١٧٨. (٣) «المحلى» ٨/ ٤٦٢. (٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١. لأن العرية إنما هي (العطية) (١)، ألا ترى إلى مدح الأنصار إذا مدحهم إذ يقول -يعني سويد بن أبي الصلت- فيما ذكره القرطبي (٢) -أو حسان بن ثابت فيما ذكره ابن التين-: ليست بسنهاء ولا رجبيةٍ … ولكن عرايا في السنين الجوائح أي: كأنهم يعرونها في السنين الجوائح، فلو كانت العرية كما ذهب إليه مالك، لم يكونوا ممدوحين بها إذ كانوا يُعطون كما يُعطون، ولكن العرية بخلاف ذلك، فإن قلت: فقد ذكر في حديث زيد بن ثابت: نهى عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا (٣)، فصارت في الحديث بيع ثمر بتمر. فالجواب: أنه ليس في الحديث من ذلك شيء، إنما فيه ذكر الرخصة في العرايا، مع ذكر النهي عن بيع الثمر بالتمر، وقد يقرن الشيء بالشيء وحكمهما مختلف. فإن قلت: قد ذكر التوقيف في حديث أبي هريرة على خمسة أوسق، --------- (١) في الأصل: الحنطة، والمثبت من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١. (٢) «المفهم» ٤/ ٣٩٢. وفيه أن القائل: سويد بن الصامت، وهو الصواب؛ فلم أجد من يسمى بسويد بن أبي الصلت -كما ذكر المصنف رحمه الله- شاعرًا كان أو غيره. وهذا البيت ذكره ابن المطرز المطرزي في كتابه «المغرب في ترتيب المعرب» ٢/ ٥٨ ونسبه لسويد ابن الصامت، كما ذكره القرطبي وأيضًا قد وجدت ابن عبد البر ترجم له في «الاستيعاب» ٢/ ٢٣٥ (١١٢١) على اختلاف في إسلامه، وقال: أنا شاك في إسلام سويد بن الصامت، كما شك فيه غيري ممن ألف في هذا الشأن قبلي، وكان شاعرًا محسنًا كثير الحكم في شعره اهـ. وانظر أيضًا: «أسد الغابة» ٢/ ٤٨٩ (٢٣٤٧). (٣) ينظر ما رواه مسلم (١٥٣٩). وفي ذكر ذلك ما ينفي أن يكون حكم ما هو أكثر من ذلك كحكمه. فالجواب: أنه ليس فيه ما ينفي شيئًا مما ذكرت، وإنما يكون ذلك كذلك لو قال: لا تكون العرية إلا في خمسة، وأما إذا كان الحديث إنما فيه: رخص في العرايا في خمسة أوسق أو فيما دون خمسة أوسق، فذلك أنه - ﷺ - رخص فيه لقوم في عرية لهم هذا مقدارها. فنقل أبو هريرة ذلك وأخبر بالرخصة فيما كانت (١). وفي «الاستذكار» لابن عبد البر: عن محمود بن لبيد بطريق فيها انقطاع أنه قال لرجل من الصحابة، إما زيد بن ثابت وإما غيره: ما عراياكم هذِه؟ قال: فسمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - ﷺ - أن الرطب يأتي ولا بيدنا ما نبتاعه به؛ فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي بيدهم يأكلونها رطبًا (٢). -------- (١) انتهى من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١. (٢) «الاستذكار» ١٩/ ١٢٥. وذكره أيضًا في «التمهيد» ٢/ ٣٣٠ وقال: إسناده منقطع ورواه الشافعي في «الأم» ٣/ ٤٧ معلقًا عن محمود بن لبيد، ومن طريقه البيهقي في «المعرفة» ٨/ ١٠٠ (١١٢٧٣). والحديث تكلم فيه غير ابن عبد البر، قال ابن حزم: حديث لا يدري أحد منشأه ولا مبدأه ولا طريقه، ذكره الشافعي بغير إسناد، فبطل أن يكون فيه حجة. اهـ «المحلى» ٨/ ٤٦٣ بتصرف. وأعله أيضًا بالانقطاع ابن رشد الحفيد في «بداية المجتهد» ٣/ ١٣٢٧. وأفاد الماوردي فقال في «الحاوي» ٥/ ٢١٥: ولم يسنده الشافعي؛ لأنه رواه من السير وجعله مع ما أسنده شاهدًا لصحة مذهبه. اهـ. والحديث مع ما فيه من ضعف، إلا أن ابن قدامة احتج به في «المغني» ٦/ ١٢٢ - ١٢٣ أو ١٢٧. ووجه ذلك أنه توهم صحة الحديث؛ فذكره في «الكافي» ٣/ ٩٤ وقال: متفق عليه! قال الطحاوي: ولا ينفي ذلك أن تكون تلك الرخصة جارية فيما هو أكثر من ذلك، فإن قلت: ففي حديث جابر وابن عمر إلا أنه أرخص في العرايا، فصار ذلك مستثنى من بيع الثمر بالتمر. فثبت بذلك أنه بيع ثمر بتمر. فالجواب: أنه قد يجوز أن يكون قصد بذلك إلى المعرى، ورخص له أن يأخذ ثمرًا بدلًا من تمرٍ في رءوس النخل؛ لأنه يكون بذلك في معنى البائع وذلك له حلال، فيكون الاستئناء لهذِه العلة، وفي حديث سهل: إلا أنه أرخص في بيع العرية بخرصها تمرًا يأكلها أهلها رطبًا، فقد ذكر للعرية أهلًا وجعلهم يأكلونها رطبًا، ولا يكون ذلك إلا وملكها الذين عادت إليهم بالبدل الذي أخذ منهم، وبذلك ثبت قول أبي حنيفة. ثم ساق حديث ابن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - البائع والمبتاع عن المزابنة، قال: قال زيد بن ثابت: رخص في العرايا في النخلة والنخلتين توهبان للرجل فيبيعها بخرصها تمرًا (١). فهذا زيد بن ثابت، وهو أحد من روى الرخصة في العرية، فقد أجراها مجرى الهبة. وعن ---------- وتبعه بهاء الدين المقدسي في «العدة» ص ٣١٣ - ٣١٤، وكذا البهوتي في «كشاف القناع» ٣/ ٢٥٨ وهو وهم تتابعوا عليه. نبه على ذلك غير واحد: الزيلعي في «نصب الراية» ٤/ ١٤ فقال: ووهم في ذلك؛ فإن هذا ليس في الصحيحين، ولا في السنن بل ولا في شيء من الكتب المشهورة، ولم أجد له سندًا بعد الفحص البالغ. وكذا المصنف في «البدر المنير» ٦/ ٥٨٨، والحافظ في «التلخيص» ٣/ ٣٠، وابن الصمام في «شرح فتح القدير» ٦/ ٤١٦. (١) وروى الشطر الثاني هذا أيضًا الطبراني ٥/ ١١٢ (٤٧٧٠) قال النووي -طيب الله ثراه- في «المجموع» ١٠/ ٣٣٧: سنده صحيح. مكحول: أنه - عليه السلام - قال: «خففوا الصدقات فإن في المال العرية والوصية» (١) فدل على أن العرية ما يملكه أرباب الأموال يومًا في حياتهم كما يملكون الوصايا بعد مماتهم (٢). قال ابن رشد: وإلى كونها هبة مال مالك (٣). وقال ابن التين: دعوى أن العرية من الإعارة غير جيد؛ لأن الإعارة فعل معتل العين، والإعراء معتل اللام، ثم لو كانت الإعطاء لما نهي عن بيعها؛ لأن الإعطاء لا يباع وإنما يباع المعطى، ثم حقيقة الاستثناء الاتصال، لا كما قالوه، ثم الرجوع في الهبة لا يحتاج إلى خرص ولا إلى أوسق. وأما الشافعي فالعرية عنده: بيع الرطب على رءوس النخل بتمر معجل على وجه الأرض لحديث سهل السالف. أو العنب في الشجر بزبيب بجامع أنه زكوي يمكن خرصه: ويدخر يابسه، وكان كالرطب (٤). --------- (١) رواه أبو داود في «المراسيل» (١١٨)، وأبو عبيد في «الأموال» (١٤٥٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤١٥ (١٠٥٦٢)، والطحاوي ٤/ ٣٣ - ٣٤ من طريق جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن مكحول، به. قال العيني -رحمه الله- في «العمدة» ٩/ ٣٩٩: إسناده صحيح وهو مرسل، والمرسل حجة عندنا. اهـ. ورواه البيهقي ٤/ ١٢٤ من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن عمر بن الخطاب، قوله بنحوه. والحديث ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٤٧٢ عن جابر مرفوعًا. قال البيهقي ٤/ ١٢٤: إسناده غير قوي. (٢) انتهى من «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣١ - ٣٤ بتصرف. (٣) «بداية المجتهد» ٣/ ١٣٢٣ وما بعدها. (٤) انظر: «الأم» ٣/ ٤٩. قال القرطبي: لم يعرج الشافعي على اللغة المعروفة فيها، وكأنه اعتمد على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث، فإنه قال: العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا. قال: وهذا لا ينبغي أن يعول عليه؛ لأنه ليس صحابيًّا فيقال: فهم عن الشارع، ولا رفعه إليه ولاثبت فيه عرف غالب بشرع حتى نرجحه على اللغة، وغايته أن يكون رأيًا ليحيى لا رواية له، ثم يعارضه تفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا أن يهب الرجل الرجل النخلات فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها، ثم هو عين المزابنة المنهي عنها، ووضع رخصه في موضع لا ترهق إليها حاجة أكيدة، ولا يندفع بها مفسدة، فإن المشتري لها بالتمر يمكن من بيع تمره بعين أو عروض، ويشتري بذلك رطبًا، لا يقال: قد يتعذر هذا فأخذ بيع الرطب بالتمر إذا كان الرطب لا على رءوس النخل، إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به، ولا يجوز ذلك (١). قلت: التفسير ملحق في آخر الحديث، فيجوز أن يكون من راويه وهو أعرف، وما ذكره البخاري عن مالك في تفسيرها، ذكر أبو عمر ابن عبد البر، عن ابن وهب عنه أنه قال: العرية أن يعري الرجل الرجل النخلة أو النخلتين أو أكثر من ذلك، سنة أو سنتين أو ما عاش، فإذا طاب التمر وأرطب، قال صاحب النخل: أنا أكفيكم سنيها وضمانها ولكم خرصها تمرًا عند الجداد، فكان ذلك منه معروفًا كله عند الجداد ولا أحب أن يتجاوز ذلك خمسة أوسق. قال: وتجوز العرية في كل ------- (١) انتهى من «المفهم» ٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤. ما يبس ويدخر نحو (التين) (١) والزيتون، ولا أرى لصاحب العرية أن يبيعها إلا بتمرٍ في الحائط ممن له تمر يخرصه. وقال ابن القاسم عنه: لا يجوز بيع العرية بخرصها حتى يحل بيعها، ولا يجوز بعدما حل بيعها أن يبيعها بخرصها تمرًا إلا في الجداد، وأما بالطعام فلا يصلح (٢). وروى محمد بن شجاع الثلجي (٣)، عن عبد الله بن نافع، عن مالك أن العرية النخلة والنخلتان للرجل في حائط بعينه، والعادة بالمدينة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى حوائطهم، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه، فيقول: أنا أعطيك خرص نخلك تمرًا فأرخص لهما في ذلك. قال أبو عمر: هذِه الرواية مخالفة لأصل مالك في العرية. وروى ابن القاسم عنه وسئل عن نخلة في حائط رجل لآخر له أصلها، فأراد صاحب الحائط أن يشتريها منه بعدما أزهت بخرصها تمرًا يدفعه إليه عند الجداد، فقال: إن كان إنما يريد به الكفاية لصاحبه والرفق به فلا بأس، وإن كان إنما ذلك لدخوله ------------ (١) في «الاستذكار»: الزبيب! (٢) «المدونة الكبرى» بتصرف ٣/ ٢٧٨. (٣) ورد بهامش الأصل: قال الذهبي: محمد بن شجاع الثلجي -يعني: بالمثلثة والجيم- صاحب التصانيف، مشهور، مبتدع. وقال في «المغني» قال ابن عربي: كان يضع الأحاديث في «التشبيه» ينسبها إلى أصحاب الحديث يسلبهم بذلك. قلت (المحقق): وكذا جاء بالأصل: الثلجي، وفي «الاستذكار» ١٩/ ١٢٨ - وهو المصدر المنقول عنه -: البلخي!! وقال ابن ماكولا: باب: البلخي والثلجي. قال: أما البلخي نسبة إلى بلخ، فكبير، وأما الثلجي، أوله ثاء معجمة بثلاث، وبعد اللام جيم، فهو محمد بن شجاع الثلجي. وانظر: «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٦٢ (٥٢٨٦). وخروجه، وحرز ذلك عليه فلا خير فيه. قال ابن القاسم: وليس هذا مثل العرية. قال أبو عمر هذِه الرواية تضارع رواية ابن نافع (١). وعبارة القاضي في «معونته» أنها على مذهب مالك أن يهب الرجل ثمر نخلة أو نخلات لرجل (٢). قال ابن التين: وهذا إنما يصح على مذهب أشهب وابن حبيب، وأما مالك ففرق بين العرية والهبة، فقال: زكاة العرية وسقيها على المعري وزكاة الهبة وسقيها على الموهوب، ولا تشترى بخرصها. وذكر (أبو عبد الله الأثرم) (٣) في «سننه» عن أحمد: العرية أنا لا أول فيها بقول مالك، أقول: هي أن يعري الرجل الجار أو القرابة للحاجة والمسكنة، فإذا أعراه إياها فللمعرى أن يبيعها ممن شاء، ثم قال: نقول: يبيعها من الذي أعراها إياه، وليس هذا وجه الحديث عندي؛ بل يبيعها ممن شاء كذا فسره ابن عيينة وغيره. قلت: فإذا باعها، له أن يأخذ الثمن الساعة أو عند الجداد، قال: يأخذ الساعة. قلت: إن مالكًا يقول: ليس له أن يأخذ التمر الساعة حتى تجدَّ. قال: بلى يأخذه على ظاهر الحديث. قلت: كأنه إنما أرخص له من أجل الحاجة، فله أن يأخذه الساعة، قال: نعم من أجل (الحاجة) (٤) يأكلها أهلها رطبًا، ثم قال: الذي يشتريها إنما له أن يأكلها رطبًا. ---------- (١) انتهى من «الاستذكار» ١٩/ ١٢٦ - ١٢٨ - ١٢٩. (٢) «المعونة» ٢/ ٤٧ - ٤٨. (٣) كذا بالأصل، والأشهر بل المتواتر أن الأثرم هذا كنيته (أبو بكر)! انظر ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٢٠/ ٤٢، و«سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٦٢٣ (٢٤٧). (٤) في الأصل: الساعة. ولعل المثبت هو الصواب. ![]()
__________________
|
|
#418
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 471 الى صـــ 490 الحلقة (418) حدثنا الحكم بن موسى، ثنا عيسى بن يونس، ثنا عثمان بن حكيم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: لا يصلح أن يباع ما في رءوس النخل بمكيله من التمر، إذا كان بينهما فضل دينار أو عشرة دراهم. قال الأثرم: فذكرت هذا لأبي عبد الله، فقال: هذا حديث منكر. قال أبو عمر: ويجوز للرجل أن يعري الرجل حائطه ما شاء، ولكن البيع لا يكون إلا في خمسة أوسق فما دونها (١). وفي «شرح الموطأ» لابن حبيب: العرية في الثمار بمنزلة العمرى في الدار، وبمنزلة المنيحة في الماشية. فرع: لو باع رطبًا بمثله، فأوجهٌ: عندنا: أصحها المنع؛ لأنه ليس في معنى الرخصة. وثانيها: الجواز؛ لأنه قد يشتري ما عند غيره. ثالثها: إن اختلف النوع جاز وإلا فلا. رابعها: إن كان أحدهما على الأرض جاز وإلا لم يجز، وإن كانا على النخل جرى فيه التفضيل، فإن اختلف النوع جاز وإلا فلا. فرع: الأصح عندنا أنه لا يجوز إلا فيما دون خمسة أوسق، ولا يجوز في سائر الثمار، ولا يختص بالفقراء، وذلك مبسوط في كتب الفروع وشروحنا. ------------ (١) «الاستذكار» ١٩/ ١٢٧. تنبيهات: أحدها: بيع الثمر على رءوس النخل إذا بدا صلاحه، بالذهب والفضة لا خلاف بين الأمة في جوازه، كما ترجم له البخاري، وكذا بيعها بالعروض قياسًا على النقدين. ثانيها: قال ابن المنذر: ادعاء الكوفيين أن بيع العرايا منسوخ بنهيه عن بيع التمر بالتمر هو نفس المحال؛ لأن راوي المزابنة هو راوي الرخصة في العرايا، فأثبت الرخصة والنهي معًا على ما ثبت في حديث سهل وجابر. ثالثها: كان مالك يقول (١): العرايا تكون في الشجر كله من نخل وعنب وتين ورمان وزيتون والثمار كلها، وبه قال الأوزاعي إلا أن مالكًا قال: إذا أعراه الفاكهة مثل: الرمان والتفاح وشبهه لا يجوز أن يشتريها بخرصها؛ لأنه يقطع أخضر ويشتريها بعدما طابت مما يجوز به شراء التمرة بالعين والعرض نقدًا وإلى أجلٍ، وبالطعام نقدًا من غير صنفها إذا جدها مكيلة قبل أن يفترقا، وقد أسلفنا شروطه فيه، وكان الليث يقول: لا تكون العرايا إلا في النخل خاصة. وقال الشافعي: في النخل والعنب، وفي غيرهما قولان: أصحهما: لا (٢). وفي «صحيح البخاري» -كما سلف (٣) - ومسلم (٤) عن زيد بن ثابت: أن رسول الله - ﷺ - رخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب ----------- (١) «التمهيد» ٦/ ٤٦٦. (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٣/ ٥٦١. (٣) برقم (٢١٧٣) كتاب: البيوع، باب: بيع الزبيب بالزبيب. (٤) مسلم (١٥٣٩) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا. أو التمر، ولم يرخص في غير ذلك. وعزاه ابن بطال إلى النسائي (١) إثر حديث عزاه إلى مسلم (٢)، فأوهم أنه ليس فيه، وأغرب منه أنه في البخاري الذي يشرحه. رابعها: قال أبو عبيد: في العرايا تفسير آخر غير ما فسره مالك، وهو أن العرايا يستثنيها الرجل من حائطه إذا باع ثمرته لا يدخلها في البيع، فيبقيها لنفسه وعياله، فتلك الثنيا لا تخرص عليهم؛ لأنه قد عفي لهم عما يأكلون. سميت عرايا؛ لأنها عريت من أن تباع أو تخرص في الصدقة، فأرخص - عليه السلام - لأهل الحاجة والمسكنة، الذين لا ورق لهم ولا ذهب، وهم يقدرون على التمر أن يبتاعوا بتمرهم من تمر هذِه العرايا بخرصها، رفقًا بأهل الفاقة الذين لا يقدرون على الرطب، ولم يرخص لهم أن يبتاعوا منه ما يكون لتجارة ولا ادخار، قال أبو عبيد: وهذا أصح في المعنى (٣). خامسها: قد أسلفنا أن العرايا مستثناة من جملة نهيه - عليه السلام - عن بيع الثمر بالتمر وهي المزابنة، هذا قول عامة أهل العلم، ويجوز عند مالك أن يعري من حائطه ما شاء، غير أن البيع لا يكون إلا في خمسة أوسق فما دون في حق كل أحد ممن أعرى، كما سلف. وبالخلاف في الخمسة، وإنما تباع العرايا بخرصها من التمر في رءوس النخل إلى جدادها، ولا يجوز أن يبتاعها بخرصها نقدًا وليست له مكيلة؛ لأنه أنزل بمنزلة التولية والإقالة والشركة، ولو كان ----------- (١) «سنن النسائي» ٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨. (٢) «شرح ابن بطال»: ٦/ ٣١٠. (٣) «غريب الحديث» ١/ ١٤٠، مادة (عري). بمنزلة البيوع ما أشرك أحدٌ أحدًا في طعام حتى يستوفيه، ولا أقاله منه، ولا (ولاية) (١) حتى يقبضه المبتاع، قال: ولا يبيعها إلا من المعري خاصة، ولا يجوز من غيره إلا على سنة بيع الثمار في غير العرايا، ولا يشتريها بطعام إلى أجل، ولا بتمر نقدًا وإن جدها في الوقت، ذكره ابن بطال (٢)، وأسلفنا بعضه. ونقل عن ابن القصار موافقة مالك للشافعي في أنها بيع ما دون خمسة أوسق من التمر، وأنه مخصوص من المزابنة، قال الشافعي: ويجوز بيعها من المعري وغيره يدًا بيد، ومتى افترقا ولم ينفذه بطل العقد، وبه قال أحمد -وقد أسلفنا أن الأصح المنع في الخمسة: لأجل شك الراوي ودونه المحقق، فثبتت الرخصة فيه- واحتج أيضًا بحديث أبي سعيد الخدري: أنه - عليه السلام - قال: «لا صدقة في العرية» فلو كانت العرية في خمسة أوسق جائزة لوجبت فيها الصدقة، فعلم سقوطها عنها بما دون خمسة أوسق، واحتج الشافعي بما رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبان، عن جابر بن عبد الله: أن النبي - ﷺ - رخص في العرايا في الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة (٣). ----------- (١) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١١ - وهو المصدر المنقول منه-: (ولاه). (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٠ - ٣١١. (٣) رواه ابن خزيمة ٤/ ١١٠، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٠، وابن حبان ١١/ ٣٨١، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤١٧، والبيهقي ٥/ ٣١١. وفي إسناده: عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر، فأسقطه ابن بطال، وتبعه المصنف حين نقل عنه. قال: فجاءت رواية جابر بغير شك، وثبتت رواية مالك، عن داود التي جاءت بالشك في الخمسة ودونها، ووجه قول مالك أنه لا يجوز بيعها إلا مع المعري خاصة. قوله - عليه السلام - في حديث سهل: «يأكلها أهلها رطبًا»، ولا أهل لها إلا الذي أعراها. فجاز أن يبيعها من المعري خاصة، لما يقطع من تطرق المعري على المعرى؛ لأنهم كانوا يسكنون بعيالهم في حوائطهم ويتضررون بدخول المعري ولم يكن قصدهم المعروف، فرخص لهم في ذلك، ولذلك قال مالك: لا يجوز بيعها يدًا بيدٍ؛ لأن المشتري لم يقصد بشرائها الفضل والمتجرة. وأما الكوفيون فإنهم أبطلوا سنة العرية، وقالوا: هي بيع الثمر بالتمر، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن ذلك. قال ابن المنذر: فبيع العرايا جائز على ما ثبتت به الأخبار عنه - ﷺ -، والذي رخص في بيع العرايا هو الذي روى النهي عن بيع الثمر بالتمر في لفظ واحد ووقت واحد من حديث جابر وسهل على ما سلف، وليس قبول أحد السُّنَّتين أولى من الأخرى، ولا فرق بين نهيه - عليه السلام - عن بيع ما ليس عندك، وبين إذنه في السلم، وهو بيع ما ليس عندك، وبين نهيه عن بيع الثمر بالتمر وإذنه في العرايا، ومن قَبِل إحدى السنتين وترك الأخرى فقد ناقض (١). سادسها: وقع في حديث أبي سعيد، وأنس وابن عباس: المحاقلة، وهي بيع الحنطة في سنبلها بصافيه، وذكر ابن التين فيها ثمانية أقوال: ----------- = والحديث قال عنه الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قال الألباني في «ثمره» ٢/ ٨٢٤: وليس كذلك؛ لأن ابن إسحاق مدلس وقد عنعنه، ثم إن مسلمًا لم يحتج به وإنما روى له مقرونًا أو متابعة. (١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١١ - ٣١٣ بتصرف. منها قول مالك: إكراء الأرض بالحنطة وفسره بذلك في حديث أبي سعيد في «الموطأ» (١). وقيل: المزارعة بالثلث والربع ونحوه. قال ابن بطال: وهو الأشبه بها على طريق اللغة؛ لأن المحاقلة مأخوذة من الحقل والمفاعلة من اثنين في أمر واحد كالمزارعة، ويقال للأرض التي لم تزرع: المحاقل، كما يقال لها المزارع، عن الزجاجي (٢). وفي حديث ابن عمر: نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه. وسيأتي له باب (٣). سابعها: معنى: (رخص في بيع العرايا): أي: في بيع ثمرها، أو يسمى الثمر عرايًا، لما بينها وبين النخل التي هي محل العرايا من التعلق. ثامنها: يجوز أن يكون اختصت بما دون الخمسة أوسق للرفق؛ لأنه عادة ما جرى بإعرائه، وما زاد عليه فنادر، وشك داود بن الحصين في الخمسة، لم يروه أحد من طريق صحيح غيره، وعليه عول الفقهاء، وفي الحديث دليل على أبي حنيفة؛ لأن العرية لو كانت رجوعًا عن هبة لما اختصت بمقدار. تاسعها: قوله: (بخرصها) هو بكسر الخاء أي: المخروص، قال ابن التين، عن أبي الحسن: ما علمت أحدًا قرأه بالفتح ولا يذكره في المذاكرة. وقال ابن فارس: خرصت: حزرت ثمر النخل خرصًا، وكم ------------ (١) «الموطأ» ص ٣٨٦. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠. (٣) هو الباب التالي، وحديث ابن عمر يأتي فيه برقم (٢١٩٤). خرص ذا بالكسر (١). وفي «المطالع»: الخرص بالكسر: اسم للشيء المقدر، وبالفتح اسم للفعل. وقال يعقوب: هما لغتان من الشيء المخروص، وأما المصدر بالفتح، والمستقبل بالضم، والكسر في الراء. قال بعض أهل العلم: ذكر الخرص، دليل على أن ذلك لا يكون إلا بعد الطيب، إذ لو كان لها خرص قبل بدو صلاحها لخرص الثمر حينئذٍ على أهله لأكلهم له بلحًا. قال الداودي: روي بإسناد فيه نظر: أنه - عليه السلام - رخص في بيع العرية قبل بدو صلاحها بخرصها من التمر. ولما ذكر ابن التين مقالة ابن إدريس وأنها يدًا بيد، قال: خالفه مالك، فقال: لا يجوز إلا إلى أجل، قال: وخالفه في تفسيرها. فعند مالك: أنها الموهوب تمرها، وعند الشافعي اسم للبيع، وعند مالك أن جواز بيعها يختص بالمعري، وعنده يجوز من كل أحدٍ (٢). -------- (١) «المجمل» ٢/ ٢٨٣ مادة (خرص). (٢) تتمة: في وصل التعليقات المذكورة أول الباب: ذكر البخاري - رضي الله عنه - في أول هذا الباب خمس تعليقات، ولم يتعرض المصنف -رحمه الله- لذكر وصل واحدة منها، فأقول وبالله التوفيق: تعليق مالك الأول وصله أبو عوانة في «مستخرجه» ٣/ ٢٩٧ بنحوه. وتعليق ابن إدريس -وهو الشافعي- الثاني وصله البيهقي في «المعرفة» ٨/ ١٠٢ - ١٠٣. كذا عزاه الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٥٨، وفي «الفتح» ٤/ ٣٩١. وتعليق سهل بن أبي حثمة الثالث وصله الطبري كما في، «التغليق» ٣/ ٢٥٨، وفي «الفتح» ٤/ ٣٩١. وتعليق ابن إسحاق الرابع وصله أبو داود (٣٣٦٦)، وعنه أبو عوانة، ٣/ ٢٩٧ (٥٠٤٩)، ومن طريقه -أعني أبا داود- البيهقي ٥/ ٣١٠. قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٣٦٦): صحيح الإسناد مقطوع. وتعليق يزيد عن سفيان الخامس وصله الذهلي في حديث الزهري، كما في «التغليق» ٣/ ٢٥٩. وبنحوه وصله أحمد ٥/ ١٩٢ عن محمد بن يزيد، عن سفيان. ٨٥ - باب بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ٢١٩٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ -عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا- فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذَلِكَ: «فَإِمَّا لَا، فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ». كَالمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ. وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ زَيْدٍ. [فتح: ٤/ ٣٩٣] ٢١٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ. [انظر: ١٤٨٦ - مسلم: ١٥٣٤ - فتح: ٤/ ٣٩٤] ٢١٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي: حَتَّى تَحْمَرَّ. [انظر: ١٤٨٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٤/ ٣٩٤] ٢١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَا قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ. فَقِيلَ: مَا تُشَقِّحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا. [انظر: ١٤٨٧ - مسلم: ١٥٣٦ (٨٤) - فتح: ٤/ ٣٩٤] وَقَالَ اللَّيْثُ -يعني: ابن سعد- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كَانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ حَدّثَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يبتاعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثمار الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ -عَاهَاتُ يَحْتَجُّونَ بِهَا- فَقَالَ - ﷺ - «فَإِمَّا لَا، فَلَا يَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ». وحديث ابن عمر، عن النبي - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ. وحديث أنسٍ: نَهَى النبي - ﷺ - أَنْ يباع النَّخْلُ حَتَّى يَزْهُوَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يَعْنِي: حَتَّى تَحْمَرَّ. وعن جابرٍ (١) نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ. فَقِيلَ: وَمَا تُشَقَحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُّ وُيؤْكَلُ مِنْهَا. الشرح: تعليق الليث من أفراده، وأخرجه أبو داود إلا ما في آخره عن أحمد بن صالح، عن عيينة بن خالد، عن يونس بن يزيد، عن أبي الزناد، (٢)، وأخرجه البيهقي من طريق الحاكم وغيره عن الأصم، أنا ابن عبد الحكم، ثنا أبو زرعة وهب بن عبد الله بن راشد بن يونس، قال: قال أبو الزناد: كان عروة يحدث، فذكره (٣). ------------ (١) فوقها في الأصل: مسند متصل. (٢) أبو داود (٣٣٧٢). (٣) البيهقي ٥/ ٣٠١. وروينا من حديث عيينة بن سعيد، عن زكري ابن خالد، عن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن سهل بن أبي حثمة، عن زيد بن ثابت قال: كانوا يبتاعون الثمار قبل أن تطلع، ثم يختصمون إلى رسول الله - ﷺ - فتكثر خصومتهم، فقال - عليه السلام -: «أما إذ فعلتم هذا فلا تبايعوه حتى يبدو صلاحه». وحديث ابن عمر أخرجه مسلم (١)، وزاد البخاري في موضع آخر: وعن بيع الورق نس ابن اجز، وهذِه الزيادة موقوفة عنده على ابن عمر (٢)، قال عبد الحق: وهو الصحيح، قال: وقد رويتها مسندة في رواية عن رسول الله - ﷺ -. وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وكذا حديث جابر أيضًا (٤)، وفي الباب عن ابن عباس أخرجاه (٥)، وأبي هريرة انفرد به مسلم (٦)، وأنس: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحب حتى يشتد، وبيع العنب حتى يسود، وعن بيع التمر حتى يحمر ويصفر. على شرط مسلم، كما قال الحاكم (٧). ---------- (١) مسلم (١٥٣٤) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع. (٢) سيأتي برقم (٢٢٤٧) كتاب: السلم، باب: السلم في النخل. (٣) مسلم (١٥٥٥) كتاب: المساقاة، باب: وضع الجوائح. (٤) مسلم (١٥٣٦) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. (٥) سيأتي برقم (٢٢٥٠) كتاب: السلم، باب: السلم في النخل، ورواه ومسلم (١٥٣٧) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. (٦) مسلم (١٥٣٨). (٧) «المستدرك» ٢/ ١٩. إذا تقرر ذلك: فقوله: (إذا جد الناس) أي: قطعوا ثمر نخلهم، ومنه الجداد بفتح الجيم وكسرها المبالغة في الأمر، وقوله: جد كذا في الرواية. وقال ابن التين: أكثر الروايات أجد أي: دخل زمنه، كأظلم: دخل في الظلام. والدُّمان: بضم الدال وتخفيف الميم وهو أن تنشق النخلة أول ما يبدو قلبها عن عفن وسواد. وحكى صاحب «المطالع» فيه الفتح والكسر أيضًا، وبالفتح ذكره أبو عبيد، ومعناه: فساد الطلع وتعفينه. وعند أبي داود من طريق ابن داسة: الدمار بالراء. وكأنه ذهب إلى الفساد المهلك جميعه المذهب له، وقال القاضي: إنه تصحيف (١)، وقال الخطابي: لا معنى له، قال: وقال الأصمعي الدمال باللام -في آخره-: المتعفن (٢). وحكى أبو عبيد عن أبي الزناد: الأدمان بفتح الهمزة والدال، والصحيح الدمان (٣) وقال أبو حنيفة: هو الذي قد عتق جدًّا وفسد، وأصله السماد. وزعم بعضهم أنه فساد التمر وعفنه قبل إدراكه حتى يسود من الدمن وهو: السرقين، والضم ما في «غريب الخطابي» (٤)، وهو القياس، لأن ما كان من الأدواء والعاهات، فالبضم كالسعال والزكام والصداع والمراض. قال ابن التين: وهو اسم لجميع الأدواء على وزن فُعال غالبًا، وضبط في أكثر الأمهات بالكسر، وقال في «المحكم»: الدمن والدمان: عفن النخل وسوادها وقيل: هو أن تنسع النخلة عن عفن ---------- (١) «مشارق الأنوار» ١/ ٢٥٨ (دمن). (٢) «غريب الحديث» ١/ ٣٠٦. (٣) ورد في هامش الأصل: بضم الدال وفتحها كذا في «المطالع». (٤) «غريب الحديث» ١/ ٣٠٦. وسواد (١)، وقال القزاز: هو فساد النخل قبل إدراكه، وإنما يكون ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود ومعفونًا. والمراض: بضم الميم، وحُكي كسرها: داء يصيب النخل، قال الخطابي: هو اسم لجميع الأمراض على وزن فُعال غالبًا (٢)، وضبط في الأمهات بكسر الميم. والقشام: بضم القاف عن الأصمعي وغيره -انتفاض ثمر النخل قبل أن يصير بلحًا، فإذا كثر نفض النخلة وعظم ما بقي من قشرها قيل: جردت، وقيل: هو أكال يقع في التمر، وهو القشم وهو الأكل، حكاه ابن بطال (٣) وابن التين. وذكر الطحاوي في حديث عروة عن سهل عن زيد: والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب (٤). وقوله: (فإما لا فلا تتبايعوا)، قال سيبويه: كأنه يقول: افعل هذا إن كنت لا تفعل غيره (٥). وإنما هي لا أميلت في هذا الموضع؛ لأنها جعلت مع ما قبلها كالشيء الواحد، فصارت كأنها ألف رابعة فأميلت لذلك، وعلى الإمالة كتبت بالياء. وذكر الجواليقي: لأن العوام يفتحون الألف والسلام ويسكنون الياء، والصواب كسر الألف وبعدها لا، وأصله إلا يكون ذلك الأمر فافعل هذا، وما زائدة، وقال ابن الأنباري: دخلت ما صلة كقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: ٢٦] فاكتفي بلا من الفعل. كما تقول العرب: من سلم عليك فسلم عليه ------------ (١) «المحكم» ١٠/ ٧٠. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٧٧. (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٨. (٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٨. (٥) «الكتاب» ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥. ومن لا، أي: فلا، فالتفسير بلا من الفعل، وأجاز الفراء من أكرمني أكرمته، ومن لا. أي: لم أكرمه. قال ابن الأثير: أصلها (إن ما) أدغمت النون في الميم، و(ما) زائدة لفظًا لا حكم لها، وقد أمالت العرب لا إمالة خفيفة، والعوام يشبعون إمالتها، وتصير ألفها ياءً وهو خطأ، ومعناها: إن لم تفعل هذا فليكن هذا (١). وقوله: (كالمشورة يشير بها)، قال الهجري في «نوادره»: شوار بفتح الشين المشورة بإسكان الواو فعولة، وعند ابن سيده: هي مفعلة ولا تكون مفعولة؛ لأنها مصدر والمصادر لا تجيء على مثال مفعولة. وإن جاءت على مثال مفعول وكذلك المشورة (٢). وقال الفراء فيما حكاه في «الجامع»: مشورة: قليلة، وبدأ بها صاحب «المنتهى» والجوهري قبل الضم (٣)، وزعم صاحب «التثقيف» والحريري وغيرهما: أن إسكان الشين وفتح الواو مما تلحن فيه العامة، وليس بجيد، وهي مشتقة من شُرت العسل إذا جنيته، فكان المستشير يجتني الرأي من المشير، وقيل: بل أخذ، من قولك: شرف الدابة إذا أجريتها مقبلة ومدبرة؛ لتسير جريها وتخبر جوهرها (٤)، فكأن المستشير يستخرج الرأي الذي عند المشير، وكلا الاشتقاقين متقارب، والمراد بهذِه المشورة أن لا يشتروا شيئًا حتى يتكامل صلاحه، لئلا تجري منازعة. قال الداودي: هذا تأويل من بعض نقلة الحديث، وإن يكن محفوظًا فقد يكون ذلك أول الأمر، ثم عزم بعدُ كما في حديث ابن عمر مُبَيِّنًا النهي، وكذا حديث أنس وغيرهما. ----------- (١) «النهاية» ١/ ٧٢. (٢) «المحكم» ٨/ ٨٢. (٣) «الصحاح» ٢/ ٧٠٥. (٤) انظر: «لسان العرب» ٤/ ٢٣٥٦، ٢٣٥٨. وقوله: (وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر)، يريد مع طلوع الفجر تكون طالعة من المشرق، وهو استقبال الصيف ووقت خروج السعاة، ومنه قولهم: إذا طلعت الثريا فهي للراعي كسيا، وعن مالك أنه لم يأخذ بقول زيد هذا، وذكر أن الحكم عنده: لا تباع ثمار حتى تزهو، ولعل زيدًا أيضًا لم يكن تطلع الثريا إلا وثماره قد زهت، فلذلك كان يبيعها. قلت: ولعل زيدًا أخذ بحديث حتى تذهب العاهة، قيل: متى ذلك؟ قال: طلوع الثريا، ذكره الطحاوي من حديث ابن عمر (١)؛ لأن الثريا إذا طلعت آخر الليل بدا صلاح الثمار بالحجاز خاصة، لأنه أشد حرًّا من غيره. وقوله: (يزهو قال أبو عبد الله: تحمر) هو كما قال، قال ابن فارس: الزهو: احمرار الثمر واصفراره (٢)، وحكى بعضهم: زها وأزهى، وقال الأصمعي: ليس إلا زهى، وقال القزاز: يقال زها البسر يزهو زهوًا إذا احمر أو اصفر، ويقال: زهى النخل وأزهى إذا صار بسره كذلك، وقال ابن الأعرابي: زها النخل يزهو إذا ظهرت ثمرته، وأزهى إذا احمر أو اصفر، وقال غيره: يزهو خطأ في النخل، وإنما يقال: يزهي، وقد حكاهما أبو زيد الأنصاري. وفي «المحكم»: الزهو يعني: بفتح الزاي وضمها: البسر إذا ظهرت فيه الحمرة، وقيل: إذا لون، واحدته زهوة، وأزهى النخل، وزهى تلون بحمرة أو صفرة (٣). وقال الخطابي: الصواب في العربية تزهي. ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٣. (٢) «معجم مقاييس اللغة» ص ٤٤١. (٣) «المحكم» ٤/ ٢٩٥. والشقح: تغير لونها إلى العمرة والصفرة قاله القزاز، وأراد بقوله: (تحمار وتصفار) ظهور أوائلهما، وإنما يقال: تفعال في اللون غير المتمكن إذا كان يتلون مرة ومرة ألوانًا، وأنكره بعض أهل اللغة، وقال: لا فرق بين تحمر وتحمار. ومعنى يبدو: يظهر، وهو بلا همز، ووقع في كتب بعض المحدثين بألف بعد الواو وهو خطأ، والصواب حذفها في مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل: زَيْدٌ يبدو. والاختيار حذفها، ووقع في مثل: حتى تزهوا، وصوابه حذف الألف منه. أما حكم الباب: فإن باع الثمرة بعد بدو صلاحها، جاز بشرط القطع، وبشرط الإبقاء وفاقًا لمالك وخلافًا لأبي حنيفة، حيث قال: يجب بشرط القطع والإطلاق يقتضي الإبقاء. وإن باعها قبل بدو الصلاح منفردة عن الشجر فلا يجوز إلا بشرط القطع، فإن شرط الإبقاء فلا خلاف في فساده، ذكره جماعة وحكى بعضهم عن يزيد بن أبي حبيب جوازه، والأخبار ترده، وإن أطلق فلا يجوز خلافًا لأبي حنيفة. لنا أن النهي عام. قال الطحاوي: ذهب قوم إلى هذِه الآثار فقالوا: لا يجوز بيع الثمرة في رءوس النخل حتى تحمر أو تصفر (١)، وعزاه غيره إلى الليث ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يجوز بيعها إذا ظهرت وإن لم يبدو صلاحها. احتجوا بقوله في الحديث الآتي «من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها ------------- (١)»شرح معاني الآثار" ٤/ ٢٤. للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع» (١) فأباح بيع ثمره في رءوس النخل قبل بدو صلاحها. وقالوا: ما لم يدخل ما بعد الآبار في الصفقة إلا بالشرط جاز بيعها، فدل أن نهيه عن بيعها حتى يبدو صلاحها، المراد به غير هذا المعنى، وهو النهي عن السلم في الثمار في غير حينها وقبل أن تكون، فيكون بائعها بائعًا لما ليس عنده، وقد نهى عن ذلك في نهيه عن السنين كما روي من حديث جابر (٢)، والحسن عن سمرة (٣)، وفسره سفيان ببيع الثمار قبل بدو الصلاح، وأما بيعها بعدما ظهرت في أشجارها فجائز فيقال له: قد يدخل في عقد البيع أشياء لو أفردت بالبيع لم يجز بيعها مفردة، ويجوز في البيع تبعًا لغيرها، من ذلك أنه يجوز بيع الأَمة والناقة حاملتين، ولا يجوز عند أحد من الأئمة بيع العمل وحده؛ لنهيه - عليه السلام - عن بيع حبل الحبلة (٤)، وإنما لم يجز إفراده بالبيع، لأنه غرر، ونظيره بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، مع أن حديث جابر وأنس في النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها يغنيان عن حجة سواهما؛ لأنه قد فسر فيهما أن المراد ببدو صلاحها أن تحمر أو تصفر، وذلك علامة صلاحها للأكل ألا ترى قوله في حديث جابر بعد ذكرهما: (ويؤكل منهما)، فلا تأويل لأحد مع تفسير الشارع فهو المقنع. ----------- (١) سيأتي برقم (٢٣٧٩) كتاب: المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نحل. (٢) رواه مسلم (١٥٣٦). (٣) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٥، والطبراني ٧/ ٢٠٩ - ٢١٠ (٦٨٧٠). قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٠٤: رجاله موثقون. (٤) سلف برقم (٢١٤٣)، ورواه مسلم (١٥١٤). وقال بعض الكوفيين: النهي عنه للتنزيه فقط والمشورة عليهم لكثرة ما كانوا يختصمون إليه فيه، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت، وأئمة الفتوى على خلاف قولهم، والنهي عندهم محمول على التحريم، وكان محمد بن الحسن يذهب إلى أن النهي الذي ذكرناه هو بيع الثمرة على أن تترك في رءوس النخل حتى تتناهى وتجد، وقد وقع البيع عليه قبل التناهي، فيكون المشتري قد باع ثمرًا ظاهرًا. وأما تنميه على نخل البائع بعد ذلك إلى أن يجد فذلك باطل، فأما إذا وقع البيع بعدما تناهى عظمه وانقطعت زيادته فلا بأس بابتياعه، واشتراط تركه إلى أن يحصد ويجد، وإنما وقع النهي عن ذلك لاشتراط الترك لمكان الزيادة. قال: وفي ذلك دليل على أنه لا بأس بذلك الاشتراط في ابتياعه بعد عدم الزيادة. قال الطحاوي: وتأويل أبي حنيفة وأبي يوسف في هذا أحسن عندنا، والنظر يشهد له (١). وتخصيصه - عليه السلام - البائع والمبتاع بالذكر يدل على تأكيد النهي في ذلك؛ لأن النهي إذا ورد عن الله ورسوله فحقيقته الزجر عما ورد فيه، قال تعالى ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ومعنى النهي عن ذلك عند عامة العلماء خوف الغرر؛ لكثرة الجوائح فيها، وقد بين ذلك بقوله: «أرأيت إن منع الله الثمرة» إلى آخره كما سيأتي، فنهى عن أكل المال بالباطل، فإذا بدا صلاحها واحمرت أمنت العاهة عليها في الأغلب وكثر الانتفاع بها؛ لأكلهم إياها رطبًا فلم يكن قصدهم بشرائها الغرر، وأما فعل زيد بن ثابت في مراعاته طلوع الثريا فقد روي عن عطاء، عن أبي هريرة، ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٨. عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا طلع النجم صباحًا رفعت العاهة عن أهل البلد» (١) يعني: الحجاز، والنجم: الثريا. وطلوعها صباحًا لاثنتي عشرة تمضي من شهر مايُه. وقال ابن القاسم، عن مالك: لا بأس أن تباع الحوائط وإن لم تُزهِ إذا زهى ما حوله من الحيطان، وكان الزمان قد أمنت العاهة فيه، ولا يجوز عندنا، واختلفوا في بيع جميع الحائط فيه أجناس التمر يطيب جنس واحد منه، فقال مالك: لا أرى أن يباع ذلك الصنف الواحد الذي طاب أوله دون غيره، وهو قول الشافعي. وقال الليث: لا بأس أن تباع الثمار كلها متفقة الأجناس أو مختلفة يطيب جنس منها أو مخالف لها، واحتج بأنه - عليه السلام -: نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فعم الثمار كلها فإذا بدا الصلاح في شيء منها، فقد بدا الصلاح في الثمار كلها؛ لأنه لم يخص، وعن أحمد روايتان فيما إذا بدا الصلاح في بعض الجنس هل يجوز بيع ذلك الجنس: إحداهما: نعم. وثانيتهما: لا إلا بيع ما قد بدا صلاحه. فائدة: قال البخاري: آخر حديث زيد بن ثابت، رواه علي (د. ت) بن بحر (٢)، ثنا حُكام، ثنا عيينة، عن زكريا عن أبي الزناد، عن عروة، عن --------- (١) رواه أحمد ٢/ ٣٤١ و٣٨٨، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٢٩٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١٩٢ - ١٩٣ من طريق عسل بن سفيان، عن عطاء، به. ورواه الطبراني في «الأوسط» ٢/ ٧٨، وفي «الصغير» ١/ ٨١ (١٠٤) من طريق أبي حنيفة، عن عطاء، به. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٩٧). (٢) ورد في هامش الأصل: توفي علي سنة ٢٣٤، وحكام: ثقة، توفي ١١٠. سهل. حكام: هو ابن سهل الرازي، وعيينة (١) (خت. ت. س) هو ابن سعيد بن الضريس. وزكرياء: هو ابن أبي زائدة. ومات علي بن بحر البغدادي سنة ٢٣٤. ------------ (١) ورد بهامش الأصل: وعيينة قال المزي في «أطرفه»: إن زكريا هو: ابن خالد وذكر في «تهذيبه» أنه روى عن أبي الزناد، وروى عنه قتيبة ابن سعيد، وعلم … ثم ذكره بعده ابن أبي زائدة وإن كان اسم أبي زائدة: خالدًا. ٨٦ - باب بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ٢١٩٧ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا مُعَلًّى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ. [انظر: ١٤٨٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٤/ ٣٩٧] ذكر فيه حديث أنس أَنَّه - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ. ![]()
__________________
|
|
#419
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 491 الى صـــ 510 الحلقة (419) ٨٧ - باب إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ البَائِعِ ٢١٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟». [انظر: ١٤٨٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٤/ ٣٩٨] ٢١٩٩ - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ، كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ. أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ». [انظر: ١٤٨٦ - مسلم: ١٥٣٤ - فتح: ٤/ ٣٩٨] ذكر فيه حديث أنس أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. قال: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ: «أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟». وقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ، كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ. أَخْبَرَنِي سَالِمُ عن أبيه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَبتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ». الشرح: حديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (١). ----------- (١) مسلم (١٥٥٥) كتاب: المساقاة، باب: وضع الجوائح. وقوله: (أرأيت) إلى آخره هو من قول أنس، وقد جاء صريحًا بعده في باب: بيع المخاضرة؛ فقلت لأنس: ما زهوها؟ قال: تحمر وتصفر، ثم قال: أرأيت إن منع الله الثمرة، بم تستحل مال أخيك (١) وقد بين ذلك الخطيب في كتاب «المدرج» (٢)، والدارقطني في تتبعه روايات مالك، وقال عبد الحق: ليس بموصول عنه في كل طريق، ثم روى بعده عن أنس أن النبي - ﷺ - قال: «إن لم يثمرها الله، فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟». ومن أفراد مسلم من حديث جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - أمر بوضع الجوائح (٣). وفي رواية له «لو بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق» (٤) وحديث ابن عمر سلف (٥)، وتعليق الليث أسنده مسلم عن أبي الطاهر، وحرملة عن ابن وهب، عن يونس (٦)، وذكر الخطيب في كتاب «المدرج» أن أبا الوليد رواه، عن شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر بزيادة: وكان إذا سئل عن صلاحها قال: حتى تذهب عاهتها. قال الخطيب: وهذِه الزيادة من قول ابن عمر، بيَّن ذلك مسلم بن إبراهيم وغندر في روايتهما هذا الحديث عن شعبة (٧). ---------- (١) سيأتي قريبًا برقم (٢٢٠٨). (٢) «المدرج» ١/ ١٧٦. (٣) مسلم (١٥٥٤) كتاب: المساقاة، باب: وضع الجوائح. (٤) مسلم (١٥٥٤/ ١٤). (٥) سلف برقم (١٤٨٦) كتاب: الزكاة، باب: من باع ثماره أو نخله. (٦) مسلم (١٥٣٤) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها. (٧) «المدرج» ١/ ١٦٨. والحديث دليل على أبي حنيفة كما سلف، وأن حكم الثمار إذا بيعت بعد بدو صلاحها إذا لم يشترط فيها القطع التبقية، وأن على البائع تركها إلى أوان الجداد، وأن العرف فيه بمنزلة الشرط. وفيه: دلالة على استحباب وضع الجائحة، وأكثر العلماء على أنه استحباب، وقال مالك: هو إيجاب. قال ابن بطال: بيع الثمار قبل بدو صلاحها فاسد؛ لنهيه - عليه السلام - عنه ومصيبة الجائحة فيه من البائع؛ لفساد البيع، وأنه لم ينتقل ملك البائع عن الثمرة بالعقد، ولا قبضه المشتري؛ لأن القبض لا يكون فيما لم يتم، وإنما يلبث في ملك البائع ويده فلا شيء على المشتري، والأصل في وضع الجائحة حديث جابر الذي أسلفناه، واستدل جماعة من الفقهاء بقوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة) على وضعها في التمر يشترى بعد بدو صلاحه شراءً فاسدًا، ويقبضه في رءوس النخل ثم تصبه جائحه. وذهب مالك وأهل المدينة إلى أن الجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعدًا، ولا يكون ما دون ذلك جائحة. وقال أحمد، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الحديث: الجائحة، موضوعة قليلها وكثيرها. وذهب الليث والكوفيون والشافعي إلى أن الجائحة في مال المشتري، ولا يرجع على البائع بشيء واحتجوا بأن قوله: «أرأيت» إلى آخره إنما ورد في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا من غير شرط القطع فتلفت بجائحة، أن مصيبتها من البائع؛ لأن البيع كان باطلًا، وإلى هذا المعنى ذهب البخاري في هذا الباب، والدليل عليه أنه وارد في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها قوله: «فبم يستحل أحدكم مال أخيه؟» وبعد بدو الصلاح يكون البيع صحيحًا، ولا يجوز أن يقال فيه ذلك؛ لأنه يستحله بالعقد. وأجيب بأنه إن استحله بعقد البيع فإن تمام العقد لا يحصل عند المخالف إلا باجتناء الثمرة، وقبل ذلك المصيبة من البائع، وليس قبض كل ما يشترى كله على وجه واحد، ألا ترى أن الرجل يستأجر ظئرا شهرًا واحدًا؛ لإرضاع ولده، فهو في معنى اللبن الذي لا يستطيع قبضه في موضع واحد، فلو انقطع اللبن في نصف الشهر لرجع بما يصيبه، فكذلك الثمرة إذ العادة أن تؤخذ أولًا، فأولًا عند إدراكه وتناهيه، ولو اشتراه مقطوعًا لكانت مصيبته من المشتري؛ لأنه يقدر على أخذه كله حالًا، فإن قلت: فقولوا بالجائحة مطلقًا، كما قال به من سلف. فالجواب: أنها في لسان العرب، إنما هي فيما كثر دون ما قل؛ لأنه لا يقال لمن ذهب درهم من ماله وهو يملك ألوفًا: إنه أُجيح (١). ومن جهة المعقول أن المشتري قد دخل على ذهاب اليسير من الثمرة؛ لأنه لا بد أن يسقط منها شيءٌ، وتلحقه الآفة، ويأكل الطير وغيره منها فلم يجب على البائع أن يضع عن المشتري ذلك المقدار الذي دخل عليه حتَّى يكون في حد الكثير، وأول حدِّ الكثير في الشيء ثلثه فصاعدًا بدليل قوله - عليه السلام - لسعد: «الثلث والثلث كثير» (٢) فجعل ثلث ماله كثيرًا في ماله، ولهذا قال مالك: إنه يوضع الثلث فصاعدًا؛ ليكون قد أخذ بالخبر والنظر. وقال يحيى بن سعيد: --------- (١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٦/ ٣١٩ - ٣٢٠. (٢) سلف برقم (١٢٩٥) كتاب: الجنائز، باب: رَثى النبي سعد بن خولة. لا جائحة فيما أصيب دون رأس المال، وذلك سنة المسلمين. خاتمة: تحصلنا على أن النهي للتحريم عند الجمهور، وبالتنزيه قال أبو حنيفة، وإنه إن شرط القطع جاز؛ لانتفاء الضرر، وخالف ابن أبي ليلى والثوري، ولو شرط تمسكًا بعموم الأحاديث، وهو: خلاف الإجماع كما نقله النوويُّ. قال القرطبيُّ: ويجوز اشتراط البقاء عند الكافة، وكذلك له الإبقاء، وإن لم يصرِّح باشتراطه عند مالك، إذ لا يصلح اجتناء الثمرة دفعة واحدة؛ لأن تناهي طيبها ليس حاصلًا، وإنما يحصل في أوقات، وشذَّ ابن حبيب فقال: هي على الجدِّ حتى يشترط البقاء (١)، وإذا اشترط القطع ثم لم يقطع فالبيع صحيح، ويلزم البائع بالقطع، فإن تراضيا على إبقائه جاز، وإنما اشترط بدو الصلاح لأمور منها: أن ثمن الثمرة في تلك الحال قليل، فإذا تركها حتى تصلح زاد ثمنها، وفي تعجيله القليل نوع تضييع للمال. ومنها: أن يوقع أخاه المسلم في نوع غرر، ومنها: المخاطرة والتغرير بماله، ومنها: مخافة التشاجر عند فساد الثمرة. ---------- (١) «المفهم» ٤/ ٣٨٩. ٨٨ - باب شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ ٢٢٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ٤/ ٣٩٩] ذكر فيه حديث الأَعْمَش قَالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. هذا الحديث سلف في أوائل البيع، وترجم عليه (هناك) (١) باب: شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة (٢)، ولا خلاف فيه بين الأمة أن يشتري شيئًا بثمن معلوم إلى أجل معلوم. --------- (١) ألحقت في الأصل بين السطرين. (٢) سلف برقم (٢٠٦٨). ٨٩ - باب إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ جنيب ٢٢٠١، ٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟». قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا». الحديث ٢٢٠١ - [٢٣٠٢، ٤٢٤٤، ٤٢٤٦، ٧٣٥٠ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح: ٤/ ٣٩٩] الحديث ٢٢٠٢ - [٢٣٠٣، ٤٢٤٥، ٤٢٤٧، ٧٣٥١ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح: ٤/ ٣٩٩] ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النبي - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَييبٍ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟». قَالَ: لَا والله يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). قال ابن عبد البرِّ: ذكر (أبو) (٢) هريرة في هذا الحديث لا يوجد من غير رواية عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن عن ابن المسيب عنهما رواه عنه مالك، وإنما يحفظ لأبي سعيد، كذا رواه قتادة عن سعيد من رواية حفاظ أصحاب قتادة، وروى الدراوردي عن عبد المجيد بن سهيل، عن أبي صالح السمان عنهما، ولا نعرفه بهذا الإسناد هكذا ------------ (١) مسلم (١٥٩٣)، كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل. (٢) كذا في الأصل، والجادة أن يكتب أبي بالياء، ووجهه هنا الحكاية. إلَّا من حديث الدراوردي، وكل من روى عن عبد المجيد بن سهيل هذا عنه بإسناده عن سعيد عنهما ذكره في آخره. وكذا الميزان، إلَّا مالكًا فإنه لم يذكره في حديثه (١)، وذكر البخاري، في المغازي، قال عبد العزيز الدراوردي: عن عبد المجيد، عن ابن المسيب عنهما أنهما حدثاه: أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعث أخا عديٍّ من الأنصار إلى خيبر فأمَّره عليها. وعن عبد المجيد، عن أبي صالح عنهما مثله (٢). قال أبو عمر: جل أصحاب مالك يقولون: عبد المجيد (٣)، وفي رواية ابن نافع: عبد الحميد، وعند يحيى بن يحيى ويحيى بن بكير وابن عيينة القولان جميعًا، وعبد الحميد أصح (٤). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: اسم هذا العامل: سواد بن غزية بن وهب البدري البلوي حليف الأنصار. وقيل: مالك بن صعصعة الخزرجي، ذكره الخطيب (٥)، وجزم ابن بشكوال بالأوَّلِ (٦). ثانيها: وقع في بعض الروايات بالثلاث بغير هاءٍ، وفي بعضها ------------ (١) «التمهيد» ٢٠/ ٥٦ - ٥٧. (٢) سيأتي برقم (٤٢٤٧) باب: استعمال النبي على أهل خيبر. (٣) «التمهيد» ٢٠/ ٥٥. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال في «المطالع»: وفي الشرح عن عبد الحميد بن سهيل، كذا لجميع رواة «الموطأ» وللقعنبي وابن القاسم في آخرين عبد المجيد وهو الأكثر، وعبد الحميد ذكره البخاري في «الصحيح» و«التاريخ» وقد اختلف فيه الرواة عن مسلم في باب: آخر ما نزل من القرآن الحلواني يقول: عبد المجيد، وابن ماهان يقول: عبد الحميد. انتهى، فقد صرح هذا بأن عبد المجيد أكثر. (٥) «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» ص ٣٧٥ (١٨٣). (٦) «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ١٦٤ - ١٦٥. بإثباتها. والصاع يذكر ويؤنث (١)، والجنيب: أرفع التمر، والجمع رديء. ثالثها: قال ابن عبد البرِّ: الميزان، وإن لم يذكره مالك فهو أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم فيه، كل يقوله على أصله إن ما داخله (٢) في الجنس الواحد من جهة التفاضل والزيادة لم تجز فيه الزيادة والتفاضل لا في كيل ولا في وزن، والوزن والكيل عندهم في ذلك سواء، إلَّا ما كان أصله الكيل لا يباع إلَّا كيلًا، وما كان أصله الوزن لا يباع إلَّا وزنًا، وما كان أصله الكيل فبيع وزنًا فهو عندهم مماثلة وإن كرهوا ذلك، وما كان موزونًا فلا يجوز أن يباع كيلًا عند جميعهم؛ لأنَّ المماثلة لا تدرك بالكيل، إلَا فيما كان كيلًا ولا وزنًا اتباعًا للسنة. وأجمعوا أنَّ الذهب والورق والنحاس وما أشبه لا يجوز شيء من هذا كله كيلًا بكيل بوجه من الوجوه، والتمر كله على اختلاف أنواعه جنس واحد لا يجوز فيه التفاضل في البيع والمعاوضة، وكذلك البر والزبيب، وكل طعام مكيل (٣)، هذا حكم الطعام المقتات عند مالك، وعند الشافعي: الطعام كله مقتات، أو غير مقتات، وعند الكوفيين: الطعام المكيل والموزون دون غيره (٤). رابعها: فيه: أن من لم يعلم بتحريم الشيء فلا حرج عليه حتَّى يعلمه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] وقام الإجماع على أن البيع إذا وقع محرمًا فهو مفسوخ مردود؛ ------------ (١) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٩٦١ مادة: (صاع). (٢) في التمهيد: ما داخله الربا. (٣) «التمهيد» ٢٠/ ٥٧ - ٥٨. (٤) «الاستذكار» ١٩/ ١٤٣ - ١٤٤. لقوله: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ» (١) وفي «صحيح مسلم»: «فردوه» (٢). وسيأتي حديث أبي سعيد الخدري قال: جاء بلال بتمر برني، فقال له - عليه السلام -: «من أين هذا؟» فقال بلال: تمر كان عندنا رديء فبعته صاعين بصاع؛ لمطعم النبي - ﷺ -، فقال عند ذلك: «أوه عين الربا لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به» (٣)، وللبخاري: «أوه أوه عين الربا» مرتين (٤)، ولم يعز ابن بطال هذا الحديث إلى البخاري الذي هو شارحه بل قال: وقد روي أنه - عليه السلام - أمر بردِّ هذا البيع من حديث بلال بن رباح، ومن حديث أبي سعيد الخدري، ثم ساق حديث بلال وفي آخره: «انطلق فرده على صاحبه، وخذ تمرك، وبعه، ثم اشتر التمر»، وقد زعم قوم أن بيع العامل الصالح بالصاعين كان قبل نزول آية الربا، وقبل أن يخبرهم الشارع بتحريم التفاضل في ذلك، ولذلك لم يأمر بفسخه وهذِه غفلة؛ لأنه - عليه السلام - قال في مغنم خيبر للسعدين: «أربيتما فرُدَّا»، وفتح خيبر مقدم على ما كان بعد ذلك مما وقع في تمرها، وقد احتج بحديث الباب من أجاز بيع الطعام من رجل نقدًا ويبتاع منه بذلك طعامًا قبل الافتراق وبعده؛ لأنه لم يخص فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأبي ثور، ولا يجوز هذا عند مالك؛ ------------- (١) سلف معلقًا كتاب: البيوع، باب: النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع. ووصله مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها برقم (١٧١٨) كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور. (٢) مسلم (١٥٩٤) كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل. (٣) بهذا اللفظ «أوَّه» مرة واحدة رواه في مسلم (١٥٩٤) كتاب المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل. (٤) يأتي برقم (٢٣١٢) كتاب: الوكالة، باب: إذا باع الوكيل شيئًا فاسدًا فبيعه مردود. لأنه عنده كأنه طعام بطعام، والدراهم ملغاة إلَّا أن يكون الطعام جنسًا واحدًا وكيلًا واحدًا فيجوز عنده (١). وهذِه عندنا حيلة، وتسمَّى بيع العينة، ووافق مالكًا أحمد، وهو على قاعدة مالك في سد الذرائع فإن هذِه الصورة عندهم تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلًا، ثم إنه ليس في الحديث أن الذي اشترى منه ثانيًا هو الأول، فهو مطلق صالح له بخلاف العموم فإنه ظاهر في الاستغراق. قلت: وحديث العينة وإن أخرجه أبو داود (٢) وغيره فهو متكلم فيه، ووافقنا ابن حزم، فقال: هو حلال ما لم يكن عن شرط، قال: ومنع منه قوم وقالوا: إنه باع منه دنانير بدنانير متفاضلًا، فقلنا: بل هما صفقتان، ثم أوضحه وقد أمر به عمر والأسود بن يزيد (٣). وقد يحتج بالحديث من يرى أن الربا جائز بأصله دون وصفه، فيسقط الربا ويصحُّ البيع كما قاله أبو حنيفة، وفي التخيير له - عليه السلام - التمر الطيب وإقرارهم عليه دليلٌ على أنَّ النفس يرفق بها بحقها، وهو عكس ما يصنعه الجهال المتزهدون من حملهم على أنفسهم ما لا تطيق جهلًا منهم بالسنة، نبه عليه ابن الجوزي. ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣. (٢) «سنن أبي داود» (٣٤٦٢)، أحمد ٢/ ٢٨، الطبراني ١٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣ (١٣٥٨٣)، (١٣٥٨٥)، البيهقي في «السنن الكبرى» ٥/ ٣١٦ (١٠٧٠٣)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١١). (٣) «المحلى» ٨/ ٥١٢ - ٥١٣. ٩٠ - باب مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً أَوْ بِإِجَارَةٍ ٢٢٠٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُخْبِرُ، عَنْ نَافِعٍ -مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ- أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ العَبْدُ وَالحَرْثُ. سَمَّى لَهُ نَافِعٌ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ. [٢٢٠٤، ٢٢٠٦، ٢٣٧٩، ٢٧١٦ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠١] ٢٢٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠١] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أنا هِشَامٌ، أنا ابن جُرَيْجٍ (قَالَ) (١): سَمِعْتُ ابن أَبِي مُلَيكَةَ يُخْبِرُ، عَنْ نَافِع -مَوْلَى ابن عُمَرَ- أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبِّرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ للَّذي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ العَبْدُ وَالحَرْثُ. سمَّى لَهُ نَافِع هؤلاء الثَّلَاثَ. ثم ساق حديث ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فثمرتها لِلْبَائِعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». الشرح: إبراهيم هذا هو ابن أبي موسى بن يزيد بن زاذان التميمي الفراء الصغير، وهذا من باب المذاكرة كما أسلفناه. وحديث ابن عمر أخرجه مسلم (٢)، قال الطرقي: الصحيح من رواية نافع ما اقتصر عليه ------------- (١) ليست في الأصل والمثبت من اليونينية. (٢) مسلم (١٥٤٣) كتاب: البيوع، باب: من باع نخلًا عليها ثمر. من التأبير خاصة، وذكر العبد يعني: «ومن ابتاع عبدًا وله ماله فماله للذي باعه إلَّا أن يشترط المبتاع» (١) يذكر عن ابن عمر عن عمر قوله قال: وقد رواه عن نافع عبد ربه بن سعيد، وبكير بن الأشج فجمعا بين الحديثين، مثل رواية سالم وعكرمة بن خالد، فإنهما رويا الحديثين جميعًا عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -، وكذا قال أبو عمر: اتفق نافع وسالم عن ابن عمر مرفوعًا في قصة النخل، واختلفا في قصة العبد، رفعها سالم، ووقفها نافع على عمر قوله، وهو أحد الأحاديث الأربعة، التي اختلف فيها نافع وسالم، ولمَّا روى النسائي حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر مرفوعًا لحديث التأبير والعبد، قال: هذا خطأ، والصواب حديث عمر موقوفًا (٢). وقال الدارقطني: رواه سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر مرفوعًا، وغيره لم يذكر فيه عمر، ورواه نافع فخالف سالمًا فجعله عن ابن عمر، عن عمر موقوفًا، ووهم أبو معاوية فرفعه، والصواب الأول وهو الصحيح (٣)، ورواه ابن إسحاق وجماعات عددهم عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا بإسقاط عمر بالقصتين جميعًا، ووهموا على نافع، ورواه الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا ولم ---------- (١) «التمهيد» ١٣/ ٢٨٢. (٢) «السنن الكبرى» ٣/ ١٨٩ (٤٩٨٩) ولم أجد كلام النسائي بعد الحديث، وذكره المزي في «التحفة» ٨/ ٧٠ في مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولفظه: قال النسائي في حديث هلال بن العلاء: هذا خطأ والصواب حديث ليث بن سعد وعبيد الله وأيوب. اهـ يقصد المزي أن رواية هلال المرفوعة خطأ أما الثلاثة فروايتهم موقوفة. (٣) «علل الدارقطني» ٢/ ٥١ - ٥٢ والصواب الذي يقصده المصنف طريق نافع عن ابن عمر، عن عمر قوله. يتابع عن ابن دينار، وذكره البخاري أيضًا في باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل (١). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: أبرت النخل آبرُها (٢)، بالكسر والضمِّ والتخفيف فهي مأبورة، كقومت الشيء تقويمًا فهو مقوم، وإبار كل تمر بحسبه، ومما جرت العادة فيه بما ينبت تمره ويعقده، وهو: شق طلع النخلة، هان لم يحط فيه، وقد يعبر بالتأبير عن ظهور الثمرة وعن انعقادها وإن لم يفعل فيها شيء، ويقال: أبَّرته بتشديد الباء أيضًا أوبره تأبيرًا، وعلامته فيما عدا النخل سقوط النور الذي لا ينعقد. وقال ابن بطال: أما معنى الإبار في سائر (النخل) (٣) فقال ابن القاسم: يراعى ظهور الثمرة لا غيره، وقال ابن عبد الحكم: كل ما لا يؤبَّر من الثمار فاللقاح فيها بمنزلة الإبار في النخل (٤). ثانيها: قال القزاز: من رواه يشترط بغير هاء أجاز اشتراط بعض الثمرة، ومن رواها بالهاءِ لا يجيز إلَّا اشتراط الكل، قال: وكذلك وقع في مال العبد بالهاء وبغير هاء. ثالثها: قوله: («فثمرتها لِلْبَائِعِ») يريد أنها بمطلق القيد تكون له، وبه قال جمهور الفقهاء، وخالف ابن أبي ليلى أنها للمشتري كالعهن والصوف على ظهر الغنم، والنص يرده، والثمرة نماء عن الأصل ----------- (١) سيأتي برقم (٢٣٧٩) كتاب: المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائظ أو في نخل. (٢) «تهذيب اللغة» ١/ ١٠٥ مادة: (أبر). (٣) في «شرح ابن بطال»: الأشجار. وهو الأنسب. (٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٤. بخلافهما، وأما قبل أن تؤبر فهي للمشتري عند مالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة: هي للبائع كالمأبورة (١). ودليل الخطاب يرده، وأيضًا ما كان غير طاهر تبعًا لما نشأ عنه. قال ابن بطال: أخذ بظاهر حديث الباب مالك والليث والشافعي وأحمد وإسحاق، فقالوا: من باع نخلًا قد أبرت ولم يشترط ثمرته المبتاع فالثمر للبائع، وهي في النخل متروكة إلى الجداد وعلى البائع السقي، وعلى المشتري تخليته وما يكفي من الماءِ، ولذلك إذا باع الثمرة دون الأصل فعلى البائع السقي. وقال أبو حنيفة: سواء أبَّر أو لم يؤبِّر هو للبائع، وللمشتري مطالبته بقلعها عن النخل حالًا، ولا يلزمه أن يصبر عليه إلى الجداد، وإن اشترط البائع في البيع ترك الثمرة إلى الجداد فالبيع فاسد، واحتجوا بالإجماع على أن الثمرة لو لم تكن تؤبَّر حتى تناهت وصارت بلحًا وبسرًا وبِيعَ النخلُ، أن الثمرة لا تدخل فيه فعلمنا أن المعنى في ذكر الإبار ظهور الثمرة خاصة، إذ لا فائدة في ذكر الإبار غيره، ولم يفرقوا بين الإبار وغيره، قالوا: وقد تقرر أنَّ من باع دارًا له فيها متاع فللمشتري المطالبة بنقله عن الدار في الحال، ومن باع شيئًا فعليه تسليمه ورفع يده عنه، وبقاء الثمرة على النخل بعد البيع انتفاع بالنخل إلى وقت الجداد، فيكون في معنى من باع شيئًا واستثنى منفعته، وهذا لا يجوز، فخالفوا السنة إلى قياس، ولا قياس لأحد معها، ويقال لهم: من باع شيئًا مشغولًا يحق للبائع، فإنَّ البائع يلزمه نقله عن المبيع على ما جرت به العادة في نقل مثله، ألا ترى أنه لو باع دارًا ------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٩٥ - ٩٦. هو فيها وعياله في نصف الليل وله فيها طعام كثير وآلة فلا خلاف أنه لا يلزمه نقله عنها نصف الليل، حتى يرتاد منزلًا يسكنه ولا يطرح ماله في الطريق، هذا عرف الناس. وكذلك جرت العادة في أخذ الثمرة عند الجداد، وهو حين كمال بلوغها، ولمَّا ملَّك الشارع الثمرة بعد الإبار للبائع اقتضى استيفاء منفعته بها على كمالها، وأغنى ذلك عن استثناء البائع بقية الثمرة إلى الجداد، وأبو حنيفة يجيز أن يبيع السلعة أو الثمرة ويستثني نصفها وثلثيها، وما (يستثنى) (١) منها إذا كان المستثنى معلومًا، وكذلك قول أكثر العلماء إذا باع نخلًا وفيها ثمرة لم تؤبر فهي للمبتاع متابعة لأصلها بغير شرط، استدلالًا بحديث ابن عمر. وخالف ذلك أبو حنيفة فقال: هي للبائع بمنزلة لو كانت مؤبرة إلَّا أن يشترطها المبتاع، فيقال لهم: التمر له صفتان: مؤبر وغير مؤبر، ولما جعله الشارع إذا كان مؤبرًا للبائع بترك المشتري اشتراطها، أفادنا ذلك أن الثمرة للمشتري إذا لم تؤبر وكانت في أكمامها، وان لم يشترطها المشتري، ولو كان الحكم فيها غير مختلف حتى يكون الكلُّ للبائع، لكان يقول: من باع نخلًا فيها ثمرة فهي للبائع، فخالف الحديث من وجهين: نصه فيما إذا كانت مؤبرة، ودليله إذا كانت غير مؤبرة (٢). رابعها: قول نافع: (وكذلك العبد)، يريد أن ماله لبائعه. وقوله: (والحرث) يريد: الأرض المحروثة. وروى ابن القاسم عن مالك: أن من اشترى أرضًا مزروعة ولم تسبل فالزرع للبائع، إلَّا أن يشترط -------- (١) في «شرح ابن بطال»: شاء. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٤ - ٣٢٦. المشتري، وإن وقع البيع والبذر لم تنبته فهو للمبتاع بغير شرط (١). وروى ابن عبد الحكم عن مالك: إن كان الزرع لقح أكثره، ولقاحه: أن يتحتت ويسبل حتَّى لو يبس حينئذٍ لم يكن فسادًا فهو للبائع، إلَّا أن يشترط المشتري، وإن كان لم يلقح فهو للمبتاع (٢) وذكر ابن عبد الحكم في موضع آخر من كتابه مثل رواية ابن القاسم. فرع: روى ابن القاسم عن مالك: أنه لا يجوز استثناء نصف مال العبد إلَّا أن يكون ماله معلومًا ويكون غير العين (٣)، يريد أنه إذ ابتاعه بالعين وهو حاضر يراه، وإنما الاستثناء في الجميع، وقاله سعيد بن حسان، وقال: لا يجوز أن يستثني مال أحدهما إذا اشتراهما، وأجازه أشهب في العبد أن يستثني بعض ماله. واختلف بعض أصحاب مالك إذا استثنى بعض الثمرة، فأجازه بعضهم ومنعه بعضهم. فرع: فإن وقع العقد على النخل، أو العبد خاصة ثم زاده شيئًا ليلحق الثمرة والمال بالربا. لابن القاسم: إن كان بحضرة البائع وتقريب جاز وإلَّا فلا، وأجازه أشهب في ثمرة النخل، ومنعه في مال العبد، والمعنى بالقرب: أن لا يدخل المال زيادة ولا نقص، فإن دخله شيء من ذلك فقد بعد وامتنع إلحاقه بالعقد. ------ (١) «المدونة» ٤/ ٢٢٣. (٢) «الاستذكار» ١٩/ ٨٦. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦، و«الاستذكار» ١٩/ ٣٥ - ٣٦. ٩١ - باب بَيْعِ الزَّرْعِ (بِالطَّعَامِ) (١) كَيْلًا ٢٢٠٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. [انظر: ٢١٧١ - مسلم: ١٥٤٢ - فتح: ٤/ ٤٠٣] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ المُزَابَنَةِ، أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيْلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلًا، أَوْ كَانَ زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، وَنَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وقد سلف الكلام عليه (٣)، وقام الإجماع على أنه لا يجوز بيع الزرع قبل أن يقطع بالطعام، ولا بيع العنب في كرمه بالزبيب، ولا بيع التمر في رءوس النخل بالتمر؛ لأنه مزابنة، وقد سلف النهي عنه، وذلك خطر وغرر؛ لأنه بيع مجهول بمعلوم من جنسه، وأما بيع رطب ذلك بيابسه إذا كان مقطوعًا وأمكن فيه المماثلة، فجمهور العلماء على المنع خلافًا لأبي حنيفة (٤)، كما سلف، واحتج له الطحاوي فقال: لما أجمعوا أنه يجوز بيع الرطب بالرطب مثلًا بمثل، وإن كانت في أحدهما رطوبة ليست في الآخر، وكان ذلك ينقص إذا بقي نقصانًا مختلفًا، ولم ----------- (١) في الأصل: والطعام. والمثبت هو الصواب كما في «اليونينية» ٣/ ٧٨، و«شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٦، و«فتح الباري» ٤/ ٤٠٣، و«منحة الباري» ٤/ ٦٠٥. (٢) مسلم (١٥٤٢) كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرطب بالتمر إلا في العرايا. (٣) سلف برقم (٢١٧١) باب: بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٣٦. ينظروا إلى ذلك فيبطلوا به البيع، بل نظروا إلى حاله في وقت وقوع البيع، فالنظر أن يكون التمر بالرطب كذلك (١). ولا يسلم الإجماع له ثم هو قياس فاسد، فقد يعفي عن اليسير لقلته، وقد جوز في الشرع يسير الغرر؛ لأنه لا يكاد يخلو منه، ونقصان الرطب بالتمر له مال وقيمة، فافترقا لذلك. وحديث الباب حجة للجماعة، فإن التمر هو الرطب، وكأنه نهى عن بيع الرطب بالتمر على النخل، ومقطوعًا على عموم اللفظ، ويدل على ذلك الحديث السالف: «أينقص الرطب إذا يبس؟» قالوا: نعم، قال: «فلا إذن» (٢) فنهى عنه فصار كأنه نهى عن الرطب بالتمر، ولم يخف عنهم ذلك، وإنما سألهم على سبيل التقرير لهم، حتَّى إذا تقرر ذلك عندهم نهاهم عنه، فصار كأنه نهاهم، وعلله فقال: لا يجوز بيع التمر بالرطب؛ لأنه ينقص إذا يبس، فسواء كان الرطب في النخل أو في الأرض إذا بيع بتمر مجهول، فإنه يكون مزابنة، يقال للكوفيين: يلزمكم التناقض في منعكم بيع الحنطة بالدقيق وبيعها بالسويق، والمماثلة بينهما أقرب من المماثلة بين التمر والرطب؛ وأجاز مالك والليث الدقيق بالحنطة مثلًا بمثل، وقول الشافعي كقول الكوفي (٣). ----------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧. (٢) رواه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول الشافعي وأصحابنا، والنسائي ٧/ ٢٦٩، وابن ماجه (٢٢٦٤)، ومالك في «الموطأ» ص ٣٨٦، وصححه الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٩٩ (١٣٥٢) وتقدم تخريجه. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٣٨ - ٣٩، «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٧ - ٣٢٨. ٩٢ - باب بَيْعِ النَّخْلِ بِأَصْلِهِ ٢٢٠٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ أَبَّرَ نَخْلًا ثُمَّ بَاعَ أَصْلَهَا، فَلِلَّذِي أَبَّرَ ثَمَرُ النَّخْلِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ». [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠٣] ذكر فيه حديث ابن عمر السالف في باب: من باع نخلًا قد أبرت (١). وقد سلف الكلام عليه، واختلف قول مالك فيمن اشترى أصول النخل وفيها ثمر قد أبر ولم يشرطها، فأجازوا لمشتري النخل وحده أن يشتري التمر قبل بُدُوِّ صلاحها في صفقة أخرى، كما كان له أن يشرطها في صفقته، هذِه رواية ابن القاسم. وكذلك مال العبد، وروى ابن وهب عن مالك: أن ذلك لا يجوز في الثمرة ولا في مال العبد له ولا لغيره، وهذا قول المغيرة وابن دينار وابن عبد الحكم، وهو قول الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٢). وهذا القول أقوى لعموم نهيه - عليه السلام - عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وكذلك مال العبد فهو شراء مجهول، فهو من بيع الغرر (٣). ----------- (١) سلف قريبًا برقم (٢٢٠٤). (٢) «الاستذكار» ١٩/ ٨٤. (٣) انظر «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٩. ![]()
__________________
|
|
#420
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 511 الى صـــ 530 الحلقة (420) ٩٣ - باب بَيْعِ المُخَاضَرَةِ ٢٢٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُزَابَنَةِ. [فتح: ٤/ ٤٠٤] ٢٢٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ ثَمَرِ التَّمْرِ حَتَّى تَزْهُوَ. فَقُلْنَا لأَنَسٍ: مَا زَهْوُهَا؟ قَالَ: تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أَخِيكَ؟ [انظر: ١٤٨٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٤/ ٤٠٤] ذكر فيه حديث أنس أن النبي - ﷺ - نهى عَنِ المُحَاقَلَةِ، وَالمُخَاضَرَةِ وَالمُنَابَذَةِ، وَالمُلَامَسَةِ، وَالمُزَابَنَةِ. وحديث أنس في بيع الثمار حتى تزهو، وقد أسلفناه، (١) وكذا الأول، وأنه من أفراد البخاري، قال الإسماعيلي: وفي بعض الروايات: والمخاضرة: بيع الثمار قبل أن تطعم، وبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه، وقد أسلفنا الكلام على كلِّ ذلك. والمخاضرة: بالخاءِ والضاد المعجمتين، وهي: بيع الثمار خضراء لم (يبدو) (٢) صلاحها. مفاعلة؛ لأنهما باعا شيئًا أخضر، وقام الإجماع ---------- (١) سلف برقم (١٤٨٨) كتاب: الزكاة، باب: من باع ثماره أو نخله. (٢) كذا في الأصل، والجادة أن تكتب بدون واو، ويخرج ما في الأصل على وجهين: أحدهما: أنها لغة لبعض العرب المجرين للفعل المعتل الآخر إجراء الفعل الصحيح. والآخر: أنها من باب الإشباع فتولدت الواو وليست هي لام الكلمة بل هي زائدة. انظر «الإنصاف في مسائل الخلاف» ١/ ٢٣ - ٣٠، و«سر صناعة الإعراب» ٢/ ٦٣٠، و«أوضح المسالك» ١/ ٦٩ - ٧٤. على أنه لا يجوز بيع الثمار، والزروع، والبقول قبل بُدُوِّ صلاحها على شرط التبقية إلى وقت طيبها، ولا يجوز بيع الزرع الأخضر إلا القصيل لأكل الدواب، وكذلك أجمعوا أنه يجوز بيع البقول إذا قلعت من الأرض، وانتفع بها، وأحاط علمًا بها المشتري، ومن بيع المخاضرة: شراؤها مغيبة في الأرض كالفجل والكراث والبصل واللفت وشبهه، وأجاز شراءها مالك والأوزاعي. قال مالك: وذلك إذا استقل ورقه وأمن، والأمان عنده أن يكون ما يقطع منه ليس بفساد (١)، وقال أبو حنيفة: بيع المغيب في الأرض جائز، وهو بالخيار إذا رآه (٢)، قال الشافعي: لا يجوز بيع ما لا يرى (٣). وهو عنده من بيوع الغرر، وحجة من أجاز ذلك: أنه لو قلعها ثُمَّ باعها لأضرَّ ذلك به وبالناس؛ لأنهم إنما يأكلون ذلك أولًا أولًا كما يأكلون الرطب والتمر، ولا يقصدون بذلك الغرر، وإذا باعها على شيءٍ يراه، أو صفة توصف له جاز فمتى جاء بخلاف الصفة أو الرؤية كان له رد ذلك بحصته، وإنما يجوز بيع ذلك كلِّه على التبقية إذا طابت للأكل، كما يجوز بيع الثمرة على التبقية إذا طابت للأكل. واختلفوا في بيع القثاء والبطيخ، وما يأتي بطنًا بعد بطن، فقال مالك: يجوز بيعه إذا بدا صلاحه، ويكون للمشتري ما ينبت حتى ينقطع ثمره؛ لأنَّ وقته معروف عند الناس. ---------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٩١/ ٦، «التمهيد» ٦/ ١٩١، «التمهيد» ١٣/ ٣٠٥. (٢) انظر: «الهداية» ٣/ ٣٧. (٣) انظر: «الحاوي» ٥/ ١٩٦ - ١٩٩، «المجموع» ٩/ ٣٥٠. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز بيع بطن منه إلا بعد طيبه كالبطن الأول، وهو عندهم من بيع ما لم يخلق (١)، وجعله مالك كالثمرة إذا بدا صلاح أولها جاز ما بدا صلاحه وما لم يبد؛ لحاجتهم إلى ذلك، ولو منعوا منه لأضرَّ بهم؛ لأن ما تدعو إليه الضرورة يجوز فيه بعض الغرر، ألا ترى أن الظئر تكرى لأجل لبنها الذي لم يخلق ولم يوجد إلا أوله، ولا يدرى كم يشرب الصبي منه، وكذلك لو اكترى عبدًا لخدمته لكانت المنفعة التي وقع عليها العقد لم تخلق، وإنما تجددت أولًا أولًا، ولو مات العبد لوقعت المحاسبة على ما حصل من المنفعة، فجوز ذلك لحاجة الناس إليه فبيع ما لم يخلق، وقد جرت العادة في الأغلب إذا كان الأصل سليمًا من الآفات أن تتتابع بطونه وتتلاحق، وعدم مشاهدته لا تدل على بطلان بيعه، بدليل بيع الجوز واللوز في قشريهما وفساده البين من خارج، ولو كان مقشورًا مغطى بشيء غير قشره لم يصح البيع. ------------ (١) انظر: «الاستذكار» ١٩/ ١٠٧ - ١٠٩. ٩٤ - باب بَيْعِ الجُمَّارِ وَأَكْلِهِ ٢٢٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَأْكُلُ جُمَّارًا، فَقَالَ: «مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ. فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ٤/ ٤٠٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهْوَ يَأكُلُ جُمَّارًا فَقَالَ: «مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةٌ كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ». فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: النَّخْلَةُ. فَإِذَا أَنَا أَحْدَثُهُمْ فقَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ». هذا الحديث سلف في كتاب العلم، وتكرر فيه فراجعه (١). والجمار: قلب النخلة، وذكر البخاري الأكل فقط ولم يذكر البيع؛ لأنه نبه عليه بأكله؛ لأن كل ما جاز أكله جاز بيعه، وكذا قال ابن المنير، أنه أخذه من القياس على أكله، إذ يدل على أنه مباح، واستغرب الشارح -يعني: ابن بطال- ذكره لبيع الجمار بناء منه على أنه مجمع عليه، وأنه لا يتخيل أحد فيه المنع، حيث قال: بيع الجمار وأكله من المباحات التي لا اختلاف فيها بين العلماء، وكل ما انتفع به للأكل وغيره فجائز بيعه (٢). قال: وقد وقع في عصرنا لبعضهم إنكار على من جمر نخله ليأكله تحريجًا من أكل غيره مما لم يصف من الشبهة، وينسبه لإضاعة المال، وذهل عن كونه حفظ ماله بماله (٣). -------- (١) برقم (٦١)، باب: قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا، (٦٢) باب: طرح الإمام المسألة على أصحابه، (٧٢) باب: الفهم في العلم، (١٣١) باب: الحياء في العلم. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٢٩. (٣) «المتواري» ص ٢٤٥. وفيه من الفوائد: أكل الشارع بحضرة القوم تواضعًا، ولا عبرة بقول بعضهم: إنه يكره إظهاره، وإنه يخفي مدخله كما يخفي مخرجه، وهذا الحديث يرد عليه. وقوله: («كَالرَّجُلِ المُؤْمِنِ»). أخذه من قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] وقوله: (أحدثهم سنًا) أي: وفعل ذلك استحياء. ٩٥ - باب مَنْ أَجْرَى أَمْرَ الأَمْصَارِ عَلَى مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ فِي البُيُوعِ (وَالإِجَارَةِ) (١) وَالمِكْيَالِ وَالوَزْنِ، وَسُنَنِهِمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمِ المَشْهُورَةِ وَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْغَزَّالِينَ: سُنَّتُكُمْ بَيْنَكُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ العَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ، وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ». وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وَاكْتَرَى الحَسَنُ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِرْدَاسٍ حِمَارًا، فَقَالَ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدَانَقَيْنِ. فَرَكِبَهُ، ثُمَّ جَاءَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: الحِمَارَ الحِمَارَ. فَرَكِبَهُ، وَلَمْ يُشَارِطْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ. ٢٢١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: حَجَمَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. [انظر: ٢١٠٢ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح: ٤/ ٤٠٥] ٢٢١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: قَالَتْ هِنْدٌ أُمُّ مُعَاوِيَةَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ آخُذَ مِنْ مَالِهِ سِرًّا قَالَ: «خُذِي أَنْتِ وَبَنُوكِ مَا يَكْفِيكِ بِالمَعْرُوفِ». [٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٤/ ٤٠٥] ٢٢١٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ فَرْقَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ -------- (١) في الأصل: (والآجال) والمثبت من مطبوع البخاري. رضي الله عنها تَقُولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ، وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ. [٢٧٦٥، ٤٥٧٥ - مسلم: ٣٠١٩ - فتح: ٤/ ٤٠٦] ثم ساق حديث أنس: حَجَمَ النَّبِيَّ - ﷺ - أَبُو طَيْبَةَ … الحديث. وقد سلف (١) في ذكر الحجام بالسند سواء. (٢)؟ وحديث عائشة في قصة هند. وحديثها أيضًا من طريقين أما الآية السالفة: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] أُنْزِلَتْ فِي وَالِي اليَتمِمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ فِي مَالِهِ، إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ. وهما مسندان للتعليقين السالفين، والبخاري أخرج الأخير عن إسحاق، وهو: ابن منصور كما صرَّح به في التفسير (٣)، ولما استخرجه أبو نعيم هناك من طريق إسحاق بن إبراهيم، قال: رواه -يعني البخاري- عن إسحاق بن منصور، ومقصود البخاري بالترجمة -كما قال ابن المنير- إثبات الاعتماد على العرف وأنه يقضى به على ظواهر الألفاظ، ويرد إلى ما خالف الظاهر من العرف؛ ولهذا ساق: (لا بأس العشرة بأحد عشر)، أي: لا بأس أن يبيعه سلعة مرابحة للعشرة بأحد عشر، وظاهره: أن ربح العشرة أحد عشر، فتكون ------------- (١) ورد في هامش الأصل ما نصه: إلا أنه هنا قال: ثنا حميد الطويل، وهناك لم يلقبه، وهنا: قدم رسول الله - ﷺ - على أبي طيبة. وهنا أظهر فاعل أمر، وهناك أضمره. (٢) سلف برقم (٢١٠٢). (٣) سيأتي برقم (٤٥٧٥) باب: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَغفِف﴾ وليس منسوبًا في هذا الموضع. = الجملة أحدًا وعشرين ولكن العرف فيه أن للعشرة واحدًا ربحًا، فيقضي العرف على اللفظ، فإذا صحَّ الاعتماد على العرف معارضًا بالظاهر، فالاعتماد عليه مطلقًا أولى. ووجه دخول حديث أبي طيبة في الترجمة أنه - عليه السلام - لم يشارطه اعتمادًا على العرف في مثله (١). وقوله: (وَيَأْخُذُ لِلنَّفَقَةِ رِبْحًا)، إن أراد نفقة نفسه فمذهب مالك أنها لا تحسب ولا يحسب له ربح (٢)، وإن أراد نفقة الرقيق فتحسب عند مالك ولا يحسب لها ربح، فهو خلاف مالك على كل حال إلا أن يريد أنه بين ذلك، أو كانت عندهم عادة، فتحتاج إلى بيان هذِه النفقة؛ لأنه يحتمل أن تكون قليلة أو كثيرة، ونبه عليه ابن التين، قال: وفي أكثر ما في الباب دليل لما بوب عليه أن العادة تقوم عند عدم الشرط مقامه وهو مذهب مالك وغيره. وقال الشافعي: لا اعتبار بذلك. وقال ابن بطال: العرف عند الفقهاء أمر معمول به، وهو كالشرط اللازم في البيوع وغيرها، ولو أن رجلًا وكَّل رجلًا على بيع سلعة فباعها بغير النقد الذي هو عرف الناس لم يجز ذلك، ولزمه النقد ------------- = وقال الجياني في «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٩ وقال الذي الصلاة والبيوع وتفسير سورة النساء: حدثنا إسحاق نا عبد الله. لم أجد إسحاق هذا منسوبًا في هذِه المواضع لأحد من الرواة ولا نسب أبو نصر إسحاق عن ابن نمير في كتابه. وقال المزي في «الأطراف» ١٢/ ١٦٤: البخاري في البيوع، وفي التفسير عن إسحاق ابن منصور، نسبه في التفسير، ولم ينسبه في البيوع عن عبد الله بن نمير به ولعلها اختلاف نسخ. (١) «المتواري» ص ٢٤٦. (٢) انظر: «الاستذكار» ١٩/ ١٩٩ - ٢٠٠. البخاري، وكذلك لو باع طعامًا موزونًا أو مكيلًا بغير الوزن، أو الكيل المعهود لم يجز، ولزم الكيل المعهود المتعارف من ذلك. قال: وقوله: (يأخذ للْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ)، يعني لكلِّ عشرة واحدًا من رأس المال دينار (١). وقال ابن التين: يزيد في بيع المرابحة، يقول: كل عشرة أخرجتها يأخذ لها أحد عشر. واختلف العلماء في ذلك، فأجازه قوم وكرهه آخرون، وممن كرهه ابن عباس وابن عمر ومسروق والحسن، وبه قال أحمد وإسحاق، قال أحمد: البيع مردود، وأجازه سعيد بن المسيب والنخعي، وهو قول مالك والثوري والكوفيين والأوزاعي (٢). حجة الأول: أنه عنده بيع مجهول، إلا أن يعلم عدد العشرات، فيعلم عدد ربحها، ويكون الثمن كله معلومًا. وحجة الثاني: أن الثمن معلوم فكذا الربح، وأصل هذا الباب بيع الصبرة كل قفيز بدرهم، ولا يعلم مقدار ما في الصبرة من الطعام، فأجازه قوم وأباه آخرون، ومنهم من قال: لا يلزمه إلا القفيز الواحد ومن بيع العشرة الواحد. واختلفوا في النفقة: هل يأخذ لها ربحًا في بيع المرابحة؟ فقال مالك: لا، إلَّا فيما له تأثير في السلعة وعين قائمة كالصبغ، والخياطة، والكماد، فهذا كله يحسب في أصل المال، ويحسب له الربح؛ لأن تلك المنافع كلها سلعة ضمت إلى سلعة. قال مالك: ولا يحسب في المرابحة أجر السمسار، ولا الشد والطي، ولا النفقة على الرقيق، ولا كراء البيت، وإنما يحسب هذا ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٣٣. (٢) انظر: «المغني» ٦/ ٢٦٦ - ٢٦٧. في أصل المال وما يحسب له ربح (١). وأما كراء البر فيحسب له الربح؛ لأنه لا بد منه، ولا يمكنه حمله بيده من بلد إلى بلد، فإن أربحه المشتري على ما لا تأثير له جاز إذا رضي بذلك، فإن لم يبين البائع للمشتري ذلك وأجمل البيع كان للمشتري ردُّ ذلك كله إن شاء؛ لأن البائع قد غرَّه. وقال أبو حنيفة: يحسب في المرابحة أجر القصارة، وكراء البيت، وأجر السمسار، ونفقة الرقيق وكسوتهم، ويقول: قام عليَّ بكذا وكذا. وأما أجرة الحجام فأكثر العلماء يجيزونها -كما سلف- هذا إذا كان الذي يعطاه فيما يرضى به، فإن أعطي ما لا يرضى فلا يلزم، ورد إلى العرف، ومما يدل على أن العرف عمل جارٍ حديث هند، فأطلق لها أن تأخذ من متاع زوجها ما تعلم أن نفسه تطيب لها بمثله، وكذلك أطلق الله تعالى لولي اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف (٢)، واستدل بحديث هند على القضاء على الغائب وبالإفتاء؛ لأنَّ زوجها أبا سفيان كان متواريًا بها، بل ذكر السهيلي أنه كان حاضرًا سؤالها فقال لها: أنت في حلٍّ مما أخذت (٣)، وبأن المرأة لا تأخذ من مال زوجها شيئًا بغير إذنه ولو قلَّ، ألا ترى أنه لما سألته قال لها: «لا»، ثم استثنى فقال: «لا، إلا بالمعروف» (٤). -------------- (١) انظر: «الاستذكار» ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠. (٢) المصدر السابق ٦/ ٣٣٣ - ٣٣٤. (٣) «الروض الأنف» ٤/ ١١٤. (٤) سيأتي برقم (٥٣٥٩) كتاب: النفقات، باب: نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها، ونفقة الولد. وقولها: (رَجُلٌ شَحِيحٌ)، كذا هنا وفي أخرى: (مسِّيك) (١)، بكسر الميم وتشديد السين، كما ضبطه أبو موسى المديني، ونقله صاحب «المطالع» عن (الأكثرين) (٢)، قال: ورواية المتقنين بفتح الميم وتخفيف السين وكسرها، كذا عند المستملي وأبي بحر، وكذا رواه أهل اللغة؛ لأن أمسك لا يبنى منه فعيل، إنما يبنى من (الثلاثي) (٣)، وتفسير عائشة للآية روي عن عمر نحوه (٤). وقيل: إن الولي يستقرض من مال اليتيم إذا افتقر، وبه قال عبيدة، وعطاء، والشعبي، وأبو العالية (٥). وقيل: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] في مال نفسه؛ لئلا يحتاج إلى مال اليتيم. وقال مجاهد: ليس عليه أن يأخذ قرضًا ولا غيره (٦) وبه قال أبو يوسف، وذهب إلى أن الآية منسوخة نسخها ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. ------------ (١) ستأتي برقم (٢٤٦٠) كتاب: المظالم، باب: قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه. (٢) في هامش (الأصل): في «المطالع»: (أكثر المحدثين). (٣) في هامش (الأصل): قال في «المطالع»: وقد يقال: أمسكه لغة قليلة. (٤) «مصنف عبد الرزاق» ٦/ ١٠٠ (١٠١٢٨)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٤٦٣ (٣٢٩٠٤)، ٦/ ٣٥٤ (١٣٠١١) «تفسير الطبري» ٣/ ٥٩٧ (٨٥٩٩). (٥) عن عبيدة الطبري ٣/ ٥٩٧ (٨٦٠١، ٨٦٠٣، ٨٦٠٤) وعن أبي العالية الطبرى ٣/ ٥٩٩ (٨٦١٩) وعن الشعبي ٣/ ٥٩٨ (٨٦١٣) وعن عطاء في «سنن البيهقي» ٦/ ٥: لا يقضيه والطبري ٣/ ٦٠١ (٨٦٤٤). (٦) «تفسير القرطبي» ٥/ ٤٢. وقولها: (أُنْزِلَتْ فِي والِي اليَتِيمِ الذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ) (١)، كذا وقع، وصوابه يقوم بالواو؛ لأن يقيم متعدٍ بغير حرف جرٍّ. (٢) ------------ (١) في هامش الأصل: وقولها: (أنزلت في ولي اليتيم) هذا مرفوع كذا قاله ابن الصلاح: جاء نظير هذا المكان. (٢) في هامش (الأصل): آخر ٧ من .. من تجزئة المصنف، وفي الجهة اليسرى: ثم بلغ في السابع بعد الخمسين، كتبه مؤلفه. ٩٦ - باب بَيْعِ الشَّرِيكِ مِنْ شَرِيكِهِ ٢٢١٣ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. [٢٢١٤، ٥٧٢٢، ٢٤٩٥، ٢٤٩٦، ٦٩٧٦ - مسلم: ١٦٠٨ - فتح: ٤/ ٤٠٧] ذكر فيه حديث جابر: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الشُفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ (١). هذا الحديث ذكره بعد، وترجم عليه باب بيع الأرض، والدور، والعروض مشاعًا غير مقسوم، ولفظه: (قضى رسول الله - ﷺ - بالشفعة في كلِّ ما لم يقسم) بمثله (٢). وفي آخر في موضع آخر: (إنما جَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ - الشُّفْعَةَ) بمثله أيضًا (٣)، وأخرجه مسلم (٤) بألفاظ نحوها، وقال البخاري هنا: (في كلِّ ما لم يقسم) رواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، تابعه هشام، عن معمر، وقال عبد الرزاق: في كلِّ مالٍ، فإن قلت: من أين يؤخذ ما بوب له؟ وهو بيع الشريك من شريكه. --------- (١) ورد بهامش (م): (في الحديث فضيلة بر الوالدين والعفاف والسماحة وهو في الحقيقة أصول الأخلاق وأنها من الشمائل إذ رعاية الأصول من أصول الرعايات …). (٢) برقم (٢٢١٤). (٣) برقم (٦٩٧٦) كتاب: الحيل، باب: في الهبة والشفعة. (٤) مسلم (١٦٠٨) كتاب: المساقاة، باب: الشفعة. قلت: لأن أخذه من الشريك كأنه شراء، فإذا كان له الأخذ بالشراء فالشفعة أولى؛ لأنه إنما يأخذ بحقِّ الشركة المتقدمة، فيأخذ ما هو أولى أن يقع البيع منه. إذا عرفت ذلك فبيع الشريك من الشريك في كلِّ شيءٍ مشاع جائز، وهو كبيعه من الأجنبي، فإن باعه من الأجنبي فللشريك الشفعة لعلة الإشاعة، وخوف دخول الضرر عليه. وإن باعه من شريكه ارتفعت الشفعة وإذا كان للشريك الأخذ بالشفعة، فبالسنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - فعلى البائع إذا أحبَّ البيع أن لا يبيع من أجنبي حتَّى يستأذن شريكه، كما ثبت في الصحيح من حديث جابر. وفي لفظ: «لا يحل أن يبيع حتى يؤذن شريكه» (١) وفي لفظ: «لا يصلح» (٢) وبه صرَّح الإمام أحمد (٣). وأمَّا بيع الجروض مشاعًا فأكثر العلماء أنه لا شفعة فيها، وإنما الشفعة في الدور والأرضين خاصة، وهو قول عطاء والحسن وربيعة والحكم وحماد (٤)، وبه قال مالك، والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق. وروي عن عطاء أنه قال: الشفعة في كلِّ شيءٍ حتى في الثوب (٥)، وإذا اختلف فيها قول عطاء فكأنه لم يأت عنه فيها -------- (١) مسلم (١٦٠٨). (٢) مسلم (١٦٠٨). (٣) «الكافي» ٣/ ٥٤٤. (٤) عن الحسن والحكم وحماد رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٤٥٨ (٢٢٠٦٢، ٢٢٠٦٤). (٥) «المصنف» لابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٨ (٢٢٠٦٦). شيء، فهو كالإجماع أنه لا شفعة في العروض والحيوان، قاله ابن المنذر، وحكى مقالة عطاء بعض الشافعية عن مالك، وأنكره القاضي أبو محمد. وقول البخاري في باب بيع الأرض والدور رواه عبد الرحمن ابن إسحاق عن الزهري. (١) عبد الرحمن (٢) هذا يعرف بعباد، مدني نزل البصرة. وقول عبد الرزاق: كل مال. رواه الإمام أحمد في «مسنده» عن عبد الرزاق: في كل مال يقسم (٣). ورواه إسحاق بن إبراهيم عنه فقال: في الأموال ما لم يقسم، فإذا قسمت الحدود عرف الناس حقوقهم فلا شفعة. وفيه: جواز بيع المشاع. وقوله: (فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ)، لفظ عام، ومراده: العقار كما سلف، ولا شفعة عندنا في البئر وفاقًا لمالك وخلافًا لأبي حنيفة، وقواه الخطابي لانتفاء قسمته. والحدود: هي التي تمسك الماء بين الأرضين، سميت بذلك لمنعها الماء. وقوله: (وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ) يحتج به من يرى الشفعة واجبة في الطريق إذا كانت واحدة، وهو حكم الظاهر، وتأوله من لا يراه على أنه أراد به الطريق في المشاع دون المقسوم، وذلك أن الطريق المشاع مشاع بين الشركاء، فإذا قسم بينهم منع كلُّ واحد أن يطرق في حق صاحبه، --------- (١) سيأتي قريبًا برقم (٢٢١٤). (٢) فوقها في الأصل: مسلم والأربعة، وفي هامشها قال أبو داود: قدري، وبه ضعفه بعضهم، وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه. وفي «المغني» قال أحمد: صالح الحديث وكلام أبي داود وقال الدارقطني: ضعيف. (٣) «المسند» ٣/ ٢٩٦. وجمهور العلماء على أنه لا شفعة إلا في المشاع لحق ضرر الشركة، منهم الأربعة خلا أبا حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبا ثور، وروي عن عمر، وعثمان، وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، وربيعة، وأبي الزناد، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويحيى الأنصاري، والمغيرة بن عبد الرحمن. وخالف بعض أهل العراق، فقال: تجب الشفعة بالجوار الملاصق، وهو قول الثوري وشريح، فيما حكاه ابن أبي شيبة وعمرو بن حريث (١). وقال إبراهيم: الشريك أحق، فإن لم يكن شريك فالجار (٢). ورواه الشعبي مرفوعًا مرسلًا (٣)، وكذا عن الحسن (٤). وقال ابن أبي شيبة: حدثنا غندر، عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن الشفعة فقالا: إن كانت الدار إلى جنب الدار ليس بينهما طريق ففيها شفعة (٥). وروى الطحاوي عن عمر أنه كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملاصق (٦). واحتجوا بقوله - عليه السلام -: «الجار أحقُّ بسقبه» (٧) وأباه أكثرهم وقالوا: معناه: أحقُّ بمواساته وما توجبه المجاورة. وحديث الباب حجة لهم: ----------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٥٢٠ (٢٢٧١٦) عن شريح، (٢٢٧٢٠) عن عمرو بن حريث. وعن الثوري. (٢) المصدر نفسه ٤/ ٥٢٠ (٢٢٧١٨). (٣) المصدر نفسه ٤/ ٥٢٠ (٢٢٧١٤) (٢٢٧١٥). (٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٢٣ رواه متصلًا برقم (٥٩٩٧) عن سمرة مرفوعًا، ورواه مرسلًا برقم (٦٠٠٠). (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٥٢٢ (٢٢٧٤٣). (٦) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٢٥ (٦٠١٣). (٧) سيأتي برقم (٢٢٥٨) كتاب: الشفعة، باب: عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع. (إذا صرفت الطرق فلا شفعة) لأنه حينئذٍ يصير جارًا فلم يجعل له الشفعة بجواره، وحديث: «الجار أحق بسقبه ما كان» وإن حسنه الترمذي، ونقل عن البخاري تصحيحه من طريق الشريد بن سويد (١) قلت: يا رسول الله، أرض ليس لأحدٍ فيها شرك ولا قسم إلا الجوار، فقال - عليه السلام - … الحديث (٢). قال عبد الله الراوي، عن عمرو قلت لعمرو: ما سقبه؟ قال: الشفعة، فقلت: زعم الناس أنها الجوار، قال الناس يقولون ذلك (٣)، فهذا راويه لا يرى الشفعة بالجوار، ولا يرى لفظ ما روى يقتضيه. --------- (١) «سنن الترمذي» عقب حديث (١٣٦٨). (٢) أحمد ٤/ ٣٨٩. (٣) «منتقى ابن الجارود» (غوث) ٢/ ٢١٢ - ٢١٤ (٦٤٥). ٩٨ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا [لِغَيْرِهِ] بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَرَضِيَ ٢٢١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «خَرَجَ ثَلَاثَةٌ يَمْشُونَ، فَأَصَابَهُمُ المَطَرُ، فَدَخَلُوا فِي غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ. -قَالَ:- فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللهَ بِأَفْضَلِ عَمَلٍ عَمِلْتُمُوهُ. فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَرْعَى، ثُمَّ أَجِئُ فَأَحْلُبُ، فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ فَآتِي بِهِ أَبَوَيَّ فَيَشْرَبَانِ، ثُمَّ أَسْقِي الصِّبْيَةَ وَأَهْلِي وَامْرَأَتِي، فَاحْتَبَسْتُ لَيْلَةً، فَجِئْتُ فَإِذَا هُمَا نَائِمَانِ -قَالَ:- فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَالصِّبِيْةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمَا، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. -قَالَ:- فَفُرِجَ عَنْهُمْ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ بَنَاتِ عَمِّي كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرَّجُلُ النِّسَاءَ، فَقَالَتْ: لَا تَنَالُ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ. فَسَعَيْتُ فِيهَا حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتِ: اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ وَتَرَكْتُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فُرْجَةً، -قَالَ:- فَفَرَجَ عَنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقٍ مِنْ ذُرَةٍ فَأَعْطَيْتُهُ، وَأَبَى ذَاكَ أَنْ يَأْخُذَ، فَعَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الفَرَقِ، فَزَرَعْتُهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَعْطِنِي حَقِّي. فَقُلْتُ: انْطَلِقْ إِلَى تِلْكَ البَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَإِنَّهَا لَكَ. فَقَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ وَلَكِنَّهَا لَكَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا. فَكُشِفَ عَنْهُمْ». [٢٢٧٢، ٢٣٣٣، ٣٤٦٥، ٥٩٧٤ - مسلم: ٢٧٤٣ - فتح: ٤/ ٤٠٨] ذكر فيه حديث ابن عمر في الثلاثة الذين سد عليهم الغار مطولًا. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١). وفيه: الإخبار عن متقدمي الأمم وذكر أعمالهم؛ لترغب أمته في مثلها، ولم يكن يتكلم بشيءٍ إلَّا للفائدة، وإذا كان مزحه حقًّا فما ظنك بإخباره؟! وفيه: سؤال الرب ﷻ بإنجاز وعده قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤] وقوله: «آواهم» وفي رواية: «فأووا» هو: بقصر الهمزة، ويجوز مدها كما سلف إيضاحه في العلم (٢) مع بيان الأشهر فيه، أي: انضموا إلى الغار وجعلوه مأوى. وفيه: التوسل بصالح الأعمال. وفيه: إثبات كرامات الأولياء والصالحين. وقوله: («فَأَجِيءُ بِالحِلَابِ»)، يعني: الإناء الذي يحلب فيه. وقيل: اللبن. وقوله في رواية أخرى: لا أغبق (٣): هو الغبوق، وهو: اسم للشراب المعد للعشي (٤). وقوله أيضًا: («دَأْبِي وَدَأْبهُمَا»)، أي: شأني وشأنهما (٥). قال الفراء: أصله من دأبت، إلا أن العرب حولت معناه إلى الشأن، يقال: دأب وداب، وقيل: الدأب الفعل، وهو: نحو الأول. وقوله ------------ (١) مسلم (٢٧٤٣) كتاب: الرقاق، باب: قصة أصحاب الغار الثلاثة. (٢) برقم (٦٦) باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس … (٣) في هامش الأصل: الأشهر في الازم ......... في المتعدى إليه. (٤) «المجمل» ٢/ ٦٩١ مادة: (غبق)، «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٦٣٢. (٥) «المجمل» ١/ ٣٤٢ مادة: (دأب). أيضًا: (فنأى بي طلب الشجر يومًا) من يجعل الهمزة قبل الألف، ومنهم من يجعلها بعده، وهما لغتان وقراءتان، وهو البعد أي: بعد بي طلب الشجر التي ترعاها الإبل. وقوله أيضًا: (لم أرح)، هو من الرواح، وهو ما بعد الزوال. وقوله هنا: (يَتَضَاغَوْنَ)، أي: يصيحون من الجوع ويبكون ويشكون، والضغاء: -ممدود مضموم الأول- صوت الذلة والفاقة. و(فُرْجَةً): بضمِّ الفاء وفتحها، وفي الفم مثلثة، وقال ابن فارس وغيره: الفُرجة في الحائط كالشق، والفَرجة: انفراج الكروب (١). وقوله: (فَافْرُجْ)، قال ابن التين: هو بضمِّ الراء في أكثر الأمهات، وذكر الجوهري أنه بكسرها (٢) (٣). وقوله: (حَتَّى تُعْطِيَهَا مِائَةَ دِينَارٍ). وذكر البخاري بعد هذا أنه دفع إليها عشرين ومائة. وفيه: فضل الوالدين والصبر على المكروه. ومعنى: لا تفض الخاتم، أي: لا تكسره، وقيل: الفضُّ: التفرق، والبكر أشبه بالخاتم من الثيب؛ لأن الخاتم عُذرتها. ومعنى: «إِلَّا بِحَقِّهِ» بوجه شرعي، وهو: النكاح. وفيه: قبول التوبة، وأن من أصلح فيما بقي غفر له، وأن من همَّ بسيئة فتركها؛ ابتغاء وجهه كتب له أجرها، ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾. ---------- (١) «المجمل» ٢/ ٧١٩ مادة: (فرج). (٢) تحتها في (الأصل): إنما تكسر إذا كانت من الفم. كذا في «الصحاح». (٣) «الصحاح» ١/ ٣٣٣ مادة: (فرج). ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |