لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5264 - عددالزوار : 2641975 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4864 - عددالزوار : 1971522 )           »          حكم إطالة السجدة الأخيرة من الصلاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم: "كل معروف صدقة" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          أمثلة على تخصيص العام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          زكاة الوقت.. كيف تبارك الصلاة في عمر الإنسان؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          ومضة: ولا تعجز... فالله يرى عزمك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 1750 )           »          من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 7 - عددالزوار : 3782 )           »          الظلم... طريق الهلاك وعاقبته الندم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          حسن الخلق وصية النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #6  
قديم 16-04-2026, 03:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 175,487
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية



دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يجعل قبره وثنًا يُعبد:
قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)) ((اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا قبري عيدًا)).

قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر، لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلًا، وفي العتبية (يعني عن مالك): يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم، حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إليَّ من التنفل في البيوت. فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له.

وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء، ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه.

وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلومٌ أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟[20]

السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم مستحب:
وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحدٌ السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه، وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين، لم يكن عليه أن يوفي بنذره بل يُنهى عن ذلك.

ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي: أظهرهما عنه يجب ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجبًا بالشرع، وإتيان هذين المسجدين ليس واجبًا بالشرع، فلا يجب بالنذر عنده. وأما الأكثرون فيقولون: هو طاعة لله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))[21].

الروضة بين البيت والمنبر:
والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))، هذا هو الثابت في الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال "قبري"، وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قُبر بعد صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصًّا في محل النزاع، ولكن دُفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه.

ثم لما وُسِّع المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبدالعزيز، أمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد، وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة، فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذٍ، وبنوا الحائط البراني مُسَنَّمًا مُحَرَّفًا، فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها))؛ لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى. وكما نهي عن اتخاذها مساجد ونهي عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له[22].

الوسيلة التي أمرنا بها هي الطاعة:
والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بالإيمان به وطاعته، وهذا التوسل به فرض على كل أحد.

وأما التوسل بدعائه وشفاعته- كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم، وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره، مثل توسل الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته- فهذا نوع ثالث هو من باب قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه، فمن شفع له الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولا يشفع له، ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به، فظن هذا مشروعًا مطلقًا لكل أحد في حياته ومماته، وظنوا أن هذا مشروعٌ في حق الأنبياء والملائكة، بل وفي الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح، وإن لم يكن صالحًا في نفس الأمر[23].

لا يجوز التحريم إلا بدليل شرعي:
وذلك أن العمل إذا عُلِم أنه مشروع بدليل شرعي، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب، جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًّا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي، لكن إذا علم تحريمه وروي حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب، جاز أن يرويه، فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله.

وهذا كالإسرائيليات، يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب، للترغيب والترهيب فيها علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا، ونهى عنه في شرعنا. فأما أن يثبت شرعًا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت، فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة، ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن، فقد غلط عليه، ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف. والضعيف عندهم ينقسم إلى: ضعيف متروك لا يُحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى: مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك[24].

لا يكون الشيء واجبًا ولا مستحبًّا إلا بدليل شرعي:
ولا يجوز أن يكون الشيء واجبًا أو مستحبًّا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه، والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء لله تعالى عبادة، إن كان المطلوب به أمرًا مباحًا. وفي الجملة، فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخص فيه أحدٌ من أئمة المسلمين[25].

قول الصحابي حُجة إذا لم يخالفه غيره:
ومن قال من العلماء: "إن قول الصحابي حجة"، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عُرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول، فقد يقال: "هذا إجماع إقراري" إذا عُرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عُرف أن غيره لم يخالفه، فقد يقال: "هو حجة".

وأما إذا عُرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه، لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه، كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم، وإذا كان كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعيًا له ولا شافعًا فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا به[26].

النذر لغير الله حرام وكذا الحلف:
وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله، لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا النذر شركٌ لا يوفي به. وكذلك الحلف بالمخلوقات، لا تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه، حتى لو حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره، ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، بل نهى عن الحلف بهذه اليمين.

فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق جل جلاله؟[27]

لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته وليس ذلك للمخلوقات:
فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته؛ لأنها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيته وألوهيته، ووحدانيته وعلمه، وقدرته ومشيئته، ورحمته وحكمته، وعظمته وعزته، فهو سبحانه يقسم بها؛ لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات، وذكروا إجماع الصحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهي عنه[28].

معنى استفتاح اليهود بالرسول صلى الله عليه وسلم:
وأما قوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة: 89] فكانت اليهود تقول للمشركين: سوف يُبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم، ولم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، أو يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الأُمِّي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه، هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير، وعليه يدل القرآن، فإنه قال تعالى: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ [البقرة: 89] والاستفتاح الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يُبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به؛ إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يكن الأمر كذلك، بل لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه، وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له[29].

التوسل بصالح الأعمال على وجهين:
أحدهما: أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال؛ كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وقد تقدم بيان ذلك.

والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة، ومثل هذا كقول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران: 193]، فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء، ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: 109]، وأمثال ذلك كثير.

وكذلك التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، فإنه يكون على وجهين:
أحدهما: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع، كما كان يُطلب منه في حياته، وكما يُطلب منه يوم القيامة، حين يأتون آدم ونوحًا، ثم الخليل ثم موسى الكليم ثم عيسى، ثم يأتون محمدًا صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، فيطلبون منه الشفاعة.

والوجه الثاني: أن يكون التوسل مع ذلك، بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره، فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة فدعا له الرسول، وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك به، اللهم فشفعه فيَّ))، فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته، بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول- والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه- فهذا توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع فيه[30].

دعاء الغائب أقرب للإجابة:
ودعاء الغائب للغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر؛ لأنه أكمل إخلاصًا وأبعد عن الشرك، فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه، إلى دعاء من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر؟ وفي الحديث: ((أعظم الدعاء إجابةً دعاء غائب لغائب))، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله))، وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادرٌ على دعاء الله ومسألته؛ فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها[31].

لا يجوز القسم على المخلوق بالمخلوق:
والإنسان إذا توسَّل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عنده، وهذا جائز.

وإما أن يقسم عليه كما يقول: بحياة ولدك فلان، وبتربة أبيك فلان، وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك، والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز، ولا يجوز الإقسام على مخلوقٍ بمخلوق[32].

لا يشرع قصد الصلاة إلى القبر:
ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور، لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء، فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسه أولى ألَّا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى.

فعُلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا، لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يُشكى إليه شيءٌ من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يُشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك؛ لأنه في حياته مكلفٌ أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب، وبعد الموت ليس مكلفًا[33].

النهي عن الشرك للأنبياء والخلق على السواء:
وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله، وما نهى الله عنه ورسوله، في حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله عز وجل، وسيد ولد آدم، وخاتم الرسل والنبيين، وأفضل الأولين والآخرين، وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاهًا عند الله تبارك وتعالى، تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بألَّا يُشرك به ولا يُتخذ قبره وثنًا يُعبد ولا يُدعى من دون الله، لا في حياته ولا في مماته.

ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلانًا أغثني وانصرني وادفع عني، أو أنا في حسبك ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم- لما كانوا من جنس عباد الأوثان- صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأوثان ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لا بد أن يكون في ذلك ما هو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق[34].

فيمن قال أسألك بحق السائلين عليك:
أما قول القائل: أسألك بحق السائلين عليك، فإنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه، لكن لا يقوم بإسناده حجة، وإن صحَّ هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه: أن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو كتب ذلك على نفسه، كما قال: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: 186]، فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه، كقول القائلين: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ [آل عمران: 194]، وكدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التي وعدهم أن يثيبهم عليها[35].

مناظرة بين الشيخ والرهبان وإقامة الحجة عليهم:
ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم، دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد، فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار، وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح، فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون، أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك، فقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام ألَّا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِدَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، ولا كوكبًا، ولا نشرك معه نبيًّا من الأنبياء ولا صالحًا: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: 93].

وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره؛ مثل: إنزال المطر وإنبات النبات وتفريج الكربات والهدى من الضلالات وغفران الذنوب، فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك، ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم، كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح: 3]، فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم، فإن طاعتهم من طاعة الله. فلو كفر أحد بنبيٍّ من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافرًا حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثم انصرفوا من عنده[36].

في الانحناء عند التحية:
وأما الانحناء عند التحية فينهى عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا))، ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل، وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا، كما في قصة يوسف: ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف: 100]، وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضهم لبعض، فكيف بالركوع والسجود؟ وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في النهي عنه[37].

في تعبيد المشركين أنفسهم وأولادهم لغير الله:
كان المشركون يُعبِّدون أنفسهم وأولادهم لغير الله، فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبدالرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله، ونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغيَّر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعات من أصحابه: عبدالله وعبدالرحمن كما سمى عبدالرحمن بن عوف ونحو هذا، وكما سمى أبا معاوية- وكان اسمه عبد العزى- فسماه عبدالرحمن، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبدالقيوم.

ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم الغالين في المشايخ، فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس، أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين.

وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم، كما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية، وعامة ما سمى به النبي صلى الله عليه وسلم: عبدالله وعبدالرحمن، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء: 110]، فإن هذين الاسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى[38].

[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج1 ص137-138.

[2] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص139.

[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص140-141.

[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص143.

[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص145-149.

[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص162-163.

[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص165-166.

[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص166-167.

[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص183-184.

[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص189-190.

[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص190-191.

[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص195.

[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص197.

[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص199-202.

[15] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص206.

[16] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص213-214.

[17] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص216-217.

[18] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص222-223.

[19] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص229-230.

[20] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص232-233.

[21] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص234-235.

[22] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص236-237.

[23] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص247-248.

[24] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص251.

[25] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص265.

[26] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص283-284.

[27] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص286.

[28] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص290.

[29] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص296.

[30] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص309-310.

[31] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص328-329.

[32] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص338.

[33] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص354.

[34] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص359.

[35] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص369.

[36] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص370-371.

[37] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص377.

[38] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص378-379.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 264.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 262.81 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (0.65%)]