|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#501
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... ﴾ تفسير قول الله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136]. قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. نهى عز وجل المؤمنين في الآيات السابقة عن أكل الربا، وأمرهم بتقواه عز وجل واتقاء النار، وطاعته عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم، ورتَّب على ذلك الفلاح والرحمة، ثم أتبع ذلك بأمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وجنته الواسعة التي أعدها للمتقين، وهذا أشبه بالبيان والتأكيد؛ لقوله: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132]. قوله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: «سارعوا» بدون عطف، وقرأ الباقون بالعطف: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾، فهو معطوف على «أطيعوا»، أو على «اتَّقوا». والمسارعة: المسابقة والمنافسة؛ كما قال تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الحديد: 21]، وقال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾ [الواقعة: 10 - 12]، وقال تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]، وقال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26]. والمسارعة: مفاعلة كالمغالبة، أي: ليسبق بعضكم بعضًا، أي: تنافسوا أيكم يسبق الآخر إلى مغفرة ربكم وجنته الواسعة، وفي هذا أمر بالمسارعة والمنافسة، وهو أيضًا مبالغة في طلب الإسراع، وفي ذلك كله ما لا يَخفى من الإغراء والترغيب في المسارعة إلى مغفرة الرب وجنته. ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾: المغفرة: ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته؛ أي: وسارعوا إلى طلب ونيل مغفرة من ربكم بالاستغفار والتوبة من الذنوب، وبالأعمال الصالحة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]. وفي الحديث: «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»[1]. وفي تنكير وتنوين «مغفرة» ووصفها بقوله: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ تعظيم لها؛ لأنها من الرب الخالق المالك المدبر- سبحانه - المربي عبادَه بجميع النعم الظاهرة والباطنة. ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: معطوف على «مغفرة»، أي: وسارعوا إلى جنة عرضها السموات والأرض. والجنة هي الدار التي أعدها الله لعباده المؤمنين وأوليائه المتقين، فيها من ألوان النعيم ما لا يَقدِر قدرَه إلا الربُّ العظيم؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، فيها كما قال عز وجل في الحديث القدسي: «أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أُذن سمِعت، ولا خطر على قلب بشر»[2]. أي: وسارعوا إلى جنة من ربكم عرضها السموات والأرض بالأعمال الصالحة. وبحصول مغفرة الرب - عز وجل - يزول المكروه والمرهوب، وبدخول جنته يحصل المحبوب والمطلوب- نسأل الله من فضله. ﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾: الجملة في محل جر صفة لـ«جنة»، أي: عرضها كعرض السماوات والأرض؛ كما قال تعالى في سورة الحديد: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 21]. والعرض يطلق على ما يقابل الطول وليس مرادًا هنا، ويطلق على الاتساع، وهو المراد هنا، والشيء العريض هو الواسع في العرض بخلاف الطويل غير العريض، فهو ضيق، ولهذا ذكر هنا عرض الجنة للدلالة على سَعتها، وكما قيل: كأن بلاد الله وهي عريضة ![]() على الخائف المذعور كِفَّةُ حابِلِ[3] ![]() ![]() ![]() وأيضًا: فإن الجنة مقببة مستديرة، والشيء المقبب المستدير عرضه كطوله. والجنة قبة تحت العرش؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، أُراه فوقه عرش الرحمن، ومنه تُفجَّر أنهار الجنة»[4]. قال ابن كثير[5]: «وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيهًا على اتساع طولها، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح» وذكر حديث: «إذا سألتم الله الجنة...». وفي هذا الحديث دلالة على أن الجنة فوق السماوات تحت العرش في أعلى عليين، كما أن النار تحت الأرض في أسفل سافلين. ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الجملة في محل جر صفة ثانية لـ«جنة». ﴿ أُعِدَّتْ ﴾: بُني الفعل لما لم يُسمَّ فاعله؛ ليوافق قوله في النار: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131]، ولأن المعد لها معلوم وهو الله - عز وجل - كما قال تعالى: ﴿ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 89]. ومعنى ﴿ أُعِدَّتْ ﴾: هيِّئت وجهِّزت؛ أي: أعدها الله - عز وجل - وجهزها ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين اتقوا الله - عز وجل - واتَّخذوا وقايةً من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وبالإيمان ظاهرًا وباطنًا؛ كما قال تعالى في آية سورة الحديد: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21]. قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. أمَر عز وجل في الآية السابقة بالمسارعة إلى مغفرته وجنته التي أعدها للمتقين، ثم نوَّه ببعض صفاتهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ الآية. قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: اسم موصول في محل جر صفة «للمتقين». وبدأ بذكر وصفهم بالإنفاق في السراء والضراء، ليقابل - والله أعلم - ما نهى عنه قبل هذا في قوله: ﴿ لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ﴾ [آل عمران: 130]؛ لأن الإنفاق ضد أكل الربا، فالإنفاق مأمورٌ به ومحمود، وأكل الربا منهي عنه ومذموم. ولأن المال شريك الحياة وعزيز على النفس، فإنفاقه دليل صدق وقوة الإيمان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «والصدقة برهان»[6]. والإنفاق: إخراج المال وبذله، والمراد به هنا الإنفاق في سبيل الخير ابتغاءَ مَرضاة الله تعالى من النفقات الواجبة؛ كالزكاة والإنفاق على الأهل، ونحو ذلك، والنفقات المستحبة من الصدقات والهَدية، ونحو ذلك. ولم يذكر مفعول ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾؛ ليعم كل ما ينفق ويبذل من نقودٍ وأعيانٍ ومنافعَ، وغير ذلك، كما لم يذكر المنفق فيه؛ ليعم جميع مجالات الإنفاق، واجبة كانت أو مستحبة. ﴿ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾؛ أي: في حال السراء والضراء، والسراء: ما يسر، أي: في حال الرخاء والسعة واليسر، ونحو ذلك، و«الضراء»: ما يضر، أي: في حال الشدة والضيق والعسر، ونحو ذلك. فهم ينفقون في الحالين، فليسوا ينفقون في السراء فقط، ويمسكون في الضراء، بل ينفقون حتى في الضراء، فلا يَمنَعهم ضيقُ الحال من الإنفاق قدرَ وُسعهم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]. وإذا كانوا ينفقون في السراء والضراء، فهم ينفقون في جميع الأحوال والأوقات؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274]، والإنفاق في الضراء أشدُّ وأصعب، وعليه المحك، فهو أدلُّ على حقيقة التقوى. ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾: معطوف على ما قبله، وهذه هي الصفة الثانية من صفات المتقين. و«الكاظمين»: جمع «كاظم»، و«الكظم» معناه: الكتم والإمساك مع شدة الألم والتأثر. وفي الحديث: «إذا تثاءَب أحدكم فليَكظِم ما استطاع»[7]؛ أي: أن يمنع فتح فمه ما استطاع مع شدة ذلك. والغيظ: الحنق وشدة الغضب الموجب للانتقام بالقول، والفعل بالطبيعة البشرية، فالكاظم الذي امتلأ قلبه غيظًا وغضبًا وحبسَه؛ قال تعالى: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: 84]؛ أي: ممتلئ قلبه حزنًا، وقال تعالى عن يونس - عليه السلام -: ﴿ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾ [القلم: 48]؛ أي: ممتلئ قلبه غمًّا وهمًّا؛ أي: والذين يكتمون ويخفون ويمسكون غيظهم وغضبَهم، فإذا اغتاظوا وثاروا، واشتد غضبهم، حبَسوا غيظهم ومنعوه، ولم يَحمِلْهم على الانتقام أو التشفِّي بقول أو فعل، وهذا من أشد ما يكون على النفس؛ وذلك لأن أقوى القوى تأثيرًا في النفس القوة الغاضبة، تشتهي إظهار الغضب والتنفس بما في داخل النفس من الغضب، فإذا استطاع الإنسان إمساك مظاهرها مع الامتلاء منها، دلَّ ذلك على عزيمة في النفس وقهرًا لإرادة الشهوة، وهذا من أكبر قوى الأخلاق الفاضلة، وهو القوة حقًّا، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»[8]. وقال صلى الله عليه وسلم: «فما تَعدون الصُّرعة فيكم؟ قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: ليس بذلك، ولكنه الذي يَملِك نفسه عند الغضب»[9]. وكظمُ الغيظ من أعظم الصفات؛ لأن الغضب إذا اشتدَّ قد يوقع الإنسان فيما لا تُحمَد عُقباه من الأفعال؛ كالقتل وإتلاف المال، وربما قتَل نفسه بأي وسيلة كانت. ومن الأقوال كالطلاق والسب والشتم، وربما التلفظ بالكفر؛ نسأل الله السلامة والعافية. وقد رُوي أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا، وأقلِل لعلي أَعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغضب، فأعاد عليه، حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: لا تغضب»[10]. وفي رواية عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: يا رسول الله، أوصني، قال: «لا تغضب»، قال الرجل: ففكرتُ حين قال صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله[11]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما مِن جُرعة أحبُّ إلى الله مِن جُرعةِ غيظٍ يَكظِمُها عبدٌ، ما كظمها عبدٌ لله إلا ملأ جوفَه إيمانًا»[12]. وعن معاذ بن أنس عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتى يُخيِّره من أي الحور شاء»[13]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا غضِب أحدُكم وهو قائم فليجلِس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليَضطجع»[14]. ولهذا فإن الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغضبان الذي اشتدَّ به الغضب لا عبرة بأقواله ولا بإقراراته؛ من طلاقٍ أو قذفٍ أو عتقٍ أو بيعٍ أو شراءٍ، أو غير ذلك. ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾: هذه هي الصفة الثالثة من صفات المتقين، فترقوا من كظم الغيظ، إلى العفو عن الناس. ﴿ وَالْعَافِينَ ﴾: جمع «عاف»، والعفو: ترك المؤاخذة على الذنب، أو التسامح عن الحق أو بعضه؛ أي: الذين إذا أساء إليهم أحدٌ من الناس بقولٍ أو فعلٍ، لم يقابلوا إساءته بالانتقام، بل يعفون عنه، ولا يكون في قلوبهم أيةُ مَوجدة عليه، كما يعفون ويتسامحون عن بعض حقهم أو كله، كل ذلك طلبًا للأجر من الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]. فيتبعون كظمَ الغيظ بالعفو عمن أساء إليهم من الناس، وفي هذا تتويج وتكميل لكظمهم الغيظ؛ لأن العفو منزلة أعلى وأجل من الكظم؛ لأن العفو ترك المؤاخذة مع السماحة، والتجاوز كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ﴾ [الشورى: 37]، وقال تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43]. ويعفون ويتسامحون عن بعض حقهم أو كله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 237]. و«العفو»: صفة عظيمة، ومنزلة رفيعة، ولو لم يكن إلا أنه من أعظم صفات الرب عز وجل، وبخاصة إذا كان العفو عند المقدرة، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾ [النساء: 149]. أما إذا كان العفو عن عجز عن الانتقام، فهذا لا يُحمَد ولا يُمدَح صاحبه، بل يذم؛ لأنه عفو العاجز؛ كما قال الشاعر يذم قومه: لكن قومي وإن كانوا ذوي حسبٍ ![]() ليسوا من الشر في شيء وإن هانا ![]() يجزون من ظُلْم أهل الظلم مغفرةً ![]() ومن إساءة أهل السوء إحسانَا ![]() فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ![]() شنوا الإغارة فرسانًا وركبانَا[15] ![]() ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: أثنى الله - عز وجل - على المتقين بالصفات المذكورة، وهي الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ والعفو عن الناس، ثم أتبعها بقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾: في إشارة واضحة إلى أن عملهم هذا من الإحسان، وأن هذه الصفات الثلاث كلها من الإحسان. فيكون في الآية وصفهم بأربع صفات: الإنفاق في السراء والضراء، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، والإحسان، أي: إنهم محسنون، فهم محسنون بالإنفاق وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، وهم محسنون أيضًا باتباع كظم الغيظ، والعفو عمن أساء إليهم بالإحسان إليه، وهذه درجة عظيمة أعلى من الكظم والعفو، وأعم منهما وأجل؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 34، 35]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما نقَصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله»[16]. يتبع
__________________
|
|
#502
|
||||
|
||||
|
وفي التعبير بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ دون وصفهم بالمحسنين زيادة ترغيب بالإحسان، والذي يشمل الإحسان في عبادة الله تعالى بالإخلاص له - عز وجل - والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، والإحسان إلى عباد الله تعالى بإيصال النفع الديني والدنيوي إليهم ودفع الشر عنهم في ذلك كله، كما أن فيه إثبات المحبة لله تعالى، وإذا كان عز وجل يحب المحسنين، فمفهوم ذلك أنه لا يحب المسيئين، بل يبغضهم. قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. ذكر عز وجل في الآيتين السابقتين صفات المتقين، مما يتعلق بفعل الطاعات من الإنفاق والكظم للغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، ثم أتبع ذلك بذكر صفتهم وحالهم إذا وقع منهم فاحشةٌ أو ظلمٌ، فذكر أولًا حال كمالهم، ثم ذكر حال تَدارُكهم لنقائصهم. قوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾: الواو: عاطفة، والجملة معطوفة على الموصول في الآية السابقة، فهي في محل جر صفة رابعة ﴿ للمتقين ﴾. «إذا»: ظرفية شرطية، ﴿ فَعَلُوا ﴾: فعل الشرط، و«الفاحشة»: كل ما فَحُشَ وقَبُحَ في الشرع وعُرف المسلمين؛ كالزنا واللواط، ونكاح الابن زوجةَ أبيه، وغير ذلك؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32]، وقال تعالى حكايةً عن لوط أنه قال لقومه: ﴿ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ ﴾ [الأعراف: 80]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: 22]. وكل ما تجاوَز الحد في الفساد، فهو فاحشة؛ كعقوق الوالدين وشهادة الزور والسرقة، وغير ذلك من الكبائر، وأفحشُ الفواحش الشركُ بالله. ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾: «أو» عاطفة تفيد التقسيم والتنويع؛ أي: أو ظلموا أنفسهم بما دون الفاحشة، وهي الصغائر. وقد تحمل الفاحشة هنا على ما يُستفحش من الذنوب كالزنا ونحوه من الكبائر، ويُحمل ظلم النفس على ما سوى ذلك من الذنب؛ كبائرَ كانت أو صغائرَ. كما قيل: العطف في الآية من عطف العام على الخاص؛ لأن الذنوب كلها ظلم للنفس، وقيل: «أو» بمعنى الواو، أي: فعلوا فاحشة وظلموا أنفسهم. وكل خروج عن طاعة الله تعالى فهو ظلم للنفس، سواء كان تركًا لما أمر الله به، أو ارتكاب لما نهى الله عنه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 36]. وذلك أن النفس وديعةٌ عند الإنسان، يجب عليه أن يسعى في سلامتها وخلاصها وفكاكها، وفيما يُسعدها في دينها ودنياها وأُخراها، فيحملها على فعل أسباب السعادة والنجاة، وينأَى بها عن أسباب الشقاء والهلاك، ولهذا قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه فمُعتقها أو مُوبقها»[17]. وكما قيل: وما الناس إلا عاملان فعامل ![]() يُتبِّرُ ما يبني وآخر رافع[18] ![]() ![]() ![]() ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾: جواب الشرط «إذا»، أي: ذكروا الله - عز وجل - بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم؛ فذكروا الله تعالى بقلوبهم؛ بذكر عظمته ووعده ووعيده، وذكروه بألسنتهم بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، والاستغفار والتوبة، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، وغير ذلك. وذكروا الله تعالى بجوارحهم، فابتعدوا بها عن معصيته خوفًا من عقابه، واستقاموا بها على طاعته رجاءً في ثوابه. ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾: الفاء: للتعقيب والترتيب، والاستغفار: طلب الغَفْر، أي: طلب الستر للذنوب، وعدم المؤاخذة عليها؛ أي: فطلبوا من الله - عز وجل - المغفرة لذنوبهم، أي: لما وقع ويقع منهم من المعاصي والآثام، من فعل فاحشة، أو ظلم للنفس، أو غير ذلك. فجمعوا بين الندم على الذنب، والعزم على عدم العودة إليه بقلوبهم، والإقلاع والبعد عنه بجوارحهم، وطلب المغفرة والتوبة والاستغفار بألسنتهم. ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّه ﴾: هذه الجملة اعتراض بين قوله: ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾، وقوله: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. والغرض من هذا الاعتراض واضحٌ، وهو بيان وتأكيد وجوب التعلق بالله والرجوع إليه وحده، وتسديد مبادرتهم إلى استغفار الله عقب الذنب، والتعريض بالمشركين الذين يدعون غير الله، ويتخذون الشُّفعاء بينهم وبين الله تعالى. و«مَنْ» في قوله: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ﴾: اسم استفهام بمعنى النفي، أي: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، والنفي بصيغة الاستفهام أبلغ لكونه مشربًا بالتحدي، كأنه يقول: ائتوا لي بأحد يغفر الذنوب إلا الله، لا أحد يغفر الذنوب غيره. ﴿ إِلَّا اللَّه ﴾: «إلا» أداة حصر؛ أي: لا أحد يغفر الذنوب بستْرها والتجاوز عنها إلا الله تعالى؛ كما قال صلى الله عليه وسلم في الدعاء الذي علمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت»[19]. وكما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110]. عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه - عز وجل - قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي: رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك»، وفي رواية: «قد غفرتُ لعبدي فليفعل ما شاء»[20]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم»[21]. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك، لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني»[22]. وعن علي - رضي الله عنه - أن أبا بكر - رضي الله عنه - حدَّثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضَّأ، فيُحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، أو ثم يُصلي ويستغفر الله - عز وجل - إلا غفر الله له»[23]. وفي رواية: «ما من رجل يُذنب، ثم يقوم فيتطهَّر، ثم يصلي، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ إلى آخر الآية»[24]. ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا ﴾: معطوف على قوله: ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾، والإصرار على الشيء: الاستمرار عليه. ﴿ عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾: «ما»: موصولة أو مصدرية؛ أي: لم يستمروا على الذي فعلوا، أو على فعلهم من الفاحشة أو ظلم النفس، بل أقلَعوا وتابوا. فجمعوا بين الندم على فعل الذنب، والعزم على عدم العودة إليه بقلوبهم، والإقلاع والبعد عنه بجوارحهم، وطلب المغفرة والتوبة والاستغفار منه بألسنتهم. ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أنهم يعلمون عظمة من عصوه - سبحانه وتعالى - ويعلمون عِظَمَ معصيته ومخالفة أمره بفعل فاحشةٍ، أو ظلم للنفس، أو غير ذلك، ويعلمون أن المغفرة لا تحصل مع الإصرار، ويعلمون أن الله - عز وجل - يغفر ويتوب على مَن استغفر وتاب إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾ [التوبة: 104]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25]. قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾. ذكر عز وجل صفات المتقين في الآيات السابقة، ثم أتبعها بذكر جزائهم في هذه الآية. قوله: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ ﴾: الإشارة للمتقين المتصفين بالصفات السابقة، وأشار إليهم بإشارة البعيد تنويهًا بشأنهم. ﴿ جَزَاؤُهُمْ ﴾: ثوابهم ومكافأتهم على عملهم. ﴿ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾؛ أي: ستر من ربهم - عز وجل - لذنوبهم عن الخلق، وتجاوز منه تعالى عنها، وفي قوله: ﴿ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ تعظيم لهذه المغفرة. ﴿ وَجَنَّاتٌ ﴾: معطوف على مغفرة، وهي جمع «جنة»، وجمعت؛ لأنها جنان كثيرة ومتنوعة، ودرجات ومنازل مختلفة، حسب اختلاف الأعمال؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الغابر في الأفق»، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين»[25]. ولما سألت أم حارثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: «يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة - وكان قُتل يوم بدر- فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: «يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى»[26]. ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾: صفة لـ«جنات»؛ أي: تجري من تحت غرفها وقصورها وأشجارها الأنهار، يَشربون منها ويغتسلون فيها، ويتنعَّمون بمشاهدتها، ويصرِّفونها حيث شاؤوا من غير أخدود. قال ابن القيم: أنهارها في غير أُخدودٍ جرَت ![]() سبحان مُمسكها عن الفَيضان[27] ![]() ![]() ![]() وهي أنواع أربعة؛ كما قال تعالى: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15]. ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾؛ أي: مقيمين في هذه الجنات إقامةً أبدية لا تحول ولا تزول؛ لأن الجنة لا تَفنى ولا يَفنى نعيمُها، ولا أهلها بإجماع المسلمين. ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾: معطوف على قوله: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾. ﴿ وَنِعْمَ ﴾: فعل لإنشاء المدح، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره «هو». و«أل» في ﴿ الْعَامِلِينَ ﴾ للعهد، أي: نعم أجر العاملين هذا الجزاء. ﴿ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾؛ أي: ثواب العاملين وجزاؤهم، أي: نَعِمَ وحَسُنَ وعَظُمَ هذا الجزاء بالمغفرة من ربهم، والجنات التي تجري من تحتها الأنهار، مع الخلود فيها، وهذا أجر العاملين بتقوى الله تعالى المتصفين بالصفات العظيمة المذكورة. وفي هذا ثناء منه - عز وجل - وامتداح لأجرهم وتعظيم له؛ كما قال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 31]. نعمت جزاءُ المتقين الجنةُ ![]() فيها الأماني والمنى والمنة[28] ![]() ![]() ![]() والتعريف في ﴿ الْعَامِلِينَ ﴾ للعهد، أي: ونعم أجر العاملين هذا الجزاء، وفي هذا تفضيل للجزاء، وللعمل المجازَى عليه، وللعاملين، أي: إذا كان لأصناف العاملين أجور - كما هو المتعارف - فنعم أجرُ العاملين بتقوى هذا الأجر. وسُمى ثوابهم «أجرًا» لأنه - سبحانه وتعالى - تكفَّل به وضمِنه لهم، وأوجَبه على نفسه تفضلًا منه وكرمًا، وامتنانًا على عباده. [1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، درجات المجاهدين في سبيل الله (2790)، وأحمد (2/ 335)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3244)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها (2824)، والترمذي في التفسير (3197)، وابن ماجه في الزهد (4328)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [3] البيت لعبدالله بن العجاج؛ انظر: «ديوانه» (ص311). [4] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2790)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [5] في «تفسيره» (2/ 98). [6] أخرجه مسلم في الطهارة (223)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. [7] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3289)، ومسلم في الزهد والرقائق - تشميت العاطس وكراهة التثاؤب (2994)، وأبو داود في الأدب (5028)، والترمذي في الصلاة (370)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [8] أخرجه البخاري في الأدب (6114)، ومسلم في البر والصلة - فضل مَن يَملِك نفسه عند الغضب، وبأي شيء؟ (2609)، وأحمد (2/ 236)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [9] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب (2608)، وأبو داود في الأدب (4779)، وأحمد (1/ 382)، من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. [10] أخرجه أحمد (5/ 34)، من حديث الأحنف بن قيس عن عم له يقال له: جارية بن قدامة السعدي. [11] أخرجه أحمد (5/ 373). [12] أخرجه أحمد (1/ 327) قال ابن كثير في «تفسيره» (2/ 102): «إسناده حسن ليس فيه مجروح». [13] أخرجه أحمد (3/ 440)، وأبو داود في الأدب (4777)، والترمذي في البر والصلة (2021)، وابن ماجه في الزهد (4186). [14] أخرجه أحمد (5/ 152)، وأبو داود في الأدب (4782)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه. [15] الأبيات لقريط بن أنيف؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة» (1/ 5). [16] أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب - استحباب العفو والتواضع (2588)، والترمذي في البر والصلة (2029)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [17] سبق تخريجه. [18] البيت للبيد؛ انظر: «ديوانه» (ص56). [19] أخرجه البخاري في الأذان (834)، ومسلم في الذكر والدعاء (2705)، والنسائي في السهو (1302)، والترمذي في الدعوات (3531)، وابن ماجه في الدعاء (3835)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. [20] أخرجه مسلم في التوبة (2758)، وأحمد (2/ 296). [21]أخرجه مسلم في التوبة (2749)، وأحمد (2/ 304، 305). [22] أخرجه أحمد (3/ 29). [23] أخرجه أحمد (1/ 2، 10)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (1395). [24] أخرجه الترمذي في الصلاة (406). [25] أخرجه البخاري في بدء الخلق - ما جاء في صفة الجنة، وأنها مخلوقة (3256)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها - ترائي أهل الجنة أهل الغرف؛ كما يرى الكوكب (2831)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [26] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2809)، والترمذي في التفسير (3174)، من حديث أنس رضي الله عنه. [27] «النونية» (ص229). [28] البيت مجهول النسبة؛ انظر: «صناعة الإعراب» (2/ 455).
__________________
|
|
#503
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 133 - 136]. 1- الحث والترغيب والإغراء بالمسارعة إلى مغفرة الله عز وجل وجنته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ الآيات. 2- أن الحياة مَيدان للمنافسة والمسابقة والمسارعة إلى مغفرة الله تعالى وجنته، فأين المشمِّرون؟! ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الصدقة فجاء عمر - رضي الله عنه - بنصف ماله، وقال: لأَسبقنَّ أبا بكر إن سبقته، فجاء أبو بكر- رضي الله عنه - بجميع ماله، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر: ما تركت لأهلك؟ قال: تركتُ لهم مثله، وسأل أبا بكر: ما تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله، قال عمر رضي الله عنه: فعلمت أنني لن أسبق أبا بكر بعد اليوم»[1]. وقد رُوي عن الحسن: «إذا رأيتُ الرجل ينافسك في الدنيا، فنافِسه في الآخرة»[2]. وفي هذا المطلب العظيم أُزهقت نفوس المجاهدون، وأُفنيت أعمار العلماء الربانيين في خدمة القرآن والسنة والشرع المبين، وفيه أُنفقت أموال المحسنين، وسهِرت لأجله عيون العابدين. 3- عناية الله - عز وجل - بالمؤمنين؛ حيث يأمرهم بالمسارعة إلى مغفرته وجنته. 4- إثبات صفة المغفرة العظيمة الواسعة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾، ففي تنكيرها وكونها منه - عز وجل - إشارة إلى عظمتها وسعتها. 5- إثبات ربوبية الله عز وجل الخاصة بعباده المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾. 6- سَعة الجنة وعظمتها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾، ولأنها من الله - عز وجل - وعنده. 7- أن التخلية قبل التحلية، وإزالة المرهوب مقدَّمة على توفير المطلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ)، فقدَّم ﴿ مَغْفِرَةٍ ﴾؛ لأن بها التخلية وزوال المرهوب، ثم ذكر الجنة التي بها حصول المطلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. 8- فضل التقوى والترغيب فيها والبشارة لأهلها؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. 9- أن الجنة موجودة الآن معدَّة للمتقين؛ لقوله تعالى: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. 10- امتداح الله - عز وجل - للمتقين وثناؤه عليهم بقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. 11- فضل الاتصاف بالصفات المذكورة، وهي الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس والإحسان إليهم، والاستغفار من الذنوب، وعدم الإصرار عليها؛ لأن الله امتدح المتقين بها، وخصها من بين خصال التقوى. وإذا كان عز وجل قال: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ثم ذكر صفاتهم، وقال في سورة الحديد: ﴿ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [الحديد: 21]، ففي هذا وذاك دلالةٌ على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمرجئة. 12- فضيلة الإنفاق والترغيب فيه في جميع الأحوال؛ لأن الله امتدح به المتقين وقدَّمه على الصفات بعده؛ لما فيه من نفع الآخرين. 13- فضيلة كظم الغيظ، والترغيب في الإمساك بزمام النفس عند الغضب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾. 14- الترغيب في العفو عن الناس وفضله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾. 15- إثبات صفة المحبة لله تعالى كما يليق بجلاله؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. 16- محبة الله تعالى للمحسنين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذا غاية مطلبهم، ويُفهم من الآية عدمُ محبته للمسيئين. 17- الترغيب في الإحسان إلى الناس مطلقًا، وأن منه الإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس؛ لأن الله لما ذكر هذه الصفات أتبعها بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾. 18- أن المتقين ليسوا بمعصومين عن فعل الفاحشة أو ظُلم الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾. 19- أن فعل الفاحشة أو ظلم النفس، لا يَخدش التقوى إذا استغفر الإنسان وتاب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يُذنبون فيستغفرون الله، فيغفر لهم»[3]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل ابن آدم خطاء، وخيرُ الخطائين التوابون»[4]. وهذان الأبوان - عليهما السلام - لما تابا وأنابا إلى الله تعالى، وتاب الله عليهما، صارت منزلتهما عند الله تعالى بعد التوبة أفضلَ مِن منزلتهما قبل المعصية والتوبة، وهكذا حال كلِّ تائبٍ إلى الله تعالى إذا صدَق في توبته ورجوعه إلى الله تعالى، وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء. 20- أن الذنوب منها ما هو مُستفحَش، ومنها ما هو دون ذلك، لكنه ظلم للنفس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾؛ أي: فعلوا ما يُستفحش، أو ظلموا أنفسهم بما دون ذلك، مع أن الكل ظلم للنفس، لكن الذنوب بعضها أفحش من بعض، كما أن منها كبائرَ، ومنها صغائرَ. 21- مبادرة المتقين إذا فعَلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم إلى ذكر الله تعالى، والاستغفار لذنوبهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾. 22- أن ذكر الله تعالى سببٌ للتوبة والاستغفار؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾. 23- لا أحد يغفر الذنوب إلا الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ ﴾، فهو سبحانه يغفر الذنوب جميعًا مغفرة تامةً؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ [طه: 82]. وعن الأسود بن سريع - رضي الله عنه - قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بأسير، فقال: «اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله»[5]. فلا يتعاظَمه – سبحانه - ذنبٌ أن يغفره، بل إنه يبدِّل السيئات حسنات، كما قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ [الفرقان: 70]. أما المخلوق، فإنه لو غفر لمن أساء إليه - وهذا في الناس قليل - فإنه غالبًا يتبع ذلك بالمن والأذى لمن عفى عنه، وربما يذكِّره بين حين وآخرَ بذلك. 24- عدم إصرار المتقين على ما فعلوا من فاحشة أو ظلم للنفس وهم يعلمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. 25- وجوب الاستغفار من الذنوب، والتحذير من الإصرار عليها؛ لأن الإصرار على الذنب سبب لعدم التوفيق للتوبة، وقد يجعل من الصغيرة كبيرة؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار»[6]. 26- أن من استمر على ذنبٍ وهو لا يعلم أنه ذنب، فإنه قد يُعذر؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. 27- رفعة شأن المتقين بالإشارة إليهم بإشارة البعيد ﴿ أُولَئِكَ ﴾. 28- التنويه بما أُعدَّ للمتقين من الجزاء العظيم؛ من مغفرة ربهم لذنوبهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار؛ لقوله تعالى: ﴿ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾، وبهذا يزول عنهم المرهوبُ، ويحصل لهم المطلوب. 29- أن من أعظم نِعم الجنة جَريان الأنهار من تحت قصورها وغرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾. 30- خلود أهل الجنة فيها خلودًا أبديًّا؛ وأمنُهم من الخروج منها، ومن انقطاع نعيمهم؛ لقوله تعالى: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾، وهذا نعيم معنوي يضاف إلى ما هم فيه من ألوان النعيم. 31- امتداح الله تعالى وثناؤه لما أعدَّه للمتقين من عظيم الأجر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾، عمِلوا قليلًا فأُجروا كثيرًا، وعند الصباح يَحمَدُ القوم السُّرى، وعند الجزاء يجد العامل جزاءَه كاملًا موفورًا. 32- الحث والإغراء على العمل؛ أي: العمل الصالح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾. 33- تكفل الله عز وجل بثواب أهل الجنة وجزائهم، لهذا سمَّاه «أجرًا» تفضلًا منه وكرمًا. [1] أخرجه أبو داود في الزكاة (1678)، والترمذي في المناقب (3675)، من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». [2] أخرجه ابن أبي شيبة المصنف (7/ 88)، وأحمد في الزهد (ص176)، وابن أبي الدنيا في الزهد (ص229). [3] سبق تخريجه. [4] أخرجه الترمذي في صفة القيامة (2499)، وابن ماجه في الزهد - ذكر التوبة (4251)، من حديث أنس رضي الله عنه، وقال الترمذي: «حديث غريب». [5] أخرجه أحمد (3/ 435). [6] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 651).
__________________
|
|
#504
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 137 - 143]. قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾. نهى الله - عز وجل - في الآيات السابقة المؤمنين عن أكل الربا، وأمرهم بتقواه، واتقاء النار، وطاعته - عز وجل - ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمسارعة إلى مغفرته - عز وجل - وجنته التي أعدَّها للمتقين، وأثنى عليهم بذكر صفاتهم، ومَدَح جزاءَهم وثوابهم. وفي هذه الآية وما بعدها عودٌ إلى قصة أُحد، وفيها تسليةٌ للمؤمنين وتعزية لهم في مصابهم في أُحد، وفيها تشجيع وبشارة لهم، وتقوية لنفوسهم، وإحياء لعزائمهم وهِممهم، وذكر الحِكم الباهرة، والفوائد الظاهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم. قوله: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ ﴿ قَدْ ﴾: للتحقيق، وتأكيد الخبر ﴿ خلت ﴾: مضت وسبقت، والخطاب في قوله: ﴿ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ لهذه الأمة. ﴿ سُنن ﴾: جمع «سنة»، وهي: السيرة والطريقة، والمثال المُتَّبع، كما قال الشاعر: فلا تجزعن من سنةٍ أنت سرتها ![]() فأوَّل راض سنة من يسيرها[1] ![]() ![]() ![]() والمراد: قد خلت سُنن الله في الأمم قبلكم في نصرة المؤمنين وإهلاك المكذبين، كما قال تعالى: ﴿ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴾ [غافر: 85]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ﴾ [الأحزاب: 38]، وقال تعالى: ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الحجر: 13]، وسنن الله تعالى ثابتة لا تتبدَّل ولا تتحوَّل في نُصرة أوليائه، وإهلاك أعدائه وأعدائهم، كما قال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الفتح: 23]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 62]، وقال تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43]، وقال تعالى: ﴿ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴾ [الإسراء: 77]. ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾؛ أي: فسيروا في الأرض بأبدانكم وقلوبكم، أي: فسيروا في الأرض سيرًا حسيًّا بأبدانكم على أقدامكم ومراكبكم؛ لتقفوا بأنفسكم على ديار أولئك المكذبين، وتشاهدوها بأبصاركم، فذلك أقوى في الاعتبار من السماع. وسيروا في الأرض سيرًا معنويًّا بقلوبكم، بالتفكر في أحوال تلك الأمم، وهذا أعمُّ وأوسع، والمراد بالأرض أرض الله عامة، وبخاصة أرض وديار المكذبين. ﴿ فَانْظُرُوا ﴾: بأبصاركم وعيونكم، وتأملوا وتفكروا ببصائركم وقلوبكم. فالسير الحسي في الأرض أقوى في الاعتبار؛ لأنه يجتمع فيه التأمل والتفكر في القلب، والنظر والمشاهدة بالبصر، وليس الخبر كالعيان. والسير المعنوي في الأرض أوسعُ وأعم؛ لأنه يشمل التفكر بالقلب بكل ما سمع، وإن لم يشاهده. ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾: الجملة في محل نصب مفعول ﴿ فَانْظُرُوا ﴾، و﴿ كَيْفَ ﴾: اسم استفهام، وعاقبة الشيء نهايته وما يؤول إليه؛ أي: كيف كانت عاقبة ونهاية المكذبين لله ورسوله أن عاقبهم الله بأنواع العقوبات، وحلَّت بهم المثلات، فصارت نهايتهم الهلاك، وزال ملكهم، وصاروا أثرًا بعد عين، وصارت ديارهم بلاقع بسبب الذنوب والمعاصي والكفر بالله، وتكذيب رسله، وفي هذا تسليةٌ للمؤمنين في مصابهم في أُحد، وتحذير للأمة كلها من مسالك المكذبين وعقوباتهم؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [الأنعام: 11]، وقال تعالى: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [غافر: 82]، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [غافر: 21]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ [محمد: 10]، وقال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴾ [طه: 128]، وقال تعالى: ﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 40]. فأهلك قوم لوط بالحاصب، وثمود بالصيحة، وقارون بالخسف في الأرض، وقوم نوح وفرعون بالغرق. قوله تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾. قوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾: الإشارة إلى القرآن الكريم، ومنه ما ذكِّروا به في هذه الآيات من مؤاخذة المكذبين. وأشار إلى القرآن بإشارة القريب ﴿ هَذَا ﴾؛ لأنه حاضر في الأذهان. ﴿ بَيَانٌ ﴾: مصدر «بيَّن» يقال: بيَّن يُبيِّن تَبينًا وبيانًا. وجاء التعبير باسم المصدر عن الموصوف بالبيان، وهو القرآن من باب المبالغة، حتى كأن الموصوف هو الصفة نفسها. فالقرآن بيان، وفيه البيان. والبيان: الإيضاح، وكشف الحقائق الواقعة، والهدى والرشاد، وحذف المتعلق في قوله: ﴿ بَيَانٌ ﴾؛ ليعم بيان كل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89]. ﴿ للناس ﴾؛ أي: بيان للناس كلهم، فالقرآن عام من حيث «التبيين»، فهو بيان لكل شيء، ومن حيث «المبَيَّن له» فهو بيان لجميع الناس؛ أي: هذا القرآن بيان لكل شيء، وهدى وإرشاد للناس كلهم، به تقوم عليهم الحجة؛ كما قال تعالى: ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]. فيه بيان الحق من الباطل، والهدى من الضلال، وبيان أخبار الأمم السابقة، وما جرى بين الرسل وأتباعهم، وبين المكذبين من أقوامهم، وعاقبة كل منهم، بنصر الله لأوليائه المؤمنين، وإهلاكه لأعدائه المكذبين. ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾: معطوف على ﴿ بيان ﴾، فهو بيان للناس عامة، ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ خاصة؛ لأنهم هم الذين يهتدون بهدي القرآن ويعملون به، ويتعظون بمواعظه. والموعظة: ذكر الأحكام مقرونة بالترغيب والترهيب؛ قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ﴾ [التوبة: 33]؛ أي: بالعلم النافع والعمل الصالح. قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. قوله: ﴿ وَلَا تَهِنُوا ﴾: الواو: استئنافية، و«لا»: ناهية، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. والوهن: الضعف؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ﴾ [مريم: 4]؛ أي: لا تضعفوا عن الجهاد وقتال الكفار في المستقبل بسبب ما نالكم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 104]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ ﴾ [محمد: 35]. ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾: معطوف على ما قبله، وكرَّر «لا» للتأكيد، والحزن: الأسف والأسى على مصاب قد مضى من حصول شرٍّ، أو فوات خير، أي: ولا تحزنوا بقلوبكم على من قُتل منكم، فكل مصيبة دون الدين تهون، وفي الله عوض عن كل فائت، وكما قيل: وكل كسرٍ فإن الله جابرُه ![]() وما لكسرِ قناةِ الدين جُبران[2] ![]() ![]() ![]() فنهاهم عن الوهن والضعف؛ لإشعارهم أنهم أقوياء بالله تعالى؛ ليزدادوا قوة وإقدامًا، ونهاهم عن الحزن على ما مضى؛ إذ لا فائدة في ذلك، ولئلا تَفتُرَ عزائمُهم، أو يفت ذلك في عضدهم؛ ولهذا قال بعده: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ الواو: حالية، أي: والحال أنكم أنتم الأعلون، ويحتمل كون الواو: استئنافية، أي: وأنتم الأعلون شرعًا ومنزلة بالإيمان، وأنتم الأعلون العالون قدرًا بنصر الله تعالى لكم حتى ولو أصابكم ما أصابكم، فالعقبى لكم في الدنيا والآخرة والنصر لكم في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، وفي هذا بشارة لهم. و﴿ الْأَعْلَوْنَ ﴾: جمع «الأعلى»، وفُتِح ما قبل الواو في ﴿ الْأَعْلَوْنَ ﴾ للدلالة على الألف المحذوفة في «الأعلى» لالتقاء الساكنين. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾: «إن»: شرطية، و«كنتم»: فعل الشرط، وجوابه محذوف دل عليه ما سبق، أي: إن كنتم مؤمنين، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون؛ لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]. فأنتم الأعلون بإيمانكم، وبكون مصابكم أقلَّ من مصابهم، مع أن عددكم وعدتكم أقل منهم، وأنتم الأعلون بوعد الله لكم بالنصر في المستقبل في دينكم ودنياكم وأخراكم. قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾. قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾. قوله: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾: قرأ حمزة والكسائي وخلف وعاصم في رواية أبي بكر بضم القاف: «قُرْحٌ»، وقرأ الباقون بفتح القاف ﴿ قَرْحٌ ﴾، ومعناهما واحد، فـ«القرح» بضم القاف وفتحها: «الجرح». وقيل: إن «القُرح» بالضم: «الجرح»، و«القَرح» بالفتح: «ألم الجرح»، والقولان متلازمان؛ لأن الألم من لازم الجرح. ومعنى ﴿ يَمْسَسْكُمْ ﴾: يُصبكم؛ كما قال تعالى: ﴿ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ﴾ [البقرة: 214]؛ أي: أصابتهم، والمعنى: إن يصبكم جراح وقتل. ﴿ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾: الفاء: رابطة لجواب الشرط؛ لاتصاله بـ«قد»، والمراد بـ«القوم» كفار مكة، أي: فقد أصاب المشركين قرحٌ مثله، أي: جراح وقتل، وذلك في بدر حيث قُتل منهم سبعون وأُسر سبعون، فكنتم كفافًا؛ كما قال تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165]؛ أي: أصبتم منهم في بدر مثلي ما أصابوا منكم في أُحد، أي: ضعفه، حيث قتلتم منهم سبعين رجلًا وأسرتم سبعين. وفي هذا تسليةٌ للمؤمنين بأن ما أصابهم من قتل وجراح يوم أُحد، قد أصاب عدوهم مثله يوم بدر، فليس المصاب خاصًّا بهم، وفي هذا تخفيفٌ لمصاب المؤمنين، أي: هذا بهذا، والإنسان إذا علِم أن عدوَّه قد أصابه مثل مصابه، هانت عليه مصيبته، مع الفرق الشاسع والبون الواسع بين قتلى الفريقين، فقتلى المؤمنين في الجنة، وقتلى المشركين في النار، ولهذا لما قال أبو سفيان: الحرب سجال، يوم لنا، ويوم لكم، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أجيبوه: فقالوا: «لا سواء، لا سواء؛ قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار»[3]، والمصائب إذا عمَّت خفَّت، ولهذا قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر[4]: ولولا كثرةُ الباكين حولي ![]() على إخوانهم لقتلت نفسي ![]() وما يبكون مثل أخي ولكن ![]() أسلي النفس عنه بالتأسي ![]() ولما حضرت الإسكندر المقدوني الوفاة أمَر أمَّه أن تَكتُب على باب قصره بألا يأتي أحدٌ للعزاء إلا من لم تُصبه مصيبة، فلما مات كتبت ذلك، فلم يأتها أحد يعزيها، فسألت لم ذلك؟ فقيل لها: إنك كتبت على باب القصر أنه لا يأتيك للعزاء إلا من لم تُصبه مصيبة، وما من الناس أحد إلا وقد أصابته مصيبة، فقالت: يا ولدي لقد عزيتني عن نفسك بنفسك. ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ ﴾: الواو: استئنافية، وأشار للأيام بإشارة البعيد «تلك»؛ لأن الأيام منها ما هو بعيد ومنها ما هو قريب، كما أن منها ما هو سابق ومنها ما هو لاحق. والأيام تشمل الأيام المعروفة والأزمنة، وما يقع فيها من النقم والنعم، كما قال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾ [إبراهيم: 5]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ ﴾ [الجاثية: 14]. ﴿ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾: تكلَّم عز وجل بضمير العظمة إشارةً إلى عظمته - عز وجل - وكمال سلطانه في تدبير أمر هذا الكون، ومداولة الأيام بين الناس. ومعنى ﴿ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾؛ أي: نجعلها دولًا بينهم، فتارة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء، وتارة تكون الدولة لهؤلاء على هؤلاء. وهذا من سنن الله تعالى الكونية، ففي بدر كانت الدولة للمسلمين على المشركين، وفي أُحد كانت الدولة للمشركين على المسلمين، لحكمٍ وأسرارٍ عظيمة ذكرها الله تعالى في هذه الآيات، ولهذا لما سأل هرقل أبا سفيان: «كيف كان قتالكم إياه؟ قال: الحرب بيننا سجالٌ، ينال منا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الرسل تُبتلى وتكون لهم العاقبة»[5]. قال ابن القيم[6] في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أُحد: «ومنها: أن حكمة الله وسنته في رسله وأتباعهم، جرت بأن يدالوا مرة، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يميز الصادق من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، اقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين؛ ليتميز مَن يتَّبعهم ويُطيعهم للحق، وما جاؤوا به، ممن يتَّبعهم على الظهور والغلبة خاصة». فالأيام دول، ودوام الحال من المحال، فمِن عِزٍّ إلى ذلٍّ، ومن ذُلٍّ إلى عِزٍّ، ومن رخاء إلى شدة، ومن شدة إلى رخاء، ومن غنى إلى فقر، ومن فقر إلى غنى، ومن صحة إلى سقم ومن سقم إلى صحة، وهكذا، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 26]، وقال تعالى: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44]. وقال الشاعر: فيوم علينا ويوم لنا ![]() ويوم نُساء ويوم نسر[7] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: ومن عاش في الدنيا فلابد أن يرى ![]() من العيش ما يصفو وما يتكدر[8] ![]() ![]() ![]() قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾: هذا شروع في بيان الحكمة فيما أصابهم يوم بدر. ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾: الواو: عاطفة، والمعطوف عليه مقدر دل عليه ما سبق، أي: أصابكم ما أصابكم من القرح، وجعلنا الأيام دولًا، ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، واللام في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ﴾: للتعليل؛ أي: ولأجل أن يعلم الله الذين آمنوا»، أي: لأجل أن يعلم علمًا يترتب عليه مجازاتهم؛ لأن الله - عز وجل - قد علم أزلًا المؤمنين من غيرهم، وعلم كل شيء، لكنه - عز وجل - لا يحاسب الخلائق على ما في علمه السابق أزلًا قبل إيجادهم وحصول الإيمان منهم أو عدمه، وإنما يحاسبهم بعد وجود ذلك وحصوله منهم؛ أي: وليعلم الله الذين يرضون ويُسلمون بما يقدِّره الله تعالى من مداولة الأيام بين الناس، فيصبرون على الضراء، ويشكرون عند السراء، ويلبسون لكل حالة لَبُوسها الشرعي، فلا تُجزعهم المصيبة، ولا تُبطرهم النعمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيرًا له»[9]. يتبع
__________________
|
|
#505
|
||||
|
||||
|
وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران:142]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ [العنكبوت: 10]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11]، والمراد بالفتنة في الآية ضد الخير. فمداولة الأيام وما يحصُل فيها من خيرٍ أو شرٍّ، أو نصرٍ أو هزيمة، فيه أعظم الابتلاء والامتحان للعباد؛ ليتميز المؤمن الصادق من الكافر والمنافق، كما قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]، وقال تعالى: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [الأنفال: 37]. ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾: معطوف على قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ ﴾؛ أي: جعل الله تعالى الأيام دولًا بين الناس، وجعل الدولة للكفار عليهم في أُحد؛ ليعلم الذين آمنوا ويتخذ منكم أيها المؤمنون شهداء، أي: يجعل ويختار، ويصطفي منكم شهداءَ؛ أي: أناسًا يستشهدون ويقتلون في سبيله؛ حيث قُتِل في هذه الغزوة سبعون رجلًا منهم، اختارهم الله واصطفاهم للشهادة في سبيله. والشهداء: جمع شهيد، وهو الذي يقتل في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى، سمي شهيدًا؛ لأن تعريضه نفسه للقتل شهادة فعلية منه على صدق إيمانه، ولأن الملائكة تشهده، وغير ذلك؛ أي: ليعلم الذين آمنوا بصبرهم حالَ الشدة، وشكرهم حال الرخاء، ولكي يختار ويصطفي من المؤمنين شهداءَ. ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: الذين ظلموا أنفسهم بالشرك وقتال المؤمنين، والصد عن دين الله، وقابل قوله: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ بقوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، في إشارة إلى فضل الشهادة ومحبة الله للشهداء، وأن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار- كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما - [10]، فهو كقوله تعالى: ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ﴾ [التوبة: 52]، وفي قوله: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾: احتراس من أن يظن ما حصل لهم من الدولة في أحد من محبة الله لهم. وأيضًا: ﴿ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالقعود عن القتال من المنافقين، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ﴾ [التوبة: 46]، ولهذا لم يتخذ منهم شهداءَ. و﴿ الظَّالِمِينَ ﴾ جمع «ظالم»، والظلم النقص؛ كما قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴾ [الكهف: 33]، وهو أيضًا: وضع الشيء في غير موضعه على سبيل العدوان. وأظلم الظلم الشرك بالله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. فالظالم مَن اعتدى في حق الله، أو حق عباده، ونقص حق الله، أو حق عباده، فمن أشرك بالله أو عصاه، فقد ظلم واعتدى، ونقص حق الله تعالى، ومن اعتدى على عباد الله تعالى، فقد ظلمهم ونقص حقهم، ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾، بل يبغضهم بقدر ظلمهم، ومفهوم هذا محبته للمقسطين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [المائدة: 42]. قوله تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله داخل ضمن الحكمة في إصابتهم بالقرح، وجعل الأيام دولًا، أي: ولأجل أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. قوله: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ ﴾: «التمحيص»: التنقية والتصفية والتخليص؛ أي: يمحص الله الذين آمنوا، أي: ليبتليهم ويُصفيهم بما أصابهم من القرح، وإدالة الكافرين عليهم؛ ليتبين ويتميز المؤمنين الخُلَّص منهم والصفوة، ولينقيهم من ذنوبهم بذلك المصاب؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179]. ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾: معطوف على ما قبله، و«المحق»: إهلاك الشيء وإذهابه بالكلية، أي: ويهلك الكافرين؛ أي: ومن حكمة الله تعالى في إصابتكم بالقرح ومداولة الأيام، وجعل الدولة لهم عليكم استدراجًا لهم ليَمحقهم؛ لأنهم إذا انتصروا ازدادوا طغيانًا وبغيًا وبطرًا؛ اغترارًا منهم بما حصل لهم من نصر، فيعودون لقتالكم مرة بعد أخرى، فيكون محقُهم ومعاجلتهم بالعقوبة والهلاك في الدنيا الموصول بهلاكهم وعذابهم في الآخرة في النار وبئس القرار. وقد أهلك جميع الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، وأصرُّوا على الكفر، فما أصاب المؤمنين فضيلة وشهادة وتمحيص، وما أصاب الكافرين مَحق وهلاك، وشتان بين الحالين. قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾. ذكر عز وجل أن مِن الحِكَم فيما أصاب المسلمين في أُحد، تمييز المؤمنين وتمحيصهم، واصطفاء شهداء منهم، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ﴾ الآية؛ تأكيدًا لما قبلهً، وبيانًا لتحتُّم هذا الابتلاء والتمحيص، فدربُ الجنة ليس مفروشًا بالورود والرياحين. قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ﴿ أم ﴾: هي المنقطعة التي بمعنى «بل» الانتقالية، وهمزة الاستفهام، أي: بل أحسبتم، والاستفهام للتوبيخ والإنكار والنفي، و﴿ أن ﴾ والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لـ«حسب»؛ أي: أحسبتم دخول الجنة، ومعنى «أحسبتم» أي: أظننتم. ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾: الواو: حالية، و«لمَّا»: حرف نفي وجزم، وهي أشدُّ نفيًا من «لم»، وتفيد ترقُّب حصول المنفي، و﴿ يعلم ﴾: مجزوم بها حرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين؛ أي: أظننتم أن تدخلوا الجنة، والحال أن الله لما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؛ أي: ولم تُبتلوا بالجهاد والشدائد، فتُجاهدوا وتصبروا؛ ويعلم الله ذلك منكم بعد وقوعه، فيجازيكم عليه بدخول الجنة. والمعنى: لا تحسبوا ولا تظنوا ولا يَخطر ببالكم - أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: 214]، وقوله تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]. وفي الحديث: «حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات»[11]. قال الشاعر: فدربُ الصاعدين كما علِمتم ![]() به الأشواكُ تَكثُر لا الورود[12] ![]() ![]() ![]() وقال الحسن: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقع في القلب وصدَّقه العمل»[13]، ولهذا يقال: «التمني رأس مال المفاليس». وقال الشاعر: ترجو النجاة ولم تَسلُك مسالكها ![]() إن السفينة لا تجري على اليبس[14] ![]() ![]() ![]() وسلعة الله تعالى غالية، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة»[15]. قال ابن القيم[16]: يا سلعةَ الرحمن لستِ رخيصةً ![]() بل أنت غاليةٌ على الكَسلان ![]() يا سلعةَ الرحمن ليس ينالها ![]() في الألف إلا واحدٌ لا اثنان ![]() ومعنى ﴿ جَاهَدُوا ﴾: بذلوا جهدهم بأموالهم وأنفسهم في القتال في سبيل الله. ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾؛ أي: الصابرين على طاعة الله تعالى، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، وكل هذه الأقسام الثلاثة تجتمع في القتال في سبيل الله، ففيه الصبر وحبس النفس على طاعة الله؛ لأن القتال أمرٌ شاقٌّ على النفوس؛ كما قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]، وفيه الصبر عن معصية الله بعدم الفرار وترك القتال، وفيه الصبر على أقدار الله المؤلمة من القتل والجراح والمشقة، ونحو ذلك، وقد كان من أسباب ما أصاب المسلمين في أُحد عدم صبر الرماة؛ فحصل على المسلمين ما حصل. قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾. قوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: الواو: عاطفة، واللام: واقعة في جواب القسم، أي: والله لقد كنتم، و«قد» للتحقيق، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدَّر، واللام، و«قد». ﴿ تَمَنَّوْنَ ﴾ أصلها تتمنون، والتمني: طلب ما يَصعُب ويتعسَّر حصوله، أو يستحيل، كما في قول الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يومًا= فأخبره بما فعل المشيب[17] = وقوله: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾: إشارة إلى أن ما حصل منهم لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الخروج إلى أُحد، أو البقاء في المدينة والتحصن فيها، أشار عليه الشباب - وبخاصة مَن لم يشهدوا بدرًا - بالخروج، وكانوا يتمنون أن يموتوا ويستشهدوا، كما استشهد بعض إخوانهم في بدر، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾؛ أي: كنتم تمنون الموت بالقتل والاستشهاد مع مَن استُشهد في بدر، ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾؛ أي: من قبل هذا اليوم. وها أنتم اليوم في أُحد لقيتموه وجعل لكم ما تمنون، ولهذا قال: ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الفاء: عاطفة، ﴿ رَأَيْتُمُوهُ ﴾: أبصرتُموه وشاهدتُموه بأعينكم فيما بينكم، والضمير يعود إلى الموت؛ أي: رآه مَن استشهد منكم في «أُحد» بنفسه، ورآه مَن لم يستشهد بغيره، وقيل: رأيتم أسبابه في صفوف المقاتلين ولمعان السيوف، وحدِّ الأسنة، واشتباك الرماح. ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الجملة حالية؛ أي: والحال أنكم تنظرون عيانًا بيانًا على أشد ما تكونون إحساسًا، فأين بلاؤكم وصبركم، وكيف جَبنتم وتخاذَلتُم وانهزمتُهم؟! [1] البيت لخالد بن زهير الهذلي يخاطب أبا ذؤيب الهذلي؛ انظر: «ديوان الهذليين» (1/ 155). [2] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «ديوانه» (ص80). [3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 84)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 771). [4] انظر: «ديوانها» (ص84). [5] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2804)، ومسلم في الجهاد والسير (1393)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي سفيان رضي الله عنه. [6] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 510). [7] البيت لنمر بن تولب؛ انظر: «ديوانه» (ص347). [8] البيت مجهول القائل؛ انظر: «المستطرف» (ص43). [9] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (2999)، من حديث صهيب رضي الله عنه. [10] سبق تخريجه قريبًا. [11] أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (2823)، والترمذي في صفة الجنة (2559)، من حديث أنس رضي الله عنه. [12] البيت لوليد الأعظمي - شاعر عراقي - في ديوانه «الزوابع»؛ انظر: «الأعمال الشعرية الكاملة» (ص85). [13] أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (6/ 163)، وفي «الإيمان» ص(92)، وأحمد في الزهد ص(263)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (1/ 65). [14] البيت لأبي العتاهية؛ انظر: «ديوانه» (ص194). [15] أخرجه الترمذي في صفة القيامة والرقائق (2450)، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: «حديث حسن غريب». [16] «النونية» (ص354). [17] البيت لأبي العتاهية. انظر: «ديوانه» (ص32).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |