|
|||||||
| ملتقى حراس الفضيلة قسم يهتم ببناء القيم والفضيلة بمجتمعنا الاسلامي بين الشباب المسلم , معاً لإزالة الصدأ عن القلوب ولننعم بعيشة هنية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
فضل العفو والصفح من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ الشيخ ندا أبو أحمد 1- أخرج الإمام مسلم من حديث أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ [1]، وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا [2]، وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ [3]". وفي الحديثِ: بيانُ فَضلِ العفوِ والصَّفحِ، وأنَّ مَن عُرِفَ بِالعفوِ والصَّفحِ سادَ وعَظُمَ في قلوبِ النَّاسِ. وفيه: بَيانُ فَضلِ التَّواضُعِ للهِ سُبحانَه وتَعالَى، وقَولُه صلى الله عليه وسلم: "ما زاد اللَّهُ عبدًا بعَفوٍ إلَّا عِزًّا"، فيه وجهانِ: أحدُهما: ظاهِرُه أنَّ مَن عُرِف بالصَّفحِ والعَفْوِ ساد وعَظُم في القُلوبِ وزاد عِزُّه، الثَّاني: أن يكونَ أجرُه على ذلك في الآخرةِ، وعِزَّتُه هناك"؛ (إكمال المعلم: 8/28). - وأخرج الترمذي من حديث أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" ثلاثةٌ أقسِمُ عليْهنَّ [4] وأحدِّثُكم حديثًا فاحفظوهُ قالَ: "ما نقصَ مالُ عبدٍ من صدقةٍ، ولا ظلِمَ عبدٌ مظلمةً فصبرَ عليْها، إلَّا زادَهُ اللَّهُ عزًّا[5]، ولا فتحَ عبدٌ بابَ مسألةٍ[6]، إلَّا فتحَ اللَّهُ عليْهِ بابَ فقرٍ[7]..."؛ (صحيح الترمذي: 2325) (صحيح الجامع:3024). - وأخرجه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ثلاثٌ أُقسِمُ عليهِنَّ: ما نقَصَ مالٌ قطُّ من صدقةٍ، فتصدَّقُوا، ولا عَفَا رجلٌ عن مَظلمةٍ ظُلِمَها إلا زادَهُ اللهُ تعالَى بِها عِزًّا، فاعفُوا يزِدْكمُ اللهُ عِزًّا، ولا فتَحَ رجلٌ على نفسِهِ بابَ مَسألةٍ يَسألُ الناسَ إلا فتَحَ اللهُ عليه بابَ فقْرٍ"؛ (صحيح الجامع: 3025)، (صحيح الترغيب والترهيب:2462). - وأخرج الحاكم في المستدرك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" إنَّ اللهَ تعالى عفوٌّ يُحِبُّ العَفوَ". (صحيح الجامع: 1779) - وأخرج البخاري ومسلم من حديث أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الأنصارَ كَرِشي وعَيْبتي[8]، وإنَّ النَّاسَ سيَكثُرون ويَقِلُّون، فاقبَلوا من مُحسِنِهم، واعفُوا عن مُسيئِهم". - وأخرج الإمام مسلم من حديث أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه قال: "إنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللهِ! إنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إليهِم وَيُسِيؤُونَ إلَيَّ، وَأَحْلُمُ عنْهمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقالَ: لَئِنْ كُنْتَ كما قُلْتَ، فَكَأنَّما تُسِفُّهُمُ[9] المَلَّ[10] وَلَا يَزَالُ معكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عليهم[11] ما دُمْتَ علَى ذلكَ". - وأخرج الإمام مسلم من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأشجِّ عبد القيس رضي الله عنه: "إن فيك خَصلتينِ يُحِبُّهما الله: الحِلمُ، والأناة". قَالَ الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في "شرح رياض الصالحين: 3/ 576": "وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن فيك خَصلتينِ يحبُّهما الله: الحِلم، والأناة"، والحِلم: عندما يثار الإنسان ويُجنى عليه، ويُعتدى عليه يَحلِم، لكنه ليس كالحمار لا يبالي بما فُعِل به، يتأثر لكن يكون حليمًا لا يتعجل بالعقوبة، حتى إذا صارت العقوبة خيرًا من العفو أخَذَ بالعقوبة، والأناة: التأني في الأمور وعدم التسرع، وما أكثرَ ما يَهلِكُ الإنسانُ ويَزِلُّ بسبب التعجل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك. وأخرج أبو داود والترمذي من حديث زارع بن عامر بن عبد القيس العبدي قال: لما قدِمنا المدينةَ، فجعلْنا نتبادرُ من رواحِلنا[12]، فنقبِّل يدَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ورجلَه، وانتظر المنذر الأشج[13] حتى أتى عيبته[14]، فلبس ثوبيه[15]، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن فيك خلتين[16] يُحبهما الله: الحلم[17] والأناة[18]؛ قال: يا رسول اللهِ! أنا أتخلق بهما[19] أم الله جبلني عليهما[20]؟ قال: بل الله جبلك عليهما، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله ورسوله"؛ (صحيح أبي داود: 5225- دون ذكر الرجلين). وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عمَرَو - رَضِيَ اللَّهُ عنهما - قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "تعافُّوا الحُدُودَ فِيما بَينَكُم [21]، فما بَلغَني [22] مِن حدٍّ فقدْ وجَبَ [23]"؛ (صحيح أبي داود: 4376) (صحيح الجامع: 2954). - وأخرج أبو داود والترمذي من حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عنهما - قال: جاء رجُلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، كم نعفو عن الخادِمِ؟ فصَمَت، ثمَّ أعاد عليه الكلامَ، فصَمَت، فلمَّا كان في الثَّالثةِ قال: اعفوا عنه في كُلِّ يومٍ سَبعينَ مَرَّةً"؛ (صحيح الترمذي:2031) (صحيح أبي داود: 5164). وفي هذا الحَديثِ يَحكي ابنُ عُمرَ - رضِي اللهُ عنهما - أنَّه: "جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسولَ اللهِ، كَم نعْفُو عن الخادِمِ"؛ أي: كم مرَّةً عند ارتِكابِهِ فِعْلًا خاطِئًا أو أمرًا خلافَ الَّذي نأمُرُه؟ "فصمَتَ"؛ أي: فسَكتَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ولم يُجبْه، قيل: إنَّ صَمْتَه صلى الله عليه وسلم إجابةٌ؛ لأنَّ العفْوَ أمرٌ مقَرَّرٌ شرْعًا؛ فلا حاجَةَ للسُّؤالِ عنْه، وقيل: كان مُنتظِرًا للوَحْي في تلك المَسألَةِ، "ثُمَّ أعادَ"؛ أي: السَّائلُ، "عليهِ"؛ أي: على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، "الكلامَ"؛ أي: هذا السؤال، "فصَمَتَ، فلمَّا كان في الثَّالثَةِ"؛ أي: لَمَّا أعادَ عليه الرجُلُ السُّؤالَ للمَرَّةِ الثالثة، أجابَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: "اعْفوا عنه في كلِّ يَومٍ سَبعينَ مرَّةً"، وهذا العددُ للكثرةِ لا لبُلوغِ مُنتهَى العددِ، وهذا كنايةٌ عن العفوِ الدَّائمِ عن الخادمِ، مع إرشادِه إلى الصَّوابِ وتأدِيبِه، وهذا مِن رَحمتِه ورِفقِه صلى الله عليه وسلم بأُمَّتِه. وفي الحَديثِ: الحَثُّ على العفْوِ عن الخطَأِ والزَّلَلِ في الأُمورِ الَّتي لا تَنْدرِجُ تحتَ المَناهي الشَّرعيَّةِ؛ (الدرر السنية). - وأخرج الإمام أحمد والبخاري في "الأدب المفرد"، والطبراني من حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عمَرَو - رَضِيَ اللَّهُ عنهما - قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ارْحمُوا تُرحَمُوا، واغْفِرُوا يُغفَرْ لكُمْ..."؛ (صحيح الجامع: 897) (السلسلة الصحيحة: 482). وقوله صلى الله عليه وسلم: "ارْحَموا تُرْحَموا"؛ أي: تَخلَّقوا بخُلُقِ الرَّحمةِ بينكم مع الكَبيرِ والصَّغيرِ، والحُرِّ والعبدِ وحتى مع الخادِمِ، بل حتَّى مع الحَيوانِ، فيَرْحَمُكم اللهُ عزَّ وجلَّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، "واغْفِروا يُغْفرْ لكم"؛ أي: وكذلك الشَّأْنُ في التخلُّقِ بخُلُقِ المَغْفِرَةِ والصَّفْحِ جَزاؤُه مغفرةُ اللهِ لعبادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه يُحبُّ أسماءَه وصِفاتِه التي منها الرَّحمةُ والغُفران، ويحبُّ مِن خَلْقِه مَن تَخلَّقَ بها. - وأخرج والترمذي وابن حبان والطبراني من حديث عبدِ اللَّهِ بنِ مسعود رضي الله عنه قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "حَرُم على النارِ كلُّ هيِّنٍ[24]، لينٍ، سهلٍ[25]، قريبٍ من الناسِ"؛ (صحيح الجامع:2609). - وفي رواية: "أَلَا أُخْبِرُكم بمَن يَحْرُمُ على النَّارِ[26]، وبمَن تَحْرُمُ عليه النَّارُ [27]؟ على كلِّ قريبٍ، هيِّنٍ، سهْلٍ"؛ (رواه الترمذي). - وفي رواية: "أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلى النَّارِ؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ تَحْرُمُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ، هَيِّنٍ، ليِّنٍ، سَهْلٍ"؛ (رواه الترمذي). - وأخرج البخاري من حديث عَطاء بن يَسارٍ قال: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا - قُلتُ: أخْبِرْنِي عن صِفَةِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم في التَّوْرَاةِ، قالَ: أجَلْ، واللَّهِ إنَّه لَمَوْصُوفٌ في التَّوْرَاةِ ببَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: 45]، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ، ليسَ بفَظٍّ ولَا غَلِيظٍ، ولَا سَخَّابٍ في الأسْوَاقِ، ولَا يَدْفَعُ بالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ، ولَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حتَّى يُقِيمَ به المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بأَنْ يَقولوا: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، ويَفْتَحُ بهَا أعْيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا". - وأخرج البخاري ومسلم من حديث أنَسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "كُنْتُ أمْشِي مع رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ[28] نَجْرَانِيٌّ[29] غَلِيظُ الحَاشِيَةِ[30]، فأدْرَكَهُ أعْرَابِيٌّ[31]، فَجَبَذَهُ برِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قدْ أثَّرَتْ بهَا حَاشِيَةُ البُرْدِ مِن شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، مُرْ لي مِن مَالِ اللَّهِ الذي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أمَرَ له بعَطَاءٍ". وفي الحَديثِ: كمالُ خُلُقِ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وحِلْمِه وصَفْحِه الجَميلِ، وفيه أيضًا: الحَثُّ على احتِمالِ الجاهِلينَ، والإعراضُ عن مقابَلَتِهم، ودَفْعُ السَّيِّئةِ بالحَسَنةِ. - وأخرج البخاري من حديث جَابِر بن عبدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا - أَخْبَرَ: أنَّهُ غَزَا مع رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَفَلَ معهُ، فأدْرَكَتْهُمُ القَائِلَةُ في وادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ[32]، فَنَزَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ وعَلَّقَ بهَا سَيْفَهُ، ونِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا، وإذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ[33]، فَقالَ: إنَّ هذا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي، وأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وهو في يَدِهِ صَلْتًا[34]، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلتُ: اللَّهُ، (ثَلَاثًا) ولَمْ يُعَاقِبْهُ وجَلَسَ. - وفي رواية:" فها هو ذا جالس"، ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: "فمنَّ عليه لشدَّة رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام، ولم يؤخَذ بما صنع، بل عفا عنه، وقد ذَكر الواقدي في نحو هذه القصة أنه أسلم وأنه رجع إلى قومه، فاهتدى به خَلْق كثير"؛ (فتح الباري:9/ 544). - وأخرج الترمذي من حديث أبي عبدِ اللهِ الجَدليُّ قال: سألْتُ عائشةَ - رَضِيَ اللَّهُ عنها - عَن خلقِ[35] رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فقالَت: لم يَكُن فاحِشًا[36]، ولا مُتفَحِّشًا[37]، ولا صخَّابًا في الأسواقِ[38]، ولا يَجزي بالسَّيِّئةِ السَّيِّئةَ، ولَكِن يَعفو ويَصفَحُ[39]"؛ (صحيح الترمذي: 2016). - وأخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "كَأَنِّي أنْظُرُ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فأدْمَوْهُ، وهو يَمْسَحُ الدَّمَ عن وجْهِهِ ويقولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فإنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ". وفي هَذا الحديثِ يُخبِرُ عبْدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّه رَأى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يَصِفُ حالَ نَبيٍّ مِن الأنبياءِ، وقدْ "ضَرَبَه قَومُه"، حتَّى سالَ منه الدَّمُ مِن ضَرْبِهم، فأخَذَ يَمسَحُ الدَّمَ عن وَجْهِه ويَقولُ: "اللَّهُمَّ اغفِرْ لِقَومي"، يَطلُبُ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ العفْوَ والصَّفحَ عنهم، وعدَمَ مُؤاخَذتِهم بفِعلِهم، وأضافَهُم إليه "قَومي" شَفقةً ورَحمةً بهم، ثمَّ اعتَذَرَ عنهم بجَهْلِهم، فقال: "فهمْ لا يَعلَمون"، وهذا مِن رَأفةِ النَّبيِّ على قَومِه وحُبِّ الخيرِ لهم، وخَشيةً مِن العَقابِ وحُلولِ العَذابِ عليهم جَزاءً لتَعذيبِهم وإيذائِهم نبيًّا مِن أنبياءِ اللهِ. وقدْ وقَعَ لنَبيِّنا صلى الله عليه وسلم مِثلُ هذا في غَزوةِ أُحدٍ، وقيل: إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ هو الحاكي والمحْكيُّ عنه، وكأنَّه أُوحِيَ إليه بذلك قبْلَ غَزوةِ أُحدٍ ولم يُعيَّنْ له ذلك، فحَكاهُ صلى الله عليه وسلم لأصحابِه، فلمَّا وقَعَ تَعيَّنَ أنَّه المَعنيُّ بذلك. - وأخرج الإمام أحمد والطبراني والبيهقي من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ما من رجلٍ يُجرحُ في جسدِه جراحةٌ، فيتصدَّق بها؛ إلا كفَّر اللهُ تبارك وتعالى عنه مثلَ ما تصدَّق به"؛ (صحيح الترغيب: 2460) (صحيح الجامع:5712). - وأخرج الإمام أحمد رضي الله عنه عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: قال رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أُصِيبَ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ فَتَرَكَهُ لِلَّهِ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ"؛ (صحيح الترغيب والترهيب:2461). العَفْوُ عن النَّاسِ سَبَبٌ في نَيلِ عَفوِ اللَّهِ؛ فالجزاءُ مِن جِنسِ العمَلِ: - فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث حُذَيفةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ رجلًا كان فيمن كان قبلَكم، أتاه المَلَكُ ليَقبِضَ رُوحَه، فقيل له: هل عَمِلتَ من خيرٍ؟ قال: ما أعلَمُ، قيل له: انظُرْ، قال: ما أعلَمُ شيئًا غيرَ أنِّي كنتُ أبايِعُ النَّاسَ في الدُّنيا وأجازيهم، فأُنظِرُ الموسِرَ، وأتجاوَزُ عن المُعسِرِ[40]، فأدخَلَه اللهُ الجنَّةَ". - وأخرج الطبراني في "الكبير" من حديث جرير بن عبد اللهرضي الله عنهأنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: "مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ، ومَن لا يَغْفِرْ لا يُغْفَرْ له، ومَن لا يَتُبْ لا يُتَبْ عليه"؛ (صحيح الجامع: 6600). وقوله صلى الله عليه وسلم: "ومَن لا يَغفِرْ"؛ أي لِغَيرِهِ زلَّاتِهِ وخُصوماتِهِ، "لا يُغفَرْ له"، فلا يَستحِقَّ أنْ يَغفِرَ اللهُ عزَّ وجلَّ ذَنْبَهُ. - وأخرج البخاري من حديث جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ رضي الله عنه أنَّه قام يومَ مات المغيرةُ بنُ شُعبةَ، فحَمِد اللهَ وأثنى عليه، وقال: عليكم باتِّقاءِ اللهِ وَحْدَه لا شريكَ له، والوَقارِ، والسَّكينةِ، حتى يأتيَكم أميرٌ، فإنَّما يأتيكم الآنَ، ثمَّ قال: استَعْفوا لأميرِكم؛ فإنَّه كان يحِبُّ العَفوَ، ثمَّ قال: أمَّا بَعدُ، فإنِّي أتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قُلتُ: أبايِعُك على الإسلامِ، فشَرَط عليَّ: والنُّصحِ لكُلِّ مُسلِمٍ فبايَعْتُه على هذا، ورَبِّ هذا المسجِدِ إنِّي لناصِحٌ لكم، ثمَّ استغفَرَ ونَزَل". وقولُه: "استَعْفوا لأميرِكم"؛ أي: اطلُبوا له العَفْوَ من اللَّهِ، وقولُه: "فإنَّه كان يحِبُّ العَفْوَ"، فيه إشارةٌ إلى أنَّ الجزاءَ يَقَعُ من جِنسِ العَمَلِ؛ (فتح الباري لابن حجر:1/ 139). [1]- ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ: ذكروا فيه وجهين: أحدهما معناه: أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية. وهذا مدرك بالحس والعادة. والثاني: أنه وإن نقصت صورته، كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة. [2]- وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بعَفْوٍ إلَّا عِزًّا: فيه أيضًا وجهان: أحدهما على ظاهره، ومن عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه، والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك. (قاله القاضي عِياضٌ- رحمه الله-). [3] - وما تَواضَعَ أحَدٌ للَّهِ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ: فيه أيضًا وجهان: أحدهما: يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه، والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة رفعه الله فيها بتواضعه في الدنيا؛ قال العلماء: وهذه الأوجه في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة، وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا والآخرة. [4]- ثلاثةٌ أُقسِمُ عَليهِنَّ: أي أحلِفُ علَيهنَّ، والمرادُ: أنَّه صلى الله عليه وسلم وهو الصَّادقُ المصدوقُ، يُخبِرُ عن ثلاثةِ أمورٍ يُؤكِّدُهنَّ بالقسَمِ؛ وذلك بيانٌ لأهمِّيتِهنَّ والحرصِ علَيهِنَّ، ثمَّ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "وأُحَدِّثُكم حَديثًا فاحفَظوه"، وهذا لِمَزيدِ تأكيدِ أهميَّةِ ما يَقولُ، وقيل: بل هو إخبارٌ عن أهمِّيَّةِ حديثٍ آخَرَ غيرِ الَّذي يُقْسِمُ عليه. [5]- زادَه اللهُ عِزًّا: أي كان جَزاؤُه أن يَزيدَه اللهُ بهذا العفوِ والصَّبرِ عِزًّا وشرَفًا، ومكانةً عاليةً. [6]- ولا فتَح عبدٌ بابَ مسأَلةٍ: بأن يَمُدَّ يدَه، ويسأَلَ النَّاسَ لِيَستكثِرَ مِن أموالِهم في غيرِ حاجةٍ أو ضرورةٍ. [7]- إلَّا فتَح اللهُ عليه بابَ فقرٍ؛ أي: إنَّ اللهَ تعالى يَفتَحُ عليه بابَ احتياجٍ، أو يَسلُبُ مِنه ما أنعَم به عليه. [8]- كَرِشي وعَيْبتي: أي: جماعتي وخاصَّتي الذين أثِقُ بهم وأعتَمِدُهم في أموري، وضَرَب مَثَلًا بالكَرِشِ؛ لأنَّه مُستقَرُّ غِذاءِ الحيوانِ الذي يكونُ به بقاؤه، والعَيبةُ وِعاءٌ مَعروفٌ يَحفظُ الإنسانُ فيها ثيابَه وفاخِرَ متاعِه، ويصونُها، ضرَبَها مثلًا لأنَّهم أهُل سِرِّه وخَفِيِّ أحوالِه؛ (أعلام الحديث للخطابي:3/ 1644) (شرح النووي على مسلم: 16/ 68). [9]- فكأنَّما تُسِفُّهُم: أي: تُطعِمُهم في أفواهِهِم. [10]- المَلَّ: الرَّمادُ الحارُّ، وهو تَشبيهٌ لِما يَلحَقُهم مِن الإثمِ بما يَلحَقُ آكِلَ الرَّمادِ الحارِّ مِن الألَمِ، وقيل: معناه: إنَّك بالإحسانِ إليهم تُخزِيهم وتُحَقِّرُهم في أنفُسِهم لِكثرةِ إحسانِكَ وقَبيحِ فِعلِهم. [11]- ولا يَزالُ معكَ مِنَ عندِ اللهِ ظَهيرٌ عَليهم؛ أي: مُعِينٌ لكَ عليهم ودَافِعٌ عنكَ أَذاهم مَا دُمْتَ على ما ذَكرْتَ مِن إحسانِكَ إليهم وظَلُّوا هُم على إساءتِهم إليكَ. [12]- لَمَّا قَدِمْنا المدينةَ، فجعَلْنا نَتبادَرُ مِنْ رَواحِلِنا؛ أي: لَمَّا جِئْنا إلى المدينةِ مُسْلمينَ، وصَلْنا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم نَتسارَعُ في النُّزولِ عن رِكابِنا مِن الإبلِ وغيرِها؛ ليَسْبِقَ بعضُنا بعضًا. [13]- وانْتَظَرَ المُنْذِرُ الأَشَجُّ: أي: لَمْ يُسارِعْ كالَّذين سارَعوا إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان على رأسِ وَفْدِ عبدِ قيسٍ ومُقدِّمتِهم. [14]- حتَّى أتى عَيْبَتَه: أي: مُستودَعَ ثيابِه. [15]- فلَبِس ثوبيه: أي: مُسْتحسِنًا لأحسنِ ثيابِه وقيل: كانتْ بِيضًا. [16]- إنَّ فيكَ خُلَّتَينِ: أي خَصْلتَينَ. [17]- الحِلْمُ: العَقْلُ. [18]- الأناةُ: التَّرفُّقُ وعَدَمُ التَّعجُّلِ. [19]- أنا أَتخلَّقُ بِهما: أي أكْتَسِبُهما في حياتي. [20]- أَمِ اللهُ جَبَلني علَيهِما: أي جَعَلَهُما اللهُ فِيَّ دونَ اكْتِسابٍ لهما وتَعوُّدٍ عليهِما. [21]- تَعافوا الحُدودَ فيما بيْنكم: أي تَجاوزا عنها، فلا ترْفَعوها إليَّ للتَّقاضِي. [22]- فمَا بلَغَني: أي: وصَلَ إليَّ. [23]- مِن حدٍّ فقدْ وجَبَ: أي لازِمٌ عليَّ إقامَتُه. [24]- هَيِّنٍ: أي: يتَّصِفُ بالسُّكونِ والوَقارِ، واللِّينِ في تصرُّفاتِهِ مع النَّاسِ. [25]- سَهْلٍ: أي: سَهْلِ المُعامَلةِ والخُلُقِ، مُيسِّرٍ على النَّاسِ. [26]- أَلَا أُخْبِرُكُمْ "بمَنْ يَحْرُمُ على النَّارِ"، أي: يُمْنَعُ ويُحْجَزُ عن دُخولِها، فيُعافى منها. [27]- وبمَنْ تَحْرُمُ عليه النَّارُ؟: أي: تُصْبِحُ النَّارُ مُحرَّمةً عليه فلا يَدْخُلُها، هي مِنْ بابِ التَّأكيدِ، فهي كالجُمْلةِ السَّابِقةِ. [28]- البُرْدُ: نَوعٌ مِنَ الثِّيابِ. [29]- النَّجْرانيُّ: نِسْبَة إلى نَجْرانَ مدينةٍ باليمنِ. [30]- غَليظُ الحاشيةِ: أي غليظُ الجانبِ. [31]- أعرابيٌّ: هو العَرَبيُّ الذي يَسكُنُ الصَّحْراءَ. [32]- كل شجر يَعْظُم له شوك. [33]- اسمُه غَوْرَثُ بنُ الحارِثِ. [34]- أي: مُجَرَّدًا من غمده. [35]- الخُلقُ: مَلكةٌ تصدُرُ بها الأفعالُ بسُهولةٍ من غيرِ تنكُّرٍ ولا تكلُّفٍ. [36]- لم يكُنْ فاحِشًا: الفُحْشُ: القُبْحُ، وكلُّ سُوءٍ جاوز حدَّه فهو فاحشٌ، أي: لم يكُنْ مُتكلِّمًا بالقَبيحِ أصلًا ولم يكُنْ في طبْعِه. [37]- ولا مُتفَحِّشًا: أي: بالتَّكلُّفِ، أي لم يكُنْ فيه الفُحْشُ؛ لا ذاتيًّا ولا عرَضًا. [38]- ولا صخَّابًا في الأسواقِ: أي لم يكُنْ صيَّاحًا يرفَعُ صوتَه في الأسواقِ. [39]- ولا يَجْزي بالسَّيِّئةِ السَّيِّئةَ، ولكنْ يَعْفو ويَصفَحُ: أي: يُعْرِضُ عن صاحِبِ السَّيئةِ، بلْ ويَعْفو عنه؛ لقولِه تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ (المائدة:13). [40]- وقولُه صلى الله عليه وسلم: "وأتجاوَزُ عن المُعسِرِ"؛ أي: أعفو عن الفقيرِ، وأُبرِئُ ذِمَّتَه عن الدَّينِ كُلِّه أو بعضِه؛ (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري:5/ 1908).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |