|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
سوانح تدبرية من سورة يوسف أيمن الشعبان |3| {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} أيمن الشعبان الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29]. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا. الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ. فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. قال تعالى: {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2)}} يخبرُ ربُّنا سُبحانَه أنَّه أنزلَ هذا القُرآنَ بلُغةِ العَرَبِ؛ لعلَّهم يَعقِلونَ معانيَه ويفهَمونَها، ويَعمَلونَ بهَديِه. (التفسير المحرر). فوائد ووقفات وهدايات وتأملات: 1- { {إِنَّا}} : فِيهِ مِنْ أُسْلُوبِ العَرَبِ إيرادُ خِطابِ الجَمْعِ لِلواحِدِ، وَذَلِكَ مِنْ بَابِ تَعْظِيمِ المُتَكَلِّمِ؛ وَاللهُ تَعَالَى أَعْظَمُ العُظَماءِ، وَهُوَ الوَاحِدُ الأَحَدُ الفَرْدُ الصَّمَدُ. 2- {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}} : فِيهِ إثْبَاتُ عُلُوِّ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَاسْتِوَائِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاءِ؛ فَالإِنْزَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ. 3- فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ كَلامِ البَشَرِ. 4- {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}} : فِيهِ إِشْعارٌ بِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ المُوحِي عَلَى المُوحَى إِلَيْهِ، وَبِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ ذٰلِكَ الأَمْرِ المُوحَى. 5- {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}} : فَعَظَمَةُ المُنَزِّلِ تُشيرُ إِلَى عَظَمَةِ المُنَزَّلِ ـ وَهُوَ القُرْآنُ ـ وَإِلَى عَظَمَةِ الأُمَّةِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا هٰذَا الكِتابُ. 6- {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}} : أَنْزَلَ اللهُ أَشْرَفَ الكُتُبِ بِأَشْرَفِ اللُّغَاتِ، عَلَى أَشْرَفِ الرُّسُلِ، بِسِفَارَةِ أَشْرَفِ المَلَائِكَةِ، فِي أَشْرَفِ البِقَاعِ، وَفِي أَشْرَفِ الشُّهُورِ ـ رَمَضَانَ ـ فَتَمَّ لَهُ الشَّرَفُ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ. 7- تَدُلُّ الآيَةُ عَلَى أَنَّ اللِّسَانَ العَرَبِيَّ أَوْسَعُ الأَلْسِنَةِ وَأَفْصَحُهَا وَأَقْوَمُهَا؛ فَالكَلَامُ ـ وَإِنْ وُجِّهَ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ ـ فَهُوَ عَامٌّ فِيمَنْ سِوَاهُمْ. 8- فِي الآيَةِ إِشارَةٌ إِلَى وُجُوبِ تَعَلُّمِ مَعانِي الكِتابِ العَزِيزِ؛ فَقَدْ أَنْزَلَهُ اللهُ عَرَبِيًّا لِنَعْقِلَهُ، وَلا يَتِمُّ العَقْلُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَعانِيهِ. 9- في قوله تعالى: {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} ردٌّ على مَن زَعمَ أنَّ في القُرآنِ ما لا يَفْقَهُ ولا يَفْهَمُ معناه لا الرَّسولُ ولا المُؤمِنونَ؛ فإنَّ هذا مِن المنَكرِ الذي أنكَرَه العُلَماءُ. 10- من إنعامِ الله تعالى على عباده أن نزَّلَ القرآن الكريمَ بلسانٍ عربي مبين؛ لأن اللسانَ العربيَّ أكملُ الألسنة، وأحسنُها بيانا للمعاني. 11- فِيهِ عَظِيمُ حِكْمَةِ اللهِ فِي إِرْسَالِ الرُّسُلِ بِأَلْسِنَةِ أَقْوَامِهِمْ، فَكُلُّ كِتَابٍ سَمَاوِيٍّ أَنْزَلَهُ اللهُ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيَعْقِلُوهُ وَيَفْهَمُوهُ، لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، قال تعالى: {{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ}} . 12- فِيهِ بَيَانٌ أَهَمِّيَّةَ تَعَلُّمِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحٌ وَآلَةٌ لِفَهْمِ القُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ وَالعَمَلِ بِهِ، فَلَا يُمْكِنُ فَهْمُ القُرْآنِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ. 13- مِن تَمامِ الحِكْمَةِ والبيانِ أنَّ القُرآنَ أُنزِلَ بِلُغَةِ العَرَبِ؛ فليسَ مِنَ الحِكْمَةِ مُخاطَبَةُ النَّاسِ بما لا يَفْهَمونَهُ، ولا بِاللُّغَةِ التي لا يُحْسِنونَها. 14- كُلَّما زادَ حَظُّكَ مِنَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، زادَ تَدَبُّرُكَ وتَعَقُّلُكَ لِلقُرآنِ. 15- سُمِّيَ هذا الكِتابُ قُرآنًا من بَيْنِ سائرِ الكُتُبِ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِثَمَرَةِ كُتُبِهِ وثَمَرَةِ جَميعِ العُلُومِ. فالمعنى اللُّغَوِيُّ لِلقُرآنِ: الكِتابُ المَجْمُوعُ لِيُقْرَأ، وسُمِّيَ قُرآنًا لِكَثْرَةِ قِراءتِهِ. 16- قال الشافعي: ولسانُ العربِ أوسعُ الألسنةِ مذهباً، وأكثرُها ألفاظاً، ولا نَعلمُه يُحيطُ بجميعِ عِلمِه إنسانٌ غيرُ نبي. 17- فِيهِ عَظيمُ رَحْمَةِ اللهِ ولُطْفِهِ؛ إِذْ جَعَلَ القُرآنَ مَفْهومًا واضِحًا غَيْرَ غامِضٍ. 18- لُغَةُ العَرَبِ أَشْرَفُ اللُّغاتِ، ولِذٰلِكَ نَزَلَ بِها أَشْرَفُ الكَلامِ. 19- العَرَبُ مادّةُ الإسلامِ؛ أي إنَّ لُغَتَهم هي الوعاءُ الذي نزل به الوحي، وبها يُفْهَمُ القرآنُ وتُدْرَكُ معاني الدِّين. 20- القُرآنُ الكَريمُ لِسانٌ عَرَبِيٌّ، ورِسالَةٌ عالَميَّةٌ في آنٍ واحدٍ؛ فَقَدْ قالَ سُبحانَهُ عَنِ القُرآنِ: {{قُرآنًا عَرَبِيًّا}} ، وقالَ تَعالى عَنِ الرَّسولِ ﷺ الَّذي أُنزِلَ عَلَيْهِ القُرآنُ: {{وَما أَرْسَلْناكَ إِلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}} . 21- يَجِبُ أن نُحافِظَ على اللِّسانِ العَرَبِيِّ، ونَصُونَهُ مِنْ كُلِّ شائِبَةٍ، ونُحْيِيهِ في جَميعِ المَجالاتِ؛ فَلَهُ حَقٌّ عَظيمٌ عَلَيْنا. 22- الحِكْمَةُ من إنزالِ القُرآنِ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبينٍ أن يُدركَهُ العربُ المخاطبون به، ويَعقِلوا أسرارَهُ ومعانيه، ويُؤْمِنوا بِهِ ويُصدِّقوه، فيَسيروا بهِ هُداةً ونورًا للخلقِ أجمعين. 23- اللُّسَانُ العَرَبِيُّ ليسَ مُجَرَّدَ لُغةٍ فَحَسْبٌ، إنَّما هُوَ دِينٌ وَحَضارَةٌ وَهُويَّةٌ وَوُجودٌ وَاسْتِمرار. 24- اللُّسَانُ العَرَبِيُّ هُوَ الرَّابِطُ بَيْنَ العَرَبِ وَبَيْنَ المُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ العَرَبِ. 25- إِنَّ هَذَا اللُّسَانَ العَرَبِيَّ صُورَةٌ صَادِقَةٌ لِنِظَامِ الحَيَاةِ فِي الإِسْلَامِ، لِذَلِكَ اخْتَارَهُ اللهُ لِكَلَامِهِ. 26- القرآنُ ـ كلامُ اللهِ المقروءُ ـ كتابٌ يَسْتَحِقُّ إقبالًا دائمًا؛ لا يُمَلُّ تِرْدادُه، ولا يَخْلَقُ على كَثْرةِ القِراءة، بلْ كُلَّما أُعيدَ ازدادَ بَهاءً ونُورًا. 27- حاوَلَ أعداءُ الإسلامِ ـ ولا يزالونَ ـ أن يُحِلُّوا اللهجاتِ العاميّةَ في الأقطارِ العربيّةِ مَحلَّ اللِّسانِ العربيِّ الفصيحِ، وواجِبُنا مُواجهةُ ذلكَ بحَزمٍ وقُوّة. 28- فيها إِشارةٌ إلى أنَّ هذا الكتابَ سَيَكْتَمِلُ تنزيلُه ـ إذْ لَمْ يَكُنْ قد اكتملَ وقتَ نُزولِها في مكّةَ ـ وأنَّه محفوظٌ من التَّحريف، وسيحظى باهتمامِ الناسِ وإقبالِهم. 29- هذا القُرآنُ الَّذي أَعجَزَ العَرَبَ بفَصاحَتِه وبَيانِه، إنَّما هو نِعْمَةٌ عَظيمةٌ أَنزَلَها اللهُ بِلِسانِهم؛ لِيَعقِلوا مَعانيه ويَفهَموا هُداه. 30- القُرآنُ مَعينٌ لا يَنْضَبُ؛ فَمَعانيه لا تَنْتَهي ولا تُحصى، وقد قِيلَ في قوله تعالى: { {ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ}} أي إنَّ مَعانيَ القُرآنِ لا تَفْنَى ولا تَنقَطِع. 31- مِن أَعظَمِ النِّعَمِ أن تكونَ عَرَبِيًّا تُجِيدُ لُغةَ القُرآنِ؛ فشَرَفُ العَرَبِيّةِ إنَّما هو بِكونِها لِسانَ كتابِ الله. 32- الفَخْرُ والاعْتِزازُ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ واجِبٌ، وتَعَلُّمُها والتَّحَدُّثُ بِها أَوْلى مِن الارْتِكانِ إلى غَيْرِها. 33- اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ هُوِيَّةُ المُسْلِمِ، وبِها يَكْتَسِبُ عِزَّتَه ورِفْعَتَه، لا كَمَنْ يَسْتَنكِفُ عَنْها وَيَفْتَخِرُ بإتْقانِ سِواها. 34- هذِهِ لُغَةُ القُرآنِ؛ فإيّاكَ أنْ تَتَنازَلَ عَنْها أو تُفَرِّطَ فيها. 35- كَما أنَّ مَنْ يَمْنَعُ الدَّواءَ جَريمَتُه كَمَنْ يُعْطيهِ ولا يُبيِّنُ طَريقَتَه، فَكَذلكَ القُرآنُ لا بُدَّ لِفَهْمِه مِن تَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ. 36- اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مِن دَعائِمِ المُجْتَمَعِ، وبِهَا تَقُومُ رَوابِطُه ومَعالِمُ هُوِيَّتِه. 37- اللُّغَةُ مِن أَعْظَمِ شَعائِرِ الأُمَمِ الَّتي يَتَمَيَّزُونَ بِها؛ فاعتَزّوا بِلُغَتِكُم وتَحَدَّثوا بِها، فَجَميعُ شُعوبِ الأرضِ يَفْتَخِرونَ بِلُغاتِهِم ولا يَسْتَحْيونَ مِنها. 38- الاعتناءُ بالعربيّةِ من أَجَلِّ القُرُبات، والاهتمامُ بها في طليعةِ الأوْلويّات لِصِلَتِها بكتابِ اللهِ وسُنّةِ رسولِه ﷺ. 39- قال شيخُ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم (1/527): فَإِنَّ نَفْسَ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ مِنَ الدِّينِ، ومَعْرِفَتُها فَرْضٌ واجِبٌ، فَإِنَّ فَهْمَ الكِتابِ وَالسُّنَّةِ فَرْضٌ، ولا يُفْهَمُ إِلَّا بِفَهْمِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، وما لا يَتِمُّ الواجبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ واجِبٌ. 40- قال تعالى: {{إِنَّا أَنْزَلْناهُ}} ، ولم يقل: "خَلَقْناهُ"، وذلك رَدٌّ على المعتزلةِ القائلينَ بِخَلْقِ القرآنِ. 41- مِن بَلاغَةِ البَلِيغِ مُراعاةُ مُقتَضى الحالِ في الخِطابِ؛ فخُوطِبَ العربُ بما يَفهَمونَ لُغَتَهم، فلا يُخاطَبُ الجاهِلُ كالعالِمِ، ولا العالِمُ كالجاهِلِ، ولا البَدْوِيُّ بمَفاهيمِ الحَضَرِيِّ، ولا الحَضَرِيُّ بمَفاهيمِ البَدْوِيِّ. 42- الحِكْمَةُ مِن إنزالِ القُرآنِ لا تَتِمُّ إلا بِتَعَقُّلِ مَعانِيهِ وتَدَبُّرِ آياتِهِ، فالتدبّرُ طريقُ فهمِ هُدى الله. 43- فِيهِ عَظِيمُ الأَثَرِ عَلَى مَنْ عَقَلَ المَرَادَ مِنَ الآيَاتِ. قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "كُلَّمَا قَرَأْتُ مَثَلًا فِي القُرْآنِ وَلَمْ أَعْقِلْهُ بَكَيْتُ عَلَى نَفْسِي"، لأنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {{وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ}} . 44- فِيهِ مَدْحُ أَهْلِ العِلْمِ وَالعَقْلِ ذِي البَصِيرَةِ، إِذْ سَمَّى اللهُ القُرْآنَ بَصَائِرَ، قَالَ تَعَالَى: {{قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ}} . 45- {{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ القُرْآنِ الكَرِيمِ: حُصُولُ العَقْلِ وَالتمَيُّزِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ لِمَنْ قَرَأَهُ. 46- فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَكانَةِ العَقْلِ فِي الإِسْلَامِ وَعِنَايَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ بِهِ. 47- {{إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} ، فمع ما في هذه السورةِ من مشاهدَ تُثيرُ العاطفةَ، إلا أنَّ مَردَّها إلى العَقْلِ. 48- تَزدادُ العُقولُ رِجاحًا بمُصاحَبةِ أهلِ العقلِ وسَماعِ الحِكمَةِ، وفِي القُرآنِ يزدادُ العقلُ رِجاحًا بكثرةِ الاقتِرابِ منه ومُصاحبتِه. 49- مِن مَقاصِدِ القُرآنِ إيقاظُ العَقْلِ وتَوجيهُه، فَهُوَ نَهْرٌ للبصائرِ يُنيرُ طريقَ الفَهْمِ والهُدى. 50- {{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} ، فَإِنَّ مِن مَهامِّ القُرآنِ هِدايةَ العَقْلِ إلى التَّفكُّرِ السَّليمِ والطَّرِيقِ المُستقيمِ. 51- حَذْفُ مَفْعولِ {{تَعْقِلُونَ}} يُفيدُ العُمومَ، فَمَن يُقْبِلُ على القُرآنِ يَعْقِلُ أُمورًا كثيرةً في الدِّينِ وَالدُّنيا، مِنَ العِلْمِ وَالإعْجازِ وَغَيْرِهِ، لا تُحْصَى بِتَخْصِيصٍ واحِدٍ. 52- {{لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}} ، دَليلٌ وثَناءٌ على أنَّ أَفْضَلَ سبيلٍ لِفَهْمِ المرادِ هو لُغةُ العَرَبِ، فَهِي أَقْدَرُ اللُّغاتِ على بَيَانِ المقصودِ. 53- العَقْلُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، بِهِ يُتوَصَّلُ إلى الهِدايةِ وَمَصْلَحَةِ وَسَعَادَةِ الدَّارينِ. 54- قال ابن عاشور في تفسيره (12/202): وَعَبَّرَ عَنِ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ قَدْ بَلَغَتْ فِي الْوُضُوحِ حَدَّ أَنْ يَنْزِلَ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْعِلْمُ مِنْهَا مَنْزِلَةَ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ، وَأَنَّهُمْ مَا دَامُوا مُعْرِضِينَ عَنْهُ فَهُمْ فِي عِدَادِ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ.
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
|
سوانح تدبرية من سورة يوسف أيمن الشعبان |4| {نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن} الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29]. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا. الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ. فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. قال تعالى: {{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)}} يَقُولُ اللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ – أَيُّهَا الرَّسُولُ – أَحْسَنَ الْقَصَصِ لِصِدْقِهَا وَسَلَامَةِ أَلْفَاظِهَا وَبَلَاغَتِهَا، بِإِنْزَالِنَا عَلَيْكَ هٰذَا الْقُرْآنَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ مِنْ قَبْلِ إِنْزَالِهِ مِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ هٰذَا الْقَصَصِ، لَا عِلْمَ لَكَ بِهِ. (المختصر في تفسير القرآن الكريم). فوائد ووقفات وهدايات وتأملات: 1- اِفْتِتَاحُ الآيَةِ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ {{نَحْنُ}} يُبَيِّنُ عَظَمَةَ المُخْبِرِ ـ وَهُوَ اللهُ ـ وَشَرَفَ المُخْبَرِ بِهِ ـ وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ ـ وَجَلالَةَ الخَبَرِ ـ وَهُوَ القِصَّةُ ـ وَمَنْ يَدُورُ عَلَيْهِ الخَبَرُ ـ وَهُوَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. 2- فِي افْتِتَاحِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ}} تَكْرِيمٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ إِذْ تَلَقَّى هٰذَا الحَدِيثَ مُبَاشَرَةً مِنْ رَبِّهِ بِلا وَاسِطَةٍ، خِلَافًا لِمَا لَوْ قِيلَ: "اللهُ يَقُصُّ عَلَيْكَ"، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِوَاسِطَةٍ فِي التَّبْلِيغِ، وَبَيْنَ العِبَارَتَيْنِ بَوْنٌ بَعِيدٌ. 3- تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلَى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ يُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ، أَيْ: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ، لَا غَيْرُنَا. 4- {{نَحْنُ نَقُصُّ} } فِيهِ إِثْبَاتُ الأَفْعَالِ الاِخْتِيَارِيَّةِ للهِ جَلَّ وَعَلا، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُه. 5- فَائِدَةُ الفِعْلِ المُضَارِعِ {{نَقُصُّ}} : إِشَارَةٌ إِلَى التَّجَدُّدِ وَالِاسْتِمْرَارِ، وَأَنَّ القَصَصَ مُتَتَالِيَةٌ. 6- أَحْسَنُ القَصَصِ: أَصْدَقُهَا حَدِيثًا، وَأَشْرَفُهَا غَايَةً، وَأَكْرَمُهَا مَقْصِدًا، وَأَقْوَمُهَا طَرِيقًا. 7- قَصَصُ القُرْآنِ أَحْسَنُ القَصَصِ؛ فَهِيَ القَصَصُ الحَقُّ، سِيقَتْ لِلْعِبْرَةِ وَالِاتِّعاظِ، لِتُؤَدِّيَ إِلَى صَلَاحِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ. 8- لَمَّا كَانَ القُرْآنُ أَكْمَلَ الكُتُبِ؛ تَضَمَّنَ أَحْسَنَ الكَلَامِ، وَأَبْلَغَ البَيَانِ، وَأَرْوَعَ القِصَصِ، وَأَحْكَمَ الأَحْكَامِ. 9- لَنْ يَجِدَ الإِنْسَانُ مَنْهَجًا وَلَا كِتَابًا يُبَيِّنُ الحَقَائِقَ، وَيَمْنَحُهُ أَحْسَنَ الهَدْيِ وَالأَحْكَامِ وَالأَخْلَاقِ، أَعْظَمَ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. 10- سُمِّيَت سُورَةُ يُوسُفَ أَحْسَنَ القَصَصِ؛ لِحُسْنِ عَوَاقِبِ أَهْلِهَا، وامتِدَادِ أَحْدَاثِهَا، وَكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ العِبَرِ، وَلِصَبْرِ يُوسُفَ وَعَفْوِهِ، وَلِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ تَقَلُّبَاتٍ بَيْنَ مِحْنَةٍ وَمِنْحَةٍ، وَذُلٍّ وَعِزٍّ، وَسِجْنٍ وَمُلْكٍ. كَذَلِكَ لِمَا ضَمَّتْهُ مِنْ صُوَرِ الحَيَاةِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ، وَمَوَاضِعِ الحِكْمَةِ وَالعِبْرَةِ، حَتَّى صَارَتْ أَعْظَمَ قِصَّةٍ يَنْتَفِعُ بِهَا أُولُو الأَلْبَابِ. 11- تَكْرِيمُ اللهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَتَشْرِيفُهُ بِالرِّسَالَةِ وَالإِيحَاءِ إِلَيْهِ: {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك}. 12- القَصَصُ القُرْآنِيُّ فَائِقُ الحُسْنِ عَلَى كُلِّ قَصَصٍ سِوَاهُ، وَلَوْ كَانَ فِي الكُتُبِ السَّالِفَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَى رُسُلِهِ. 13- القَصَصُ القُرْآنِيُّ مُعْجِزٌ فِي كُلِّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ: {{نَحْنُ نَقُصُّ}} . 14- القِصَصُ تَضُمُّ الحَسَنَ وَالسيِّئَ؛ فَهِيَ تَعْرِضُ الْمُثُلَ الأَخْلَاقِيَّةَ وَالأَخْطَاءَ لِتَكُونَ عِبْرَةً وَهُدًى لِلمُتَعَلِّمِينَ. 15- فِيهَا حَثٌّ عَلَى الاهْتِمَامِ بِالقَصَصِ القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ وَالتَّارِيخِيَّةِ، وَدِرَاسَتِهَا وَتَعَلُّمِ مَا فِيهَا مِنْ عِبَرٍ وَفَوَائِدَ. 16- التَّحْذِيرُ مِنَ القِصَصِ وَالرِّوَايَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ الْخَيَالِيَّةِ الَّتِي تُفْسِدُ عُقُولَ الشَّبَابِ المُسْلِمِ وَتُدَمِّرُهَا. 17- القَصَصُ القُرْآنِيَّةُ مِنْ أَهَمِّ أَسَالِيبِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى. 18- البَوْنُ الشَّاسِعُ مِنْ جَمِيعِ النَّوَاحِي بَيْنَ مَا يَقُصُّهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وَمَا يَقُصُّهُ البَشَرُ. 19- إثباتُ نبوّةِ محمدٍ ﷺ وتقريرُها بأقوى برهانٍ عقليٍّ وأعظمِ دليلٍ نقليٍّ؛ فهذه القصّةُ من دلائلِ نبوّةِ المصطفى ورسالته عليهِ الصلاةُ والسلام؛ إذ قال تعالى: {{وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ}} ، وقال في ختامها: {{وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}} ، فمن الذي أخبره بتفاصيلِ ما غاب عنه؟ لا ريبَ أنّه رسولُ الله حقًّا. 20- عَيَّنَ اللهُ تعالى المَرَادَ بِاسْمِ الإِشَارَةِ وَاسْمِ العِلْمِ، فَقَالَ: {{هٰذَا القُرْآنُ}} ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ إنْزَالَهُ هُوَ مَجْمَعُ الخَيْرَاتِ. 21- { {بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هٰذَا القُرْآنُ}} دَلَّ عَلَى أَنَّ القُرْآنَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَأَنَّهُ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً. 22- فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَخْبَارَ الْمُغَيَّبَاتِ تُؤْخَذُ مِنَ الوَحْيِ، لا مِنْ عِلْمٍ بَشَرِيٍّ. 23- فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَلاَلِ وَكَذِبِ أُولَئِكَ الزَّاعِمِينَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ الْمُغَيَّبَاتِ، مِنْ سَحَرَةٍ وَكَهَنَةٍ وَعَرَّافِينَ وَقُرَّاءِ الكُفِّ وَالفَنَاجِيلِ. 24- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ}} رَدٌّ عَلَى سُفَهَاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ زَعَمُوا: {إِنْ هٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}، كَمَا قال اللهُ عَنْهُمْ: {{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُـمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}} . 25- الإنْسَانُ بِغَيْرِ القُرْآنِ مِنَ الغَافِلِينَ؛ فَأَنْتَ دُونَهُ قَدْ تَغْفَلُ عَنْ قَضَايَا هَامَّةٍ فِي حَيَاتِكَ. 26- فَائِدَةُ جَعْلِه {{مِنَ الغَافِلِينَ}} دُونَ أَنْ يُوَصَفَ ﷺ بِالغَفْلَةِ حَصْرًا، للإشَارَةِ إِلَى تَفْضِيلِهِ بِالْقُرْآنِ عَلَى مَنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ، فَشَمِلَ هَذَا الفَضْلَ أَصْحَابَهُ وَالمُسْلِمِينَ عَلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ فِي العِلْمِ. 27- الرُّؤَى المُبَشِّرَةُ مِنْ أَحْسَنِ القِصَصِ، لِذَلِكَ قِيلَ بَعْدَهَا: {{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ…}} . 28- {{وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ}}؛ فَالغَفْلَةُ الْمَذْمُومَةُ هِيَ أَنْ يَبْلُغَ الإِنْسَانُ شَيْئًا وَيَعْلَمَهُ ثُمَّ يَغْفَلُ عَنْهُ، وَفِيهِ لا يُعْذَرُ الإِنْسَانُ. أَمَّا مَنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ، فَهُوَ مَعْذُورٌ، لِأَنَّهُ لا عِلْمَ لَهُ بِمَا لَمْ يَعلَم أو تُعُلِّم. 29- {{وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِينَ}} ؛ فَكُلُّ مَا وَصَلْتَ إِلَيْهِ مِنَ العِلْمِ وَالحِفْظِ وَالمَكانَةِ وَالفَضْلِ، فَهِيَ مَوَاهِبُ مِنَ اللهِ وَحْدَهُ، لَيْسَتْ مِنْكَ وَلا بِجُهْدِكَ وَلا بِكَدِّكَ. 30- الإِنْسَانُ لا يَعْلَمُ إِلَّا أَنْ يُعَلَّمَ، وَاللهُ يُعَلِّمُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُونَهُ، قَالَ تَعَالَى: {{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}} . 31- العَقْلُ يَظَلُّ فِي غَفْلَةٍ – مَهْمَا كَانَ ذَكِيًّا – حَتَّى يَتَلَقَّى عِلْمًا يَنْقُلُهُ إِلَى دَائِرَةِ الوَعْيِ. 32- يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ القَصَصَ مِنْ جُمْلَةِ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ، وَهِيَ مِنْ أَسَالِيبِ التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ.
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
|
سوانح تدبرية من سورة يوسف أيمن الشعبان |5| {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا..} |5| {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} أيمن الشعبان الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29]. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا. الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ. فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. قال تعالى: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)} نخبرك -أيها الرسول- حين قال يوسف لأبيه يعقوب: يا أبت، إني رأيت في المنام أحد عشر كوكبًا، ورأيت الشمس والقمر، رأيت كل أولئك لي ساجدين، فكانت هذه الرؤيا عاجل بشرى ليوسف عليه السلام.. (المختصر في تفسير القرآن الكريم). فوائد ووقفات وهدايات وتأملات: 1- مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ تَبْدَأُ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَسْتَمِرُّ أَحْدَاثُهَا إِلَى الْآيَةِ (101)، وَإِذَا تَأَمَّلْنَا بِدَايَةَ الْقِصَّةِ، وَجَدْنَا أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى ذَكَرَتِ الشَّخْصِيَّةَ الْمِحْوَرِيَّةَ فِي الْقِصَّةِ، وَأَشَارَتْ إِلَى أَهَمِّ الشَّخْصِيَّاتِ الْأُخْرَى، كَمَا لَمَّحَتْ مِنْذُ الْبِدَايَةِ إِلَى عَاقِبَةِ الْقِصَّةِ وَمَآلِهَا. 2- جَاءَ ذِكْرُ هَذِهِ الرُّؤْيَا فِي صَدْرِ الْقِصَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُقَدِّمَةِ وَالتَّمْهِيدِ لِمَقْصُودِهَا، وَهِيَ رُؤْيَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا بَشَائِرَ الْعِزِّ وَالرِّفْعَةِ وَالتَّمْكِينِ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. 3- الإِتْيَانُ بِظَرْفِ الزَّمَانِ "إِذْ" يَحْمِلُ دَلَالَةً عَلَى اسْتِحْضَارِ الْحَدَثِ وَتَصْوِيرِهِ فِي الذِّهْنِ، لِغَرَضِ الِاتِّعَاظِ وَالِاعْتِبَارِ، وَتَعْلِيقِ الْقَلْبِ بِمَوْضِعِ الْعِبْرَةِ وَالْفَائِدَةِ، كَأَنَّ الْمُتَلَقِّيَ يُشَاهِدُ الْوَاقِعَةَ وَهِيَ تَقَعُ. 4- فِي ذِكْرِ الرُّؤْيَا فِي صَدْرِ الْقِصَّةِ تَقْرِيرٌ لِفَضْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِشَارَةٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ طَهَارَةِ النَّفْسِ، وَزَكَاتِهَا، وَكَمَالِ الصَّبْرِ عَلَى مَا سَيَلْقَاهُ فِي مَرَاحِلِ الْابْتِلَاءِ. 5- ابْتِدَاءُ الْقِصَّةِ بِذِكْرِ رُؤْيَاهُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ هَيَّأَ نَفْسَ يُوسُفَ لِلنُّبُوَّةِ، فَبَدَأَهُ بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ. 6- جَعَلَ اللَّهُ تِلْكَ الرُّؤْيَا تَنْبِيهًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ، لِتَكُونَ طُمَأْنِينَةً لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، فَالإِرْهَاصَاتُ تَدُلُّ عَلَى مَا بَعْدَهَا، وَمَنْ اخْتَارَهُ اللَّهُ هَيَّأَ لَهُ السَّبِيلَ. 7- فِي الْآيَةِ بَيَانٌ لِشَفَقَةِ الْأَبِ عَلَى أَبْنَائِهِ، وَحِرْصِهِ عَلَى دَفْعِ مَا قَدْ يَسُوءُهُمْ أَوْ يُؤْذِيهِمْ، نُصْحًا وَرَحْمَةً بِهِمْ. 8- لَا تَجْعَلْ أَسْرَارَكَ الْكَبِيرَةَ وَالْمُهِمَّةَ إِلَّا عِنْدَ مَنْ تَثِقُ بِهِ، وَتَعْلَمُ صِدْقَ مَحَبَّتِهِ وَإِخْلَاصَ نُصْحِهِ. 9- احْرِصْ عَلَى إِخْبَارِ وَالِدَيْكَ بِمَا يَسُرُّكَ مِنْ أَحْوَالٍ وَأَخْبَارٍ، فإنَّ ذلكَ يَجلُبُ لهما السَّعَادَة.. 10- يَنْبَغِي أَنْ تُبْنَى الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ عَلَى الثِّقَةِ وَالْأَمَانِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَلِذَلِكَ قَصَّ يُوسُفُ رُؤْيَاهُ عَلَى أَبِيهِ دُونَ إِخْوَتِهِ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ قُرْبٍ وَأُلْفَةٍ. 11- نَتَعَلَّمُ مِنْ مَدْرَسَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الْأَمَانِي وَالطُّمُوحَاتِ تَبْدَأُ بِحُلْمٍ، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ إِلَى حَقِيقَةٍ بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَالصَّبْرِ. 12- اخْتِيَارُ اللَّهِ سَابِقٌ لِلْأَحْدَاثِ؛ فَالتَّمْكِينُ قَدْ يُبَشَّرُ بِهِ قَبْلَ الِابْتِلَاءِ، لِيَكُونَ زَادًا لِلصَّبْرِ. 13- مَلْجَأُ الْأَوْلَادِ بَعْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هُوَ الْوَالِدَانِ، لِمَا يُهِمُّهُمْ فِي الْمَنَامِ أَوِ الْيَقَظَةِ. 14- مِنْ سُنَنِ اللهِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَصْدَقَ إِيمَانًا وَأَتَمَّ تَوْحِيدًا وَأَحْفَظَ لِحُدُودِ اللهِ، كَانَتْ رُؤْيَاهُ – فِي الْغَالِبِ – أَصْدَقَ وَأَقْرَبَ إِلَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُبَشِّرَاتِ. 15- قَوْلُهُ لِأَبِيهِ هُنَا: {{يَا أَبَت}} ، فَقَدْ جِئَ بِيَاءِ النِّدَاءِ مَعَ أَنَّ أَبَاهُ قَرِيبٌ يَسْمَعُهُ حَاضِرٌ مَعَهُ، وَهَذَا يُظْهِرُ اهْتِمَامَهُ بِالْخَبَرِ، وَيَرْفَعُ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ وَيُعَلِّي شَأْنَهُ، فَنَزَّلَ الْمُخَاطَبَ الْقَرِيبَ مَنْزِلَةَ الْبَعِيدِ الْغَائِبِ. 16- يَنْبَغِي أَلَّا يَتَرَفَّعَ الابْنُ عَلَى أَبِيهِ بِأَيِّ حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {{يَا أَبَت}} وَهُوَ صَبِيٌّ، وَقَالَهَا أَيْضًا عِنْدَمَا أَصْبَحَ سُلْطَانًا: {يَا أَبَتُ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ}. 17- أَهَمِّيَّةُ الْحِوَارِ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ، خُصُوصًا فِي اللَّحَظَاتِ الْمَفْصِلِيَّةِ. 18- {{يَا أَبَت}} ، فَالْأَنْبِيَاءُ أَبْرُّ النَّاسِ بِوَالِدَيْهِمْ، وَمِنْ تَمَامِ الْبِرِّ التَّلَطُّفُ فِي الْخِطَابِ. فَكُلُّ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ وَأَحْسَنَ التَّعَامُلَ وَالْخِطَابَ مَعَهُمَا، اقْتَرَبَ مِنْ خِصَالِ الْقُدْوَاتِ وَالْكِبَارِ. 19- وُجُوبُ الْأَدَبِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ وَالتَّلَطُّفِ لَهُمَا فِي الْكَلَامِ؛ فَقَوْلُهُ: {يَا أَبَت} يَحْمِلُ إِظْهَارَ الطَّوَاعِيَةِ وَالْبِرِّ. 20- رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، وَكَانَ تَعْبِيرُهَا مِنْ مُعْجِزَاتِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. 21- فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى ثُبُوتِ الرُّؤْيَا شَرْعًا، وَمَشْرُوعِيَّةِ تَعْبِيرِهَا، وَأَنَّهَا مِمَّا يُعْتَدُّ بِهِ إِذَا كَانَتْ صَادِقَةً. 22- إِنَّ تَحَقُّقَ الرُّؤْيَا قَدْ يَتَأَخَّرُ أَيَّامًا، وَلَعَلَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى سَنَوَاتٍ، كَمَا فِي رُؤْيَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. 23- إِذَا خَصَّكَ ابْنُكَ بِأَسْرَارِهِ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْكَ، وَأَنَّ أَمْرَهُ إلى خَيْرِ. 24- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنِّي رَأَيْتُ}} جَاءَ مُؤَكَّدًا بِـ "إِنَّ"، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ تَكْرَارِ الْجُمْلَةِ مَرَّتَيْنِ؛ لِلِاهْتِمَامِ بِمَضْمُونِ الْخَبَرِ وَالرُّؤْيَا، وَتَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ يُوسُفَ الْغُلَامِ الصَّغِيرِ مِنْ صِحَّةِ رُؤْيَاهُ وَدِقَّتِهَا. 25- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنِّي رَأَيْتُ} } يَدُلُّ عَلَى فِطْنَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَلَى عِنَايَتِهِ وَاهْتِمَامِهِ بِشَأْنِ تِلْكَ الرُّؤْيَا. 26- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنِّي رَأَيْتُ}} يَدُلُّ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الرُّؤَى وَمَا لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ. 27- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنِّي رَأَيْتُ}} يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَصِّهِ لِلرُّؤْيَا، مِنْ غَيْرِ تَزَيُّدٍ وَلَا مُبَالَغَةٍ. 28- اسْتَشِرْ مَنْ تَتَوَسَّمُ فِيهِ مَحَبَّةَ الْخَيْرِ لَكَ، وَصِدْقَ النُّصْحِ وَالْمَشُورَةِ، وَلَا تَتَفَرَّدْ بِالِاجْتِهَادِ فِي حَلِّ مَا اسْتَعْصَى عَلَيْكَ؛ فَمَا غُمَّ عَلَيْكَ قَدْ يَنْجَلِي عِنْدَ غَيْرِكَ. 29- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنِّي رَأَيْتُ}} يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْمَشُورَةِ، وَعَرْضِ مَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَى أَهْلِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ. 30- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{أَحَدَ عَشَرَ}} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ، وَتَمْيِيزَ النَّوْعِ بِقَوْلِهِ: {{كَوْكَبًا}} ، وَبَيَانَ الْحَجْمِ بِقَوْلِهِ: {{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ}} فِي الرُّؤْيَا، مِمَّا يُعِينُ عَلَى تَفْسِيرِهَا وَفَهْمِهَا. 31- أَخَّرَ ذِكْرَ "الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ" وَعَطَفَهُمَا عَلَى الْكَوَاكِبِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ؛ تَنْبِيهًا عَلَى أَهَمِّيَّتِهِمَا وَفَضْلِهِمَا. 32- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ التَّفْصِيلِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَسْأَلَةِ. 33- مِنْ مَعَانِي الرُّؤْيَا الطُّمُوحُ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ؛ اطْمَحْ وَكُنْ صَاحِبَ هَمٍّ، وَلَكِنِ ابْذُلِ الْأَسْبَابَ الْمُمْكِنَةَ. 34- وُجُودُ الْأَبَوَيْنِ وَالْإِخْوَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَنِعْمَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ؛ فَإِخْوَتُكَ هُمُ الْكَوَاكِبُ فَاعْرِفْ قَدْرَهُمْ وَفَضْلَهُمْ وَمَنَزِلَتَهُمْ، وَأَبَوَاكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، لَا غِنَى عَنْهُمَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ. 35- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ}} يُظْهِرُ أَنَّ بِرَّ الْأُمِّ مُقَدَّمٌ عَلَى بِرِّ الْأَبِ، وَذَلِكَ لِمَكَانَتِهَا الْمُرْتَفِعَةِ. 36- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ}} يُظْهِرُ أَنَّ حَاجَةَ الصَّغِيرِ إِلَى أُمِّهِ أَشَدُّ مِنْ حَاجَتِهِ إِلَى أَبِيهِ، فَكَالشَّمْسِ تَمُدُّ الْخَلْقَ بِالْحَرَارَةِ وَالإِشْرَاقِ، تَمُدُّ الْأُمُّ وَلَدَهَا بِالدِّفْءِ وَالْحَنَانِ. 37- قَالَ ابْنُ الْقَيْمِ فِي بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: لَمَّا تَمَكَّنَ الْحَسَدُ مِنْ قُلُوبِ إِخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أُرِيَ الْمَظْلُومُ مَآلَ الظَّالِمِ فِي مِرْآةِ: {{إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا}} . 38- الْعِبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ؛ فَرُؤْيَا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِخْوَتَهُ كَكَوَاكِبَ تَدُلُّ عَلَى حُسْنِ خَاتِمَتِهِمْ، وَأَنَّ أَمْرَهُمْ سَيَؤُولُ إِلَى خَيْرٍ. 39- إِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَالِدُ مَلْجَأً آمِنًا لِلصَّغِيرِ عِنْدَ الْفَزَعِ، فَسَيَلْتَجِئُ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ لَا يُوَفَّقُ. 40- فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَلَّا يُهْمَلَ الصِّغَارُ وَلَا تُهْمَلَ رُؤَاهُمْ، فَقَدْ يَحْمِلُ ذَلِكَ نَفْعًا لِلْأُمَّةِ وَخَيْرًا عَامًّا، وَقَدْ يَرَى الصَّغِيرُ رُؤْيَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا أُمُورًا عَظِيمَةً، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَفَّهَ أَوْ يُزَجَرَ. 41- قَالَ: {إِنِّي رَأَيْتُ} وَقَالَ: {{وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ}} ؛ فَتَكْرَارُ الرُّؤْيَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا وَتَيَقُّنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهَا، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ أَضْغَاثَ أَحْلَامٍ. 42- قَوْلُهُ تَعَالَى: { {لِي سَاجِدِينَ}} ، فَتَقْدِيمُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ إِنَّمَا لِإِظْهَارِ الْعِنَايَةِ وَالِاهْتِمَامِ، وَالدَّلَالَةِ عَلَى التَّخْصِيصِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: "رَأَيْتُهُمْ سَاجِدِينَ لِي، لَيْسَ لِغَيْرِي". 43- تَأَمَّلُوا قَوْلَهُ: {{رَأَيْتُهُمْ} وَ{سَاجِدِينَ}} ؛ فَقَدْ اسْتُعْمِلَتِ الضَّمَائِرُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَقَلاءِ لِغَيْرِ مَنْ يَعْقِلُ، لِأَنَّهَا أُضِيفَتْ إِلَى أَفْعَالِ الْعَقَلَاءِ، فَعُومِلَتْ مَعَامَلَتَهُمْ وَنُزِّلَتْ مَنَازِلُهُمْ.
__________________
|
|
#14
|
||||
|
||||
|
سوانح تدبرية من سورة يوسف أيمن الشعبان |6| {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29]. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا. الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ. فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. قال تعالى: {{قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)} }. قال يعقوب لابنه يوسف: يا بني، لا تذكر رؤياك لإخوتك، فيفهموها، ويحسدوك، فيدبروا لك مكيدة حسدًا منهم، إن الشيطان للإنسان عدو واضح العداوة. (المختصر في تفسير القرآن الكريم). فوائد ووقفات وهدايات وتأملات: 1- إِنَّ الرِّفْقَ وَاللِّينَ فِي خِطَابِ الأَبْنَاءِ، وَلَا سِيَّمَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ، أَبْلَغُ فِي التَّأْثِيرِ؛ لِأَنَّ التَّصْغِيرَ يُفِيدُ التَّلَطُّفَ وَالتَّحْبِيبَ، وَلِذَا قَالَ: {{يَا بُنَيَّ}} ، وَلَمْ يُقَلْ: "يَا يُوسُفُ". 2- التَّلَطُّفُ فِي الْخِطَابِ مِنْ شِيَمِ الْقُدْوَاتِ وَالْكِبَارِ؛ {{قَالَ يَا بُنَيَّ}} ، فَعِنَايَةُ الْأَنْبِيَاءِ بِأَبْنَائِهِمْ أَتَمُّ عِنَايَةٍ، وَمِنْهَا لِينُ النِّدَاءِ وَحُسْنُ الْمُنَادَاةِ. 3- النِّدَاءُ بِالْبُنُوَّةِ يُلَيِّنُ الْقَلْبَ لِلِامْتِثَالِ، وَيَفْتَحُ السَّمْعَ لِلنَّصِيحَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ صِدْقِ الشَّفَقَةِ. 4- فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَوْجِيهِ الصَّغِيرِ وَوَصِيَّتِهِ، خُصُوصًا عِنْدَ قِيَامِ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ. 5- {{قَالَ يَا بُنَيَّ}} ، تَحَبَّبْ إِلَى طِفْلِكَ صَغِيرًا، عَلَّهَا تُثْمِرُ فِيهِ الْبِرَّ كَبِيرًا. 6- قَوْلُهُ تعالى: {{لَا تَقْصُصْ}} وَلَمْ يَقُلْ: «لَا تَقُصّْ»؛ فِيهِ تَعْلِيمٌ لِوُضُوحِ الْخِطَابِ مَعَ الصَّغِيرِ، وَأَنْ تُقَدَّمَ لَهُ التَّوْجِيهَاتُ بِلُغَةٍ بَيِّنَةٍ لَا لَبْسَ فِيهَا، لِيَفْهَمَهَا كَمَا هِيَ، دُونَ غُمُوضٍ أَوِ التِبَاسٍ. 7- قَوْلُهُ تعالى: {{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ}} وَلَمْ يَقُلْ: «رُؤْيَتَكَ»، فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا رُؤْيَا حَقِيقِيَّةٌ فِي الْمَنَامِ، وَلَيْسَتْ يَقَظَةً. 8- وَصَفَهُمْ بِـ"إِخْوَتِكَ" لِيَحْفَظَ حُبَّهُمْ فِي قَلْبِ صَغِيرِهِ، فَلَا يُبْغِضُهُمْ لِأَجْلِ كَيْدِهِمْ، فَمَهْمَا بَلَغُوا مِنَ الكَيْدِ، فَهُمْ إِخْوَتُهُ. 9- فيها أَنَّ الحَسَدَ يَقَعُ فِي الأُمُورِ المَعْنَوِيَّةِ كَمَا يَقَعُ فِي الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ. 10- فيها أَنَّ الحاسِدَ يَشْتَدُّ كَيْدُهُ وَيَتَضَاعَفُ حَسَدُهُ كُلَّمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى المَحْسُودِ بِنِعْمَةٍ. 11- كَيْدُ الحَاسِدِ، أَوْ حَذَرُ الحَاذِقِ، لَا يُغَيِّرُ القَدَرَ السَّابِقَ. 12- الحَسَدُ قَدْ يَكُونُ قَرِيبًا مِنَّا وَحَوْلَنَا، وَقَدْ أَثْبَتَ القُرْآنُ هَذَا المَعْنَى فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ، مِنْهَا قِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ: فِيهِ حُكْمٌ بِالعَادَةِ أَنَّ الإِخْوَةَ وَالأَقَارِبَ قَدْ يَقَعُ بَيْنَهُمْ الحَسَدُ. 13- قَدْ يَحْصُلُ الحَسَدُ مِنَ الجَمَاعَةِ وَالكَثْرَةِ إِلَى الفَرْدِ. 14- قَدْ يَحْصُلُ الحَسَدُ مِنَ الكَبِيرِ إِلَى الصَّغِيرِ، بَلْ قَدْ يَقَعُ مِمَّنْ هُمْ فِي سِنِّ الشُّيُوخِ عَلَى مَنْ هُمْ فِي سِنِّ الفِتْيَانِ! 15- حَسَدُ القَرِيبِ أَوِ الصَّدِيقِ قَدْ يَفُوقُ عَدَاوَةَ الأَعْدَاءِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {{لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} ؛ فَطَاقَةُ الحَسَدِ تَتَيَقَّظُ عِنْدَ الأَقْرَبِينَ، وَعِنْدَ مَنْ تَرْبِطُكَ بِهِمْ عَلَاقَةٌ وَثِيقَةٌ، أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ. 16- فيها: بَيَانُ أَنَّ عَدَاوَةَ ذَوِي القُرْبَى — خَاصَّةً إِذَا كَانَ سَبَبُهَا الغَيْرَةَ وَالحَسَدَ — أَشَدُّ وَأَقْسَى مِنْ عَدَاوَةِ غَيْرِهِمْ. 17- لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تُعَبَّرَ كُلُّ الرُّؤَى؛ فَأَحْيَانًا يَكْفِي التَّوْجِيهُ. 18- تَعْبِيرُ الرُّؤَى مَوْرُوثٌ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى فِي المَنَامِ أَنَّهُ يَذْبَحُ وَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ، فَكَانَتْ رُؤْيَاهُ حُكْمًا وَوَحْيًا يَجِبُ تَنْفِيذُهُ. 19- فِي الآيَةِ تَأْكِيدٌ عَلَى مَعْرِفَةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِتَأْوِيلِ الرُّؤَى، وَأَنَّهُ عِلْمٌ مَوْهُوبٌ لِلصَّالِحِينَ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ: «إِنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤْيَا عِلْمٌ يَهَبُهُ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ صَالِحِي عِبَادِهِ». 20- العَلاقةُ بَيْنَ الأَبِ وَابْنِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صِلَةِ نَسَبٍ، بَلْ هِيَ عَلاقةُ مُرَبٍّ بِمُتَرَبٍّ، وَمُعَلِّمٍ بِتِلْمِيذٍ؛ فَمَعَ المَحَبَّةِ وَالتَّقْدِيرِ يَعْظُمُ الاِنْتِفَاعُ بِالعِلْمِ وَالتَّرْبِيَةِ. 21- مِنْ كَمَالِ النَّصِيحَةِ تَرْهِيبُ المَنصُوحِ مِنَ النِّقَمِ إِذَا وَقَعَ فِي المَحْذُورِ، وَتَرْغِيبُهُ فِي النِّعَمِ إِذَا اجْتَنَبَ المَحْذُورَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ هَذَا فِي نَصِيحَةِ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ. 22- الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ حَالَةٌ يُكْرِمُ اللهُ بِهَا بَعْضَ أَصْفِيَائِهِ الَّذِينَ زَكَتْ أَنْفُسُهُمْ، فَهِيَ بِحَسَبِ صَلاَحِ النُّفُوسِ. 23- {{قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ}} ؛ أَشَدُّ فِرَاسَةً مُوَاطَأَةً لِلْحَقِّ فِرَاسَةُ الوَالِدَيْنِ مَعَ أَبْنَائِهِمْ. 24- تَوجِيهٌ مُهِمٌّ بِضَرُورَةِ كِتْمَانِ الأَسْرَارِ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الحَوَائِجِ بِالكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ»، وَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «سِرُّكَ أَسِيرُكَ، فَإِن تَكَلَّمْتَ بِهِ صَرْتَ أَسِيرَهُ». 25- أَخَذَ جُمْهُورُ العُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ خِلَافِيَّةِ المَسْأَلَةِ، فَالأَكْثَرُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا أَنْبِيَاءَ. 26- يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى سَعَةِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ بِطَبِيعَةِ النَّاسِ، وَفِرَاسَةِ يَعْقُوبَ وَفِقْهِ لِلْوَاقِعِ، فَأَحَسَّ مِنْ بِنِيهِ حَسَدَهُمْ، وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ المُرَبِّي فِي عِلَاجِ المَشَاكِلِ. 27- لا يَكِيدُ إِلَّا الضَّعِيفُ، لأَنَّ القَوِيَّ يَفْعَلُ بِعَدُوِّهِ مَا يَشَاءُ، وَقَدْ يَتْرُكُهُ قَائِلًا: «فِي أَيِّ وَقْتٍ أَسْتَطِيعُ أَنْ آتِيَ وَأَفْعَلَ بِكَ مَا أَشَاءُ»، فَيَكِيدُ وَيَتَحايَلُ وَيَمْكُرُ بَعْضُ مَنْ يَتَوَهَّمُ قُوَّتَهُ. 28- لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ وَالمَصْلَحَةِ إِظْهَارُ تَفَوُّقِكَ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ، لِأَنَّ فِي النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مُقَاوَمَةً شَرِسَةً لِلْمُتَفَوِّقِينَ. 29- لَا تُظْهِرْ كُلَّ أَسْرَارِكَ، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا بِأُمُورِكَ الخَاصَّةِ حَتَّى لَوْ كَانَ قَرِيبًا، وَلَا تَكُنْ كَتَابًا مَتَاحًا لِكُلِّ أَحَدٍ، فَالنُّفُوسُ ضَعِيفَة. 30- إِذَا مَيَّزَكَ اللهُ بِشَيْءٍ فَلَا تُخْبِرْ بِهِ، فَالعَيْنُ حَقٌّ، وَبَعْضُ النِّعَمِ يَحْتَاجُ إِلَى سِياجٍ مِنَ الكِتْمَانِ خَوْفًا مِنَ الحُسَّادِ، فَقَدْ تُحْسَدُ عَلَى رُؤْيَا فَكَيْفَ بِالوَاقِعِ! 31- لَا تُقَصِّصْ رُؤْيَاكَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَلَا تُنَشِّرْهَا فِي الإِعْلَامِ، حَتَّى تَتَجَنَّبَ مَكْرَ الحُسَّادِ وَتَحْفَظَ سِرِّيَّتَكَ. 32- يُرِيدُ الأَبُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ خَيْرًا مِنْهُ، عَلَى عَكْسِ الإِخْوَةِ، فَفِي الغَالِبِ يَكُونُ الأَبُ جَلَّابًا يَجْلُبُ الخَيْرَ، وَالأَخُ سَلَّابًا. 33- لِكُلِّ نِعْمَةٍ حَاسِدٌ، كَبُرَتْ أَم صَغُرَتْ، وَلَيْسَ لِلْمَحْسُودِ أَسْلَمُ مِنْ إِخْفَاءِ نِعْمَتِهِ عَنْ الحَاسِدِ، فَيُقَالُ: «مَا خَلَا جَسَدٌ مِنْ حِسَدٍ، لَكِنَّ اللَّئِيمَ يُبْدِيهِ وَالكَرِيمَ يُخْفِيهِ». 34- فِيهَا الأَمْرُ بِكِتْمَانِ النِّعْمَةِ حَتَّى تَثْبُتَ وَتَظْهَرَ. 35- مُعَبِّرُ الرُّؤْيَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ صَادِقًا وَبَصِيرًا وَأَمِينًا وَعَالِمًا بِأُصُولِ التَّعْبِيرِ. 36- لِلأَبِ دَوْرٌ مُهِمٌّ فِي إِسْدَاءِ النَّصِيحَةِ لِلأَبْنَاءِ وَوِقَايَتِهِمْ مِنَ المَخَاطِرِ. 37- يَنْبَغِي لِلأَبِ أَنْ يُعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمْ عِنَايَةً زَائِدَةً فَلَا يُظْهِرْ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُوَغِّرَ صُدُورَ البَاقِينَ. 38- فِيهَا جَوَازُ صِدْقِ رُؤْيَا الصَّغِيرِ وَنَحْوَه. 39- ذِكْرُ الحُكْمِ مَعَ الدَّلِيلِ أَوِ التَّعْلِيلِ وَبَيَانِ الحِكْمَةِ فِي جَمِيعِ جَوَانِبِ الحَيَاةِ أَسْلُوبٌ تَرْبَوِيٌّ، فَنَهَاهُ وَبَيَّنَ لَهُ السَّبَبَ. 40- جَوَازُ الحُكْمِ عَلَى بَاطِنِ الإِنْسَانِ إِذَا قَوِيَ السَّبَبُ المُوجِبُ لِذَلِكَ. 41- فِيهَا جَوَازُ تَحْذِيرِ الأَبِ بَعْضَ أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْضٍ إِذَا دَعَتِ الحَاجَةُ إِلَى ذَلِكَ. 42- النُّصْحُ وَالإِرْشَادُ لَا يَزِيدُ نَفْسَ المُؤْمِنِ إِلَّا صَفَاءً وَنَقَاءً وَطُهْرًا. 43- يَجُوزُ التَّحْذِيرُ مِنْ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ مَا دَامَ مَبْنِيًّا عَلَى العِلْمِ وَالعَدْلِ وَالمَصْلَحَةِ، وَأَنَّ ذِكْرَ المَسَاوِئِ عَلَى سَبِيلِ النَّصْحِ لَا يُعَدُّ غِيبَةً. 44- العِبْرَةُ لَيْسَتْ بِصِغَرٍ وَلَا كِبَرٍ، فَقَدْ يَتَقَدَّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الكِبَارِ، وَهَذَا اصْطِفَاءٌ وَاخْتِيَارٌ. 45- العَطَايَا مِنَ اللهِ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَتَوَجَّهْ إِلَى مَنْ يَمْلِكُ القُلُوبَ، فَفَضَّلَ اللهُ يُوسُفَ وَاصْطَفَاهُ عَلَى إِخْوَتِهِ. 46- إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ إِزَالَةَ الشَّرِّ كُلِّهِ، فَأَزِلْ مَا تَسْتَطِيعُ مِنْهُ؛ فَبَعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضٍ. 47- الحِرْصُ عَلَى طَلَبِ المَشُورَةِ مِنَ الآبَاءِ وَالإِخْوَةِ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْكُمْ، وَالانْتِفَاعُ بِتَوْجِيهِهِمْ. 48- مَشْرُوعِيَّةُ الحَذَرِ وَالأَخْذِ بِالحِيْطَةِ فِي الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وَهَذِهِ تُسَمَّى قَاعِدَةَ «الحِيْطَةِ وَالحَذَرِ». 49- وَجَّهَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ تَوْجِيهًا حَكِيمًا بِقَوْلِهِ: {{لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ}} ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِرَاسَتِهِ وَبُعْدِ نَظَرِهِ وَفِقْهِهِ لِلْوَاقِعِ، وَفِيهِ تَعْلِيمٌ بِالأَخْذِ بِالأَسْبَابِ وَاسْتِشْرَافِ المُسْتَقْبَلِ. 50- فِيهَا جَوَازُ أَخْذِ العِلْمِ عَنِ الصَّغِيرِ إِذَا عُرِفَ صِدْقُهُ أَوْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ. 51- جَاءَتْ كَلِمَةُ «كَيْدًا» نَكِرَةً، فَاحْتَمَلَتِ التَّعْظِيمَ وَالتَّقْلِيلَ؛ فَفِي التَّعْظِيمِ تَحْذِيرٌ لِيُوسُفَ لِيَأْخُذَ النَّصِيحَةَ بِجِدٍّ، وَفِي التَّقْلِيلِ تَرْبِيَةٌ لَهُ أَلَّا يُسِيءَ الظَّنَّ وَلَا يُغَالِي فِي الخُصُومَةِ. 52- فِيهَا أَنَّ صَلَاحَ الأَبِ لَا يَسْتَلْزِمُ صَلَاحَ الوَلَدِ، وَأَنَّ فَسَادَ الابْنِ لَا يَسْتَلْزِمُ فَسَادَ الأَبِ. 53- فِيهَا جَوَازُ الأَخْذِ بِالأَسْبَابِ المَانِعَةِ مِمَّا سَيَكُونُ، مَعَ العِلْمِ بِأَنَّهُ كَائِنٌ وَلا بُدَّ. 54- فِيهَا أَنَّ الأَكْثَرِيَّةَ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى الحَقِّ، فَقَدْ كَانَ يُوسُفُ وَاحِدًا وَهُوَ عَلَى الحَقِّ، وَكَانَ إِخْوَتُهُ جَمِيعًا وَهُمْ عَلَى البَاطِلِ. 55- تُشِيرُ الآيَةُ إِلَى عِظَمِ الِابْتِلَاءِ الَّذِي وَقَعَ عَلَى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَدْ جَاءَهُ الضُّرُّ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ عَلَى أَحَبِّهِمْ إِلَيْهِ. 56- {{فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} ؛ أَعْظَمُ الأَلَمِ أَنْ يَظْلِمَكَ مَنْ تُحِبُّ. وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مُضَاضَةً * عَلَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الحِسَامِ المُهَنْدِ. 57- {{فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}} ؛ فَقَدْ يَأْتِي الكَيْدُ مِنَ القَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، بِدَوَاعِي الحَسَدِ وَالغِيرَةِ. 58- {{فَيَكِيدُوا لَكَ}} ؛ فِيهِ أَنَّ إِبْهَامَ أَمْرِ الضَّرَرِ يَزِيدُ المَنصُوحَ عِنَايَةً بِالنَّصِيحَةِ وَلُزُومَهَا. 59- اعْتَنَى الْقُرْآنُ بِبَيَانِ حَقِيقَةِ الشَّيْطَانِ وَعَدَاوَتِهِ الْأَبَدِيَّةِ لِلْإِنْسَانِ، وَكَشْفِ طُرُقِهِ وَوَسَائِلِهِ الْخَبِيثَةِ فِي الإِضْلَالِ وَالْغِوَايَةِ، مَعَ التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنْ فِتْنَتِهِ وَكَيْدِهِ. 60- وَرَدَ ذِكْرُ الشَّيْطَانِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِصِيَغٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَجَاءَتْ كَلِمَةُ «الشَّيْطَانِ» ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ مَرَّةً، وَوَرَدَتْ كَلِمَةُ «الشَّيَاطِينِ» سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَذُكِرَ لَفْظُ «شَيْطَانًا» مَرَّتَيْنِ، وَجَاءَتْ كَلِمَةُ «شَيَاطِينِهِمْ» مَرَّةً وَاحِدَةً، كَمَا وَرَدَ ذِكْرُ «الْجِنِّ» فِي الْقُرْآنِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ مَرَّةً، وَكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ مَا أَوْلَاهُ الْقُرْآنُ مِنْ عِنَايَةٍ بِبَيَانِ حَقِيقَةِ هَذَا الْعَالَمِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ أَخْطَارِهِ. 61- الشَّيْطَانُ أَخْطَرُ عَدُوٍّ لِلإِنْسَانِ، وَعَدَاوَتُهُ أَبَدِيَّةٌ مِنَ المَهْدِ إِلَى اللَّحَدِ، وَأَكْثَرُ مَنْ يُضِلُّنَا وَيَحْرِصُ عَلَى إِغْوَائِنَا هُوَ الشَّيْطَانُ. 62- الأَبُ الصَّالِحُ مَنْ يَقْطَعُ أَسْبَابَ العَدَاوَةِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، وَيَمْنَعُ مَا يُؤَجِّجُ الصِّرَاعَ، وَيَحْرِصُ عَلَى تَجْمِيعِ قُلُوبِهِمْ عَلَى المَحَبَّةِ وَالمَوَدَّةِ وَالتَّآزُرِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ. 63- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فِيهَا أَنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ العَدُوِّ الأَصْغَرِ «إِخْوَتِكَ» مَهْمَا بَلَغَ كَيْدُهُ وَشَرُّهُ، لَا يُغْفِلُ وَلَا يُهْمِلُ أَمْرَ العَدُوِّ الأَكْبَرِ «الشَّيْطَانِ»! 64- إِرْجَاعُ الفُرُوعِ «كَيْدِ الإِخْوَةِ» إِلَى الأُصُولِ «كَيْدِ الشَّيْطَانِ» يُبَيِّن أَصْلَ الشَّيْءِ فَيُنْسَبُ لَهُ الشَّرُّ إِن كَانَ شَرًّا، كَمَا فِي قَوْلِ اللهِ: {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ، وَيُنْسَبُ لَهُ الخَيْرُ إِن كَانَ خَيْرًا، كَمَا فِي قَوْلِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَرْشَ بَلْقِيسَ: {{قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُونِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} }. 65- أَهَمِّيَّةُ تَرْبِيَةِ الأَبْنَاءِ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالآخَرِينَ مَهْمَا ظَهَرَتْ بَوَادِرُ الشَّرِّ. 66- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فَمِنْ أَخْلَاقِ الكِبَارِ وَخَصَائِصِ القُدْوَاتِ المُحَافِظَةِ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَصَفَاءِ القَلْبِ وَنَقَاءِ البَاطِنِ وَحُبِّ الخَيْرِ لِلجَمِيعِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ لِهَدَايَةِ البَشَرِ. 67- قَوْلُ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ: {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَقْلِهِ، وَصَفَاءِ سَرِيرَتِهِ، وَمَكَارِمِ خُلُقِهِ، وَسَمَاحَتِهِ وَإِعْذَارِهِ، وَإِعْرَاضِهِ عَنِ الزَّلَّاتِ. 68- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فَكُلُّ مَا يَحْدُثُ بَيْنَ الإِخْوَةِ وَالأَقَارِبِ مِنْ خِصَامٍ أَوْ عَدَاوَةٍ فَهُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ وَجِدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَيْءٌ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ قَدَحَ عَلَى الزِّنادِ. 69- لِلشَّيْطَانِ سُلْطَةٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، حَتَّى عَلَى أَوْلَادِ الأَنْبِيَاءِ، إِلَّا الأَنْبِيَاءَ أَنْفُسَهُمْ؛ كَمَا وَقَعَ مَعَ ابْنِ نُوحٍ، وَابْنَيْ آدَمَ، وَكَذَلِكَ مَعَ أَبْنَاءِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. 70- {{إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ سُؤَالِ اللهِ أَنْ يُثَبِّتَهُ وَيَصْرِفَ عَنْهُ كَيْدَ الشَّيْطَانِ. 71- أَعْظَمُ عَدَاوَةٍ يُظْهِرُهَا الإِنْسَانُ لِلشَّيْطَانِ هِيَ امْتِثَالُ طَاعَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. 72- الشَّيْطَانُ يَدْخُلُ بَيْنَ الإِخْوَةِ، فَيُوغِرُ صُدُورَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، مَعَ كَوْنِهِمْ أَشِقَّاءَ، فَيُصَيِّرُهُمْ أَعْدَاءً. 73- {{عَدُوٌّ مُبِينٌ}} ؛ فِيهِ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَهْلِ الشَّرِّ وَصِفَاتِهِمْ تُعِينُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَمْشِي فِي رِكَابِهِمْ.
__________________
|
|
#15
|
||||
|
||||
|
سوانح تدبرية أيمن الشعبان |7| {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث} الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29]. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا. الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ. فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. قال تعالى: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)}} . وكما رأيت تلك الرؤيا يختارك -يا يوسف- ربك، ويعلمك تعبير الرؤى، ويكمل نعمته عليك بالنبوة كما أتم نعمته على أبويك من قبلك: إبراهيم وإسحاق، إن ربك عليم بخلقه، حكيم في تدبيره. (المختصر في تفسير القرآن الكريم). فوائد ووقفات وهدايات وتأملات: 1- أَخْبَرَهُ بِما سَيَكُونُ لَهُ مِنْ رِفْعَةٍ وَتَكْرِيمٍ؛ لِيَتَهَيَّأَ لِذَلِكَ وَيَسْتَعِدَّ. 2- حِرْصًا على صَرْفِ يوسف عليه السلام عَنِ التَّفكيرِ السَّلْبِيِّ، لَمَّا قالَ لَهُ أَبوهُ: {{لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ}}، نَقَلَهُ إِلَى أُفُقِ التَّفاؤُلِ، فَقالَ: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} ؛ أَيْ: إِنَّ الَّذِي حَفِظَكَ مِنَ الكَيْدِ قَدِ اصْطَفَاكَ لِمَقامٍ عَظِيمٍ. 3- بَعْدَ أَنْ بُشِّرَ يوسف عليه السلام فِي المَنَامِ، جَاءَتْهُ البُشْرَى مَرَّةً أُخْرَى عَلَى لِسَانِ أَبِيهِ يعقوب عليه السلام؛ فَاجْتَمَعَتْ لَهُ بِشَارَتَانِ، فَامْتَلَأَ قَلْبُهُ غِبْطَةً وَسُرُورًا وَفَرَحًا. 4- يَحْتَاجُ المَرْءُ إِلَى تَحْذِيرٍ وَتَبْشِيرٍ؛ فَبِالتَّحْذِيرِ يَنْتَبِهُ مِنَ الغَفْلَةِ، وَبِالتَّبْشِيرِ تَخِفُّ عَنْهُ الأَحْمَالُ، وَتَسْتَرِيحُ نَفْسُهُ بِالآمَالِ. 5- الاصْطِفَاءُ مِنْحَةٌ رَبَّانِيَّةٌ وَهِبَةٌ إِلَهِيَّةٌ، لا تُنَالُ بِمُجَرَّدِ الأَمَانِيِّ وَالمُجَاهَدَاتِ، بَلْ هُوَ اخْتِيَارُ اللهِ؛ قالَ تعالى: {{وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}} . 6- قَوْلُهُ: {{يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} أَعْظَمُ دَافِعٍ لِلثَّبَاتِ وَتَجَاوُزِ التَّحَدِّيَاتِ؛ فِيهِ اسْتِشْعَارُ مَعِيَّةِ اللهِ، وَعِنَايَتِهِ وَتَرْبِيَتِهِ. وَفِي خِتَامِ القِصَّةِ يَتَجَلَّى ذَلِكَ: {{قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}} ، وَ {{إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ}} . 7- أَهَمِّيَّةُ غَرْسِ مَعَانِي الرُّبُوبِيَّةِ فِي الأَبْنَاءِ؛ لِمَا لَهَا مِنْ آثَارٍ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ عَظِيمَةٍ؛ {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} ، فَكَانَ الأَثَرُ: {{ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي}} ، وَ {{قَدْ أَحْسَنَ بِي رَبِّي}} . 8- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} : جَاءَ ذِكْرُ الرَّبِّ فِي غَايَةِ المُنَاسَبَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ مَعَانِي الرَّبِّ «المُرَبِّي». 9- قَوْلُهُ تَعَالَى: { {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} ، فِيْهِ أَنَّ مِنْ صِفَاتِ القَائِدِ اسْتِشْرَافُ المُسْتَقْبَلِ وَبَثُّ رُوحِ التَّفَاؤُلِ، فَهُنَا قَائِدٌ يُرَبِّي قَائِدًا. 10- في قوله تعالى: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} ، إِرْجَاعُ الفَضْلِ لِأَهْلِهِ. 11- فِيهَا شَرَفُ الدَّعْوَةِ وَشَرَفٌ لِلْدَّاعِي، فَالْأَنْبِيَاءُ اخْتَارَهُمُ اللهُ وَاصْطَفَاهُمْ لِأَعْظَمِ وَظِيفَةٍ وَمُهِمَّةٍ هِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ. 12- الِاجْتِبَاءُ يَأْتِي بَعْدَ الِابْتِلَاءِ، وَتَمَامُ النِّعَمِ بَعْدَ سَابِقِ النِّقَمِ؛ لِتَعْظُمَ حَلَاوَتُهَا، وَيُعْرَفَ قَدْرُهَا، وَيَتَحَقَّقَ شُكْرُهَا. وَلِذَلِكَ قُدِّمَتْ أَهْوَالُ يَوْمِ القِيَامَةِ قَبْلَ نَعِيمِ الجَنَّةِ، لِيَقَعَ فِي النَّفْسِ أَتَمَّ وُقُوعٍ. 13- مَنْ عَلِمَ أَنَّ المَكَارِهَ وَالمَشَقَّاتِ تُفْضِي إِلَى الخَيْرِ وَالرَّاحَاتِ، هَانَتْ عَلَيْهِ، وَسَهُلَتْ وَطْأَتُهَا، وَنَالَ مِنْ لُطْفِ اللهِ وَرَوْحِهِ شَيْئًا عَظِيمًا. 14- إِذَا اجْتَبَاكَ رَبُّكَ وَاصْطَفَاكَ، فَلَنْ يَضُرَّكَ مَكْرُ الخَلْقِ كُلِّهِمْ؛ فَإِرَادَةُ اللهِ فَوْقَ الجَمِيعِ. 15- النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ نِعْمَةٌ تَامَّةٌ، وَأَشْرَفُ وَظِيفَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَنَالَهَا البَشَرُ، يَخْتَصُّ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ المُقَرَّبِينَ. 16- الِاجْتِبَاءُ وَالاخْتِيَارُ يَصْحُبُهُمَا مَتَطَلَّبَاتٌ مِنَ الأَعْمَالِ وَالْعِبَادَاتِ؛ فَكُلُّ تَشْرِيفٍ يَحْمِلُ مَعَهُ تَكْلِيفًا. 17- أَصْلُ سَعَادَةِ العَبْدِ هُوَ شُهُودُ نِعْمَةِ اللهِ وَفَضْلِهِ؛ قالَ تعالى: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}. 18- مَنْ اسْتَحْسَنَ شَيْئًا اصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ؛ كَقَوْلِهِ: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} . فَاللهُ اجْتَبَى يُوسُفَ، وَمَلِكُ مِصْرَ اسْتَخْلَصَهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا الثَّانِيَةُ إِلَّا مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ الأُولَى. 19- أَعْظَمُ مَنْصِبٍ فِي الحَيَاةِ أَنْ تَكُونَ وَليًّا مِنْ أَوْلِياءِ اللهِ؛ كَقَوْلِهِ: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} . 20- الِاجْتِبَاءُ وَالاخْتِيَارُ يَلزَمُهُمَا مُتَطَلَّبٌ مِنْ جِهَةِ الِابْتِلَاءِ؛ فَلَا يَكُونُ مُمْكِنًا حَتَّى يُبْتَلَى، فَلَا اجْتِبَاءَ إِلَّا بِالِابْتِلَاءِ. وَقَالَ رَجُلٌ لِلشَّافِعِيِّ: «يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَيُّهُمَا أَفْضَلُ لِلرَّجُلِ: أَنْ يُمَكَّنَ أَمْ أَنْ يُبْتَلَى؟ فقال الشافعي: لا يُمَكَّنُ حتى يُبتَلَى». 21- تَحْصِيلُ العِلْمِ النَّافِعِ الَّذِي يُقَرِّبُكَ إِلَى اللهِ هُوَ اجْتِبَاءٌ، وَلَا يُوَفَّقُ لَهُ كُلُّ أَحَدٍ؛ قالَ تَعَالَى: {{وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}} . 22- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}} يُظْهِرُ فَضْلَ العِلْمِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ مَظَاهِرِ وَوَسَائِلِ الاجْتِبَاءِ وَالاصْطِفَاءِ، فَإِنَّ المُلْكَ وَالنُّبُوَّةَ لَا يَقُومَانِ إِلَّا بِالعِلْمِ. 23- فَضْلُ العُلَمَاءِ وَالتَّعَلُّمِ فِي اسْتِنْبَاطِ الدَّقَائِقِ وَاللَّطَائِفِ وَاسْتِخْرَاجِ السُّنَنِ وَالقَوَانِينِ؛ قالَ تَعَالَى: {{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ}} . 24- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ}} يُوْضِحُ أَنَّ العِلْمَ الَّذِي بَرَزْتَ بِهِ وَالتَّخَصُّصَ الَّذِي تُتقِنُهُ هُوَ نِعْمَةٌ وَفَضْلٌ مِنَ اللهِ، وَلَيْسَ بِذَكَائِكَ فَقَطْ. 25- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} : «مِنْ» لِلتَّبْعِيضِ؛ أَيْ يُعَلِّمُكَ بَعْضَ تَأْوِيلِهَا، لَا كُلَّهَا؛ فَإِنَّ الإِحَاطَةَ التَّامَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى. 26- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} : فِيهِ أَصْلٌ لِعِلْمِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا. 27- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} : إِذَا أَرَادَ اللهُ أَمْرًا هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَهُ؛ فَكَانَ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا مِفْتَاحًا لِرِفْعَةِ يُوسُفَ وَرِيَاسَتِهِ، وَإِلَّا فَاللهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَمْنَحَهُ المَنْزِلَةَ العَظِيمَةَ بِغَيْرِ مُقَدِّمَاتٍ. 28- أَعْظَمُ النِّعَمِ مَا تَتَجَاوَزُ العَبْدَ لِتَشْمَلَ أُسْرَتَهُ وَعَائِلَتَهُ وَقَوْمَهُ؛ كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ}} ، فَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَفْرَحَ القَرِيبُ بِنِعْمَةِ قَرِيبِهِ! وَقَالَ السَّعْدِيُّ: وَلَمَّا تَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَى يُوسُفَ، حَصَلَ لِآلِ يَعْقُوبَ مِنَ العِزِّ وَالتَّمْكِينِ فِي الأَرْضِ، وَالسُّرُورِ وَالغِبْطَةِ مَا حَصَلَ بِسَبَبِ يُوسُفَ. 29- مِنَ القِيَمِ المُهِمَّةِ الَّتِي تَغْرِسُهَا فِي نُفُوسِ أَبْنَائِكَ: اسْتِمْرَارُ التَّذْكِيرِ وَاغْتِنَامُ الفُرَصِ، بِأَنَّ جَمِيعَ النِّعَمِ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ؛ كَقَوْلِهِ: {{يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ}} ، {{وَيُعَلِّمُكَ}} ، وَ {{وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}} . 30- مِنْ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ النَّاجِحَةِ: رَفْعُ مَعْنَوِيَّاتِ الابْنِ بِذِكْرِ النِّعَمِ المُهِمَّةِ وَإِبْرَازِ الإِيجَابِيَّاتِ، وَالتَّذْكِيرِ بِالمَهَارَاتِ. 31- الثَّنَاءُ عَلَى الشَّخْصِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، مَعَ أَمْنِ الفِتْنَةِ، مِنْ هَدْيِ الأَنْبِيَاءِ؛ فِيهِ تَشْجِيعٌ وَتَثْبِيتٌ. أَمَّا المُدَّاحُونَ الَّذِينَ جَعَلُوا المَدْحَ دَيْدَنًا، وَيُبَالِغُونَ فِيهِ، فَمَذْمُومُونَ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الغُلُوِّ وَالتَّزْيِيفِ. 32- تَعْبِيرُ الرُّؤَى عِلْمٌ كَسَائِرِ العُلُومِ، يُعَلِّمُهُ اللهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ مَحْضُ فَضْلٍ مِنْهُ سُبْحَانَهُ؛ وَلَا يُنَالُ إِلَّا بِتَوْفِيقِهِ وَتَعْلِيمِهِ. 33- هٰذَا الإِعْلَامُ مِنْ يَعْقُوبَ لِابْنِهِ يُوسُفَ كَأَنَّهُ تَوْطِئَةٌ لِأَنْ يَتَّسِعَ قَلْبُهُ وَصَدْرُهُ لِمَا قَدْ يَنَالُهُ مِنْ إِخْوَتِهِ. فَأَصْحَابُ المَرَاتِبِ العَالِيَةِ قُلُوبُهُمْ كَبِيرَةٌ؛ تَحْتَمِلُ وَتَتَجَاوَزُ، وَإِلَّا لَمَا كَانُوا كِبَارًا، فَإِنَّ صِغَرَ المَنْزِلَةِ مِنْ صِغَرِ النَّفْسِ. 34- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ عَالِمًا بِتَعْبِيرِ الرُّؤَى. 35- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَيَكُونُ بَارِعًا فِي تَعْبِيرِ الرُّؤَى؛ فَقَدْ كَانَ أَعْبَرَ النَّاسِ لِلرُّؤْيَا فِي زَمَانِهِ. 36- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ}} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعْبِيرَ الرُّؤَى سَبَبٌ لِرِفْعَةِ القَدْرِ وَعُلُوِّ المَقَامِ بَيْنَ النَّاسِ؛ وَلِذَلِكَ اقْتَرَنَ ذِكْرُهُ بِالِاجْتِبَاءِ. 37- فِي هَذِهِ الآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ العِلْمَ الخَاصَّ بِتَعْبِيرِ الرُّؤَى هُوَ هِبَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى، يُوَفَّقُ لَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَا يَكُونُ نَتِيجَةً لِلذَّكَاءِ وَالسَّعْيِ فَقَطْ. 38- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ}} : سَلِ اللهَ النِّعْمَةَ، فَإِنْ وَهَبَكَ إِيَّاهَا فَاسْأَلْهُ تَمَامَهَا؛ وَتَمَامُهَا أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِدُخُولِكَ الجَنَّةَ. 39- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}} : أَصْحَابُ الهِمَمِ العَالِيَةِ يَسْأَلُونَ تَمَامَ النِّعْمَةِ لَا مُجَرَّدَهَا؛ فَإِنَّ النِّعْمَةَ قَدْ تُعْطَى وَلَكِنَّهَا تَكُونُ نَاقِصَةً. 40- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ}} : لَا يَتِمُّ إِحْسَانُ النِّعْمَةِ لِلْعَبْدِ إِلَّا بَعْدَ جِهَادٍ طَوِيلٍ، وَصَبْرٍ جَمِيلٍ، وَتَأْيِيدٍ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ. 41- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلِ}} يُظْهِرُ الرَّبْطَ بَيْنَ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، فَيَكُونُ الإِنعْامُ وَالإِتْمَامُ نَظِيرَ مَا حَصَلَ لِآبَائِهِمْ، لِيَكُونَ أَدْعَى لِلرَّبْطِ بِهِمْ وَأَوْضَحَ فِي المَرَادِ. 42- القُرْآنُ يُجَرِّدُ الأَلْقَابَ مِنَ الأَسْمَاءِ، الَّتِي اشْتُهِرَتْ فِي الأَزْمِنَةِ المُتَأَخِّرَةِ، فَلَنْ تَجِدُوا لَقَبًا فِي القُرْآنِ أَبَدًا! 43- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}} : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ صَلَاحَ الآبَاءِ قَدْ يُدْرِكُ صَلَاحَ الأَبْنَاءِ. 44- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ}} : فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ بَرَكَةً لِقَوْمِهِ وَأَهْلِهِ، وَأَحْيَانًا لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدِهِ، فَكَمْ من الأَنْبِيَاءِ وَالعُلَمَاءِ الَّذِينَ صَنَعُوا خَيْرًا طِيلَةَ التَّارِيخ! 45- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ}} : فَتَمَامُ النِّعْمَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِهَا؛ فَلِلأَنْبِيَاءِ يَكُونُ تَمَامُهَا بِأَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَتَبْلِيغِهَا. 46- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ}} : فَيُطْلَقُ «آلُ الرَّجُلِ» عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ الَّذِينَ يُضَافُونَ إِلَى اسْمِهِ، وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى جَمِيعِ أَتْبَاعِهِ. 47- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ}} : فِيها أَهَمِّيَّةُ رَبْطِ الأَبْنَاءِ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ، فَتَذْكِيرُهُمْ بِهِمْ يُحَفِّزُهُمْ عَلَى التَّأَسِّي بِهِمْ؛ فَهُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وَنُورٌ يُهْتَدَى بِهِ. 48- التَّذْكِيرُ بِالنِّعَمِ السَّالِفَةِ فِي قَوْلِهِ: {{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلِ}} ، هُوَ تَذْكِيرٌ بِالنِّعَمِ الَّتِي مَضَتْ، يُشِيرُ إِلَيْهَا بِهَذِهِ العِبَارَةِ. 49- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلِ}} ، وَأَبَوَاهُ هُمَا إِسْحَاقُ وَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُم أَجْدَادُهُ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الجَدَّ يُقَالُ لَهُ أَبٌ، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ لَا فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ؛ فَالْجَدُّ وَالِد. 50- لَا تَسْتَهِنْ بِالوَصِيَّةِ وَالتَّوْجِيهِ لِلأَبْنَاءِ وَلَوْ كَانُوا صِغَارًا، فَقَدْ حَفِظَ يُوسُفُ الوَصِيَّةَ فَأَثْمَرَتْ فِيهِ وَطَبَّقَهَا، فَقَالَ لِلْسَّجِينَين: {{وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}} . 51- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلِ}} ؛ وَلَمَّا تَمَّتِ النِّعْمَةُ عَلَى يُوسُفَ حَصَلَ لِآلِ يَعْقُوبَ مِنَ العِزِّ وَالتَّمْكِينِ فِي الآخِرِ. 52- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}} : فَحَرْفُ «إِنَّ» تَفِيدُ مَعَ التَّوكِيدِ التَّعْلِيلَ، لأنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ؛ لِذَلِكَ حَصَلَ الاجْتِبَاءُ وَالاصْطِفَاءُ وَتَمَامُ النِّعْمَةِ. 53- إِذَا عَلِمَ العَبْدُ أَنَّ رَبَّهُ عَلِيمٌ نَافِذُ العِلْمِ، وَحَكِيمٌ يَضَعُ الأُمُورَ فِي مُوَاضِعِهَا، فَلَا يَسْتَدْرِكُ عَلَى رَبِّهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ وَلَا يَشُكُّ فِي أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الَّذِي حَكَمَ بِهَا وَشَرَعَهَا هُوَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. 54- العَالِمُ حَقًّا هُوَ مَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ العِلْمِ وَالحِكْمَةِ، كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}، فَالحِكْمَةُ بِلَا عِلْمٍ ضَعْفٌ، وَالعِلْمُ بِلَا حِكْمَةٍ طَيْشٌ. 55- بَيَانُ إِفْضَالِ اللهِ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ بِمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ: آبَاءً وَأَبْنَاءً وَأَحْفَادًا. 56- يُسْتَفَادُ مِنْهَا أَنَّهُ إِذَا رَأَى الإِنْسَانُ النُّبُوغَ فِي أَبْنَائِهِ، فَلْيُحَمِّلْهُمْ المَسْؤُولِيَّةَ وَيُذَكِّرْهُمْ بِفَضْلِ اللهِ، وَأَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَّ اللهَ سَيَمْنَحُهُمُ الخَيْرَ إِذَا ثَابَرُوا وَسَعَوْا فِي طَلَبِ العِلْمِ. 57- أَهَمِّيَّةُ شَحْذِ الهِمَمِ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {{وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ}} ، وَأَنَّكَ سَتَكُونُ بَرَكَةً عَلَى آلِ يَعْقُوبَ. 58- البَيْتُ الطَّيِّبُ فِي الغَالِبِ يُخْرِجُ مِنْهُ الابْنَ الطَّيِّبَ، كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {{وَيَتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}} . 59- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ}} ، فَعُبِّرَ عَنْهُمَا بِالأَبَوَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا أَبَا جَدِّهِ وَأَبَا أَبِيهِ، لِإِشْعَارِ يُوسُفَ بِكَمَالِ ارْتِبَاطِهِ بِالأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ، وَلِأَنَّهُمَا فِي عَمُودِ النَّسَبِ، وَلِلمُبَالَغَةِ فِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قَلْبِهِ. 60- التَّذْكِيرُ بِالآبَاءِ الصَّالِحِينَ: فَإِذَا تَذَكَّرَ الأَبْنَاءُ آبَاءَهُمْ الصَّالِحِينَ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنَ الصُّلْبِ أَمِ النَّسَبِ، فَإِنَّ التَّذْكِيرَ بِالقُدْوَاتِ أَفْضَلُ مَا يَكُونُ لِلشَّابِّ وَالنَّاشِئِ، فَيَنظُرُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى نَجَاحِهِمْ فَيَسْلُكُ سَبِيلَهُمْ. 61- الصِّفَاتُ الَّتِي تُخْتَمُ بِهَا الآيَاتُ تَحْمِلُ مَدْلولاتٍ مُتَّصِلَةً بِالسِّياقِ وَالسِّبَاقِ، كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. 62- التَّرْبِيَةُ فِي الصِّغَرِ لَهَا فَوَائِدُهَا فِي الكِبَرِ، فَقَدِ تَشَرَّبَ يُوسُفُ عَقِيدَةَ التَّوْحِيدِ فِي بَيْتِ يَعْقُوبَ، وَلَمَّا غَادَرَ إِلَى بِلَادِ الشِّرْكِ أَثْمَرَ مَعَهُ ذَلِكَ. 63- الطَّرِيقُ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَكُونُ إِمَّا بِالِاصْطِفَاءِ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ، وَهَذَا خَاصٌّ بِعِبَادِ اللهِ المُخْلَصِينَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِمَّا بِالْإِنَابَةِ وَالإِقْبَالِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا خَاصٌّ بِعِبَادِ اللهِ الْمُخْلِصِينَ، كَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {{اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يَنِيبُ}} . 64- مِنْ مُقْتَضَى حِكْمَةِ اللهِ أَنَّ المَرَاتِبَ العَالِيَةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالوَسَائِلِ الجَلِيلَةِ، وَالمَطَالِبَ الغَالِيَةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِالأَسْبَابِ النَّافِعَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: {{إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}} . 65- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}} : تُظْهِرُ أَهَمِّيَّةَ التَّرْبِيَةِ الإيمَانِيَّةِ فِي فَهْمِ مَعَانِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالتَّعَلُّقِ بِهَا وَاسْتِحْضَارِ آثَارِهَا. 66- قَوْلُهُ تَعَالَى: {{إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}} ، فِيهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُعْطِي مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ، وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ بِعَدْلِهِ، وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا.
__________________
|
|
#16
|
||||
|
||||
|
سوانح تدبرية من سورة يوسف أيمن الشعبان |8| {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين} الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29]. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا. الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ. فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)}. لقد كان في خبر يوسف وخبر إخوته عبر وعظات للسائلين عن أخبارهم. (المختصر في تفسير القرآن الكريم). فوائد ووقفات وهدايات وتأملات: 1- قُدِّمَ ذِكْرُ يُوسُفَ لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُ مِحْوَرُ القِصَّةِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ أَحْدَاثُهَا، فَهُوَ قُطْبُ رَحَاهَا. 2- هَذِهِ بِدَايَةُ قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ، بَعْدَ أَنْ مَهَّدَ لَهَا القُرْآنُ بِمُقَدِّمَتَيْنِ مُخْتَصَرَتَيْنِ: الأُولَى: بَيَانُ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ، وَمِنْهُ أَنْبَاءُ الغَيْبِ. وَالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَا أَحْدَثَتْهُ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبْرَةِ بِتَحَقُّقِهَا. 3- قِصَّةُ يُوسُفَ سُلْوَى لِكُلِّ مَحْزُونٍ، وَأَمَلٌ لِكُلِّ مَظْلُومٍ، وَعِظَةٌ لِكُلِّ مُفْتُونٍ. 4- هَذَا الِافْتِتَاحُ لِتِلْكَ القِصَّةِ جَاءَ لِلتَّشْوِيقِ، وَإِثَارَةِ التَّحَمُّسِ، وَشَدِّ الِانْتِبَاهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا، وَبَيَانِ مَا جَرَى فِيهَا. 5- جَاءَ التَّأْكِيدُ بِـ«قَدْ» وَاللَّامِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا، وَدُخُولُ «قَدْ» عَلَى الفِعْلِ المَاضِي يَدُلُّ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَهِيَ آيَاتٌ مُحَقَّقَةٌ وَدَلَائِلُ ثَابِتَةٌ. 6- بِاللَّهِ وَتَاللَّهِ، إِنَّ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ—بِجَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ—لَآيَاتٍ؛ أَيْ حِكَمًا وَعِظَاتٍ وَعِبَرًا، لِمَنْ تَدَبَّرَ أَحْدَاثَهَا وَنَظَرَ فِي أَسْبَابِهَا وَنَتَائِجِهَا. 7- {{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ}} فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شَغَفِ النُّفُوسِ بِسَمَاعِ قَصَصِ المَاضِينَ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّسْلِيَةِ، بَلْ لِلاِعْتِبَارِ؛ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى}. 8- فِي مِقْيَاسِ البَشَرِ تَأْتِي العِبَرُ بَعْدَ انْتِهَاءِ القِصَّةِ، أَمَّا فِي المِقْيَاسِ الرَّبَّانِيِّ فَالأَمْرُ مُخْتَلِفٌ؛ فَقَدْ تُذْكَرُ العِبَرُ قَبْلَهَا تَحْفِيزًا وَتَشْوِيقًا، كَأَنَّهُ تَنْبِيهٌ: انْتَبِهُوا، فِي هَذِهِ القِصَّةِ آيَاتٌ وَعِبَرٌ عَظِيمَةٌ. 9- {{وَإِخْوَتُهُ}} تَدُلُّ عَلَى أنَّ كَثْرَةَ الذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ مِنْ هُدًى وَأَعْمَالِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالَ تَعَالَى: {{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}} . 10- { {وَإِخْوَتُهُ} } فِيهَا رَدٌّ عَلَى دُعَاةِ تَحْدِيدِ النَّسْلِ، وَتَشْرِيعُ النَّاسِ عَلَى زِيَادَةِ الذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَالاهْتِمَامِ بِهَا. 11- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ عِبَرٌ وَدَلَائِلُ تَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، لِمَنْ يَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَيَرْغَبُ فِي مَعْرِفَتِهَا. 12- مَهْمَا ظَلَمَكَ إِخْوَتُكَ، فَلَا تَقْطَعْ جِسْرَ الأُخُوَّةِ مَعَهُمْ؛ فَرَابِطُ الأُخُوَّةِ أَقْوَى مِنَ الخِلَافَاتِ وَالمُشْكِلَاتِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَة: {{يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ}} . 13- لَا تُؤْذِ مَنْ سَيَبْقَى أَخَاكَ، مَهْمَا فَعَلْتَ بِهِ؛ فَقَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ "إِخْوَتَهُ". 14- { {فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ}} تُفْصِحُ الآيَةُ عَنْ مَنْهَجِ القُرْآنِ فِي سَرْدِ القَصَصِ، فَيَكْتَفِي بِذِكْرِ الأَحْوَالِ الْمُهِمَّةِ وَيُرَكِّزُ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالْمَقَاصِدِ وَالْمَآلَاتِ، فَتَحْمِلُ النَّفْسَ عَلَى مَا اسْتُحْسِنَ وَتَنْزِعُهَا عَمَّا ذُمَّ وَقُبِّحَ. 15- لَمْ يَقُلْ {فِي قِصَّةِ يُوسُفَ} بَلْ قَالَ {{فِي يُوسُفَ}} لِيُظْهِرَ أَنَّ مِحْوَرَ الْقِصَّةِ هُوَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. 16- أَعْمَقُ الجِرَاحِ مَا يَبْقَى فِي الصَّدْرِ وَلَا يَنْدَمِلُ، وَهُوَ مَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الأَخِ. 17- فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَعْوَةٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ، وَالبَحْثِ فِي أَخْبَارِ السَّابِقِينَ وَأَحْوَالِهِمْ، خُصُوصًا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. 18- {{آيَاتٌ}} : قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «آيَةٌ» بِالإِفْرَادِ، حَمْلًا عَلَى أَنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ بِجُمْلَتِهَا عِبْرَةٌ لِلسَّائِلِينَ، وَقَرَأَ البَاقُونَ: «آيَاتٍ» بِالجَمْعِ؛ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الأَحْدَاثِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَهِيَ آيَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ. 19- فِي هٰذِهِ الْقِصَّةِ آيَاتٌ وَدَلَائِلُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَرْعَهُ رَبُّهُ لَنْ يَشْقَى أَبَدًا، وَمَنْ يَهْدِهِ فَلَنْ يَضِلَّ أَبَدًا. 20- {{آيَاتٍ لِلسَّائِلِينَ}} : جُمِعَتْ لِكَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِهَا؛ فَفِيهَا دَلَائِلُ عَلَى عَوَاقِبِ الصَّبْرِ الحَمِيدَةِ، وَحُسْنِ مَآلِ الإِحْسَانِ وَالصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ، وَفِي المُقَابِلِ سُوءُ عَاقِبَةِ الحَسَدِ وَالكَيْدِ وَالإِضْرَارِ، وَمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَهْلُهَا مِنَ الخَيْبَةِ وَالخُسْرَانِ. 21- حَقُّ هَذِهِ السُّورَةِ أَنْ تُشْرَحَ في سَنَوَاتٍ، فَقَدْ تَظَلُّ أَحْدَاثُهَا وَعِبَرُهَا لَا تَنْتَهِي، فَكُلُّ مَا يُصِيبُكَ فِي الحَيَاةِ: بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَبَيْنَكَ وَبين إِخْوَتِكَ، وَبَيْنَكَ وَبين اللَّهِ، وَبَيْنَكَ وَبين الفِتَنِ وَالفِرَاقِ، كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ القِصَّةِ. 22- تَرِدُ الآيَةُ فِي القُرْآنِ بِثَلَاثِ مَعَانٍ: الأَوَّلُ: آيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ كالشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، {{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ}} . الثَّانِي: مُعْجَزَةٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ تُؤَيِّدُ بِهَا الأنبياء وتَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ، كآياتِ موسى التسع وناقَةِ صالح. الثَّالِث: آيَاتُ القُرْآنِ الكَرِيمِ نَصًّا وَهُدًى. 23- مِنْ مَعَانِي الآيَاتِ: العَلَامَاتُ الَّتِي أَقَامَهَا اللَّهُ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِهِ وَتَنْزِيهِهِ، قَالَ تَعَالَى: {{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}} . 24- فِيهَا حَضٌّ لِلنَّاسِ عَلَى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأَنْبَاءِ وَالسُّؤَالِ عَنْهَا، فَإِنَّهَا مَقَرُّ العِبَرِ وَالِاتِّعَاظِ. 25- بَيَانُ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ وَتَوْفِيقِ أَقْدَارِهِ، وَلُطْفُهُ بِمَنْ اصْطَفَى مِنْ عِبَادِهِ، وَتَرْبِيَتُهُ لَهُمْ وَحُسْنُ عِنَايَتِهِ بِهِمْ، لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْهَا. 26- الاسْتِفَادَةُ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ وَيَهْتَمُّ طَلَبًا لِلْعِبْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعِظَةِ. 27- قَصَصُ القُرْآنِ لَيْسَ المُرَادُ مِنْهَا التَّسْلِيَةُ وَقَطْعُ الأَوْقَاتِ، بَلْ فِيهَا أَعْظَمُ الآيَاتِ وَالعِبَرِ وَالعِظَاتِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِلِاعْتِبَارِ. فَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ وَآيَةٌ لِلْمُسْتَرْشِدِ، وَأَمَّا المُتَعَنِّتُ فَهُوَ آيَةٌ عَلَيْهِ، قال تعالى: {{فَاقْصُصِ القِصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}} . 28- يَجِبُ عَلَى قَارِئِ القُرْآنِ عُمُومًا وَسَامِعِ هَذِهِ السُّورَةِ خُصُوصًا أَنْ يَلْتَمِسَ جَوَاهِرَ مَعَانِي القِصَصِ القُرْآنيَّةِ وَدُرَرَ مَرَامِيهَا، فَهِيَ مَشْحُونَةٌ بِالدُّرُوسِ وَالعِبَرِ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَنَظَرَ، قَالَ: {لِلسَّائِلِينَ}، فَلا تَتَأَتَّى هَذِهِ العِبَرُ وَالهَدَايَاتُ إِلَّا لِمَنْ سَأَلَ عَنْهَا، فَكُلَّمَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْأَلَ أَكْثَرَ، تَعَلَّمْتَ أَكْثَرَ. 29- الَّذِينَ يَسْتَوِي عِنْدَهُمُ الْعِلْمُ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ وَالْجَهْلُ بِهَا، هُمُ الْمَحْرُومُونَ مِنَ الاسْتِفَادَةِ بِالْآيَاتِ وَالِاهْتِدَاءِ بِحِكْمَتِهَا. 30- {{آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} : سُورَةُ يُوسُفَ مَدْرَسَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ وَعِبَرٌ حَيَاتِيَّةٌ، لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ التَّدَابِيرِ، وَالأَلْطَافِ الإِلَهِيَّةِ، وَالحِكَمِ الرَّبَّانِيَّةِ. 31- لَوِ اسْتَغْرَقَ العَبْدُ عُمْرَهُ فِي تَطَلُّبِ العِبَرِ وَالفَوَائِدِ مِنْ هَذِهِ القِصَّةِ مَا كَانَ مُبَالِغًا؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: {آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}. 32- {{آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} : مَنْ فَاتَهُ العِلْمُ بِشَيْءٍ، أَوْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ حِكْمَتُهُ وَوَجْهُ العِبْرَةِ فِيهِ، سَأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ؛ لِيَتَعَلَّمَ وَيَأْخُذَ العِبْرَةَ. 33- {{آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} : خُلَاصَةُ نَبَإِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أَنَّهُمْ أَسَاءُوا وَأَحْسَنَ، وَصَدَرَ مِنْهُمْ الشَّرُّ وَمِنْهُ الخَيْرُ، فَكَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِ عَنَاءً وَآخِرُهُ هَنَاءً، وَمَبْدَؤُهُ ذُلًّا وَنِهَايَتُهُ عِزًّا، وَهُمْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ؛ فَفِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَآيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ. 34- فِي القِصَّةِ مَجَالٌ لِسُؤَالِ السَّائِلِينَ عَنْ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ، ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ. 35- جَوَابُ السُّؤَالِ يَتَحَدَّدُ بِحَسَبِ مَصْلَحَةِ السَّائِلِ، فَيَكُونُ أَحْيَانًا تَرْبَوِيًّا، أَوْ إِيمَانِيًّا، أَوْ عَقِدِيًّا، أَوْ إِدَارِيًّا، أَوْ حَيَاتِيًّا.. وَهَكَذَا. 36- السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مِنْ أَهَمِّ طُرُقِ التَّعْلِيمِ وَوَسَائِلِ الِانْتِفَاعِ الَّتِي تُوصِلُ إِلَى الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ. 37- الْمُوَفَّقُ مَنْ يَرْعَى سَمْعَهُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ وَيَسْتَخْرِجُ الدُّرَرَ مِنْهَا، وَالْمَحْرُومُ مَنْ لَا يُبَالِي، {{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} . 38- الحِرْصُ عَلَى فَهْمِ قِصَّةِ يُوسُفَ وَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ يُؤَدِّي إِلَى تَقْوِيَةِ الإِيمَانِ وَالْوَثُوقِ بِعَهْدِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ. 39- فِيهَا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَمَا تَعَرَّضَ يُوسُفُ لِلأَذَى مِنْ إِخْوَتِهِ وَصَبَرَ وَأَتَتْهُ الآيَاتُ، كَذَلِكَ أَنْتَ يَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَتَعَرَّضُ مِنْ عَشِيرَتِكَ وَأَقْرِبَائِكَ، وَيَحْصُلُ لَكَ مِنَ الْعِبَرِ وَالآيَاتِ مَا حَصَلَ لِيُوسُفَ. 40- فِيهَا إِثْبَاتُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْجَازٌ لَهُ، لِكَوْنِهِ أُمِّيًّا وَأَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ وَأَحْدَاثٍ غَيْبِيَّةٍ مَلِيئَةٍ بِالْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ. 41- الْقِيَادَةُ الْحَكِيمَةُ لِلنَّاسِ لَا تَتِمُّ إِلَّا عَلَى أَسَاسِ مَعْرِفَةِ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَى الْعِبَرِ مِمَّا حَدَثَ لَهَا، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ التَّارِيخَ يَكُونُ مُسْتَقْبَلُهُ غَامِضًا.
__________________
|
|
#17
|
||||
|
||||
|
سوانح تدبرية من سورة يوسف أيمن الشعبان |9| {إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة} الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29]. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا. الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ. فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ. قال تعالى: {{إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8)}} . حين قال إخوته فيما بينهم: ليوسف وأخوه الشقيق أحب إلى أبينا منا ونحن جماعة ذوو عدد فكيف فضَّلهما علينا؟ إنا لنراه في خطأ بيِّن حين فضَّلهما علينا من غير سبب يظهر لنا. (المختصر في تفسير القرآن الكريم). فوائد ووقفات وهدايات وتأملات: 1- يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُدْرِكَ أَبْعَادَ كَلِمَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ، فَلَا يَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعِي مَرَامِيَهُ، فَقَدْ تَجُرُّ كَلِمَةٌ إِلَى مَهَالِكَ، وَكَذَلِكَ التَّصَرُّفَاتُ وَالأَفْعَالُ. 2- ذَوُو الهَيْئَاتِ وَالشَّأْنِ يُذْكَرُونَ أَوَّلًا، وَالأَتْبَاعُ يُلْحَقُونَ بِهِمْ، كَقَوْلِ اللهِ: {{يُوسُفُ وَأَخُوهُ}} . 3- بِدَايَةُ الإِشْكَالِ بَيْنَ الإِخْوَةِ تَكُونُ فِي عَقْلِيَّةِ الاسْتِقْطَابِ، وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الغَائِبِ، فَلَا تُعَبِّرْ عَنْ أَخِيكَ بِضَمِيرِ الغَائِبِ. 4- مُقَدِّمَتَانِ خَاطِئَتَانِ أَدَّتَا إِلَى نَتِيجَةٍ خَاطِئَةٍ؛ فَحُبُّهُ لِيُوسُفَ لَيْسَ خَطَأً، وَكَوْنُهُمْ عُصْبَةً لَيْسَ سَبَبًا لِلتَّفْضِيلِ. 5- قال الآلوسي بخصوص شقيق يوسف: ولمْ يَذْكُرُوهُ بِاسْمِهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ مُحَبَّةَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ لِأَجْلِ شَقِيقِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامِ، وَلِذَا لَمْ يَتَعَرَّضُوه بِشَيْءٍ مِمَّا أَوْقَعَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامِ. 6- المَيْلُ القَلْبِيُّ خَارِجٌ عَنْ نِطَاقِ تَصَرُّفِ الإِنْسَانِ، فَلَا يَمْلِكُ التَّحَكُّمَ بِهِ تُجَاهَ الآخَرِينَ. 7- العَدْلُ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ الأُمُورِ وَالأَحْوَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسَاوَاةٍ عَدْلًا؛ فَالمَيْلُ القَلْبِيُّ لَا يُمْلَكُ، وَالخَلَلُ فِي طَلَبِ المُسَاوَاةِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ، وَاتِّهَامِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِعَدَمِ العَدْلِ. 8- إِشْكَالِيَّةٌ وَاقِعِيَّةٌ: كَثِيرٌ مِمَّنْ حَوْلَكَ لَا يَطْلُبُونَ مِنْكَ مُجَرَّدَ المَحَبَّةِ، بَلْ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الأَحَبَّ إِلَى قَلْبِكَ؛ كَمَا قَالُوا: {{أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا}} . 9- لَيْسَ مِعْيَارُ القُرْبِ وَالبُعْدِ وَالحُبِّ وَالبُغْضِ بِالمَنَافِعِ المَادِّيَّةِ وَلَا بِالكَثْرَةِ وَالعَدَدِ؛ فَقَدْ يَكُونُ وَاحِدٌ أَحَبَّ مِنْ آلَافٍ، وَمِثْقَالٌ مِنْ ذَهَبٍ خَيْرٌ مِنْ مِئَةٍ مِنْ تُرَابٍ. 10- لَا بَأْسَ بِمَيْلِ القَلْبِ إِلَى أَحَدِ الأَبْنَاءِ مَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي عَطَاءٍ زَائِدٍ أَوْ تَفْضِيلٍ ظَاهِرٍ. 11- المَيْلُ إِلَى أَحَدِ الأَبْنَاءِ فِي المَحَبَّةِ قَدْ يُورِثُ العَدَاوَةَ بَيْنَ الإِخْوَةِ؛ فَهٰذِهِ الآيَةُ تُلَقِّنُ الآبَاءَ دَرْسًا جَلِيًّا فِي حُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ الأَبْنَاءِ، دُونَ إِثَارَةِ كَوَامِنِ النُّفُوسِ وَنَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ. 12- كَمْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى مُرَاجَعَةِ قَنَاعَاتِنَا، وَمَا يَعْلَقُ فِي أَذْهَانِنَا مِنْ مُسَلَّمَاتٍ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ تَسُودُهُمُ الأَوْهَامُ. 13- الشَّفَقَةُ وَالمَحَبَّةُ فِي الأَخِ الشَّقِيقِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي الأَخِ لِلأَبِ. 14- كَانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثَالًا عَلِيًّا فِي العَدْلِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، فَأَثْبَتَ الأَوْلادُ حُبَّهُمْ لَهُ أَيْضًا، وَهٰذَا حُبٌّ غَرِيزِيّ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَيَّ نَقْصٍ آخَرَ. 15- ذَوُو المَصَالِحِ قَدْ يَجْتَمِعُونَ عَلَى هَدَفٍ مُشْتَرَكٍ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ خَطَرٌ أَوْ ضَرَرٌ، وَقَدْ يَكُونُ الضَّرَرُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى أَقْرِبَائِهِمْ أَوْ عَلَى مُجْتَمَعِهِمْ. 16- القُوَّةُ وَالعَدَدُ تُورِثَانِ الغُرُورَ، فَقَالُوا: {{وَنَحْنُ عِصْبَةٌ}} فَاغْتَرُّوا بِقُوَّتِهِمْ وَعَدَدِهِمْ. 17- الحَاسِدُ تَثْقُلُ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَخِيهِ فِي النَّسَبِ أَوِ الجِنْسِ أَوِ الدِّينِ. 18- الحَسَدُ يَقْلِبُ مَحَاسِنَ المَحْسُودِ إِلَى مَسَاوِئَ فِي نَظَرِ الحَاسِدِ، وَيُظْهِرُ لَهُ الأَشْيَاءَ على غَيْرَ طَبِيعَتِهَا. 19- ضَرُورَةُ سَدِّ الأَسْبَابِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الحَسَدِ وَتُؤَدِّي إِلَى الفُرْقَةِ بَيْنَ الأَبْنَاءِ. 20- يُخْطِئُ فِي الفَهْمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الحَسَدَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الأَبْعَدِينَ؛ فَقَدْ يَحْسُدُكَ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْكَ. 21- إِذَا وَجَدْتَ مِنْ أَخِيكَ جَفْوَةً أَوْ نُفْرَةً فَاتَّهِمْ نَفْسَكَ أَوَّلًا، فَهٰذَا مِنَ الإِنْصَافِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فِي اللَّهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا»، وَقَدْ وَقَعَ الخَلَلُ حِينَ اتَّهَمَ إِخْوَةُ يُوسُفَ أَبَاهُمْ وَلَمْ يَتَّهِمُوا أَنْفُسَهُمْ. 22- التَّعَصُّبُ يُوَلِّدُ الشَّرَّ وَالكَيْدَ وَالتَّآمُرَ، وَبِهِ يَبْدَأُ بَلَاءُ الأُمَّةِ عِنْدَمَا يَكُونُ لِلْفَرْدِ أَوِ القَبِيلَةِ أَوِ الحِزْبِ أَوِ العِرْقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِمْ: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}، وَقَدْ وَرَدَتْ «عُصْبَةٌ» فِي القُرْآنِ فِي سِيَاقِ الذَّمِّ وَالشَّرِّ. 23- فِيهِ أَنَّ كَيْدَ الحَاسِدِ وَشَرَّهُ يَشْتَدَّانِ إِذَا كَانَ لَهُ قُوَّةٌ؛ كَقَوْلِهِمْ: {{وَنَحْنُ عِصْبَةٌ}} . 24- فِي مِيزَانِ الغَابِ يَنْظُرُونَ إِلَى العَدَدِ وَالقُوَّةِ دُونَ الحَقِّ، فَلَيْسَتِ الفَضِيلَةُ بِقُوَّةِ الأَجْسَادِ بَلْ بِالعَقْلِ وَالفُؤَادِ؛ فَمِقْيَاسُ أَهْلِ الدُّنْيَا العُدَّةُ وَالعَدَدُ، وَمِقْيَاسُ أَهْلِ الدِّينِ الإِيمَانُ وَالتَّقْوَى. 25- الحَسُودُ لَا يَسُودُ؛ فَلَمَّا حَسَدُوا يُوسُفَ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِيهِ لَهُ، جَعَلَهُ اللَّهُ فَوْقَهُمْ، فَأَقَامَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا، وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي أَسْفَلِ الجُبِّ فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى سَرِيرِ المُلْكِ. 26- الحَسَدُ سَبَبٌ لِكَثِيرٍ مِنَ البَلَايَا وَالجَرَائِمِ؛ فَقَدْ حَمَلَ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَعُقُوقِ الوَالِدَيْنِ، وَالكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ، بَلْ وَالتَّفْكِيرِ فِي القَتْلِ. 27- يَجِبُ عَلَى الأُمَّةِ إِنْكَارُ المُنْكَرِ؛ لِئَلَّا يَفْشُوَ فَيُصْبِحَ خُلُقًا وَعَادَةً، فَتَسْتَحِقَّ العُقُوبَةَ، وَالسَّاكِتُ عَنْهُ شَرِيكٌ فِي الإِثْمِ؛ فَالسُّكُوتُ كَأَنَّهُ قَوْلٌ. 28- مِنْ أَخْطَرِ الإِشْكَالِيَّاتِ التَّفْكِيرُ بِعَقْلِيَّةِ الإِقْصَاءِ وَالأَطْرَافِ وَالأَقْطَابِ، وَتَقْدِيسُ الذَّوَاتِ، فَإِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ مَرَضُ الرَّقْمِ وَالكَثْرَةِ، تَكُونُ النَّتِيجَةُ كَارِثِيَّةً، كَقَوْلِهِمْ: {{لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}} . 29- تَمَكُّنُ الحَسَدِ مِنْ قَلْبِ المَرْءِ يُعْمِيهِ عَنْ مَعَانِي البِرِّ وَحُسْنِ الظَّنِّ، حَتَّى يُفْضِيَ بِهِ إِلَى العُقُوقِ؛ فَقَدْ قَادَ الحَسَدُ إِخْوَةَ يُوسُفَ إِلَى أَنْ قَالُوا عَنْ أَبِيهِمْ: {إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. 30- فِيهِ أَنَّ ضَرَرَ الحَسَدِ لَا يَقِفُ عِنْدَ المَحْسُودِ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ كَقَوْلِهِمْ: {{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}} . 31- جَمَعَتْ هٰذِهِ الآيَةُ بَيْنَ العُقُوقِ قَوْلًا وَفِعْلًا؛ فَبِالفِعْلِ تَعَمَّدُوا إِيذَاءَ يُوسُفَ، وَفِيهِ إِيذَاءٌ لِيَعْقُوبَ، وَبِالقَوْلِ قَالُوا: {{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}} . 32- دَيْدَنُ المُفْسِدِينَ اتِّهَامُ المُصْلِحِينَ بِالضَّلَالِ وَالبُعْدِ عَنِ الحَقِيقَة؛ كَقَوْلِهِمْ: {{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}} . 33- طَرْحُ القَضَايَا بِانْفِعَالٍ دُونَ أُسُسٍ صَحِيحَةٍ مِنَ العِلْمِ وَالمَنْطِقِ يُفْضِي إِلَى أَحْكَامٍ جَائِرَةٍ؛ فَإِنَّ المُقَدِّمَاتِ البَاطِلَةَ تُنْتِجُ نَتَائِجَ خَاطِئَةً. 34- وَجُوبُ التِّزَامِ حُدُودِ الأَدَبِ وَاللِّيَاقَةِ مَعَ الوَالِدِ خُصُوصًا إِذَا كَانَ ذَا عِلْمٍ وَصَلَاحٍ. 35- قال محمد رشيد رضا: وُجُوبُ عِنَايَةِ الْوَالِدَيْنِ بِمُدَارَاةِ الْأَوْلَادِ وَتَرْبِيَتِهِمْ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالْعَدْلِ، وَاتِّقَاءِ وُقُوعِ التَّحَاسُدِ وَالتَّبَاغُضِ بَيْنَهُمْ. 36- قال محمد رشيد رضا: اجْتِنَابُ تَفْضِيلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا يَعُدُّهُ الْمَفْضُولُ إِهَانَةً لَهُ وَمُحَابَاةً لِأَخِيهِ بِالْهَوَى. 37- قال محمد رشيد رضا: سُلُوكُ سَبِيلِ الْحِكْمَةِ فِي تَفْضِيلِ مَنْ فَضَّلَ اللهُ - تَعَالَى - بِالْمَوَاهِبِ الْفِطْرِيَّةِ كَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّقْوَى وَالْعِلْمِ وَالذَّكَاءِ. 38- كُلُّ مَنْ أَرَادَ تَقْدِيمَ مَنْ أَخَّرَهُ اللَّهُ أَوْ تَأْخِيرَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ، أَطَالَ اللَّهُ حُزْنَهُ وَعَاقَبَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ. 39- مُشْكِلَةٌ أَنْ يَكُونَ مَيْلُكَ الطَّبِيعِيُّ سَبَبًا فِي رَمْيِكَ فِي الضَّلَالِ وَالخَطَإِ فِي التَّصَوُّرِ. 40- كَمْ مِنْ مُقَدِّمَةٍ لَا تَدُلُّ عَلَى نَتِيجَتِهَا! فَلَمْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّ مَحَبَّةَ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ سَتُوَصِلُهُ إِلَى غَيَابَةِ الجُبِّ! 41- عَطَايَا القَلْبِ أَثْمَنُ مِنْ عَطَايَا اليَدِ؛ فَقَدْ حَسَدُوا يُوسُفَ لِحُبِّهِ القَلْبِيِّ لا لِمَالِهِ! وَهٰذَا يُدَلُّ عَلَى قِيمَةِ المَشَاعِرِ وَأَثَرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ بَيْنَ الأَوْلَادِ أَوِ الزَّوْجَاتِ أَوِ التَّلَامِيذِ. 42- الحَسَدُ وَالغِيرَةُ حَرَّكَتْ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَى أَعْمَالٍ شِنِيعَةٍ، وَالمُؤْمِنُ العَاقِلُ يَدْفَعُهُمَا؛ فَهٰذَا هُوَ مَبْدَأُ كُلِّ حَسَدٍ: «لِمَاذَا هُوَ وَلَيْسَ أَنَا؟!». 43- فِي كَلِمَاتِهِمِ القَاسِيَةِ عَنْ أَبِيهِمِ النَّبِيِّ الكَرِيمِ عِزَاءٌ لِكُلِّ أَبٍ يُصَادِفُ عُقُوقًا أَوْ جُحُودًا أَوْ تَقْصِيرًا مِنْ أَبْنَائِهِ، فَيَجِبُ عَلَى الآبَاءِ وَالمُرَبِّينَ أَنْ تَتَّسِعَ صُدُورُهُمْ لِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنَ الاتِّهَامَاتِ الخَاطِئَةِ وَغَيْرِ المُوَزُونَةِ. 44- لا تُظْهِرْ مَشَاعِرَكَ السَّيِّئَةَ لِلآخَرِينَ، فَإِنَّ التَّكَلُّمَ بِهَا مَعَ مَنْ لَهُ نَفْسُ المَشَاعِرِ يُؤَدِّي إِلَى أَفْعَالٍ، وَهٰذَا هُوَ مَكْمَنُ الخَطَرِ؛ فَالْأَوْلَى صَرْفُهَا كَخَوَاطِرَ دُونَ تَكَلُّمٍ. 45- ظَاهِرُ سِيَاقِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عِصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ نُبُوَّةِ إِخْوَةِ يُوسُفَ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ. 46- مِنَ الأَسَالِيبِ الخَاطِئَةِ وَضْعُ التَّبْرِيرِ قَبْلَ تَخْطِئَةِ النَّاسِ، ثُمَّ اتِّخَاذِ القَرَارِ عَلَى هٰذَا الأسَاسِ، وَيُسَمِّيهِ العُلَمَاءُ: «المُقَدِّمَةُ المَنْطِقِيَّةُ». 47- {{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}} هٰذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الحَسَدَ يُعْمِي وَيُصِمُّ، وَأَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي العَلِمِ أَهْلُهُ. 48- يَجِبُ عَلَى الأَبِ أَنْ يُرَاعِيَ الغِيرَةَ بَيْنَ الأَبْنَاءِ. 49- الغِيرَةُ قَدْ تَنْبُعُ مِنَ الكِبَارِ نَحْوَ الصِّغَارِ. 50- يَجِبُ عَدَمُ التَّسَرُّعِ فِي الحُكْمِ عَلَى الأُمُورِ مِنْ أَوَّلِ سَبَبٍ عَارِضٍ، بَلْ يَجِبُ أَخْذُ الاحْتِمَالَاتِ الأُخْرَى بِالاعْتِبَارِ وَالتَّفَحُّصِ.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |