الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5214 - عددالزوار : 2530926 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4811 - عددالزوار : 1870390 )           »          حصِّن نفسَك الدكتور محمد الزغبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 9 - عددالزوار : 339 )           »          الأسرة ومواجهة التحديات الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 7 - عددالزوار : 726 )           »          ليلة القدر.. وعد النور وميلاد الأقدار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 58 )           »          اغتنام جواهر العشر الأواخر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 52 )           »          شرحُ العقيدةِ الطحاوية الشيخ سيد البشبيشي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 25 - عددالزوار : 357 )           »          القلب في القرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 308 )           »          العشر الأواخر من رمضان.. (لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 50 )           »          عكرمة -رضي الله عنه- وقصة السفينة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 59 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #21  
قديم 11-03-2026, 11:48 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(21)




أما ما يَصْرِفه بالكلية: فالطبع والختم وما في معناهما (1)
- كما سبق- فيصير العبد إلى الحال التي وصفها الله تعالى بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} (يونس: 42، 43)، وقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} (الأنعام: 25) (2).
وأما ما يُضْعِفُ التدبر: فأمور عدة؛ منها:


1) الذنوب والمعاصي:
ينبغي على المسلم أن يتخلى «عن موانع الفهم؛ ومن ذلك أن يكون مُصِرًّا على ذنب، أو مُتَّصِفًا بكِبْر، أو مُبتلًى بهوى مُطاع، فإن ذلك سبب ظُلْمَة القلب وصَدَئِه؛ فالقلب مِثْل المرآة، والشهوات مِثْل الصَّدَأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل جلاء المرآة» (3).

قال الزركشي - رحمه الله -: «اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره، وفي قلبه بدعة أو كِبْر أو هوى أو حب دنيا، أو هو مُصِرّ على ذنب، أو غير متحقق بالإيمان، أو ضعيف التحقيق، أو يعتمد على مفسر ليس عنده علم، أو راجع إلى معقوله؛ وهذه كلها حُجب وموانع بعضها آكدُ من بعض» اهـ (4).
قال بعض السلف: «أذنبت ذنبًا؛ فحُرِمت فهم القرآن» (5).
وقد تكون بعض الذنوب أبلغَ تأثيرًا في القلب من بعض؛ كالغِنَاء؛ فإنه سَمَاع أهل الشهوات المُحَرَّمة، وكثير منهم يستعيض به عن سماع القرآن، والواقع «أنه يُلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه؛ فإن القرآن والغِنَاء لا يجتمعان في القلب أبدًا؛ لما بينهما من التضاد؛ فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعِفَّة ومُجَانَبة شهوات النفوس وأسباب الغيّ ... » (6).

قال ابن القيم في القصيدة النونية (7):
واللهِ إنَّ سماعَهُم في القلب والْـ ... إيمانِ مثلُ السُّمِّ في الأبدانِ
فالقلبُ بَيتُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالهُ ... حُبًّا وإخلاصًا مع الإحسانِ
فإذا تَعَلَّق بالسَّماع أحالَهُ ... عبدًا لكلِّ فُلانةٍ وفُلانِ

حُبُّ الكتاب وحُبُّ ألْحان الغِنا ... في قلب عَبدٍ ليس يجتَمِعانِ
2) الفضول من النظر والكلام والخُلْطة والنوم والأكل والشرب:


قال المروزي - رحمه الله -: «قلت لأبي عبد الله- يعني: الإمام أحمد - رحمه الله -: يجد الرجل من قلبه رِقَّة وهو يشْبَع؟ قال: ما أرى! » (8).
وعن محمد بن واسع - رحمه الله - قال: «من قَلَّ طُعْمُه، فَهِم وأفهم وصَفَا ورَقّ، وإن كثرة الطعام لَيُثْقِل صاحبه عن كثير مما يريد» (9).

وعن أبي سليمان الداراني - رحمه الله - قال: «إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغير العقل» (10).
وعن قُثَم العابد - رحمه الله - قال: «كان يقال: ما قَلَّ طعام امرئ قط إلا رَقّ قلبه
ونَدِيَتْ عيناه» (11).
وعن أبي عمران الجَوْني * - رحمه الله - قال: «كان يقال: من أحب أن يُنَوَّرَ قَلْبُهُ، فَلْيُقِلَّ طُعْمَه» (12).

وعن إبراهيم بن أدهم - رحمه الله - قال: «من ضَبَطَ بطنه ضَبَط دينه، ومن مَلَك جُوعَه مَلَك الأخلاق الصالحة» (13).


وقال الحسن بن يحيى الخُشَني - رحمه الله -: «من أراد أن يُغْزِر دموعه ويرِقّ قلبه، فليأكل وليشرب في نصف بطنه».
وقال أحمد بن أبي الحواري - رحمه الله -: «فحَدَّثْتُ بهذا أبا سليمان فقال: إنما جاء الحديث: «ثلث طعام وثلث شراب»، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سُدُسًا»
(14).
وعن الشافعي - رحمه الله - قال: «ما شَبِعْتُ منذ ستَّ عشْرةَ سنة إلا شبعة أطرحها؛ لأن الشِّبَع يُثْقِل البدن، ويُزِيل الفِطْنة، ويجلب النوم، ويُضْعِف صاحبه عن العبادة» (15).

وقالت عائشة - رضي الله عنها -: «أول بدعة حدثت بعد رسول الله: الشِّبَع؛ إن القوم لما شبعت بطونهم، جمحت نفوسهم إلى الدنيا» (16).
ثانيًا: عدم حضور القلب:
وقد مضى كلام الحافظ ابن القيم - رحمه الله - حيث ذكر أن «الناس ثلاثة: رجل قلبه ميت ... الثاني: رجل له قلب حي ... لكنه مشغول ليس بحاضر، فهذا أيضًا لا

تحصل له الذكرى. والثالث: رجل حي القلب مستعد، تُليت عليه الآيات فأصغى بسمعه وألقى السمع، وأحضر القلب، ولم يشغله بغير فهم ما يسمع، فهو شاهد القلب، فهذا القِسْم هو الذي ينتفع بالآيات» (17).
وإنما يتخلف القلب عن الحضور حال التلاوة أو السماع لأسباب متعددة؛ منها:

أ- أن يكون مطلوب القارئ مُنْحَصِرًا في القراءة فقط، والإكثار منها فحسب؛ طلبًا للأجر، وقد مضى الكلام على ما يتصل بهذا المعنى عند الكلام على الشروط.
قال الحسن - رحمه الله -: «يابن آدم كيف يَرِقّ قلبك، وإنما هِمَّتُك في آخر السُّورة؟ !
» (18).


--------------------------
(1) ينظر على سبيل المثال: مجموع الفتاوى (9/ 307 - 319).
(2) وقد شرح الحافظ ابن القيم - رحمه الله - هذه الحُجب:

(3) مختصر منهاج القاصدين ص: 69. (مع الاختصار والتصرف). وينظر: الإحياء (1/ 284).
(4) البرهان (2/ 181)، (مع الاختصار والتصرف)

(5) طريق الهجرتين (2/ 589).
(6) إغاثة اللهفان (1/ 445)، وراجع بقية كلامه - رحمه الله -.
(7) النونية رقم: (5161 - 5165).

(8) الورع للمروزي (323)

(9) رواه ابن أبي الدنيا في الجوع (49).
(10) السابق (87).
(11) السابق (124).

(12) السابق (142).
(13) ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (2/ 473).
(14) رواه أبو نعيم في الحلية (8/ 318)

(15) السابق (9/ 127).
(16) رواه ابن أبي الدنيا في الجوع (22).
(17) مدارج السالكين (1/ 442).
(18) مضى تخريجه ص: 57




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #22  
قديم 12-03-2026, 11:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



الخلاصة في تدبر القرآن الكريم*
خالد بن عثمان السبت
(22)





وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: «وقد لبَّس على قوم بكثرة التلاوة، فهم يَهُذُّون هَذًّا، من غير ترتيل ولا تَثَبُّت، وهذه حالة ليست بمحمودة، وقد روى جماعة من السلف أنهم كانوا يقرؤون القرآن في كل يوم، أو في كل ركعة، وهذا يكون نادرًا منهم، ومن داوم عليه فإنه- وإن كان جائزًا- إلا أن الترتيل والتثبت أحب إلى العلماء، وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث» (1)» اهـ (2).


ب- اشتغال القلب بمخارج الحروف، والمُبَالَغة في ذلك، والتكلف في الإتيان بالمدود؛ فإن القلب يتوجه عندئذ إلى القوالب اللفظية دون أن يتجاوزها إلى المعاني (3).
قال شيخ الإسلام - رحمه الله -: «ولا يجعل هِمَّتَه فيما حُجِبَ به أكثر الناس من العلوم
عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإِمالتها وَالنُّطق بالمدِّ الطَّويل والقصِير والمتوسِّط وغير ذلك؛ فَإن هذا حائلٌ للقلوب، قاطع لها عن فهم مراد الرَّب من كلامه» اهـ (4).
جـ - قِلَّة الرغبة في تَفَهُّمِه، وتَوَفُّر الهمة في الاشتغال بغيره من العلوم، وهذا حال كثير من طلاب العلم وغيرهم، وكان شُعبة بن الحَجَّاج - رحمه الله - يقول لأصحاب الحديث: «يا قوم إنكم كلما تقدمتم في الحديث، تأخرتم في القرآن» (5).


وقال الشافعي - رحمه الله - عن القرآن: «حَقٌّ على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من عِلْمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك عِلْمه: نصًّا واستنباطًا، والرغبة إلى الله في العون عليه، فإنه لا يُدرَك خير إلا بعونه؛ فإن من أدرك علم أحكام الله في كتابه نصًّا واستدلالًا، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، وانتفت عنه الرِّيَب، ونَوَّرَت في قلبه الحكمة، واستوجب في الدين موضع الإمامة» اهـ (6).


وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله -: «وأما طلب حفظ القرآن، فهو مقدم على كثير مما تسميه الناس علمًا: وهو إما باطل أو قليل النفع، وهو أيضًا مُقَدَّم في التعلم في حق من يريد أن يَتَعَلَّم علم الدين من الأصول والفروع، فإن المشروع في حق مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن؛ فإنه أصل علوم الدين ... والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه هِمَّة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين» اهـ (7).
وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: «ولو تفكروا لَعَلِموا أن المراد حفظ القرآن، وتقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يُصْلِح النفس ويُطهر أخلاقها، ثم التشاغل بالمُهِم من علوم الشرع، ومن الغَبْن الفاحش تضييع الزمان فيما غيره الأهم»
اهـ (8).


د- قد يكون عدم حضور القلب لِتَفَرُّقِه لأمور عارضة من هَمٍّ بصاحبه، أو انفعال وتوتُّر، أو قلق مُزعج، أو فرح مُفْرِط، أو أَلَم يُعانيه، أو حَقْن أو حَقْب، أو غير ذلك من الأمور التي تعرض للإنسان، فينبغي أن يكون وِرْدُنا في التدبر في حالٍ تتهيأ فيها النفس، وتكون مستعدة للتدبر والتفهم.
ثالثًا: التصورات الذهنية القاصرة:

إن الإنسان- كما سبق- أَسِيرٌ لمعتقداته وتصوراته وأفكاره، فمن التصورات الفاسدة التي تَحُول دون التدبر:
1 - اعتقاد أن القرآن نزل لمعالجة أوضاع وأحوال كانت في عصر التنزيل، ولا تَعَلُّق
له بحياة الناس المعاصرة ومستجدَّاتها!
وقد مضى طرفٌ من الكلام الذي له تَعَلُّق بهذه القضية عند الكلام على شروط التدبر. وهكذا من ينظر إليه باعتبار أنه كتاب يُقرأ للبركة فحسب، أو للرقية، أو في المآتم
والأحزان.


قال ابن القيم - رحمه الله -: «أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتَضَمُّنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خَلَوْا من قبل ولم يُعْقِبُوا وارثًا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولَعَمْر الله إن كان أولئك قد خَلَوْا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شرٌّ منهم أو دونهم، وتَنَاوُل القرآن لهم كتناوله لأولئك» اهـ (9).
وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ - رحمه الله -: «وربما سمع بعضهم قول من يقول
من المفسرين: هذه نزلت في عُبَّاد الأصنام، هذه نزلت في النصارى، هذه في الصابئة، فيظن الغُمر أن ذلك مُخْتَصّ بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تَحُول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة» اهـ (10).
2 - الورع البارد:


وذلك أن بعضهم ربما ترك التدبر تورُّعًا من القول على الله بلا علم.
يقول عن ذلك ابن هُبيرة - رحمه الله -: «من مكايد الشيطان: تنفيره عِبَاد الله من
تدبر القرآن؛ لعلمه أن الهدى واقع عند التدبر، فيقول: هذه مُخَاطَرة، حتى يقول الإنسان: أنا لا أتكلم في القرآن تَوَرُّعًا» اهـ (11).
ولذلك قال ابن القيم - رحمه الله -: «ومن قال: إن له تأويلًا لا نفهمه ولا نعلمه وإنما
نتلوه متعبِّدين بألفاظه، ففي قلبه منه حرج» اهـ (12).
وقال الشِّنقيطي - رحمه الله -: «قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبُّر هذا القرآن العظيم، وتفهمه والعمل به لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة ... قول لا مُسْتَنَد له من دليل
شرعي أصلًا.
بل الحق الذي لا شك فيه أن كل من له قدرة من المسلمين على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمهما، والعمل بما علم منهما ...


مما يوضح ذلك: أن المُخَاطَبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار، ليس أحد منهم مُسْتَكْمِلًا لشروط الاجتهاد المُقَرَّرة ... لو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به، والاهتداء بهديه إلا المجتهدون بالاصطلاح الأصولي لَمَا وبَّخ الله الكفار، وأنكر عليهم عدم الاهتداء بهداه، ولَمَا أقام عليهم الحجة به ...
ولْتعلمْ أن كتاب الله وسنَّة رسوله في هذا الزمان أيسر منه بكثير في القرون الأولى؛ لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك ... فكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها من
النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم من الصحابة والتابعين وكبار المفسرين» اهـ (13).
والله تعالى أعلم، وصلى على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


-------------------------
(1) مضى تخريجه ص: 37.
(2) تلبيس إبليس ص: 128، وسيأتي نحوه قريبًا.
(3) للاستزادة راجع: الإحياء (1/ 284).
(4) مجموع الفتاوى (16/ 50).
(5) سير أعلام النبلاء (7/ 223)

(6) الرسالة ص: 19.


(7) مجموع الفتاوى (23/ 54 - 55).
(8) تلبيس إبليس ص: 101
(9) مدارج السالكين (1/ 343)

(10) تحفة الطالب والجليس (ص 65)، وضمن الدرر السنية (12/ 205).
(11) ذيل طبقات الحنابلة (2/ 156).
(12) التبيان ص: 343
(13) الأضواء (7/ 459 - 460). وقد مضى ص: 77، وراجع بقية كلامه - رحمه الله - فإنه مفيد


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #23  
قديم 13-03-2026, 01:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



السلف والقرآن في رمضان
  • الكاتب: إسلام ويب
(23)





كان تعامل السلف مع القرآن عموماً وفي رمضان خصوصاً تعاملاً فريداً، بل عجيباً، فكان إذا هلَّ عليهم شهر رمضان، لم يكن لهم شُغُلٌ سوى القرآن، تلاوة وفهماً وتدبراً وتنزيلاً، ولم يلفتوا إلى ما سواه، وما نُقل عنهم وما نقلته كتب السير من أعمالهم يبيِّن حرصهم الشديد، وعِظَمَ إقبالهم عليه، ولا غرو في ذلك فالقرآن الكريم فيه حياة المؤمن، ورمضان الفضيل فيه الخير الجزيل.


وقد كان السلف الصالح -كما قال ابن رجب في لطائف المعارف- يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان في الصلاة وفي غير الصلاة، وكان بعضهم يختم القرآن في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان الأسود النخعي يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان، وقد رويَ عن أبي حنيفة والشافعي أكثر من ذلك، وليس هذا بمستغرب على سلفنا الكرام، فقد بارك الله لهم في أوقاتهم، وبارك لهم في أعمالهم، وبارك لهم في كل شؤون حياتهم الدينية والدنيوية.
وأسوتهم في كل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة رضي الله عنه ليلة في رمضان، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة. رواه أحمد وغيره.
وأمر عمر رضي الله عنه أُبيَّ بن كعب، وتميماً الداري رضي الله عنهما، أن يقوما


بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمئتين في ركعة، أو (بالمئين) حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.
وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. ورويَ عن الإمام أبي حنيفة أنه كان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وفي رمضان في كل يوم مرتين، مرة في النهار ومرة في الليل. ورويَ عن الإمام مالك أنه كان إذا دخل
رمضان ترك قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقيل لأخت مالك: ما كان شغل مالك في بيته؟ قالت: المصحف، والتلاوة. والشافعي قال عنه ربيع بن سليمان: "كان يختم في شهر رمضان ستين ختمة، ما منها شيء إلَّا في صلاة". وكان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليال بختمة. وروى عبد الرزاق أن سفيان

الثوري كان إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على تلاوة القرآن. وذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" أن المأمون بن هارون الرشيد "تلا في رمضان ثلاثاً وثلاثين ختمة". والحافظ أبو بكر بن محمد البلاطُنُسِي كان يختم في رمضان في كل ليلة ختمتين، وأكبَّ في آخر عمره على التلاوة، فكان لا يأتيه الطلبة لقراءة الدرس إلا وجدوه يقرأ القرآن. وأبو عبد الله الحلفاوي التونسي نزيل غرناطة يعرف بـ ابن المؤذن، كان يختم في رمضان مئة ختمة. وكان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه. وعن محمد بن مسعر قال: كان أبي لا ينام حتى يقرأ نصف القرآن.
ولم يكن مقصود السلف الإكثار من قراءة القرآن فحسب، بل كان مقصودهم الأساس التدبر والفهم والعمل، وكانوا يتخذون من شهر رمضان فرصة لمدارسة القرآن ومعرفة
أخلاقه وتدبر أحكامه؛ روى عبد الرزاق في "المصنف" عن سفيان الثوري عن سعيد

الطائي، قال: رأيت سعيد بن جبير، وهو يؤمهم في رمضان، يردِّد هذه الآية: {إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون} (غافر:71) {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك} (الانفطار: 6-7) يرددها مرتين ثلاثاً. والحافظ ابن عساكر كان يختم القرآن كل جمعة، ويختم في رمضان كل يوم، وكان كثير النوافل والأذكار، ويحاسب نفسه على كل لحظة تذهب في غير طاعة.
قال الحافظ ابن رجب: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي تُطْلَبُ فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكة شرفها الله، لمن دخلها من غير
أهلها، فيستحب فيها الإكثار من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان".

وعن كعب قال: "ينادي يوم القيامة منادٍ بأن كل حارث يُعطى بحرثه ويزاد، غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب، ويشفعان له أيضاً عند الله عز وجل"، كما في "المسند" عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار، ويقول القرآن: منعته النوم بالنهار، فشفعني فيه، فيشفعان) رواه الحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
فما أحوجنا لاغتنام هذا الشهر الكريم في التعامل مع القرآن الكريم؛ تلاوة وحفظاً وفهماً وتدبراً وعملاً، فهو الكتاب الذي تصلح به أمور الناس، وتستقيم به أحوالهم في الدنيا


والآخرة؛ ولذلك بشر سبحانه به الناس عامة، فهو رحمة وهدى وشفاء قال جل وعلا: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} (الإسراء:82) وإنما خصَّ سبحانه المؤمنين بهذا؛ لكونهم المنتفعين من هذا القرآن، وإلا فإن القرآن رحمة لكل أحد، ففيه الهدى والنور، وفيه ترتيب شؤون حياة الناس وإقامة معادهم وإصلاح دنياهم وآخرتهم. والله ولي التوفيق والتسديد.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #24  
قديم 14-03-2026, 12:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



رمضان وتدبر القرآن
  • الكاتب: إسلام ويب
  • (24)




العلاقة بين القرآن العظيم وشهر رمضان الكريم علاقة وطيدة وثيقة، يرشد لهذه العلاقة أن نزول القرآن كان في شهر رمضان، كما قال سبحانه: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) ولنزول القرآن في هذا الشهر الكريم دلالة عظيمة؛ فشهر رمضان أفضل الشهور والقرآن الكريم خاتم كتب المرسلين والمهيمين عليها أجمعين.
وليس خاف أن المقصود الأساس من القرآن العمل بما فيه، وتنزيله على واقع الحياة،


فالقرآن قبل كل شيء وبعد كل شيء كتاب هداية ورشاد، قال تعالى: {يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا} (الإسراء:9) فالمهمة الأساس لهذا القرآن هداية الخلق إلى الحق، وإرشاد العباد إلى سبيل الرشاد.
وطريق العمل بالقرآن وتفعيله في واقع الحياة تدبره والوقوف على مقاصده والعلم بمراميه، فلا بد لقارئ القرآن أن يجتهد وسعه ويبذل جهده ليفهم كلام ربه؛ إذ لا عملَ بلا فهم، ولا فهمَ من غير قراءة واعية للقرآن وتدبر لآياته البينات، وقد قال سبحانه:
{كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} (ص:29) ففي الآية دليل على وجوب معرفة معاني القرآن. قال الحسن البصري: "تدبر آيات الله اتباعها". وقال أيضاً: "والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل" رواه ابن أبي حاتم.

و(التدبر) التفكر والتأمل الذي يبلغ به صاحبه معرفة المراد من المعاني، وإنما يكون ذلك في كلام قليل اللفظ كثير المعاني التي أودعت فيه بحيث كلما ازداد المتدبر تدبراً انكشفت له معان لم تكن بادية له بادئ النظر. قال الشيخ السعدي عند تفسيره لقوله تعالى:{ليدبروا آياته} : "هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحِكَمَها، فإنه بالتدبر فيه، والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود". فكلما ازداد العبد تأملاً في كتاب ربه، ازداد علماً وعملاً وبصيرة؛ لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن.
قال ابن القيم في "مدارج السالكين": "فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته". وقال


الشيخ السعدي: "على الناس أن يتلقوا معنى كلام الله كما تلقاه الصحابة رضي الله عنهم؛ فإنهم كانوا إذا قرؤوا عشر آيات أو أقل أو أكثر لم يتجاوزوها حتى يعرفوا ويحققوا ما دلت عليه من الإيمان والعلم والعمل، فينزلونها على الأحوال الواقعة، يؤمنون بما احتوت عليه من العقائد والأخبار، وينقادون لأوامرها ونواهيها، ويطبقونها على جميع ما يشهدون من الحوادث والوقائع الموجودة بهم وبغيرهم، ويحاسبون أنفسهم هل هم قائمون بها أو مخلون بحقوقها ومطلوبها، وكيف الطريق إلى الثبات على هذه الأمور النافعة وتدارك ما نقص منها، وكيف التخلص من الأمور الضارة فيهتدون بعلومه ويتخلقون بأخلاقه وآدابه، ويعلمون أنه خطاب من عالم الغيب والشهادة موجه إليهم مطالبون بمعرفة معانيه والعمل بما يقتضيه، فمن سلك هذا الطريق الذي سلكوه وجد واجتهد في تدبر كلام الله انفتح له الباب الأعظم في علم التفسير وقويت معرفته واستنارت بصيرته".

والله جل وعلا قد وبَّخ المنافقين الذين أعرضوا عن القرآن ولم يتدبروا ما فيه من خير وبركة، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء:82) فلو تأمل المنافقون وتدبروا هدي القرآن لحصل لهم خير عظيم، ولما بقوا على فتنتهم التي هي سبب إضمارهم الكفر مع إظهارهم الإسلام.
وقال لأولئك الذين يعرضون عن تدبر القرآن، : {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24) أي: هلا تدبروا القرآن عوض شغل بالهم في أمور لا تغني من الحق شيئاً. والمعنى: أن الله خلقهم بعقول غير منفعلة بمعاني الخير والصلاح، فلا يتدبرون القرآن مع فهمه، أو لا يفهمونه عند تلقيه وكلا الأمرين عجيب.و(الاستفهام) تعجيب من سوء علمهم بالقرآن، ومن إعراضهم عن تدبره، وفقه مراميه. وفحوى الآية الكريمة أَمْرٌ بتدبر القرآن، ونهيٌ عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، وإخبار أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم


حميد، فهو حق من حق.
وشهر رمضان فرصة عظيمة للتفاعل مع هذا القرآن قراءة واستماعاً وتدبراً وعملاً؛
فوقت رمضان وقت مبارك، فالشياطين مصفَّدة فيه مقيدة، ومتاع الدنيا وزخرفها غائبة، وشواغل الحياة منصرفة، وأجواء الشهر الكريم روحانية ربانية، كل ذلك معينٌ على قراءة القرآن قراءة واعية، ومساعد على تدبر معانيه، وتأمل مراميه، والوقوف على كنوزه، مما لا يحصل لقارئ القرآن في غير هذا الشهر الكريم.
وثمة جملة من المعينات على تدبر القرآن الكريم، من المفيد الوقوف عليها، والعمل بها، وهي:

- قراءة القرآن بالتأني، وذلك بالترتيل الذي يقدم قيمة التدبر على تحقيق الإنجاز، بمعنى تقديم الكيف على الكم، وقد وجَّه سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالقراءة المتأنية، قال تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4) أي: لا تعجل بقراءة القرآن، بل اقرأه في


مهل وبيان مع تدبر المعاني. ووجَّهه أيضاً بقوله: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} (القيامة:16) فهذا توجيه واضح من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة من بعده بالتمهل وعدم التعجل. ومن التوجيهات في هذا السياق قوله عز وجل: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} (طه:114) وواضح هنا الربط بين التأني في قراءة القرآن وبين زيادة العلم؛ إذ العبرة من قراءة القرآن اكتساب العلم، وهذا لا يحصل إلا بالقراءة المتأنية والمتدبِّرة. ومثل ذلك يقال في قوله عز وجل: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} (الإسراء:106).
- تفعيل جهاز الوعي عند قارئ القرآن من سمع وبصر وقلب وعقل، ومعرفة العربية التي تنزَّل بها القرآن، فمعرفة العربية لها شأن كبير في إدراك مقاصد القرآن. ويدخل
في باب تفعيل جهاز الوعي الاهتمام بالتعليم التدبري للقرآن، لا بالتلقين الاستظهاري، وهذا ما كان عليه شأن الصحابة رضي الله عنهم ومن اهتدى بهديهم، وقد كان ابن

عباس رضي لله عنه -وهو من أصغر الصحابة سناً- عالماً متفقهاً، وقد سئل: بمَ نلت هذا العلم. فقال: بلسان سؤول، وقلب عقول.
- حضور الخشوع القلبي والتفاعل الوجداني عند قراءة القرآن، وتهيئة القلب لاستنبات هدايات القرآن المختلفة على الوجه الأمثل؛ فالقلب إذا كان مليئاً بالشبهات والشهوات،
يصير تأثير القرآن عكسيًّا، فمن الضروري تنظيف القلب من الران الذي تتركه الذنوب، والابتعاد عن الأسباب المؤدية إلى وقوع القلب في آفتي الطبع والختم، وأيضاً البعد عن الرياء وتصحيح القصد بتجديد الإخلاص، وتحلية القلب بالإخبات والخشوع، والتفاعل الوجداني مع معاني الآيات؛ فمن الضروري أن تجيش العواطف مع القرآن، وفي الوقت ذاته لا بد لهذا الجيشان من الانضباط بمقاصد وتوجيهات القرآن. والذي ينفخ في الإنسان هذه العواطف والمشاعر، ويشحذ همته ويدفعه لخوض صعاب الحياة، هو القرآن الكريم، وذلك عبر آليتي التدبر، وهما: التفهم والخشوع. والقلب يقوم عبر التفكر

بدور الدفة التي تقود وتوجه الإنسان؛ فالقلب يدفع والعقل يقود، وكلاهما يحصل على طاقته وزاده من القرآن، ما يؤكد على ضرورة الجمع دوماً بين التدبر والخشوع.
- الإيمان والتلقي المتجدد؛ فترسيخ الإيمان بكل أركانه في القلب، وتحقيقه في واقع الحياة هو الغاية من نزول القرآن، وهو وسيلة أساس لتحصيل هداياته في الوقت نفسه؛ فكل هدايات القرآن ورحماته وبصائره، وكل ثماره التشريعية والخلقية والتربوية، إنما هي ثمار الإيمان القلبي الراسخ، والاعتقاد القلبي الجازم، ومن غير الإيمان لا يمكن تحصيل شيء من هذه الفوائد والثمار. كما أن الإيمان بصدقية القرآن وعظمته، والسعي لتحصيل ثماره، يقتضي الشعور بأن القرآن أُنزل إليك اليوم، والشعور بأن القرآن أُنزل الآن، يجعل القرآن جديداً في حس المسلم، ويكون أقرب على التنزيل العملي.
ويدخل في هذا الباب تعظيم القرآن والتحلي بآداب التعامل معه، فتعظيم القرآن، والاحتفاء به من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها قارئ القرآن، حتى يستفيد من كنوزه


الاستفادة المرجوة؛ لأنه سبحانه لا يفتح كنوزه إلا لمن يعظم كتابه، ويتأدب مع كلامه.
- تثوير القرآن ومدارسته أحد مفاتيح تدبر القرآن، التي يمكن من خلالها الولوج من بوابة التدبر إلى عالم الهداية القرآني، بشموله وعمومه وبركاته، وخيراته كلها، الفردية
والاجتماعية والإنسانية. قال ابن مسعود رضي الله عنه: (من أراد العلم فليثوِّر القرآن) وفي رواية أخرى: (أثيروا القرآن فإن فيه خبر الأولين والآخرين) قال في "مجمع الزوائد": "رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح". قال ابن عطية: "و(تثوير القرآن) مناقشته ومدارسته والبحث فيه، وهو ما يعرف به".
- مدارسة القرآن وتلاقح الأفكار طريق من الطرق الموصلة لتدبره وفهمه، وقد ذكر ابن عاشور أن (المدراسة) في القرآن هي: القراءة بتمهل للحفظ، أو للفهم. والمدارسة
تعني المشاركة والتفاعل بين مجموعة من المسلمين في محاولة قراءة آيات القرآن والوقوف على موضوعاته، ومعرفة قضاياه وفق منهج التدبر، الذي يستهدف تحقيق

مقاصده، واستنباط معانيه الخفية، والبحث عن علله وأسراره.
- القراءة الكلية الجامعة؛ فمن يقرأ القرآن بتمعن وتدبر يدرك بوضوح أن منهج الإسلام يحتم الجمع بين كتاب الله المسطور، وكتاب الله المنظور، مصداق ذلك قوله عز وجل: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} (فصلت:53) وقد ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن أول متطلبات (التدبر) هو التعرف على أحوال البشر من خلال علمي التاريخ والاجتماع.
وقد دعا القرآن نفسه إلى مداومة القراءة الكلية؛ إذ إن القرآن الكريم قد صِيغ بطريقة
تصريف الآيات، أي أنه تعالى أودع أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، وتبشيره وإنذاره، في مواضع شتى وبأساليب مختلفة، وهذا داع من دواعي الدعوة إلى القراءة الكلية للقرآن. كما أن (التصريف) يقتضي التدبر، فهو الكفيل بوضع كل معنى في مكانه

وزمانه المناسبين؛ ولذلك علل سبحانه تصريف الآيات بأمور عقلية وقلبية مرتبطة بمنظومة التدبر، قال سبحانه: {ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} (الفرقان:50) وقال عز وجل: {ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا} (الإسراء:41). فالقراءة الكلية هي من مطلوبات الفهم، وهي ركن من أركان التدبر، حيث تعين الإنسان على تدبر كلام الله سبحانه، وتدفعه لاستيعاب معانيه، وتحصيل كمال الوعي بهدايته الشاملة له في دروب هذه الحياة. وكما أن القراءة الكلية تقوم على الجمع بين آيات الكتاب وآيات الآفاق الأنفس، فهي تقوم أيضاً على الجمع بين آيات الموضوع الواحد، والجمع بين التلقي والتنزيل.
- استثمار المعينات على التدبر؛ فثمة أمور عديدة يمكن لقارئ القرآن أن يستثمرها في
تفعيل عملية التدبر لكتاب الله، تتمثل تلك الأمور في: الاستعاذة من الشيطان، قال

تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (النحل:98). ومن ذلك أيضاً الاستعانة بـ {الرحمن الرحيم}؛ فإذا كانت الاستعاذة تقوم بدور التخلية بين الشيطان والعبد، فإن الاستعانة بالرحمن تقوم بدور التحلية والربط بين العبد وخالقه، فالبسملة استعانة من العبد الضعيف بقوة مطلقة تعينه على استمداد هداية القرآن؛ ولأهمية الاستعانة بالله في أمور العبادة كلها، كان من الواجب على المسلم قراءة قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة:5) في كل صلاة.
- وثمة ظروف محددة، تتوافر فيها إمكانية التفاعل مع القرآن الكريم أكثر من غيرها، كظرف الصلاة: فقراءة القرآن في الصلاة لها طعم خاص، وقد أطلق سبحانه على
صلاة الفجر مصطلح (قرآن الفجر) كما قال سبحانه: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} (الإسراء:78) وصلاة التراويح مع جماعة المسلمين، وخلف إمام متقن للقراءة وضابطٍ لأحكام التلاوة خير معين على تدبر كتاب الله والوقوف على معانيه ومراميه. وظرف

الزمان أيضاً يسهم في تفعيل عملية التدبر لدى قارئ القرآن؛ فالقراءة في جوف الليل -وخاصة في ليالي رمضان، وبالأخص ليالي العشر الأخير منه- وشهود صلاة الفجر لها تأثير لا يتأتى في غيرها من الأوقات؛ فأثر القرآن عظيم في هذه الأوقات، لا يدركه إلا من عاشها، وقد قال سبحانه: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} (الإسراء:79) وأمر سبحانه نبيه بقوله: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا} (المزمل:2). ويندرج في ظرف الزمان يوم الجمعة ويومي الاثنين والخميس، وأيام شهر رمضان، فكل هذه الأزمنة فيها من البركات القرآنية ما ليس في غيرها، وقد ورد في كل ذلك آثار تدل على فضلها وأثرها على العبد.
ولا يقل ظرف المكان شأناً عن ظرف الزمان؛ فالمسجد أفضل الأماكن لقراءة القرآن
وتدبره والتأثر بخطابه، لحرمته وبعده عن شواغل الحياة وصوارفها؛ ولأثره النفسي على العبد، وليس بخاف مكانة المساجد الثلاثة في هذا المقام. والأهم في هذا السياق أن

يستحضر العبد المقصد الأساس من قراءة القرآن الكريم، وهو الانتفاع بما فيه، فكل ظرف يساعد العبد على تحقيق هذا المقصد، فإن الإقبال عليه والاستفادة منه متعين عليه.
- تسليم مقاليد القيادة للقرآن؛ فالعمل بمقتضى القرآن هو الثمرة الغائية لقراءة القرآن
وتدبره، والوقوف على مقاصده. وفي الوقت نفسه، فإن العمل بالقرآن هو مفتاح آخر من مفاتيح التدبر. ومن أجل الوصول إلى هذه الدرجة لا بد لقارئ القرآن أن يكون قد ارتضى من حيث المبدأ القرآن دستوراً ومنهاج حياة، وأن تتضافر رغبته وإرادته على تطبيق القرآن في حياته من قبل أن يتلقاه عبر منهج التدبر، كما ينبغي لقارئ القرآن -كما يقول سيد رحمه الله- أن يرجع إليه بشعور التلقي للعمل والتنفيذ، لا بشعور الدراسة والمتاع، ويرجع إليه ليعرف ماذا يطلب منه أن يكون ليكون.

على أن مهمة فريضة التدبر أن توضح للمسلم كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في حدود شخصيته الفردية والأسرية والاجتماعية، وتبين له كيف يستسلم لأوامر الله ونواهيه في ميادين الإيمان (العلاقة مع خالقه) وميادين العمل الصالح (العلاقة مع الناس) في مجالات الحياة كلها.
ولا شك، فإن عدم تطبيق القرآن إنما هو انحراف عن الصراط المستقيم، وقد أمر سبحانه باتباع صراطه المستقيم، ونبذ غيره من الطرق، قال عز شأنه: {وأن هذا
صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} (الأنعام:153) فـ (الصراط المستقيم) الذي أمر سبحانه باتباعه -بحسب اكثر المفسرين- هو القرآن الكريم، فالقرآن هو الصراط ذاته، وهو الدال عليه، والهادي إليه.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #25  
قديم 15-03-2026, 12:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



مدارسة القرآن في رمضان
  • الكاتب: إسلام ويب
  • (25)


جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين
يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه. قال ابن رجب في "لطائف المعارف": "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له".
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون


كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. فالحديث قَرَنَ بين التلاوة والمدارسة، ورتب عليهما السكينة والرحمة، وحفظَ الملائكة، وذِكْرَ الله لقارئي كتابه، ويشهد لهذا قوله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد:28).
وأصل (الدراسة): التعهد للشيء. والفعل (درس) يُطلق على عدة معان، ومن جملة ما
يطلق عليه معنى: القراءة؛ يقال: درس الكتاب درساً ودراسة: إذا قرأه، وأقبل عليه ليحفظه ويفهمه؛ ودارس الكتاب مدارسة ودراساً: درسه؛ ودارس فلاناً: قارَأه وذاكره؛ وتدارس الكتاب: درسه وتعهده بالقراءة والحفظ لئلا ينساه؛ والمِدْراس: الموضع يُدرسفيه كتاب الله؛ والمَدْرس: الموضع يُدرس فيه العلم؛ والمُدَرِّس: الكثير الدرس والتلاوة في الكتاب؛ والمدرسة: مشتقة من كل ذلك، وتجمع على مدارس.
و(المدارسة) من باب المفاعلة، بمعنى أن الفعل يكون بين اثنين أو أكثر على وجه


الاشتراك، كالمخاصمة والمشاركة والمضاربة؛ تقول: خاصم زيد عمراً؛ وشارك الطلاب في المهرجان، وضارب الفقراء الأغنياء، كل ذلك يدل على التشارك في تلك الأفعال ونحوها، وبحسب هذه الصيغة جاء لفظ (المدارسة) بمعنى المقارأة: أي يقرأ كل واحد على الآخر؛ والتدارس على وزن التفاعل: يعني المشاركة الجماعية في القراءة وتحصيل العلم، فيقال: تدارس القوم القرآن: إذا قرؤوه وتدبروا معانيه.
و(المدارسة) سُنَّة نبوية، غفل عنها بعض المسلمين اليوم، وزهد فيها آخرون، على
الرغم مما فيها من منافع كثيرة، وفوائد جليلة.
ودلَّت لمشروعية مدارسة القرآن واستحبابها آيات من القرآن الكريم، وأحاديث من السنة الشريفة؛ أما من القرآن فقوله سبحانه في وصف الربانيين من أهل العلم: {ولكن كونوا
ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (آل عمران:79). ودلَّ عليها من

السنة فعله صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام، فقد كانا يتدارسان القرآن في ليالي رمضان، وقد تقدم في حديث مسلم آنفاً.
ويشهد لمشروعية المدارسة وأهميتها: قوله صلى الله عليه وسلم: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقلها) متفق عليه. فـ (التعاهد) في الحديث بمعنى المدارسة؛ لأن المدارسة معناها: تعهد القرآن بالقراءة حتى لا يُنسى، وجاء اللفظ أيضاً على صيغة المفاعلة.
ومدارسة القرآن تشمل مدارسة ألفاظه، ومدارسة معانيه، بل هي أعظم. فينبغي أن يكون للمؤمن عناية خاصة بفهم مراد الله في خطابه لعباده، مستنيراً بالتفاسير الأثرية
المعتبرة.
ومما لا ريب فيه أن شهر رمضان فرصة عظيمة لتفعيل منهج المدارسة القرآنية، فهو شهر كريم ومبارك، تصفَّد فيه مردة الشياطين، وتتنزل فيه الرحمات، وفيه يتفرغ


المؤمن لعبادة ربه، والتقرب إليه، ويبتعد عن مشاغل الدنيا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن يصيبكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبداً) رواه الطبراني، فاغتنام شهر رمضان في مدارسة القرآن سبيل ناجح لتفعيل منهج المدارسة، واستثمار القرآن الكريم، وتنزيله على واقع الحياة.
قاعدتا المدراسة القرآنية
منهج المدارسة القرآنية يقوم على قاعدتين:
القاعدة الأولى: القراءة والتدبر والتبصر؛ وتتحصل هذه القاعدة بأمرين متكاملين:

الأول: التحقق بالقرآن فهماً وإدراكاً وعلماً، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24)، وقال سبحانه: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} (سبأ:46)؛ لأن الفهم والإدراك والعلم طريق العمل،
والسبيل الهادي إليه.

الثاني: التخلق بالقرآن، وهذا يعني العمل به وتطبيقه على أرض الواقع وفي شؤون الحياة كلها، كبيرها وصغيرها، بدءاً بتطبيقه على النفس وانتهاء بتطبيقه في المجتمع، قال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا} (هود:112).
القاعدة الثانية: أخذ القرآن بمنهج التلقي، وتعني هذا القاعدة قراءة القرآن وكأنه يتنـزل عليك، قال تعالى: {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} (سورة
المزمل:19)، فالقارئ للقرآن والدارس له، ينبغي عليه أن يقرأ القرآن على هذه الكيفية، كيفية المتلقي للوحي والمسْتَقْبِلِ له، المنصاع لأوامره وتوجيهاته.
* فوائد المدارسة القرآنية

لا شك، أن لمدارسة القرآن فوائد كثيرة، ومنافع عديدة، يمكن إجمالها في ما يلي:
- مدارسة القرآن سبيل العلم والتعلم، فالعلم عموماً وعلم القرآن خصوصاً لا يمكن للمرء أن يحصله إلا بالتعاون والمشاركة مع الآخرين؛ إذ ما يحصلُّه المرء بنفسه لا


يُقارَن مع ما يحصله المرء مع غيره، وخاصة إذا كان هذا الغير من أهل العلم بالقرآن، قال تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون}، فصفة (الربانية) إنما حصلت بالتعلم والتعليم المشترك للكتاب ومدارسته.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان له نصيب من ذلك بالتدارس مع جبريل عليه السلام؛
والصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين تعلموا القرآن وفقهوه بطريق المدارسة مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمجالسة له، وقل الشيء نفسه فيمن جاء بعدهم.
- مدارسة القرآن عون لحافظ القرآن على المراجعة والاستذكار والاستيعاب والتدبر،
قال عليه الصلاة والسلام: (تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عُقُلِها) متفق عليه، فقد حثَّ عليه الصلاة والسلام المؤمنين على تعاهد القرآن ومدارسته، مخافة أن ينسى، و(التفلت) ليس المقصود منه التفلت من الذاكرة والحافظة فحسب، وإنما أيضاً يدخل فيه (التفلت) من تطبيقه والعمل به، فإن الإنسان

ضعيف بنفسه قد تعتريه عوارض الفتور والكسل والتراخي .
- مدارسة القرآن طريق لتحقيق معنى الترابط والتآلف بين المسلمين، وهو مقصد أساس
حرص عليه الإسلام لتربية العقلية الجماعية والسلوك الجماعي، وهذا المقصد ملحوظ في أكثر العبادات الإسلامية، فالمعنى الجماعي فيها حاضر وبارز.
- مدارسة القرآن طريق لتزكية النفس بفضائل الخير، وتحليتها بقيم الصلاح، وهدايتها
سبل الرشاد، قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران:164)، فمن خلال (المدارسة) تزكو النفوس الطيبة، وتعرف طريق الخير من الشر، وتحصِّل كثيراً من الهدايات والمعاني القرآنية .
- مدارسة القرآن مدعاة لتنـزل الرحمة والسكينة على المؤمنين، وسبب لإحفاف الملائكة لهم حفظاً وعناية وتوفيقاً، وهذا ما أخبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: (وما اجتمع


قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
- مدارسة القرآن أمر مهم لضبط تلاوته وحُسن ترتيله، قال تعالى: {ورتل القرآن
ترتيلا} (المزمل:4)؛ فقارئ القرآن مطالب بتلاوته حق التلاوة، وترتيله حق الترتيل، والمدارسة طريق متعين لذلك؛ إذ من المقرر عند أهل العلم، أن القرآن لا يُتلقى بالقراءة الأحادية، بل لا بد فيه من المشافهة، والتلقي على أهل الضبط والإتقان وقراءته عليهم.
ومما يعين على تحصيل هذا المقصود:
أولاً: أن يتخذ للتلاوة مصحفاً على حاشيته بيان لمعاني المفردات.
ثانياً: أن يطالع في تفسير متوسط؛ ليس بالطويل الذي ينقطع القارئ دونه، ولا
بالمختصر الذي لا يسعفه بالمعنى. كتفسير "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام

المنان" للشيخ السعدي، و"زبدة التفسير من فتح القدير" لـ محمد بن سليمان الأشقر.
ثالثاً: أن يعقد مع ثلة من إخوانه مجلسَ قراءة في بعض التفاسير، أو كتب علوم القرآن
مثل كتاب: "القواعد الحسان المتعلقة بتفسير القرآن" للشيخ السعدي.
رابعاً: أن يقيد ما يُشْكِلُ عليه فهمه أثناء تلاوته، أو يطرأ على باله من معنى، ثم يسعى في بحثه، والسؤال عنه.
وعلى الجملة، فإن الغاية الأساس من المدارسة القرآنية استخلاص واستخراج المنهج
القرآني، وتجميعه في برنامج عملي يضم أهم العناصر العلمية والتعليمية، التربوية والدعوية، النظرية والعملية، التي يجب العمل على تحقيقها في مجالات الحياة كافة، وهذا الشهر الكريم فيه عون كبير على تحصيل هذه المنافع {والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (الأحزاب:4).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #26  
قديم يوم أمس, 11:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



علاقة القرآن بشهر رمضان
الكاتب: إسلام ويب
(26)



من حكمة الله ورحمته ولطفه بعباده أن هيأ لهم مواسم للطاعات، تنشرح فيها صدورهم لعمل الخيرات، واغتنام الأوقات، ووعدهم على ذلك جزيل الجزاء {وربك يخلق ما يشاء ويختار} (القصص:68)؛ فاختار من الناس محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن البقاع مكة والمدينة شرَّفهما الله، ومن الأيام يوم النحر، ومن الليالي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ومن الأشهر شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن، وأودع الله في قلوب عباده المؤمنين شوقاً دفيناً لهذا الشهر الكريم، فما أن يستدير العام حتى تخفق تلك القلوب لمقدمه، وتتشوف لاستقباله، كما يستقبل الضيف الحبيب الذي طال غيابه، وكأن المؤمن قد ناء بحمل الأثقال من الخطايا والغفلات، فما أن يهلَّ الشهر ويحلَّ إلا وقد ألقاها عن كاهله، ووقف بين يدي ربه يتوب إليه ويستغفره، ثم يقبل على قلبه يجلو صدأه، ويميط الران عنه، حتى يعود صقيلاً مضيئاً، مثل السراج المنير.
روى الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه؛ يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله
عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ) .


وغير خافٍ أن ثمة ارتباطاً وثيقاً بين رمضان الكريم والقرآن العظيم؛ فرمضان هو الشهر الذي فضله الله عز وجل على سائر الشهور، واختصه بنزول أعظم المعجزات فيه، فشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} (البقرة:185) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان، وأُنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأُنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأُنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان) رواه أحمد.
فشهد شهر رمضان هذا النزول الفريد لكتاب الله، ومن يوم ذاك ارتبط القرآن بشهر رمضان، وأصبح شهر رمضان الكريم هو شهر القرآن العظيم.
وقد اجتمعت في هذا الشهر الكريم أمهات العبادات؛ وإن من أخص العبادات بشهر
رمضان ما يتعلق بالقرآن العظيم؛ تلاوةً، وتدبراً، ومدارسةً، وقياماً. كيف لا! وهو شهر القرآن الذي ابتدأ تنزله فيه، قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى


للناس وبينات من الهدى والفرقان} (البقرة:185). وقال تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} (القدر:1). وقال: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} (الدخان:3) فرمضان أخص الشهور بالقرآن.
وكأنه سبحانه كتب علينا الصيام في هذا الشهر شكراً له تعالى على إنزال القرآن الكريم، فالصيام من أجلِّ العبادات التي يرتقي فيها المسلم بروحه إلى السموات العلى، وكأنها معراجه الخاص ليتلقى القرآن بطريقة تختلف عن تلقيه إياه في سائر الشهور
والأيام؛ لذا نجد الصائمين يجدون في مدارسة القرآن في رمضان ما لا يجدونه في غيره.
وشهر رمضان موسم عظيم لتصويب وتفعيل العلاقة مع القرآن؛ فرمضان شهر الخيرات والبركات، يُضاعف سبحانه فيه الحسنات، ويبارك فيه في الأوقات والأعمال،
وتُصفَّد فيه الشياطين، وتُفتح فيه أبواب الجنان، وتُغلَّق فيه أبواب النيران، وفي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة،يقول الصيام: أي

رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه)،قال: " فيشفعان) رواه أحمد.
وإذا تأمل المرء في سر العلاقة بين رمضان والقرآن، تبيَّن له أن الصيام يهذب النفس البشرية، فتتهيأ لاستقبال القرآن؛ ففي أيام الصيام تكون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام، وذلك أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن وفهمه التقلل من الفضول؛ فضولِ الطعام والشراب، وفضول النكاح، وفضولِ مخالطة الناس، وفضولِ النظر، وفضولِ السماع، وفضول الكلام، وفضول النوم، وفضول السهر، وفضولِ تصفح المواقع والشبكات، فكلما زالت حواجز الفضول تهاوت الحجب بين القلب والقرآن؛ ولذلك كان شهر رمضان الذي تقلُّ فيه أنواع الفضول كافة، هو شهر القرآن.
ومن المعلوم أن القرآن الكريم له تأثير عظيم على القلوب، كما قال عز شأنه: {الله
نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من

هاد} (الزمر:23) ومفاد هذا أننا لا نستطيع أن نصل إلى ما نسعى إليه من غير القرآن، وأعظم وأهم وقت يستفاد فيه من القرآن هو رمضان، فهو موسم القرآن الخاص؛ لذلك ينبغي للمسلم أن يكون القرآن حاضراً معه كل يوم؛ في تلاوته في الصلاة، وفي تلاوته خارج الصلاة، وفي مدارسته لبعض سوره وآياته، وفي استماعه في صلاة التراويح والتهجد، مع ملاحظة أن لا يكون همه كم ختمة سنختم في هذا الشهر، بل ينبغي أن يكون همنا الأساس كم مرة تأثر القلب، وذرفت العين، وصلح العمل، واستقام السلوك، وهذا يستلزم منا قراءة متأنية بترتيل وتدبر، وأن نُعمل العقل في فهم ما نتلو من آيات ترشدنا طريق الصواب، وتهدينا سُبل الرشاد.
وإذا تقرر أن شهر رمضان هو شهر الصيام والقرآن معاً، فليس المقصود من هذا التقرير أن قراءة القرآن وتدبره لا تكونان إلا في شهر رمضان، وإنما القصد أن الداعي
إلى قراءته وتدبره تزداد وتقوى في هذا الشهر المبارك.
وإذا تساءل المسلم عن حال المسلمين مع القرآن عموماً، وفي رمضان خصوصاً، لوجد أحوالاً متفاوتة، لكنها في الأعم الأغلب تكشف عن نوع هجر وانصراف، لا يليق بمنزلة


القرآن في الأمة، ومحله في قلوب المؤمنين. وإذا قارن المرء حال المسلمين اليوم مع حال السلف الصالح لوجد فارقاً كبيراً، وبوناً شاسعاً، يكشف عن سر تخلفنا وضعفنا، وتداعي الأمم علينا، جراء هذا الهجر والإعراض، ويرسم لنا في الوقت نفسه المخرج الآمن من هذه الفتن المدلهمة؛ ففي حديث علي رضي الله عنه: (ألا إنها ستكون فتنة! فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله تبارك وتعالى، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يمله الأتقياء، ولا يَخلَق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: {إنا سمعنا قرآناً عجباً} (الجن:1) من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن

عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم) رواه الترمذي والدارمي.
وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان أن يطيل القراءة في قيام رمضان
بالليل أكثر من غيره، روى الإمام أحمد عن حذيفة رضي الله عنه، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من رمضان، فقام يصلي، فلما كبر قال: الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران، لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها، ثم ركع يقول: سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقال: رب اغفر لي مثل ما كان قائماً، ثم سجد يقول: سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائماً، ثم رفع رأسه فقام، فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة) رواه أحمد.
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلّم أجود


الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن) قال ابن رجب: "دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعَرْض القرآن على من هو أحفظ له، وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان". وقال أيضاً: "وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلاً، يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلاً؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} (المزمل:6). وسار السلف الصالح رحمهم الله على هديه صلى الله عليه وسلم، فكان لهم اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان، فلم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.
ومن صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح؛ فهذه الصلاة أكثر
ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شُرعت ليسمع الناس كتاب الله مجودا ًمرتلاً، ولذلك

اُستحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة. ومن فوائد صلاة التراويح في رمضان سماع القرآن الكريم من القراء المتقنين، ومن أصحاب الأصوات الندية، الذين يقرؤون القرآن، فتلين بقراءتهم قلوب العباد، وتقشعر بها جلودهم، وتأخذ بأيديهم لفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى سبحانه عنه.
ثم إن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام، وجهاد بالليل على القيام، فمن وُفِّق للجمع بين هذين الجهادين، ووفَّى بحقوقهما، وصبر عليهما، نال أجره بغير حساب، {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}
(الزمر:10).
ولقد وصف الله سبحانه شهر الصوم بقوله: {أياما معدودات} (البقرة:184) إنها لحظة من الزمن تحتاج إلى جهد متواصل، لا مجال فيها للمسامرات غير النافعة، فمن استطاع أن يحقق انتصاراً لنفسه في هذه الأيام المعدودات، فسوف يحقق انتصاراً على
لحظات عمره، فما هذه الدنيا سوى لحظات عابرة، كما قال الشاعر:
نسير إلى الآجال في كل لحظة * * * وأيامنا تطوى وهنَّ مراحل
ولم أر مثل المـــوت حقاً كأنه * * * إذا ما تخطته الأماني بـاطل


وما أقبح التفريط في زمن الصبا * * * فكيف به والشيب في الرأس شامل
ترحَّل عن الدنيا بزاد من التقى * * * فعمرك أيام وهنَّ قلائل
قال ابن رجب رحمه الله: "يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من فرط في شهره، بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟".

فليحرص المسلم في هذا الشهر الفضيل على أن يجدد العلاقة مع القرآن الكريم، تلاوة وحفظاً وتدبراً وعملاً، وأن يتعرض لنفحات الرحمن في هذا الشهر المبارك، ويغتنم أيامه ولياله في قراءة كتاب ربه وتدبره، والتزود من خيراته، فهو خير كتاب يُتلى، وهو خير صديق يُتخذ، وعليه أن يشجع أبناءه على حفظه وتلاوته، وأن يجعل من رمضان فرصة لتصحيح العلاقة مع القرآن الكريم طلباً لشفاعته يوم الدين.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #27  
قديم يوم أمس, 11:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان



هكذا يتدبرون ويخشعون
الشيخ د. علي ونيس
(27)


قال النَّووي في (فصلٌ في استحباب ترديد الآية للتَّدَبُّر): "وقد قدمنا في الفصل قبله الحثَّ على التَّدَبُّر وبيان موقعه وتأثر السَّلَف، ورُوِّينا عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قام - صلى الله عليه وسلم - بآية يرددها حتى أصبح، والآية {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} الآية، رواه النسائي وابن ماجه.
وعن تميم الدَّاري - رضي الله عنه - أنه كرر هذه الآية حتى أصبَحَ، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية: 21] الآية.

وعن عبادة بن حمزة قال: دخلت على أسماء - رضي الله عنها - وهي تقرأ {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ}، فوقفت عندها فجعلت تعيدها وتدعو فطال علي ذلك، فذهبت إلى السوق فقضيت حاجتي ثم رجَعَت وهي تعيدها وتدعو. ورويت هذه القصة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها.
وردد ابن مسعود - رضي الله عنه -: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.
ورَدَّدَ سَعِيد بن جبير: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281].

وردد أيضًا: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر: 70، 71] الآية.
وردد أيضًا: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6].
وكان الضَّحَّاك إذا تلا قوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16] رددها إلى السحر[1].
عن حوْشب عن الحسن قال: "تفقدوا الحلاوة في ثلاث: في الصلاة، وفي القرآن، وفي الذكر؛ فإن وجدتموها فامضوا وأبشروا، فإن لم تجدوها فاعلم أن بابكَ مغلق" [2].
- عن معمر مؤذن التيمي قال: "صَلَّى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة، وسمعته يقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1]، قال: فلمَّا أتى على هذه الآية:
{فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27] جَعَلَ يُرَددها حتى خفَّ أهل المسجد فانصرفوا، قال: فخرجت وتركته، قال: وغدوت لأذان الفجر فنظرت فإذا هو


في مقامه، قال: فسمعت فإذا هو فيها لم يَجُزْها، وهو يقول: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27]" [3].
- عن يحيى بن الفضل الأنيسي قال: "سمعت بعض مَن يذكر عن محمد بن المنكدر أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي، ما الذي أبكاك قد رُعْتَ أهلك؟ أفمن علة أم ما بك؟ قال: فقال: إنه مرَّت بي آية في كتاب الله - عزَّ وجلَّ - قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]، قال: فبكى أبو حازم أيضًا معه واشتد بكاؤهما، قال: فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بكَ لتُفَرج عنه فزدته، قال: فأخبرهم ما الذي أبكاهما"[4].
- عن أحمد بن أبي الحواري قال: "سمعت أبا سليمان الداراني يقول: "ما رأيت أحدًا الخوف أظهر على وجهه والخشوع منَ الحسن بن صالح بن حيي، قام ليلة بـ{عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ} [النبأ: 1]، فغشي عليه فلم يَختمها حتى طلع الفجر" [5].
- قال أبو يوسف الفولي: "سمعت إبراهيم بن أدهم يقول: لقيت عابدًا من العُبَّاد قيل:


إنه لا ينام الليل فقلتُ له:لم لا تنام؟ فقال لي: منعتني عجائب القرآن أن أنام"[6].
- عن عبدالله بن أبي سليم قال: "كان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يدُه فَخِذَه، ولا يخطر بيده، وكان إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له: مالك؟ فقال: ما تدرون بين يدي مَن أقوم ومن أناجي؟!" [7].


- عن أبي نوح الأنصاري قال: "وقع حريق في بيتٍ فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا ابن رسول الله، النارَ، يا ابن رسول الله، النارَ، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألْهاك عنها؟ قال: ألْهتني عنها النارُ الأخرى"[8].
- وكان ثابت البُناني يقول: "ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل"[9].
- وعن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه: أنه كان يصلي ذات يوم فدخل رجل من أهل الشام ففزعوا، واجتمع له أهل الدار، فلما انصرفوا قالت له أم عبدالله: دخل هذا الشامي ففزع أهل الدار فلم تنصرف إليهم أو كما قالت، قال: ما شعرت".
- وقال معتمر: "وبلغني أنَّ مسلمًا كان يقول لأهله: إذا كانت لكم حاجة فتكلَّموا وأنا
أصلي".
- وعن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: "ما رأيته يصلي قط إلا ظننت أنه مريض".

- وعن ابن شوذب قال: "كان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته في بيته: تحدثوا فلست أسمع حديثكم".
- وعن ميمون بن حيان قال: "ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتًا في صلاته قط خفيفة ولا طويلة، ولقد انْهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدمه، وإنه لفي المسجد في الصلاة فما التفت".

- وعن عبدالحميد بن عبدالله بن مسلم بن يسار عن أبيه قال: "كان مسلم بن يسار إذا دخل المنزل سكتَ أهلُ البيت، فلا يسمع لهم كلام، وإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا".
- وعن غيلان بن جرير قال: "كان مسلم بن يسار إذا رُؤي، وهو يصلي كأنه ثوب ملقًى".

- وعن ابن عون قال: "كان مسلم بن يسار إذا كان في غير صلاة كأنه في صلاة".
- وعن عبدالله بن المبارك: قال سفيان عن رجل عن مسلم بن يسار أنه سجد سجدة فوقعت ثنيتاه فدخل عليه أبو إياس فأخذ يعزيه ويهون عليه، فذَكر مسلمٌ من تعظيم الله - عز وجل.
- وعن ابن عون قال: "رأيت مسلم بن يسار يصلي كأنه وتد لا يميل على قدم مرة ولا على قدم مرة ولا يتحرك له ثوب"[10].

- قال الإمام النووي: "فصل في البكاء عند قراءة القرآن": قد تَقَدَّمَ في الفصلين المتقدمين بيان ما يحمل على البكاء في حال القراءة، وهو صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين قال الله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109].
وقد وردت فيه أحاديث كثيرة وآثار السلف فمن ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اقرؤوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا)).

وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته، وفي رواية: (أنه كان في صلاة العشاء)؛ فيدل ذلك على تكرره منه، وفي رواية: (أنه بكى حتَّى سمعوا بكاءه من وراء الصفوف).
وعن أبي رجاء قال: "رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي من الدموع".
وعن أبي صالح قال: "قدم ناس من أهل اليمن على أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فجعلوا يقرؤون القرآن ويبكون، فقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: هكذا كنا.
وعن هشام قال: "ربَّما سمعت بكاء محمد بن سيرين في الليل وهو في الصلاة".


والآثار في هذا كثيرة لا يمكن حصرها، وفيما أشرنا إليه ونبهنا عليه كفاية، والله أعلم.
قال الإمام أبو حامد الغزالي: "البكاء مستحب مع القراءة وعندها، وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود،
ثم يتأمل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزن وبكاء كما يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب"[11].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] - "التبيان في آداب حملة القرآن": 44.

[2] - "الحلية": 6 / 171.
[3] - "الحلية": 3 / 29.
[4] - "الحلية": 3 / 146، و"صفة الصفوة": 1 / 416.
[5] - "الحلية": 7 / 328.

[6] - "الحلية": 8 / 30.
[7] - "صفة الصفوة": 1 / 389.
[8] - "صفة الصفوة": 1 / 389.
[9] - "صفة الصفوة": 2 / 157.

[10] - كل ما ذكر عن مسلم بن يسار في "الحلية": 2 / 291.
[11] - "التبيان في آداب حملة القرآن": 45، ولتراجع في هذا وغيره الكتاب المذكور للإمام النووي - رحمه الله - ففيه خير كثير.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 158.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 154.43 كيلو بايت... تم توفير 4.48 كيلو بايت...بمعدل (2.82%)]