|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
![]() حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا الشيخ سعد بن ناصر الشثرى (11) ![]() التــــــــفكّـــــــر أحمده سبحانه... وأشهد أن لا إله الا هو وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد.. فإن من عبادات القلوب التي يتقرب بها المؤمنون إلى ربهم ، التفكّر والاعتبار .. والتفكر هو تأمل القلب في المعاني لإدراك العواقب وفهم الحقائق.. والاعتبار قياس حال النفس بحال الغير ، إذ ما حلّ بغيرك سيحلُّ بك ، متى كانت أسباب ذلك حاصلة عندك ، والسعيد من وعظ بغيره ![]() ومما تكرر في القرآن ، مدح المتفكّرين .. وفتح الباب للتفكّر والاعتبار ، والأمر الجازم بذلك ، قال تعالى) فَاعتَبِرُوا يَا أُولِي الأبصَار(كأنه قال : ( انظروا إلى فعل هؤلاء الّّذين نزلت بهم العقوبات ، فاجتنبوا فعلهم ، لئلا ينزل بكم عقاب مثل عقابهم ). وأصل الخير والشر:.. من قبل التفكّر ، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد ، والترك والحب والبغض . كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبّر ، والاعتبار والنظر والافتكار ، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار.. ومبدأ الاستبصار ، وهو شبكة العلوم ، ومصيدة المعارف والفهوم ،وأكثر الناس قد عرفوا فضل التفكّر ورتبته ، ولكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره . إن التفكّر في آيات الله الكونية والشرعية: مفتاح الإيمان ، وطريق العلم والإيقان ) فَإنَها لا تَعمَى الأبصَار ولَكن تَعمَى القُلُوبُ التي في الصُدُور إنَّ في ذَلِكَ لآيات لقوم ٍيعقِلُون ![]() ( أي يستفيد من التفكّر في ذلك ، من لهم عقول يستعملونها في التدبر و التفكّر فيعرفون ما هم مهيئون له ، فيُفارقون حال الغافلين ، الّذين يكون استعمالهم لحواسّهم مماثلاً لحظ البهائم ، إذ لا يجعلون إحساسهم سبب للتفكّر والتأمل . إن التفكر في آيات الله الكونية والشرعية مفتاح الإيمان وطريق العلم والإيقان؛ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]أي يستفيد من التفكر في ذلك مَنْ لهم عقول يستعملونها في التدبر والتفكر، فيعرفون ما هم مهيئون له، فيفارقون حال الغافلين الذين ![]() يكون استعمالهم لحواسهم مماثلًا لحظ البهائم؛ إذ لا يجعلون إحساسهم سبباً للتفكر والتأمل. التفكر والاعتبار يكون في أمور عديدة، منها: الاعتبار بنصر الله لأوليائه المؤمنين، قال تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (13) [آل عمران: ١٣]. كذلك الاعتبار بالعقوبات التي نزلها الله على الأمم المكذبة السابقة قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]، ![]() وقال تعالى عن فرعون: (فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ (21) ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ (22) فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ (24) فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ (25) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ (26)[النازعات: ٢١ - ٢٦]، وقال: ﴿ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ﴾ [طه: ٥٤]،(وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ (103) [هود: ١٠٢ – ١٠٣]. كذلك الاعتبار بالمخلوقات العظيمة التي خلقها رب العزة والجلال، قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا ۖ فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ۚ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]، ![]() وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا۟ إِلَى ٱلْأَرْضِ كَمْ أَنۢبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍۢ كَرِيمٍ ٧ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ8 )[الشعراء: ٧ – ٨]. كذلك الاعتبار في إخراج الله للمخلوقات من بين الأمور المتضادات، قال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةًۭ ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍۢ وَدَمٍۢ لَّبَنًا خَالِصًۭا سَآئِغًۭا لِّلشَّـٰرِبِينَ ٦٦ وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلْأَعْنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًۭا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ ٦٧ وَأَوْحَىٰ[النحل: ٦٦ - ٦٧]، فانظر كيف أخرج اللبن من بين الفرث والدم، وانظر كيف فرق بين السكر والرزق الحسن. وكذلك الاعتبار بالتاريخ وقصص الأمم السابقة، وخصوصًا ما ذكره الله تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. ![]() ومن ذلك الاعتبار والتفكر في أحوال قرابتك الذين ماتوا وتركوا الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور فإن فيها عبرة» وفي لفظ: «فإنها تذكركم الآخرة». ومن ذلك الاعتبار والتفكر في أحوال الدنيا وتقلباتها، كم من غني أصبح فقيرًا؟! وكم من رئيس أصبح مرؤوسًا؟! بكى عمر بن عبد العزيز يومًا، فسئل عن ذلك فقال: «فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تُكَدِّرَهَا مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها لمواعظ لمن ادَّكر». ومن ذلك تفكر الإنسان في خلق الله له ونقله من حال إلى حال (فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴿٥﴾ خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴿٦﴾ [الطارق: ٥ - ٦]،(مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا ١٣ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ١٤[نوح: ١٣ – ١٤]. ومن ذلك: تفكر الإنسان في الأحوال التي مر عليها طعامه الذي ![]() يأكله، قال تعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)﴾[عبس: ٢٤ – ٣٢]. فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وجعله يبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته والتصديق بأخباره. لقد اشتمل كتاب الله على الأدلة العقلية المقنعة في كل شأن مما عرض له كتاب الله، فهل من متفكر فيها؟! إذ في الاعتبار بذلك تقوية الإيمان والزيادة له، بالاعتبار زيادة الخوف من الله والرجاء له، بالاعتبار تعريف الإنسان بحقائق المخلوقات ومعرفة الإنسان بحقيقة نفسه، بالاعتبار معرفة الدنيا وحقيقتها وزوالها وتذكُّر الآخرة مع الاستعداد لها، بالاعتبار بذلك ![]() قناعة العبد بما رزقه الله وسعادة قلبه وطمأنينة نفسه، بالاعتبار تزيد البصيرة وتقوى الفراسة وتزيد الحكمة، بالاعتبار والتفكر يُدْرِكُ المرء عواقب الأمور، بالتفكر يدرك المرء قدرة ربِّهِ وعظَمَته، ويدرك عدله ورحمته وحكمته وتمام ملكه وتفرُّدِه بالتصرف في المخلوقات مع مشاهدة مقدار بعض نِعَمِ الله على العبد، بالتفكر والاعتبار ينتقل العبد إلى حمد الرب وشكر النِّعم والاستعداد ليوم المعاد، وإذا غذِّيَ القلب بالتذكر وسُقِي بالتفكر وسَلِمَ من الآفات رَأَى العَجَائب وأُلْهِم الحكمة. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من المتفكرين، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد. ![]()
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
![]() حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا الشيخ سعد بن ناصر الشثرى (12) ![]() *الـــرضــــــا * أما بعد ...فإن من الأعمال العظيمة الفائدة ،الكبيرة الأثر ،العميمة الثمرة ،الواسعة النفع ،أن يرضى العباد بقضاء الله ، وأن ترضى القلوب بأمر الله ونهيه ، بحيث تكون القلوب مبتهجة بذلك كله ..راضية به ، فترضى بقضاء الله ، وترضى بأوامر الله ،إذا جاء أمر من أوامر الله أو نهي من نواهيه ، رضيت القلوب بذلك .. الرضا :سرور القلب بأوامر الله وأقداره ولو كانت مؤلمة .. الرضا :عدم الجزع مما قضاه الله وقدّره ، فأهل الإيمان يرضون عن الله ، ويرضون بأحكام الله ، فيُسلّمون لها تمام التسليم ، ولا يوجد في قلوبهم أي اعتراض عليها ، سواءً كانت من الأحكام الشرعية أو الأحكام القدرية . ![]() رضا العبد عن الله.. أن لا يكره ما يجري به قضاءه ، وأن لا يسخط شيئاً من أوامره ، كان من دعاء النبي صلّى الله عليه وسلم ( اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء ) ، وقد جاء في الحديث أنّ النبي صلّى الله عليه وسلم قال : { ذاق طعم الإيمان ، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا}وقال النبي صلّى الله عليه وسلم :{ من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، غفرت له ذنوبه } ،وفي سنن ابن ماجه { ما من مسلم أو إنسان أو عبد يقول حين يمسي وحين يصبح رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا الا كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة }، فهذه الأحاديث عليها مدار عظيم من مقامات الدين ، وإليها ينتهي منزلة عالية من منزلة هذه الشريعة ، فقد تضمنت هذه الأحاديث الرضا بربوبية الله جلَّ وعلا وألوهيته سبحانه ، وتضمنت أيضا الرضا برسول الله صلّى الله عليه وسلم والانقياد له ، وتضمنت أيضا الرضا بدين الله مع التسليم له ،ومن اجتمعت له هذه الأمور ، فهو الصدّيق حقّا ، ![]() فالرضا بإلوهية الله يتضمن: الرضا بمحبته وحده ، وخوفه ورجاءه ، والإنابة إليه ، والتبتل إليه سبحانه ، مع امتداد قوى القلب كلها لله وحده ، بحيث لا يريد العبد الا الله ، ولا يحب الا لله ، وذلك فعل الراضي كل الرضا بمحبوبه ، وهذا يتضمن عبادة الله والإخلاص له وحده .. وأما الرضا بربوبية الله فيتضمن الرضا بتدبيره لعبده .. ويتضمن أن العبد يرضى بكل ما قدّره الله عليه ، ولو كان من المصائب ، ويتضمن إفراد الله بالتوكّل عليه ، وبالاستعانة به ، والثقة به والاعتماد عليه ، وأن يكون المرء راضيا ً بكل ما يفعله الله به ، فالنوع الأول يتضمن رضا العبد بما يؤمر به، والنوع الثاني يتضمن رضا العبد بما يقدّره الله عليه . وأما الرضا بنبيه رسولا .. فيتضمن كمال الانقياد له ، والتسليم المطلق إليه ، بحيث يكون أولى به من نفسه ، فلا يتلقّى الهدى الا من مواقع كلماته صلّى الله عليه وسلم ،ولا يحاكم الا إليه وإلى كتاب ربه ، ولا يحّكم غيره ،ولا يكون راضيا ً بحكم غيره ، لا في شيء من أحكامه الظاهرة أو الباطنة ، فإن عجز عن العثور على حكمه ، ![]() كان تحكيمه لغيره من باب الاضطرار كالمضطر لا يجد طعاما ً الا الميتة والدم . وأما الرضا بدين الله .. فإذا قال شرع الله سلّم له ، ورضي به ، أو حكم الله أو أمر أو نهى .. رضي كل الرضا بذلك ، ولم يبقى في قلبه حرج من حكمه ، وسلّم له تسليما ولو كان مخالفا ً لمراد نفسه أو هواها أو قول مقلّده أو شيخه أو طائفته، وثمرة الرضا بذلك .. الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى . من كمال عبودية العبد.. علمه بأن وقوع البلّية عليه من تقدير المالك الحكيم ، الذي هو أرحم بك يا أيها العبد منك بنفسك ،فيوجب له ذلك الرضا بالله والشكر له على تدبيره ولو كان مكروها ً له ..قال تعالى ) قُل لَن يُصِيبَنَا الا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَولانَا وَعلَََى اللهِ فَليَتوكّلِ المُؤمِنُون ( أي هو متولي أمورنا الدينية و الدنيوية ، ولذلك فهو لا يقدّر لنا الا ما كان أحسن لنا ، فعلينا الرضا بأقداره . عدم رضا القلب يوجب قَلَقَ القلب واضطرابه وهمَّه وغَمّه، ومن ارتقى إلى الرضا في المصائب علم أن الرضا جنة الدنيا ومستراح العابدين وباب الله الأعظم، ورَأَى ذلك نعمة لما فيه من صلاح قَلْبه ![]() ودينه وقربه إلى الله وتكفير سيئاته، ومما يجعله يَصُدّ عن ذنوب تدعو إليها شياطين الإنس والجن، قال الله تعالى: ﴿ قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩]، وقال: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) ا[البينة: ٧ - ٨.] إن الصبر والإكثار من الصلوات والأذكار يجعل العبد يشعر بالرضا، قال تعالى:﴿ فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ﴾ [طه: ١٣٠]. كتب عمر بن الخطاب t إلى أبي موسى الأشعري رضى الله عنه: «الخير كله في الرضا؛ فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر»، ![]() وفي حديث علي: «إن الله يقضي بالقضاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». قال الربيع بن أنس: «علامة الشكر الرضا بقدر الله والتسليم لقضائه»، وليعلم العبد بأن دعاءه لله وتضرعه بين يديه لا ينافي الرضا، وأن بذله للأسباب التي تكشف ما يكرهه ليس مما ينافي الرضا. أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن رضي بقدر الله وأمره. هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ![]()
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
![]() حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا الشيخ سعد بن ناصر الشثرى (13) ![]() القناعـــة الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين .. أما بعد ، أسأله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن رُزق القناعة في كل شأنه ..إن من عبادات القلوب التي يتقرب المؤمنون بها إلى ربهم عبادة القناعة. القناعة: أن يقنع الإنسان بما قدر له الله من الرزق، والقناعة رضا العبد بالمقسوم من الأرزاق مع عدم تطلع القلب إلى غير ما في يدي صاحبة ..القناعة نعمة عظيمة ينعمها الله على بعض عباده ، فتهنأ نفوسهم وترتاح قلوبهم وقد بشّرت الحياة الطيبة بقوله تعالى ) فَلَنُحِييَنَّهُ حَيَاةً طَيبَةً ( بالقناعة والرضا والرزق الحسن . ![]() إن كثرة مال المرء لا تعني غناه ولا سعادته، وإنما الغنى في القناعة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس ] .متفق عليه. ومن أسباب القناعة عدم تطلع الإنسان إلى من فضّله الله عليه في أمور الدنيا وإنما يطالع من كان أقل منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [أنظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ] وبذلك يحصل للمرء القناعة و الرضا بما رزقه الله فيكون من أهل العفاف،يقول النبي صلى الله عليه وسلم: [ومن يستعفف يعفّه الله ومن يستغني يغنه الله] متفق عليه. إن القناعة كما يحصل بها راحة البال وهدوء النفس.. يحصل بها الفلاح والنجاح دنياً وآخرة، في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه] ،عند ابن حبّان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنّعه الله به] ،وفي الحديث الاخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ![]() [من أصبح معافىً في بدنه آمناً في سربه، عنده قوت يومه وليلته،فكأنما حيزت له الدنيا]. عند ترك الإنسان للقناعة تنشأ الخصومات الجالبة للسوء في الدنيا والآخرة، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم] فجعل الدنيا المبسوطة هي المهلكة ، بسبب حبها وشدّة الحرص عليها والمنافسة فيها والجزع من أجلها،فما أشنع آثار ترك القناعة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم:[ ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص الرجل على المال والشرف لدينه ] . كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه أن يجعله من أهل القناعة، فقد ورد أن من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بين الركنين ( ربي قنعّني بما رزقتني وبارك لي فيه واخلف عليا كل غائبةٍ بخير..). القناعة لا تعني أن يرد العبد ما يصل إليه من أرزاق الله أو من ![]() الهدايا والهبات..ولكن القناعة عدم تطلع العبد إلى ما لم يقّدره الله له وعدم حزنه على فوات بعض الأرزاق عليه.. ، فمن كان كذلك فما أعظم بركة الله عليه! جاء في حديث حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله e فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بُورِكَ له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبَارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع». قال سعد بن أبي وقاص t لابنه: «يا بني، إذا طَلَبْتَ الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنها مال لا ينفد، وإياك والطمع؛ فإنه فقر حاضر، وعليك باليأس؛ فإنك لم تيأس من شيء قط إلا أغناك الله عنه»، ولن يترك المرء القناعة إلا لأحد أمرين: إما حرص وجشع، وإما لخسة ومهانة وإضاعة. إن القناعة لا تعني أن يترك الإنسان سبل الاكتساب، أو أن لا يبذل المرء الأسباب لتحصيل الأرزاق، فذلك ليس من القناعة في شيء، ![]() بل هذا من الكسل وعدم القيام بما رغب الله فيه من الاتجار، قال أنس t: «أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص» فإن الحرص والجشع مما يضاد القناعة. قال ابن القيم: «الحرص والكَلَب على الدنيا رأس كل خطيئة، وأصل كل بلية، وأساس كل رزية، ولذا قيل: القناعة كنز لا يفنى، وأطيب العيش القناعة»، قال بعضهم: «أول ذنب عُصي الله به نتج من الحرص والكبر والحسد، فالحرص من آدم، والكبر من إبليس، والحسد من قابيل». وقال ابن القيم عن سوء الخاتمة: «لسوء الخاتمة أسباب: أعظمها الانكباب على الدنيا، وطلبها، والحرص عليها، والإعراض عن الآخرة». إن القناعة تجعل العبد يؤدي حقوق الله المالية، بل تَجْعُلُه ينفق في الطاعات من غير الواجبات، فيعظم بذلك أجره، ويُخْلِفُ الله عليه ما أنفقه، فإن الله قد وعد المنفقين بالخلف: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩]، ![]() وفي الحديث القدسي: «يا ابن آدم، أنفق أُنفق عليك»، وفي الحديث النبوي: «ما من صباح إلا وينادي فيه مناديان، يقول أحدهما: اللهم أعط كل منفق خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا». ومما يعين العبد على تحصيل القناعة: العلم بأن الأرزاق بيد الله، كما قال سبحانه: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]. ومما يعين على ذلك: أن يعلم العبد أن الله عز وجل قد تكفَّلَ بإيصال الأرزاق إلى العباد، وتكفل بإيصال ما قُدِّر لكل عبد إليه، كما قال سبحانه: ﴿ ۞ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [هود: ٦]، وفي الحديث: «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله». إن الحرص يُنْقِص من قدر المرء عند الله وعند الخلق. إن الحرص لا يستجلب رزقًا ولا يؤثر في قضاء الله، وفي الخبر: «لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق له، فأجملوا في الطلب، خذوا ما حل ودعوا ما حرم». ![]() إن الحرص مؤثر سلبًا على قلب المرء وتصوراته، فإنه يمنعه من تمام العلم وكمال التصور، فالحرص يمنع من الاستمتاع بِنِعَمِ الله، والقناعة تورث طمأنينة القلب وانشراح الصدر، بينما الجشع يورث قلق القلب واضطرابه وهمه وغمه. إن ترك القناعة يؤدي إلى الشح والبخل والظلم، وهي أفعال مذمومة شرعًا، فإن أصل الشح شدة الحرص، فيتولد عنه البخل والظلم، قال تعالى: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. أباح الله لبني إسرائيل الصيد في جميع أيام الأسبوع إلا يوم السبت، فلم يدعهم حرصهم وجشعهم حتى تعدوا إلى الصيد فيه، فعاقبهم الله بالحرمان التام مع تحويلهم قردة وخنازير، ولذا فيترك المرء مجالسة أهل الحرص على الدنيا لعله يسلم مما هم فيه. أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم القناعة، وأن يُبْعِدَ عنا الحرص والجشع. هذا، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |