|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
زيارة القبور وتذكر الآخرة محمد بن سند الزهراني الحمد لله الذي أمَر بذكر الموت واتِّعاظ القلوب به، وجعل زيارة القبور سببًا للتزكية والتذكر والرجوع إلى الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله ربه رحمةً للعالمين وهدًى وبشرى للمؤمنين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد: فشرَع الله لعباده زيارة القبور، ولم تكن مشروعةً من قبلُ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نهيتُكم عن زيارة القبور، فزوروها، فإنها تذكِّر الآخرة»؛ (رواه مسلم). فبعد أن كان النهي لِما يُخشى من آثار الجاهلية، جاء الإذن بعد أن تربَّت القلوب على التوحيد والثبات، فصارت زيارة القبور عبادةً عظيمةً يُقصد بها اعتبار القلب، وإحياء معاني الإيمان باليوم الآخر. والمؤمن إذا وقف بين القبور، ونظر إلى تلك الأجداث التي تضم من كانوا قبل أيام يأكلون ويشربون، ويَمشون في الأسواق، وإذا رأى الصامتين في ترابهم وقد طُويت صفحات أعمالهم، علِم أنه سيكون غدًا أحد سكان هذا الموضع، وأنه لا مَفر له مِن هذا المصير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «إني كنت نهيتُكم عن زيارة القبور، فمَن أراد أن يزور فليَزُر، ولا تقولوا هجرًا»؛ (رواه النسائي)، فجمع بين الأمر بالزيارة، والنهي عن الغلو والبدعة فيها. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يَخرج إلى البقيع، فيُسلم على أهل القبور ويدعو لهم، ومن دعائه: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية»؛ (رواه مسلم). فهو أدب نبوي عالٍ، يعلم المسلم أنه بزيارته يؤدي حقًّا ويَغنَم ذكرى، ويتأدب في كلامه ودعائه، فيَسلَم من غلوِّ أو شركٍ، أو محادثة بما لا ينفع. إن زيارة القبور سرُّها أنها تُورث في القلب ثلاثة أمور: تذكير المعاد، وتزهيد في الدنيا، ورغبة في الآخرة؛ ابن القيم. قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: إذا مررت على القبور، فكأنك ترى أهلها قد أُجلسوا للسؤال، وقد طويت صفحات أعمالهم، فاعتبر بمن غاب وتزوَّد لمنصرفك. يقرر شيخ الإسلام: المقصود بزيارة القبور الدعاء للموتى والاعتبار، لا طلب الحاجات منهم، ولا الاستغاثة بهم، فهذا مما نهى الله ورسوله عنه. إذا تأمل المؤمن في هذه النصوص، علِم أن المقابر مدارس صامتة، تُلقن المرء ما لا يُلقنه أفصحُ خطيب، وتحرِّك في النفس ما لا تحرِّكه أبلغ عبارة، فهي تختصر الدنيا في مشهد واحد، قبور مفتوحة، وأجساد موضوعة، وأرواح في نعيم أو في عذاب. وقد جاء في الحديث: «زوروا القبور، فإنها تذكِّركم الموت»؛ (رواه مسلم)، وقد جاء في رواية: «تذكركم الآخرة»، وهذا هو المقصود الأعظم، أن ينتقل المرء من غفلة إلى يقظة، ومن طول أمل إلى صدق عملٍ. وإذا ألقينا نظرًا في واقعنا المعاصر، رأينا أن كثيرًا من الناس يتحولون في زيارتهم للمقابر إلى مظاهر خاطئة، فمنهم مَن يتَّخذها موضعًا للعادات والمجاملات، ومنهم مَن يُحولها إلى موسمٍ للبدع والخرافات، وقد يطلب بعضهم من أهل القبور حاجات هي لا تطلب إلا من الله، وهذا انحرافٌ عقدي يناقض مقصود الزيارة. إن زيارة القبور المشروعة هي ما وافَق سُنة النبي صلى الله عليه وسلم، دعاء للموتى، وتذكُّر للمصير، وتزوُّد للآخرة. وقد أجمع أهل السنة على أن الزيارة تُشرع للرجال دون النساء، لِما ورد مِن نهي في حقهنَّ، وإن كان كثيرٌ من أهل العلم يحمل النهي على الإكثار والمواظبة لِما يترتب عليه مِن فتنة، وبَقِيَ الأصل أن المقصود من زيارة القبور مَحصول بمجرد التذكر، فمن ذكر الموت في بيته، أو في مجلس علمٍ، حصل له نوعُ المقصود، ولكن زيارة القبور لها أثرٌ أبلغ في تحريك القلب وتليينه. إن زيارة القبور جسرٌ بين الدنيا والآخرة، فإذا جلس المؤمن بين الأجداث، وتأمَّل صمت المقبورين وغُربتهم، عرَف قيمة الحياة، وعلِم أنها فرصة واحدة لا تعاد، وأن زاد اليوم هو ما سيكون غدًا أنسًا أو وحشةً في قبره، وقد قال بعض السلف: مَن أراد أن يَرِقَّ قلبُه، فليُدمن ذكرَ الموت وزيارة القبور. اللهم اجعل زيارتنا للقبور زيارة تذكُّرٍ واعتبار، ولا تجعلها زيارةَ رياءٍ أو بدعة أو افتتانٍ، اللهم اجعلنا ممن يتذكَّرون بها الآخرة، ويتزوَّدون لها بالصالحات، وارزُقنا حُسن الخاتمة، والاستعداد لموقف القيامة. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |