التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 41 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         وقفات مع بعض الآيات | د سالم عبد الجليل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 11 )           »          سحور 3 رمضان.. طريقة عمل جبنة بيضاء بزيت الزيتون والزعتر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          العقيدة الصحيحة لفضيلة الشيخ أبي بكر الحنبلي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 8 )           »          نور التوحيد الشيخ عادل شوشة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 11 )           »          يهدى للتى هي أقوم || الشيخ مصطفى العدوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 9 )           »          الأسرة ومواجهة التحديات الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 16 )           »          هذا زوجي فضيلة الشيخ سعد عرفات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 12 )           »          قصة آية الشيخ د أحمد جلال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 18 )           »          لطائف مع فضيلة الشيخ الدكتورمحمد حسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          الأجهزة المنزلية السبب فى بطء سرعة الانترنت.. تعرف على كيفية تحسين سرعة الواى فاى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #401  
قديم 19-02-2026, 11:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,241
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 131 الى صـــ 150
الحلقة (401)






وفيه: الحض عَلَى المسامحة -كما ترجم له- وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة في البيع، وذلك سبب لوجود البركة؛ لأنه - ﷺ - لا يحض أمته إلا عَلَى ما فيه النفع لهم دينًا ودنيا. فأما فضله في الآخرة فقد دعا - ﷺ - بالرحمة والغفران لفاعله، فمن أحب أن تناله هذِه الدعوة فليقتدِ به ويعمل به.
وفي قوله: («وَإِذَا اقْتَضَى») حض عَلَى ترك التضييق عَلَى الناس عند طلب الحقوق وأخذ العفو منهم، ويؤيده حديث ابن عمر وعائشة السالف.
قَالَ ابن المنذر: وفيه الأمر بحسن المطالبة وإن قبض دون حقه. وقد جاء في إنظار المعسر من الفضل ما ستعلمه في الباب بعده.
قَالَ ابن حبيب: تستحب السهولة في البيع والشراء، وليس هي ترك المكايسة فيه، إنما هي ترك المضاجرة ونحوها، والرضا بالإحسان وبيسير الربح، وحسن الطلب.
وفي الحديث: «صاحب السلعة أحق أن يسوم تحريًا من أن يسام» (١). والبركة في أول السوم وفي المسامحة. ورغب في إقالة النادم، وكانوا يحبون المكايسة في الشراء.

-------
(١) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٤٦٩ (٢٢١٧٢)، وأبو داود في «مراسيله» (١٦٦) من طريق ابن المبارك عن عبد الله بن عمرو بن علقمة عن ابن أبي حسين مرفوعًا: «سيد السلعة أحق بالسوم».
وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٣١٩).
وانظر في «صحيح مسلم» حديث (١٤٠٨/ ٣٨).



١٧ - باب مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا
٢٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ قَالَ: قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ». وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ». وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «أُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ». وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْد، عَنْ رِبْعِيٍّ: «فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ». [٢٣٩١، ٣٤٥١ - مسلم: ١٥٦٠ - فتح: ٤/ ٣٠٧]
ذكر فيه حديث منصور، عن ربعي، عن حذيفة: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ قَالَ: قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ». وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «كُنْتُ: أسِّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ». وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «أُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأتجَاوَزُ عَن المُعْسِرِ». وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ».
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي بعض رواياته: قَالَ أبو مسعود: هكذا سمعت من رسول الله (٢) وفي أخري: قال

--------
(١) مسلم (١٥٦٠).
(٢) مسلم (١٥٦٠/ ٢٧).



عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري هكذا سمعناه من فِيِّ رسول الله - ﷺ - (١). والصحيح كما قَالَ عبد الحق: عقبة بن عمرو لا ابن عامر، وعقبة بن عامر وهم. وقال البخاري: قَالَ عقبة بن عمرو أنا سمعته يقول: وذكر معه حديثًا آخر، وهو حديث الرجل في حرق نفسه يأتي (٢).
وقوله: وقال أبو مالك: ثنا ربعي، هذا أسنده مسلم: عن أبي سعيد الأشج، ثَنَا أبو خالد الأحمر، عن أبي مالك -سعد بن طارق- عن ربعي، عن حذيفة (٣)، وهو في قَالَ فيه: فقال: عقبة وأبو مسعود
كما سلف.
وكذا قَالَ خلف في «أطرافه»: عقبة بن عامر وهم لا أعلم أحدًا قَالَ غيره -يعني: الأشج- والحديث إنما يحفظ من حديث عقبة بن عمرو وأبي مسعود الأنصاري. وذكر الدارقطني أن الوهم من أبي خالد
الأحمر، وصوابه: ابن عمرو. كذا رواه أبو مالك ونعيم بن أبي هند وعبد الملك بن عمير عن ربعي (٤).

--------
(١) مسلم (١٥٦٠/ ٢٩).
(٢) سيأتي برقم (٣٤٥٠ - ٣٤٥١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
قال القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٥/ ٢٣١: هكذا روي هذا الإسناد في كتاب مسلم، والحديث محفوظ لعقبة بن عمرو الأنصاري، لا لعقبة بن عامر الجهني، والوهم في هذا الإسناد من أبي خالد الأحمر، قاله الدارقطني. وصوابه: فقال عقبة بن عمرو. اهـ.
وانظر: «مسلم بشرح النووي» ١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٧.
(٣) مسلم (١٥٦٠) كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر.
(٤) تقدم نقل هذا الكلام عن القاضي عياض، وحكى نحوه النووي.



ومتابعه شعبة ستأتي في الاستقراض مسندة: حدثَنَا مسلم، بن إبراهيم عن شعبة به (١). وكذا ما علقه أبو عوانة، أسنده فيه (٢) عن موسى بن إسماعيل عنه مطولًا، وفيه: قَالَ عقبة: أنا سمعته يقول ذَلِكَ، وكان نبَّاشًا (٣).
وتعليق نعيم بن أبي هند أسنده مسلم عن علي بن حجر إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن المغيرة، عن نعيم به (٤).

---------
(١) تأتي برقم (٢٣٩١) باب: حسن التقاضي.
(٢) ورد بهامش الأصل: إنما ذكره البخاري في: بني إسرائيل.
(٣) يأتي برقم (٣٤٥٠ - ٣٤٥٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٤) مسلم (١٥٦٠) كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر.



١٨ - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا
٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ». [٣٤٨٠ - مسلم: ١٥٦٢ - فتح: ٤/ ٣٠٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وللحاكم على شرط مسلم: «خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا»، وفيه: «فقال الله تعالى: قد تجاوزت عنك» (٢). وفي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (٣). وله من حديث ربعي عن أبي اليسر مرفوعًا: «من انظر معسرًا أو وضع له أظله الله في عرشه» (٤).
قَالَ الحاكم: ورواه زيد بن أسلم وحنظلة بن قيس أيضًا عن أبي اليسر (٥).

---------
(١) مسلم (١٥٦٢).
(٢) «المستدرك» ٢/ ٢٨.
(٣) مسلم (١٥٦٣).
(٤) مسلم (٣٠٠٦) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر.
(٥) «المستدرك» ٢/ ٢٩.



ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعًا: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلًا موسرًا يخالط الناس، فيقول لغلمانه: تجاوزوا عن المعسر، فقال الله لملائكته: لنحن
أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» (١).
فيه والباب قبله: أن الرب ﷻ يغفر الذنوب بأقل حسنة توجد للعبد وذلك -والله أعلم- إذا حصلت النية فيها لله، وأن يريد بها وجهه وابتغاء مرضاته، فهو أكرم الأكرمين ولا يخيب عبده من رحمته، وقد قَالَ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾ [الحديد: ١١] وللترمذي في هذا الحديث أنه ينظر فلا يجد حسنة ولا شيئًا، فيقال له، فيقول: ما أعرف شيئًا إلا كنت إذا داينت معسرًا تجاوزت عنه، فيقول الله تعالى: أنت معسر ونحن أحق بهذا منك (٢).
وفيه أيضًا: أن المؤمن يلحقه أجر ما يأمر به من أبواب البر وإن لم يتول ذَلِكَ بنفسه.
وفيه أيضًا: إباحة كسب العبد؛ لقوله: آمر فتياني، والفتيان: المماليك والفتية. قَالَ تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٢].
وفيه: توكيلهم عَلَى التقاضي. ومعنى: ينظروا: يؤخروا.
وفيه: أن العبد يحاسب عند موته بعض الحساب.
وفيه: أنه يخبر بما يصير إليه.

--------
(١) «المصنف» ٤/ ٥٤٧ (٢٣٠٠٦).
قلت: والحديث رواه مسلم (١٥٦١)!.
(٢) «سنن الترمذي» (١٣٠٧).



وفيه: أنه إن أنظره أو وضع عنه ساغ ذَلِكَ، وهو شرع من قبلنا، وشرعنا لا يخالفه بل ندب إليه.
وقوله: («تَجَاوَزوا عَنْهُ») يدخل فيه الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي.
وقوله-: «أيسر عَلَى الموسر وأنظر المعسر» قَالَ ابن التين: رواية غيره أولى: «أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر» وأما إنظار المعسر فواجب.


١٩ - باب إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا.
وَيُذْكَرُ (١) عَنِ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ، لَا دَاءَ، وَلَا خِبْثَةَ، وَلَا غَائِلَةَ». وَقَالَ قَتَادَةُ: الغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ. وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آريَّ: خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ اليَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ. فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً، يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً، إِلَّا أَخْبَرَهُ.

٢٠٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». [٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ١/ ٣٠٩]
ثم ذكر حديث عبد الله بن الحارث رفعه إلى حكيم بن حزام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «البَيعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».

-------
(١) ورد بهامش الأصل: إنما قال البخاري: ويذكر، بصيغة التمريض كما ستعلمه في كلام المصنف أنه اشترى أو باع أو يكون عباد بن ليث، قال في ابن معين: ليس بشيء، أو لانفراده به على ما قاله الدراقطني، والثاني لم يذكره المصنف


الشرح:
حديث العداء بن خالد بن هوذة العامري -وقد أسلم هو (١) وأبوه (٢) وعمه (٣) - رواه الترمذي. وابن ماجه عن ابن بشار، عن عباد بن ليث -صاحب الكرابيسي- عن عبد المجيد (٤) بن وهب قَالَ: قَالَ لي العداء بن خالد: ألا أريك كتابًا كتبه لي النبي - ﷺ -؟ قلت: بلى. فأخرج لي كتابًا: «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم». ثم قَالَ: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث (٥)، وقال الدارقطني: لم يروه غيره. قلت: لا، فقد أخرجه أبو عمر من حديث عثمان الشحام عن أبي رجاء العطاردي قَالَي: قَالَ لي العداء:

--------
(١) انظر ترجمته في «الاستيعاب» ٣/ ٣٠٦ (٢٠٤٧)، و«أسد الغابة» ٤/ ٣ (٣٥٩٦)، و«الإصابة» ٢/ ٤٦٦ (٥٤٦٧).
(٢) هو خالد بن هوذة بن ربيعة العامري. انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ١٦ (٦٢٨)، و«أسد الغابة» ٢/ ١١٣ (١٤٠٢)، و«الإصابة» ١/ ٤١٣ (٢٢٠٠).
(٣) هو حرملة بن هوذة العامري. انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٩٧ (٥١٧)، و«أسد الغابة»١/ ٤٧٦ (١١٣٤)، و«الإصابة» ١/ ٣٢١ (١٦٧١).
(٤) في حاشيته بخط الدمياطي في هذا المكان: عبد بن حميد وكقوله ما في الأصل.
(٥) الترمذي (١٢١٦)، ابن ماجه (٢٢٥١).
ورواه النسائي في «السنن الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» ٧/ ٢٧٠ (٩٨٤٨)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ١٦٩ - ١٧٠ (١٥٠١٤)، وابن الجارود في «المنتقى» ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨ (١٠٢٨)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ٢/ ٢٨٠، والدارقطني ٣/ ٧٧، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٢٤٥ (٥٥٧٧)، والبيهقي ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٤/ ٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ١٥٥ - ١٥٦، والحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٢٠ من طريق عباد بن ليث، به. والحديث حسنه الألباني في «صحيح الترمذي» (٩٧١)، وفي «صحيح ابن ماجه» (١٨٢٤).



ألا أقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله - ﷺ -؟ فإذا فيه مكتوب: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله - ﷺ -، اشترى منه عبدًا أو أمة -شك عثمان- بياعة المسلم -أو بيع المسلم- المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة» (١).
وهذا أشبه من لفظ البخاري: «اشْتَرى مُحَمَّدٌ» لأن العهدة إنما تكتب للمشتري لا للبائع. وكذلك رواه جماعة كرواية الترمذي، وهو الصحيح (٢)، وادعى ابن التين إرسال الحديث فقال: هذا الحديث
مرسل. وهو عجيب، وكأنه أراد أنه ذكره معلقًا بغير إسناد، وقد أسندناه واتصل ولله الحمد.

--------
(١) رواه أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٣٠٧ ترجمة العداء (٢٠٤٧).
ورواه الطبراني ١٨ (١٥)، وأبو نعيم في «المعرفة» (٥٥٧٨)، والبيهقي ٥/ ٣٢٨، والحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١ من طريق عثمان الشحام، به.
قال البيهقي عن هذا الإسناد: وجه غير معتمد.
فتعقبه الذهبي في «المهذب» ٤/ ٢٠٩٤ قائلًا: ما أرى بهذا الإسناد بأسًا.
والحديث في الجملة حسنه الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢١٩. والألباني في «صحيح الجامع» (٢٨٢١).
(٢) قال الحافظ: في «التغليق» ٣/ ٢٢٠: قد تتبعت طرق هذا الحديث من الكتب التي عزوتها إليها فاتفقت كلها على أن العداء هو المشتري وأن النبي - ﷺ - هو البائع، وهو بخلاف ما علقه المصنف فليتأمل.
وقال في «الفتح» ٤/ ٣١٠: اتفقوا على أن البائع النبي - ﷺ - والمشتري العداء.
عكس ما هنا، فقيل: إن في وقع هنا مقلوب، وقيل: هو صواب، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اشترى وباع بمعنى واحد، ولزم من ذلك تقديم اسم رسول الله - ﷺ - على اسم العداء. اهـ.
وقال أيضًا في «التغليق» ٣/ ٢٢١: وقد تؤول، قال القاضي عياض: ما وقع في البخاري من ذلك بأن البخاري ذكره بالمعنى على لغة من يطلق اشترى مكان باع، وباع مكان اشترى، وهو تأويل متكلف، والله الموفق. اهـ.



وقوله: («بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ») أي لا خديعة فيه؛ لأنه شأن المسلم. والداء: العيب كله.
قَالَ ابن قتيبة: أي لا داء لك في العبد من الأدواء التي يرد بها كالجنون والجذام والبرص والسل والأوجاع المتفاوتة.
وقوله: («وَلَا غَائِلَةَ») هو من قولهم: اغتالني فلان إذا احتال عليك بحيلة يتلف بها بعض مالك، يقال: غالت فلانًا غولًا إذا أتلفته. والمعنى: لا حيلة عليك في هذا البيع يغتال بها مالك. وقد نقل البخاري قول قتادة في الغائلة كما سلف وقال الخطابي: الغيلة: ما يغتال حقك من حيلة أو تدليس بعيب (١)، وهو معنى قول قتادة، أي: لا يخفي شيئًا من ذَلِكَ وليبينه. وذكر الأزهري وغيره أيضًا: أن الغائلة هنا معناها: لا حيلة عَلَى المشتري في هذا البيع يغال بها ماله (٢). ولما سأل الأصمعي سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة أجاب كجواب قتادة سواء، ولما سأله عن الخِبثَة قَالَ: بيع عهدة المسلمين (٣). وقال الخطابي: خِبثَة عَلَى وزن خيرة (٤) قيل: أراد بها الحرام كما عبر عن الحلال بالطيب. قَالَ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والخبثة: نوع من أنواع الخبيث أراد به عبد رقيق لا أنه من قوم لا يحل سبيهم.
وقال ابن بطال: الخبثة: يريد الأخلاق الخبيثة كالإباق (والسرقة) (٥)، والعرب أيضًا يدعون الزنا خبثًا وخبثة. وقال صاحب

--------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٥.
(٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٦٢٤.
(٣) وصله الحافظ بإسناد في «التغليق» ٣/ ٢٢١.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٥.
(٥) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال»: والسرف.



«العين»: الخِبْثَة: الريبة (١).
قَالَ ابن التين: وهو مضبوط في أكثر الكتب بضم الخاء، وكذا سمعناه، وضبط في بعضها بالكسر أيضًا، والخِبْثَة أن يكون غير طيب؛ لأنه من قوم لا يحل سبيهم لعهد تقدم لهم أو جزية، في الأصل وخبث لهم. وقال الداودي: الخِبْثَة: أن يخفي عنه شيثًا.
وفي حديث العداء هذا ثماني فوائد أبداها ابن العربي (٢):
الأولى: البداءة باسم الناقص قبل الكامل في الشروط، والأدنى قبل الأعلى بمعنى: هو الذي اشترى، فلما كان هو في طلب أخبر عن الحقيقة كما وقعت، وكتب حَتَّى يوافق المكتوب ويذكر عَلَى وجهه
في (المثول) (٣).
قلت: رواية البخاري السالفة عكس هذا، وهو تقديم الأعلى عَلَى الأدنى.
ثانيها: في كتبه - ﷺ - ذَلِكَ له وهو ممن يؤمن عهده ولا يجوز عليه أبدًا نقضه لتعليم الأمة؛ لأنه إذا كان هو يفعله فكيف غيره. قلت: هذا لا يتأتى عَلَى رواية البخاري.
ثالثها: أنه عَلَى الاستحباب؛ لأنه باع وابتاع من اليهود من غير إشهاد ولو كان أمرًا مفروضًا أقام به قبل الخلق.

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢١٤.
وانظر: «العين» ٤/ ٢٤٩ ووقع فيه: والخبثة: الزِّنية من الفجور، وعلق محققا الكتاب على كلمة الزنية فقالا: كذا في «اللسان» وأما في الأصول المخطوطة فهو: الريبة.
(٢) انظر كلام ابن العربي في «عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي» ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) كذا بالأصل، وفي «عارضة الأحوذي» ٥/ ٢٢١: المنقول.



قلت: ذهب جماعة إلى اشتراطه؛ ولأن الآية محكمة وابتياعه من اليهودي كان مرهن، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
رابعها: يكتب الرجل اسمه واسم أبيه وجده حَتَّى ينتهي إلى جد يقع به التعريف ويرتفع الاشتراك الموجب للإشكال عند الاحتياج إليه، وما ذكره إنما يتأتى إذا كان الرجل غير معروف، أما إذا كان معروفًا فلا يحتاج إلى ذكر أبيه، فإن لم يكن معروفًا وكان أبوه معروفًا لم يحتج إلى ذكر الجد، كما جاء في البخاري من غير ذكر جد العداء.
خامسها؛ لا يحتاج إلى ذكر النسب إلا إذا أفادت تعريفًا أو دفع إشكال.
سادسها: قوله: «هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله - ﷺ - اشترى منه» كرر لفظ الشرى وقد كان الأول كافيًا، ولكنه لما كانت الإشارة بهذا إلى المكتوب، ذكر الاشتراء في القول (المقول) (١).
سابعها: قوله: (عبد) ولم يصفه، ولا ذكر الثمن، ولا قبضه، ولا قبض المشتري.
واقتصر عَلَى قوله: («لَا دَاءَ») وهو ما كان في الجسد والخلقة، («وَلَا خِبْثَةَ»): وهو ما كان في الخلق. («وَلَا غَائِلَةَ») وهو سكوت البائع عَلَى ما يعلم من مكروه البيع وهو في قصد الشارع إلى كتبه ليبين كيف
يجب عَلَى المسلم في بيعه. فأما تلك الزيادات فإنما أحدثها الشروطيون لما حدث من الخيانة في العالم.

----------
(١) كذا بالأصل، وفي «العارضة»: المنقول.


ثامنها: قوله: («بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ») ليبين أن الشراء والبيع واحد. قَالَ: وقد فرق بينهما أبو حنيفة وجعل لكل واحد حكمًا. وقال غيره: فيه تولي الرجل البيع بنفسه، وكذا في حديث اليهودي. وذكر بعضهم لئلا يسامح ذو المنزلة فيكون نقصًا من أجره، وجاز ذَلِكَ من رسول الله - ﷺ - لعصمته لنفسه (١).
وقوله -أعني البخاري-: وقيل لإبراهيم: إن بعض النخاسين يسمي آريَّ خراسان وسجستان، فيقول: جاء أمس من خراسان وجاء اليوم من سجستان، فكرهه كراهة شديدة. أي: كان بعض النخاسين يسمى آريَّ يريد: يسمي موضع الدابة في داره ومربطها خراسان وسجستان، يريد بذلك الخديعة والغرر بالمشتري منه، وهذا الأثر رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن هشيم، عن مغيرة، عنه بلفظ: قيل له: إن ناسًا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمي أحدهم اصطبل دوابه خراسان وسجستان، ثم يأتي السوق، فيقول: جاءت من ذَلِكَ، فكره ذَلِكَ إبراهيم (٢)، ورواه دعلج عن محمد بن علي بن زيد، ثَنَا سعيد بن قيس، ثَنَا هشيم ولفظه: إن بعض النخاسين يسمي آريّه خراسان وسجستان، إلى آخره.
واختلف أهل اللغة في تفسير الآريّ كما قَالَ ابن بطال، وضبطها خطأ بضم الهمزة: فقال ابن الأنباري: هو عند العرب الأخية التي تحبس بها الدابة وتلزم بها موضعًا واحدًا، وهو مأخوذ من قولهم: قد تأرى الرجل بالمكان إذا أقام به (٣).

----------
(١) انتهى كلام ابن العربي بتصرف.
(٢) «المصنف» ٥/ ١٨ (٢٣٣٠١).
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢١٤.



قَالَ الأعشى:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه … ..............................
والعامة تخطئ في الاري فتظن أنها المعلف. هذا آخر كلام ابن الأنباري، وجعله أيضًا ابن السكيت من لحن العامة، وقال صاحب «العين»: الآري: المعلف، وأرت الدابة إلى معلفها تأري إذا ألفته (١).
وقال ابن التين: ضبط في بعض الكتب بفتح الهمزة وسكون الراء، وفي بعضها بضم الهمزة وفتح الراء، وفي رواية أخرى: قرى خراسان وسجستان، وضبط في بعض الكتب بالمد وكسر الراء وتشديد الياء (٢).
قَالَ ابن فارس: آريّ الدابة: المكان في تتأرى فيه أي: تتمكث به (٣)، وتقديره آريّ. وكذا قَالَ أهل اللغة: إنها الخية التي تعمل في الأرض للدابة، وقال صاحب «المطالع»: آرى كذا قيده جل الرواة، ووقع للمروزي: أرى بفتح الهمزة والراء، عَلَى مثال دعا، وليس بشيء. ووقع لأبي ذر بضم الهمزة، وهو أيضًا تصحيف، وهو في التقدير فاعول، وهو مربط الدابة، ويقال: معلفها، قاله الخليل (٤).
وقال الأصمعي: هو الخية في الأرض، وأصله من الحبس والإقامة، وعند التاريخي عن الشعبي وغيره: أمر سعد بن أبي وقاص أبا الهياج الأسدي والسائب بن الأقرع أن يقسما للناس -يعني: الكوفة- فاختطوا من رواء السهام، وكان المسلمون يعقلون إبلهم ودوابهم في ذلَكَ الموضع حول المسجد فسموه: الآري، ومعنى ما أراد البخاري:

-------
(١) «العين» (٨/ ٣٠٣).
(٢) انظر: «اليونينية» ٣/ ٥٨، و«الفتح» ٤/ ٣١٠ - ٣١١، و«التغليق» ٣/ ٢٢٢.
(٣) «المجمل» ١/ ٩٣.
(٤) «العين» (٨/ ٣٠٣).



أن النخاسين كانوا يسمون مرابط دوابهم بهذِه الأسماء ليدلسوا على المشتري فيحرص المشتري عليها، ويظن أنها طرية الجلب، وأرى أنه نقص في الأصل بعد لفظه: آري لفظه: دوابهم.
وما ذكره البخاري عن عقبة موقوفًا، رفعه الأئمة: أحمد، وابن ماجه والحاكم من حديث ابن شماسة عنه مرفوعًا: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لامرئٍ مسلم أن يغيب ما بسلعته عن أخيه، إن علم بذلك تركها» هذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بينه»، ولفظ الحاكم: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم إن باع من أخيه بيعًا فيه عيب أن لا يبينه له»، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (١). وأقره البيهقي في «خلافياته» على تصحيحه.
وفي «مسند الإمام أحمد» -وحده- ابن لهيعة، وحالته معلومة.
وابن شماسة: هو عبد الرحمن، وقد انفرد عنه بالإخراج مسلم ووثق (٢).

--------
(١) أحمد ٤/ ١٥٨، ابن ماجه (٢٢٤٦) كتاب: التجارات، باب: من باع عيبًا فليبينه، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٨، ورواه الحافظ بسنده في «تغليق التعليق» ٣/ ٢٢٢، وقال في «الفتح» ٤/ ٣١١: إسناده حسن، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٣٢١)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (١٧٧٥).
(٢) هو عبد الرحمن بن شماسة بن ذؤيب بن أحور -بالحاء والراء المهملتين- المهري، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله المصري، يقال: إن أصله من دمشق، وثقه العجلي وابن حبان.
انظر ترجمته في: «تاريخ البخاري الكبير» ٥/ ٢٩٥ (٩٦٤)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٢٤٣ (١١٥٨)، و«ثقات ابن حبان» ٥/ ٩٦، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ١٧٢ (٣٨٤٨).



وفي سند الحاكم محمد بن سنان القزاز. قال الدارقطني: لا بأس به.
وضعفه غيره جدًا (١)، وقد تابعه ابن بشار الإمام كما هو عند ابن ماجه (٢)، وأما ابن جرير الطبري فقال: في إسناده نظر (٣). ولابن ماجه من حديث مكحول وسليمان بن موسى عن واثلة مرفوعًا: «من باع (عيبًا) (٤) لم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه» (٥).
وروى مكحول عن أبي أمامة مرفوعًا: «أيما مسلم استرسل إلى
مسلم فغبنه كان غبنه ذاك ربًا»، رواه قاضي سمرقند محمد بن أسلم في كتاب «الربا» عن علي بن إسحاق: أنا موسى بن عمير، عن مكحول به (٦).

--------
(١) قال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يتكلم فيه، يطلق فيه الكذب، قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بالبصرة وكان مستورًا، وسألت عنه عبد الرحمن بن خراش. فقال: هو كذاب، روى حديث والان عن روح بن عبادة، فذهب حديثه، ونقل الخطيب عن أبي العباس بن عقدة: في أمره نظر، سمعت عبد الرحمن بن يوسف يذكره، فقال: ليس عندي ثقة. وقال الحافظ في «التقريب» (٥٩٣٥): ضعيف.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٧٩ (١٥١٧)، و«ثقات ابن حبان» ٩/ ١٣٣، و«تاريخ بغداد» ٥/ ٣٤٣، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٢٣ (٥٢٦٨) وقد ذكره الحافظ المزي تمييزًا -كما قال- بينه وبين محمد بن سنان الباهلي (٥٢٦٧) وإلا فليس هو من رجال الكتب الستة.
(٢) ابن ماجه (٢٢٤٦) وقد تقدم.
(٣) نقله المصنف أيضًا عنه في «البدر المنير» ٦/ ٥٤٦.
(٤) في الأصل بيعًا، والصواب ما أثبتناه وهو في ابن ماجه (٢٤٤٧).
(٥) ابن ماجه (٢٢٤٧) باب: من باع عيبًا فليبينه. قال أبو حاتم في «العلل» ١/ ٣٩١ - ٣٩٢ (١١٧٣): حديث منكر، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص: ٣١٠ (٤٧٩) فيه: بقية بن الوليد وهو مدلس وشيخه ضعيف، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٥٠١): ضعيف، وقال في «ضعيف ابن ماجه» (٤٩٠): ضعيف جدًّا.
(٦) ورواه ابن عدي في «الكامل» ٨/ ٥٥، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ١٨٧، والبيهقي =



وحديث الباب يأتي قريبًا في باب: كم يجوز الخيار (١)، وأقرب منه باب: ما يمحق الكذب والكتمان في البيع (٢).
وأصل الباب: أن نصيحة المسلم للمسلم واجبة، وقد كان سيد الأمة يأخذها في البيعة على الناس كما يأخذ عليهم الفرائض.

----------
= في «سننه» ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩ كتاب: البيوع، باب: ما ورد في غبن المسترسل، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٨٤ (١٤٥٣)، من طريق موسى، بن عمير القرشي، عن مكحول، عن أبي أمامة مرفوعًا: «أيما مسلم استرسل إلى مسلم فغبنه كان غبنه ربا».
قال ابن عدي وقد رواه في ترجمة: موسى بن عمير القرشي (١٨١٩): هذا حديث متنه منكر، وعامة ما يرويه عمير مما لا يتابعه الثقات عليه. والحديث أورده الذهبي من هذا الطريق في ترجمة موسى بن عمير (٨٩٠٤) قال أبو حاتم: موسى ذاهب الحديث كذاب.
وقال الألباني في «الضعيفة» (١٥٦٥): ضعيف جدًا.
ورواه الطبراني ٨/ ١٢٦ - ١٢٧ (٧٥٧٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ١٨٧ من حديث أبي توبة، عن موسى بن عمير، به مختصرًا بلفظ: «غبن المسترسل حرام».
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٧٦: فيه موسى بن عمير الأعمى، وهو ضعيف جدًا، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» ١/ ٤٢٦ (١٦١٨): سنده ضعيف، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» ص: ٢١٥: سنده ضعيف جدًا، وكذا قال العجلوني في «كشف الخفاء» ١/ ٣٤٢، وقال الألباني في «الضعيفة» (٦٦٧): ضعيف جدًا.
ورواه البيهقي ٥/ ٣٤٩ من حديث يعيش بن هشام عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: «غبن المسترسل ربا»، ويعيش هذا ضعيف مجهول، ورواه كذلك من حديث أنس وعلي مرفوعًا بلفظه، وقال الألباني في الضعيفة (٦٦٨): حديث باطل.
(١) سيأتي قريبًا برقم (٢١٠٨).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٨٢).



قال جرير: بايعت رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، فشرط عليَّ:
«والنصح لكل مسلم» كما سلف آخر الإيمان (١)، فكان إذا بايع أحدًا يقول: «في أخذنا منك أحبُّ إلينا من في أعطيناك» لأجل هذِه المبايعة (٢).
وأمر أمير المؤمنين بالتحابب والمؤاخاة في الله. وصح كما سلف أنه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣)؛ فحرم بهذا كله غش المؤمن وخديعته، دليله حديث عقبة السالف (٤) وغيره، فكتمان العيب في السلع حرام، ومن فعل هذا فهو متوعد بمحق بركة بيعه في الدنيا والعقاب الأليم في الآخرة.
وعندنا: أن الأجنبي إذا علم بالعيب -أيضًا- يجب عليه بيانه (٥).

-----------
(١) سلف برقم (٥٨) باب: قول النبي - ﷺ -: الدين النصيحة.
(٢) رواه بهذِه التتمة أبو داود (٤٩٤٥) كتاب: الأدب، باب: في النصيحة، وابن حبان ١٠/ ٤١٢ (٤٥٤٦) كتاب: السير، باب: بيعة الأئمة وما يستحب لهم، والطبراني ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (٢٤١٤ - ٢٤١٦)، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢٧١ كتاب: البيوع، باب: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٦٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٦/ ٣٤٩.
(٣) سلف برقم (١٣) كتاب: الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. من حديث أنس.
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
(٥) ورد بهامش الأصل: آخر ٤ من ٧ من تجزئة المصنف.



٢٠ - باب بَيْعِ الخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ
٢٠٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الجَمْعِ، وَهْوَ الخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ - ﷺ -: «لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ». [مسلم: ١٥٩٥ - فتح: ٤/ ٣١١]
ذكر فيه حديث أبي سعيد: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الجَمْعِ، وَهْوَ الخِلْطُ مِنَ التمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ - ﷺ -: «لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ».
فقه الباب:
إن التمر كله جنس واحد رديئه وجيده، لا يجوز التفاضل في شيء
منه، ويدخل في معنى التمر جميع الطعام، فلا يجوز في الجنس الواحد منه التفاضل ولا النَّساء بإجماع، وإذا كانا جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل، واشترط الحلول والمماثلة.
هذا حكم الطعام المقتات كله عند مالك.
وعند الشافعي: الطعام كله المقتات والمتفكه به والمتداوى.
وعند الكوفيين: الطعام المكيل والموزون.
وفيه من الفقه: أن من لم يعلم بتحريم الشيء فلا حرج عليه حتى يعلمه، والبيع إذا وقع محرمًا فهو منسوخ مردود لقوله - عليه السلام -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).

---------
(١) سيأتي برقم (٢٦٩٧) كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ورواه مسلم (١٧١٨) كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #402  
قديم 19-02-2026, 11:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,241
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 151 الى صـــ 170
الحلقة (402)





فائدة:
الجمع: هو الخلط من التمر. قال الأصمعي: هو كل لون من التمر لا يعرف اسمه. وقيل: هو نوع رديء. وقيل: هو المختلط. وعن المطرز: هو نخل الدقل -يعني- تمر الدوم، قاله عياض (١)، والذي في «المغرب» له: الجمع: الدقل؛ لأنه يجمع من خمسين نخلة.
وقال صاحب «المطالع»: هو تمر من تمر النخل رديء يابس.
والخلط من التمر ألوان مجتمعة. وفي «الموعب» يقال: ما أكثر الجمع في أرض بني فلان للنخل في يخرج من النوى ولا يعرف.
أخرى: قول ابن عباس: لا ربا إلا في النسيئة ثبت رجوعه عنه (٢).

----------
(١) «إكمال المعلم» ٥/ ٢٧٨.
(٢) رواه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٣٤٦ في ترجمة حيان بن عبيد الله بن حيان (٥٤٢)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٢ - ٤٣، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢٨٦ من طريق حيان بن عبيد الله العدوي قال: سئل أبو مجلز -لاحق بن حميد- عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره، ما كان منه عينًا بعين يدًا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد الخدري، فذكر القصة والحديث، وفيه التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدًا بيد مثلًا بمثل، فمن زاد فهو ربا، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي.
وعند الحاكم قال حيان: سألت أبا مجلز -لاحق بن حميد- عن الصرف، وساق الحديث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذِه السياقة، وتعقبه الذهبي قائلًا: حيان فيه ضعف وليس بالحجة اهـ.
قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٨٢: اتفق العلماء على صحة حديث أسامة -[قلت: يقصد الحديث في سيأتي برقم (٢١٧٨ - ٢١٧٩)، ورواه مسلم (١٥٩٦) من حديث عمرو بن دينار أن أبا صالح الزيات أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، فقلت له: فإن ابن عباس =



أخرى: قال الأثرم في «سننه»: قلت لأبي عبد الله: التمر بالتمر وزنًا بوزن: قال: لا، ولكن كيلًا بكيل، إنما أصل التمر الكيل.
قلت لأبي عبد الله: صاع بصاع، واحد التمرين يدخل في المكيال أكثر؟ فقال: إنما هو صاع بصاع. أي: جائز.
أخرى: قوله: («ولا درهمين بدرهم») يؤيده الحديث الآخر: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل» إلى أن قال: «والتمر بالتمر مثلًا بمثل» حتى عدد الستة (١).

----------
= لا يقوله. فقال أبو سعيد: سألته فقلت سمعته من النبي - ﷺ - أو وجدته في كتاب الله؟ قال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول الله - ﷺ - مني، ولكن حدثني أسامة أن النبي - ﷺ - قال: «لا ربا إلا في النسيئة»]- ثم قال الحافظ: واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله «لا ربا»: الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد في الأكمل لا في الأصل، وأيضا ففي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر، كما تقدم. والله أعلم اهـ ..
قال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧١: قد رجع ابن عباس عن قوله، فإما أن يكون رجوعه لعلمه أن ما كان أسامة رضي الله عنه حدثه إنما هو ربا القرآن، وعلم أن ربا النسيئة بغير ذلك، أو يكون ثبت عنده ما خالف حديث أسامة رضي الله عنه، مما لم يثبت منه، حديث أسامة من كثرة من نقله له، عن رسول الله - ﷺ - حتى قامت عليه به الحجة ولم يكن ذلك في حديث أسامة رضي الله عنه؛ لأنه خبر واحد، فرجع إلى ما جاءت به الجماعة، الذين تقوم بنقلهم الحجة، وترك ما جاء به الواحد، الذي قد يجوز عليه السهو والغلط والغفلة.
(١) رواه مسلم (١٥٨٤/ ٨٢) كتاب: المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب.



٢١ - باب مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ وَالجَزَّارِ
٢٠٨١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ- فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِى خَمْسَةً، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الجُوعَ. فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ». فَقَالَ: لَا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ. [٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح: ٢/ ٣١٤]
ذكر فيه حديث الأَعْمَش حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وهو عقبة بن عمرو البدري قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -يُكْنَى أَبَا شُعَيْب- فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدعُوَ رسول الله - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الجُوعَ. فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ - ﷺ -: «إِنَّ هذا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَع». فَقَالَ: لَا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ.
وفي لفظ: «قد اتبعنا» (١). ولما رواه النسائي من حديث شعبة عن الحكم، عن أبي وائل قال: هذا خطأ، وليس هذا من حديث الحكم إنما هو من حديث الأعمش (٢).
وإنما صنع طعام خمسةٍ؛ لعلمه أنه - عليه السلام - يتبعه من أصحابه غيره، فوسع في الطعام لكي يبلغ - عليه السلام - شبعه.
وفيه من الأدب: أن لا يدخل المدعو مع نفسه غيره.

------------
(١) يأتي برقم (٢٤٥٦) كتاب: المظالم، باب: إذ أذن إنسان لآخر شيئًا جاز.
ورد بهامش الأصل: في غير هذا الموضع. قلت: سيأتي برقم (٢٤٥٦).
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤١ - ١٤٢.



وفيه: كراهة طعام الطفيلي؛ لأنه مقتحم غير مأذون له. وقيل: إنما استاذن الشارع؛ لأنه لم يكن بينه وبين القصاب في دعاه من الوئام والمودة ما كان بينه وبين أبي طلحة، إذ قام هو وجميع من معه، وقد
قال تعالى ﴿أَو صدِيقِكم﴾ [النور: ٦١].
وفيه: الشفاعة حيث شفع للرجل عند صاحب الطعام بقوله: «إن شئت أن تأذن له».
وفيه: الحكم بالدليل؛ لقوله: (فإني عرفت في وجهه الجوع).
وفيه: أكل الإمام والعالم والشريف طعام الجزار، وإن كان في الجزارة شيء من الضعة؛ لأنه يمتهن فيها نفسه، وإن ذلك لا ينقصه ولا يسقط شهادته إذا كان عدلًا.
وفيه: مؤاكلة القصَّاب وهو الجزار. والقصاب: الجزار، قاله صاحب «العين» (١).
وقال القرطبي: اللحام هو الجزار، والقصاب على قياس قولهم: عطار وتمار (٢) للذي يبيع ذلك.
ومعنى (خامس خمسة): أحد خمسة.
وفيه: دلالة على ما كانوا عليه من شدة العيش ليوفى لهم الأجر، وهذا التابع كان ذا حاجة وفاقة وجوع.
واستئذان صاحب الدعوة بيان لحاله وتطييب لقلبه ولقلب المستأذن، ولو أمره بإدخاله معهم لكان له ذلك، فإنه كان - عليه السلام - قد أمرهم بذلك حيث قال:

----------
(١) «العين» ٥/ ٦٨.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل، والمثبت من «المفهم» ٥/ ٣٠٢.



«طعام الاثنين كافي الثلاثة» (١).
وقال: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، أو رابع فليذهب بخامس» (٢)، والوقت كان وقت فاقة وشدة، وكانت المواساة واجبة إذ ذاك، ومع ذلك استاذن تطييبًا لقلبه وبيانًا للمشروعية في ذلك، إذ الأصل أن لا يتصرف في ملك أحد إلا بإذنه (٣).
ويستحب لصاحب الطعام أن يأذن له إن لم يترتب على حضوره مفسدة.
ونقل ابن التين عن الداودي: جائز أن يقول: خامس خمسة، وخامس أربعة، قال تعالى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠].
واعلم أن البخاري بوَّب لهذا في كتاب: الأطعمة، باب: الرجل يتكلف الطعام لإخوانه (٤)، ولم يترجم كذلك لحديث أبي طلحة، والسر فيه كما قال ابن المنير أن هذا قال لغلامه: اصنع لي طعامًا لخمسة فكانت نيته في الأصالة التحديد: ولهذا لم يأذن الشارع للسادس حتى لو أذن له، وقد عرف أن التحديد (بحد) (٥) ينافي البركة (٦)، والاسترسال في فعله أبو طلحة يلائم البركة، والتحديد

-------------
(١) سيأتي برقم (٥٣٩٢) كتاب: الأطعمة، باب: طعام الواحد يكفي الاثنين، ورواه مسلم (٢٠٥٨) كتاب: الأشربه، باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل. من حديث أبي هريرة.
(٢) سلف برقم (٦٠٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: السمر مع الضيف والأهل، ورواه مسلم (٢٠٥٧). من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر.
(٣) «المفهم» ٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٤) سيأتي برقم (٥٤٣٤).
(٥) ساقطة من (م).
(٦) في هامش (م): التحديد يمنع البركة.



في الطعام حال التكلف (١)، أو علم أن أبا طلحة لا يكره ذلك، أو نقول: إنما أطعم هؤلاء من بركته لا من طعام أبي طلحة، أو نقول: إنه لما أرسله إليه لم يبق له فيه حق، والذي دعا إلى منزله في العرف إذا بقي شيء يكون لصاحب المنزل؛ فلذلك استأذنه.
وفيه: إخبار الغلام الوجه في يصنع له.
وفيه: نظرهم إلى وجه رسول الله - ﷺ -؛ ليعرفوا ما فيه من جزع أو سرور أو غيره؛ لقوله: (قد عرفت في وجهه الجوع).
وفيه: أنه - عليه السلام - كان يجوع أحيانًا ليعظم أجره، ويطعم أحيانًا.
وفيه: صنيعهم الطعام لرسول الله - ﷺ -، وإجابته إليه، ومضيه بمن دعي معه لما فيه من النفع للفريقين والأجر، ولأنه كان يأمر بإجابة دعوة المسلم.
وفيه: استئذانه له من غير عزيمة.
وفيه: استخباره من الذين معه، ولعله عذره لما يخشى من ألم جوعه.

----------
(١) «المتواري» ص ٣٨٠ - ٣٨١. وفيه: حال المتكلف.


٢٢ - باب مَا يَمْحَقُ الكَذِبُ وَالكِتْمَانُ فِي البَيْعِ
٢٠٨٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الخَلِيلِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». [انظر: ٢٠٧٩ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ٤/ ٣١٢]
ذكر فيه حديث حكيم بن حزام السالف قريبًا (١).
وأبو الخليل فيه هو ابن أبي مريم. قال مسلم: ولد حكيم في جوف الكعبة، وعاش مائة وعشرين سنة.
وقوله: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَينَا» أي: في بيعهما. والمحق: الذهاب. وسيكون لنا عودة إليه في باب: كم يجوز الخيار.
وفيه: حرمة الكذب والكتمان في البيع من العيوب وهو لائح.

--------
(١) برقم (٢٠٧٩).


٢٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]
٢٠٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ». [انظر: ٢٠٥٩ - فتح: ٤/ ٣١٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة، السالف في باب: من لم يبال من حيث كسب المال (١).
ومعنى ﴿أَضعَاف مُضَاعَفَة﴾: أن يقول عند حلول الأجل: إما أن تعطي وإما أن تربي. فإن لم يعطه ضاعف عليه، ثم يفعل ذلك عند حلول أجله من بعد، فيضاعف بذلك.
ووجه حديث أبي هريرة هنا: أن الربا محرم بالقرآن، متوعد عليه، فمن لم يبال عن الحرام من أين أخذه لم يبال عن الربا؛ لأنه نوع من الحرام.

------------
(١) سلف برقم (٢٠٥٩).


٢٤ - باب آكِلِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِهِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾. الآية [البقرة: ٢٧٥].

٢٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ البَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِمْ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ. [انظر: ٤٥٩ - مسلم: ١٥٨٠ - فتح: ٤/ ٣١٣]

٢٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا». [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٤/ ٣١٣]
ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ البَقَرَةِ قَرَأَهُن رسول الله - ﷺ - عَلَيْهِمْ فِي المَسْجِدِ، ثُم حَرَّمَ التجَارَةَ فِي الخَمْرِ.
وحديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَر مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فُأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذِي فِي النَّهَرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ
فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ …» الحديث.
ثم فسره بأنه أكل الربا.


هذِه الترجمة شمل فيها. حديث ابن مسعود: لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا وموكله.
قال أحد رواته: قلت: وكاتبه وشاهديه؟ فقال: إنما نحدث بما سمعناه (١).
وعن جابر: لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: «هم سواء» وهما من أفراد مسلم (٢). وحديث سمرة سلف قطعة منه في الصلاة في باب: عقد الشيطان على قافية الرأس (٣)، وآخر الجنائز مطولًا (٤)، ويأتي في التعبير إن شاء الله تعالى (٥). وحديث عائشة سلف في الصلاة (٦).
ومعنى ﴿يَأكُلُونَ﴾ في الآية: يأخذون، عبر به عن الأخذ؛ لأنه الأغلب.
والربا: الزيادة، وفي معناه: كل قرض جر منفعة، ويكتب بالواو والياء والألف، وبالميم بدل الباء مع المد، والربية بالضم والتخفيف لغة فيه.
﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي: من قبورهم، وهو يوم القيامة.
﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ يخفقه الشيطان ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ وهو الجنون، وذلك لغلبة السوداء، فنسب إلى الشيطان تشبيهًا بما يفعله من إغوائه به، أو هو فعل الشيطان؛ لجوازه عقلًا، وهو ظاهر الآية. وعلامة آكل الربا يوم القيامة

--------
(١) رواه مسلم (١٥٩٧) كتاب: المساقاة، باب: لعن آكل الربا ومؤكله.
(٢) رواه مسلم (١٥٩٨)، وانظر: «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤١٠ (١٧٠٩).
(٣) سلف برقم (١١٤٣).
(٤) سلف برقم (١٣٨٦).
(٥) سيأتي برقم (٤٠٤٧) باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(٦) سلف برقم (٤٥٩) باب: تحريم تجارة الخمر في المسجد.



أن الناس يخرجون من قبورهم سراعًا إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، ويريدون السرعة فلا يقدرون.
وقوله في حديث سمرة: «فأخرجاني إلى أرض مقدسة» أي: مطهرٍ، وهي دمشق وفلسطين. وترجم على الشاهد والكاتب، ولم يذكر فيه حديثًا، وقد ذكرته لك، وكأنه لما أعان على أكل الربا بشهادته وكتابته وكان سببًا فيه معينًا عليه؛ فلذلك ألحق به في اللعن، كما ستعلمه.
وروى الجوزي من حديث أبان عن أنس مرفوعًا: «يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلًا يجر شقه» ثم قرأ الآية (١). قلت: لأن الربا ثقله يعجز عن الإيفاض، والفرق بين البيع (والربا) (٢) بزيادات؛ لأنه في البيع أخذ عوضًا عن ماله، وهو في الربا أخذ من غير مقابل، والإمهال ليس مالًا. حتى يجعل عوضًا.
قال ابن النقيب: والصحيح أن الآية من العموم في خصَّ من المجمل، ثم جمهور العلماء على أن عقد الربا مفسوخ. وقال أبو حنيفة: هو فاسد، إذا أزيل عنه ما يفسده انقلب صحيحًا. وأكل الربا محرم بنص القرآن -كما سلف- وهو من الكبائر المتوعد عليها بمحاربة الله ورسوله، وبما ذكره في الحديث.
قال الماوردي: أجمع المسلمون على تحريمه وعلى أنه من الكبائر، وقيل: إنه كان محرمًا في جميع الشرائع (٣).

--------
(١) ذكره الحافظ المنذري في «الترغيب والترهيب» ٣/ ٨ وعزاه للطبراني والأصبهاني، وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١١٦٦): موضوع.
(٢) من (م).
(٣) «الحاوي» ٥/ ٧٤.



٢٥ - باب مُوكِلِ الرِّبَا
لِقَوْلِهِ -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -؟. [٤٥٤٤]

٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ وَالمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا، وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. [٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٢ - فتح: ٤/ ٣١٤]
ثم ساق من حديث عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ وَالمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ.
الشرح: أما الآية: فنزلت في بقية من الربا في حق جماعة من الصحابة، والآية مدنية، ويدل على تاريخها حديث عائشة السالف في الباب قبله (١)، وحرمت الخمر في شهر ربيع الأول سنة أربع.
﴿إن كنُتُم مُؤْمِنِينَ﴾ على ظاهره، أو من كان، فهذا حكمه، ﴿فَأْذَنُوا﴾ أي: أيقنوا، أو: فأعلموا غيركم أنكم على حربهم، ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: لا تأخذون زيادة على رأس المال (٢) ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بنقص رأس المال ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾: في مصحف عثمان: ذا عسرة:

---------
(١) سلف برقم (٢٠٨٤).
(٢) ورد في هامش (م): وقيل: معنى ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: بحبس رأس المال، فإن الجاهلية كانوا يحبسون ويقولون: زيدوا في الأجل ونزيدكم في المال إذا لم يقدروا على القضاء به.



نزلت في الربا وأعم، ﴿فَنَظِرَةٌ﴾: أي: تأخير، فينظر في دين الربا، أو مطلقًا، أو الإنظار، في دين الربا نصًا، وفي غيره قياسًا، ﴿مَيْسَرَةٍ﴾: يسار، وقيل: الموت، ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا﴾ على المعسر بالإبراء خير من الإنظار ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ إلى جزائه أو ملكه، ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من الأعمال أو الثواب والعقاب، ﴿لَا يُظلَمُونَ﴾ بنقص ما يستحقونه من الثواب، ولا بزيادة على ما يستحق به من العقاب. وما ذكره البخاري
عن ابن عباس أسنده في تفسيره من طريق الشعبي عنه (١).
وقال ابن جريج: مكث رسول الله - ﷺ - بعدها سبع ليال (٢).
وقال ابن عباس: أحدًا وثمانين يومًا (٣).
واعترض الداودي فقال: إما أن يكون وهم من بعض الرواة أو اختلافًا من القول، وقد قيل: إن آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] والوهم؛ لقربها منها، وقيل: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] من آخر سورة براءة، وفي البخاري بعد هذا؛ آخر سورة نزلت براءة، وآخر اية نزلت خاتمة النساء: ﴿يستَفْتُونَكَ﴾ (٤) الآية [النساء: ١٧٦].

-----------
(١) سيأتي برقم (٤٥٤٤).
(٢) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١١٥ (٦٣١٢).
(٣) رواه البيهقي في «دلائله» ٧/ ١٣٧، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٦٥٣ للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في «الدلائل».
(٤) سيأتي برقم (٦٣٦٤) كتاب: المغازي، باب: حج أبي بكر بالناس في سنة تسع، (٤٦٥٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: براءة من الله ورسوله. من حديث البراء بن عازب.



وقال أبي بن كعب: آخر اية نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) [التوبة: ١٢٨]. وقيل: إن قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] أنها نزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع.
وحديث أبي جحيفة من أفراده، وذكره في باب: ثمن الكلب وغيره (٢)، وفي بعض طرقه زيادة: (كسب الأمة) (٣) وفي أخرى: (وكسب البغي) (٤)، وتفرد منه بلعن المصور أيضًا (٥).
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ٥/ ١١٧، وإسحاق بن راهويه كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٦/ ٢١٧ (٥٧٢٤) وكما في «المطالب العالية» ١٤/ ٦٨١ (٣٦١٧).
وقال الحافظ عقبه: هذا إسناد حسن.
والطبري في «تفسيره» ٦/ ٥٢٤ (١٧٥٢٩ - ١٧٥٣٠)، والشاشي في «مسنده» ٣/ ٣١٠ - ٣١٢ (١٤١٤، ١٤١٦)، والطبراني ١/ ١٩٩ (٥٣٣)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٣٨ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه- والبيهقي في «الدلائل» ٧/ ١٣٩، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ٣٤٥ جميعًا من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٦: فيه: علي بن زيد بن جدعان، وهو ثقة سيِّئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات.
ورواه أحمد بن منيع في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٦/ ٢١٨ (٥٧٢٤) وكما في «المطالب العالية» ١٤/ ٦٨٤ (٣٦١٦) عن طريق منصور عن الحسن، عن أبي بن كعب. والحسن لم يسمع من أبي بن كعب، قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمة الحسن البصري ١/ ٣٨٨: روى عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم. قلت: فروايته عن أبي منقطعة ضعيفة. والله أعلم.
(٢) سيأتي برقم (٢٢٣٧) كتاب: البيوع.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٣٨).
(٤) سيأتي برقم (٥٣٤٧).
(٥) سيأتي برقم (٢٠٨٦).



وإذا تقرر ذلك:
فقد سوى النبي - ﷺ - بين بين موكل الربا وآكله في النهي: تعظيمًا لإثمه، سوى بين الراشي والمرتشي في الإثم (١).

------------
(١) روى أبو داود (٣٥٨٠) كتاب: الأقضية، باب: في كراهية الرشوة، من حديث عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي.
وكذا رواه الترمذي (١٣٣٧) كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢٣١٣) كتاب: الأحكام، باب: التغليظ في الحيف والرشوة، وأحمد ٢/ ١٦٤، وعبد الرزاق ٨/ ١٤٨ (١٤٦٦٩) كتاب: البيوع، باب: الهدية للأمراء والذي يشفع عنده، والطيالسي ٤/ ٣٤ (٢٣٩٠)، وابن الجارود ٢/ ١٧١ (٥٨٦)، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٦، وابن حبان ١١/ ٤٦٨ (٥٠٧٧) كتاب: القضاء، باب: الرشوة، والحاكم ٤/ ١٠٢ - ١٠٣ - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩، والبغوي في «شرح السنة» ١٠/ ٨٧ - ٨٨ (٢٤٩٣)، وصححه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٨، والمصنف في «خلاصة البدر» ٢/ ٥٣، والدارقطني في «العلل» ٤/ ١٨٩، والألباني في «صحيح الترغيب» (٢٢١١).
وفي الباب عن ثوبان وأبي هريرة وأم سلمة وابن عمر وعبد الرحمن بن عوف وعائشة.
فأما حديث ثوبان فرواه أحمد ٥/ ١٧٩، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٣٥٣)، والروياني ١/ ٤١٨ - ٤١٩ (٦٣٩)، والحاكم ٤/ ١٠٣، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ٣٩٠ (٥٥٠٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٢٨٥، بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي والرائش.
قال البزار: قوله: الرائش، لا نعلمها إلا من هذا الطريق، وإنما يرويه ليث بن أبي سليم.
قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٩٨: فيه أبو الخطاب وهو مجهول، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٢٣٥): منكر.
وحديث أبي هريرة رواه الترمذي (١٣٣٦)، وأحمد ٢/ ٣٨٧، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٧، وابن الجارود ٢/ ١٧٠ - ١٧١ (٥٨٥)، وابن حبان ١١/ ٤٦٧ =



وموكل الربا: هو معطيه، وآكله: في يأخذه. وأمر الله تعالى عباده بتركه والتوبة منه بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وتوعد تعالى من لم يتب منه بمحاربة الله ورسوله، وليس في جميع المعاصي ما عقوبتها محاربة الله ورسوله غير الربا، فحق
---------
= (٥٠٧٦)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٧٨ - ٧٩ في ترجمة عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عون (١٢٠٩)، والحاكم ٤/ ١٠٣، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١١/ ٢٥٤، وعبد الكريم القزويني في «التدوين في أخبار قزوين» (٢/ ٤٩٦) بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي في الحكم. والحديث حسنه الألباني في «غاية المرام» (٤٥٧).
وحديث أم سلمة رواه الطبراني ٢٣ (٩٥١) قال رسول الله - ﷺ -: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم»، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٩٩: رجاله ثقات، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب»: إسناده جيد، وخالفه الألباني فضعفه في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١٣٤٥).
وحديث ابن عمر رواه وكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٦، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٨٨ في ترجمة عصمة بن محمد بن فضالة (١٥٣٥) بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي والماشي في الرشوة، وقال العجلوني في «كشف الخفاء» (٢٠٤٨): رواه أحمد بن منيع عن ابن عمر وسنده حسن.
وحديث عبد الرحمن بن عوف رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٣٥٥)، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٧. بلفظ: «الراشي والمرتشي في النار». وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٩٩: فيه من لم أعرفه.
وحديث عائشة رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٣٥٤)، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٦، وأبو يعلى ٨/ ٧٤ (٤٦٠١)، ٨/ ٣٦٠ (٤٩٤٧) بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي، وفي بعض الروايات بزيادة: في الحكم. وقال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا من هذا الوجه، تفرد به إسحاق وهو لين الحديث، وقد حدث عنه ابن المبارك وغيره.
وقال الهيثمي ٤/ ١٩٩: فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، وهو متروك. وانظر: «الإرواء» (٢٦٢١).



على كل مؤمن أن يجتنبه ولا يتعرض لما لا طاقة له به من المحاربة المذكورة، ألا ترى فهم عائشة هذا المعنى حين قالت للمرأة التي قالت لها: بعت من زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم ابتعتها بستمائة درهم. فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إن لم يتب (١). ولم تقل
----------
(١) رواه أحمد في «مسنده» كما في «نصب الراية» ٤/ ١٦، وكما في «الدراية» ٢/ ١٥١ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد لعائشة: إني بعت من زيد … الحديث.
ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ١٨٤ (١٤٨١٢) من طريق معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم … الحديث.
ورواه أيضًا عبد الرزاق ٨/ ١٨٥ (١٤٨١٣) من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأته قالت: سمعت امرأة أبي السفر تقول سألت عائشة فقلت: بعت زيد بن أرقم جارية … الحديث، ورواه البغوي في «مسند ابن الجعد» (٤٥١) كرواية أحمد السالفة سندًا ومتنًا، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦ (٢٨٩٧) من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق، عن امرأته -أم يونس العالية بنت أيفع- أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت لها أم محبة -أم ولد لزيد بن أرقم … الحديث، والدارقطني ٣/ ٥٢ من طريق معمر عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد … الحديث، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٣٣٠ - ٣٣١ من ثلاث طرق:
الأول: من طريق أحمد والبغوي.
الثاني: من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق، عن العالية قالت: كنت قاعدة عند عائشة فأتتها أم محبة فقالت لها … الحديث.
الثالث: من طريق عبد الرزاق الثاني وذكر فيه أيضًا؛ امرأة أبي السفر.
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٨/ ٤٨٧ من طريق يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن أمه العالية بنت أيفع أنها حجت مع أم محبة فدخلتا على عائشة … الحديث مختصرًا وبنحوه رواه ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٨٤ (١٤٥٤) مطولًا، ووقع =



---------
= فيه أم مجية بدل أم محبة، وهو تصحيف بيَّن.
قلت: اختلف في هذا الحديث فبعضهم أبهم اسم السائلة لعائشة، والبعض سماها أم محبة، والبعض ميزها بأنها امرأة أبي السفر.
وأبو السفر هو: سعيد بن يحمد ويقال: ابن أحمد الهمداني الثوري الكوفي روى عنه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج وجماعة انظر ترجمته في: «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢٥، و«تهذيب الكمال» ١٥/ ٤١.
قال البيهقي: قال الشافعي: فقيل له: أيثبت هذا الحديث عن عائشة؟ فقال: أبو إسحاق رواه عن امرأته، قيل: فتعرف امرأته بشيء يثبت من حديثها؛ فما علمته قال شيئًا، وجملة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا، ولا يبتاع إلا مثله اهـ. «معرفة السنن والآثار» ٨/ ١٣٦.
وأورد ابن حزم الحديث في «المحلى» ٧/ ٢٩ وقال: خبر لا يصح، وقال في موضع آخر ٩/ ٤٩ - ٥٠: هذا الخبر فاسد جدًا من وجوه: الأول: أن امرأة أبي إسحاق مجهولة الحال لم يرو عنها أحد غير زوجها وولدها يونس، على أن يونس قد ضعفه شعبة بأقبح تضعيف، وضعفه يحيى القطان وابن حنبل.
الثاني: قد صح أنه مدّلَّس، وأن امرأة أبي إسحاق لم تسمعه من عائشة؛ وذلك أنه لم يذكر عنها زوجها ولا ابنها أنها سمعت سؤال المرأة لعائشة ولا جواب عائشة لها، إنما في حديثها: دخلت على عائشة أنا وأم ولد لزيد فسألتها أم ولد زيد، وهذا يمكن أبي يكون ذلك السؤال في ذلك المجلس ويمكن أن يكون في غيره- ثم ساق بسنده حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأة قالت: سمعت امرأة أبي السفر الحديث، ثم قال: فبين سفيان الدفينة التي في هذا الحديث وأنها لم تسمعه امرأة أبي إسحاق من أم المؤمنين، وإنما روته عن امرأة أبي السفر، وهي في الجهالة أشد وأقوى من امرأة أبي إسحاق، فصارت مجهوله عن أشد منها جهالة ونكرة، فبطل جملة، ولله تعالى الحمد، وليس بين يونس وسفيان نسبة في الثقة فالرواية ما روى سفيان.
الثالث: من البرهان الواضح على كذب هذا الخبر ووضعه، وأنه لا يمكن أن يكون حقًا أصلًا ما فيه مما نسب إلى عائشة من أنها قالت: أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إن لم يتب، وزيد لم يفته مع رسول الله - ﷺ - =



لها: إنه أبطل صلاته ولا صيامه ولا حجه، فمعنى ذلك -والله أعلم- أن من جاهد في سبيل الله فقد حارب محاربة الله، ومن أربا فقد أبطل حربه عن الله، فكانت عقوبته من جنس (ذنبه) (١).
---------
= إلا غزوتان بدر وأحد، وشهد بيعة الرضوان ونزل فيه القرآن، وشهد الله له بالجنة على لسان رسوله أن لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، فوالله ما يبطل هذا كله ذنب من الذنوب غير الردة، وقد أعاذه الله منها برضاه عنه، وأعاذ عائشة من أن تقول هذا الباطل.
الرابع: يوضح كذب هذا الخبر أيضًا أنه لو صح أن زيدًا أتى أعظم الذنوب من الربا المصرح، وهو لا يدري أنه حرام لكان مأجورًا في ذلك أجرًا واحدًا غير آثم، فكيف بعائشة إبطال جهاد زيد بن أرقم في شيء عمله مجتهدًا لا نص في العالم يوجد بخلافه لا صحيح ولا من طريق واهية، هذا والله الكذب المحض المقطوع به، فليتب إلى الله تعالى من ينسبه إلى عائشة، فهذِه براهين أربعة في بطلان هذا الخبر وأنه خرافة مكذوبة اهـ. بتصرف.
قلت: في بعض ما قاله ابن حزم نظر:
قال ابن سعد في «طبقاته» ٨/ ٤٨٧: العالية بنت أيفع امرأة أبي إسحاق، دخلت على عائشة وسألتها وسمعت منها.
قال ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٨٤: قالوا: العالية امرأة مجهولة فلا يقبل خبرها. قلنا بل هي امرأة جليلة القدر معروفة. اهـ.
قال الزيلعي: قال في «التنقيح»: هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدارقطني قال في العالية: هي مجهولة لا يحتج بها، فيه نظر، فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله - ﷺ - أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. اهـ. «نصب الراية» ٤/ ١٦.
وأورد ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٤٨٦ حديث ابن أبي حاتم وقال: هذا الأثر مشهور. وقال ابن التركماني: العالية معروفة، روى عنها زوجها وابنها، وهما إمامان اهـ. «الجوهر النقي» ٥/ ٣٣١.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: أو يكون من أربى فقد حارب الله، ولا يكون الشخص محاربا لله وفي الله.



وهذِه الأشياء المنهي عنها في الحديث مختلفة الأحكام، فمنها ما هو على سبيل التنزه ككسب الحجام، ومنها ما هو على سبيل التحريم كثمن الكلب عندنا (١)، وكره عند المالكية (٢) للضعة والسقوط في حقه، ومنها حرام بين كالربا. وأما اشتراء أبي جحيفة الحجام، ثم قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الدم (بمحجمه) (٣). وتخلص من إعطاء الحجام أجرة حجامته؛ خشية أن يواقع نهي رسول الله - ﷺ - عن ثمن الدم على ما تأوله في الحديث، وقد جاء هذا مبينًا في باب ثمن الكلب بعد هذا، قال عون بن أبي جحيفة: رأيت أبي اشترى (عبدًا) (٤) حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألت عن ذلك، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الدم (٥). وإنما فعل ذلك على سبيل التورع والتنزه، وسيأتي القول في كسب الحجام بعد هذا.
وقد اختلف العلماء في بيع الكلب، فقال الشافعي: لا يجوز بيعها، كلها سواء كان كلب صيد أو حرث أو ماشية أو غير ذلك، ولا قيمة فيها (٦)، وهو قول أحمد وحماد والحسن (٧).
واختلفت الرواية عن مالك في بيعه، فقال في «الموطأ»: أكره بيع الكلب الضاري وغيره؛ لنهيه - ﷺ - عن ثمن الكلب (٨).

----------
(١) انظر «الحاوي» ٥/ ٣٧٥.
(٢) انظر «المنتقى» ٥/ ٢٨.
(٣) ساقطة من (م)
(٤) من (م).
(٥) سيأتي برقم (٢٢٣٨).
(٦) «الأم» ٣/ ٩.
(٧) انظر «المغني» ٦/ ٣٥٢.
(٨) «الموطأ» ص ٤٠٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #403  
قديم 19-02-2026, 11:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,241
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 171 الى صـــ 190
الحلقة (403)




وروى نافع عن مالك أنه كان يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغانم، وكان يكره بيعه الرجل ابتداءً، وقال نافع: وإنما نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن العقور.
وقال ابن القاسم: لا بأس بشراء كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها.
وكان ابن كنانة وسحنون يجيزان بيع كلاب الصيد والحرث والماشية.
قال سحنون: ويحج بثمنها. وهو قول الكوفيين. وقال مالك: إن قتل كلب الدار فلا شيء فيه، إلا أن يسرح مع الماشية (١).
وفي «مختصر ابن الحاجب»: وفي كلب الصيد قولان (٢). وقال أبو عبد الملك: يجوز في القسم والمواريث دون غيرها. وعن أبي حنيفة: من قتل كلبًا لرجل ليس بكلب صيد ولا ماشية فعليه قيمته،
وكذلك السباع كلها. وقال الأوزاعي: الكلب لا يباع في مقاسم المسلمين، هو لمن أخذه.
حجة الشافعي حديث الباب، فإن النهي فيه عام.
حجة المخالف أن الله تعالى لما أباح لنا في علمناه أفاد لنا ذلك إباحة التصرف فيها بالإمساك والبيع وغير ذلك، وما قالوه هو عين النزاع.
قالوا«: و﴿مَا﴾ في الآية بمعنى: في، التقدير: في أحل لكم من الطيبات والذي علمتم من الجوارح مكلبين، وهذا قول جماعة من السلف. وروي عن جابر: أنه جعل القيمة في كلاب الصيد (٣)، وعن عطاء مثله، وقال: لا بأس بثمن الكلب السلوقي. وعن النخعي مثله (٤).

----------
(١) انظر:»المنتقى«٥/ ٢٨.
(٢)»مختصر ابن الحاجب«ص ٢٠٤.
(٣) انظر:»التمهيد" ٨/ ٤٠٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٣ (٢٠٩١٠، ٢٠٩١١، ٢٠٩١٥) كتاب: البيوع، من رخص في ثمن الكلب.



وقال أشهب: في قتل المعلم القيمة. وأوجب ابن عمر فيه أربعين درهمًا، وفي كلب ماشية شاة، وفي كلب الزرع فرقًا من طعام، وفي كلب الدار فرقًا من تراب (١) - أي: تراب المعدن دون الرماد.
ويقضى على صاحب الكلب بأخذه كما يقضى على الآخر بدفعه، وأجاز عثمان الكلب الضاري في المهر، وجعل فيه عشرين من الإبل على من قتله (٢).
وقد أذن في اتخاذ كلب الصيد والماشية. وكان النهي منصبًا إلى غير المنتفع به، أو كان النهي فيه، وكسب الحجام كان في بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح في جواز بيعه؛ ولذلك لما أعطى الحجام أجرة كان ناسخًا لما تقدمه. وذكر الطحاوي من حديث أبي رافع: أنه - عليه السلام - لما أمر بقتل الكلاب أتاه أناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذِه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، فلما أبيح الانتفاع بها حل بيعها وأكل ثمنها (٣)، لكن جاء في «سنن أبي داود»: (فإن جاء يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا) (٤)، وهو دالٌّ على عدم صحة بيعه.

----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٣ (٢٠٩١٤).
(٢) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٤٠٣.
(٣) «شرح معاني الاثار» ٤/ ٥٧.
(٤) أبو داود (٣٤٨٢) كتاب: الإجارة، باب: في أثمان الكلاب.
قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٢٦: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٦٥).



فصل:
وأما النهي عن ثمن الدم فهو على التنزيه على المشهور، وبه قال الأكثرون، وهو مشهور مذهب أحمد، فإنه - عليه السلام - أعطاه أجرة، ولو كان حرامًا لم يعطه، وقال لمحيصة: «اعلفه ناضحك، وأطعمه
رقيقك» (١).
ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة، كالبناء، والخياطة، وسائر الصناعات، والنهي عن ثمن الدم السائل في حرم الله تعالى. وقال أبو جحيفة: أجرة الحجام من ذلك. وهو قول أبي هريرة والنخعي (٢)؛ لأنه قرنه بمهر البغي، وهو حرام، فكذا هو. قالوا: ولأن عمله غير معلوم، وكذا مدة عمله، فالإجارة فاسدة. وقال آخرون: إنه

---------
(١) رواه أبو داود (٣٤٢٢) كتاب: التجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٧) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام، وابن ماجه (٢١٦٦) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام والبغي وحلوان الكاهن وعسب الفحل، وأحمد ٥/ ٤٣٥ - ٤٣٦، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ١٣٩ (٢١٢٠)، وابن الجارود ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ (٥٨٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣١ - ١٣٢ كتاب: الإجارات، باب: الجعل على الحجامة، وأبو عوانة ٣/ ٣٥٩ (٥٢٩٩) كتاب: البيوع، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ٢٥١ - ٢٥٢، ٣/ ١١٦ - ١١٧، وابن حبان ١١/ ٥٥٧ - ٥٥٨ (٥١٥٤) كتاب: الإجارة، والطبراني ٢٠/ ٣١٢ (٧٤٢)، والبيهقي في «سننه» ٩/ ٣٣٧ كتاب: الضحايا، باب: التنزيه عن كسب الحجام، والبغوي في «شرح السنة» ٨/ ١٨ (٢٠٣٤)، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٢٢٠ (١٥٨٢) وابن الأثير في «أسد الغابة» ٥/ ١٢٠ جميعًا من حديث حرام بن محيصة عن أبيه محيصة بن مسعود به.
قال الترمذي: حديث حسن، وقال العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٣٥٧: إسناده صالح، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٠٠٠) وفيه بحث رائع فليراجع.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٠ (٢٠٩٨٥، ٢٠٩٩١) كتاب: البيوع، كسب الحجام.



يأخذها على أخذ الشعر، وهو قول عطاء: إذا رأى الشعر قبله. وقال الآخرون: يجوز للمحتجم إعطاؤها، ولا يجوز للحجام أخذها. ورواه ابن جرير عن أبي قلابة. فإن الشارع أعطاها مع أنه قال: «إن كسبه خبيث» (١) وفي رواية: «سحت» (٢)، وبه قال ابن جرير إلا أنه قال: يعلفها ناضحه ومواشيه ولا يأكله، فإن أكله كان حرامًا. وعن أحمد وبه قال فقهاء المحدثين: يحرم على الحرِّ دون العبد؛ لحديث: «اعلفه ناضحك ورقيقك» رواه حرام بن محيصة، عن أبيه مرفوعًا (٣).
----------
(١) رواه مسلم (١٥٦٨) كتاب: المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي والنهي عن بيع السنورة، وأبو داود (٣٤٢١) كتاب: الإجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٥) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في ثمن الكلب، وأحمد ٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥، ٤/ ١٤١ جميعًا من حديث رافع بن خديج.
ورواه أيضًا الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٢ كتاب: البيوع، من حديث رافع، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه! وهو وهم منه رحمه الله، فالحديث عند مسلم كما ترى.
قال الألباني في «الصحيحة» (٣٦٢٢): تنبيه: رويت الفقرة الأولى من الحديث بزيادة في آخرها: … وهو أخبث مثله، وهي زيادة لا تصح اهـ.
قلت: رواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ١٥٤ - ١٥٥، والبيهقي في «سننه» ١/ ١٩ من حديث ابن عباس مرفوعًا: «ثمن الكلب خبيث وهو أخبث منه». قال الألباني في «الضعيفة» (٣٤٥٩): ضعيف جدًا.
(٢) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٢١١، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١١٥ (٤٦٩٧) كتاب: المزارعة، باب: عسب الفحل، والطبري في «تفسيره» ٤/ ٥٨٠ (١١٩٦١)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٩٤، والدارقطني ٣/ ٧٢ - ٧٣، والبيهقي في «سننه» ٦/ ٦ كتاب: البيوع، باب: النهي عن ثمن الكلب، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٩٠ (١٤٨٥ - ١٤٨٦) جميعًا من حديث أبي هريرة، وصحح الألباني هذِه الرواية بمجموع طرقها في الصحيحة (٢٩٩٠) وعقد فيه بحثًا نفيسًا فراجعه.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.



قالوا: ولا يجوز للحرِّ أن يحترف بالحجامة، وإن كان غلامه حجامًا لم ينفق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبيد وعلى بهائمه. والقصد بالحجام: في يحجم ليس في يزين الناس.
وذكر ابن الجوزي: أن أجرة الحجام إنما كرهت؛ لأنه مما يعين به المسلم أخاه إذا احتاج إليه، فلا ينبغي له أن يأخذ من أخيه على ذلك أجرًا.
وروى ابن حبيب: أن قريشًا كانت تتكرم في الجاهلية عن كسب الحجام؛ فلذلك جاء فيه النهي على وجه التكرم والأنفة عن دقائق الأمور. وروى ربيعة أنه قال: كان للحجامين سوق على عهد عمر،
ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك عن آبائهم أنهم كانوا حجامين (١).
وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مُقِرِّينَ بأجر الحجامة ولا ينكرونها (٢).
وحاصل الخلاف: كراهة التنزيه، التحريم مطلقًا، الفرق بين الحر والعبد، يجوز الإعطاء دون الأخذ. قول ابن جرير.
فصل:
قوله: (ونهى عن الواشمة والموشومة)؛ أي: عن فعل الواشمة.
والوشم: أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يحشى بالكحل و(النَّئُور) (٣) (٤) فيخضر، وقال الداودي: فيسود موضعه إذا حشي بالإثمد، وهو من عمل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله.

----------
(١) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ٨١.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الاثار» ٤/ ١٣٢.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: النئور يلج، وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر ولك أن تقلب الواو، المضمومة همزة كما في «الصحاح».
(٤) النَّئُور: هو دخان الشحم، انظر: لسان العرب، مادة: وشم ٥/ ١٨٩.



والموشومة: التي يفعل ذلك بها، وفي حديث آخر: «الموتشمة» (١)، وفي آخر: «المستوشمة» (٢). وفسر العتبي في حديث آخر «لعن الواشمة» (٣): أي: التي تنتحل.
فصل:
وقوله: (وآكل الربا): قال الداودي: هو الذي يأكله، كان هو المربي أو غيره. وقال القزاز: هو في يعمل به ويأكل منه، وموكله: في يزيد في المال؛ لأنه هو في جعل له ذلك وأطعمه إياه. وقال الداودي موكله: الذي يطعمه غيره، وهذا من قوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. قال الخطابي: وإنما سوى في الإثم بين آكله وموكله وإن كان أحدهما هو الرابح مغتبطًا والآخر منهضمًا؛ لأنهما في الفعل شريكان، ولله حدود لا تتجاوز في حال العدم والوجد (٤).
فصل:
قوله: (ولعن المصور): ظاهره العموم، وخفف منه ما لا روح فيه كالشجر. وجاء أنه يقال لهم يوم القيامة: «أحيوا ما خلقتم» (٥). وسيأتي باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك، والنهي عن كسب الإماء؛ لأنه رذيلة.

--------
(١) ذكر هذا اللفظ الحافظ في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٧٦.
(٢) سيأتي برقم (٥٩٤٥) كتاب: اللباس، باب: الواشمة.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٣٨) باب: بيع الميتة والأصنام.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٨.
(٥) سيأتي برقم (٣٢٢٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، ورواه مسلم (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه. من حديث عائشة.



٢٦ - باب ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]
٢٠٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». [مسلم: ١٦٠٦ - فتح: ٤/ ٣١٥]
ذكر حديث أبي هريرة: سَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ».
معنى ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾: ينقصه شيئًا بعد شيء، من محاق الشهر؛ لنقصان الهلال فيه. ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ يضاعف أجرها وعدًا منه، أو ينمي المال في أخرجت منه.
﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كل مصرٍ على كفر مقيم عليه مستحل أكل الربا أو إطعامه.
(أثيم) متمادٍ في الإثم يريد فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا يزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه.
قال المهلب: سئل بعض العلماء عن معنى هذِه الآية، وقيل له: نحن نرى صاحب الربا يربو ماله، وصاحب الصدقة ربما كان مقلًا! قال: معنى ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾: أي: الصدقة يجدها صاحبها مثل أحد يوم القيامة، فكذلك صاحب الربا يجد عمله ممحوقًا، إن تصدق منه أو وصل رحمه لم يكتب له بذلك حسنة، وكان عليه إثم الربا بحاله.
وقالت طائفة: إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ، احتجوا لذلك بحديث الباب، فلما كان نفاقها بالحلف الكاذبة في الدنيا، كان محق البركة فيها في الدنيا.


وذكر عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق (١). وروى الطبري في «تفسيره» من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «الربا وإن كثر فإلى قل» (٢) وقيل: إن تصدق منه فلا يقبل؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن صرف في سبيل الخير لم ينفعه، وربما محقه في الدنيا وتبقى تبعاته.
وقيل: يهلك وتذهب بركته، ومحقه الله فامتحق. وحديث الباب أخرجه مسلم أيضًا، وذكره كالتفسير للآية (٣)، فيقال: كيف يجتمع المحاق والزيادة؟ فبين الحديث أن اليمين مزيدة في الثمن، وممحقة للبركة منه، والبركة أمر زائد على العدد، فتأويل قوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يمحق البركة منه -كما سلف- وإن كان عدده باقيًا على ما كان.
وفي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إياكم وكثرة الحلف، فإنه ينفق ثم يمحق» (٤).

-----------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٨/ ٣١٦ (١٥٣٥٣) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الربا.
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ١٠٥ (٦٢٥٠) معلقًا.
ورواه ابن ماجه (٢٢٧٩) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا، وأحمد ١/ ٣٩٥، ٤٢٤، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٧، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٧٥٨): هذا إسناد صحيح رجاله موثقون، العباس بن جعفر وثقه ابن أبي حاتم وابن المديني وابن حبان، وباقي رجاله على شرط مسلم.
وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣١٥: إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٥٤٢)، و«صحيح الترغيب» (١٨٦٣).
(٣) مسلم (١٦٠٦) كتاب: المساقاة، باب: النهي عن الحلف في البيع.
(٤) مسلم (١٦٠٧)، وانظر «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٤٥٩ (٧٣٧).



و«ممحقة» (١) بفتح الميم وكسر الحاء ويصح فتحها، قال صاحب «المطالع»: كذا قيد القاضي أبو الفضل، والذي أعرف بفتحها.
و«منفقة» بفتح الميم كما قيد ابن التين؛ لأنها مفعلة من نفق ومحق،
وعن ابن فارس: ويقال: المحقة، وهو رديء (٢)، وضبطهما النووي بفتح أولهما وثالثهما وسكون ثانيهما (٣). ويقال: نفق البيع ينفق نفاقًا: كثر الراغب.
و«الحلف»: اليمين بإسكان اللام وكسرها، ذكره ابن فارس (٤)، وهي اليمين الكاذبة.

----------
(١) ورد بهامش (م): وفي رواية: مُمحقة: بالضم وكسر الحاء، اسم فاعل وزنه للمبالغة لا التأنيث.
(٢) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٢٤.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١١/ ٤٤.
(٤) «المجمل» ١/ ٢٤٩.



٢٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ
٢٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا العَوَّامُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ- فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ، لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] [٢٦٧٥، ٤٥٥١ - فتح: ٤/ ٣١٦]
ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى: أَن رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ- فَحَلَفَ بالله لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
حديث الباب من أفراده، وعنده في موضع آخر عن ابن مسعود مرفوعًا في حديث الأشعث (١)، وسيأتي أنها نزلت في من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم (٢).
ومعنى ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: أمره ونهيه، أو ما جعل في العقل من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق ﴿لَا خَلَقَ﴾: من الخلق، وهو النفسس، أو من الخلق أي: لا نصيب لهم مما يوجبه الخلق الكريم.
﴿وَلَا يُكلمُهُم﴾ بما يسرهم، بل بما يسوءهم عند الحساب بقوله ﴿إنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: ٢٦]، أو لا يكلمهم أصلًا، بل يكل حسابهم إلى الملائكة، ويسمع كلامه أولياؤه، أو يغضب عليهم كما

--------
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٦ - ٢٦٧٧) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ و(٤٥٤٩ - ٤٥٤٠) كتاب: التفسير.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٧٥) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، و(٤٥٥١) كتاب: التفسير.



تقول: فلان لا يكلم فلانًا.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾: لا يبرهم ولا يمنُّ عليهم (١) ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يقضي بزكاتهم، نزلت في من يحلف أيمانًا فاجرة لينفق بها بيع سلعته، أو في الأشعث نازع خصمًا في أرض، فقام ليحلف، فنزلت، فنكل الأشعث واعترف بالحق (٢)، أو في أربعة من أحبار اليهود كتبوا كتابًا وحلفوا أنه من عند الله فيما ادعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل (٣).
﴿أَلِيمٌ﴾: موجع حيث وقع، وهذا الوعيد الشديد في هذِه اليمين الغموس لما جمعت من المعاني الفاسدة، وكذا كذبه في اليمين بالله تعالى، وهو أصل ما يحلف فيه، وغرَّر المسلمين، واستحلال مال المشتري بالباطل في لا يدوم في الدنيا عوضًا عما كان يلزمه من تعظيم حق الله تعالى والوفاء بعهده والوقوف عند أمره ونهيه، فخاب متجره وخسرت صفقته.
وفي «تفسير الطبري»: أنها نزلت في رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن أبي الأشرف، وحيي بن أخطب (٤). وفي «تفسير أبي القاسم الجُوزي»: عن ابن عباس: نزلت في ناس من علماء اليهود أصابتهم فاقة، فجاءوا إلى كعب بن الأشرف، فسألهم كعب عن رسول الله - ﷺ -، فقالوا: نعم، هو رسول الله - ﷺ -. قال كعب: لقد حرمتم خيرًا كثيرًا، فنزلت. وقيل: نزلت في الذين حرفوا التوراة، حكاه الزمخشري (٥).

--------
(١) هذا من التأويل المذموم، وسيأتي بيان ذلك في كتاب التوحيد.
(٢) رواه الطبري ٣/ ٣٢٠ (٧٢٧٨).
(٣) رواه الطبري ٣/ ٣١٩ (٢٢٧٥) عن عكرمة.
(٤) المصدر السابق.
(٥) «الكشاف» للزمخشري ١/ ٣٣١.



والوجه أن نزولها في أهل الكتاب، وفي «المستدرك» صحيحًا عن قيس بن أبي غرزة مرفوعًا: «يا معشر التجار، إنه يشهد بيعكم اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة» (١).
وفيه -أيضًا- مصحح الإسناد عن إسماعيل بن عبيد، عن ابن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «يا معشر التجار، إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى وبر وصدق» (٢)، وفيه -أيضًا- مثله عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: «إن التجار هم الفجار»، فقالوا: يا رسول الله: أليس الله قد أحل البيع؟ قال: «بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون» (٣).
قال الداودي: هذا جزاؤه إن لم يتب. وريد: أنه يتحلل صاحبه إلا أن يرضي الله خصمه بما شاء ويتجاوز عنه، أو يأخذ له من حسناته، أو يلقي عليه من سيئاته.

--------
(١) «المستدرك» ٢/ ٥. ورواه أيضًا أبو داود (٣٣٢٦) كتاب: البيوع، باب: في التجارة يخالطها الحلف واللغو، والترمذي (١٢٠٨) كتاب البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي - ﷺ - إياهم، والنسائي ٧/ ١٤ - ١٥ كتاب: الإيمان والنذور، في الحلف والكذب لمن لم يعتقد اليمين بقلبه، وابن ماجه (٢١٤٥) كتاب: التجارات، باب: التوقي في التجارة، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٩٧٤).
(٢) «المستدرك» ٢/ ٦.
ورواه أيضا الترمذي (١٢١٠) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي - ﷺ - إياهم -وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢١٤٦)، وصححه ابن حبان ١١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (٤٩١٠) كتاب: البيوع، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٩٤).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٧، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٦٦).



وأما الحلف فهو بينه وبين الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. قال بعض العلماء: الذنوب كلها، الباري تعالى يقتص للبعض من البعض بأخذ حسنات الظالم أو بإلقاء السيئة عليه. وقيل: نزلت الآية في
رجلين اختصما في أرض، فجعل رسول الله - ﷺ - اليمين على المدعى عليه فقال: المدير إذًا يحلف. فنزلت (١).

--------
(١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الخمسين كتبه مؤلفه.


٢٨ - باب مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ
وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا». وَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ».

٢٠٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيًّا - عليه السلام - قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمْسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِىَ بِفَاطِمَةَ عليها السلام بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرُسِي. [٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣ - مسلم: ١٩٧٩ - فتح: ٤/ ٣١٦]

٢٠٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ». وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفِ بُيُوتِنَا. فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». فَقَالَ عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ، وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ.
قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ: لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٣١٧]
ثم ذكر فيه حديث علي: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ … وساق الحديث.
وفيه: وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بإِذْخِرٍ.


وحديث عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: إن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ …» الحديث إلى قوله: «إِلَّا الإِذْخِرَ فإنه لِصَاغَتِنَا وَلسُقُفِ بُيُوتنَا».
الشرح: التعليقان الأولان مسندان كما سلف (١)، وحديث علي ساقه -أيضًا- مطولًا بقصة حمزة وإنشادها:
ألا يا حمز للشرف النواء (٢)
والشارف: المسن من النوق، وفيه في مسلم: بأنه المسن الكبير (٣). والمعروف أنه النوق خاصة لا من الذكور، وبه جزم ابن التين حيث قال: إنها المسنة من الإبل. وحكى الحربي عن الأصمعي أنه يقال: شارف للذكر والأنثى، ويجمع على شرف، ومنه البيت المذكور، ولم يأت فعل جمع فاعل إلا قليلًا، كما قاله عياض (٤). وفي «المخصص» عن الأصمعي: ناقة شارف وشروف، قال سيبويه: جمع الشاوف: شُرُف، والقول في الشارف كالقول في البازل -يعني: خروج نابها- أبو حاتم: شارفة، صاحب «العين»، والجمع: شوارف. ولا يقال للبعير شارف (٥). وقال في «المحكم»: الشارف من الإبل: المسن والمسنة، والجمع: شُرَّف وشُرُف (٦)، وفي «الجامع»: هي الناقة المسنة، وتجمع شرفًا وشوارف.

---------
(١) سلف برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٧٥) كتاب: المساقاة، باب: بيع الحطب والكلأ.
(٣) مسلم (١٧٥٠).
(٤) «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» للقاضي عياض ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٥) انتهى من «المخصص» (٢/ ١٣٨). وانظر: «العين» (٦/ ٢٥٣).
(٦) «المحكم» لابن سيده ٨/ ٣٤.



والنواء: ذكره ابن ولاد في الممدود المكسور أوله: السمان من الإبل (١). وفي «التهذيب» (٢): النوى: الشحم واللحم أيضًا. نوت الناقة: سمنت، فهي ناوية والشعر لعبد الله بن السائب جد أبي السائب المخزومي، فيما ذكره ابن المرزباني وأن القينة تمثلت به. وحديث عكرمة عن ابن عباس سلف في الحج (٣)، وشيخ البخاري فيه إسحاق هو ابن شاهين الواسطي، قاله ابن ماكولا وابن البيع (٤)، وصرح به الإسماعيلي وأبو نعيم.
وقوله: (وقال عبد الوهاب عن خالد: لصاغتنا وقبورنا) سلف مسندًا قبل (٥).
إذا تقرر ذلك:
ففيما ذكر أن الصياغة صناعة جائز التكسب منها، والصوّاغ إذا كان عدلًا لا تضره صناعته؛ لأنه - عليه السلام - قد أجازه.
وفيه: جواز بيع الإذخر وسائر المباحات والاكتساب منها للرفيع والوضيع.
وفيه: الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم، والاستعانة على الولائم والتكسب لها من طيب الكسب، وأن طعام الوليمة على

--------
(١) «المقصور والممدود» ص ١١٢.
(٢) «تهذيب اللغة» للأزهري ٤/ ٢٦٨٣ مادة: نوى.
(٣) سلف برقم (١٥٨٧).
(٤) قلت: هو الحاكم أبو عبد الله، صاحب «المستدرك»، قال ذلك في كتابه «المدخل إلى الصحيح» ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥ (٢٣) ط. مكتبة الفرقان. فقال: إسحاق، قال أبو عبد الله في مواضع كثيرة من الكتاب: حدثني إسحاق سمع خالد بن عبد الله. ولم ينسبه -قلت: وهذا الحديث منها- وهو إسحاق بن شاهين الواسطي.
(٥) سلف برقم (١٣٤٩).



الناكح. ولم يختلف أهل السير كما قاله ابن بطال (١) في غير هذا الباب
أن الخمس لم يكن يوم بدر. وذكر إسماعيل القاضي أنه كان في غزوة بني النضير حين حَكَّم سعدًا (٢).
قال: وأجيب أن بعضهم قال: ترك أمر الخمس بعد ذلك. وقيل: إنما كان الخمس يقينًا في غنائم حنين، وهي آخر غنيمة حضرها سيدنا رسول الله - ﷺ - قال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول علي إلى تأويل.
قلت: ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن جحش لما بعثه - عليه السلام - في السنة الثانية إلى نخلة في رجب، وقيل: عمرو بن الحضرمي وغيره واستاقوا الغنيمة، وهي أول غنيمة، قسم ابن جحش الغنيمة وعزل لرسول الله - ﷺ - الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس فأخر النبي - ﷺ - الخمس والأسيرين (٣)، ثم ذكر خروج رسول الله - ﷺ - إلى بدر في رمضان فقسم غنائمها مع الغنيمة الأولى وعزل الخمس فيكون قول علي: شارفي من نصيبي من المغنم. يريد: يوم بدر. ويكون قوله: كان رسول الله - ﷺ - أعطاني شارفًا قبل ذلك من الخمس قبله من غنيمة ابن جحش.
وقال الداودي: فيه دليل أن آية الخمس نزلت يوم بدر؛ لأنه لم يكن قبل بنائه بفاطمة مغنم غيره، وذلك كله سنة اثنتين من الهجرة في رمضان، وكان بناؤه بفاطمة بعد ذلك.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٥/ ٢٤٨ في كتاب: الخمس، باب: فرض الخمس.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: إنما حكم سعدًا في قريظة، هذا المعروف.
[قلت (المحقق): وهو كما قال فالثابت أن تحكيم سعد بن معاذ كان في غزوة بني قريظة. انظر: «البداية والنهاية» ٤/ ٤٩٩ - ٥١٠، و«تاريخ الإسلام» ٢/ ٣٠٧ - ٣١٨].
(٣) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٤١.



قال: وذكر أبو محمد في «جامع مختصره» أنه تزوجها في السنة الأولى. قال: ويقال: في الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرًا، وهذا كان بعد بدر؛ لأن بدرًا كانت على سنة ونصف من مقدمه المدينة، وهذا يعضد ما قاله الداودي.
وذكر أبو عمر عن عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي: نكحها بعد وقعة أحد. وقيل: تزوجها بعد بنائه بعائشة بسبعة أشهر ونصف.
وقال ابن الجوزي: بنى بها في ذي الحجة وقيل: في رجب. وقيل: في صفر من السنة الثانية.
وفي كتاب ابن شبّة من رواية أبي بكر بن عياش أنه - عليه السلام - غرم حمزة الناقتين. وقد قام الإجماع على أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزمه ضمانه كالمجنون، والسنام المقطوع حرام، والحالة هذِه بالإجماع، فإن سبقت التذكية فلا شك في حله وخالف عكرمة وإسحاق وداود فقالوا: لا تحل ذبيحة الغاصب ولا بيعه.
وفي الحديث: الاستعانة باليهود ومعاملتهم وإن كان مالهم يخالطه الربا.
(وقينقاع): نونه مثلثة كما سلف أول الباب أول البيوع (١).
وقوله: (فلما أردت أن أبني بفاطمة). البناء: الدخول، والأصل فيه أنهم كانوا إذا أراد أحدهم الدخول على أهله رفع قبة أو بناء يدخلان فيه.
وقوله: (في وليمة عرسي) الوليمة: الطعام الذي يصنع عند العرس، والعرس -بضم الراء وإسكانها مهملة: الأملاك والبناء. وقيل: هو طعامه خاصة- أنثى وقد يذكر ويصغر بغيرها، وهو نادر؛ لأن حقه الهاء إذ هو

-------------
(١) في الحديث السالف برقم (٢٠٤٨).


مؤنث على ثلاثة أحرف. والجمع: أعراس وعروسات. والعروس: نعت الرجل والمرأة؟ رجل عروس في رجال أعراس، وامرأة عروس في نسوة عرائس، ذكره ابن سيده (١).
وقال الأزهري: العرس طعام الوليمة وهو من أعرس الرجل بأهله إذا بنى عليها ودخل بها، وتسمى الوليمة عرسًا والعرب تؤنثه (٢).
وفي «الموعب»: العرس هو طعام الزفاف. والعرس هو الطعام في يمد للعروس. وقال ابن دينار: سألت أبا عثمان عن اشتقاق العروس، فقال: قالوه تفاؤلًا، من قولهم عرس الصبي بأمه إذا ألفها. ووقع في
كتاب الشرب عند البخاري: و(معي صائغ) (٣).
قال ابن التين عند أبي الحسن قال علي: (ومعي طالع). أي: يدله على الطريق ووقع في بعض رواياته: (فأفظعني) (٤).
قال ابن فارس: أفظع الأمر وفظع اشتد، وهو مفظع وفظيع (٥).
وفيه من الفقه: تضمين الجنايات بين ذوي الأرحام، والعادة فيها أن تهدر من أجل القرابة.
وقوله: (هل أنتم إلا عبيد لأبي). قيل: أراد أن أباه جدهم والأب كالسيد.
وقيل: كان ثملًا. فقال ما ليس جدًا.

--------
(١) «المحكم» ١/ ٢٩٧.
(٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٣٩٠ مادة: عرس.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٧٥) باب: بيع الحطب والكلأ.
(٤) رواه مسلم (١٩٧٩) كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر ..
(٥) «المجمل» ٣/ ٧٢٣.



وفيه: وذلك قبل تحريم الخمر.
احتج به من لا يرى بوقوع طلاق السكران كما قال ابن الجوزي.
ووهّى النووي مقالة من قال: إن السكر لم يزل محرمًا فقال: هو قول من لا تحصل له أن السكر لم يزل محرمًا فباطل لا أصل له ولا يعرف (١).
وفيه: ما كانوا عليه من القلة.
وفيه: طلبهم الكفاف.

-----------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١٣/ ١٤٤.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #404  
قديم 19-02-2026, 11:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,241
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 191 الى صـــ 210
الحلقة (404)




٢٩ - باب ذِكْرِ القَيْنِ وَالحَدَّادِ
٢٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -. فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. [مريم: ٧٧ - ٧٨]
القين: هو الحداد، ثم استعمل في الصانع، قال ابن سيده: القين: الحداد (١). وقيل: كل صانع قين.
قلت: والقين أيضًا العبد، والقينة: المغنية والأمة والماشطة أيضًا، والتقين: التزين بأنواع الزينة، والجمع أقيان وقيون.
وقد قان الحداد قينًا ضربها بالمطرقة. وقان الشيء يقين قيانة: أصلحه.
وقالت أم أيمن: أنا قينت عائشة لرسول الله - ﷺ - (٢)، أي: زينتها.

--------
(١) «المحكم» ٦/ ٣١٤.
(٢) ذكره الحافظ في «الفتح» أيضًا ٤/ ٣١٨، وما وقفت عليه، من حديث شهر بن حوشب أن أسماء بنت يزيد بن السكن، إحدى نساء بني عبد الأشهل، دخل عليها يومًا، فقربت إليه طعامًا، فقال: لا أشتهيه، فقالت: إني قينت عائشة لرسول الله - ﷺ - .. الحديث مطولًا.
رواه أحمد ٦/ ٤٥٨، والحميدي ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠ (٣٧١)، والطبراني ٢٤ (٤٣٤)، وأبو عبد الله الأصبهاني في «مجلس إملاء في رؤية الله» ص ٣٧٦ (٨٦١)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٧/ ٢٠. وقال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٥٠ - ٥١: شهر فيه كلام وحديثه حسن.



والقين: هو في يصلح الأبنية أيضًا.
ذكر فيه حديث خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِي بْنِ وَائِل دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قلت: لَا أَكْفُرُ بمحمد حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ.
فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية [مريم: ٧٧].
هذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر قريبًا، في باب: هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في دار الحرب بلفظ: (وإني لمبعوث بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال) (١). وقال في التفسير إثره: قال ابن عباس: ﴿هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] أي: هدمًا (٢). وقد أسنده ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن أبيه، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن طلحة، عنه (٣).
قال مقاتل: صاغ خباب شيئًا من الحلي فلما طلب منه الأجر قال: ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان؟ قال خباب: نعم. قال العاصي: فميعاد ما بيننا الجنة.
وقال الكلبي ومقاتل فيما ذكره الواحدي: كان خباب قينًا وكان العاصي يؤخر حقه فأتاه يتقاضاه، فقال: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني. فقال العاصي: يا خباب

-------
(١) سيأتي برقم (٢٢٧٥) كتاب: الإجارة.
(٢) سيأتي قبل حديث (٤٧٣٥).
(٣) رواه ابن جرير ٨/ ٣٨٤ (٢٣٩٥٥) من طريق عبد الله عن معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٥١١ لابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر.



مالك! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب. قال: كنت إذ ذاك على دينك وأما اليوم فإني على الإسلام. قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا؟ قال: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة -استهزاءً- فوالله إن كان ما تقول حقًّا إني لأفضل فيها نصيبًا منك. فأنزل الله الآية (١).
وهذا الباب كالباب قبله أن الحداد لا تضره مهنته في صناعته إذا كان عدلًا.
قال أبو العتاهية:
ألا إنما التقوى هو العز والكرم … وحبك للدنيا هو الذل والعدم
وليس على حر تقي نقيصةٌ … إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم
وفيه: أن الكلمة من الاستهزاء قد يتكلم بها المرء فيكتب الله لربها سخطه إلى يوم القيامة (٢). ألا ترى وعيد الله على استهزائه بقوله ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٧٩، ٨٠] يعني من المال والولد بعد إهلاكنا إياه. ﴿وَيَأتِينَا فَرْدًا﴾ أي: نبعثه وحده تكذيبًا لظنه.
وكان العاصي بن وائل لا يؤمن بالبعث فلذلك قال له خباب: (والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث) (٣). ولم يرد خباب أنه إذا بعثه الله بعد الموت أن يكفر بمحمد لأنه حينئذٍ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، ويتمنى العاصي بن وائل وغيره أن لو كان ترابًا ولم يكن كافرًا وبعد البعث يستوي يقين المكذب به مع يقين المؤمن

--------
(١) «أسباب النزول» ص ٣١٠ (٦١٢).
(٢) سيأتي برقم (٦٤٧٧ - ٦٤٧٨) ما في معنى كلام المصنف هذا فانظره.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٢٥) كتاب: البيوع، باب: التقاضي.



ويرتفع الكفر وتزول الشكوك وكان غرض خباب من قوله إياس العاصي من كفره، وذكر ابن الكلبي عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة منهم العاصي بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأبي بن خلف.
وفيه: جواز الإغلاظ في اقتضاء الدين لمن خالف الحق وظهر منه الظلم والتعدي. فإن قلت: من عين الكفر آجلًا فهو كافر الآن إجماعًا، فكيف يصدر هذا عن خباب ودينه أصح وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد من هذا كله. قلت: لم يرد خباب هذا وإنما أراد لا تعطني حتى تموت ثم تبعث أو إنك لا تعطيني ذلك في الدنيا فهنالك يؤخذ قسرًا منك.
وقال أبو الفرج: لما كان اعتقاد هذا المخاطب أنه لا يبعث خاطبه على اعتقاده فكأنه قال: لا أكفر أبدًا. وقيل: أراد خباب أنه إذا بعث لا يبقى كفر؛ لأن الدار دار الآخرة. وقرئ: (ووُلدًا) بضم الواو ذكره الفراء، ونصبها عاصم، وثقل في كل القرآن، وقرأ مجاهد: ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، ونصب سائر القرآن. والوُلد والوَلَد لغتان، وقيس تجعل الوُلد جمعًا والوَلَد واحدًا (١).

----------
(١) «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.
قلت: قال أبو علي الفارسي في «الحجة للقراء السبعة» (٥/ ٢١٠ - ٢١١): اختلفوا في ضم الواو وفتحها من قوله -عز وجل-: (وولدا) [مريم: ٧٧] في ستة مواضع، في مريم أربعة مواضع [٧٧، ٨٨، ٩١، ٩٢] وفي الزخرف [٨١] ونوح [٢١].
فقرأهن ابن كثير وأبو عمرو: (وولدا) بالفتح؛ إلا في سورة نوح: (ماله وولده) فإنهما قرآه بضم الواو في هذِه وحدها. وقرأهن نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كل القرآن. وقرأهن حمزة والكسائي بضم الواو في كل القرآن. اهـ.
وانظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٢/ ٩٢ - ٩٣ و«تفسير الطبري» ١٢/ ٢٥٣.



وقال الفارابي: الوُلد لغة في الوَلد ويكون واحدًا وجمعًا، وذكره أيضًا بكسر الواو وفتح الواو. وقال ابن سيده: الوَلَد والوُلد ما ولد أيًّا ما كان وهو يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، ويجوز أن يكون الوُلد جمع وَلَد كوَثَن ووُثْن. والوِلد كالولد وليس بجمع. والوَلَد أيضًا: الرهط (١).
----------
(١) «المحكم» ١٠/ ١٣١.


٣٠ - باب ذِكْرِ الخَيَّاطِ
٢٠٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. [٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٤٣٣، ٥٤٣٥، ٥٤٣٦، ٥٤٣٧، ٥٤٣٩ - مسلم: ٢٠٤١ - فتح: ٤/ ٣١٨]
ذكر فيه حديث أَنَسَ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
وفي لفظ: فجعلت ألقيه إليه (١). هذا الحديث يأتي في الأطعمة أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في الأطعمة، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الوليمة (٣).
وفيه: جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ وإجابته إلى دعوته.

--------
(١) رواه مسلم (٢٠٤١).
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٩).
(٣) أبو داود (٣٧٨٢)، الترمذي (١٨٥٠)، النسائي في «الكبرى» ٤/ ١٥٥ (٦٦٦٢) كتاب: الأطعمة، باب: القديد، وقال في هامش «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦: هنا آخر كتاب الوليمة، ويلاحظ أن أبواب الوليمة وأبواب الأطعمة وآداب الأكل وكتاب الأشربة المحظورة والدعاء بعد الأكل والشرب، جاءوا في المخطوط (ج) تحت مسمى: كتاب الوليمة. اهـ.
ويبدو أنها النسخة التي نقل منها المصنف رحمه الله.



وفيه: مؤاكلة الخدم وأن المؤاكل لأهله وخدمه مباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه وإذا لم يعلم ذلك فلا يأكل إلا مما يليه. وقد سئل مالك عن ذلك فأجاب بهذا الجواب.
وفيه: دليل على جواز الإجارة خلافًا لمن لا يعتد به؛ لأنها ليست بأعيان مرئية ولا صفات معلومة.
وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري من ذكر القين والصائغ والنجار؛ لأن هؤلاء إنما تكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والذهب والفضة وهي أمور من الصنعة يوقف على حدها ولا يختلط بها غيرها، والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده فيجتمع إلى الصنعة الآلة، واحد منهما معناه التجارة والآخر الإجارة، وحصة أحدهما لا تتميز عن الأخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان يخرز بخيوطه ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع، وجميع ذلك فائدة في القياس؛ لأن الشارع وجدهم على هذِه العادة أول زمن الشريعة فلم يغيرها إذ لو طولبا بغيرها شق عليهم فصار بمعزل، والعمل به ماض صحيح لما به من الإرفاق، قاله أجمع الخطابي (١).
وفيه: تواضعه - ﷺ - إذ أجاب دعوة الخياط وشبهه، وقد اختلف في إجابة الدعوة هل هي على الوجوب أو على الندب؟
والأظهر عندنا أنها في العرس واجبة.
وفيه: إتيانه منازل أصحابه.

---------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٩ - ١٠٢٠.


وفيه: الائتمار بأمرهم، وقد قال شعيب - عليه السلام -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] فتأسى به في الإجابة.
وفيه: الإجابة إلى الثريد، وهو خير الطعام. والدباء -ممدود-: القرع، جمع دباءة، وفيه لغة بالقصر، وأنكرها القرطبي (١).
ووقع في «شرح المهذب» أنه القرع اليابس. والخبر في جاء به الخياط كان من شعير -كما ذكره الإسماعيلي- وإنما تتبعه من حوالي القصعة لأن الطعام كان مأكلًا مختلفًا، فكان يأكل مما يعجبه منه وهو الدباء ويترك ما لا يعجبه وهو القديد.
قال ابن التين: وفيه: جواز ذلك إذا أكل مع خادمه إذا كان في القصعة شيء مفرد. وحديث: «كل مما يليك» (٢)؛ لأنه لم يكن معه خادمه، وكان في القصعة شيء متماثل.
وقول أنس: (فلم أزل أحبها من يومئذٍ) حقيق أن يحب ما أحب نبيه.
وقوله: (من حوالي القصعة): يقال: رأيت الناس حوله وحولَيْه وحواله وحواليه، والجمع أحوال. وإلقاء أنس له الدباء دليل على جواز مناولة الضيفان بعضهم بعضًا، ولا نكير على فاعله، نعم، المكروه أن يتناول شيئًا من أمام غيره أو من مائدة أخرى، فقد كرهه ابن المبارك، ويأتي في الأطعمة -إن شاء الله تعالى- كما نبهنا عليه (٣).

----------
(١) «المفهم» ٥/ ٣١٤.
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٦) كتاب: الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والأكل باليمين، ورواه مسلم (٢٠٢٢) كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما.
(٣) سيأتي برقم (٥٣٧٩).



فائدة: كان أيوب خياطًا. وأول من خاط الثياب ولبسها إدريس - عليه السلام -، وكانوا قبله يلبسون الجلود. وسيأتي أن إبراهيم كان عطارًا، وأن زكريا كان نجارًا. وأجَّر موسى نفسه على الرعي صلى الله وسلم عليهم.

٣١ - باب ذِكْرِ النَّسَّاجِ
٢٠٩٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ -قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِىَ الشَّمْلَةُ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِى أَكْسُوكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْسُنِيهَا، فَقَالَ: «نَعَمْ». فَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [انظر: ١٢٧٧ - فتح: ٤/ ٣١٨]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة البردة، وسلف في الكفن من الجنائز فراجعه (١) وفيه: جواز قبول الهدية من الضعيف إذا كان له مفضلة من التبرك وشبهه. والهبة لما يسأله الإنسان من ثوبه أو غيره. والأثرة على نفسه وإن كانت به حاجة إلى ذلك الشيء، والتبرك بثوب الإمام والعالم؟ رجاء النفع به في استشعاره كفنًا وشبه ذلك، وإعداد الكفن.
والبردة كالمئزر، وربما كانت من صوف أو كتان، وربما كانت أكبر من المئزر وقدر الرداء، قاله الداودي. وظاهر إيراد الحديث أنها الشملة، أنها الصوف؛ لأن الشملة كساء يؤتزر به، قاله ابن فارس (٢).
وقوله: (منسوج في حاشيتها): قال الجوهري: حاشية الثوب: أحد جوانب الثوب (٣). وقال الهروي نحوه. وقال القزاز: حاشيتاه ناحيتاه

----------
(١) راجع شرح حديث (١٢٧٧).
(٢) «المجمل» ٢/ ٥١٢.
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٣١٣.



اللاتي في طرفها الهدب.
وقوله: (وأخذها محتاجًا إليها، ولما طلبها بعث بها إليه)؛ لأنه - عليه السلام - كان إذا أتاه شيء صرفه للمسلمين.
وقوله: (إنها إزاره): يقول: ليأتزر بها.
وقوله: (ثم رجع فطواها): يعني: رجع بعد قيامه من مجلسه.
وقوله: (لا يرد سائلًا) أي: فيما يجد وفيما ينبغي أن يجاب سائله.
وقوله: (لتكون كفني): رجاء بركتها لما صارت شعاره ولصقت بجسده.
وكذلك قال: أشعرنها إياه يعني: حقوه. وسأله عبد الله بن أُبي في قميصه في يلي جسده ليكفن والده فيه فأجاب (١).

---------
(١) سلف الحديث برقم (١٢٦٩) كتاب: الجنائز، باب: الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص، ورواه مسلم (٢٤٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه. من حديث ابن عمر.


٣٢ - باب النَّجَّارِ
٢٠٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَى رِجَالٌ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: «أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ». فَأَمَرَتْهُ يَعْمَلُهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٤/ ٣١٩]

٢٠٩٥ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ». قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ الذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ التِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ. قَالَ: «بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ». [انظر: ٤٤٩ - فتح: ٤/ ٣١٩]
ذكر فيه حديث أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَى رِجَالٌ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ» .. الحديث.
وحديث جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ: يا رَسُولِ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا .. الحديث.
وقد سلفا في الجمعة (١)، وظاهرهما التعارض؛ فإن في الأول: أنه - عليه السلام - بعث إليها، وفي الثاني: أنها قالت ذلك، فيجوز أن يكون أرسل

---------
(١) سلفا برقم (٩١٧ - ٩١٨) باب: الخطبة على المنبر.


إليها بذلك ثم أرسلت فقالت، أو تكون ابتدأته، ثم بعث إليها أن مريه، فحفظ كل واحد بعض القصة.
وكان اتخاذه سنة سبع، وقيل: سنة ثمان. حكاه ابن التين عن الشيخ أبي محمد. وكان من طرفاء الغابة، وصانعه غلام لسعد بن عبادة، قاله مالك، أو غلام العباس، أو غلام امرأة من الأنصار أو غير ذلك كما سلف في موضعه. قال ابن فارس: ناقة طرفة: ترعى أطراف المراعي ولا تختلط بالنوق، والطرفاء: شجرة معروفة (١).
وقوله: (فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها): كذا هنا. وفي لفظ: (حنت حنين الناقة التي فارقت ولدها) (٢). وفي آخر (سمع للجذع مثل أصوات العشار) (٣)، وقد أسلفنا أنه نزل فضمه، وقال:
«لو لم أضمه لحن إلى قيام الساعة» (٤).
وفيه: رد على القدرية؛ لأن الصياح ضرب من الكلام، وهم لا يجوزون الكلام إلا من حي ذي فم ولسان، كأنهم لم يسمعوا قوله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ الآية [فصلت: ٢١].
و(تئن): بكسر الهمزة، يقال: أنَّ يئن أنينًا وأنانًا: بكت على ما كانت تسمع من الذكر.

--------
(١) «المجمل» ٢/ ٥٩٤.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٢٩٣.
(٣) انظر ما سلف برقم (٩١٨)، وما سيأتي برقم (٣٥٨٥).
(٤) رواه ابن ماجه (١٤١٥) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في بدء شأن المنبر، وأحمد ١/ ٢٤٩ - ٣٦٣، والدارمي ١/ ١٨٢ (٣٩) باب: ما أكرم النبي - ﷺ - من حنين المنبر، والضياء في «المختارة» ٥/ ٣٨ (١٦٤٥)، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ١٦: إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢١٧٤).



وقوله: (حتى استقرت): أي سكنت، من قر يقر، إذا سكن. وفيه معنى آخر أي: قل صوتها شيئًا فشيئًا حتى سكنت.
وفيه: أن الأشياء التي لا روح لها تعقل، إلا إنها لا تتكلم حتى يؤذن لها. وإنما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يقبل هدايا أصحابه ويأكل معهم ويستوهب منهم؛ لأنه أب لهم رحيم بهم رفيق. وأطيب
ما أكل الرجل من كسب يده وولده من كسبه.
ومنه قول لوط صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] أي: أيامى نساء أمتي، قاله مجاهد (١)، وهو حسن، أو كان في شرعه تزويج الكافر المسلمة، أو هؤلاء بناتي إن أسلمتم. وقال عكرمة: أراد انصرافهم ولم يعرض عليهم شيئًا لا بناته ولا بنات أمته.
وقوله ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ولم يذكر بيوت الأبناء؛ لأنها داخلة في بيوتكم.
وفيه: المطالبة بالوعد، والاستنجاز فيه، وتكليف سيد العبد ما يفعله العبد، ولا يسأل عن طيب نفس العامل بما علم وكلام ما لا يعرف له كلام: الجمادات وشبهها كما سلف، وكانت هذِه آية معجزة أراد الله تعالى أن يريها عباده ليزدادوا إيمانًا، وما جرى على مجرى الإعجاز فهو خرق للعادات.
قال ابن بطال: وأما نحن بيننا فلا يجوز كلام الجمادات إلينا (٢).
قلت: لا امتناع في ذلك.

------------
(١) رواه الطبري ٧/ ٨٢ - ٨٣ (١٨٣٨٩ - ١٨٣٩٠)، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٢ (١١٠٨٨).
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧.



٣٣ - باب شِرَاءِ (١) الحَوَائِجِ بِنَفْسِهِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اشْتَرَى النَّبِيُّ - ﷺ - جَمَلًا مِنْ عُمَرَ. [٢١١٥] واشْتَرَى ابن عُمَرَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: جَاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ، فَاشْتَرَى النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهُ شَاةً. [٢١١٦] وَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا. [انظر: ٤٤٣]
ثم ساق حديث عائشة: قَالَتِ: اشْتَرى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
الشرح:
حديث عائشة سلف (٢). والغَنَمُ: اسم للشاة والمعز، لا واحد لها من لفظها، والجمع: أغنام فإذا أرادوا واحدة قالوا: شاة، صرح به القزاز.
وفيه: ما بوب له، وهو مباشرة الشريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه؛ إيثارًا للتواضع وخروجًا عن أحوال المتكبرين؛ لأنه لا يشك أحد أن جميع الأمة كانوا حراصًا على كفاية ما يعن له من أموره، وما يحتاج إلى التصرف فيه رغبة منهم في دعوته وتبركًا بذلك.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: (الإمام)، وعلَّم عليها أنها نسخة. ونسبها الحافظ في «الفتح» ٣١٩/ ٤ لأبي ذر الهروي.
(٢) الحديث السابق (٢٠٦٨).



٣٤ - باب شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالحَمِيرِ (١)
وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلًا وَهُوَ عَلَيْهِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ؟ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ: «بِعْنِيهِ». يَعْنِى جَمَلًا صَعْبًا.

٢٠٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، فَأَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «جَابِرٌ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟». قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلَّفْتُ. فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبْ». فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «تَزَوَّجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟». قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: «أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟!». قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: «أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَالكَيْسَ الكَيْسَ». ثُمَّ قَالَ: «أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟». قُلْتُ نَعَمْ. فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى المَسْجِدِ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، قَالَ: «الآنَ قَدِمْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً. فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ، فَأَرْجَحَ فِي المِيزَانِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ فَقَالَ: «ادْعُ لِي جَابِرًا». قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ. قَالَ: «خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ». [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٤/ ٣٢٠]
ثم ساق حديث جَابِرٍ في بيع الجمل.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: (والحُمُر) وعلَّم عليها أنها نسخة.


حديث جابر هذا أخرجه البخاري في نحو عشرين موضعًا ستمر بك إن شاء الله، وسلف منها: الصلاة إذا قدم من سفر (١)، وبعضه في الحج (٢).
في حديث عمر: ركوب الجمل الصعب؛ لأنه بين بعد في باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته، أن ابن عمر كان راكبًا عليه (٣)؛ فلذلك بوب عليه هنا.
وقول جابر: (كنت في غزوة).
فيه: ذكر العمل الصالح ليأتي بالأمر على وجهه لا يريد فخرًا.
وقوله: «ما شأنك؟».
فيه: تفقد لأحوال صحابته وذكرهم له ما ينزل بهم عند سؤاله.
وقوله: (فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنهِ): فيه نزول الشارع لأصحابه.
ومعنى يحجنه: يضربه بالمحجن -بكسر الميم- عصا محنية الرأس كالصولجان.
وقال ابن فارس: خشبة في طرفها انعقاف، واحتجنتُ بها الشيء (٤).
وفيه: ضرب الدواب.
وقوله: (أكفه عن رسول الله - ﷺ -).
فيه: توقيره، وهو واجب من غير شك.
وقوله: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك».

---------
(١) برقم (٤٤٣).
(٢) برقم (١٨٠١).
(٣) برقم (٢١١٥).
(٤) «المجمل» ٢/ ٢٦٦ مادة: حجن.



فيه: حض على تزويج البكر، وعلى ما هو أقرب لطول الصحبة والمودة وما تستريح إليه النفوس؛ لما فيها من طبع البشرية والضعف، وقيل: معنى تلاعبها: من اللعاب لا اللعب، يؤيده رواية البخاري في
موضع آخر: «فأين أنت من الأبكار ولعابها (١)» (٢) بضم اللام كما قيده المستملي.
وقوله: «إنهن أطيب أفواهًا».
وفيه: اعتذار جابر بأخواته.
وقوله: «أما إنك قادم»: يحتمل أن يكون إعلامًا وإن قدمت، قاله الداودي. و«الكيس الكيس» أي: الجماع، كما قاله ابن الأعرابي؛ لما فيه. والغسل من الأجر والكيس: العقل جعل طلب الولد عقلًا. وفي البخاري في موضع آخر الكيس: الولد (٣)، ولعله حضه على طلب الولد واستعمال الكيس والرفق فيه إذا كان لا ولد له إذ ذاك، وقيل: أمره أن يتحفظ لئلا تكون حائضًا. والكيس: شدة المحافظة على الشيء، وقيل: حضه على الولد؛ ليكثر الإسلام ويعملوا بشرائعه.
وفيه: سؤال رب السلعة للبيع وإن لم يعرضها له.
وفيه: وزن ما يباع به: لقوله: «بأوقية».
وفيه: الاستعجال للمقدوم.
وقوله: (وقدمت بالغداة)، أي: غداة اليوم في قدم فيه - عليه السلام -.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: رجح في «المطالع» أن تلاعبها من الملاعبة، ولم يذكر الضم في اللعاب إلا عن أبي الهيثم فقط وقدم عليه اللمز.
(٢) سيأتي برقم (٥٠٨٠) كتاب: النكاح، باب: تزويج الثيبات.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٤٦) كتاب: النكاح، باب: طلب الولد.



وقوله: (فوزن لي أوقية) هكذا هو بالألف، وادعى ابن التين أنه وقع بدونها (١).
وفيه: التوكيل في القضاء، قاله الداودي.
وفيه: الرجحان في الوزن، ولعله كان يأمره (٢) الوكيل، والوكيل لا يرجح إلا بالإذن. ومذهب مالك والشافعي والكوفيين: أن الزيادة في البيع من البائع والمشتري والحط من الثمن يجوز، سواء قبض الثمن أم لا، على حديث جابر، وهي عندهم هبة مستأنفة. وقال ابن القاسم: هبة، فإن وجد بالمبيع عيبًا رجع بالثمن في الهبة. وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة فاسدة لحقت بالعقد وأفسدته، وخالفه صاحباه (٣).
وقال الطحاوي: لا تجوز الزيادة في البيع (٤). وترك أصحابنا فيه القياس، ورجعوا إلى حديث جابر، وسنوضح ذلك في باب: استقراض الإبل.
واختلفوا في أحكام الهبة فعند مالك: أنها تجوز وإن لم تقبض.
وعند الشافعي والكوفيين: لا تجوز حتى تقبض، كما ستعرفه في أحكامها في بابه.

----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهي لغة لبعضهم وقد رأيت في بعض روايات مسلم، وقال النووي فيما رواه ثابت عن رسول الله - ﷺ -: وقد ذكرها البخاري في باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة قال ذكرها مسلم فيه، وجاءت فيها أحاديث أخر انتهى وفي «المطالع» أن الخطابي حكاه وعنده باب، وحكاه اللحياني.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي الصحيح أمره به.
(٣) انظر: «المبسوط» (١٣/ ١٢٣، ١٤/ ٨٥)، «بدائع الصنائع» ٥/ ٢٥٩، «المنتقى» ٥/ ١٣، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٩٠، «أنوار البروق» ٣/ ٢٨٤، «المجموع» ٩/ ٤٦٢، «مسائل الكوسج» (٢٢٣٣).
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٤٨.



وفيه: جواز هبة المبتاع ورد ما اشتراه، وكذا فعل في جمل عمر كما سيأتي (١).
وقد اختلف أهل العلم في البيع هل القبض شرط في صحته أم لا؟
على قولين: أحدهما: لا، وأن البيع يتم بالقول غير الربوي، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق (٢).
وثانيهما: نعم، وإنه من تمام العقد، فإن تلف قبل قبضه فمن ضمان بائعه. قال ابن المنذر: وقد وهب الشارع الجمل من جابر قبل أن يقبضه، وإذا جاز أن يهبه المشتري للبائع قبله، جاز أن يهبه لغيره وجاز بيعه، وأن يفعل فيما اشتراه ما يفعله المالك فيما ملكه، وليس مع من خالف هذا سنة يدفع بها هذِه السنة الثابتة.

--------
(١) برقم (٢١١٥).
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٥ - ١٦٧، «التفريع» ٢/ ١٣٠، «مسائل الكوسج» (١٧٨٦، ١٨٠٦، ١٨٢١، ١٨٤٥، ١٨٤٧)، «مسائل صالح» (١٢٨٧)، «مسائل ابن هانئ» (١١٧٥)، «الروايتين والوجهين» ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧، «المغني» ٧/ ١٨٨.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #405  
قديم يوم أمس, 12:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,241
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 211 الى صـــ 230
الحلقة (405)




٣٥ - باب الأَسْوَاقِ التِي كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِي الإِسْلَامِ.
٢٠٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ، قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا.
ذكر فيه حديث ابن عباس: كَانَتْ عُكَاظ وَمَجَنَّةُ … إلى آخره.
سلف في الحج (١). وفقهه أن الناس تجروا قبل الإسلام وبعده، وأن التجارة في الحج وغيره جائزة، وأن ذلك لا يحط أجر الحج إذا أقام الحج على وجهه وأتى بجميع مناسكه؛ لأن الله تعالى قد أباح لنا
الابتغاء من فضله.
وفيه: أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها؛ بل يستحب توخيها وقصدها بالطاعة وبما يرضي الرب ﷻ، ألا ترى أنه - عليه السلام - أباح دخول حجر ثمود لمن دخله متعظًا باكيًا خائفًا من النقمة ونزول السطوة.
وقوله: (فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها)، ومعنى (تأثموا): تحرجوا من الإثم: كفوا عنه، وأثم: ثلاثي إذا وقع في الإثم، فصار مثل حرج إذا وقع في الحرج وتحرج إذا كف.

----------
(١) برقم (١٧٧٠) باب: التجارة أيام الموسم.


٣٦ - باب شِرَاءِ الإِبِلِ الهِيمِ أَوِ الأَجْرَبِ
الهَائِمُ: المُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

٢٠٩٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فَاشْتَرَى تِلْكَ الإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ. فَقَالَ: مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قَالَ: مِنْ شَيْخٍ، كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ -وَاللهِ- ابْنُ عُمَرَ. فَجَاءَهُ فَقَالَ: إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ. قَالَ: فَاسْتَقْهَا. قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا فَقَالَ: دَعْهَا، رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَا عَدْوَى». سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا. [٢٨٥٨، ٥٠٩٣، ٥٠٩٤، ٥٧٧٢ - مسلم: ٢٢٢٥ - فتح: ٤/ ٣٢١]
حَدثَنَا عَلِيُّ بن عبد الله، ثَنَا سُفْيَانُ قال: قَالَ عَمْرٌو: كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ أسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إبل هِيمٌ، فَذَهَبَ ابن عُمَرَ فَاشْتَرى تِلْكَ الإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ. فَقَالَ: مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قَالَ: مِنْ شَيْخِ، كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: وَيْحَكَ -والله- ذاك ابن عُمَرَ. فَجَاءَهُ فَقَالَ: إِن شَرِيكِي بَاعَكَ إبلًا هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ. قَالَ: فَاسْتَقْهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا قَالَ: دَعْهَا، قد رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَا عَدْوى». سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا.
هذا السياق تفرد به البخاري.
وقوله: (سمع سفيان عمرًا)، هو كما قال، وقد قال عبد الله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار، وزاد: وكان نواس يجالس ابن عمر وكان يضحكه، فقال يومًا؛ وددت أن لي أبا قبيس ذهبًا.
فقال له ابن عمر: ما تصنع به؟ قال: أموت عليه، فضحك


ابن عمر (١).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: (نواس) بفتح النون وكسرها، قال صاحب «المطالع»: عند الأصيلي، والكافة نَوَّاس، وعند القابسي: نِوَاس بكسر النون وتخفيف الواو، وعند بعضهم: نواسي.
ثانيها: (الإبل) -بكسر الباء والتخفيف- اسم واحد يقع على الجميع ليس بجمع ولا باسم جمع، إنما هو دال عليه، وجمعها: إبال.
وعن سيبويه: إبلان، ذكره في «المخصص» (٢).
والهيم: هي التي أصابها الهيام: داء لا تروى معه من الماء، بضم الهاء وبالكسر اسم الفعل ومنه قوله تعالى ﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] وقيل: في الآية غير هذا، وقيل: هو داء يكون معه الجرب؛ ولهذا ترجم عليه البخاري، ويدل عليه قول ابن عمر حين تبرأ إليه بائعها من عيبها: رضيت بقضاء رسول الله - ﷺ - «لا عدوى» وقيل: الهيم جمع الأهيم والهيماء، قال ذلك الخطابي وهو: العطشان الذي لا يروى، قال: ولا أعرف للعدوى في الحديث معنى، إلا أن تكون إذا رعت مع سائر الإبل وتركت معها ظن بها العدوى، وقد تكون من الهيام: وهو جنون يصيبها فلا تلزم القصد في سيرها (٣).
قلت: للعدوى معنى ظاهر؛ ولذلك قال ابن عمر: رضيت بقضاء رسول الله - ﷺ - في صحة هذا البيع، على ما فيه من التدليس والعيب ولا عدوى عليك ولا عليه، ولا أرفعكما إلى حاكم ولا ظلم ولا اعتداء.

----------
(١) «مسند الحميدي» ١/ ٥٦١ (٧٢٢).
(٢) «المخصص» (٢/ ١٢٥).
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥.



وعبارة ابن سيده: الهيام: داء يصيب الإبل عن بعض المياه بتهامة يصيبها مثل الحمى (١). وقال الهجري: هو داء يصيبها عن شرب النجل إذا كثر طحلبه واكتنفت به الذبان (٢)، جمع ذباب بضم الذال. قلت: وفي «نوادره»: الهيام: من أدواء الإبل مجرور الهاء، وكل الأدواء بضم أولها، ثم أوضحه أكثر مما ذكره عنه ابن سيده وواحد الهيم أهيم، وهيماء في المؤنث.
وقول البخاري: (والهائم المخالف للقصد في كل شيء): أي: يهيم، يذهب على وجهه. واعترض ابن التين فقال: ليس الهائم واحد الهيم، فانظر لم أدخل البخاري هذا في تبويبه؟
قلت: وجهه لائح، فإن الإبل الهيم لما كانت تخالف القصد في قيامها وقعودها ودورها مع الشمس كالحرباء، كالرجل الهائم العاشق. قال ذلك. ولم يذكر ابن بطال غير قول صاحب «العين» (٣): الهيام كالجنون، ويقال: الهيوم أن يذهب على وجهه، والهيمان: العطشان (٤). وقال الهروي: هيم، أي: مراض تمص الماء مصًّا فلا تروى (٥)، وقيل: لا تروى حتى تموت به. وكذا قال الداودي: التي لا تشرب من الماء إلا قليلًا وهي عطاش، ومنه ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة: ٥٥] أي: لأنه ﴿كَالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] فهم عطاش أبدًا.

-------
(١) «المحكم» ٤/ ٢٨٢.
(٢) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٧٤٠. مادة [هيم].
(٣) «العين» ٤/ ١٠١.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٣١.
(٥) انظر «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٨٩.



ثالثها: كلمة: (ويح) للرحمة، كما قاله ابن سيده (١)، وقيل: ويحه كويله، وقيل: ويح تقبيح، وفي «المجمل» عن الخليل: لم يسمع على بنائه إلا ويس وويه وويل وويك. وعن سيبويه: ويح: كلمة زجر لمن أشرف على الهلكة (٢)، وقيل: لمن وقع فيها، وكذا فرق الأصمعي بين ويح وويل فقال: ويل تقبيح، وويح ترحم، وويس تصغيرها. وفي «التهذيب»: ويح: كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها؛ بخلاف ودل: فإنها للذي يستحقها (٣).
وقوله: (فاستقها)، يحتمل أن يكون قاله مجمعًا على رد المبيع أو مختبرًا هل الرجل مغتبط بها أم لا؟
وفيه من الفقه: شراء المعيب وبيعه إذا كان البائع قد عرَّف [عيبه] (٤) ورضيه (المشتري) (٥).
وليس ذلك من الغش إذا بين له. وأما ابن عمر فرضي بالعيب والتزمه، فصحت الصفقة فيه. وفيه: تجنب ظلم الصالح؛ لقوله: ويحك ذاك ابن عمر.
ومعنى «لا عدوى»، في الحديث هي ما كانت الجاهلية تعتقده، ويجوز أن يكون من الاعتداء وهو العدوان والظلم، وحديث: «لا يورد ممرض على مصح» (٦) خشية أن يصيب المصح شيء فيظن أنه منه.

---------
(١) «المحكم» ٤/ ٢٩.
(٢) «المجمل» ٣/ ٩١٣.
(٣) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٩٦٨ - ٣٩٦٩ مادة: ويح.
(٤) في الأصل: بيعه، والصواب ما أثبتناه.
(٥) من (م).
(٦) سيأتي برقم (٥٧٧١) كتاب: الطب، باب: لا هامة، ورواه مسلم (٢٢٢١) كتاب: السلام، باب: لا يورد ممرض على مصح. من حديث أبي هريرة.



٣٧ - باب بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا
وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ عند الفِتْنَةِ.

٢١٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ -مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ، -فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ. [٣١٤٢، ٤٣٢١، ٤٣٢٢، ٧١٧٠ - مسلم: ١٧٥١ - فتح: ٤/ ٣٢٢]
ثم ساق من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ.
الشرح: أثر عمران ذكره عبد الله بن أحمد في «علله» فقال: سألت ابن معمر، عن محمد بن مصعب القرقساني، فقال: ليس بشيء، وكان لي رفيقًا فحدثنا عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين: أنه كره بيع السلاح في الفتنة، فقلنا لمحمد بن مصعب: هذا يرويه عن أبي رجاء قوله، فقال: هكذا سمعه. ثم قال: يحيى لم يكن من أصحاب الحديث (١). قال عبد الله: وسمعت أبي، ذكر محمد بن
مصعب فقال: لا بأس به (٢). فقلت: أنكر يحيى عليه حديث أبي رجاء إذ رواه عن عمران قوله. فسكت.
وفي «تاريخ الخطيب» رواه محمد بن مصعب أيضًا مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - (٣)، وكذا هو في كتاب «البيوع» لابن أبي عاصم، ورواه

---------
(١) «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ٤٩٢ (١١٤٢)، ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧ (٣٨٢٩).
(٢) المصدر السابق ٢/ ٥٩٩ (٣٨٤٠) وفيه: قال: لا بأس به، وحدثنا عنه بأحاديث كثيرة.
(٣) «تاريخ بغداد» ٣/ ٣٩٤.



ابن عدي في «كامله» من حديث بحر بن كنيز السقاء -وهو ضعيف- عن عبيد الله بن القبطي عن أبي رجاء عن عمران (١).
وحديث أبي قتادة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، والبخاري مطولًا بقصة
تأتي (٣)، وأسقط هنا ما لم يتم الكلام إلا به، وهو أنه قتل رجلًا من الكفار فأعطاه - عليه السلام - درعه. والبخاري أراد بيع الدرع فذكر موضعه فقط، وذكر في الأحكام:
وقال لي عبد الله بن صالح، عن الليث: فقام رسول الله - ﷺ - فأداه إليّ (٤)، وقد ساقها مرة أخرى كذلك متصلًا (٥).

--------
(١) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠ في ترجمة بحر بن كنيز (٢٨٧).
ورواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٣٢٧ كتاب: البيوع، باب: كراهية بيع العصير ممن يعصر الخمر، والسيف ممن يعصي الله -عز وجل- به، من طريق ابن عدي، وقال: بحر السقاء ضعيف لا يحتج به.
ورواه أيضًا ٥/ ٣٢٧ من طريق محمد بن مصعب القرقساني، عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين موقوفًا، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح، ويروى ذلك عن أبي رجاء، من قوله.
وروى ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٣ في ترجمة محمد بن مصعب من أصحاب الحديث، كان مغفلًا، حدث عن أبي رجاء عن عمران بن حصين، كره بيع السلاح في الفتنة، وهو كلام أبي رجاء.
وقال الحافظ في «الفتح»: رواه ابن عدي والطبراني، وإسناده ضعيف.
وقال في «التلخيص» ٣/ ١٨ رواه ابن عدي والبزار والبيهقي مرفوعًا، وهو ضعيف والصواب وقفه.
وضعفه الألباني في «الإرواء» (١٢٩٦).
(٢) مسلم (١٧٥١).
(٣) سيأتي برقم (٣١٤٢) كتاب: فرض الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب.
(٤) سيأتي برقم (٧١٧٠) باب: الشهادة تكون عند الحاكم.
(٥) سيأتي برقم (٤٣٢٢) كتاب: المغازي، باب: قول الله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾.



والذي شهد لأبي قتادة بالقتل: الأسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس -قاله المنذري (١)، وفي الإسناد: ابن أفلح (٢)، وهو عمر بن كثير بن أفلح وأبو محمد مولى أبي قتادة واسمه: نافع (٣).
وبنو سلِمة -بكسر اللام- بطن من الأنصار، واعترض الإسماعيلي فقال: الحديث ليس في شيء من ترجمة الباب. وليس كما ذكر فإنه ذكر للترجمة على بيع السلاح في الفتنة أثر عمران، وعلى قوله وغيرها حديث أبي قتادة: إذ باع السلاح في غير أيام الفتنة، أو يقال: إن الرجل لما قال: سلب ذلك القتيل عندي فارضه فكأنه بمنزلة البيع وذلك وقت فتنة؛ لأن الرضى لا يكون إلا مع مقارنة التماثل.
والمخرف: بفتح الميم وكسر الراء وعكسه وفتحها: البستان. وقيل: الحائط من النخل يخترف فيه الرطب أي: يُجتنى، وقيل: بالكسر ما يجنى فيه الثمر أو ما يقطع به، وبالفتح: الحائط من النخل، وقال ابن سيده: المخرف: القطعة الصغيرة من النخل لست أو سبع يشتريها الرجل للخرفة (٤).

----------
(١) انظر: «تفسير الطبري» ٨/ ٩.
(٢) هو عمر بن كثير بن أفلح المدني، مولى أبي أيوب الأنصاري. روى عن: سفينة وابن عمر وكعب بن مالك وغيرهم. روى عنه: سعد بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهما، وثقه النسائي وابن حبان. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٨٨ (٢١٢٥)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ١٦٦، «تهذيب الكمال» ٢١ (٤٩١) (٤٢٩٨).
(٣) هو نافع بن عباس، ويقال: عياش الأقرع. روى عن: أبي قتادة الأنصاري وأبي هريرة وغيرهما. روى عنه: صالح بن كيسان والزهري وغيرهما.
وثقه النسائي وابن حبان وغيرهما. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٥٣ (٢٠٧٣)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٤٦٨، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٢٧٨ (٦٣٦١).
(٤) «المحكم» ٥/ ١٠٥.



و(تأثلته): جعلته أصل مالي مأخوذ من الأثلة وهو الأصل، والآثال بالفتح: المجد، وبالضم: اسم جبل وبه سُمي الرجل قال:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل … وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي (١)
أي: المجد في له أصل.
إذا تقرر ذلك فإنما كره بيع السلاح في الفتنة؛ لأنه من باب التعاون على الإثم وذلك منهي عنه. فأما بيعه في غيرها فمباح وداخل في عموم ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقال ابن التين: لعله في فتنة لا يعرف الظالم من المظلوم فيها وإلا فلو علمنا بيع من المظلوم ولم يبع من الظالم.
قلت: ومن الأول بيع العنب لعاصر الخمر فإنه حرام وباطل عند مالك، يفسغ البيع فيه (٢). وخالف الثوري فقال: لا كراهة بع حلالك ممن شئت (٣).
وفيه ذكر الرجل الصالح بصالح عمله.
فائدة: حنين: سنة ثمان (٤)، وهو واد بين مكة والطائف على ثمانية عشر ميلًا من مكة (٥).

--------
(١) البيت من قول امرئ القيس، وانظر: «لسان العرب» ١/ ٢٨ مادة [أثل].
(٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ١٥٨.
(٣) انظر: «المغني» ٦/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٤) انظر تفاصيل الغزوة في: «سيرة ابن هشام» ٤/ ٦٥، و«الكامل» لابن الأثير ٢/ ٢٦١، و«البداية والنهاية» ٤/ ٧١٨.
(٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٧١، و«معجم البلدان» ٢/ ٣١٣.



٣٨ - باب فِي العَطَّارِ وَبَيْعِ المِسْكِ
٢١٠١ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً».
ذكر فيه حديث أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً».
هذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الذبائح (١)، والمسك طاهر بالإجماع، ولا عبرة بخلاف الشيعة أن أصله دم.
قال ابن بطال: واختلف فيمن استحب المسك ومن كرهه، والحديث حجة على الجواز؛ لأنه - عليه السلام - ضرب مثل الجليس الصالح بصاحب المسك، وأخبر بعادة الناس في شرائه ورغبتهم في شمه، ولو لم يجز شراءه لبينه، وقد حرم الله بيع الأنجاس واستعمال روائح الميتة، فلا معنى لقول من كرهه، وإنما خرج كلامه - عليه السلام - في هذا الحديث على المثل في النهي على مجالسة من يتأذى بمجالسته، كالمغتاب والخائض في الباطل، والندب إلى مجالسة من ينال في مجالسته الخير، من ذكر الله وتعلم العلم وأفعال البر كلها، وقد روي

--------
(١) برقم (٥٥٣٤) باب: المسك.


عن إبراهيم الخليل أنه كان عطارًا، فيما ذكره ابن بطال (١).
ووجه إدخاله هذا الحديث في الذبائح؛ ليدل على تحليله؛ إذ أصله التحريم؛ لأنه دم فلما تغير عن الحالة المكروهة من الدم وهي الزهم وقبح الرائحة صار حلالًا بطيبها، وانتقلت حاله، وكانت حاله كحال الخمر، فتحل بعد أن كانت حرامًا بانتقال الحال. وأصل هذا في كتاب الله تعالى في قصة موسى ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا﴾ [طه: ٢٠، ٢١] فحكم لها بما انتقلت إليه، وأسقط عنها حكم ما انتقلت عنه.
وحديث الباب حجة في طهارة المسك؛ لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة ولا يأثم بذلك؛ فدل على طهارته، وممن أجاز الانتفاع به: علي (٢)، وابن عمر (٣)، وأنس (٤)، وسلمان الفارسي (٥)، ومن التابعين: سعيد بن المسيب (٦)، وابن سيرين (٧)، وجابر بن زيد (٨)، ومن الفقهاء:

------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٣٢ بتصرف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٦) كتاب: الجنائز، في المسك في الحنوط من رخص فيه، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٩٥ (٨٩١)، والبيهقي في «سننه» ٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦ كتاب: الجنائز، باب: الكافور والمسك للحنوط.
(٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤١٤ (٦١٣٩ - ٦١٤١) كتاب: الجنائز، باب: الحفاظ، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٢ - ١١٠٣٣، ١١٠٣٨)، وابن المنذر ٢/ ٢٩٤ (٨٨٩)، والبيهقي ٣/ ٤٠٦.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٠ (١١٠٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٨٩٠)، والبيهقي ٣/ ٤٠٦.
(٥) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٩٤.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٤).
(٧) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤١٤ (٦١٣٨)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٧.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٤). وانظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥.



الليث والأربعة وإسحاق (١).
وممن خالف في ذلك عمر فيما ذكره ابن أبي شيبة، أنه كره المسك وقال: لا تحنطوني به (٢)، وكرهه عمر بن عبد العزيز (٣)، وعطاء (٤)، والحسن (٥)، ومجاهد (٦)، والضحاك (٧)، وعن أكثرهم: لا يصلح للحي ولا للميت؛ لأنه ميتة، وهو عندهم بمنزلة ما قطع من الميتة ولا يصح ذلك إلا عن عطاء، كما قاله ابن المنذر (٨)، والذي رأيته في «المصنف» عنه خلافه: إذ سئل: أطيب الميت بالمسك؟ قال:
نعم، أو ليس تجعلون في الذي تجمرونه المسك (٩). ثم ما قالوه قياس غير صحيح؛ لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم وليس هذا سبيل نافجة المسك؛ لأنها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشعر، وهو في معنى الجبن والبيض واللبن.

------
(١) «المبسوط» ٤/ ٤، «تبيين الحقائق» ١/ ٧٤، «فتح القدير» ١/ ٢٠٤، «المدونة» ٣/ ٦٩، «المنتقى» ٢/ ١١، «الأم» ١/ ٦٢، «قواعد الأحكام في مصالح الآنام» ٢/ ١٦٤ وقال: والأصل في الطهارات أن يتبع الأوصاف المستطابة وفي النجاسة أن يتبع الأوصاف المستخبثة، «الفروع» ١/ ٢٤٩، «الإنصاف» ١/ ٣٢٩.
(٢) «المصنف» ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٩).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤٠).
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤١٥ (٦١٤٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤٣)، ٥/ ٣٠٨ (٢٦٣٥٠).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤٣)، ٥/ ٣٠٨ (٢٦٣٤٩).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٢ (١١٠٤٤)، ٥/ ٣٠٨ (٢٦٣٤٨).
وانظر: «الأوسط» ٢/ ٢٩٧.
(٨) «الأوسط» ٢/ ٢٩٧.
(٩) «المصنف» ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٥).



وفي أفراد مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«المسك أطيب الطيب» (١) وهو نص يقطع الخلاف.
وفي «سنن أبي داود» (٢). كان له سكّة يتطيب بها (٣). وقال ابن المنذر: روينا عن النبي - ﷺ - بإسناد جيد: أنه كان له مسك يتطيب به.
وذكره البخاري هنا بلفظ «يحذيك» يعني: يعطيك. تقول العرب: حذوته وأحذيته، إذا أعطيته، والاسم الحذيا مقصور.
وفيه: الحض على صحبة الصالح وتجنب الجليس السوء، كما سلف.
وفي الحديث: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٤).

---------
(١) مسلم (٢٢٥٢)، وانظر: «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤٧٧ (١٨٣٧).
(٢) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: لفظ أبي داود: «أطيب طيبكم المسك».
(٣) أبو داود (٤١٦٢) كتاب: الترجل، باب: ما جاء في استحباب الطيب، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٨٣١).
(٤) روي هذا الحديث من طريقين عن أبي هريرة.
الأول: من طريق زهير بن محمد التميمي عن موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعًا.
رواه من هذا الطريق: أبو داود (٤٨٣٣) كتاب: الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس، والترمذي (٢٣٧٨) كتاب: الزهد، وأحمد ٢/ ٣٠٣، ٣٣٤، والطيالسي ٤/ ٢٩٩ (٢٦٩٦)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٣٥٢ (٣٥١)، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٦٩١)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ١٧٨ في ترجمة زهير بن محمد العنبري التميمي (٧١٤) والحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٧١، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٤١ - ١٤٢ (١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٥٥ (٩٤٣٦)، وفي «الآداب» (٢٨٥)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٤/ ١١٥، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٢٣٦ (١٢٠٦) والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٩/ ١٦٧. قال حديث غريب.
الثاني: من طريق صفوان بن سليم عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا. =



وفيه: جواز اشتراء المسك وهو إجماع.
والكير: الموضع في يجمع فيه الحداد، قاله الداودي. وقيل: الفرن المبني، وقيل: الزق في ينفخ فيه.
وقوله: («لا يَعدمك») بفتح الياء أي: لا يعدوك. قال ابن فارس: ليس يعدمني هذا الأمر. أي: ليس يعدوني (١)، وضبط في أصل الدمياطي بضم أوله وكسر ثالثه.
قال ابن التين: وهو ما ضبط هنا.
وفيه: إباحة المقايسات في الدين، استنبطه ابن حبان في «صحيحه» (٢).
فائدة: المسك مذكر، ومن أنثه ذهب إلى رائحته، وذكر المسعودي في «مروجه» أصله.

----------
= رواه من هذا الطريق: الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٦٩٢)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ١٠٧، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٥٥ (٩٤٣٨)، والبغوي في «شرح السنة» ١٣/ ٧٠ (٣٤٨٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ (١٢٠٧) وقال: حديث لا يصح عن رسول الله، فيه: إبراهيم بن أبي يحيى، قد كذبه مالك ويحيى بن معين وغيرهما. اهـ. ورواه أيضًا الحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٧١ من طريق صدقة بن عبد الله عن إبراهيم بن محمد الأنصاري عن سعيد بن يسار. به، وقال: صحيح إن شاء الله تعالى ولم يخرجاه. وتعقبه الحافظ في «إتحاف المهرة» ١٥/ ١٥ (١٨٧٧٣) قائلًا: كلا؛ فصدقة ضعيف، وشيخه مجهول. قال الدارقطني في «العلل» ٨/ ٣٢٤: المعروف من رواية موسى بن وردان عن أبي هريرة اهـ. وقال النووي في «رياض الصالحين» (٣٦٧): رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وأيضًا صححه الألباني في «الصحيحة» (٩٢٧).
(١) «المجمل» ٣/ ٦٥٢ مادة: عدم.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٢/ ٣٢١.



٣٩ - باب ذِكْرِ الحَجَّامِ
٢١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ. [٢٢١٠، ٢٢٧٧، ٢٢٨٠، ٢٢٨١، ٥٦٩٦ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح: ٤/ ٣٢٤]

٢١٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ- حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَعْطَى الذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ.
ذكر فيه حديث أَنَسِ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ.
وحديث ابن عَبَّاسٍ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَعْطَى الذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ.
وأخرجهما مسلم، ولفظه في الأول: بصاع أو مد أو مدين (١).
وله في الطب والبخاري: ولم يكن يظلم أحدًا أجره (٢)، وفي لفظٍ: بصاعين من طعام (٣).

-------
(١) حديث أنس أخرجه مسلم (١٥٧٧) كتاب: المساقاة، باب: حل أجرة الحجامة.
وحديث ابن عباس أخرجه مسلم (١٢٠٢) كتاب: الحج، باب: جواز الحجامة للمحرم، وفي المساقاة بعد حديث (١٥٧٧) برقم (١٢٠٢/ ٦٥).
(٢) سيأتي برقم (٢٢٨٥) كتاب: الإجارة، باب: خراج الحجام، ورواه مسلم (١٥٧٧/ ١٧٧) بعد حديث (٢٢٠٨) كتاب: السلام، باب: لكل داء دواء، واستحباب التداوي.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٧٧)، ورواه مسلم (١٥٧٧).



ولمسلم من حديث ابن عباس: عبد لبني بياضة، وزاد تخفيف الضريبة (١).
وقد سلف الكلام على كسب الحجام قريبًا في باب: موكل الربا، وحكينا فيه عدة أقوال.
وأبو طيبة: بفتح الطاء المهملة، اسمه دينار أو نافع أو ميسرة، أقوال. قال ابن الحذاء: عاش مائة وثلاثًا وأربعين سنة (٢).
وفيه: استعمال الأجير من غير تسمية أجرته وإعطاؤه قدرها وأكثر، قاله الداودي. وهذا غير جائز عند مالك (٣) ولا غيره، ولعل محله أنهم كانوا يعلمون مقدارها فدخلوا على العادة. والحديث نص في إباحة ما تناوله، ولا وجه لكراهية أبي جحيفة لأجره، واستدلاله على ذلك بنهيه عن ثمن الدم.
وفيه: إشارة، أعنى: النهي عن رفع أمته عن الصناعات الوضيعة.

---------
(١) مسلم (١٢٠٢/ ٦٦) بعد حديث (١٥٧٧).
(٢) انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» ٤/ ٢٦٢ (٣٠٨٨)، و«أسد الغابة» ٦/ ١٨٣ (٦٠٣٢)، و«الإصابة» ٤/ ١١٤ (٦٨٢).
(٣) انظر: «المعونة» ٢/ ١٠٩.



٤٠ - باب التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
٢١٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه بِحُلَّةِ حَرِيرٍ -أَوْ سِيرَاءَ- فَرَآهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا». يَعْنِى: تَبِيعُهَا. [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح: ٤/ ٣٢٥]

٢١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى البَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟». قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». وَقَالَ: «إِنَّ البَيْتَ الذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ». [٣٢٢٤، ٥١٨١، ٥٩٥٧، ٥٩٦١، ٧٥٥٧ - مسلم: ٢١٠٧ - فتح: ٤/ ٣٢٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر (١) في إرسال رسول الله - ﷺ - إليه الحلة الحرير.
وحديث عائشة في النمرقة.
والحديثان في مسلم (٢)، وللبخاري في الأول في طريق آخر:

-----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: حديث عمر تقدم في الجمعة، وتقدم من حديث ابنه في العيد.
(٢) حديث ابن عمر رواه مسلم (٢٠٦٨) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ..
وحديث عائشة رواه مسلم (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان ..



«لتبيعها أو لتكسوها». وقالا: حلة سيراء (١). وفي الثاني: فأخذتها فجعلتها مرفقتين يرتفق بهما في البيت (٢). وفي رواية: (قرامًا) بدل: (نمرقة) (٣). والقرام: ثوب صوف ملون كما قال الخليل (٤)، والنمرقة: جمعها نمارق، وهي الوسادة. قال ابن التين: ضبطناها في الكتب بفتح النون وضم الراء، وضبطه ابن السكيت بضمهما ويكسرهما (٥)، ونمرق بغير هاء، قال: وذكرها القزاز بفتح النون وضم الراء ولم يضبطها، وقيل: هي المجالس ولعلها الطنافس. وضبطها في «المحكم» بضمهما وبكسرهما، ثم قال: قيل: التي يُلبَسُها الرَّحل (٦).
وفي «الجامع»: نمرق تجعل تحت الرحل. وقال الجوهري: هي وسائد صغيرة، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة (٧). عن أبي عبيد: والسيراء برود يخالطها حرير (٨)، قاله صاحب «العين» (٩)، وقد سلف الكلام عليها في الجمعة.
إذا تقرر ذلك:
فالتجارة فيما يكره لبسه جائزة إذا كان في البيع منفعة لغير اللابس، بخلاف ما لا منفعة فيه مطلقًا، فإنه من أكل المال بالباطل.

--------
(١) سيأتي برقم (٥٨٤١) كتاب: اللباس، باب: الحرير للنساء.
(٢) رواه مسلم (٢١٠٧/ ٩٦).
(٣) سيأتي من حديث عائشة برقم (٥٩٥٤)، ورواه مسلم (٢١٠٧/ ٩١).
(٤) «العين» ٥/ ١٥٩، مادة: (قرم).
(٥) «إصلاح المنطق» ص ١٣٤.
(٦) «المحكم» ٦/ ٣٩٣.
(٧) «الصحاح» ٤/ ١٥٦١، مادة: (نمرق).
(٨) «غريب الحديث» ١/ ١٣٨.
(٩) «العين» ٧/ ٢٩١، مادة: (سير).



وأما بيع الثياب التي فيها الصور المكروهة فظاهر حديث عائشة أن بيعها لا يجوز؛ لكن قد جاءت آثار (١) مرفوعة عن النبي - ﷺ - تدل على جواز بيع ما يوطأ ويُمْتهن من الثياب التي فيها الصور، منها ستر عائشة سهوة لها بستر فيه تصاوير، فهتكه - عليه السلام -، فجعلته قطعتين فاتكأ - عليه السلام - على إحداهما، رواه وكيع عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عنها (٢): وإذا تعارضت الآثار فالأصل الإباحة حتى يرد الحظر، ويحتمل أن يكون معنى حديث عائشة في النمرقة -لو لم يعارضه غيره- محمولًا على الكراهة دون التحريم، بدليل أنه - عليه السلام - لم يفسخ البيع في النمرقة التي اشترتها عائشة، وكأن البخاري اكتفي بذكر النمرقة عن لبس النساء. وقد يستنبط منه أنها للنساء عند الاختلاف في متاع البيت.
وقوله: (حَرِيرٍ أَوْ سِيرَاءَ) شك من الراوي.
وقوله: (فَرَآهَا عَلَيْهِ). قال الداودي: هو وهم، وقد سلف في العيد أنه أعطاها له فقال: كسوتنيها، وقد قلت في حلة عَطارد ما قلت؟ فقال: «إني لم أكسُكَها لتلبسها» فكساها عمر (٣) أخًا له بمكة مشركًا (٤).

---------
(١) من ذلك ما سيأتي عن عائشة برقم (٥٩٥٤) كتاب: اللباس، باب: ما وطئ من التصاوير، ورواه مسلم ٢١٠٧/ ٩١.
(٢) رواه من هذا الطريق ابن ماجه (٣٦٥٣)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨ (٢٥٢٧٦). قال البوصيري في «الزوائد» (١٢٤٢): رواه البخاري ومسلم من هذا الوجه خلا قوله: (فرأيت النبي - ﷺ - متكئ على إحداهما) والباقي نحوه، وإسناد طريق ابن ماجه فيه أسامة بن زيد متفق على تضعيفه. اهـ.
والحديث سيأتي برقم (٢٤٧٩)، ومسلم (٢١٠٧) من وجه آخر.
(٣) ورد بهامش الأصل: الظاهر أنه أخو أخيه زيد لأمه ثم رأيت بخط الدمياطي قيل: اسمه عثمان بن حكيم السلمي (....) إنما أخوه لأمه زيد بن الخطاب لا عمر بن الخطاب (.....).
(٤) سلف برقم (٨٨٦) كتاب: الجمعة، باب: يلبس أحسن ما يجد.



وقيل: إنه أخوه من الرضاعة؛ لأنه لا يُعلم له أخ إلا زيد (١).
والخلاق: النصيب. أي: من لا نصيب له في الآخرة.
و(الحلة): إزارٌ ورداءٌ، لا يسمى حلةً حتى يكونا ثوبين، قاله أبو عبيد (٢)، وقد سلف.
و(الصُّوَرِ): بضم الصاد وفتح (الواو) (٣) جمع صورة، قال ابن التين: وهذا ما سمعناه، ويجوز بسكون الواو.
قال الداودي: وهو ناسخ لكل ما جاء في الصور، لأنه خبر والخبر لا ينسخ، وما جاء من الرخصة فيما يمتهن فمنسوخ، لأن الأمر والنهي يدخله النسخ.
وقال غيره إن قوله: «إلا ما كان رقمًا في ثوب» (٤) ناسخ لحديث الباب؛ لأن الرخصة نسخت الشدة، والخبر إذا قارن الأمر يجوز فيه النسخ، وقد قارنه أمر وهي العادة التي أمرهم أن لا يتخذوها ثم نسخت الإباحة.
وقوله: («أَحْيُوا») هو بفتح الهمزة.
(«مَا خَلَقْتُمْ») أي: ما قدرتم وصورتم بصور الحيوان.

-----------
(١) قال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٢٣٣: قال الدمياطي: إنما كان عثمان بن حكيم أخا زيد بن الخطاب أخي عمر- لأمه، أمهما أسماء بنت وهب.
قلت -أعني الحافظ- إن ثبت احتمل أن تكون أسماء بنت وهب أرضعت عمر؛ فيكون عثمان بن حكيم أخاه أيضًا من الرضاعة كما هو أخو أخيه زيد من أمه.
(٢) «غريب الحديث» ١/ ١٣٩.
(٣) في الأصل: الراء.
(٤) سيأتي برقم (٣٢٢٦) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين.
ومسلم (٢١٠٦) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 15 ( الأعضاء 0 والزوار 15)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 246.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 242.48 كيلو بايت... تم توفير 3.55 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]